اصحاب المعصومين
اذ قد يخطر في الذهن السؤال، عما اذا كان أصحاب المعصومين رضوان الله عليهم، وبعض الخاصة من أقاربهم، كالعباس بن علي ومسلم بن عقيل وحبيب بن مظاهر الأسدي (37) وأضرابهم، ايضاً يمكن حمل أقوالهم وأفعالهم على الصحة والحكمة كالمعصومين سلام الله عليهم. مع أنه لا ملازمة في ذلك. للأحتمال الراجح بل المتعين أن للعصمة دخلاً في الألهام والتوجيه لهم عليهم السلام، وهي غير متوفرة في أصحابهم عليهم الرضوان. فلا يكون الدليل السابق شاملاً لهم. فإن كانت النتيجة صحيحة، أعني مطابقة أعمالهم للحكمة، فلا بد أن يكون ذلك بدليل آخر، لا بنفس الدليل السابق.
وجواب ذلك : أن الدليل على ذلك متوفر في عدد من خاصة أصحاب الأئمة سلام الله عليهم وذلك لعدة وجوه:
الوجه الأول : أن مثل هؤلاء الخاصة معصومون بالعصمة غير الواجبة،
________________
(37) حبيب بن مظاهر بن رئاب بن الأشتر الأسدي الفقعسي . أجمع أرباب المصادر أنه كان شخياً صحابياً مما رأى النبي (ص) وسمع وروى حديثه ونزل الكوفة وصحب أمير المؤمنين (ع) وحضر معه جميع حروبه وكان من شرطة الحميس وهو ممن كاتب الحسين للقدوم إلى الكوفة وكانت له مواقف مسجلة في صفحات التاريخ مع مسلم بن عقيل وآخذ البيعة للحسين على يده. وبعد قتل مسلم وهاني اختفى في بيته وعشائرة فراراً من السلطة آنذاك . وبعد أن ورد إليه رسوم الحسين يخبرة بنزول الحسين كربلاء خرج ومعه غلامه متخفياً حتى وصل كربلاء قبل اليوم العاشر منالمحرم فكانت له يوم الطف أيادي بطولية ومواقف مركزة في جانب المعسكر الحسيني بحيث يقول التاريخ عنه (أنه لما قبل حبيب هد مقتله الحسين (ع)).مقتل آل بحر العلوم ص489
كما أن الأئمة معصومون بالعصمة الواجبة، فإن العصمة على قسمين :-
القسم الأول: العصمة الواجبة، وهي التي دل الدليل العقلي على ثبوتها بالضرورة للأنبياء وأوصيائهم عليهم السلام. كما هو مبحوث في العقائد الأسلامية. وهذه المرتبة عطاء من قبل الله إليهم، لا ينالها غيرهم ولا يمكن أن يكون الدليل عليها دليلاً على غيرهم أيضاً.
القسم الثاني العصمة غير الواجبة، وهي مرتبة عالية جداً من العدالة، والإنصياع لأوامر الله سبحانه ونواهيه، بحيث يكون احتمال صدورالذنب عن الفرد المتصف بها نادراً أو منعدماً، لمدى الملكة الراسخة لديه والقوة المانعة عن الذنوب فيه.
وفكرتها نفس الفكرة السابقة لأن معناها واحد من الناحية المنطقية، الا انها تفرق عنها ببعض الفروق:
أولاً: عدم شمول البرهان على العصمة الواجبة للعصمة الأخرى.
ثانيا : عدم شمول العصمةالواجبة للخطأ و النسيان بخلاف الأخرى.
ثالثاً: ملازمة العصمة الواجبة مع درجة عالية من العلم، بخلاف الأخرى فإنها قد تحصل لغير العالم كما تحصل للعالم.
رابعاً : انحصار عدد أفراد المعصومين بالعصمة الواجبة بالأنبياء والأوصياء. وأما العصمة الأخرى فبابها مفتوح لكل البشر في أن يسيروا في مقدماتها وأسبابها حتى ينالوها، وليست الرحمة الإلهية خاصة بقوم دون قوم.
إذا عرفنا ذلك،أمكننا القول بكل تأكيد : أن عدداً من أصحاب الأئمة عليهم السلام معصومون بالعصمة غير الواجبة هذه. ومعه يتعين حمل أقوالهم وأفعالهم على العصمة والحكمة، شأنهم في ذلك شأن أي معصوم.
الوجه الثاني : أن أمثال هؤلاء الأصحاب والمقربين للأئمة عليهم السلام، قد ربّاهم المعصومون عليهم السلام، وكانوا تحت رعايتهم وتوجيههم وأمرهم ونهيهم ردحاً طويلاً من الزمن، إلى حد يستطاع القول انهم فهموا الأتجاه المعمق والأرتكازي –لو صح التعبير- للمعصومين سلام الله عليهم. ومن هنا كان بإستطاعتهم ان يطبقوا هذا الأتجاه في كل أقوالهم وأفعالهم.
كما يستطاع القول : أن الأصحاب رضوان الله عليهم تلقوا من الأئمة عليهم السلام توجيهات وقواعد عامة في السلوك والتصرف أكثر مما هو معلن بين الناس بكثير. بحيث أستطاعوا ان يطبقوا هذه القواعد طيلة حياتهم.
الوجه الثالث : أن هؤلاء من خاصة الأصحاب هم من الراسخين في العلم، وقد أصبحوا كذلك لكثرة ما سمعوا ورووا عن المعصومين (ع) ابتداء بالنبي (ص) وانتهاء بالأئمة عليهم السلام، من حقائق الشريعة ودقائقها وأفكارها.
وقد يخطر في البال : أن عنوان (الراسخون في العلم)(38) خاص بقسم من الناس ولا يمكن أن يشمل قسماً آخر. فهو خاص اما بالأئمة المعصومين عليهم السلام أو بمن هو معصوم بالعصمة الواجبة بما فيهم الأنبياء عليهم السلام . وأما شمول هذا العنوان لغيرهم فهو محل اشكال. وخاصة بعد ان ورد في بعض الروايات (39) تفسيره بأحد هذين المعنيين.
وجوابه : أن أخص الناس ممن يمكن اتصافه بهذه الصفة هم المعصومون عامة والأئمة خاصة، وهم القدر المتيقن من هذا العنوان، أعني الراسخين في العلم. وهم فعلاً كذلك . ولا يمكن أن يضاهيهم بدرجتهم أحد. ومن هنا ورد التفسير في ذلك (40) الا أن هذا لا ينافي أن يكون الباب مفتوحاً لكثرين في ان
________________________
(38) سورة آل عمران آية 7.
(39) أصول الكافي للكليني ج1باب 77 ص 213.
(40) مجمع البيان للطرسي ج2 ص 701.
يتصفوا بهذه الصفة. بعد ان يصلوا إلى جرجات عالية من طهارة النفس والأخلاص واليقين. وان اهم وأخص من يمكن ان يتصف بذلك هم أصحاب الأئمة عليهم السلام. ممن تربوا على أيديهم وانصاعوا إلى توجيهاتهم.
