مقدمة الطبعة الأولى

 

لا أريد الآن التعريف بثورة الحسين عليه السلام و لا ينبغي لي ذلك بعد أن علم الخالق والمخلوقون بأنها غنية عن التعريف بحدودها وصمودها وأرتفاعها واتساعها. ويكفي أنها هي التي صنعت التاريخ ولم يصنعها التاريخ. وهي التي قدمتم الأمثولة الكبرى للتضحية في سبيل طاعة الله بكل ما يملك الفرد من نفس ونفيس. فالتعريف بها تعريف بالمعرف والمعرف لا يعرف. وأنما يهمني الآن التعريف بهذا الكتاب الذي بين يديك، وذلك أن القاريء انما يستطيع ان ينال منه الفائدة المطلوبة إذا أتصف بالصفات التي نشير إليها وإلا فسوف يكون الأعراض له أولى وأحجى.

 

أولاًُ: أن يكون موضوعي التفكير. لم يختر سلفا إتجاهاً مغايراً، بل يحاول أن يحكم عقله الخالص في كل ما يسمع من الأمور مطبقاً ذلك على الكتاب الكريم والسنة الشريفة فإنما هي المحك الرئيسي للمسلمين في تشخيص الحق من الباطل.

 

ثانياً: أن يكون للفرد إطلاع كاف على تاريخ الحسين عليه السلام وأصحابه واهل بيته قبل وأثناء وبعد واقعة كربلاء. فإن سرد هذا التاريخ خارج عن اختصاص هذا الكتاب. ومن هنا تعمدت حذفه وتكلمت حوله معتمداً على الإطلاع العام في أذهان القراء عن ذلك. فإن لم يكن القاريء الكريم مطلعاً على هذا التاريخ فالأفضل له أن يراجع مصادره أولاً. ثم يراجع هذا الكتاب ثانياً.

 

ثالثاً :  أن يكون للفرد اطلاع كاف عن أوضاع الخطباء المذكّرين بثورة الحسين عليه السلام أساليبهم وأقوالهم. فإني أخذت هذا الواقع المعاش ولو من بعض جوانبه وتكلمت حوله. فإن لم يكن القارئ قد أطلع على ذلك فليسال من يعرف من الأخرين.

 

رابعاً: أن يكون للفرد بعض التساؤلات عن حوادث الطف وتاريخ الحسين عليه السلام ولم يجد عنه جواباً قد دفنه في ذهنه ريثما يحيي من جديد. فإن كان من هذا القبيل فليقرأ كتابي هذا فإني كرسته لأجل هذا الغرض، وهوالجواب على أهم الأسئلة المثارة حول التاريخ الأسلامي الحسيني وأسبابه ونتائجه وتصرفات أصحابه، من حيث إمكان تصحيح ما صح عنهم وإبطال ما بطل. وينبغي الألمام سلفاً كما أشرنا في غضون الكتاب أيضاً، إلى العجز عن التعرف على الحكمة الحقيقية لتصرفاتهم (رضوان الله عليهم) كما أن المشار إليه في الكتاب هو مجموعة من الاسئلة المشهورة في الأذهان وليس جميع ما قد يخطر في الذهن نظرياً عنها. من حيث إن اثارتها أو الجواب عليها قد يثير حزازات أو مضاعفات نحن في غنى عنها في ظرف أحوج فيه إلى صقل الإيمان والدعوة إلى وحدة الكلمة بين المسلمين وزرع الألفة والحب بينهم.

 

وعسى لهذا الجهد المتواضع أن ينال رضا الله عزوجل أولاً وأخيراً.ورضا القارئء الكريم وأن يعفى عما فيه من قصور وتقصير.

 

و لا ينبغي وأنا في ختام المقدمة أن أهمل الاشارة إلى حاجة هذا الكتاب إلى المصادر فهو كما يراه القارئ خال منها، مع أنه أحوج الناس إليها. وما ذلك إلا لضيق تواجدها وضيق الوقت عن مراجعتها، ومن هنا أمكننا أن ندعو الله عزوجل أن يوفر الفرصة لطبعة أخرى من هذا الكتاب تكون هي الكفيلة بالمصادر جميعها إنه ولي كل توفيق

 

شهر صفر الخير عام 4141

 

 

محمد الصدر


 

مقدمة الطبعة الثانية

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

قبل حوالي سنوات سنحت الفرصة أن أتكلم خلال عدد من المحاضرات عن الحسين (ع) وادافع عن ثورته بما أوتيت من المحاضرات عن الحسين (ع) وأدافع عن ثورته بما أوتيت من عزم في إجابة بعض الأشكالات والشبهات التي قد تخطر في الذهن ضد ذلك. فكان هذا نحو من حسن التوفيق بفضل رب العالمين.

 

وكان من حسن التوفيق تارة آخرى أن سنحت الفرصة لتسجيل ذلك على الورق في زمن غير بعيد من إلقاء تلك المحاضرات، قد لا يعدو ان يكون شهراً واحداً. كما هو واضح من تاريخ تأليفه، فإني ألقيتها خلال شهر محرم الحرام وكتبتها في شهر صفر لنفس السنة. فكانت النتيجة هي هذا الكتاب بطبعته الأولى.

 

وكان من حسن التوفيق ثالثاً:انني بالرغم من أنني لم أستطع نشره بشكل رسمي – لو صح التعبير – فإنه واجه رغبة عارمة في المجتمع وفي قلوب المؤمنين فتعددت طبعاته واستنساخاته في داخل العراق وخارجه. وهذا من حسن الظن الذي ينعم به الله سبحانه على عبده ويجعله في نفوس إخوانه المؤمنين.

 

وعلى العادة، في أغلب ما أكتب، وأنا قليل الأمكانيات أجتماعياً واقتصادياً وعلمياً. أعني قلة الكتب والمصادر... فقد كتبت هذا الكتاب اعتماداً على حافظتي وذهني فقط. في حدود ما تصيّدت من نصوص ومفاهيم خلال مراجعاتي العامة خلال حياتي العلمية. ولم يكن من الممكن في العجالة إرجاع كل حديث إلى مصدره. ولئن كان عندي شيء قليل من الكتب، فإنها بلا شك لا تسمن و لاتغني من جوع في تخريج هذه المجموعة من النصوص. ولذا بادرت إلى إصداره بقوة قلب خالياً من المصادر واعتذرت عن ذلك في المقدمة وتم الأمر. و لا بأس بذلك فان الطريقة القديمة للتأليف كانت على ذلك وليس بدعاً غير مقبول من طرق التأليف. وإنما يستند في واقعة على الوثاقة الشخصية للمؤلف. كما كان السلف الصالح يستند إليها. فليكن هذا واحداً منها.

