اصحاب المعصومين
اذ قد يخطر في الذهن السؤال، عما اذا كان أصحاب المعصومين رضوان الله عليهم، وبعض الخاصة من أقاربهم، كالعباس بن علي ومسلم بن عقيل وحبيب بن مظاهر الأسدي (37) وأضرابهم، ايضاً يمكن حمل أقوالهم وأفعالهم على الصحة والحكمة كالمعصومين سلام الله عليهم. مع أنه لا ملازمة في ذلك. للأحتمال الراجح بل المتعين أن للعصمة دخلاً في الألهام والتوجيه لهم عليهم السلام، وهي غير متوفرة في أصحابهم عليهم الرضوان. فلا يكون الدليل السابق شاملاً لهم. فإن كانت النتيجة صحيحة، أعني مطابقة أعمالهم للحكمة، فلا بد أن يكون ذلك بدليل آخر، لا بنفس الدليل السابق.
وجواب ذلك : أن الدليل على ذلك متوفر في عدد من خاصة أصحاب الأئمة سلام الله عليهم وذلك لعدة وجوه:
الوجه الأول : أن مثل هؤلاء الخاصة معصومون بالعصمة غير الواجبة،
________________
(37) حبيب بن مظاهر بن رئاب بن الأشتر الأسدي الفقعسي . أجمع أرباب المصادر أنه كان شخياً صحابياً مما رأى النبي (ص) وسمع وروى حديثه ونزل الكوفة وصحب أمير المؤمنين (ع) وحضر معه جميع حروبه وكان من شرطة الحميس وهو ممن كاتب الحسين للقدوم إلى الكوفة وكانت له مواقف مسجلة في صفحات التاريخ مع مسلم بن عقيل وآخذ البيعة للحسين على يده. وبعد قتل مسلم وهاني اختفى في بيته وعشائرة فراراً من السلطة آنذاك . وبعد أن ورد إليه رسوم الحسين يخبرة بنزول الحسين كربلاء خرج ومعه غلامه متخفياً حتى وصل كربلاء قبل اليوم العاشر منالمحرم فكانت له يوم الطف أيادي بطولية ومواقف مركزة في جانب المعسكر الحسيني بحيث يقول التاريخ عنه (أنه لما قبل حبيب هد مقتله الحسين (ع)).مقتل آل بحر العلوم ص489
كما أن الأئمة معصومون بالعصمة الواجبة، فإن العصمة على قسمين :-
القسم الأول: العصمة الواجبة، وهي التي دل الدليل العقلي على ثبوتها بالضرورة للأنبياء وأوصيائهم عليهم السلام. كما هو مبحوث في العقائد الأسلامية. وهذه المرتبة عطاء من قبل الله إليهم، لا ينالها غيرهم ولا يمكن أن يكون الدليل عليها دليلاً على غيرهم أيضاً.
القسم الثاني العصمة غير الواجبة، وهي مرتبة عالية جداً من العدالة، والإنصياع لأوامر الله سبحانه ونواهيه، بحيث يكون احتمال صدورالذنب عن الفرد المتصف بها نادراً أو منعدماً، لمدى الملكة الراسخة لديه والقوة المانعة عن الذنوب فيه.
وفكرتها نفس الفكرة السابقة لأن معناها واحد من الناحية المنطقية، الا انها تفرق عنها ببعض الفروق:
أولاً: عدم شمول البرهان على العصمة الواجبة للعصمة الأخرى.
ثانيا : عدم شمول العصمةالواجبة للخطأ و النسيان بخلاف الأخرى.
ثالثاً: ملازمة العصمة الواجبة مع درجة عالية من العلم، بخلاف الأخرى فإنها قد تحصل لغير العالم كما تحصل للعالم.
رابعاً : انحصار عدد أفراد المعصومين بالعصمة الواجبة بالأنبياء والأوصياء. وأما العصمة الأخرى فبابها مفتوح لكل البشر في أن يسيروا في مقدماتها وأسبابها حتى ينالوها، وليست الرحمة الإلهية خاصة بقوم دون قوم.
إذا عرفنا ذلك،أمكننا القول بكل تأكيد : أن عدداً من أصحاب الأئمة عليهم السلام معصومون بالعصمة غير الواجبة هذه. ومعه يتعين حمل أقوالهم وأفعالهم على العصمة والحكمة، شأنهم في ذلك شأن أي معصوم.
الوجه الثاني : أن أمثال هؤلاء الأصحاب والمقربين للأئمة عليهم السلام، قد ربّاهم المعصومون عليهم السلام، وكانوا تحت رعايتهم وتوجيههم وأمرهم ونهيهم ردحاً طويلاً من الزمن، إلى حد يستطاع القول انهم فهموا الأتجاه المعمق والأرتكازي –لو صح التعبير- للمعصومين سلام الله عليهم. ومن هنا كان بإستطاعتهم ان يطبقوا هذا الأتجاه في كل أقوالهم وأفعالهم.
كما يستطاع القول : أن الأصحاب رضوان الله عليهم تلقوا من الأئمة عليهم السلام توجيهات وقواعد عامة في السلوك والتصرف أكثر مما هو معلن بين الناس بكثير. بحيث أستطاعوا ان يطبقوا هذه القواعد طيلة حياتهم.
الوجه الثالث : أن هؤلاء من خاصة الأصحاب هم من الراسخين في العلم، وقد أصبحوا كذلك لكثرة ما سمعوا ورووا عن المعصومين (ع) ابتداء بالنبي (ص) وانتهاء بالأئمة عليهم السلام، من حقائق الشريعة ودقائقها وأفكارها.
وقد يخطر في البال : أن عنوان (الراسخون في العلم)(38) خاص بقسم من الناس ولا يمكن أن يشمل قسماً آخر. فهو خاص اما بالأئمة المعصومين عليهم السلام أو بمن هو معصوم بالعصمة الواجبة بما فيهم الأنبياء عليهم السلام . وأما شمول هذا العنوان لغيرهم فهو محل اشكال. وخاصة بعد ان ورد في بعض الروايات (39) تفسيره بأحد هذين المعنيين.
وجوابه : أن أخص الناس ممن يمكن اتصافه بهذه الصفة هم المعصومون عامة والأئمة خاصة، وهم القدر المتيقن من هذا العنوان، أعني الراسخين في العلم. وهم فعلاً كذلك . ولا يمكن أن يضاهيهم بدرجتهم أحد. ومن هنا ورد التفسير في ذلك (40) الا أن هذا لا ينافي أن يكون الباب مفتوحاً لكثرين في ان
________________________
(38) سورة آل عمران آية 7.
(39) أصول الكافي للكليني ج1باب 77 ص 213.
(40) مجمع البيان للطرسي ج2 ص 701.
يتصفوا بهذه الصفة. بعد ان يصلوا إلى جرجات عالية من طهارة النفس والأخلاص واليقين. وان اهم وأخص من يمكن ان يتصف بذلك هم أصحاب الأئمة عليهم السلام. ممن تربوا على أيديهم وانصاعوا إلى توجيهاتهم.
فإذا تم لنا ذلك أمكننا أن نعقب عليه ما يتصف به الراسخون بالعلم من مزايا وصفات تفوق غيرهم بما لا يقاس ولا يعرفه الناس بما فيه الأطلاع على مراتب من تفسير وتأويل القرآن الكريم. وكذلك الأطلاع على كثير من واقعيات الأمور التي لا يعرفها الا الخاصة من الخلق. وانما نحن نعترض ونستشكل لمدى جهلنا بهذه المراتب العليا ولمدى قصورنا وتقصيرنا لا اكثر ولا أقل.
الوجه الرابع : أن هؤلاء من خاصة أصحاب الأئمة عليهم السلام من (المقرّبين).بعد أن نلتفت ان (سورة الواقعة) من القران الكريم قسمت البشر إلى ثلاثة أقسام لا تزيد و لا تنقص هم :
أولاً : أصحاب الشمال (41) أو أصحاب المشئمة(42) وهم أصحاب النار هم فيها خالدون.
ثانياً : أصحاب اليمين (43) .
ثالثاً: المقربون (44) .
اذن فالأخيار من الناس، غير (أصحاب الشمال) على قسمين : أصحاب يمين ومقربون. وهذان القسمان يختلفان كثيراً في الدرجات عند الله سبحانه إلى
______________
(41) سورة الواقعة . آية 41
(42) سورة الواقعة اية 5
(43) سورة الواقعة . آية 38 و 90 و 91
(44) وهم السابقون كما عبر عنهم القرآن فيقول الله تعالي (السابقون السابقون أولئك المقربون)
سورة الواقعة آية (10 – 11 ).
حد يستطاع القول : أن العوالم التي يعيشونها في الجنان بعد هذه الحياة ليس من جنس واحد بل هي من جنسين مختلفين تماما. و لا يمكن ايضاح تفاصيله في هذه العجالة . يكفي ان نشير إلى ان الجنة الموصوفة في ظاهر القرآن الكريم والتي يطمع بها سائر الناس انما هي جنة أصحاب اليمين. وأما جنات المقربين فهي شي آخر ومن جنس مختلف لا يشبه ذاك على الأطلاق.
وينبغي الألتفات إلى ان الباب بالرحمة الإلهية مفتوح لكل أحد في ان يصبح من أصحاب اليمين أو المقربين، بمقدار ما أدى من عمل وبمقدار ما يطيق من قواه العقلية والنفسية والروحية ونحو ذلك من الأمور.
فإذا تم لنا ذلك أمكننا بكل تأكيد أن نقول: ان خاصة أصحاب الأئمة عليهم السلام. هم فعلاً من المقربين وليسوا فقط من اصحاب اليمين.
ومن كان من المقربين كان من المهمين المسددّين من قبل الله سبحانه جزماً بنص القرآن .ومثاله نزول الوحي على مريم بنت عمران (45) وآسية بنت مزاحم (46) زوجة فرعون وأم موسى (47) والعبد الصالح (48) وكلهم ليسوا من الأنبياء ولا المرسلين.
واذا ثبت كون خاصة أصحاب الأئمة عليهم السلام ، الراسخين في العلم ومن المقربين، فلا عجب في اتصافهم بأوصاف تفوق غيرهم بمراتب مثل قوله (ص) : ((سلمان منا أهل البيت)) (49) وقوله (( ما أقلت الغبراء وما أضلت
______________
(45) سورة آل عمران. آية (42 -43) – سورةمرية آية 17
(46) ( وقالت أمرات فرعون قرت عين لي ولك لا تقتلوه عسى ان ينفعنا او نتخذه ولداً وهم لا يشعرون) سورة القصص آية 9.
(47) سورة طه آية 38 – سورة القصص آية 7
(48) فوجدا عبداً من عبادنا ءاتيناه رحمةمن عندنا وعلمناه من لدنا علما) سورة الكهف آية 65.
(49) الميزان في تفسير القرآن للطبطباتي ج16 ص 292 – أسد الغابة لأبن الأثر ج2 ص 328.
- وسلمان الفارسي هوابوعبد الله ويعرف بسلمان الخير مولى رسول الله (ص) وسئل عن نسبه
الخضراء ذي لهجة أصدق من أبي ذر))(50) وما ورد من أن حذيفة(51) وميثم التّمار(52) وحبيب بن مظاهر كان لديهم علوم خاصة قد نسميها:
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
= فقال : أنا سلمان ابن الأسلام. أصله من فارس من رام هرمز وقيل أنه من حبي وهي مدينة أصفهان وكان أسمه قبل الأسلام مابه بن بوذ خشان بن مورسلان بن بهبوذان بن فيروز بن سهرك من ولد آب الملك قد قال فيه رسول الله (ص): (ان الجنة تشتاق إلى ثلاثة : علي وعمار وسلمان). وكان سلمان من خيار الصحابة وزهادهم وفضلاتهم وذوي القرب من رسول الله . قالت عائشة: كان لسلمان مجلس من رسول الله (ص) بالليل حتى كاد يغلبنا على رسول الله (ص). وسئل علي(ع) عن سلمان فقال : (علّم العلم الأول والعلم الآخر وهو بحر لا ينزف وهو منا أهل البيت). وكان عطاته خمسة آلاف فاذا خرج عطاؤه فرقه وأكل من كسب يده وكان يسف الخوص وهو الذي أشار على رسول الهل (ص) بحفر الخندق لما جاءت الأحزاب فلما أمر رسول الله بحفرة احتج المهاجرون والأنصار في سلمان وكان رجلاً قوياً فقال المهاجرون سلمان منا وقال الأنصار سلمان منا فقال رسول الله (ص) (سلمان منا أهل البيت). توفي سنة 35هـ آخر خلافة عثمان وقيل أول سنة 36 هـ وقيل توفي في خلافة عمر والأول أكثر. قال العباس بن يزيد : قال أهل العلم عاش سلمان ثلاثمائة وخمسين سنة. وقال أبو نعيم : كان سلمان من المعمرين يقال أنه أدرك عيسى بن مريم وقرأ الكتابين. أسد الغابة ج2 ص 328.
(50) أسد الغابة لأبن الأثر ج1 ص 301 – الكنى والألقاب ج1 ص 74.
وأبو ذر الغفاري هو جندب بن جنادة وقيل ندب بن السكن مهادري أحد الأركان الأربعة، روي عن الأمام الباقر (ع) انه لم يرتد مات في زمن عثمان بالربذة سنة 31 أو 32 هـ بعد ما نفي هناك. له خطبة يشرح فيها الأمور بعد النبي وقال فيه النبي ( ما أضلت الخضراء ولا أقلت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر) الكنى والألقاب ج1 ص 74.
(51) حذيفة بن اليمان وهو حذيفة بن الحسل ويقال حسبل بن جابر بن عمرو...... بن عبد الله العبسي واليمان لقب حسل بن جابر، هاجر إلى النبي (ص) فخيره بين الهدرة والنصرة فاختار النصرة وشهد مع النبي أحد وقتل أبوه بها ويذكر عند اسمه. وحذيفة صاحب سر رسول الله (ص) في المنافقين لم يعلمهم أحد الا حذيفة أعلمه بهم رسول الله (ص) وسأله عمر أفي عمّالي أحد من المنافقين قال : نعم. وكان عمر اذا مات ميت يسأل عن حذيفة فإن حضر الصلاة عليه صلّى عليه عمر وان لم يحضر حذيفة الصلاة لم يحضر عمر. وشهد حذيفة الحرب في نهاوند فلما قتل النعمان بن مقرن أمير ذلك الجيش أخذ الراية وكان فتح هندان والري والدينور على يده وشهد فتح الجزيرة ونزل نصيبين وتزوج فيها. وأرسله رسول الله(ص) ليلة الأحزاب سرية ليأتيه بخبر الكفار . وكان مؤته بعد قتل عثمان بأربعين ليلة سنة 36 هـ. اسد الغابة ج1 ص 39.
علم المنايا والبلايا أو علم ما كان وما يكون أو علم الجفر ونحو ذلك. ومثله ما ورد : أن علياً عليه السلام قال لابنه العباس عليه السلام وهو صغير: ((قل واحد. فقال : واحد، فقال له قل اثنين. فرفض))(53) لأنه عليه السلام يجد الوجود الإلهي والنور الإلهي هو الواحد الأحد، ولا شيء غيره . اذن فلا يوجد أثنان ليقول : اثنين. وهذا كان ثابتاً له في صغره فكيف يصبح وماذا ينال من مدارج اليقين في كبره؟. إلى غير ذلك من الروايات.