فإذا تم لنا ذلك أمكننا أن نعقب عليه ما يتصف به الراسخون بالعلم من مزايا وصفات تفوق غيرهم بما لا يقاس ولا يعرفه الناس بما فيه الأطلاع على مراتب من تفسير وتأويل القرآن الكريم. وكذلك الأطلاع على كثير من واقعيات الأمور التي لا يعرفها الا الخاصة من الخلق. وانما نحن نعترض ونستشكل لمدى جهلنا بهذه المراتب العليا ولمدى قصورنا وتقصيرنا لا اكثر ولا أقل.
الوجه الرابع : أن هؤلاء من خاصة أصحاب الأئمة عليهم السلام من (المقرّبين).بعد أن نلتفت ان (سورة الواقعة) من القران الكريم قسمت البشر إلى ثلاثة أقسام لا تزيد و لا تنقص هم :
أولاً : أصحاب الشمال (41) أو أصحاب المشئمة(42) وهم أصحاب النار هم فيها خالدون.
ثانياً : أصحاب اليمين (43) .
ثالثاً: المقربون (44) .
اذن فالأخيار من الناس، غير (أصحاب الشمال) على قسمين : أصحاب يمين ومقربون. وهذان القسمان يختلفان كثيراً في الدرجات عند الله سبحانه إلى
______________
(41) سورة الواقعة . آية 41
(42) سورة الواقعة اية 5
(43) سورة الواقعة . آية 38 و 90 و 91
(44) وهم السابقون كما عبر عنهم القرآن فيقول الله تعالي (السابقون السابقون أولئك المقربون)
سورة الواقعة آية (10 – 11 ).
حد يستطاع القول : أن العوالم التي يعيشونها في الجنان بعد هذه الحياة ليس من جنس واحد بل هي من جنسين مختلفين تماما. و لا يمكن ايضاح تفاصيله في هذه العجالة . يكفي ان نشير إلى ان الجنة الموصوفة في ظاهر القرآن الكريم والتي يطمع بها سائر الناس انما هي جنة أصحاب اليمين. وأما جنات المقربين فهي شي آخر ومن جنس مختلف لا يشبه ذاك على الأطلاق.
وينبغي الألتفات إلى ان الباب بالرحمة الإلهية مفتوح لكل أحد في ان يصبح من أصحاب اليمين أو المقربين، بمقدار ما أدى من عمل وبمقدار ما يطيق من قواه العقلية والنفسية والروحية ونحو ذلك من الأمور.
فإذا تم لنا ذلك أمكننا بكل تأكيد أن نقول: ان خاصة أصحاب الأئمة عليهم السلام. هم فعلاً من المقربين وليسوا فقط من اصحاب اليمين.
ومن كان من المقربين كان من المهمين المسددّين من قبل الله سبحانه جزماً بنص القرآن .ومثاله نزول الوحي على مريم بنت عمران (45) وآسية بنت مزاحم (46) زوجة فرعون وأم موسى (47) والعبد الصالح (48) وكلهم ليسوا من الأنبياء ولا المرسلين.
واذا ثبت كون خاصة أصحاب الأئمة عليهم السلام ، الراسخين في العلم ومن المقربين، فلا عجب في اتصافهم بأوصاف تفوق غيرهم بمراتب مثل قوله (ص) : ((سلمان منا أهل البيت)) (49) وقوله (( ما أقلت الغبراء وما أضلت
______________
(45) سورة آل عمران. آية (42 -43) – سورةمرية آية 17
(46) ( وقالت أمرات فرعون قرت عين لي ولك لا تقتلوه عسى ان ينفعنا او نتخذه ولداً وهم لا يشعرون) سورة القصص آية 9.
(47) سورة طه آية 38 – سورة القصص آية 7
(48) فوجدا عبداً من عبادنا ءاتيناه رحمةمن عندنا وعلمناه من لدنا علما) سورة الكهف آية 65.
(49) الميزان في تفسير القرآن للطبطباتي ج16 ص 292 – أسد الغابة لأبن الأثر ج2 ص 328.
- وسلمان الفارسي هوابوعبد الله ويعرف بسلمان الخير مولى رسول الله (ص) وسئل عن نسبه
الخضراء ذي لهجة أصدق من أبي ذر))(50) وما ورد من أن حذيفة(51) وميثم التّمار(52) وحبيب بن مظاهر كان لديهم علوم خاصة قد نسميها:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
= فقال : أنا سلمان ابن الأسلام. أصله من فارس من رام هرمز وقيل أنه من حبي وهي مدينة أصفهان وكان أسمه قبل الأسلام مابه بن بوذ خشان بن مورسلان بن بهبوذان بن فيروز بن سهرك من ولد آب الملك قد قال فيه رسول الله (ص): (ان الجنة تشتاق إلى ثلاثة : علي وعمار وسلمان). وكان سلمان من خيار الصحابة وزهادهم وفضلاتهم وذوي القرب من رسول الله . قالت عائشة: كان لسلمان مجلس من رسول الله (ص) بالليل حتى كاد يغلبنا على رسول الله (ص). وسئل علي(ع) عن سلمان فقال : (علّم العلم الأول والعلم الآخر وهو بحر لا ينزف وهو منا أهل البيت). وكان عطاته خمسة آلاف فاذا خرج عطاؤه فرقه وأكل من كسب يده وكان يسف الخوص وهو الذي أشار على رسول الهل (ص) بحفر الخندق لما جاءت الأحزاب فلما أمر رسول الله بحفرة احتج المهاجرون والأنصار في سلمان وكان رجلاً قوياً فقال المهاجرون سلمان منا وقال الأنصار سلمان منا فقال رسول الله (ص) (سلمان منا أهل البيت). توفي سنة 35هـ آخر خلافة عثمان وقيل أول سنة 36 هـ وقيل توفي في خلافة عمر والأول أكثر. قال العباس بن يزيد : قال أهل العلم عاش سلمان ثلاثمائة وخمسين سنة. وقال أبو نعيم : كان سلمان من المعمرين يقال أنه أدرك عيسى بن مريم وقرأ الكتابين. أسد الغابة ج2 ص 328.
(50) أسد الغابة لأبن الأثر ج1 ص 301 – الكنى والألقاب ج1 ص 74.
وأبو ذر الغفاري هو جندب بن جنادة وقيل ندب بن السكن مهادري أحد الأركان الأربعة، روي عن الأمام الباقر (ع) انه لم يرتد مات في زمن عثمان بالربذة سنة 31 أو 32 هـ بعد ما نفي هناك. له خطبة يشرح فيها الأمور بعد النبي وقال فيه النبي ( ما أضلت الخضراء ولا أقلت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر) الكنى والألقاب ج1 ص 74.