 

ثم إنني فجأة وعلى غير توقع استلمت نسخة مليئة بالهوامش والمصادر.قام بها أحد الفضلاء الساكنين في سورياً. كأنه أشفق على هذا الكتاب من هذا النقص فحاول تبني الموقف جزاه الله خيراً. وهو طبع بتوقيع رمزي له وللمطبعة على ما أعتقد. وأن كان بإخراج جيد وورق صقيل.

 

إلا أنه قد علق عليه بدون أن يفهم مقصودي. وأعطى لنفسه الحرية في التصرف أكثر من اللازم. ومن هنا أعتقد أنه بالرغم من جهده فإنه لم يكن موفقاً في عمله. غير أن نقطه القوة فيه هو أنه ألفتنا إلى بعض المصادر التي لم تكن تخطر على البال

 

وبقي هذا الكتاب متأرجحاً من حيث المصادر حتى تصدى له جناب الأخ المفضال الشيخ كاظم العبادي الناصري دام عزه لخوض غمار هذا البحر الواسع.وتعب عليه تعباً متكاملاً وكان يعرض ما يكتبه عليّ جزاه الله خيراً. وكان المجموع هو هذا الكتاب الذي بين يديك.

 

ولم يخل تعليقه من بعض النواحي من بيان بعض الأشكالات، ولو ضمناً، على المؤلف. وأنا عرفت ذلك ورضيت به، أخذاً بحرية التفكير المحفوظة لدينا في الحوزة العلمية الشريفة جيلاً بعد جيل.

 

وعلى أي حال ففد كانت نتيجة اعتمادي الكامل على حافظتي وذهني في تأليف الكتاب ملفتة للنظر في التحقيق الذي قام به : أذكر منها ما يلي:

 

أولاً : ان هذه المصادر التي ذكرها قد لا تكون هي نفس المصادر التي أخذت الأحاديث والنصوص منها خلال حياتي. بدليل أن بعض مصادر الهامش مما لم يصدف لي الأطلاع عليه. ولكن  لا بأس. ما دام الكتاب المذكور مصدراً للنص، ولو في الجملة.

 

ثانياً: أن النقل يكون أحياناً بالمعنى أو بالمضمون لا باللفظ، لوضوح أن الذاكرة أقرب إلى المعنى منها إلى اللفظ. ولكن لا بأس. ما دام المعنى موجوداً. كما يوجد دليل في الشريعة على جواز النقل بالمعنى. وهذا على أي حال، ما يتضح للقاريء خلال استعراضه للكتاب.

 

ثالثاً : أنه قد يكون بعض النصوص لا توجد في المصادر إطلاقاً، وإنما وجد في الذهن إما بإعتبار الحدس واما باعتبار التصيد من عدد من النصوص أو من القواعد العامة. وأوضح أمثلة ذلك النص القائل :  ( دعوا الناس على غفلاتهم) فإنني بالوجدان لا أعلم أنني أخذته من كتاب أو من مصدر آخر.

 

رابعاً: أن الجهة النفسية قد تتدخل في النصوص المنقولة. ومن أوضح أمثلته ما ذكرته خلال الكتاب من أن الأمام الحسين (ع) كان يتمثل بأبيات رابعة العدوية. وقد كررته في الكتاب أكثر من مرة وهذا ما سمعته من قبل بعض الخطباء وارتكز في ذهني بصفته مناسباً لمقتضى الحال على أي حال.

 

وقد استشكلوا عليّ في ذلك بإعتبار أن رابعة هذه متأخرة عن ذلك العصر، كما هو المشهور من تاريخها، فأجبته اعتماداً على ذاكرتي أيضاً: كلا فإنها كانت في زمن النبي (ص) والصحابة. إلا أنها كانت منعزلة عنهم بصفتها امرأة متزهدة. وإلى الآن اتذكر أني وجدت ذلك في بعض المصادر إلا انني

يتعذر عليّ تذكر عنوان ذلك الكتاب.

 

فهذا مختصر من تاريخ تأليف هذا الكتاب من الناحية الأجتماعية والنفسية معاً.

 

بقي علي أن أشير إلى أن جناب الشيخ الذي حقق هذه الطبعة اعترض على بعض التخريجات للطبعة التي أشرنا إليها. وانه راجع تلك الكتب فعلاًولم يجد النص. كما أنه لم يجدها في مصادر أخرى. وتعليقي على ذلك: بإمكان أن تكون الطبعة مختلفة أو امكان الغفلة أوالخطأ المطبعي وغير ذلك.فالأرجح، كما فعلنا الآن هو ذكر المصدر المذكور في تلك الطبعة مع الإشارة إليها بحرف (ط) ليكون المصدر على عهدته ولئلا تبقى بعض النصوص بدون مصدر وتكون النتيجة في ذمة المفكرين الآخرين.

 

الحمد لله رب العالمين وصلى الله على خير خلقه محمد وآله الطاهرين

 

الثالث من شهر رمضان المبارك عام 1417 للهجرة.

 

محمد الصدر

 


 

 

 

الأعتذار عن الأحاطة التامة

 

نحن عندما ننظر إلى أي أمر معقد أو مربوط بالحكمة الألهية أو بتصرف أحد المعصومين من قول أو فعل أو أحد الراسخين في العلم، فسوف نواجه وعورة في السير وصعوبة في الرؤية إلى حد قد يكون أحياناً أننا نجد الباب مغلقاً أمامنا تماماً للصعود الذي نطمع به ونطمح إليه، في هذا السبيل. وذلك بعد ملاحظة الأمور التالية:

 

الأمر الأول : أنه تم البرهان في مباحث العقيدة الأسلامية على أن العلم الألهي والحكمة الألهية لا متناهيان ومطلقان ولا حد لهما، وان اطّلاعه جل جلاله على الواقعيات على مختلف المستويات أكيد وثابت على أوسع نطاق. بل كل صفاته الذاتية هكذا جل جلاله وكثير من أسمائه فهو لا متناهي العلم والقدرة والحكمة والعدل والرحمة والحياة والوجود والجود والنعمة إلى غير ذلك. كما ثبت أن العقل الأنساني مهما تسامى، فهو محدود بحدود لا يمكنه ان يتعداها، كما سنشير إليه، ومن البديهي أن المحدود يستحيل أن يدرك اللا محدود . إذن فليس للأنسان أن يدرك العلم الألهي والحكمة الألهية كما هي وانما ينال منهما بقدر استحقاقه وقابليته وبمقدار عطاء الله له، و (العلم نور يقذفه الله في قلب من يشاء) (1).