الوجه الخامس : أن التصرفات المهمة التي ترتبط بالمصالح العامة وبالحكمة الإلهية في تدبير المجتمع وتسبيب أسبابه، هي دائماً محل عناية الله
__________________
(52) ميثم التمّار : كان ميثم (رض) عبداً لأمراة من بني أسد فاشتراه أمير المؤمنين (ع) واعتقه على كثير واسراراً خفية من أسرار الوصية فكان ميثم يحدث ببعض ذلك فيشك فيه قوم من أهل الكوفة = *** وينسبون علياً (ع) في ذلك إلى المخرقة والأيهام والتدليس حتى قال (ع) له يوماً بمحضر خلق كثير من أصحابه وفيهم الشاك والمخلص ( يا ميثم انك تؤخد بعدي وتصلب وتطعن بحربة فإذا كان ذلك اليوم الثالث ابتدر منحراك وفمك دماً فتخضب لحيتك فانتظر ذلك الخضاب فتصلب على باب دار عمرو بن حريث عاشر عشرة أنت أقصرهم خشبة وأقربهم من المطهرة. وأمض حتى أريك النخلة التي تصلب على جدعها) فأراه اياها. فكان ميثم يأتيها ويصلي عندها ويقول بوركت من نخلة لك خلقت ولي غذيت. ولم يزل يتعاهدها حيث قطعت، وحتى عرف الموضع الذي يصلب عليه في الكوفة وحد في السنة التي قتل فيها فدخل على أم سلمة (رض) فقالت من أنت قال أنا ميثم. قالت : والله لربما سمعت رسول الله (ص) يذكرك ويوصي بك علياً (ع) في جوف الليل فسألها عن الحسين (ع) فقالت : هو في حائط له قال : أخبريه أنن يأحببت السلام عليه ونحن ملتقون عند رب العالمين انشاء الله فدعت بطيب وطيبت لحيته، وقال أما أنها ستخضب بدم. فقدم الكوفة فأخذه عبيد الله بن زياد فحبسه وحبس معه المختار بن ابي عبيدة فقال له ميثم انك تفلت وتخرج ثائراً بدم الحسين (ع) فتقتل هذا الذي يقتلنا فلما دعى عبيد الله بالمختار ليقتله طلع بريد بكتاب يزيد إلى عبيد الله يأمره بتخلية سبيله فخلاه وأمر بميثم أن يصلب فلما رفع على الخشبة اجتمع الناس حوله على تحت خشبته ورشة وتجميره فجعل ميثم يحدث بفضائل بني هاشم فقيل لابن زياد قد فضحكم هذا العبد فقال ألجموه وكان أول خلق الله ألجم في الأسلام. الكنى والألقات ج3 ص217 .
(53) خاتمة المستدرك للعلامة النوري ج 3 ص 815 . نقلاً عن مجموعة الشهيد الأول (قد).
سبحانة وتدبيره، وكل شيء يتوقف على ذلك فهو حاصل لا محالة بقدرة الله سبحانة، وكل مانع يمنع عنه فهو منتف بقدرته أيضاً. لكن مع حفظ ظاهر الأسباب والمسببات المعهودة بطبيعة الحال. والمقصود صدق ما ورد من ((ان لله غايات وبدايات ونهايات في أفعاله جل جلاله)) (54) . وأن الأمور تسير كنظام الخرز يتبع بعضها بعضاً. الأمر الذي ينتج أن ما يريده الله سبحانه في البشر حاصل لا محالة. و لا يستطيع أحد على الأطلاق تغييره.
وأن خطر في ذهنه كونه مؤثراً أو فاعلاً لشيء من الأشياء قلّ أو كثر من هذه الجهة أو أي جهة أخرى.
فاذا تم لنا ذلك : أمكننا القول بأن تصرفات الأئمة سلام الله عليهم وأصحابهم لا شك مندرجة في هذا النظام الإلهي العام. ومؤثرة في سير التاريخ البشري عامة والأسلامي خاصة. وحيث عرفنا ان كل ما يريده الله سبحانه في هذا التاريخ فإنه لا بد من حدوثه، يعني حتى لو توقف على أي سبب خارق للطبيعة. ومن المستطاع القول عندئد ان الالهام والتوجيه الإلهيين لهؤلاء ضروري في هذه المرحلة من التاريخ. بل في كل مرحلة منه، بل ليس من الضروري في الفرد أن يعلم كونه موجهاً ومسدداً من قبل الله سبحانه، بل قد يكون كذلك من حيث لا يعلم لمدى أهمية تأثيره في المصالح العامة والتاريخ الأسلامي أو العالم.
و لاشك أننا نستطع ابراز بعض النقاط لأصحاب الأئمة عليهم السلام، لايضاح مدى تأثير أعمالهم وأقوالهم في التاريخ القريب والبعيد:
النقطة الأولى : كونهم منسوبين إلى الأئمة عليهم السلام مع أن تأثير الأئمة أنفسهم في التاريخ أوضح من أي يخفى وقد يكون ذلك عن طريق أصحابهم . بل كثيراً ما يكون ذلك.
_____________
(54) كشف المراد للعلامة ص 306
النقطة الثانية : كون الدين الأسلامي في صدر الأسلام كان محصوراً في منطقة محدودة وغير منتشر في بقاع عديدة من العالم مما بلغه بعد ذلك.
النقطة الثالثة : قوة الأعداء المتربصين بالدين وأهل الدين بالمكر والحيلة والغيلة، من الداخل ومن الخارج على السواء .
النقطة الرابعة : الأعداد لظهور المهدي عليه السلام في آخر الزمان فإن نجاح حركته اذ يريد أن يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً(55) .
وكما هي وضيفته الإلهية في ذلك .
أقول : نجاحها يتوقف على أسباب وتلك الأسباب ينبغي أن يعدها الله قبله. وهو جل جلاله فاعل ذلك لا محالة. لأن ظهور المهدي عليه السلام وعد والله لا يخلف الميعاد.
وقد يخطر في الذهن : أنه يكفي الإعداد للظهور في العشر السنوات الأخيرة السابقة عليه في علم الله سبحانه. قلنا : كلا، فإن الحال في هذه العشر سنوات ايضاً تحتاج إلى سبب وسببه يحصل في العشر السنوات التي قبلها . وهكذا إلى ان يصل إلى عصر صدر الأسلام، ويتصل بالأئمة المعصومين عليهم السلام وأصحابهم. بل يتصل بما قبل الأسلام منذ نزول آدم عليه السلام فما بعده، لأن ذلك كله نظام واحد متصل ومتسلسل يتبع بعضه بعضاً في الحكمة الإلهية كنظام الخرز.
الوجه السادس : ان ما ذكرناه من الوجوه السابقة قد يناقش في عمومها لكل أصحاب الأئمة أو قل: لكل تصرفاتهم. وان كان الوضع السابق يجعلها شاملة على أي حال. ولكن المقصود الآن . ان بعض التصرفات من بعض
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(55) البرهان للمتقي الهندي : الباب 11، الحديث (2-3) – أعيان الشيعة للاميني ج2 ص46
أصحابهم غير الخاصة منهم، يمكن ان تكون على خطأ أو قابلة للمناقشة بشكل وآخر. وليس بالضرورة ان تكون الأقوال والأفعال والتصرفات الموجودة في ذلك الحين، ضرورية الحمل على الصحة. ويكون التاريخ مسؤولاً عن تصحيحها . بل يمكن نقدها واعتبارها باطلاًُ فعلاً، وتحميل مسؤوليتها على أصحابها. سواء اعتبرناهم معذورين فعلً عنها غفلة أو جهلاً او غير معذورين باعتبار التفاتهم اليها وتعمدهم لها. وهذا يكون موكولاً إلى الباحث التاريخي ولا حاجة الآن إلى تسمية احد بهذا الصدد.
إلقاء النفس في التهلكة
ينبغي لنا، ونحن بصدد الحديث عن حركة الحسين عليه السلام وثورته، أن نتصدى للجواب عن بعض الأسئلة الرئيسية بهذا الصدد. ومن أهمها ما قد يرد على بعض الألسن من أن الحسين عليه السلام القى نفسه في التهلكة، والقاء النفس في التهلكة حرام بنص القرآن(56) .
وهذا لاوجه لا يخص الأمام الحسين عليه السلام، وان كان فيه أوضح باعتبار القرائن المتوفرة الواضحة التي تدل على مقتله لو سار في هذا الطريق وعدم امكانه الحصول على الأنتصار العسكري المباشر، ولكنها ايضاً شبهة موجودة بالنسبة للأئمة الآخرين عليهم السلام، من حيث سيرهم في طريق الموت في حين انهم يعلمون بحصوله. كما هو المبرهن عليه والوارد عندنا في حقهم (57) ، وقد حصلنا فكرة كافية عن احاطة علومهم فيما سبق. اذن فهم يعلمون بحصول هذه الوفاة في هذا الطريق فلماذا ساروا فيه ؟ سواء كان المراد الأمام الحسين أو غيره من المعصومين. وهل السير في ذلك الا السير في طريق التهلكة المحرمة بنص القرآن الكريم؟.
ويمكن الجواب على ذلك بعدة وجوه نذكر أهمها:
الوجه الأول : انه يمكن القول ان الآية الكريمة : ( ولا تلقوا بأيديكم
_____________
(56) وهو قوله تعالى ( وانفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة واحسنوا إن الله يحب المحسنين) سورة البقرة . آية 195.
(57) أصول الكافي للكليني ج1 ص258 – باب 102- أعلام الورى للطبرسي ص340 – مراة العقول للمجلسي ج3 ص108.
إلى التهلكة)(58) . خاصة غير عامة. فإن خصوصها وعمومها انما هو ناشيء من المخاطب فيها في قوله: ولا تلقوا . والمخاطب فيها غير محدد.
وأوضح المصاديق الآخرى من القرآن الكريم لذلك قوله تعالى : ( وإن منكم الا واردها كان على ربك حتماً مقضياً)(59) . فإن المخاطب فيها غير محدد، واذا لم يكن محدداً لم يكن عمومها أكيداً، كما يفهم سائر الناس.
وقد يستشكل : أن الظاهر هو العموم، وان الضمير يعود إلى سائر المسلمين. بما فيهم الأئمة عليهم السلام.
وجوابه : أن هذا صحيح لو خلي وطبعة غلا انه توجد في الآية التي نتحدث عنها قرائن صارفة عن كون الخطاب للمعصومين سلام الله عليهم.
فإنه تعالى يقول : (وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا إن الله يحب المحسنين)(60) . ومن الواضح أن الامرين الأول والآخير : (أنفقوا) و (احسنوا) خاص بغير الأئمة عليهم السلام بل بغير المعصومين وغير الراسخين في العلم عموماً. لأن أمثال هذه المستويات العليا من الادراك لا تحتاجه، وانما يعتبر بالنسبة إليهم من توضيح الواضحات. بل يكون الخطاب هذه الأمور قبيحاً وحاشا لله وكلامه من القبح. آذن فالمخاطب غيرهم سلام الله عليهم.
اذن، فقط وقع النهي عن التهلكة في سباق الخطاب لغيرهم عليهم السلام فنعرف من وحدة السياق – وهي قرينة عرفية مبحوثة في علم (الأصول) :- ان النهي عن التهلكة، غير شامل لهم ايضاً. ومعه لا يمكن القول : بأن القرآن الكريم نص عليهم بعدم القاء النفس في التهلكة. كما يريد المستشكل ان يقول.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(58) سورة البقرة. آية 195
(59) سورة مريم . آية 71.
(60) سورة البقرة. آية 195.
الوجه الثاني : أنه بعد أن ثبت ان المعصومين عليهم السلام مسدّدون بالألهام من قبل الله سبحانه. اذ يكون عندهم نوعاً من التكاليف : ظاهرية وباطنية. أما الظاهرية فهي الموافقة لظاهر الشريعة والمعلنة بين الناس. وأما الباطنية فهي التعاليم التي يعرفونها بالإلهام فإذا تعارض الأمران : الظاهري والباطني، كان الباطني أهم كما هو أخص ايضاً، فيتقيد اطلاق الآية الكريمة – لو تم- بغير هذا المورد. فلا يكون هذا المورد على المعصوم حراماً بل يكون واجباً بمقتضى الإلهام الالهي الثابت لديه. فيتقيد اطلاق الآية الكريمة – لو تم – بغير هذا المورد. فلا يكون هذا المورد علىالمعصوم حراماً بل يكون واجباً بمقتضى الإلهام الالهي الثابت لديه. فيتقدم نحوه بخطوات ثابتة متمثلاً أمر الله سبحانه وراجياً ثوابه الجزيل ببذل النفس في هذا السبيل. وهذا الأمر لا يختلف فيه الأمام الحسين عليه السلام عن غيره من المعصومين عليهم السلام.
الوجه الثالث : أنه من الممكن ان لا يراد من (التهلكة) المنهي عنها في الآية الكريمة ... التهلكة الدنيوية بمعنى تحمل الموت أو المصاعب العظيمة، كما يريد الناس ان يفهموا منها. بل يراد منها الهلاك المعنوي وهو الكفر والقاء النفس في الباطل والعصيان والانحراف، وهو أمر منهي عنه بضرورة الدين.
وبتعبير آخر: ان المراد من التهلكة ليس هو التهلكة الدنيوية، بل التهلكة الآخروية، وهو التسبيب إلى الوقوع في جهنم بالذنوب والباطل ، ولا أقل من احتمال ذلك، بل من الواضح أن التعاليم الآخرى الموجودة في سياقها كما سمعنا فيما سبق، هي من الطاعات، اذن فتكون قرينة محتملة، على ان المراد من هذا النهي : التحذير عن ترك الطاعات والوقوع في المعاصي (61) .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وهنا يشير سماحة المؤلف إلى ان الآية الكريمة تعطي أوامر في سياق قرآني واحد وهو (أنفقوا- ولا تلقوا – احسنوا) فإذا لاحظنا أن الأمر الأول والأخير (الإنفاق والإحسان) انهما من الأمور التي يرجى عند العمل بها الحصول على الجزاء والثواب من الله عزوجل اخروياً أي ان العبد = عندما ينفق أو يحسن لوجه الله انما يأمل ان يرى أثر عمله أو طاعته آخروياً وهو رضى الله سبحانه =
واذا تم ذلك : لم يكن في الآية أي دليل على ما يريد الناس أو يميل إليه المستدل، بل تكون بعيدة عن ذلك كلّ البعد.
الوجه الرابع: أننا لو تنزلنا جدلاً عن الوجوه السابقة، وقلنا بحرمة التهلكة. فإنها انما تحرم ما دام صدق العنوان موجوداً، أو قل: إذا كان العرف يوافق على أنها تهلكة فعلاً. وأما إذا لم تكن كذلك خرجت عن موضوع التهلكة فلم تصبح محرّمة . ولا شك أن المفهوم عرفاً وعقلائياً ان التهلكة انما تكون كذلك والصعوبة انما تكون صعوبة، فيما اذا كانت بدون عوض أو بدل. فلو مّر الأنسان بصعوبة بليغة من دون نتيجة صالحة لتعويضها كان ذلك (تهلكة). وأما اذا كانت نتائجها حسنة فليست تهلكة بأي حال.
ونحن نرى الناس كلهم، تقريباً بل تحديداً، يضحّون مختلف التضحيات في سبيل نتائج أفضل، سواء من ناحية الأرباح الاقتصادية أو المصالح الاجتماعية او النتائج السياسية او الثمرات العلمية او أي حقل من حقول هذه الدنيا الوسيعة. فإنه يحتاج إلى تضحية قبل الوصول إلى نتائج . ومن الواضح أن هذه النتائج ما دامت مستهدفة لم يتعبرها الناس تهلكة أو خسارة، بل يعتبرونها ربحاً وفيراً، ورزقاً كثيراً، لأنها مقدمات لها، على أي حال.
فإذا طبقنا ذلك على حركة الحسين عليه السلام، أمكننا ملاحظتها مع
___________________________
= وتعالى عليه وبالتالي دخوله إلى الجنة فلا ينتظر الجزاء في الدنيا أو من الشخص المقابل فاذا كانت نتيجة هذين الأمرين نتيجة آخروية يكون الأمر الثالث (( ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) أمراً آخروياً أيضاً لأنه واقع بنفس السياق فتكون التهلكة تهلكة آخروية وهو دخول جهنم لترك الطاعات والوقوع في المعاصي. وأشار إلى هذا المعنى عدد من المفسرين ومنهم الفخر الرازي الذي أعطى في تفسير هذا المقطع من الآية عدة وجوه منها وجه قريب للمعنى السابق فيقول: قوله: (( ولا تلقوا بأيدكم إلى التهلكة ) هو الرجل يصيب الذنب الذي يرى أنه لا ينفعه معه عمل فذاك هو القاء النفس إلى التهلكة فالحاصل أن معناه النهي عن القنوط عن رحمة الله لأن ذلك يحمل الأنسان على ترك العبودية والأصرار على الذنب. إنتهى.
نتائجها بكل تأكيد، سواء النتائج المطلوب تحققها منها في الدنيا أو المطلوب تحققها في الآخرة. فإنها نتائج كبيرة ومهمة جدّاً، ولعلنا في المستقبل القريب لهذا البحث سنحمل فكرة كافية عن ذلك. وليس من حقنا أصلاً أن نلاحظ هذه الحركة منفصلة عن النتائج، خاصة بعد أن نعلم علم اليقين أن الحسين عليه السلام انما أرادها لذلك وأن الله سبحانه انما أرادها منه لذلك. اذن فتسعيرها الواقعي واعطاؤها قيمتها الحقيقية، انما تكون مع ملاحظة نتائجها لا محالة.