(51) حذيفة بن اليمان وهو حذيفة بن الحسل ويقال حسبل بن جابر بن عمرو...... بن عبد الله العبسي واليمان لقب حسل بن جابر، هاجر إلى النبي (ص) فخيره بين الهدرة والنصرة فاختار النصرة وشهد مع النبي أحد وقتل أبوه بها ويذكر عند اسمه. وحذيفة صاحب سر رسول الله (ص) في المنافقين لم يعلمهم أحد الا حذيفة أعلمه بهم رسول الله (ص) وسأله عمر أفي عمّالي أحد من المنافقين قال : نعم. وكان عمر اذا مات ميت يسأل عن حذيفة فإن حضر الصلاة عليه صلّى عليه عمر وان لم يحضر حذيفة الصلاة لم يحضر عمر. وشهد حذيفة الحرب في نهاوند فلما قتل النعمان بن مقرن أمير ذلك الجيش أخذ الراية وكان فتح هندان والري والدينور على يده وشهد فتح الجزيرة ونزل نصيبين وتزوج فيها. وأرسله رسول الله(ص) ليلة الأحزاب سرية ليأتيه بخبر الكفار . وكان مؤته بعد قتل عثمان بأربعين ليلة سنة 36 هـ. اسد الغابة ج1 ص 39.
علم المنايا والبلايا أو علم ما كان وما يكون أو علم الجفر ونحو ذلك. ومثله ما ورد : أن علياً عليه السلام قال لابنه العباس عليه السلام وهو صغير: ((قل واحد. فقال : واحد، فقال له قل اثنين. فرفض))(53) لأنه عليه السلام يجد الوجود الإلهي والنور الإلهي هو الواحد الأحد، ولا شيء غيره . اذن فلا يوجد أثنان ليقول : اثنين. وهذا كان ثابتاً له في صغره فكيف يصبح وماذا ينال من مدارج اليقين في كبره؟. إلى غير ذلك من الروايات.
الوجه الخامس : أن التصرفات المهمة التي ترتبط بالمصالح العامة وبالحكمة الإلهية في تدبير المجتمع وتسبيب أسبابه، هي دائماً محل عناية الله
__________________
(52) ميثم التمّار : كان ميثم (رض) عبداً لأمراة من بني أسد فاشتراه أمير المؤمنين (ع) واعتقه على كثير واسراراً خفية من أسرار الوصية فكان ميثم يحدث ببعض ذلك فيشك فيه قوم من أهل الكوفة = *** وينسبون علياً (ع) في ذلك إلى المخرقة والأيهام والتدليس حتى قال (ع) له يوماً بمحضر خلق كثير من أصحابه وفيهم الشاك والمخلص ( يا ميثم انك تؤخد بعدي وتصلب وتطعن بحربة فإذا كان ذلك اليوم الثالث ابتدر منحراك وفمك دماً فتخضب لحيتك فانتظر ذلك الخضاب فتصلب على باب دار عمرو بن حريث عاشر عشرة أنت أقصرهم خشبة وأقربهم من المطهرة. وأمض حتى أريك النخلة التي تصلب على جدعها) فأراه اياها. فكان ميثم يأتيها ويصلي عندها ويقول بوركت من نخلة لك خلقت ولي غذيت. ولم يزل يتعاهدها حيث قطعت، وحتى عرف الموضع الذي يصلب عليه في الكوفة وحد في السنة التي قتل فيها فدخل على أم سلمة (رض) فقالت من أنت قال أنا ميثم. قالت : والله لربما سمعت رسول الله (ص) يذكرك ويوصي بك علياً (ع) في جوف الليل فسألها عن الحسين (ع) فقالت : هو في حائط له قال : أخبريه أنن يأحببت السلام عليه ونحن ملتقون عند رب العالمين انشاء الله فدعت بطيب وطيبت لحيته، وقال أما أنها ستخضب بدم. فقدم الكوفة فأخذه عبيد الله بن زياد فحبسه وحبس معه المختار بن ابي عبيدة فقال له ميثم انك تفلت وتخرج ثائراً بدم الحسين (ع) فتقتل هذا الذي يقتلنا فلما دعى عبيد الله بالمختار ليقتله طلع بريد بكتاب يزيد إلى عبيد الله يأمره بتخلية سبيله فخلاه وأمر بميثم أن يصلب فلما رفع على الخشبة اجتمع الناس حوله على تحت خشبته ورشة وتجميره فجعل ميثم يحدث بفضائل بني هاشم فقيل لابن زياد قد فضحكم هذا العبد فقال ألجموه وكان أول خلق الله ألجم في الأسلام. الكنى والألقات ج3 ص217 .
(53) خاتمة المستدرك للعلامة النوري ج 3 ص 815 . نقلاً عن مجموعة الشهيد الأول (قد).
سبحانة وتدبيره، وكل شيء يتوقف على ذلك فهو حاصل لا محالة بقدرة الله سبحانة، وكل مانع يمنع عنه فهو منتف بقدرته أيضاً. لكن مع حفظ ظاهر الأسباب والمسببات المعهودة بطبيعة الحال. والمقصود صدق ما ورد من ((ان لله غايات وبدايات ونهايات في أفعاله جل جلاله)) (54) . وأن الأمور تسير كنظام الخرز يتبع بعضها بعضاً. الأمر الذي ينتج أن ما يريده الله سبحانه في البشر حاصل لا محالة. و لا يستطيع أحد على الأطلاق تغييره.
وأن خطر في ذهنه كونه مؤثراً أو فاعلاً لشيء من الأشياء قلّ أو كثر من هذه الجهة أو أي جهة أخرى.
فاذا تم لنا ذلك : أمكننا القول بأن تصرفات الأئمة سلام الله عليهم وأصحابهم لا شك مندرجة في هذا النظام الإلهي العام. ومؤثرة في سير التاريخ البشري عامة والأسلامي خاصة. وحيث عرفنا ان كل ما يريده الله سبحانه في هذا التاريخ فإنه لا بد من حدوثه، يعني حتى لو توقف على أي سبب خارق للطبيعة. ومن المستطاع القول عندئد ان الالهام والتوجيه الإلهيين لهؤلاء ضروري في هذه المرحلة من التاريخ. بل في كل مرحلة منه، بل ليس من الضروري في الفرد أن يعلم كونه موجهاً ومسدداً من قبل الله سبحانه، بل قد يكون كذلك من حيث لا يعلم لمدى أهمية تأثيره في المصالح العامة والتاريخ الأسلامي أو العالم.
و لاشك أننا نستطع ابراز بعض النقاط لأصحاب الأئمة عليهم السلام، لايضاح مدى تأثير أعمالهم وأقوالهم في التاريخ القريب والبعيد:
النقطة الأولى : كونهم منسوبين إلى الأئمة عليهم السلام مع أن تأثير الأئمة أنفسهم في التاريخ أوضح من أي يخفى وقد يكون ذلك عن طريق أصحابهم . بل كثيراً ما يكون ذلك.
_____________
(54) كشف المراد للعلامة ص 306
النقطة الثانية : كون الدين الأسلامي في صدر الأسلام كان محصوراً في منطقة محدودة وغير منتشر في بقاع عديدة من العالم مما بلغه بعد ذلك.