 

الأمر الثاني :  أننا نشعر وجدانا بعدم إحاطتنا بالواقعيات على واقعها، لا من ناحية العقل (النظري) ولا من ناحية العقل (العملي)(2) . فإن العقل

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

(1) الوافي  للفيض الكاشاني. ج1 ص 7 . المقدمة الأولى.

(2) العقل النظري :  هو إدراك ما ينبغي أن يُعلم .

      =  العقل العملي : هو إدراك ما ينبغي أن يُعمل


 

 

لا شك يدرك عدداً من القضايا كبيراًَ جداً بوضوح تام ووجدان كامل.

 

ولكنه حين يأتي إلى قضايا أخرى بعدد كبير أيضاً، فإنه يشك فيها و لا يستطيع أن يعطي حولها قناعة أو جزماً معيناً. اما لأنها غير واضحة لذاتها أو للشك في تحقق موضوعها وموردها أو لوقوعها موقع التعارض والتزاحم مع قضايا اخرى، ولعلم العقل يجهل المحصّل  أو النتيجة التي ينبغي البت بها بعد التزاحم. و لاشك أننا لو كان عندنا إدراك للواقعيات لما تورطنا في مثل هذه الشكوك والجهالات.

 

الأمر الثالث : أننا حين نتحدث  عن أمر تاريخي كواقعة الحسين عليه السلام. فإننا يمكن أن نتمثل بهذا المثل وهو قولهم (يرى الحاضر ما لا يرى الغائب)(3) . ومن الواضح انهم كانوا حاضرين ونحن غائبون، وهم مشاهدون ونحن غير مشاهدين. إذن فليس من حقنا أن نعترض على أية واقعة تاريخية لم نشاهدها ولم نحط بها خيراً. اَذ لعل أهلها والقائمين بحوادثها قد علموا ما لم يعلم من القرائن والحوادث والعلاقات وشخصوا التكليف لهم بأن يفعلوا كذا أو يتركوه وليس لنا أن نفتح أفواهنا ضدهم بشيء ونحن غير ملمين بالموضوع من جميع جهاته. مع انهم لا شك كمعاصرين للأحداث وملاحظين لها حال وقوعها : انهم ملمون بها من جميع جهاتها.

 

الأمر الرابع : أن عدداً من الأمور النظرية والعلمية، مما يتعذر على عقولنا ادراك واقعياتها، يمكن من الناحية المنطقية طرح أفكار محدودة تحمل محتملات معقولة على شكل (أطروحات) نحاول أن نجمع القرائن على صحتها من ناحية، وندفع بها الاَستدلال المضاد من ناحية أخرى. أن المشكك حين

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

( وهذا لتعريف ذكره نصاً سماحة المؤلف في أحدى محاضرات التفسير  

(3) مجمع الأمثال ح2  ص509 ، بتصرف.


 

 

يطعن في أي  أمر انما يطعن في حكمة فاعله وصوابه، ويحاول أن يستدل بهذا على ذلك. ومن هنا تأتي الأطروحة أو تلك لأجل حمل الفاعل على الصحة والصواب وأن فعله قابل للقبول. ومعناه ان الأستدلال الذي اراده الخصم قد فشل. إذ بدخول الأحتمال يبطل الأستدلال. لأن الأستدلال من الناحية المنطقية يحتاج إلى الجزم بنتيجته؛ وهذه الأطروحات تخلخل هذا الجانب وتطيح به، ومعه يسري الفساد إلى نتيجة الأستدلال نفسها.

 

وهذا التكوين النطري(4) ، يمكن تطبيقه على كثير من حوادث التاريخ، بالنسبة إلى كثير من المعروفين السابقين وخاصة ما اذا كانوا معصومين. بل المعصومون أولى بالصحة في هذا الصدد، وأوكد من حيث قبول أفعالهم وأقوالهم، بعد ثبوت عصمتهم ببرهان ليس الآن محل ذكره. فإن لم نكن نعرف وجه الحكمة الحقيقية من بعض أمورهم فلا أقل من وجود أطروحة أو أكثر لحملها على الصحة.  مما يبطل الإستدلال والتشكيك ضدهم جزماً.

 

الأمر الخامس : ان الهدف أو الحكمة من كل قول أو فعل وارد عن معصوم أو غيره. لا ينحصر أن يكون هدفاً واحداً، بل يمكن أن يكون متعدداً، سواء ما نعلمه من الأهداف أو ما نحتمله منها. أو الأهداف التي تكون بالحكمة الألهية. والمهم الآن امكان تعدد الأهداف لأي تصرف. ومن هنا يمكن أن تتعدد الأطروحات المحتملة المصححة لتلك التصرفات.

 

الأمر السادس :  أنه ثبت في الفلسفة أن أي شيء في الخليقة فإن لوجوده نحواً من الحكمة والهدف أو قل : العلة الغائية(5)، كما يعبرون هناك

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

(4) التكوين النظري :  أي وجود صورة ذهنية بدون الألتفات إلى أنها موجودة في الخارج أم لا.

(5) العلة الغائية : وهي السبب الذي لأجله يحصل الفعل. فيقول العلاّمة الحلي في كشف المراد (ان كل = 


 

 

 

وكل موجود مشمول لذلك، سواء كان أنساناً أم حيواناًٍ أم جماداً أم ملائكه أم غيرها من الأمور. لا يشذ عن ذلك حتى الأفعال الأختيارية للفاعلين المختارين من الناس أو غيرهم. فإنها بالرغم من أنها اختيارية منسوبة لأصحابها ويستحقون عليها المدح أو القدح، إلا انها بصفتها خلقاً من خلق الله سبحانه فهي منسوبة إليه جل جلاله. ومن ثم يكون إيجادها – طبقاً لتلك القاعدة – ذا حكمة وعله غائية.

 

ومن هنا يمكن القول أو يثبت الأمر، أن أي فعل من أفعالنا فهو له نحوان من المقاصد : نحو يعود إلى الفاعل نفسه ونحو يعود إلى الخالق جل جلاله لا يختلف في ذلك فعل الأنسان البسيط عن العظيم والعالم عن الجاهل ولامعصوم عن غير المعصوم وهكذا.