ومن الواضح عقلاً وعرفاً وعقلائياً، أننا اذا لاحظناها مع نتائجها لم تكن (تهلكة) بأي حال. بل كانت تضحية بسيطة، مهما كانت مريرة، في سبيل نتائج عظيمة ومقامات عليا في الدنيا والآخرى لا تخطر على بال ولم يعرفها مخلوق، ويكون الأمر بالرغم من أهميته القصوى، بمنزلة التضحية بالمصلحة الخاصة في سبيل المصلحة العامة. وفي مثل ذلك لا يكون حق أحد الأرجاف بأنها (تهلكة). فإذا لم تكن تهلكة لم تكن مشمولة لحكم التحريم في الآية الكريمة.
الوجه الخامس : أنه لا يحتمل فقهاً وشرعاً في الدين الأسلامي، ان تكون كل تهلكة محرمة. بل الآية الكريمة أو وجد لها اطلاق وشمول، فهي مخصصة بكثير من الموارد . مما يجب فيه القاء النفس في المصاعب الشديدة أو القتل أو يستحب كالجهاد بقسميه الهجومي والدفاعي ومثل كلمة الحق عند سلطان جائر(62) . ومثل تسليم المجرم نفسه إلى القضاء الشرعي ليقام عليه الحد الذي قد يؤدي به إلى الموت كالرجم والجلد والقطع وغيرها. وكلها جزماً من مصاديق التهلكة بالمعنى العام، ولكنها واجبة حيناً ومستحبة أحياناً.
إذن، فليس كل تهلكة محرمة، فكما أصبحت الأمور المذكورة جائزة.
_______________________
(62) اسعاف الراغبين لمحمد الصبان على هامش نور الابصار للشبنجي ص77 – التهذيب للطوسي ج6 ص 187.
مستثناه من عموم الآية الكريمة، فلتكن ثورة الحسين عليه السلام كذلك.
وما يمكن أن يكون دليلاً على الإستثناء أحد ثلاث أمور متصورة، أصبحت سبباً لقناعة الأمام الحسين عليه السلام بحركته:
الأمر الأول : الألهام الذي يأمره بالخروج في هذا السبيل أمراً وجوبياً(63)
الأمر الثاني ان تلقي الوجوب عن جده نبي الأسلام (ص)(64).
الأمر الثالث : أنه رأى مصلحة عامة واضحة الصحة وبعيدة المدى، بحيث يكون سلوك هذا السبيل من قبيل التضحية بالأمور الخاصة من أجل المصالح العامة.
بقية الحديث عن التهلكة
واذا تم لنا، كما حصل فعلاً مما قلناه، تأويل الآية بالشكل المعقول الذي يصرفها عن محل الكلام ومورد الأشكال، اذن، سوف لن يكون سير الحسين عليه السلام في هذا السبيل وسير غيره من المعصومين عليهم السلام في طريق موتهم لا يكون أمراً محرماً، بل هو جائز يختاره برضاه وطيب نفسه من أجل رضاء الله عزوجل والنتائج المطلوبة في المستقبل ولكننا مع ذلك نعرض في ما يلي الوجوه الآخرى لتفسير ذلك مما قيل أو يمكن أن يقال في هذا الصدد.
_________________________________________
(63) أصول الكافي ج1 ص244 – بتصرف واقتضاب – أسرار الشهادة للدربندي ص226.
(64) البحار للمجلسي ج44 ص328 – مثير الأحزان لابن ثماص ص22 - اللهوف لأبن طاووس ص11.
الوجه الأول : النظر إلى المعصوم عليه السلام، كقائد دنيوي. ومن المعلوم أن القائد الدنيوي قد لايلتفت أو لا يتأكد من وقوعه في الموت في هذا الصدد الذي هو فيه، وانما يأتيه سبب الموت على حين غرّة.غير ان هذا الوجه غير تام لأكثر من جواب .
أولاً: المنع عن النظر إليهم كقواد دنيوين، بعد كل الذي برهنا عليه من كونهم مسددين ملهمين من قبل الله سبحانه وتعالى.
ثانياً: اننا حتى لو نظرنا إلى التسبيب الطبيعي، فإنه كثيراً ما يكون من الراجح جداً حصول الموت في الطرق التي سلكها الأئمة في التسبيب لموتهم.
وأوضح مصاديق ذلك حركة الحسين عليه السلام. اذا كان هو يعلم بموته، وكذلك عدد ممن ناقشه في سيره وأراد صرف رأيه عنه(65) ، كان ممن يرجح حصول مثل هذه الكارثه التي حصلت له.
ومعه فمن سخف القول : أن الأمام عليه السلام، لم يكن ملتفتاً إلى ذلك أو محتملاً له سلفاً.وإلا فقد أنزلناه إلى مرتبة وضيعة من التفكير.
الوجه الثاني : ما هو المشهور بين بعض المفكرين في الدين. من أن المعصوم وإن كان بحسب طبعه الأول معصوماً عن الخطأ والنسيان.إلا أنه في تلك الواقعة، يعني حين يريد الله سبحانه التسبيب إلى موته.يجعله ناسياً او جاهلاً بالنتائج. فيذهب في هذا الطريق وهو لايعلم(66).
أقول: وهذا الوجه انما يكون حراماً اذا كان عمدياً. وأما اذا كان عن جهل أو نسيان، فلا يكون محرماً. لاستحالة تكليف الناسي والجاهل.
_________________
(65) قد مرّ ذكر أسمائهم سابقاً مراجع
(66) مرآة العقول للمجلسي ج3ص122 .
مادام بهذه الصفة. والمفروض ان هذه الصفة تلازم المعصوم عليه السلام إلى حين تورطه في الحادث.
الا أن هذا الوجه – أيضاً- ليس بصحيح، لأنه منقوض بما دل من الروايات الواردة عنهم عليهم السلام، على علمهم بحصول الموت لدى السير في هذا الطريق قبل التورط فيه. كالذي ورد عن الحسين عليه السلام حين يقول (( أني بأوصالي هذه تقطعها عسلان الفلوات بين النواويس وكربلاء فيملأن مني أكراشاً جوفاً وأجربه سغباً لا محيص عن يوم خط بالقلم رضا الله رضانا أهل البيت نصير على بلائه ويوفّينا أجور الصابرين))(67) .
ثم قال في نفس الخطبة : (( ألا فمن كان باذلاً فينا مهجته مواطناً على لقاء الله نفسه. فليرحل معنا، فإني راحل مصبحاً ان شاء الله تعالى))(68).
وكل ذلك واضح الدلالة في علمه عليه السلام، بموته وموت كل أصحابه سلام الله عليهم أجمعين.
وكذلك الأمام الرضا عليه السلام، حين مشى بطريق الموت فإنه قال فيما قال لأبي الصلت الهروي(69): (ان خرجت اليك وأنا مكشوف الرأس
__________________
(67) اللهوف لأبن طاووس ص26 – ابن نما الحلي ص29 – كشف العمة للاربلي ج2ص241- مقتل الخوارزمي ج21ص5.
(68) نفس المصدر.
(69)أو الصلت الهروي : هو عبد السلام بن سالم الهروي روى عن الرضا (ع) ثقة صحيح الحديث قاله النجاشي والعلامة. له كتاب وفاة الرضا (ع) وكان كما يشعر به بعض الكلمات مخالطا للعامة وراوياً لأخبارهم فلذلك التبس أمره على بعض المشايخ فذكر انه عامي قال الأستاذ الأكبر في التعليقة بعد نقل كلام الشهيد الثاني في تشيعه: لا يخفى أن الأمر كذلك فإن الأخبار الصادرة عنه في العيون والأمالي وغيرهما الصريحة الناصعة على تشيعه بل كونه من خواص الشيعة أكثر من أن تحصى وعلماء العامة ذكروه. قال اذهني في ميزان الأعتدال : عبد السلام بن صالح أبو الصلت الهروي رجل صالح الا انه شيعي: ونقل عن الجعفي: انه رافضي خبيث.وقال الدار قطني انه وافضي متهم وقال ابن الجوزي انه خادم للرضا شيعي مع صلاحه. وروي أن المأمون حبس أبا
فكلمني وان خرجت إليك مقنع الرأس فلا تكلمني . فحين خرج إليه مقنع الرأس هابه أبو الصلت أن يتكلم معه))(70) ، مضافاًإلى الرواية التي تقول: ((فقال له : إلى أين انت ذاهب يا ابن رسول الله؟ فقال : إلى حيث أرسلتني))(71). اذن فهو يعلم انه أرسله إلى الموت. ولم تكن إلى ذلك الحين دلالة طبيعية أوعرفية دالة على ذلك.
الوجه الثالث: أن المعصوم عليه السلام يعلم بتكليف شرعي من الله عزوجل، بالالهام أو بالرواية عن جده النبي (ص) . تكليفاً وجوبياً أو استحبابياً بالسير في هذا الطريق، طريق الموت. فهو بذلك يؤدي امتثاله لذلك التكليف الوجوبي أو الأستحبابي قربة إلى الله تعالى ورجاء لرضاء الله سبحانه وثوابه. تماماً كالعبد المؤمن الاعتيادي حين يصلي أو يصوم أو يحج أو يتعبد عبادة واجبة أو مستحبة. وهذا أحسن الوجوه التي عرفناها للجواب على مثل هذا السؤال على تقدير دلالة الآية الكريم على حرمة التهلكة. وقد عرفنا فيما سبق عدم دلالتها على ذلك اطلاقاًُ.
_________________
الصلت بعد وفات الرضا (ع) سنة فضاق صدره فدعى الله بمحمد وآل محمد فدخل عليه أبو جعفر الجواد (ع) فضرب يده إلى القيود ففكها وأخذ بيده وأخرجه من الدار والحرسه والغلمة يرونه فلم يستطيعوا أن يكلموه فخرج من باب الدار وقال له أبو جعفر (ع) : (امض في ودائع الله فإنك لن تصل إليه و لايصل إليك أبداً) الكنى والألقاب ج1ص100 .
(70) الدمعة الساكبة ص 86 - عيون أخبار الرضا للصدوق ج2ص245.
(71) نفص المصدر.
رضا الله رضانا أهل البيت
سمعنا الأمام الحسين عليه السلام فيما سبق في الخطبة المروية عنه انه قال: (( رضا الله رضانا أهل البيت))(72) .؟ فنزيد هنا اعطاء فكرة كافية عن ذلك فإن فهم هذه الجملة يحتوي على تقسيمين :
التقسيم الأول : النظر إلى معنى الرضا في هذا الجملة، فإننا تاره نفهم نفس الرضا بصفته عاطفة نفسية محبوبة. وأخرى نفهم منها : الأمر المرضي، يعني الذي يتعلق به الرضا كما هو المتعارف عرفاً التعبير عنه بذلك ولو مجازاً.
التقسيم الثاني : النظر إلى ما هو المتبدأ والخبر في هذه الجملة فانه قد يكون (رضا الله) مبتدأ و (رضانا) خبر، كما هو مقتضى الترتيب اللفظي لهذه الجملة. كما انه قد يكون العكس صحيحاً ، وهو أن يكون (رضا الله) خبراً مقدّما و (رضانا ) مبتداً مؤخرا.
واذا لاحظنا كلا التقسيمين ، كانت الأحتمالات أربعة بضرب أثنين في أثنين . ولكل من هذه المحتملات معناها المهم. ويمكن ان نعطي فيما يلي بعض الأمثلة لذلك في الفهوم التالية:-
الفهم الأول : ان يكون الرضا بمعنى الأمر المرضي ويكون (رضا الله ) في هذه الجملة هو المبتدأ . فيكون المعنى : ان الأمر الذي يرضاه الله عزوجل نرضاه نحن أهل البيت. وهذا هو الفهم الاعتيادي والمناسب مع السياق في هذه الخطبة .من حيث إنه عليه السلام يعبر عن رضاه بمقتله لأنه أمر مرضي لله
______________
(72) أسرار الشهادة للدربندي ص227 – كشف الغمة للاربلي ج2 ص241.
عزوجل
الفهم الثاني : أن يكون الرضا بمعنى الأمر المرضي، ويكون ( رضا الله ) في هذه الجملة خبراً مقدما. فيكون المعنى: أن الأمر الذي نرضاه نحن أهل البيت يرضاه الله عزوجل. أو قل : هو مرضي لله عزوجل بدوره.
وهذا أمر صحيح وعلى القاعدة، مطابق لما ورد عنهم عليهم السلام: بمضمون ((اننا أعطينا الله ما يريد فأعطانا ما نريد))(73) . فتكون تلك الجملة بمعنى الفقرة الثانية من هذه الجملة ، كما هو واضح للقارئ اللبيب.
الفهم الثالث: ان يكون المراد بالرضا معناه المطابقي، وليس الأمر المرضي. ويكون (رضا الله) في هذه الجملة مبتدأ . وليس خبراً مقدماً.
فيكون المعنى : ان رضا الله سبحانه هو رضا أهل البيت عليهم السلام. وهذا صحيح أيضاً ومطابق للقاعدة. ألأن الفلاسفة والمتكلمين المسلمين قالوا: انه ورد في الكتاب الكريم والسنةالشريفة نسبت كثير من الأمور إلى الله سبحانه كالرضا والغضب والحب والبغض والكره والارادة وغير ذلك من الصفات(74) . مع أنه قد ثبت في مودر آخر ، ان الله تعالى ليس محلاً للحوادث (75) ، ويستحيل فيه ذلك: وكل هذه الأور من قبيل العواطف
_______________
(73) لم نعثر على هذا الحديث بما في أيدينا من مصادر التحقيق. ويبدو أن سماحة المؤلف قد آخذ هذا المضمون من عدة روايات مجتمعة لا من رواية واحدة. والظاهر ان هذه العبارةغير مودجوة نصاً في الروايات وانما من تعبير المؤلف لمضمون عدد من الروايات وقد أشار إلى ذلك بقوله: (بمضمون).
(74) وقد استدلوا على ذلك بالقرآن الكريم فمثلاً:
الرضا كما في قوله: (رضي الله عنهم ورضوا عنه) البينة آية 8.
الغضب : كما في قوله ( فعليهم غضب من الله) النحل آية 106
الحب : كما في قوله (ان الله يحب المحسنيين) البقرة آية 195
الكره : كما في قوله (كره الله انبعاثهم) التوبة آية 46.
الإرادة : كما في قوله. (واذا اراد الله بقوم سوء) الرعد آية 11
(75) أنظر مثلاً : كشف المراد للعلامة ص 294
المتجددة التي تستحيل على ذات الله سبحانه. فكيف صح نسبتها إليه سبحانه في الكتاب والسنة؟ .
وقد أجاب الفلاسفة والمتكلمون بعدة أجوبة عن ذلك كان من اهمها: انه جل جلاله يجعل هذه العواطف المتجددة في نفوس أوليائه وأنبيائه وأصفيائه . فإذا علمنا أن أهل البيت هم أولياء الله وأصفيائه، اذن فيصدق: ان رضا الله رضاهم أهل البيت. لأن رضا الله كما قال الفلاسفة ليس قائماً بذاته جل جلاله بل قائم بذواتهم سلام الله عليهم.
لماذا لم يعمل الحسين عليه السلام بالتقية؟
لا شك أن التقية واجبة عندنا بنص القرآن الكريم والسنة الشريفة اجماع علمائنا: أما القرآن الكريم ففي أكثرمن آية واحدة كقوله تعالى (إلا أن تتقوا منهم تقاة). . وأما السنة الشريفة فأكثر من نص كقوله عليه السلام: ((التقية ديني ودين آبائي))(77) . وقوله (ع) لا دين لمن لا تقية له))(78) . وقوله (ع) : ((التقية درع المؤمن الحصينة))(79). ويغر ذلك وأما الاجماع فهو واضح لمن استعرض فتاوى علمائنا، بل الحكم يعتبر من ضروريات المذهب.