النقطة الثالثة : قوة الأعداء المتربصين بالدين وأهل الدين بالمكر والحيلة والغيلة، من الداخل ومن الخارج على السواء .
النقطة الرابعة : الأعداد لظهور المهدي عليه السلام في آخر الزمان فإن نجاح حركته اذ يريد أن يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً(55) .
وكما هي وضيفته الإلهية في ذلك .
أقول : نجاحها يتوقف على أسباب وتلك الأسباب ينبغي أن يعدها الله قبله. وهو جل جلاله فاعل ذلك لا محالة. لأن ظهور المهدي عليه السلام وعد والله لا يخلف الميعاد.
وقد يخطر في الذهن : أنه يكفي الإعداد للظهور في العشر السنوات الأخيرة السابقة عليه في علم الله سبحانه. قلنا : كلا، فإن الحال في هذه العشر سنوات ايضاً تحتاج إلى سبب وسببه يحصل في العشر السنوات التي قبلها . وهكذا إلى ان يصل إلى عصر صدر الأسلام، ويتصل بالأئمة المعصومين عليهم السلام وأصحابهم. بل يتصل بما قبل الأسلام منذ نزول آدم عليه السلام فما بعده، لأن ذلك كله نظام واحد متصل ومتسلسل يتبع بعضه بعضاً في الحكمة الإلهية كنظام الخرز.
الوجه السادس : ان ما ذكرناه من الوجوه السابقة قد يناقش في عمومها لكل أصحاب الأئمة أو قل: لكل تصرفاتهم. وان كان الوضع السابق يجعلها شاملة على أي حال. ولكن المقصود الآن . ان بعض التصرفات من بعض
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(55) البرهان للمتقي الهندي : الباب 11، الحديث (2-3) – أعيان الشيعة للاميني ج2 ص46
أصحابهم غير الخاصة منهم، يمكن ان تكون على خطأ أو قابلة للمناقشة بشكل وآخر. وليس بالضرورة ان تكون الأقوال والأفعال والتصرفات الموجودة في ذلك الحين، ضرورية الحمل على الصحة. ويكون التاريخ مسؤولاً عن تصحيحها . بل يمكن نقدها واعتبارها باطلاًُ فعلاً، وتحميل مسؤوليتها على أصحابها. سواء اعتبرناهم معذورين فعلً عنها غفلة أو جهلاً او غير معذورين باعتبار التفاتهم اليها وتعمدهم لها. وهذا يكون موكولاً إلى الباحث التاريخي ولا حاجة الآن إلى تسمية احد بهذا الصدد.
إلقاء النفس في التهلكة
ينبغي لنا، ونحن بصدد الحديث عن حركة الحسين عليه السلام وثورته، أن نتصدى للجواب عن بعض الأسئلة الرئيسية بهذا الصدد. ومن أهمها ما قد يرد على بعض الألسن من أن الحسين عليه السلام القى نفسه في التهلكة، والقاء النفس في التهلكة حرام بنص القرآن(56) .
وهذا لاوجه لا يخص الأمام الحسين عليه السلام، وان كان فيه أوضح باعتبار القرائن المتوفرة الواضحة التي تدل على مقتله لو سار في هذا الطريق وعدم امكانه الحصول على الأنتصار العسكري المباشر، ولكنها ايضاً شبهة موجودة بالنسبة للأئمة الآخرين عليهم السلام، من حيث سيرهم في طريق الموت في حين انهم يعلمون بحصوله. كما هو المبرهن عليه والوارد عندنا في حقهم (57) ، وقد حصلنا فكرة كافية عن احاطة علومهم فيما سبق. اذن فهم يعلمون بحصول هذه الوفاة في هذا الطريق فلماذا ساروا فيه ؟ سواء كان المراد الأمام الحسين أو غيره من المعصومين. وهل السير في ذلك الا السير في طريق التهلكة المحرمة بنص القرآن الكريم؟.
ويمكن الجواب على ذلك بعدة وجوه نذكر أهمها:
الوجه الأول : انه يمكن القول ان الآية الكريمة : ( ولا تلقوا بأيديكم
_____________
(56) وهو قوله تعالى ( وانفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة واحسنوا إن الله يحب المحسنين) سورة البقرة . آية 195.
(57) أصول الكافي للكليني ج1 ص258 – باب 102- أعلام الورى للطبرسي ص340 – مراة العقول للمجلسي ج3 ص108.
إلى التهلكة)(58) . خاصة غير عامة. فإن خصوصها وعمومها انما هو ناشيء من المخاطب فيها في قوله: ولا تلقوا . والمخاطب فيها غير محدد.
وأوضح المصاديق الآخرى من القرآن الكريم لذلك قوله تعالى : ( وإن منكم الا واردها كان على ربك حتماً مقضياً)(59) . فإن المخاطب فيها غير محدد، واذا لم يكن محدداً لم يكن عمومها أكيداً، كما يفهم سائر الناس.
وقد يستشكل : أن الظاهر هو العموم، وان الضمير يعود إلى سائر المسلمين. بما فيهم الأئمة عليهم السلام.
وجوابه : أن هذا صحيح لو خلي وطبعة غلا انه توجد في الآية التي نتحدث عنها قرائن صارفة عن كون الخطاب للمعصومين سلام الله عليهم.
فإنه تعالى يقول : (وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا إن الله يحب المحسنين)(60) . ومن الواضح أن الامرين الأول والآخير : (أنفقوا) و (احسنوا) خاص بغير الأئمة عليهم السلام بل بغير المعصومين وغير الراسخين في العلم عموماً. لأن أمثال هذه المستويات العليا من الادراك لا تحتاجه، وانما يعتبر بالنسبة إليهم من توضيح الواضحات. بل يكون الخطاب هذه الأمور قبيحاً وحاشا لله وكلامه من القبح. آذن فالمخاطب غيرهم سلام الله عليهم.
اذن، فقط وقع النهي عن التهلكة في سباق الخطاب لغيرهم عليهم السلام فنعرف من وحدة السياق – وهي قرينة عرفية مبحوثة في علم (الأصول) :- ان النهي عن التهلكة، غير شامل لهم ايضاً. ومعه لا يمكن القول : بأن القرآن الكريم نص عليهم بعدم القاء النفس في التهلكة. كما يريد المستشكل ان يقول.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(58) سورة البقرة. آية 195
(59) سورة مريم . آية 71.
(60) سورة البقرة. آية 195.
الوجه الثاني : أنه بعد أن ثبت ان المعصومين عليهم السلام مسدّدون بالألهام من قبل الله سبحانه. اذ يكون عندهم نوعاً من التكاليف : ظاهرية وباطنية. أما الظاهرية فهي الموافقة لظاهر الشريعة والمعلنة بين الناس. وأما الباطنية فهي التعاليم التي يعرفونها بالإلهام فإذا تعارض الأمران : الظاهري والباطني، كان الباطني أهم كما هو أخص ايضاً، فيتقيد اطلاق الآية الكريمة – لو تم- بغير هذا المورد. فلا يكون هذا المورد على المعصوم حراماً بل يكون واجباً بمقتضى الإلهام الالهي الثابت لديه. فيتقيد اطلاق الآية الكريمة – لو تم – بغير هذا المورد. فلا يكون هذا المورد علىالمعصوم حراماً بل يكون واجباً بمقتضى الإلهام الالهي الثابت لديه. فيتقدم نحوه بخطوات ثابتة متمثلاً أمر الله سبحانه وراجياً ثوابه الجزيل ببذل النفس في هذا السبيل. وهذا الأمر لا يختلف فيه الأمام الحسين عليه السلام عن غيره من المعصومين عليهم السلام.