 

فمثلاً، يمكن القول : ان الحسين عليه السلام انما قام بحركته العظيمة، من أجل غرضه الشخصي. بينه وبين نفسه، وذلك لأجل قيامه بواجب من الواجبات الموكولة إليه والمكلف بها. تماماً كما لو صلينا صلاة الظهر امتثالاً لأمر الله سبحانه علينا وجوباً من ناحية وطمعاً بالثواب الناتج منها من ناحية اخرى. وقد أمر الله الحسين عليه السلام، كما سيأتي شرحه، بهذه الحركة، فهو يمتثل هذا الأمر. متوخياً الثواب العظيم. والمقامات العليا التي ذخرها الله سبحانه له والتي لن ينالها إلا بالشهادة.

 

ومحل الشاهد الان، هو أن التساؤلات عن حركة الحسين عليه السلام، انما هو من قبيل التساؤلات عن الحكمة الالهية فيها، وليس عن الأغراض الخاصة بالحسين عليه السلام منها كما شرحناه ومن هنا يكون الأعتراض عليها أعني هذه الحركة، والطعن في أهدافها، انما هو طعن بالحكمة الألهية مباشرة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

= فاعل بالقصد والأرادة فأنه انما يفعل لغرض وغاية ما وإلا لكان عابثاً فإن الفاعل للبيت يتصور الإستكنان أولاً فيتجلد او إلى ايجاد البيت ثم بوجد الأستكنان بحصول البيت) . نقذ ص 95 ط قم.  


 

 

 

وليس في اَغراض الحسين عليه السلام منها. لأن أغراضه الشخصية لم تكن – بكل بساطة – الا الأمتثال وتحصيل الثواب. شأنه في ذلك شأن أي مؤمن آخر يمتثل عملاً واجباً أو مستحباً.

 

الأمر السابع : أننا لا ينبغي، ونحن ننظر إلى فهم التاريخ الأسلامي، أن ننظر إلى القادة المعصومين سلام الله عليهم كقادة دنيويين ، كما عليه تفكير طبقة من الناس، يدّعون التمسك بالفكر الديني ولكنهم متأثرون بالأتجاه المادي الدنيوي. فهم يعتبرون المعصومين قادة دنيويين كبراء. بل هم بهذه الصفة خير من خير القادة الموجودين خلال العصور كلها. في اتصافهم بعمق التفكير وحصافة الرأي وشجاعة التنفيذ ونحو ذلك. ومعه يكونون هم المسؤولون عن أهداف حركاتهم وأقوالهم وأفعالهم ولا تكون تلك الأمور منسوبة إلى الحكمة الإلهية بأي حال.

 

إلا انني أعتبر ذلك خطأ لا يغتفر، بل لا بد في النظر إليهم كقادة، من أخذ كل الأصول الدينية والعقائد الصحيحة بنظر الأعتبار. وقد ثبت أنهم معصومون مسددون من قبل الله سبحانه. فالسؤال عن الحكمة لا بد  وان يكون راجعاً إلى الحكمة الإلهية لا إلى آرائهم الشخصية مهما كانت مهمة.

 

وأوضح دليل على ذلك : هو أننا إذا أعتبرناهم قادة دنيويين، فإننا ينبغي ان تعترف بفشهلم في كثير من المهمات التي قاموا بها فعلاً. وتكون كثير من أفعالهم خالية من الحكمة والمصلحة، بل تكون واضحة الفشل من الناحية الدنيوية. فمثلاً أن الأمام الحسين عليه السلام قد خرج إلى الكوفة وبالتالي إلى كربلاء وهو يعلم انه سوف يموت وان عائلته سوف تسبى. وليس الأمر منحصراً به. بل يعلم بذلك عدد مهم من الناس. ومن هنا نصحه المتعددون أن يعيد النظر في عمله ويستدرك مهمته(6). ولكنه مع ذلك كان مهتماً بها مقبلاً عليها، مهما كانت النتائج. فلو نظرنا إليها نظراً دنيوياً لكانت في نظرنا حركة فاشلة تماماً. واذا جردنا من الأمام الحسين عليه السلام قائداً دنيوياً كان رأيه خالياً من الرشد والحكمة، وحاشاه.

 

إذن، فالأمر لا بد عائد إلى الأمر الإلهي والحكمة الإلهية، والله سبحانه يريد بإيجاد هذه الحركة أهدافاً تعدل هذه التضحيات الجسام التي قدمها هذا

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

(6) ونذكر لك بعضاً من الذين كانوا مشفقين على الحسين (ع) ونصحوه بعدم الخروج وهم:

أولاً : المسوّر بن مخرمة بن نوفل القرشي الزهري – تاريخ أبن عساكر ج13 ص69

ثانياً : عبد الله بن عباس – وسيلة المال في عد مناقب الآل ص 687  مقاتل الطالبين

الكامل لابن الأهير ج3 ص276

ثالثاً : عبد الله بن جعفر – تاريخ الطبري ج6 ص219 – البداية والنهاية ج8 ص163 -  البحار ج44 ص366 .

رابعاً : أبو بكر المخزومي بن عبد الرحمن بن الحارث المخزومي القرشي وهو أحد الفقهاء السبعة ولد في خلافة عمر وكان يقال له راهب قريش لكثرة صلاته وكان مكفوفاً وهو من سادات قريش توفي سنة 95 هـ - مروج الذهب ج3 ص6 . الطبري ج6 ص216 .

خامساً : عبد الله بن جعدة – أنساب الأشراف ج1 ق1 .

سادساً  : جابر بن عبد الله – تاريخ الأسلام للذهبي ج1 ص342.

سابعاً : عبد الله بن مطيع – العقد الفريد ج3 ص133  - البحار للمجلسي  ج44 ص371 .

ثامناً : عمرو بن سعيد – تاريخ ابن عساكر ج13 ص70 .

تاسعاً : محمد بن الحنفية – تاريخ الأسلام للذهبي ج1 ص342  ج3 ص276  البحار ج44 ص331

عاشراً : السيدة أم سلمة – أسرار الشهادة للدربندي ص192    البحار ج44ص331 .

الحادي عشر : عبد الله بن الزبير – تاريخ أبن عساكر ج13 ص67  -  البحار ج44 ص364 .

الثاني عشر : عبد الله بن سيمان والمنذر بن المشمعل الأستيان – البحار للمجلسي ج44 ص373

-         الكامل لابن الأثر ج4 ص17    

-         اسرار الشهادة ص230.

الثالث عشر   : الطرمّاح بن الحكم – البحار للمجلسي ج44 ص369  أسرار الشهادة ص226 .

الرابع عشر : عبد الله بن عمر - أسرار الشهادة ص220  منير الأحزان لأبن لما الحلي – اللهوف لأبن طاووس البحر ج44 ص365 .         