اذن فالتقية واجبة. وهذا ما حدى بالمعصومين عليهم السلام جميعاً العمل بها الا الحسين عليه السلام. فلماذا لم يعمل بها هذا الإمام الجليل. إذ من الواضح أن أحداً من المعصومين غيره لم يتحرك مثل حركته، بل كانت الثورات متعددة، والحروب في داخل البلاد الأسلامية وخارجها موجودة. وهم معرضون عنا لا يشاركون بأي شيء منها. حتى لو كان الثوار والمحاربون من أبناء عمومتهم كذرية الحسن أوالحسين الذين تحركوا خلال العهدين الأموي والعباسي بكثرة، عدّ منهم في (مقاتل الطالبيين) عشرات. الا أن المعصومين سلام الله عليهم. لم يكونوا من بينهم بأي حال من الأحوال. بل كانوا
________________________
(76) سورة آل عمران آية 28
(77) أصول الكافي ج2ص219حديث 12 – باقتضاب – ططهران
(78) أصول الكافي ج2ص217 الحديث الثاني – باقتضاب – مختصر بصائر الدرجات ص101.
(79) أصول الكافي ج2 ص221حديث 23 – بتصرف واقتضاب.
يسلكون سلوكا مغايراً لذلك تماما عملاً بالتقية الواجبة التي يحسون بضرورتها التشريعية والواقعية عليهم سلام الله عليهم.لا يستثني من ذلك الا واحد معين منهم هو الإمام الحسين عليه السلام في حركته العظيمة. فلماذا كان ذلك؟ .
والأسباب المتصورة لذلك عدّة أمور محتملة وإن لم تكن كلها صحيحة. الا أننا نذكر الأمور التي قد تخطر على بال القاريء الإعتيادي أيضاً:
الأمر الأول : ان الأخبار الدالة على وجوب التقية لم تكن صادرة في زمن الحسين عليه السلام، لأنها انما صدرت عن الإمامين الصادقين عليهم السلام وهما عاشا بعد واقعة كربلاء بحوالي قرن من الزمن. واذا لم تكن هذه الأخبار موجودة ، فلا دليل على وجوب التقية يوم حركة الحسين عليه السلام. ومن هنا لم يعمل بها.
إلا أن هذا الوجه غير صحيح لأكثر من جواب واحد:
أولاً : أن هذه الأخبار المشار إليها تدلنا على حكم واقعي ثابت في الشريعة، يعلم به المعصومون جميعاً سلام الله عليهم بما فيهم الحسين عليه السلام. فإنهم جميعاً عالمون بجميع أحكام الشريعة المقدسة.
ثانياً: أن الآيات الكريمة دالة على ذلك أيضاً، وقد كانت موجودة ومقروءة في زمن الحسين عليه السلام.
الأمر الثاني : أن الحسين عليه السلام كسائر المعصومين عليهم السلام، عمل بالتقية ردحاً طويلاً في حياته. وانما ترك العمل بها من ناحية واحدة فقط ، هي الناحية التي أدت إلى مقتله في واقعة الطف. وهي رفض الطلب الصادر من قبل الحاكم الأموي بالبيعة له(80) وتهديده بكل بلاء اذا لم يبايع. الأمر الذي استوجب صموده عليه السلام ضد هذا المعنى حتى الموت.
_______________
(80) البحار للمجلسي ج4ص326 مناقب ابن شهر آشوب ج2ص208 اللهوف لابن اووس ص11
الأمر الثالث : ان الأدلة في الكتاب والسنة على مشروعية التقية، ليست دالة على الألزام والوجوب بل على الجواز على ما سنرى.
أو – بتعبير آخر- : ان العمل بالتقية رخصة لا عزيمة . ومن هنا يمكن القول
ان الإمام الحسين عليه السلام كان مخيراً يومئذ بين العمل بالتقية وبين تركها ولم يكن يحب العمل بالتقية في حقه. وما دام مخيراً فقد اختار الجانب الأفضل في نظره، وهو فعلاً الأفضل في الدنيا والأفضل في الأخرة، وهو نيله للشهادة بعد صموده ضد الأنحراف والظلم والظلال.
ومن هنا ، أيضاً، كان عمل أصحاب الأئمة والمعصومين عموماً. مع العلم أنهم كانوا عارفين بالأحكام متفهمين للشريعة مرتفعين في درجات الايمان.
فعمار بن ياسر(81) عمل بالتقية حين طلب منه مشركو قريش الطعن
_______________
(81) عمار بن ياسر : هو بن عامر بن مالك بن كنانة بن قيس بن الحصين .... بن يشجب المذحجي وهو من السابقين الأولين إلى الأسلام وهو حليف بني مخزوم امه سمية وهي أول من استشهد في الإسلام وقد قال فيه رسول الله (ص) : ( من عادى عمّاراً عاداه الله ومن أبغض عماراً بغضه الله) وعن علي (ع) قال : (جاء عمار يستأذن على النبي (ص) فقال : إئذنوا له مرحباً بالطيب المطيب). وعن عائشة قالت : قال رسول الله (ص) : ( ما خيّر عمار بين أمرين إلا اختار ارشدهما) ومن مناقبه أنه قدمها ضحى فقال عمار : ما لرسول الله بد من ان نجعل له مكانا لستضل فيه ويصلي فيه فجمع حجارة فبنى مسجد قبا. وقال عبد الرحمن السلمي: شهدنا صفين مع علي(ع) فرأيت عمار بن ياسر لا يأخذ في ناحية ولا واد من أودية صفين الا رأيت أصحاب النبي (ص) يتبعونه كأنه علم لهم وشهد خزيمة بن ثابت الجمل وهو لا يسلّ سيفاً وشهد صفين ولم يقاتل وقال لا أقاتل حتى يقتل عمار فأنظر من يقتله فإني سمعت رسول الله (ص) يقول : (تقتله الفئة الباغية) فلما قتل قال خزيمة ظهرت له الضلالة ثم تقدم فقاتل حتى قتل : وقتل عمارفي صفين وعمره يومئد (94) سنة وقيل (93) سنة وقيل (91) سنة . واختلف في قاتله فقيل قتله أبو العارية المزني وقيل الجهنيطعنه فسقط فلما وقع اكب عليه آخر فاحتز رأسه . أسد الغابة ج4 ص 43.- بتصرف واقتضاب
بالأسلام ونبي الأسلام . وبتلك المناسبة نزلت الآية الكريمة(82). في حين ان عدداً من الآخرين تركوا العمل بها ودفعوا حياتهم في سبيل ذلك كميثم التمار وسعيد بن جبير (83) وحجربن عدي(84) وزيد بن علي.
____________
(82) سورة النحل آية 106 وهو قوله تعالى : ( من كفر بالله بعد ايمانه الا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدراً فعليهم غضب من الله....... ).
(83) سعيد بن جبير: لقد كان سعيد من التابعين وكان معروفاً بالزهد والعبادة وعلم التفسير وكان يسمى (جهبد العلماء) وكان يصلي خلف الإمام زين العابدين(ع) فأخذه خالد بن عبد الله القسري وأرسله إلى الحاج فلما رآه قال له : ما اسمك؟ قال : سعيد بن جبير، قال : بل شقي بن كسير. قال : أن أمي أعلم بأسمي منك. قال : شقيت وسشقيت أمك. قال الغيب يعلمه غيرك قال : لأبدلنك ناراً تلظى .قال: لو علمت ان ذلك بيدك لآتخذتك الأهاً. قال: فما قولك في محمد؟ قال : نبي الرحمة وامام الهدى. قال فما قولك في علي : أهو في الجنة أو في النار؟ قال لو دخلتها وعرفت من فيها عرفت أهلها. قال : فما قولك في الخلفاء؟ قال : لست عليهم بوكيل. قال : فأيهم أحب إليك؟ قال : أرضاهم للخالق. قال : فأيهم أرضى للخالق؟ قال : علم ذلك عند الذي يعلم سرهم ونجواهم. قال أبيت ان تصدقني! قال : بل لم أحب ان اكذبك. قال الحجاج. فاختر أي قتله أقتلك. قال سعيد : اختر لنفسك يا حجاج فوالله ما تقتلني قتله إلا قتلك الله مئلها في الآخرة قال : أفتريد أن اعفو عنك؟ قال ؟ ان كان العفو فمن الله . وأما أنت فلا براءة لك ولا عذر) قال الحجاج: اذهبوا به فاقتلوه فلما خرج من الباب ضحك. فأخبر الحجاج بذلك فأمر برده وقال : ما أضحكك ؟ قال : عجبت من جرأتك على الله وحلم الله عنك. فأمر الحجاج بالنطع فبسط فقال أقتلوه قال سعيد : وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً مسلماً وما أنا من المشركين. قال : شدوا به لغير القبلة؟. قال سعيد : فأينما تولوا فثم وجه الله . قال كبوه على وجهه. قال سعيد : منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى . قال الحاج : اذبحوه. قال سعيد : أما اني أشهد وأحاج ان لا اله الا الله وحده لا شريك له، وان محمداً عبده ورسوله. خذها مني حتى تلقاني يوم القيامة. ثم دعى سعيد الله فقال : اللهم لا تسلطه على أحد يقتله بعدي فذبح على النطع رحمه الله . ولم يعش الحجاج بعده الا خمس عشرة ليلة ظل ينادي فيها مالي ولسعيد بن جبير كلما أردت النوم اخذ برجلي (( وفيات الأعيان لابن خلكان ج2 ص372 ط بيروت مقارنة بمروج الذهب للمسعودي ج3 ص164).
(84) حجر بن عدي : بن معاوية بن جبلة بن عدي بن ربيعة... بن كندة الكندي وهوالمعروف بحجر الخير وهو بن الأدبر وانما قيل لأبيه عدي الأدبر لأنه طعن على اليته مولياً فسمى ألأدبر .وفد على النبي (ص) هو واخوه هاني وشهد القادسية وكان من فضلاء الصحابة وكان على كندة بصفين وعلى الميسرة يوم النهروان وشهد الجمل أيضاً مع علي (ع) وكان من أعيان أصحابه ولّما ولّي زياد العراق وأظهر من الغلفة وسوء السيرة ما أظهر . خلعه حجر ولم يخلع معاوية وتابعه جماعة من شيعة
الشهيد(85) وغيرهم.
ولو كانت التقية واجبة الزاماً لكان حال هؤلاء وغيرهم على باطل، مع العلم أنهم لا شك على حق لأنهم متفقهون بالأحكام الأسلامية جزماً. ولاشك انها – مع ذلك – مشروعة ، فيتعين ان تكون مشروعة بنحو التخيير لا بنحو الألزام.
ومما دل على ذلك ما روي عن رجلين من اهل الكوفة أخذا. فقيل لهما: ابريا من أمير المؤمنين عليه السلام. فبريء واحد منهما وآبى الآخر . فخلي سبيل الذي بريء . وقتل الأخر . فقال الأمام الباقر عليه السلام: (( اما الذي بريء فرجل فقيه في دينه واما الذي لم يبرأ فرجل تعجل الجنة))(86) .
______________
= علي (ع) فكتب فيه زياد إلى معاوية فأمره بأن يبعث به وبأصحابه اليه فبعث بهم مع وائل بن حجر الحضرمي ومعه جماعة فلما أشرف على مرج عذراء قال اني لأول المسلمين كبر في نواحيها فأنزل هو واصحابه عذراء وهي قرية عند دمشق فأمر معاوية بقتله فشفع اصحابه في بعضهم فشفعهم ثم قتل حجر وستة معه وأطلق ستة ولما أرادوا قتله صلى ركعتين ثم قال لو لا ان تضنون بي غير الذي بي لأطلتهما وقال لا تنزعوا عني حديداً ولا تغسلوا عني دما فاني لاق معاوية على الجادة. وقال عبد الرحمن بن الحارث بن هشام لمعاوية بعد مقتل حجر والله لا تعد لك العرب حلماً بعدها ولا رأياً قتلت قوماً بعث بهم أساري من المسلمين . وكان قتله سنة 51هـ وقبره مشهور بعذراء وكان مجاب الدعوة. أسد الغابة ج1ص385
(85) زيد بن علي بن الحسين بن علي بن ابي طالب ويكنى بأبي الحسين وأمه أم ولد أهداها المختار بن أبي عبيدة لعلي بن الحسين فولدت له زياداً وعمراً وعلياً وخديجة. وقد خرج بثورة ضد الحكم الأموي المتمثل بهشام بن عبدالملك آنذاك ولكن غدر به من بايعه من أهل الكوفة والمدائن والبصرة وواسط والموصل وخراسان والري وجرجان والذين وصل عددهم إلى مائة الف تقريباً ولكن عند خروجهع وافاه 218 من رجاله فقال زيد سبحان الله فأين الناس قيل هم محصورون في المسجد فقال لا والله ما هذا لمن بايعاً بعذر.ومع هذا العدد القليل خرج فقاتل وأصيب بسهم في جانب جبهته اليسرى فنزل السهم في الدماغ فمات على اثره ودفنوه أصحابه في العباسية ولكنه أخرج وصلب (وقيل انه استمر مصلوباً إلى أيام الوليد بن يزيد) وبعدها أحرق بالنار ثم جعل في قواصر ثم حمل في سقيفة ثم ذري في الفرات. مقاتل الطالبيين للأصفهاني ص127.
(86) أصول الكافي ج2ص221 حديث 21 ط طهران
ولذا يمكن القول: بأنه لم يثبت أن ترك التقية حرام. الا قوله في أحدى الروايات(( التقية ديني ودين آبائي ولا دين لمن لا تقية له))(87).
وهي لا شك دالة على الألزام . إلا أنها ساقطة بالمعارضة مع الروايات الدالة على الرخصة، كالرواية السابقة(88) . فيبقى حكم التقية على التخيير.
والأيات الكريمة أيضاً غير دالة على الألزام منها قوله تعالى : ( لا يتخذ المؤمنون الكافرين أوليآء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء الآ أن تتقوا منهم تقاة. ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير)(89) .
وقوله تعالى : ( من كفر بالله بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالايمان ولكن من شرح بالكفر صدراً فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم))90).
وفي كلتا الايتين يعتبر حكم التقية استثناء من أمر حرام وهو : موالاة الكافرين في الاية الأولى والكفر في الآية الثانية. والأستثناء من مورد الحضر أو الحرمة لا يدل على أكثر من الجواز وذلك كما قال الفقهاء حول قول تعالى : ( وإذا حللتم فاصطادوا)(91) . فإن حكم الصيد في إستثناء من جانب حرمته في حال الأحرام مع احتمال استمراره بعده. فيكون دالا على مجرد الجواز.
نعم، قد تكون التقية واجبة الزاماً، فيما اذا توقف عليها هدف اجتماعي عام مهم. كالمحافظة على بيضة الأسلام. الأ أنه لم يكن الأمر يومئد هكذا ، بل
_______________
(87) أصول الكافي ج2 ص224 حديث 2 ط طهران.
(88) رواية الرجلين اللذين اخذ من أهل الكوفة.
(89) سورة آل عمران آية 28.
(90) سورةالنحل . آية 106.
(91) سورة المائدة. آية 2
بالعكس على ما سوف نعرف، فإن حفظ الأسلام يومئذ كان متوقفاً على التضحية لا على التقية.
الأمر الرابع : من أسباب ترك الإمام الحسين عليه السلام للعمل بالتقية:
أننا حتى لو تنزلنا عما قلناه في الأمر الثالث، وفرضنا التقية الألزامية . الا ان هذا الحكم بالألزام ساقط بالمزاحمة مع الأهم . اذا من الواضح من سياق الآيات ان الأمر بالتقية انما هو في موارد فردية متفرقة، والإمام الحسين عليه السلام واجه قضايا عامة تقتضي ترك التقية والعمل بالتضحية:
أهمها : الطلب منه بمبايعة الحاكم الأموي يؤمئذ ، يزيد بن معاوية(92) .
وهو ما يترتب عليه نتائج وخيمة بالغة في الأهمية ، قد تؤدي إلى اندراس الأسلام الحقيقي منذ عصره إلى يوم القيامة.
ومن القضايا العامة المهمة التي واجهها سلام الله عليه: طلب أهل الكوفة لمبايعتهم له وولايته الفعلية عليهم (93) . وهو حكم عام ومهم شرعاً ومتقدم على حكم التقية.
وكلا الأمرين لم يوجهه أحد من أولاده المعصومين التسعة عليهم السلام. ومن هنا كان عملهم بالتقية متعيناً. ومن الممكن القول أنهم لو واجهوا ما واجهه الحسين عليه السلام، لكان رد فعلهم كرد فعله تماماً.