الوجه الثالث : أنه من الممكن ان لا يراد من (التهلكة) المنهي عنها في الآية الكريمة ... التهلكة الدنيوية بمعنى تحمل الموت أو المصاعب العظيمة، كما يريد الناس ان يفهموا منها. بل يراد منها الهلاك المعنوي وهو الكفر والقاء النفس في الباطل والعصيان والانحراف، وهو أمر منهي عنه بضرورة الدين.
وبتعبير آخر: ان المراد من التهلكة ليس هو التهلكة الدنيوية، بل التهلكة الآخروية، وهو التسبيب إلى الوقوع في جهنم بالذنوب والباطل ، ولا أقل من احتمال ذلك، بل من الواضح أن التعاليم الآخرى الموجودة في سياقها كما سمعنا فيما سبق، هي من الطاعات، اذن فتكون قرينة محتملة، على ان المراد من هذا النهي : التحذير عن ترك الطاعات والوقوع في المعاصي (61) .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وهنا يشير سماحة المؤلف إلى ان الآية الكريمة تعطي أوامر في سياق قرآني واحد وهو (أنفقوا- ولا تلقوا – احسنوا) فإذا لاحظنا أن الأمر الأول والأخير (الإنفاق والإحسان) انهما من الأمور التي يرجى عند العمل بها الحصول على الجزاء والثواب من الله عزوجل اخروياً أي ان العبد = عندما ينفق أو يحسن لوجه الله انما يأمل ان يرى أثر عمله أو طاعته آخروياً وهو رضى الله سبحانه =
واذا تم ذلك : لم يكن في الآية أي دليل على ما يريد الناس أو يميل إليه المستدل، بل تكون بعيدة عن ذلك كلّ البعد.
الوجه الرابع: أننا لو تنزلنا جدلاً عن الوجوه السابقة، وقلنا بحرمة التهلكة. فإنها انما تحرم ما دام صدق العنوان موجوداً، أو قل: إذا كان العرف يوافق على أنها تهلكة فعلاً. وأما إذا لم تكن كذلك خرجت عن موضوع التهلكة فلم تصبح محرّمة . ولا شك أن المفهوم عرفاً وعقلائياً ان التهلكة انما تكون كذلك والصعوبة انما تكون صعوبة، فيما اذا كانت بدون عوض أو بدل. فلو مّر الأنسان بصعوبة بليغة من دون نتيجة صالحة لتعويضها كان ذلك (تهلكة). وأما اذا كانت نتائجها حسنة فليست تهلكة بأي حال.
ونحن نرى الناس كلهم، تقريباً بل تحديداً، يضحّون مختلف التضحيات في سبيل نتائج أفضل، سواء من ناحية الأرباح الاقتصادية أو المصالح الاجتماعية او النتائج السياسية او الثمرات العلمية او أي حقل من حقول هذه الدنيا الوسيعة. فإنه يحتاج إلى تضحية قبل الوصول إلى نتائج . ومن الواضح أن هذه النتائج ما دامت مستهدفة لم يتعبرها الناس تهلكة أو خسارة، بل يعتبرونها ربحاً وفيراً، ورزقاً كثيراً، لأنها مقدمات لها، على أي حال.
فإذا طبقنا ذلك على حركة الحسين عليه السلام، أمكننا ملاحظتها مع
___________________________
= وتعالى عليه وبالتالي دخوله إلى الجنة فلا ينتظر الجزاء في الدنيا أو من الشخص المقابل فاذا كانت نتيجة هذين الأمرين نتيجة آخروية يكون الأمر الثالث (( ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) أمراً آخروياً أيضاً لأنه واقع بنفس السياق فتكون التهلكة تهلكة آخروية وهو دخول جهنم لترك الطاعات والوقوع في المعاصي. وأشار إلى هذا المعنى عدد من المفسرين ومنهم الفخر الرازي الذي أعطى في تفسير هذا المقطع من الآية عدة وجوه منها وجه قريب للمعنى السابق فيقول: قوله: (( ولا تلقوا بأيدكم إلى التهلكة ) هو الرجل يصيب الذنب الذي يرى أنه لا ينفعه معه عمل فذاك هو القاء النفس إلى التهلكة فالحاصل أن معناه النهي عن القنوط عن رحمة الله لأن ذلك يحمل الأنسان على ترك العبودية والأصرار على الذنب. إنتهى.
نتائجها بكل تأكيد، سواء النتائج المطلوب تحققها منها في الدنيا أو المطلوب تحققها في الآخرة. فإنها نتائج كبيرة ومهمة جدّاً، ولعلنا في المستقبل القريب لهذا البحث سنحمل فكرة كافية عن ذلك. وليس من حقنا أصلاً أن نلاحظ هذه الحركة منفصلة عن النتائج، خاصة بعد أن نعلم علم اليقين أن الحسين عليه السلام انما أرادها لذلك وأن الله سبحانه انما أرادها منه لذلك. اذن فتسعيرها الواقعي واعطاؤها قيمتها الحقيقية، انما تكون مع ملاحظة نتائجها لا محالة.
ومن الواضح عقلاً وعرفاً وعقلائياً، أننا اذا لاحظناها مع نتائجها لم تكن (تهلكة) بأي حال. بل كانت تضحية بسيطة، مهما كانت مريرة، في سبيل نتائج عظيمة ومقامات عليا في الدنيا والآخرى لا تخطر على بال ولم يعرفها مخلوق، ويكون الأمر بالرغم من أهميته القصوى، بمنزلة التضحية بالمصلحة الخاصة في سبيل المصلحة العامة. وفي مثل ذلك لا يكون حق أحد الأرجاف بأنها (تهلكة). فإذا لم تكن تهلكة لم تكن مشمولة لحكم التحريم في الآية الكريمة.
الوجه الخامس : أنه لا يحتمل فقهاً وشرعاً في الدين الأسلامي، ان تكون كل تهلكة محرمة. بل الآية الكريمة أو وجد لها اطلاق وشمول، فهي مخصصة بكثير من الموارد . مما يجب فيه القاء النفس في المصاعب الشديدة أو القتل أو يستحب كالجهاد بقسميه الهجومي والدفاعي ومثل كلمة الحق عند سلطان جائر(62) . ومثل تسليم المجرم نفسه إلى القضاء الشرعي ليقام عليه الحد الذي قد يؤدي به إلى الموت كالرجم والجلد والقطع وغيرها. وكلها جزماً من مصاديق التهلكة بالمعنى العام، ولكنها واجبة حيناً ومستحبة أحياناً.