 

 

 

 

الأمام العظيم سلام الله عليه، والأمام نفسه مؤيّد ومسَدّد من قبل الله سبحانه، ومن هنا استطاع أن يعلم بنحو أو آخر بالأمر الإلهي المتوجه إليه بإيجاد هذه الحركة. اما بالأمر الموروث إليه من قبل جده رسول الله صلى الله عليه وآله. أو بالعلم اللدنّي (7) أو التسديد الإلهي الموجود لديه كواحد من المعصومين عليهم السلام.

 

وهنا يمكن أين يُستدل ببعض الأدلة الدينية على امكان النظر إلى المعصومين (ع) كقادة دنيويين، نذكر منها أهمها، كما يلي:-

الدليل الأول : قوله تعالى ( وشاورهم في الأمر)8 . الدالة على أن النبي (ص) مأمور بمشاورة أصحابه في اموره، وهو انما يحتاج إلى هذه المشاورة بصفته قائداً دنيوياً أو لو كان مؤيداً ومسدداً لما احتاج إلى هذه المشاورة. ثم أنه اذا ثبت ذلك للنبي (ص) بنص الأية الكريمة، ثبت في غيره من المعصومين بطريق أولى، بصفته خيرهم وأعظمهم. ويمكن الجواب على ذلك من وجوه نذكر بعضها:-

 

الجواب الأول : أننا اذا أمكننا أن نجرد من أي قائد معصوم قائداً دنيوياً، فلا يمكن أن يكون ذلك محتملاً في حق النبي (ص). لأن ذلك الأتجاه الفكري، اذا حصل تشكيكه في كون سائر المعصومين ذوي تأييد وتسديد ألهيين، فانه لا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (7) العلم المدّني : وهو علم ربّاني لهامي والعلم المدني هو الذي لا واسطة في حصوله بين النفس وبين الباري عزوجل. وها هو كالضوء من سراج الغيب يقع على قلب صاف فارغ لطيف (تفسير القاسمي ج11 ص 4097 نقلاً عن الغزالي) ونجد مصداق هذا العلم في قوله تعالى (فوجدا عبداً من عبادنا ءاتيناه رحمة من عندنا وعلّمناه من لّدنا علما) الكهف اية 65 أي علم لا صنعة فيه للأسباب العادية كالحس والفكر حتى يحصل من طريق الأكتساب والدليل على ذلك قوله (من لدنا) فهو علم وهبي غير اكتسابي يختص به أولياءه وآخر الأيات تدل على أنه كان علماً بتأويل الحوادث ((الميزان ج 13 ص342)).

(8) آل عمران آية 159.


 

 

 

يمكن ذلك في نبي الأسلام (ص). لأن ذلك الأتجاه الفكري يعترف بالأسلام، واعترافه هذا معناه الأعتراف بنزول الوحي على النبي (ص) في القرآن وغير القرآن، و لا نعني من التسديد الإلهي إلا ذلك. واذا نفينا ذلك، فمعناه نفي نزول الوحي على النبي (ص)، بصفته قائداً دنيوياً كما يعتبرون، اذن، فسوف يكون ذلك كفراً بالإسلام وخروجاً عنه. وبالتالي فلا يمكن أن يجتمع الأيمان بالأسلام مع افتراض أن يكون النبي (ص) قائداً دنيوياً غير مسدد. ومن الواضح أن هذه الأية الكريمة التي ذكرها المستدل نازلة على النبي (ص) فانه لا يكون غيره اولى بذلك منه، كما ذكره في الأستدلال.

 

الجواب الثاني : أننا يمكن أن نناقش دلالة الآية على ذلك من عدة وجوه:-

 

الوجه الأول : ان الآية الكريمة بنفسها دالة على أن هؤلاء الذين يكون النبي (ص) مأموراً بمشاورتهم، هم أناس واطئون من الناحية الثقافية والأيمانية، ومن الواضح أن مشاورة مثل هذه الطبقة لا تكون منتجة للنتائج العظيمة التي يتوخاها المستدل.  ودلالتها على ذلك في عدد من فقراتها كما سنرى. فانه تعالي يقول ( فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت  فظا غليظ القلب لا نفضوا من حولك. فأعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر. فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين) (9) .

 

فأولاً : قوله : (فبما رحمة من الله لنت لهم) يعني لولا هذه الرحمة المتزايدة، كما استحقاقهم هو الغضب عليهم وانتقاد تصرفاتهم والجزع من معاشرتهم.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

(9) آل عمران أية 159


 

 

ثانياً : قوله : (لا نفضوا من حولك) بعنوان أن النبي اذا كان غليظ القلب فسوف يقسو عليهم بالنصيحة والتوجيه اذن فسوف يضيقون به ذرعاً.  

ويتركونه. وهذا الدليل على ايمان متدن. اذا لو كان الأيمان عالياً لكان اللازم لهم اتباع النبي (ص) على كل حال حتى لو ضرب ظهورهم أو أعناقهم.

ثالثاً : قوله : (فاعف عنهم) الدال على أنهم مذنبون في حقه يحتاجون إلى العفو عنهم.

رابعاً : قوله : ( واستغفر لهم) الدال أنهم مذنبون أمام الله سبحانه يحتاجون إلى استغفار. وهذا هو فرقه عن الوجه السابق.

وبالعفو عنهم والأستغفار لهم سوف تزداد رحمة النبي (ص) وعطفه علهيم. وبالتالي فأن الأحجى والأرجح به (ص) أن لا يعامهلم حسب استحقاقهم بالعدل بل حسب مقتضيات الرحمة الإلهية، فان ذلك أفضل للمصلحة العامة.

 

وعلى أي حال. فمشاورتهم وهم بهذا المستوى المتدني، لا ينتج نتائج القيادة النبوية، ولا يكون مطابقاً للحكمة الحقيقية على أي حال.

 

ومن هنا لا يكون قوله : (فإذا عزمت) يعني نتيجة للمشاورة معهم، بل نتيجة للأسباب الحقيقية لذلك العزم بما فيها لاوحي الإلهي.

 

الوجه الثاني :  للجواب على الأستدلال بالأية الكريمة:

أن قوله تعالى : ( وشاورهم في الأمر) ليس بمعنى المشاورة الحقيقية التي يريد أن يفهمها المستدل. بل هي شكل من أشكال التخطيط السلوكي يجعله الله سبحانه للنبي (ص) بقوله تعالى : (فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر). لكي ينال النبي (ص) مصالح عامة عديدة، يمكن أن نفهم منها مايلي:

أولاً : أن يهديهم بسلوك الرحمة والشفقة معهم.