الأمر الخامس : أن الحسين عليه السلام، علم علماً طبيعيا أو الهامياً، أنه سوف يموت على كل حال حتى في مكة، فضلاً عن غيرها من بلاد الله . ولذا ورد عنه (( انهم سوف يقتلوني حتى لو وجدوني متعلقاً بأستار الكعبة))(94)
_______________
(92) البداية والنهاية لأبن كثير ج2ص146 – مروج الذهب للمسعودي ج3 ص65
(93) اللهوف لابن طاووس ص14 – تاريخ الفتوح لابن اعثم ج5 ص46 – اسرار الشهادة للدربندي ص199.
(94) مرآة
العقول للمجلسي ج2ص194- مثير الأحزان لابن نما الحلي ص41.
ومن يكون حاله هو العلم اليقين بموته يرتفع عنه حكم التقية من قاتله. وله أن يفعل
ما يشاء . تصور شخصاً محكوماً عليه بالأعدام. وسوف يصعد عما قليل على خشبة المشنقة.
فعندئذ تهون الدنيا في نظره ويمكنه ان يفعل أو يقول ما يشاء تجاه جلاّديه . لأنهم
سوف لن يزيدوا على قتله على أي حال.
فعلى ذلك كان حال الإمام الحسين (ع) . ومعه فضّل ان يموت بهذا الشكل عن ان يموت خامل الذكر محوطاً بالذلة والنسيان.
الا أن هذا الوجه بمجرده لا يتم، لأنه عليه السلام لو كان قد قبل بالمباعية لكفوا عن العزم على قتله، وهذا واضح لديه ولدى غيره. اذن فالعلم بموته انما بصفته رافضاً للمبايعة صامداً ضدها. اذن فيرجع هذا الوجه إلى وجه آخر مما ذكرناه كالوجه الرابع السابق.
الأمر السادس : ان حكم التقية وان كان نافذ المفعول عليه (عليه السلام) وغيره من البشر. الا أنه مخصص في حقه عليه السلام، فهو خارج عن حكمها بالتخصيص والاستثناء . وقد ثبت لديه التخصص اما بالالهام وأما بالرواية عن جده رسول الله (ص) (95) . ولذا لم تكن التقية في حقه واجبة ولا تركها عليه حراماً.
وربما عد من الأدلة في هذا الصدد ، ما ورد من بكاء النبي (ص) على مقتل الحسين عليه السلام يوم ميلاده(96) ، لعلمه المسبق بذلك . وهو ما يستفاد
______________________
(95) البحار للمجلسي ج44 ص328 - اسرار الشهادة للدربندي ص224
(96) الخصائص الكبرى ج 2 ص125 – آمالي الصدوق ص118 الحديث 5 – البحار للمجلسي ج44ص250- تاريخ أبن عساكر ترجمة الأمام الحسين ص183.
- ولهذا بكاه عدد من الصحابة (رض) منهم سلمان الفارسي حيث مرّ على كربلاء حين مجيئه إلى المدائن فقال هذه مصارع اخواني وهذا موضع مناحتهم ومهراق دمائهم يقتل بها ابن خير الأولين والأخرين. (رجال الكشي ص13 ط هند) . وكذا بكاه أمير المؤمنين في مسيره إلى صفين نزل =
منه جواز حركته واحترام ثورته .فيكون مخصصاً لما دل على حرمة التقية لو وجد.
وهذا الوجه اكيد الصحة لو تم بالدليل كون التقية عزيمة لا رخصة . وهو الوجه الذي يشمل أهله وأصحابه وأهل بيته الذين رافقوه في حركته وآزروه في ثورته. فإن التقية أن كانت واجبة في حقهم أساساً، فهي لم تكن واجبة عندئذ، بل مستثناة عنهم بأمر امامهم الحسين نفسه . حيث أوجب عليهم المسير معه والقتل بين يديه(97). بل التقية لم تكن واجبة من هذه الناحية على أي واحد من البشر على الأطلاق ، تمسكاً بما ورد عنه سلام اله عليه: (( من سمع واعيتنا ولم ينصرنا اكّبه الله في النار))(98).
وهو دال بوضوح على لزوم نصره ووجوب ترك التقية من هذه الناحية. وكذلك ما ورد عنه أنه قال عليه السلام حيث بقى وحيداً بعد مقتل أصحابه وأهل بيته: (( هل من ناصر ينصرنا وهل من ذابّ عن حرم رسول اله))(99). وسنذكر بعونه تعالى ان هذا انما قال الحسين عليه لأجل اقامة الحجة
____________________
= فيها وأومأ بيده إلى موضع منها فقال ها هنا موضع رحالهم ومناخ ركابهم ثم أشار إلى موضع آخر وقال ها هنا مهراق دمائهم ثقل لآل محمد ينزل ها هنا ثم قال : واه لك يا تربة ليحشرن منك أقواماً يدخلون الجنة بغير حساب وأرسل عبرته وبكى من معه لبكائه وأعلم الخواص من صحبه بأن ولده الحسين يقتل ها هنا في عصبة من أهل بيته وصحبه هم سادة الشهداء لا يسبقهم سابق ولا يلحقهم لاحق (مقلت المقرم نقلاً عن كامل الزيارات ص27).
بل يتعدى الأمر إلى الأأنبياء السابقين على نبينا الأعظم (ص) فلقد بكاه آدم(ع) والخليل ابراهيم معه فإنه كالشهيد مع الأنبياء مقبلاً غير مدبر وكأني نظر إلى بقعته وما من نبي الا وزارها وقال انك لبقعة كثيرة الخير فيك يدفن القمر الزاهر) كامل الزيارات لابن قولويه 67.
(97) مثير الأحزان لابن نما ص 39 البحار للمجلسي ج45 ص86 أمالي الصدوق ص131
(98) أمالي الصوق ص 132 – مقتل الخوارزمي ج1 ص227 البحار ج44 ص315.
(99) اللهوف لابن طاووس ص 49 كشف الغمة للأربلي ج2 ص262.
على الأخرين
كما يشمل أهله وأصحابه رضوان الله عليهم وجوه آخرى لترك التقية مما سبق. كالأمر الثالث الذي ذكرناه وهو كونها تخيرية وليس الزامية. والأمر الثاني والأمر الرابع ، فراجع.
والسر في سقوط التقية ، كما أشرنا عن جميع البشر في ذلك العصر، من هذه الجهة، لا ينبغي ان يكون خافياً وحاصله: ان الناس لو كانوا قد استجابوا بكثرة وزخم حقيقيين ، واذا كانت أعداد مهمة منهم قد أدركت مصالحها الواقعية في نصر الحسين عليه السلام لتحقق النصر العسكري له فعلاً، ولفشل عدوه الأموي الظالم . بل في المستطاع القول بأنه مع حسن التأييد يكون زعيماً فعلياً على كل بلاد الأسلام، فيحكمها بالعدل وبشريعة جده رسول الله. غير ان المجتمع في ذلك الحين كان متخاذلاً جاهلاً. ولله في خلقه شؤون.
حدود أهداف الحسين (ع)
حينما نريد أن نتحدث عن أهداف الحسين عليه السلام في ثورته، فإنما نتحدث ، كما أسلفنا في حدود فهمنا ومدى ادراكنا، وهوالبعيد عن فهم الواقعيات والمحجوب اساساً عن الوصول إلى تلك المستويات . فنحن نتحدث عن أقصى ما ندركه من أمر منطقي ومعقول. كإطروحة مقبولة ومحتملة في هذا الصدد وليس كشيء قطعي وناجز، ونحن نعلم أن ما خفي علينا من الحق أكثر مما أتضح لنا بكثير . وخاصة ونحن نعرف – كما سبق أيضاً- بأن أقوال المعصومين وأفعالهم مطابقة للحكمة الألهية ومساوقة للعلم الألهي، لما لهم من التأييد والتسديد منه جلّ جلاله . ومن المعلوم ان الحكمة والعلم الالهّيين غير محدودين ونحن محدودون ( ولا يمكن للمحدود ان يدرك اللا محدود).
ولو تنزلنا عن ذلك جدلاً، أمكننا القول بأن الواحد من المعصومين عليه السلام هو أفضل من أفضل واحد من البشر رأيناه أو سمعنا عنه، في جميع المستويات وعلى أي صعيد . والفرد مهما أوتى من قوة تفكير وحدة ذكاء فهو أدنى منهم بمراتب عظيمة. ومن المعلوم أن الأدنى لا يمكن ان يدرك جميع ما لدى الأعلى، ولا يمكن أن يفهم مستواه الا اذا كان مساوياً له.
خذ اليك مثلاً : أن الطفل الدارس في المدارس الإبتدائية أو من هو على شاكلته هل يصح ان نتصور أن يفهم الرياضيات المعمّقة والفلسفة المحققة أو علوم الفيزياء أو الكيمياء المفصلة. وهكذا مستوى أي واحد منا تجاه أي واحد من المعصومين عليهم السلام. اذن فالتعرف على كل حقيقتهم وأهدافهم إن لم يكن محالاً، فهو بمنزلة المحال.
ولكن في حدود ما نفهم، فإننا حين نريد أن نطرح بعض الأفكار عن أهداف الإمام الحسين عليه السلام في ثورته، فتلك الأفكار لا بد أن تكون حاوية على عدد من الشروط لا بد منها. و لا يمكن أن تكون أفكارنا جزافية أو مطلقة.
الشرط الأول : أن يكون الشيء الذي نتصوره هدفاً للامام الحسين عليه السلام أمراً مرضياً لله عزوجل لا تشوبه شائبه عصيان أو أن يكون مرجوحاً في الشريعة المقدسة. بما في ذلك حب الدنيا وطلب المال والجاه والسيطرة المنفصلة عن الأمر الألهي والتكليف الشرعي.
الشرط الثاني : ان يكون الهدف الذي نتصوره مناسباً مع حال الحسين عليه السلام وشأنه . لا أن يكون هدفاً موقتاً أو متدنياً أو ضئلاً. فإن ذلك مما لا يصح له وجود هذه التضحية الكبيرة التي أقامها الحسين عليه السلام وعاناها . فإنها عندئذ لا تكون معقولة ولا عقلانية، وانما لابد أن يكون الهدف معمقاً وواسعاً وأكيداً وشديداً، بحيث يسع كل هذه التضحيات.
الشرط الثالث : أن يكون أمراً متحققاً، أما في الحال أو في الأستقبال. و لا يجوز أن نطرح له هدفاً فاشلاً وغير متحقق أو غير قابل للتحقق . فإنه خلاف الحكمة الالهية . و لايمكن أن ننسب ما هو فاشل وعاطل إلى الحكمة اللا متناهية.
مثال ذلك: أن الإمام الحسين عليه السلام لو كان قد استهدف النصر العسكري العاجل أوازالة حكم بني أمية أو ممارسة الحكم في المجتمع فعلاً. فهذا ونحوه من الأهداف القطعية الفشل . لأنها لم تحدث ولم يكن من الممكن أن تحدث . إذن فهو ليس بأمر مستهدف ، وان تخيله بعض من المفكرين أوعدد منهم، الا أنه لا شك في بطلانه ، لأن هدفه عليه السلام راجع إلى أهداف.
الحكمة الألهية، ومثل هذه الأهداف لا يمكن أن تكون فاشلة، لأن الله تعالى كما هوحكيم هو قادر، فهو يستطيع أن ينفّذ ما في حكمته بكل تقدير.فلو استهدف الله سبحانه هدفاً لحصل. وحيث أنه لم يحصل فهو اذن غير مستهدف.
الشرط الرابع: أنه يمكن أن يقال : ان من شروط فهم أهدافه عليه السلام، ان يكون مذكوراً في كلامه. لأننا انما نعلم بالأمور من أصحابها وأهل الحل والعقد فيها. وقديماً قال الشاعر : وأهل البيت أرى بالذي فيه. وليس لنا أن نضيف من عندنا شيئاً. وانما نسمع منه سلام الله عليه مثل قوله: (( انما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي رسول الله (ص) آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر))(100) . بعد أن وصف المجتمع بضعف الدين وقلة الإلتزام بالتعاليم : (( ولم يبق من الدين الا صبابة كصبابة الاناء وخسة عيس كالمرعى الوبيل. الأ ترون ان الحق لا يعمل به وأن الباطل لا يتناهى عنه))(101).
فالغرض من هذا العرض، هو أن الهدف إن كان مذكوراً في كلامه سلام الله عليه أخذنا به، وان لم يكن قد ذكره أعرضنا عنه . ولم نعتبره هدفاً حقيقياً له.
الا أن هذا الشرط غير صحيح . لعدة أجوبة يمكن أن تورد ضده:
الجواب الأول : ضعف الروايات الناقلة لكلامه سلام الله عليه، اذن فلم يردنا عن طريق صحيح بيان أهدافه سلام الله عليه. فلو اشترطنا ذلك لم يكن لنا طريق إلى معرفة الأهداف اطلاقاً.
الجواب الثاني : أن هنا كقانوناً عرفياً وشرعياً ، متبعاً في التفاهم بين جميع الناس، وان لم يكن يلتفت إليه الكثيرون بصراحة. وهو قانون : ((كلّم الناس
________________
(100) مقتل الخوارزمي ج1ص188 – مناقب بن شهر آشوب ج3ص241 نجف
(101) اللهوف لابن طاووس ص 34 – تاريخ الطبري ج3 ص225.
على قدر عقولهم)(102) والحسين عليه السلام. لا شك ان المجتمع في ذلك الحين لم يكن يطيق فهم واستيعاب اهدافه الحقيقية من حركته، لأنه كان حديث عهد بالدين وبشريعة سيد المرسلين، ولم يكن المجتمع يومئذ تربى بالمقدار المطلوب، وانما كان فهمه للدين بسيطاً وتطبيقه للتعاليم قليلاً، ما عدا نفر يسير من الناس. وبالتالي لم تكن هذه الألف وحوالي النصف من السنين قد مّرت وأثرت في تربية المجتمع وتكامل فهمه العقلي والنفسي تكاملاً معتداً به . وكلما مرت السنين أكثر كان هذا التكامل اكثر لا محالة.
فإذا لم يكن بيان أهدافه ممكنا عندئذ، فخير له أن يطويها في نفسه وان يكتمها عن غيره، وانما يقول للآخرين بمقدار ما هو ممكن فقط، مما لا يكون هو الهدف الحقيقي لحركته عليه السلام. و لا أقل من احتمال ذلك . الأمر الذي يسقط به هذا الشرط الرابع.
الجواب الثالث : على هذا الشرط: ان هناك بعض الأعمال يعتبر التصريح بأهدافها افساداً لها ، وتكون عنذئذ عقيمة وغير منتجة، وهذا أحد التأويلات المهمة لما ورد(( استعينوا على أموركم بالكتمان)(103).
وما ورد : (( من أن التصريح بالشيء قبل انجازه موجب لافساده))(104) .
وهذا المعنى ظاهر للعيان بالتجربة، في كثير من الأمور الشخصية والعامة اذن فمن المحتمل ان يكون تصريح الحسين عليه السلام بأهدافه قبل حركته، مفسد لها مخرب لنتائجها . ومن هنا سيكون المتعين عليه كتمان ما يريده والصمت عما
_________________
(102) أصول الكافي ج1 ص67 حديث 15
(103) اسعاف الراغبين على هامش نور الأبصار للشبلنجي ص77 – بتصرف- تحف العقول للبحراني ص 40.
(104) مرآة العقول لللمجلسي ج9 ص 186- بتصرف.
يستهدفه حفظاً للنتائج من الضياع اذ من المؤسف حقاً وجدا، وجود حركة مهمة من هذا القبيل الذي قام به سلام الله عليه وتضحية ضخمة على هذا الغرار ، ومع ذلك لا تكون منتجة ولا نافعة . اذن فمن الضروري أن تكتم أهدافه الحقيقية في سبيل صحتها وانتاجها. اذن فهذا الشرط الرابع، وهو أن نتوقع سماع الأهداف منه عليه السلام، ليس بصحيح . وهذا بخلاف، ما سوف نذكره بعون الله تعالى من الأهداف ، فإنها انما تاتي بعد انجاز حركته ووجودها والقائها . بل بعد حصول عدد معتد به من نتائجها . وانما يختص ما قلنا بالتصريح بالهدف قبل الحركة لا بعدها.