إذن، فليس كل تهلكة محرمة، فكما أصبحت الأمور المذكورة جائزة.
_______________________
(62) اسعاف الراغبين لمحمد الصبان على هامش نور الابصار للشبنجي ص77 – التهذيب للطوسي ج6 ص 187.
مستثناه من عموم الآية الكريمة، فلتكن ثورة الحسين عليه السلام كذلك.
وما يمكن أن يكون دليلاً على الإستثناء أحد ثلاث أمور متصورة، أصبحت سبباً لقناعة الأمام الحسين عليه السلام بحركته:
الأمر الأول : الألهام الذي يأمره بالخروج في هذا السبيل أمراً وجوبياً(63)
الأمر الثاني ان تلقي الوجوب عن جده نبي الأسلام (ص)(64).
الأمر الثالث : أنه رأى مصلحة عامة واضحة الصحة وبعيدة المدى، بحيث يكون سلوك هذا السبيل من قبيل التضحية بالأمور الخاصة من أجل المصالح العامة.
بقية الحديث عن التهلكة
واذا تم لنا، كما حصل فعلاً مما قلناه، تأويل الآية بالشكل المعقول الذي يصرفها عن محل الكلام ومورد الأشكال، اذن، سوف لن يكون سير الحسين عليه السلام في هذا السبيل وسير غيره من المعصومين عليهم السلام في طريق موتهم لا يكون أمراً محرماً، بل هو جائز يختاره برضاه وطيب نفسه من أجل رضاء الله عزوجل والنتائج المطلوبة في المستقبل ولكننا مع ذلك نعرض في ما يلي الوجوه الآخرى لتفسير ذلك مما قيل أو يمكن أن يقال في هذا الصدد.
_________________________________________
(63) أصول الكافي ج1 ص244 – بتصرف واقتضاب – أسرار الشهادة للدربندي ص226.
(64) البحار للمجلسي ج44 ص328 – مثير الأحزان لابن ثماص ص22 - اللهوف لأبن طاووس ص11.
الوجه الأول : النظر إلى المعصوم عليه السلام، كقائد دنيوي. ومن المعلوم أن القائد الدنيوي قد لايلتفت أو لا يتأكد من وقوعه في الموت في هذا الصدد الذي هو فيه، وانما يأتيه سبب الموت على حين غرّة.غير ان هذا الوجه غير تام لأكثر من جواب .
أولاً: المنع عن النظر إليهم كقواد دنيوين، بعد كل الذي برهنا عليه من كونهم مسددين ملهمين من قبل الله سبحانه وتعالى.
ثانياً: اننا حتى لو نظرنا إلى التسبيب الطبيعي، فإنه كثيراً ما يكون من الراجح جداً حصول الموت في الطرق التي سلكها الأئمة في التسبيب لموتهم.
وأوضح مصاديق ذلك حركة الحسين عليه السلام. اذا كان هو يعلم بموته، وكذلك عدد ممن ناقشه في سيره وأراد صرف رأيه عنه(65) ، كان ممن يرجح حصول مثل هذه الكارثه التي حصلت له.
ومعه فمن سخف القول : أن الأمام عليه السلام، لم يكن ملتفتاً إلى ذلك أو محتملاً له سلفاً.وإلا فقد أنزلناه إلى مرتبة وضيعة من التفكير.
الوجه الثاني : ما هو المشهور بين بعض المفكرين في الدين. من أن المعصوم وإن كان بحسب طبعه الأول معصوماً عن الخطأ والنسيان.إلا أنه في تلك الواقعة، يعني حين يريد الله سبحانه التسبيب إلى موته.يجعله ناسياً او جاهلاً بالنتائج. فيذهب في هذا الطريق وهو لايعلم(66).
أقول: وهذا الوجه انما يكون حراماً اذا كان عمدياً. وأما اذا كان عن جهل أو نسيان، فلا يكون محرماً. لاستحالة تكليف الناسي والجاهل.
_________________
(65) قد مرّ ذكر أسمائهم سابقاً مراجع
(66) مرآة العقول للمجلسي ج3ص122 .
مادام بهذه الصفة. والمفروض ان هذه الصفة تلازم المعصوم عليه السلام إلى حين تورطه في الحادث.
الا أن هذا الوجه – أيضاً- ليس بصحيح، لأنه منقوض بما دل من الروايات الواردة عنهم عليهم السلام، على علمهم بحصول الموت لدى السير في هذا الطريق قبل التورط فيه. كالذي ورد عن الحسين عليه السلام حين يقول (( أني بأوصالي هذه تقطعها عسلان الفلوات بين النواويس وكربلاء فيملأن مني أكراشاً جوفاً وأجربه سغباً لا محيص عن يوم خط بالقلم رضا الله رضانا أهل البيت نصير على بلائه ويوفّينا أجور الصابرين))(67) .
ثم قال في نفس الخطبة : (( ألا فمن كان باذلاً فينا مهجته مواطناً على لقاء الله نفسه. فليرحل معنا، فإني راحل مصبحاً ان شاء الله تعالى))(68).
وكل ذلك واضح الدلالة في علمه عليه السلام، بموته وموت كل أصحابه سلام الله عليهم أجمعين.
وكذلك الأمام الرضا عليه السلام، حين مشى بطريق الموت فإنه قال فيما قال لأبي الصلت الهروي(69): (ان خرجت اليك وأنا مكشوف الرأس
__________________
(67) اللهوف لأبن طاووس ص26 – ابن نما الحلي ص29 – كشف العمة للاربلي ج2ص241- مقتل الخوارزمي ج21ص5.
(68) نفس المصدر.
(69)أو الصلت الهروي : هو عبد السلام بن سالم الهروي روى عن الرضا (ع) ثقة صحيح الحديث قاله النجاشي والعلامة. له كتاب وفاة الرضا (ع) وكان كما يشعر به بعض الكلمات مخالطا للعامة وراوياً لأخبارهم فلذلك التبس أمره على بعض المشايخ فذكر انه عامي قال الأستاذ الأكبر في التعليقة بعد نقل كلام الشهيد الثاني في تشيعه: لا يخفى أن الأمر كذلك فإن الأخبار الصادرة عنه في العيون والأمالي وغيرهما الصريحة الناصعة على تشيعه بل كونه من خواص الشيعة أكثر من أن تحصى وعلماء العامة ذكروه. قال اذهني في ميزان الأعتدال : عبد السلام بن صالح أبو الصلت الهروي رجل صالح الا انه شيعي: ونقل عن الجعفي: انه رافضي خبيث.وقال الدار قطني انه وافضي متهم وقال ابن الجوزي انه خادم للرضا شيعي مع صلاحه. وروي أن المأمون حبس أبا
فكلمني وان خرجت إليك مقنع الرأس فلا تكلمني . فحين خرج إليه مقنع الرأس هابه أبو الصلت أن يتكلم معه))(70) ، مضافاًإلى الرواية التي تقول: ((فقال له : إلى أين انت ذاهب يا ابن رسول الله؟ فقال : إلى حيث أرسلتني))(71). اذن فهو يعلم انه أرسله إلى الموت. ولم تكن إلى ذلك الحين دلالة طبيعية أوعرفية دالة على ذلك.