ثانياً ك أن يكفي شرّذي الشر منهم.

ثالثاً : ان مشاورتهم نحو من الأختبار والأمتحان لهم، ليرى النبي (ص) عملياً أنهم ناصحون له في الأراء التي سيبدونها والأقتراحات التي يقولونها أم لا.

رابعاً : ان مشاورتهم نحو من التدريب لهم على هذا الأسلوب حين يكونون هم محتاجون إلى مشاورة غيرهم، فلا ينبغي أن يتكبروا عن ذلك بعد أن كان نبيهم (ص) يتخذ هذا الأسلوب بنفسه. وهم لا شك أنهم محتاجون إلى المشاورة في تاريخ حياتهم الطويل، لانهم ليسوا معصومين، وقد يصبحون موجودين في زمان ومكان خال من معصوم يمكنهم الأهتداء برأيه والأستعانة بتسديده، كما كانوا يعتمدون على النبي (ص).

 

الوجه الثالث : ان هذا الأمر في هذه الآية الكريمة يمكن أن يكون وارداً بعنوان ((اياك أعني فاسمعي يا جاره))(10)  يعني ان يكون المخاطب بها النبي (ص) والمراد غيره. وعندنا عدد من الموارد القرآنية على هذا النحو كقوله تعالى (عبس وتولى أن جآءه الأعمى وما يدريك لعلّه يزّكى أو يذّكّر فتنفعه

____________________

(10) يضرب هذا المثل لمن يتكلم بكم ويريد به شئيا غيره وأول من قام ذلك سهل بن مالك الفزاري. ذلك أنه مر ببعض أحياء طّي فسأل عن سيد الحي فقيل له حارث بن لأم . فأم رحله فلم يصبه شاهداً فقالت له أخته أنزل في الرحب والسعة فوقع في نفسه منها شيء فدلس بقباء الخباء يوماً وهي تسمع كلامه فجعل ينشد ويقول

يا أخت خير البدو والحضارة          كيف ترين في فتى فزارة

أصبح يهوى حرةً معطارة              أياك أعني فاسمعي يا جارة

مجمع الأمثال ج1 ص83 – بتصرف – الفاخر لأبي طالب المفضل ص 158 – بتصرف- .


 

 

 

الذكرى)(11) .  إلى آخر المورد. وكقوله تعالى : ( ولو تقوّل علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين)(12)  . إلى غير ذلك من الموارد.

 

الوجه الرابع : أننا لو تنزلنا عن قبول الوجوه السابقة ، فمعنى ذلك : أن ظاهر القرآن الكريم دال على حاجة النبي (ص) إلى مشاورة غيره من البشر. وليس مؤيداً ولا مسدّدا بالوحي الإلهي والحكمة الإلهية. فيكون هذا الظهور غير محتمل دينياً على الأطلاق. وكل ظهور قرآني أو غيره ينافي القواعد العامة العقلية أو النقلية. فانه يسقط عن الحجية ولا بد من تأويله بحيث يوافق تلك القواعد. فإننا اذا تنزلنا وقبلنا في حق أي معصوم أنه قائد دنيوي، فلا يمكن ذلك بالنسبة إلى النبي (ص) قائد بني الأسلام، والقول بذلك خروج عن دينه الحنيف.

 

وبهذا ينتهي الحديث عن الأستدلال بالآية الكريمة.

 

الدليل الثاني :  لإمكان أن نحمل القائد المعصوم على أنه قائد دنيوي : أننا مكلفون بعرض محاسن الدين الأسلامي للكفار والفساق والدنيويين عموماً – لو صح التعبير – ومن الواضح أن هذه الطبقات لا تؤمن بالمعصوم معصوماً، بل غاية ما يستطاع اقناعهم به هو كونه قائداً دنيوياً فذا حكمياً رشيداً ناجحاً في قيادته. فاذا توقف عرض محاسن الأسلام عليهم على هذا النحو من التفكير أصبح صحيحاً ومتعيناً.

________________________

 

 

(11) سورة عبس آية (1-4)

(12) سورة الحاقة آية (44-46).


 

 

 

وجواب هذا الدليل: أن الصحيح – رغم كل ذلك – ليس هو ذلك. فان هؤلاء غير المتدينين بالأسلام، والمشار إليهم في الدليل يمكن تقسيمهم إلى عدة أقسام في حدود ما ينفعنا في المقام.

 

القسم الأول:  أن يكون الفرد دنيوياً، ولكنه موافق لنا في المذهب فلا يحتاج إلا إلى تفهيمه بحقيقة عقيدته وصفات قادته في صدر الأسلام.

القسم الثاني : أن يكون الفرد دنيوياً، ولكنه يتخذ أي مذهب آخر من مذاهب الأسلام الرئيسية. فيتم تفهيمه بالحقيقة عن طريق عرض التواريخ الواردة إلينا من جميع علماء وقادة الأسلام الأوائل. من حيث ان كل المذاهب تعتقد بالضرورة لقادتها كرامات ومعجزات وتأييدات الهية ونحو ذلك. مما يكاد أن يكون بالغاً حد التواتر، فالأمر ليس خاصاً بمذهب دون مذهب، بل هو أمر متفق عليه بين سائر المذاهب. فحيث أن كل المذاهب تعتقد به، فلا ضير على أي مذهب أن يعتقد به.

القسم الثالث: أن يكون الفرد دنيوياً، ولكنه يعتنق ديناً آخر غير الأسلام، وأهمّه النصرانية واليهودّية. فمثل ذلك يتم تفهيمه بالحقيقة عن طريق عرض التواريخ الواردة في دينه نفسه عن قادته الأوائل من حيث أن دينه قائم على ذلك بل كل الأديان قائمة عليه، وهو أمر متسالم بينها، على أن جميع الأنبياء والأولياء وأضرابهم أصحاب معجزات وكرامات وألهامات وتسديدات، فلا ضير على أي شخص اذا اعتقد ذلك في قادة دينه.

 

وهذه التوراة وهذا الأنجيل الموجودان طافحان بذلك في عشرات بل مئات المواضع منها. كما هو واضح لمن يراجعها. والنسخ منها متوفرة في كل العالم بلغات عديدة والرجوع إليها سهل. مما يوفر علينا مهمة الأستشهاد السريع على ذلك بل الأمر يتعدى النصرانية واليهودية إلى غيرها من الأديان كالبوذية والهندوسية والسيك وغيرهم، فإنهم جميعاً يؤمنون لقادتهم بشكل وآخر حياة مليئة بالكرامات والتسديدات، ومن ثمّ فهم ليسوا من قبيل البشر الأعتياديين على أي حال.