الأهداف المحتملة للحسين (ع)
ما يحتمل ان يكون هدفا للامام الحسين عليه السلام في حدود تفكيرنا وادراكنا، كما يلي. نذكرها جميعاً لنرى ما هو صحيح منها وما هو قابل للمناقشة، بعد الالتفات إلى أننا نفينا خلال الحديث السابق عن الشروط عدداً من الأهداف التي قد تخطر في الذهن. كالانتصار العسكري المباشر أو مباشرة الحكم فعلاً ونحو ذلك، لأنها لم تكن جامعة للشرائط . اذن فهي ليست هدفاً للحسين عليه السلام في حركته.اذن فينبغي ان نعرض عنها الآن ونذكر غيرها مما يدور في الحسبان.
الهدف الأول : ان لا يبايع الحاكم الأموي يومئد كما طلب منه فإنه عليه السلام رفض ذلك بكل قوة وصمود. كما ورد عنه أنه قال : (( ومثلي ليبايع مثله))(105) . فقد تحمل القتل وهذه التضحيات الجسام في سبيل ترك هذه البيعة الدنيئة.
وقد يناقش هذا الهدف بعدة مناقشات، يحسن بنا أن نذكر المهم منها، لكي يتكامل فهمنا لهذا الهدف في نفس الوقت من خلال الحديث:-
المناقشة الأولى : أنه كان يمكنه سلام الله عليه تجنب كلا الأمرين :
المبايعة ولاتضحية معاً فلماذا اختار التضحية مع امكانه تجنبها؟
غير ان هذه المناقشة بمجردها غير تامة. للوضوح التاريخي أنه عليه السلام كان مكرها على أحد أمرين : المبايعة أو الشهادة (106)، ولم يكن في
______________
(105) اللهوف لابن طاووس ص 11 ابن نماص14 الخوارزمي ج1ص184
(106) البحار للمجلسي ج45 ص9 – اللهوف ص 41 – الخوارزمي ج2ص6
مستطاعة طبيعياً أن يتجنبهما معاً. لمدى الضغط العظيم الذي وجهته الدولة يومئذ عليه طبعاً للمبايعة، وتهديداً بالموت ان تركها.
ويدل على هذا الأمر مضافاً إلى وضوحه التاريخي، الارتكاز العام لفهم الدولة الأموية يومئذ . وكذلك ما فعل يزيد بن معاوية بسائر معارضيه من المحاربة والتنكيل ، ولم يكن الحسين (ع) ببدع من ذلك، كما يعبرون.
ويدل عليه أيضاً ، ما ورد عنه عليه السلام من قوله (( الا وان الدّعي)(107) بن الدّعي قد خيرني بين السلّة(108) والذلة. وهيهات منا الذلة يأبى الله ذلك ورسوله والمؤمنين))(109) والدّعى بن الدعي هو الحاكم الأموي.والسلّة هو سل السيف للقتل، والمراد به التهديد بالقتل. والذلة هوالمبايعة والدخول تحت السيطرة الأموية. وقوله : وهيهات منا الذلة، يعني هيهات منا المبايعة كما يريد الحاكم الأموي. كما قال في الخطبة نفسها: ((ان نؤثر بيعةاللئام على مصارع الكرام))(110) كما يدل على ذلك ما ورد من ان الحكم القائم يومئذ دسّ في مكة أربعين من العتاة وبثهم ما بين الناس، وأوصاهم ان يقتلوا الحسين عليه السلام ذلك ومن هنا خرج من مكة قاصداً المدينة المنورة لكي كون مقتولاً خارج الحرم المكي الذي جعله الله آمنا وحرّم فيه كل أشكال اهراق
____________________________
(107) الدّعي : المتهم في نسبه والذي يدعى غير أبيه – اقر الموارد ج1ص373 – مجمع البحرين ج1 ص144 – بتصرف
(108) السلّة : سل الشيء من الشيء سلاً : انتزعه واخرجه في رفق كسل السيف من الغمد – اقرب الموارد ج1ص535 – مجمع البحرين ج5ص398 – بتصرف
(109) اللهوف لابن طاووس ص 41 – مقتل الخوارزمي ج2ص6
(110) نفس المصدر
(111) أسرار الشهادة للدربندي
الدم حتى الصيد(112). فكره عليه السلام ان يكون سبباً لهتك هذا الحرم المقدس.
اذن ، فلم يكين مستطيعاً أن يتجنب كلا الامرين : البيعة والتضحية، معاً بل كان مكرها أن يقبل باحدهما.وقد اختار لنفسه أعلاهما وأشرفهما وهو التضحية .
المناقشة الثانية : ان هذا الهدف انما هو هدفه الشخصي من حركته، ونحن نريد التعرف على ما يكون محتملاً من أهداف الحكمة الألهية في ذلك.
وقد أشرنا في مقدمات هذا البحث . على ثبوت كلا هذين النحوين من الأهداف . غير أن هذه المناقشة ايضاً لا تتم لعّدة وجوه . نذكر المهم منها:-
أولاً: أن انقسام الأهداف كما ذكرنا وإن كان صحيحاً . غير ان الباحث او المفكر، كما يطمح ان يتعرف على الهدف الثابت في الحكمة الإلهية ، يطمح ايضاً ان يتعرف على الهدف الشخصي سواء بسواء.
فالقول : باختصاص الطموح بأحد النوعين من الأهداف دون الثاني قول بلا موجب.
اذن ، فحتى لو كان عدم المبايعة هدفاً شخصياً، فنحن يحسن بنا ان نلتفت اليه ونأخذه بنظر الإعتبار.
ثانياً : ان عدم المبايعة هنا ، كما هو هدف شخصي للحسين عليه السلام، هو هدف للحكمة الالهية ايضاً. وأوضح سبيل إلى ايضاحه ان نقيس الأمر بحصول المبايعة. فكم سوف يحصل من المفاسد بوجودها، وكيف يتغير الدين الخالص ، ويبقى متغيراً فاسداً – وحاشاه – إلى يوم القيامة. وهذا بكل تأكيد خلاف الحكمة الالهية . اذن فوجود البيعة مخالفاً للحكمة الالهية ، فيكون
________
(112) سورة الأعراف آية (94-96)
عدمها موافقاً لها لا محالة
المناقشة الثالثة : لهذا الهدف- أنه هدف وقتي منوط فمحالة بحياة الإمام الحسين عليه السلام. كما هو منوط بحياة الحاكم الأموي . لوضوح انه لا معنى للمبايعة لدى موت أحدهما. ونحن انما نريد الإطلاع على الأهداف الدائمية لا الأهداف الوقتية . غير أن هذه المناقشة غير صحيحة . ونورد عليها ما يشبه الوجهين اللذين أوردناهما على المناقشة السابقة.
أولاً : أن هذا الهدف وان سلمنا انه هدف وقتي، الا ان اختصاص تعرّف الباحب أو المفكر بالأهداف الدائمة وغير الوقتية، بلا موجب، بل نحن نريد التعرف على كلا الشكلين من الأهداف..
ثانياً : أن هذا الهدف وان كان منوطاً بحياة هذين الشخصين، الا أنه – مع ذلك- ليس وقتيا بل مستمراً. ولنا ان نقيس ذلك إلى صورة حصول المبايعة. فكما ان المفاسد مع حصول المبايعة سوف لن تكون وقتية بكل تأكيد، كذلك المصالح والأهداف الناتجة عن ترك المبايعة سوف لن تكون وقتية. ويكفي بها ان تكون تخلصاً ودفعاً لتلك المفاسد المستمرة. اذن فهي اهداف مستمرة.
المناقشة الرابعة: لهذا الهدف . أن الإمام الحسني عليه السلام لم يكن مضطراً أو مكرهاً على هذين الأمرين: البيعة أو التضحية . بل كان يمكنه ان يتجنبهما معاً.كما قلنا في المناقشة الأولى . ولكننا قلنا هناك: انه يمكنه ان يتجنبهما وهو مرتاح في بلده. ولم يكن هذا صحيح كما عرفناه.
أما هنا فنقول : انه كان يمكنه أن يخرج إلى بلاد بعيدة لا تنالها يد الأموين ، كاليمن أو الهند أو الأفغان أو غيرها لنجوا من القتل والبيعة معاً.
وخاصة وان الدول في ذلك الحين لم تكن تملك امكانيات الدول الحاضرة. ولم
يكن في استطاعتها الحرب في الأماكن البعيدة وقد ورد عن بعض ناصحيه والمشفقين عليه من الخروج(113) هذا المعنى. فلماذا لم يفعل؟ وجواب ذلك يتم في وجوه . نذكر أهمها:-
أولاً : ان ما قاله المستشكل من ضعف الدول القديمة وان كان صحيحاً، إجمالاً الا انه ليس صحيحاً تماماً. اذ يكفي ان تصور كيف سار الفتح الأسلامي في ذلك القرن الأول نفسه. بل قبل مقتل الحسين عليه السلام إلى العراق وايران وسوريا وفلسطين ومصر وأذلّ الجبابرة والقياصرة والأكاسرة. فكيف حصل ذلك الا باستعداد تام ومعنويات عالية.
كما يكفي أن نتذكر كيف خاض الإمام أمير المؤمنين عليه السلام، قبل مقتل الحسين بمدة طويلة حروباً مروّعة كصفين والنهروان . أما عن الحديث عن حروب الجاهلية السابقة على الاسلام فحدث و لا حرج.
اذن ، فالناس في ذلك الحين ، كانوا مقاتلين شجعاناً . ومتدربين على تحمل أنواع المصاعب في سبيل ما يطمحون إليه من الأهداف أو ما يؤمرون به من الأغراض . اذن فمن المحتمل جداً، بل السائغ تماماً، ان نتصور ان الحسين عليه السلام أينما ذهب فسوف يرسل الحاكم الأموي خلفه جيشاً عرمرماً(114) للقضاء عليه وقتله او أن يدس إليه من يقتله غيلة أينما وجده. وليس كل ذلك على المفسدين ببعيد.
اذن فهذا التخيير بين السلّة واللذة ) أو ( البيعة والتضحية) كان عليه السلام مكرها عليه في كل وجه الأرض المنظور يومئذ بكل تأكيد. ولم يمكن النجاة منه على أي حال.
________________
(113) ومنهم ( محمد بن الحنفية وعبد الله بن عباس) تاريخ الطبري ص219 الكامل في التاريخ ج4 ص7 وص16
(114) عرمرماً الشديد والجيس الكبير (قرت الموارد ج2 ص773)
ثانياً : ان الأمام الحسين عليه السلام لو ذهب بعيداً، لأرجف عنه أعداؤه انه ذهب منهزماً عن المواجهة وفاراً من الملاقاة ولو صفوه بكل عظيمة. والأعلام يومئذ وفي كل يوم على استعداد لذلك على أي حال. وهذا ما لا يريده لنفسه بعد أن كان يعيش من نقطة قوة وبروز في المجتمع بصفته سبط الرسول (ص) وابنه وسيد شباب أهل الجنة والإمام المفترض الطاعة لطائفة من المسلمين.
كيف، ونحن نجد أعداءه قد أرجفوا ضده، بالرغم من تضحيته وصبره وصموده. فكيف كان عليه الحال لو اختار الاحتمال الآخر. وان كان يدرك ان فيه بعض المصالح على أي حال. يكفي ان هذا الارجاف عندئذ يستطيع ان يسيطر في المجتمع الجاهل. وان يسلب بعض نقاط القوة التي كان يعيشها الحسين عليه السلام فقد لا يكون عندئذ ناجحاً في عمله. حتى لو ذهب إلى مكان بعيد.
ثالثاً: اننا لا ينبغي أن نتوقع أن يذهب الحسين عليه السلام إلى أي نقطة من العالم كيف كانت. ولذا لم يذكر له الذين ناقشوه على الخروج إلا منطقة واحدة هي اليمن. وقالو له : (ان فيها شيعة لابيك)(115) . لأن أباه أمير المؤمنين عليه السلام ذهب إلى اليمن بأمر النبي (ص) ردحا من الزمن ورآه اليمنيون وأحبوه.
أما ذهابه إلى مناطق اخرى. فغير معقول إطلاقاً إمّ لكونهم ضد الحسين عليه السلام، كما حصل في الكوفة وكربلاء، وأما لانهم غير مسلمين أساساً، وأما لأنهم غير عرب أساساً . يتعذر العيش معهم لاختلاف لغتهم. وأما لأنهم متخلفون حضارياً بحيث يضيع وجوده بينهم وينقطع خبره عن الآخرين. وكل
_______________________
(115) الخوارزمي ج1ص188 – مناقب بن شهر آشوب ج2ص240 ط نجف
ذلك غير معقول ولا يريده الحسين لنفسه.
وأكرر الآن : ان المكان الوحيد البعيد الذي كان مناسباً نسبياً، لم يكن الا اليمن، وهو الوحيد الذي ذكروه له. الا أنه رفضه. وكان رفضه بحسب فهمنا معتمداً على الوجهين الأولين اللذين قلناهما قبل قليل لهذه المناقشة فراجع وفكر. مضافاً إلى أمور آخرى تعرفها من أجوبة المناقشات السابقة.
وحيث لم تتم مناقشة واحدة لهذا الهدف الحسيني الجليل. اذن يتعين الاخذ به، وهو ترك البيعة ليزيد بن معاوية، واختيار التضحية عليه. فاذا تم هدف آخر فيما يلي، كان نوراً على نور. والا ففي هذا الهدف الكفاية.
الهدف الثاني : الممكن لحركة الحسين عليه السلام. الامتثال لأمر الله سبحانه وتعالى اياه بها، ذلك الأمر المعروف لديه اما بالالهام أو بالرواية عن جده النبي (ص)(116) . وكان يطلب ثواب الله وجزاءه الآخروي على ذلك تماماً كما يفعل أي مؤمن حين يؤدي أي واجب ديني كالصلاة أو الصوم او الحج.
ويدل على ذلك : ما ورد عن جده (ص) أنه قال له في المنام : (( يابني : انه لا بد لك من الشهادة وان لك درجات عند الله عزوجل لن تنالها الا بالشهادة))(117) . كما يدل عليه ما ورد : انه بعد مقتله عليه السلام وضعت أخته الحوراء زينب سلام الله عليها يديها تحت جسده الطاهر وقالت : ((اللهم تقبل منا هذا القربان))(118) . لوضوح ان القبول انما يكون لعمل من أعمال الإمتثال والطاعة.
وهذا الهدف، صحيح بكل تأكيد ، كما انه بكل تأكيد هدف شخصي
__________________
(116) البحار للمجلسي ج44 ص328 أسرار الشهادة للدربندي ص224
(117) أمالي الصدوق . مجس 30ص135 الخوارزمي ج1ص187 البحار ج44ص328
(118) الكبريت الأحمر ج3ص13 عن الطراز المذهب.
له وليس من أهداف الحكمة الالهية في حركته. فان الحكمة الالهية وان كانت تريد امتثاله وطاعته سلام الله عليه. الا أن هذا مما يعود إليه لا أنّه يعود على غيره. والأهداف التي نتحدث عنها انما هي الأهداف التي تعود إلى غيره بالنفع. مما قلنا انه من أهداف الحكمة الألهية من حركته. في حدود ما نستطيع تعقله. الا اننا قلنا في نفس الوقت. ان الطموح غير خاص بالأهداف العامة، بل تشمل الأهداف الخاصة أيضاً. مضافاً إلى امكان أن يقال بكل تأكيد - أيضاً- : ان عدم انتفاع الآخرين من هذا الهف غير صحيح اطلاقاً. لا في الدنيا ولا في الآخرة. أما في الدنيا : فلما سنذكره من الأهداف الاتية من أن حركته أوجبت هداية الناس وتعريفهم أهمية الدين ولزوم التضحية له عند الحاجة بالنفس والأهل والمال والولد . وأن طاعة الله سبحانه لازمة على كل حال. واما في الآخرة : فلأنه عليه السلام أصبح واسع الشفاعة يوم القيامة. أكثر من أي واحد من المعصومين الآخرين سلام الله عليهم . كما ثبت في محله ووردت عليه بعض النصوص(119) . ولم يكن لينال هذه المنزلة لولا تلك المقامات والدرجات التي حصلت له بالشهادة نفسها.
اذن فالأمر كما يعود إليه يعود إلى غيره، والرحمة الالهية عام للجميع .
الهدف الثالث : الذي قد يخطر في بعض الأذهان لحركة الحسين عليه السلام: هو الانتصار العسكري المباشر أو قل : ازالة الحكم الأموي فورياً.
وهذا مما سبق أن أشرنا إلى نفيه خلال حديثنا عن الشروط السابقة(120) ولكننا نذكره الآن لان عدداً من الناس بما فيهم بعض المفكرين قد يتصورونه .