الوجه الثالث: أن المعصوم عليه السلام يعلم بتكليف شرعي من الله عزوجل، بالالهام أو بالرواية عن جده النبي (ص) . تكليفاً وجوبياً أو استحبابياً بالسير في هذا الطريق، طريق الموت. فهو بذلك يؤدي امتثاله لذلك التكليف الوجوبي أو الأستحبابي قربة إلى الله تعالى ورجاء لرضاء الله سبحانه وثوابه. تماماً كالعبد المؤمن الاعتيادي حين يصلي أو يصوم أو يحج أو يتعبد عبادة واجبة أو مستحبة. وهذا أحسن الوجوه التي عرفناها للجواب على مثل هذا السؤال على تقدير دلالة الآية الكريم على حرمة التهلكة. وقد عرفنا فيما سبق عدم دلالتها على ذلك اطلاقاًُ.
_________________
الصلت بعد وفات الرضا (ع) سنة فضاق صدره فدعى الله بمحمد وآل محمد فدخل عليه أبو جعفر الجواد (ع) فضرب يده إلى القيود ففكها وأخذ بيده وأخرجه من الدار والحرسه والغلمة يرونه فلم يستطيعوا أن يكلموه فخرج من باب الدار وقال له أبو جعفر (ع) : (امض في ودائع الله فإنك لن تصل إليه و لايصل إليك أبداً) الكنى والألقاب ج1ص100 .
(70) الدمعة الساكبة ص 86 - عيون أخبار الرضا للصدوق ج2ص245.
(71) نفص المصدر.
رضا الله رضانا أهل البيت
سمعنا الأمام الحسين عليه السلام فيما سبق في الخطبة المروية عنه انه قال: (( رضا الله رضانا أهل البيت))(72) .؟ فنزيد هنا اعطاء فكرة كافية عن ذلك فإن فهم هذه الجملة يحتوي على تقسيمين :
التقسيم الأول : النظر إلى معنى الرضا في هذا الجملة، فإننا تاره نفهم نفس الرضا بصفته عاطفة نفسية محبوبة. وأخرى نفهم منها : الأمر المرضي، يعني الذي يتعلق به الرضا كما هو المتعارف عرفاً التعبير عنه بذلك ولو مجازاً.
التقسيم الثاني : النظر إلى ما هو المتبدأ والخبر في هذه الجملة فانه قد يكون (رضا الله) مبتدأ و (رضانا) خبر، كما هو مقتضى الترتيب اللفظي لهذه الجملة. كما انه قد يكون العكس صحيحاً ، وهو أن يكون (رضا الله) خبراً مقدّما و (رضانا ) مبتداً مؤخرا.
واذا لاحظنا كلا التقسيمين ، كانت الأحتمالات أربعة بضرب أثنين في أثنين . ولكل من هذه المحتملات معناها المهم. ويمكن ان نعطي فيما يلي بعض الأمثلة لذلك في الفهوم التالية:-
الفهم الأول : ان يكون الرضا بمعنى الأمر المرضي ويكون (رضا الله ) في هذه الجملة هو المبتدأ . فيكون المعنى : ان الأمر الذي يرضاه الله عزوجل نرضاه نحن أهل البيت. وهذا هو الفهم الاعتيادي والمناسب مع السياق في هذه الخطبة .من حيث إنه عليه السلام يعبر عن رضاه بمقتله لأنه أمر مرضي لله
______________
(72) أسرار الشهادة للدربندي ص227 – كشف الغمة للاربلي ج2 ص241.
عزوجل
الفهم الثاني : أن يكون الرضا بمعنى الأمر المرضي، ويكون ( رضا الله ) في هذه الجملة خبراً مقدما. فيكون المعنى: أن الأمر الذي نرضاه نحن أهل البيت يرضاه الله عزوجل. أو قل : هو مرضي لله عزوجل بدوره.
وهذا أمر صحيح وعلى القاعدة، مطابق لما ورد عنهم عليهم السلام: بمضمون ((اننا أعطينا الله ما يريد فأعطانا ما نريد))(73) . فتكون تلك الجملة بمعنى الفقرة الثانية من هذه الجملة ، كما هو واضح للقارئ اللبيب.
الفهم الثالث: ان يكون المراد بالرضا معناه المطابقي، وليس الأمر المرضي. ويكون (رضا الله) في هذه الجملة مبتدأ . وليس خبراً مقدماً.
فيكون المعنى : ان رضا الله سبحانه هو رضا أهل البيت عليهم السلام. وهذا صحيح أيضاً ومطابق للقاعدة. ألأن الفلاسفة والمتكلمين المسلمين قالوا: انه ورد في الكتاب الكريم والسنةالشريفة نسبت كثير من الأمور إلى الله سبحانه كالرضا والغضب والحب والبغض والكره والارادة وغير ذلك من الصفات(74) . مع أنه قد ثبت في مودر آخر ، ان الله تعالى ليس محلاً للحوادث (75) ، ويستحيل فيه ذلك: وكل هذه الأور من قبيل العواطف
_______________
(73) لم نعثر على هذا الحديث بما في أيدينا من مصادر التحقيق. ويبدو أن سماحة المؤلف قد آخذ هذا المضمون من عدة روايات مجتمعة لا من رواية واحدة. والظاهر ان هذه العبارةغير مودجوة نصاً في الروايات وانما من تعبير المؤلف لمضمون عدد من الروايات وقد أشار إلى ذلك بقوله: (بمضمون).
(74) وقد استدلوا على ذلك بالقرآن الكريم فمثلاً:
الرضا كما في قوله: (رضي الله عنهم ورضوا عنه) البينة آية 8.
الغضب : كما في قوله ( فعليهم غضب من الله) النحل آية 106
الحب : كما في قوله (ان الله يحب المحسنيين) البقرة آية 195
الكره : كما في قوله (كره الله انبعاثهم) التوبة آية 46.
الإرادة : كما في قوله. (واذا اراد الله بقوم سوء) الرعد آية 11
(75) أنظر مثلاً : كشف المراد للعلامة ص 294
المتجددة التي تستحيل على ذات الله سبحانه. فكيف صح نسبتها إليه سبحانه في الكتاب والسنة؟ .
وقد أجاب الفلاسفة والمتكلمون بعدة أجوبة عن ذلك كان من اهمها: انه جل جلاله يجعل هذه العواطف المتجددة في نفوس أوليائه وأنبيائه وأصفيائه . فإذا علمنا أن أهل البيت هم أولياء الله وأصفيائه، اذن فيصدق: ان رضا الله رضاهم أهل البيت. لأن رضا الله كما قال الفلاسفة ليس قائماً بذاته جل جلاله بل قائم بذواتهم سلام الله عليهم.