 

القسم الرابع : أن يكون الفرد دنيوياً، ولكنه ملحد لا يعتقد أي دين. فمثل هذا الفرد أو هذا المستوى لا يمكن البدء معه بالتفاصيل، بل لا بد من البدء معه بالبرهان على أصل العقيدة لنصل معه بالتدريج إلى التفاصيل.

 

واذا تم كل ذلك، لم يبق دليل على امكان التنزّل عن الأعتقاد بالعصمة لقادتنا المعصومين عليهم السلام، وكذلك ثبوت التأييد والتسديد الإلهي لهم.

 

كما ثبت وجوده بالدليل، وليس هنا محل تفصيله. اذن، مقتضى الأدب الأسلامي الواحب أمامهم هو التسليم لأقوالهم وأفعالهم بالحكمة. وانها مطابقة للصواب والحكمة الإلهية. والتوقيع لهم على ورقة بيضاء – كما يعبرون – ليكتبوا فيها ما يشاؤون. وهذا من مداليل وجوب التسليم المأمور به في الآية الكريمة. وهو قوله تعالى : ( أن الله وملآئكته يصلُون على النَبيِ يآ أيّها الّذين آمنوا صلُوا عليه وسلّموا تسليماً)(13) .

 

واذا ثبت لنا بنص القرآن الكريم عن النبي (ص) أنه (ليس لك من الأمر شيء)(14)  وأن (الأمر كلّه لله)(15) مع أنه خير الخلق وأفضلهم وأولاهم بالولاية. وقد نص القرآن الكريم على الأطراء عليه ووصفه بأوصاف عالية

 

 

_________________________

 

(13) سورة الأحزاب آية 56.

(14) سورة آل عمران أية 128

(15) سورة آل عمران أية 154


 

 

جداً، فهي في العديد من أياته، كقوله : ( وإنَك لعلى خلق عظيم)(16) وقوله ( وما ينطق عن الهوى إن هو إلاّ وحي يوحى)(17) وقوله : (سيؤتينا الله من فضله ورسوله)(18) وقوله (مطاع ثم أمين)(19)  وقوله (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول)(20)    وقوله ( محمد رسول الله ) (21) إلى غير ذلك. فمن تكون له هذه المزايا العظيمة وغيرها مما نعرف أو لا نعرف، يستحق حسب فهمنا أن يكون الأمر بيده. ومع ذلك فان الله سبحانه ينص على نفي ذلك: (ليس لك من الأمر شيء) (22) واذا كان خير الخلق كذلك فغيره أولى بذلك.

 

اذن، فليس شيء من تصرفات المعصومين عليهم السلام مما يرتبط بالمصالح العامة، مؤكل إليهم و لا ناتجاً عن رأيهم. وانما هو وارد إليهم من الحكمة الإلهية. أما عن طريق جدهم النبي (ص) أو عن طريق التسديد الإلهي الخاص بأي واحد منهم.

 

 

­ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

 

(16) سورة القلم أية 4

(17) سورة النجم آية 3 -4

(18) سورة التوبة آية 59

(19) سورة التكوير آية 21

(20) سورة النساء آية 59

(21) سورة الفتح آية 29

(22) سورة آل عمران آية 128

تعارض الروايات

 

هناك اشكال موجود في عدد من الأذهان، يفيد الجواب عليه بصدد المعنى الذي تحدثنا عنه.يحسن عرضه ومحاولة الجواب عليه: فإنه قد يخطر في الذهن :ان الروايات متعارضه في نسبة التأييد والتسديد إلى المعصومين سلام الله عليهم، فبينما عدد من الروايات تنص على وجوده كالمضامين التالية: (( ان الأمام اذا أراد أن يعلم شئياً أعلمه الله تعالى به))23  . وقولهم (( اننا نزداد في كل جمعة ولولا ذلك لنفذ ما عندنا)) (24)  وقولهم : ((ان الأعمال تعرض على الأمام عليه السلام في كل عام في ليلة القدر))(25)  وقولهم : (( ان العلم على اقسام : خطور في البال وقرع في السمع ونكت في القلب)) (27)  . وانما يتحدثون عمن هو دون النبي (ص) للتسالم على نزول الوحي عليه. فلا حاجة له إلى كل ذلك.واذا تم ذلك إجمالاً لغيره كان المعصومون اولى به من غيرهم. ويندرج في ذلك قول النبي (ص) لعلي عليه السلام:

________________

 

(23) أصول الكافي للكيليني ج1 باب 101 ص258 الحديث الثالث.بتصرف بصائر الدرجات جص315.

(24) أصول الكافي على هامش مرآة العقول ج1 ص185  بصائر الدرجات ج2ص213 .

(25) أصول الكافي للكيليني جص251  الحديث الثامن بتصرف واقتضاب.

(26) بصائر الدرجات للصفار جص148 .  ملحق بنفس الرحمن النوري (قد).

(27) أصول الكافي ج1 ص264  الحديث الثالث بتصرف أصول الكافي على هامش مرآة العقول جص191

(( انك ترى ما أرى وتسمع ما أسمع))(28)  وقوله أيضاً: (( يا علي ما عرف الله الا انا وأنت))(29)  إلى غير ذلك من ألسنة الروايات.

 

في حين يوجد في بعض الروايات ما يدل على ضده. أما بمضمون قول الأمام عليه السلام: (( انني ربما بحثت عن الجارية فلم أجدها))(30)  . مع أنها في الغرفة المجاورة. وأما بمضمون قوله: (( لم أدّع ولم يدّع أحد من آبائي أننا نعلم الغيب))(31)  .

 

وفي مثل ذلك: قد يقول المستشكل :أن الروايات هنا متعارضة والروايات المتعارضة تسقط عن الحجية. واذا سقطت عن الحجية لم يبق دليل على وجود الألهام والتسديد للمعصومين (ع) غير النبي (ص)، لأن الطائفة الدالة على ذلك تكون قد سقطت بالمعارضه.

 

ويمكن الجواب على ذلك بعدة وجوه نذكر أهمها:

الجواب الأول: أن مضمون الطائفة الثانية الدالة على حيرة الأمام عليه السلام في البحث عن الجارية ونحو ذلك. انما يكون في الحكمة الإلهية لدفع احتمال الربوبية عنهم عليهم السلام. لأن من تكون له مميزات عليا ومهمة، لا شك ان الناس بالتدريج قد تعتقد به الربوبية.