وقد يستدل عليه بما ورد من أنه قيل لمسلم بن عقيل سلام الله عليه حسي تألب عليه الأعداء في الكوفة : (ان الذي يطلب ما تطلب لا يبكي اذا نزل به ما
_____________
(119) الخصائص الحسينية للتستري ص14 (ط) – والبحار للمجسي ج98ص16 (ط)
(120) الشرط الثالث من باب حدود أهداف الحسين فراجع.
نزل بك)(121) . اذن فهو يطلب السيطرة على الحكم أعني من الناحية الدينية ، ويدافع عن هذا الهدف ضمن دفاع الحسين عليه السلام لأنه رسوله إلى الكوفة . غير ان صحّة هذا الهدف تتوقف على أمور لو تم أي واحد منها أمكن قبوله والا فلا.
الأمر الأول : أن نتصور الإمام الحسين قائداً دنيوياً قد تخفى عليه بعض النتائج وأن عدم سيطرته الفعلّية على الحكم أمر لم يكن يتوقعها أول الأمر. ثم أصبح مغلوباً على أمره متورطاً في فعله.
وقد سبق أن ناقشنا ذلك مفصلاً، وعلمنا أنه عليه السلام عالم بالنتائج قبل حدوثها. أما بالالهام أو بالرواية عن جده (ص) ومن هنا فمن غير المعقول ان نجرد منه قائداً دنيوياً مهما كان عبقرياً.
الأمر الثاني : أن يكون هذا الهدف الذي يقال أو أي هدف يقال، جامعاً للشرائط. لأنه ينقص منه شرط واحد وهو التحقق فعلاً . فإن هذا الهدف لم يتحقق أصلاً قطعاً. فلا ينبغي أن نعتبره هدفاً كما سبق أن برهنا عليه هناك.
الأمر الثالث : أن نفهم من التاريخ أن انتصار الحسين وفوزه المباشر على أعدائه أمر محتمل ، وأن احتماله وارد ومعقول بحيث يكون استهدافه أمراً معقولاً. وأما اذا كان في نفسه أمراً غير محتمل، كما يعرفه جماعة من حذاق المجتمع ومفكريه . بما فيهم الذين ناقشوه في الخروج إلى الجهاد(122) . اذن ، فلا يكون استهداف مثل هذا الهدف معقولاً عرفاً وعقلائياً وسياسياً، فضلاً عن الالتفات إلى العلم الإلهي والحكمة الإلهية.
الهدف الرابع : المحتمل لحركة الإمام الحسين عليه السلام
_____________
(121) مقتل الخوارزمي ج1ص211 – الطبري ج6ص211 - الارشاد للمفيد ص214
(122) مرّ ذكرهم سابقاً فراجع.
فضح بني أمية ومن كان على شاكلتهم من يومه إلى يوم القيامة، بأنهم ليسوا فقط ظالمين لانفسهم بينهم وبين الله سبحانه. بل ولا ظالمين للناس في حكمهم غير العادل فحسب وانما الأمر أكثر من ذلك فانهم على استعداد أن يقتلوا الرجال والأطفال وأن يسبوا النساء وأن يقتلوا خير الخلق الموجودين على وجه الأرض من أجل التمسك بالحكم أو الكرسي. وهذا معناه انهم مستعدون أن يقتلوا أي إنسان أو أي عدد من الناس مهما كثر عدده أو كثرت أهميته، في سبيل ذلك. كما أن معناه عدم وجود عاطفة الانسانية في قلوبهم على الاطلاق . كما أن معناه أنهم على استعداد أن يفعلوا أي منكر آخر مما يرتبط بالملك أو لا يرتبط ، بعد أن انسلخوا تماماً عن الانسانية وعن الورع وعن المحارم.
وهذا الهدف صحيح وواقعي . وقد حصل فعلاً على اثر واقعة كربلاء مباشرة و لا زال ساري المفعول وسيبقى إلى يوم القيامة ضد بني أمية الحكام السابقين، وضد أضرابهم من الظالمين من البشر إلى قيام يوم الدين.
ومن هنا فإني أعتقد أن هذا الحاكم الأموي قد أخطأ خطاً كبيراً حين سود صحيفة أعماله بأمور كثيرة و منكرات فضيعة جداً. واوجب سوء ظن الناس والتاريخ به وبعشيرته وأمثاله باستمرار . مضافاً إلى غضب الله سبحانه. وذلك أنه فعل ثلاثة أمور مهمة مضافاً إلى منكراته السخصية أهمّها قتل الحسين عليه السلام وجيشه في كربلاء والتنكيل فضيعا(123) . مضافاً إلى رمي الكعبة بالمنجانيق وكان بمنزلة القصف المدفعي في زماننا، اذ يشعلون النار في بعض المواد ويقذفونها بعيداً على العدو بواسطة الآلة القاذفة التي تسمى بالمنجنيق. وقد بقيت الكعبة المشرفة تحت هذا القصف المركز أياماً بلياليها(124).
__________________
(123) الامامة والسياسة لابن قتيبة ج2ص5
(124) نفس المصدر ج2ص10
هذا مضافاً إلى واقعة الحرة، بقيادة مسلم بن عقبه الذي أباح المدينة المنورة ثلاثة أيام كاملة قتلاً ونهباً وسلباً وأعتداء على الأموال والنساء والأطفال، بشكل لم يسبق له مثيلاً(125)
_______________________
(125) نفس المصدر ج1ص179
- ويحسن أ، نشير إلى خلافة يزيد وما أرتكب فيها من جرائيم حيث بدأت خلافة يزيد بن معاوية في آواخر سنة 61هـ وانتهت بوفاته في النصف الأول من سنة 64هـ وبذلك لتكون مدة حكمه ثلاث سنوات تقيريباً ارتكب فيها أبشع وأقبح جرائم في التاريخ البشري بشكل عام والاسلامي بشكل خاص ففي السنة الأولى قتل سبط الرسول وسيد شباب أهل الجنة وسبي نساءه وقتل عيالة وشردهم وروعهم ومثّل بالأجساد الطاهرة فأبان الرؤوس عن الأجساد فحملت فوق الرماح يطاف بها من بلد إلى بلد وبذلك صنع مع آل الرسول مالا يصنع معم الترك أو اليهود أن القوم الكافرين. وفي السنة الثانية أقدم عل ىجريمة بشعة لم يرو لها مثيل في التاريخ وهي واقعة الحرة وسميت بهذا الأسم نسبة إلى منطقة الحرة والتي هي قرب المدينة المنورة. وذلك أنه لما أنكر أهل الدينة أفعال يزيد وموبقاته وكيفية قتل الحسين وأهل بيته وأسر نساءه وفعله للمحرمات حتى وصل به الحال إلى الزنى بالمحارم، فيقول ابن سعد في الطبقات الكبرى وابن الأثير في الكامل : (ان عبد الله بن حنظلة غسيل الملائكة خطب في أهل المدينة خطبة قال فيها: (فو الله ما خرجنا على يزيد حتى خفنا أن نرمى بالحجارة من السماء. إن رجلاً ينكح الأمهات والبنات والأخوات ويشرب الخمر ويدع الصلاة. والله لو لم يكن معي أحد من الناس لابليت لله فيه بلاء حسناً). فغضب يزيد من ذلك فأرسل جيشاً مؤلفاً من ثلاثين الف من أهل الشام وعليهم مسلم بن عقبة وقد قال له (السيف السيف أجهز على جريحهم وأقبل على مدبرهم واياك ان تبقى عليهم) . فيقع ثلاثون ألفاً من أهل الشام مدججون بالأسحلة الكاملة في أهل المدينة قتلاً وذبحاً ثلاثة أيام . وخطب مسلم بن عقبة قائلاً : (هذه المدينة لكم مباحة ثلاثة أيام دمائها ونسائها وأموالها). وذكر المؤرخون أنه بلغ عدد قتلى الحرة يومئذ من قريش والأنصار والمهاجرين وأصحاب رسول الله (ص) ألفاً وسبعمائة ، ومن سائر الناس عشرة آلاف سوى النساء والصبيان وقد نقل المؤرخون صور مروعة عن هذه الفاجعة فمثلاً ما نقل عن أبي معشر حين قال : (ان رجلاً من أهل الشام دخل على امراآ نفساء من نساء الانصار ومعها صبي لها فقال لها : هل من مال؟ قالت لا والله ما تركوا لي شيئا فال : والله لتخرجين إلي شيئا أو لاقتلنك وصبيك هذا فقالت ويحك انه ولد بن أبي كبش الأنصاري صاحب رسول الله (ص) وقد بايعه يوم بيعة الشجرة على أن لا أزني ولا أسرق ولا أقتل ولدي. .... فما اتيت شيئاً فاتق الله ثم قالت لابنها يا بني والله لو كان عندي شيء لافتديتك به. قال : فأخذ الشامي برجل الصبي والثدي في فمه =
الهدف الخامس : المحتمل لثورة الحسين عليه السلام:
هو طلب الاصلاح أو محاولة الاصلاح في الأمة المسلمة أمة جده رسول الله (ص). وهذا هو الذي روي عنه عليه السلام حين يقول : (( والله ما خرجت آشراً ولا بطراً ولا ضالماً وانما خرجت لطلب الاصلاح في أمة جدي رسول الله (ص) آمر بالمعروف وانهى عن المنكر ))(126) . وذلك حين رأى سلام الله علهي أ، الدين قد تغير عن القلوب وأن المعروف لا يعمل به وأن المنكر لا يتناهى عنه . وأنه لم يبقى منه صبابة الا كصبابة الاناء أو خساسة عيش
_______________________
= فجذبه من حجرها وضرب به الحائط فأنثر دماغه على الأرض أمام أمه). ويدخل القوم المدينة وتجول خيولهم فيها فيقتلون وينهبون فما تركوا في المنازل من أثاث ولا حلي ولم يتركوا فراشاً غلا نفضوا صوفه ولم يتركوا حتى الحمامة والجداج الا كانوا يذبحونها فهذا أبو سعيد الخدري صاحب رسول الله (ص) يدخلون عليه فينتفون لحيته ويضربوه ضربات ثم يأخذون كل ما يجدون في بيته حتى الصوف وحتى زوج حمام كان له بالرغم من أنه عرف لهم نفسه. والأفظع والأدهى من ذلك كله إباحة مسلم بن عقبة بأمر من يزيد نساء المدينة المنورة لجيش الشام ثلاثة أيام وكأنهن لسن مسلمات أو انهن ساري حرب غير المسلمين وهذه الجريمة النكراء ارتكبت عند قبر النبي (ص) وفي حرم النبي وحمى النبي فنادى مناد (مسنم) في أهل الشام: ( يا أهل الشام أن اميركم مسلم بن عقبة بأمر من أمير المؤمنين يزيد بن معاوية اباح لكم هذه المدينة كلها ثلاثة أيام ومن زنى بأمرأة فذاك له). فوقع جيش الشام في الزنا بالمسلمات وفيهن بنات المهاجرين والانصار وفيهن ذوات الأزواج وفيهن الأبكار..........
وأما في السنة الثالثة فأن خليفة المسلمين يبعث بجيش جرّار إلى مكة المكرمة لحصار عبد الله بن الزبير فرموا الكعبة المقدسة بأحجار صخام ونار من المنجنيق حتى حطموها وأحرقوها ولم يبق منها سوى المدر فهذه ثلاث سنوات حكمها الطاغية فعمل بها تلك الجرائيم الكبرى وليت شعري لوكان عاش اكثر من ذلك ماذا كان يفعل ؟؟؟.
راجع دائرة معارف القرن العشرين ج4 الامامة والسياسة لابن قتيبة السفينة ج1 ناسخ التواريخ (مجلد زين العابدين) شواهد التنزيل ج1 ص345 تاريخ الطبري والكامل لابن الأثير (وقائع سنة 61....64هـ) تاريخ الفتوح لابن اعتم ج5.
(126) مقتل الخوارزمي ج1ص188 مناقب بن شهر آشوب ج3ص241ط نجف – أسرار الشهادة للدربندي ص191.
كالمرعى الوبيل. كما يستفاد من الكلام المروي (127)عنه سلام الله عليه.
وهذا هدف محترم جداً، وكان الحسين (ع) أهلاً له الا انني أعتقد أن الاصلاح المقصود على قسمين اصلاح يحصل منه مباشرة قبل مقتله واصلاح يحصل من المجتمع بعد مقتله وبسبب شهادته. وهو أيضاً اصلاح منسوب إليه ويمكن أن يكون قد تعمده واستهدفه.
أما الأصلاح المباشر في حياته، فهو لا يحتمل ان يكون هدفاً. لأنه فاقد لأحد الشرائط السابقة. وهو عدم التحقق في المجتمع. وقد كررنا ان الأمر الذي لم يتحقق لا يمكن أن يكون هدفاً.
وقد يخطر في البال : أن الأصلاح المباشر قد حصل خلال الخطب والأقوال التي قيلت من قبل الحسين نفسه وأصحابه وأهل بيته قبل مقتله وهذه تكفي للمشاركة بالاصلاح مشاركة فعلية وفعّأة.
وجواب ذلك : أن الخطب والأقوال قد حصلت فعلاً ، الا أنها كانت مكرسة كلها لأجل الحديث عن حركة الحسين وشرح أبعاها والدفاع عنها . ومعه فلا تكون هي الاصلاح المعهود والموعود وانما التوقع هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في جوانب الدين عامة وفي فروعه كافة . وهو ما لم يحصل على الاطلاق. لأن الأجل لم يمهله عليه السلام وأصحابه للقيام بهذه المهمة الشريفة الموعودة .
وانما الذي حصل هو الهداية والرعاية للبشر دينياً ومعنوياً وانسانياً وآخروياً بمقتله وشهادته سلام الله عليه. أذا أعطى المثال الأعظم للتضحية الصخمة بهذا الصدد. فكان النبراس الأفضل الذي يضء للاجيال طريقهم باستمرار وإلى يوم القيامة.
_____________
(127) اللهوف لابن طاووس ص34 الطبري ج6ص229 البحار للمجلسي ج44ص381
ونستطيع أن نؤكد أن هذا الاصلاح هو الذي كان مقصوداً للحسين عليه السلام ومستهدفاً له. وإن لم يصرح به تماماً آخذاً بقانون ((كلم الناس على قدر عقولهم))(128) . وهو هدف جليل وصحيح ولا غبار عليه.
الهدف السادس : المحتمل للحسين عليه السلام في حركته:
هو الاستجابة لأهل الكوفة حين طلبوا منه القدوم عليهم وأخذ البيعة منهم وممارسة الحكم بينهم ، وقالوا : ( وانما تقدم على جند لك مجندة)(129) . فأجابهم بالموافقة وعزم على المسير إليهم . الا أنه لم يوفق للوصول إلى الكوفة حيث اجتمع عليه الجيش المعادي في كربلاء وتم الاجهاز على حركته هناك.
وهذه الاستجابة وان كانت صحيحة بحسب الحكم الظاهري في الشريعة.
اذ يجب عليه سلام الله عليه ان يستجيب لمثل هذا الطلب الجليل. ولكننا مع ذلك لا نعتبره هدفاً حقيقاً للحركة. وانما هي استجابة لا بد منها لسد الألسنة وقطع المعاذير من ناحية ، والتكلم مع الناس على قدر عقولهم. وأما لو لاحظنا الأمر أعمق من ذلك بقليل لوجدنا عدّة اشكالات ترد على هذا الهدف.
أولاً: لأننا نعلم أنه عليه السلام يعلم أن أهل الكوفة يومئذ كاذبون عن الاعراب عن موالاتهم ومبايعتهم ، وانما هم فسقة ومنافقون.
ولا يتوقف الاطلاع على هذا الأمر على الالهام أو التسديد الالهي، وان كان هذا صحيحاً في نفسه. الا أنه أيضاً كان واضحاً لكثير من الناس، يومئذ ، بما فيهم الذين ناقشوه في خروجه، وقالوا له في ما قالوا: ( أن أهل الكوفة قد غدروا بأبيك وأخيك فمن الحري أن يغدروا بك . وانما الأفضل أن تذهب إلى
_________________________
(128) أصول الكافي ج1ص67 حديث 15
(129) الخوارزمي ج1ص195 – الطبري ج6ص197.