لماذا لم يعمل الحسين عليه السلام بالتقية؟
لا شك أن التقية واجبة عندنا بنص القرآن الكريم والسنة الشريفة اجماع علمائنا: أما القرآن الكريم ففي أكثرمن آية واحدة كقوله تعالى (إلا أن تتقوا منهم تقاة). . وأما السنة الشريفة فأكثر من نص كقوله عليه السلام: ((التقية ديني ودين آبائي))(77) . وقوله (ع) لا دين لمن لا تقية له))(78) . وقوله (ع) : ((التقية درع المؤمن الحصينة))(79). ويغر ذلك وأما الاجماع فهو واضح لمن استعرض فتاوى علمائنا، بل الحكم يعتبر من ضروريات المذهب.
اذن فالتقية واجبة. وهذا ما حدى بالمعصومين عليهم السلام جميعاً العمل بها الا الحسين عليه السلام. فلماذا لم يعمل بها هذا الإمام الجليل. إذ من الواضح أن أحداً من المعصومين غيره لم يتحرك مثل حركته، بل كانت الثورات متعددة، والحروب في داخل البلاد الأسلامية وخارجها موجودة. وهم معرضون عنا لا يشاركون بأي شيء منها. حتى لو كان الثوار والمحاربون من أبناء عمومتهم كذرية الحسن أوالحسين الذين تحركوا خلال العهدين الأموي والعباسي بكثرة، عدّ منهم في (مقاتل الطالبيين) عشرات. الا أن المعصومين سلام الله عليهم. لم يكونوا من بينهم بأي حال من الأحوال. بل كانوا
________________________
(76) سورة آل عمران آية 28
(77) أصول الكافي ج2ص219حديث 12 – باقتضاب – ططهران
(78) أصول الكافي ج2ص217 الحديث الثاني – باقتضاب – مختصر بصائر الدرجات ص101.
(79) أصول الكافي ج2 ص221حديث 23 – بتصرف واقتضاب.
يسلكون سلوكا مغايراً لذلك تماما عملاً بالتقية الواجبة التي يحسون بضرورتها التشريعية والواقعية عليهم سلام الله عليهم.لا يستثني من ذلك الا واحد معين منهم هو الإمام الحسين عليه السلام في حركته العظيمة. فلماذا كان ذلك؟ .
والأسباب المتصورة لذلك عدّة أمور محتملة وإن لم تكن كلها صحيحة. الا أننا نذكر الأمور التي قد تخطر على بال القاريء الإعتيادي أيضاً:
الأمر الأول : ان الأخبار الدالة على وجوب التقية لم تكن صادرة في زمن الحسين عليه السلام، لأنها انما صدرت عن الإمامين الصادقين عليهم السلام وهما عاشا بعد واقعة كربلاء بحوالي قرن من الزمن. واذا لم تكن هذه الأخبار موجودة ، فلا دليل على وجوب التقية يوم حركة الحسين عليه السلام. ومن هنا لم يعمل بها.
إلا أن هذا الوجه غير صحيح لأكثر من جواب واحد:
أولاً : أن هذه الأخبار المشار إليها تدلنا على حكم واقعي ثابت في الشريعة، يعلم به المعصومون جميعاً سلام الله عليهم بما فيهم الحسين عليه السلام. فإنهم جميعاً عالمون بجميع أحكام الشريعة المقدسة.
ثانياً: أن الآيات الكريمة دالة على ذلك أيضاً، وقد كانت موجودة ومقروءة في زمن الحسين عليه السلام.
الأمر الثاني : أن الحسين عليه السلام كسائر المعصومين عليهم السلام، عمل بالتقية ردحاً طويلاً في حياته. وانما ترك العمل بها من ناحية واحدة فقط ، هي الناحية التي أدت إلى مقتله في واقعة الطف. وهي رفض الطلب الصادر من قبل الحاكم الأموي بالبيعة له(80) وتهديده بكل بلاء اذا لم يبايع. الأمر الذي استوجب صموده عليه السلام ضد هذا المعنى حتى الموت.
_______________
(80) البحار للمجلسي ج4ص326 مناقب ابن شهر آشوب ج2ص208 اللهوف لابن اووس ص11
الأمر الثالث : ان الأدلة في الكتاب والسنة على مشروعية التقية، ليست دالة على الألزام والوجوب بل على الجواز على ما سنرى.
أو – بتعبير آخر- : ان العمل بالتقية رخصة لا عزيمة . ومن هنا يمكن القول
ان الإمام الحسين عليه السلام كان مخيراً يومئذ بين العمل بالتقية وبين تركها ولم يكن يحب العمل بالتقية في حقه. وما دام مخيراً فقد اختار الجانب الأفضل في نظره، وهو فعلاً الأفضل في الدنيا والأفضل في الأخرة، وهو نيله للشهادة بعد صموده ضد الأنحراف والظلم والظلال.
ومن هنا ، أيضاً، كان عمل أصحاب الأئمة والمعصومين عموماً. مع العلم أنهم كانوا عارفين بالأحكام متفهمين للشريعة مرتفعين في درجات الايمان.
فعمار بن ياسر(81) عمل بالتقية حين طلب منه مشركو قريش الطعن
_______________
(81) عمار بن ياسر : هو بن عامر بن مالك بن كنانة بن قيس بن الحصين .... بن يشجب المذحجي وهو من السابقين الأولين إلى الأسلام وهو حليف بني مخزوم امه سمية وهي أول من استشهد في الإسلام وقد قال فيه رسول الله (ص) : ( من عادى عمّاراً عاداه الله ومن أبغض عماراً بغضه الله) وعن علي (ع) قال : (جاء عمار يستأذن على النبي (ص) فقال : إئذنوا له مرحباً بالطيب المطيب). وعن عائشة قالت : قال رسول الله (ص) : ( ما خيّر عمار بين أمرين إلا اختار ارشدهما) ومن مناقبه أنه قدمها ضحى فقال عمار : ما لرسول الله بد من ان نجعل له مكانا لستضل فيه ويصلي فيه فجمع حجارة فبنى مسجد قبا. وقال عبد الرحمن السلمي: شهدنا صفين مع علي(ع) فرأيت عمار بن ياسر لا يأخذ في ناحية ولا واد من أودية صفين الا رأيت أصحاب النبي (ص) يتبعونه كأنه علم لهم وشهد خزيمة بن ثابت الجمل وهو لا يسلّ سيفاً وشهد صفين ولم يقاتل وقال لا أقاتل حتى يقتل عمار فأنظر من يقتله فإني سمعت رسول الله (ص) يقول : (تقتله الفئة الباغية) فلما قتل قال خزيمة ظهرت له الضلالة ثم تقدم فقاتل حتى قتل : وقتل عمارفي صفين وعمره يومئد (94) سنة وقيل (93) سنة وقيل (91) سنة . واختلف في قاتله فقيل قتله أبو العارية المزني وقيل الجهنيطعنه فسقط فلما وقع اكب عليه آخر فاحتز رأسه . أسد الغابة ج4 ص 43.- بتصرف واقتضاب
بالأسلام و