 

وهذا ما حصل فعلاً في التاريخ لعدد من الناس كعلي عليه السلام وبوذا والمسيح وغيره. وهذا ما لا يريد الله حدوثه وسريانه في المجتمع رحمة بالناس عن الضلال والجهل.

 

فمن هنا تحصل هذه الحوادث البسيطة أمام الناس، لكي يندفع أحتمال

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

(28) نهج البلاغة. تحقيق د. صبحي الصاّالح . خطبة 192 ص 301

(29) المحتضر للحسن بن سليمان الحلي ص38 و ص 165 – مختصر البصائر ص125.

(30) بصائر الدرجات ص 57. اصول الكافي على هامش مرآة العقول ج1 ص 186.

(31)مرآة العقول للمجلسي ج3 ص 112. (ط)


 

 

الربوية بوضوح وبالحس وبالعيان. وهذا لا يعني أنهم أناس عاديون، بل يبقى مضمون الطائفة الأولى من الأخبار الدالة على التسديد لهم قائماً.

 

الجواب الثاني: أن مضمون الطائفة الثانية الدال على حيرة الأمام عليه السلام في البحث عن الجارية ونحوها، يكون في الحكمة الإلهية، لأثبات السيطرة الإلهية والقهر الإلهي على المعصومين، لكي يفهم الناس أجمعون أن هذه المميزات التي دلت عليها الطائفة الأولى وغيرها، انما هي هبات من الله سبحانه وليس قائمة بهم ذاتا. فا لله هوالذي شرفهم وطهرهم وعلمهم واجتباهم وهداهم وعظّهم وسدّدهم وعصمهم إلى غير ذلك من الصفات.

 

ولو انقطعوا عن العطاء الإلهي طرفة عين، أو أوكلوا إلى أنفسهم طرفة عين، لكان في الأمكان انقطاع كل هذا العطاء الإلهي. ولذا ورد عن الأمام: ( اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين أبداً و لا أقل من ذلك ولا أكثر يارب العالمين)) (32).

 

فلأجل اثبات السيطرة الإلهية والتحسس بالعطاء الإلهي باستمرار، يكون مضمون الطائفة الثانية من الأخبار. حتى يكون محسوساً أن الأمام مهما كان عظيماً، فانه اذا أوكل إلى نفسه فسوف يحتار في مكان الجارية ولم يتسطيع ان يجدها. والأمر في كل شيء هكذا أيضاً.

 

الجواب الثالث : ان المعصومين عليهم السلام عموماً، بما فيهم النبي (ص) وغيره لهم عالمان: عالم الظاهر الذي يعايشون به الناس وعالم الباطن الذي يتصلون عن طريقه بالله سبحانه. ويأخذون منه التسديد والتأييد . ومن الممكن القول: ان لكل من هذين العالمين قوانينه وقواعده الخاصة به. وأن كلاً من هذين العالمين يؤثر ويشتغل بالأستقلال عن العالم الثاني. ومن هنا كانت

_____________________________________

(32) مفاتيح الجنان ص 596


 

 

الطائفة الأولى من الروايات وهي الدالة على الألهام والتسديد، تعبيراً عن العالم الباطن لهم عليهم السلام. والطائفة الثانية الدالة على حيرة الأمام في البحث عن الجارية تعبيراً عن العالم الظاهر لهم عليهم السلام. فتكون كلتا الطائفتين صادقة في حقهم عليهم السلام.

 

إلا ان هذا الجواب بالذات لا ينبغي المبالغة في نتائجه، لأننا لو أخذناه على سعته للزم منه: أنهم عليهم السلام لا يستعملون الألهام الباطني في علاقاتهم الظاهرية على الأطلاق. وهذا غير صحيح بكل تأكيد. ومن موارد النقض على ذلك تصريح الأمام الحسين عليه السلام بمقتله قبل خروجه إلى العراق(33) ، إلى غير ذلك الكثير منهم سلام الله عليهم.

 

نعم ، يمكن أن يكون ذلك مبرراً لبعض الأمور فقط. كالذي ورد في الطائفة الثانية من المضمون، وكذلك يصلح أن يكون أحد التفاسير لإقبالهم سلام الله عليهم على الموت عن اختيار وطواعية. فقد يكون بعنوان غفلتهم عن نتائج ذلك المخطط، أخذاً بجانب الظاهر من الحياة الدنيا. على أن لذلك عدة مبررات أخرى قد نتعرض لها في مستقبل هذا البحث.

 

هذا، وأما نفيهم سلام الله عليهم عن أنفسهم تلقي الوحي (34) . المراد به أحد أمور:

 

الأمر الأول :  التقية في مقابل الأرجاف بذلك من قبل المغرضين.

الأمر الثاني : أن المنفي في الرواية هو عدم ادعاء ذلك. وهو لاينفي وجوده الواقعي لهم.

ــــــــــــــــــــــــــ

 

(33) اللهوف لأبن طاووس ص 12 – مثير الأحزان لأبن نما الحلي ص 33 – ألأسرار الشهادة ص 223

(34) المختصر للشيخ حسن بن سليمان الحلي. ص 20 . وهذا المعنى موجود أيضاً في نفس الرواية التي تقول (اني أبحث عن الجارية فلا أجدها).


 

 

الأمر الثالث : أن المنفي عن الرواية هو الوحي الخاص بالنبوة(35)  . اذا لا أشكال بنزول الوحي على شكل آخر على عدد من الخلف منهم انسان وحيوان، كأم موسى ومريم بنت عمران والنحل(36)  وغيرهم بنص القرآن الكريم. فليس غريباً أن ينزل الوحي، بسبب رحمةالله ونعمته، على أعاظم الخلق عند الله سبحانه، بما فيهم المعصومون سلام الله عليهم.

 

 

________________

(35) وهو نوع من أنواع الأيحاء يكون بالخطاب. أي يسمع فيه النبي كلاماً موجهاً إليه من قبل جبرائيل (ع) أو الله سبحانه وتعالى مباشرة.

(36) لأم موسى - ) إذ أوحينا إلى أمك ما يوحى) سورة طه آية 38 ( وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه) سورة القصص آية 7.

مريم بنت عمران – (فأرسلنا إليها روحنا) سورة مريم آية 17 ( واذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على ......... ) آل عمران أية 42.

النحل – ( واوحى ربك إلى النحل) سورة النحل آية 68.

 1 :: 2 :: 3 :: 4 :: 5 :: 6 :: 7