اليمن فإن فيها شيعة لابيك)(130) . ويمكن أن يكون هناك حصيناً ضد الاعداء آمناً من شرور الزمان. فمن هذه الناحية، لا يحتمل في حقه أنه كان موافقاً حقيقة على الأمر ، أو أن يكون مصدقاً لهذا الخبر، بالرغم من أهمّيته
ثانياً : انه بشر بمقتله قبل خروجه أكثر من مرة، وقد سبق أن ذكرنا ما يدل على ذلك مما روي عنه سلام الله عليه. اذن، فقد كان يعلم بالنتيجة قبل حصولها، بمعنى أنه يعلم بعدم وصوله إلى الكوفة ولا مبايعهم له ولا نصرتهم أياه. بل يعلم محاربتهم له ومقتله على أيديهم، فانهم قالوا له ، (بأن قلوبنا معك وسيوفنا عليك)(131) .
ثالثاً : انه هدف لم يحصل. وقد سبق أن تحدثنا في الشرائط ان كل هدف لم يحصل فهو ليس هدفاً حقيقياً.
رابعاً : أنه عليه السلام علم وهو في الطريق إلى العراق بغدر أهل الكوفة وقتلهم لمسلم بن عقيل وارتدادهم عن بيعته، وهذا يستلزم بوضوح سقوط تكليفه الشرعي عن الاستمرار بالذهاب إليهم والهمّة في الوصول لهم.
فإن قيل : أم الأمر كذلك غير أن الحر الرياحي جعجع به ومنعه عن المسير إلى حيث يريد وعن الرجوع إلى المدينة المنورة . وذلك سبب إلى وقوع الكارثة المروعة في كربلاء. ولولا ذلك لأمكنه عليه السلام الرجوع إلى المدينة أو الذهاب إلى أي مكان آخر، بعد أن سقط تكليفة الشرعي بالذهاب إلى الكوفة، كما عرفنا.
الا ان جواب ذلك : ان في مثل هذا التفكير جهلاً بالتاريخ الإسلامي كما وصل إلينا. فإن الحسين عليه السلام علم بمقتل مسلم بن عقيل وعذر أهل
_____________
(130) الخوارزمي ج1ص188 مناقب بن شهر آشوب ج3ص240 – اسرار الشهادة ص224
(131) الارشاد
للمفيد ص218 - العقد الفريد ج4ص384
الكوفة، حين كان ركبه في منطقة تسمى (زرود)(132) ولم يفكر بالرجوع
يومئذ بل استمر في المسير، وهذا معناه انه استمر بالمسير رغم سقوط تكليفه الشرعي
المشار إليه في هذا الهدف. وذلك من أجل هدف آخر أعمق وأهم منه. ولم يكن ألتقى بالحر
الرياحي(133)
يومئذ.
وانما ألتقى به بعد ذلك في منطقة تسمى (شرأف)(134) . وعندئذ عرض عليه
العودة إلى المدينة المنورة انذاك كان أهل الكوفة قد بدلوا رأيهم به وأعرضوا عنه.
فمنعه الحر الرياحي عن الرجوع، وذكر أنه مأمور بمصاحبته حتى يدخله على عبيد الله بن
زياد في الكوفة(135).
اذن، فهناك فترة زمنية كافية لم يحدد التاريخ مقدارها ، لعلها أسبوع أو أكثر أو أقل ، كان يمكن للامام الحسين عليه السلام أن يعود بركبه إلى المدينة، وعندئذ لم يكن يلتقى بالحر ولا يجعجع به، وانما كان سلام الله عليه طالباً للشهادة على كل حال
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(132) زرود في المعجم مما استعجم ج2ص696 بفتح أوله وبالدال المهملة في أخره . ومعجم البلان ج4ص327 وانها رمال بين التعلبية والخزيمية بطريق الحاج من الكوفة وهي دون الخزيمية بميل وفيها بركة وحوص وفيها وقعة يقال لها يوم زرود.
(133) الحر بن يزيد بن ناجية بن تعلب بن عتاب بن هرمي بن رياح بن بربوع بن حنظلة التميمي....... من الشخصيات الاجتماعية البارزة في الكوفة واحد قواد الجيش الأموي الخارج لحرب الحسين (ع) وكان يقوم فيه ربع تميم وهندان كما يقول الطبري وغيره. وقد ذكر الخوارزمي في مقتله انه لحق بالحسين (ع) مع غلامه التركي ولعل اسمه (عروة) على ما نص عليه بعض المقاتل كمقتل الشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء ففيه اضافة إلى ذلك استشهاد ولد الحر (علي ) واخيه (مصعب ) كل هؤلاء لثلاثة بني يدي الحر. وفي اللهوف والخوارزمي ان قصة توبة الحر كانت بعد الحملة الأولى من أصحاب الحسين(ع) التي قتل فيها زهاء خمسين رجلاً . (واقعة الطف لآل بحر العلوم ص508).
(134) شراف : في معجم البلدان بفتح أوله وآخره فاء ثانية محققة . سمي باسم رجل يقال له شراف استخرج عيناً حدثت آباراً كبار كثيرة ماؤها عذب من شراف إلى واقعة ميلان.
(135) مقتل
الخوارزمي ج1ص233 - الفتوح لابن أعثم ج 5 ص138 - أسرار الشهادة ص232
اللهم الا
ان يقال : انه عليه السلام أدرك بوضوح بعد أن أخبر بغدر الكوفة ببيعته انه لا
يستطيع أن ينجو وهو في هذه المنطقة بالذات من بلاد الله . وبهذا يختلف حاله عن حاله
وهو في مكة أو المدينة، فإنه كان يستطيع ان يذهب من هناك إلى اليمن مثلاً، في حين
لا يستطيع الآن أن يفعل شيئاً بحسب القانون الطبيعي، لأنه أصبح بمنزلة المحاصر
لجييوش بني أمية. وإن لم يكن كذلك فعلاً، الا ان الرجوع يحتاج إلى زمن طويل نسبياً،
الأمر الذي يستلزم انهم يدركونه أينما وجدوه.
وهنا ينتج أنه سلام الله عليه كان يائسا من الحياة. وتحدثنا فيما سبق أن اليائس من الحياة يختلف تكليفه الشرعي عن غيره ، ويستطيع أن يختار الموتة التي يتمناها لنفسه ان كان في مقدوره ذلك، وكان في مقدوره سلام الله عليه ذلك، فاختار لنفسه.
الهدف السابع : المحتمل لحركة الحسين عليه السلام
اعطاء الأمثولة للدين الحنيف القويم، وأنه يستحق هذا المقدار العظيم من التضحية والفداء. في سبيل الله وفي سبيل اقامة الأحكام الإسلامية والشعائر الدينية.
وينبغي هنا أن نلاحظ أن الأمر انما هو مربوط بالله سبحانه قبل أن يكون مربوطاً بشيء آخر ، لان الدين على عظمته انما اكتسب الأهمية لأنه رسول الله. والمعصومون أنما حصلوا عليها، لأنهم أولياء الله. اذن فالأمر مربوط بالله مباشرة وليس غيره من قريب ولا بعيد . وهو الذي يستحق الفداء في الحقيقة، وان كان هو في غنى عن العالمين. ولذا ورد في تفسير قوله تعالى ( وفديناه بذبح عظيم)(136) .
يعني الحسين عليه السلام. وهو لم يفد اسماعيل الذبيح سلام الله عليه. كما هو ظاهر السياق، بل وقع السياق في سبيل الله وفي طريق توحيد الله
_____________
(136) سورة الصافات . آية 107
وطاعته . وهو نفس الطريق الذي ذبح من اجله اسماعيل عليه السلام وبعث فيه الأنبياء وأرسلت الكتب السماوية وحصل ما حصل.
وفي هذا السبيل، قال الحسين عليه السلام: (( هؤّن ما نزل بي أنه بعين الله))(137). كما قيل انه حين سقط جريحاً لا يستطيع أن يواصل القتال، كان يردد قول رابعة العدوية:
تركت الخلق طراً في هواكا وأيتمت العيال لكي اراكا
ولو قطعتني في الحب اربا لما مال الفؤاد إلى سواكا(138)
________________________
(137) اللهوف لابن طاووس ص49 البحار للمجلسي ج45 ص46
(138) شاع على لسان الخطباء الحسينيين هذه الأبيات وأنها لرابعة العدوية وقد قالها الحسين (ع) عند مصرعه ولا أعلم على أي مصدر قد اعتمد هؤلاء الخطباء أو من أين أتى هذا الشياع فقد تتبعت اغلب المصادر المعتمدة التي تذكر مقتل الحسين (ع) فلم أجد أحداً يذكر أن الحسين (ع) قال هذه الأبيات أو حتى أنها نسبت إليه ونفس الشؤء بالنسبة إلى رابعة العدوية فأغلب المصادر التاريخية التي ذكرتها لم تذكر أو تنسبها لها. ولقد ذكر الابيات ابي فرج عبد الرحمن بن رجب الحنبلي في كتابه (كشف الكربة في وصف حال أهل الغربة ص27) الا انه نسبها إلى ابراهيم بن ادهم. وهو أحد الزهاد المشهورين.
واغلب الظن ان الخطباء استعملوها مجازاً كلسان حال عن الحسين(ع). والا بحسب القول الأول ببعد أن تكون للامام الحسين (ع) وذلك لسببين:-
الأو ل: أن الحسين (ع) أسبق زمناً من رابعة قوافعة الطف حدثت في 61هـ ورابعة العدوية ولدت في القرن الثاني الهجري حيث ذكر المؤرخون أو وقاتها كانت في سنة 180 هـ وبهذا لا يمكن أن يكون الحسين رآها أو سمعها فضلاً عن ان يتمثل بأبياتها. وكذا هو الحال بالنسبة إلى ابراهيم بن ادهم الذي هو متأخر زمناً قد يصل لعدّة قرون عن الحسين (ع).
الثاني : عدم وجود مصدر معتمد يذكر أن الحسين (ع) قال هذه الأبيات.
وفي نفس الوقت نستبعد ان تكون هذه الأبيات لرابعة العدوية وذلك لوجهين :
الأول : عدم وجود مصدر ينسب هذه الأبيات لرابعة. بل أـن بعض المصادر نسبتها إلى غيرها كابراهيم بن ادهم كما في (كشف الكربة).
الثاني : مضمون هذه الأبيات يجعلنا نستبعد ان تكون لرابعة فالبيت يقول(( وايتمت العيال لكي أراكا)) بينما يذكر لنا التاريخ أن رابعة لم تتزوج قط وانها توفيت بدون زوج ولا أطفال فكيف أيتمت
________________
العيال ؟ فإن قيل : انه لربما أريد بالعيال المعنى الآخر وهو الأعالة أي كل ما تعيله رابعة وتنفق=
= عليه . قلنا : ان رابعة لم تكن ميسورة الحال او غنية لكي تعيل غيرها بل بالعكس فان المؤرخين يذكرون أنها كانت فقيره وكان الذين يعرفونها هم الذين يعيلونها ويساعدونها على المعيشة وبهذا ينفي هذا المعنى أيضاً عن رابعة العدوية. فإن قيل : أن هذه الأبيات يمكن أن تكون لرابعة الشامية* وقد توهم أنها لرابعة العدوية والأولى كانت متزوجة وميسورة الحال فيمكن أن ينطبق معنى البيت الشعري عليها. وقلنا : ان هذا لا يتم لآن البيت الذي يقول:
تركت الخلق طرأ في هواكا وأيتمت العيال لكي آراكا
يوحي لمعنيين : الأول : هو ترك الدنيا والخلق عن طريق الموت فهي ذاهبة إلى جوار الله في العالم الآخروي والموت بصورة شرعية أكيداً كالجهاد في سبيل الله ولم ينقل ذلك عن رابعة الشامية ولا حتى عن رابعة العدوية.
والثاني : ترك الخلق عن طريق الغيبة عنهم والأنعزال لمناجاة الله وعبادته بدون ان ترى أحداً وأن أحداً يراها وهذا ايضاً لم ينقل عن رابعة الشامية بل بالعكس فلقد عاشت حياتها مع زوجها مطيعة له حريصة على خدمته حتى أنها زوّجته ثلاث نساء غيرها خوفاً أن تكون قد الهتها العبادة عن بعض واجبات زوجها فيجد ذلك عند الباقيات.
ويمكن أي يسأل أحدهم اذا كان كذلك فمن أين شاع اسناد هذه الأبيات لرابعة؟ قلت : أن أغلب الظن ان الذين ذكروا هذه الابيات – من خطباء وغيرهم- لم يركزوا على ذكر الناظم لها. فعند التناقل جهل إسمه وخصوصاً مع قلة المصدار (( والتي تكاد أن تكون نادرة)) والتي تنسب هذه الأبيات لناظمها. وقد نسبت عرفاً لرابعة لوجود أبيات شعرية شبيهة بالأبيات المذكورة معنا ووزناً وقافية قد قالتها رابعة العدوية وقد نقلتها أغلب المصادر التي ذكرت رابعة وهو قولها:
أحبك حبين حب الهوى وحب لأنك أهل لذاكا
فأما الذي هو حب الهوى فانشغالي بك عمن سواكا
وأما الذ أنت أهل له فكشفك الحجب لكي آراكا
فلا الحمد في ذي وذال لي وانما لك الحمد في ذي وذاكا
ويمكن أن نقول أيضاً انها قيلت على لسان الحسين (ع) كلسان حال لا أكثر. كما هو المشهور في كثير من الأبيات كقولهم :
ان كان دين محمد لم يسنقم الا بقتلي فيا سيوق خذيني
كقولهم
شيعتي ما إن شربتم عذب ماء فاذكروني
وغيرها كثير
وفي هذا السبيل ايضاً روي عن زينب العقيلة بن علي أمير المؤمنين عليه وعليها السلام أنها بعد المقتل وضعت يديها تحت الجثمان وقالت: (( اللهم تقبل منا هذا القربان))(139) . وفي بعض الروايات : (( هذا القربان القليل))(140)، يعني القليل مهما كان شريفاً وعظيماً أمام عظمة الله اللامتناهية وأمام استحقاقه اللامتناهي للتضحية والفداء.
اذن فالمسألة الأهم من كل شيء هي أهمية التوجه إلى الله والتضحية في سبيله وتطبيق طاعته والحصول على رضوانه بكل صورة مهما كان الوسائط ومهما كانت النتائج .وهذا هدف صحيح قد تحقق فعلاً، وقد عرفت الأجيال ذلك بكل وضوح.
وقد يخطر في البال : عن قول زينب سلام الله عليها: اللهم تقبل منا هذا القربان : ان قولها (منا) ليس بصحيح ، لأنه وان كان قرباناً عظيماً الا انه انما قدّمه الحسين نفسه، وليس لأحد آخر أن يقدمه ، بل لا معنى لذلك ، لأن
_________________________________________
وقد رجعت سماحة المؤلف في هذه الأبيات فقال لي : انه قد سمعها شخصياً من أحد الخطباء الكبار ولم يقرأها في كتاب ولذلك لم يسندها وانما عبر عنها ب(قيل) . ولمن أراد التوسع في رابعة فليراجع =
=كتاب شهيدة العشق الألهي لعبد الرحمن بدوي وكتاب رابعة العدوية لطة عبد الباقي سرورو فانهما قد ذكر جميع المصادر التي ذكرت رابعة. والتي لا محال لذكرها هنا
_________________
* وهي رابعة بنت اسماعيل الشامية توفيت سنة 235 هـ ودفنت برأس زينا ببيت المقدس وزوجها أحمد بن أبي الحواري وأبوه أبو الحواري ميمون من أهل دمشق وقد كان من العارفين الورعين وقد كان أحمد له نصيب منه توفي سنة 230 هـ وكان قد تزوج ثلاث غيرها وهذه رابعة كانت أيضاً من العابدات الورعات فينقل عن زوجها عندما سئل عنها قال : اذا أتيتها في النهار قالت : بالله عليك لا تفسد علّي صومي واذا اتيتها في الليل قالت : لا تفسد علي عبادتي (كتاب سير السالكات المؤمنات الخيرات لأبي بكر الحصني) وكثير ما كان يشتبه المؤرخون بينها وبين رابعة العدوية التي كانت أسبق زماناً منها.
(139) الكبريت الأحمر ج3ص13 عن الطرازالمذهب
(140) نفس المصدر.
التضحية الحقيقية والألم الحقيقي لم يتحمله غيره ولم يشعر به غيره. فما تفسير كلامها سلام الله عليها؟
جواب ذلك : أن تضحية عظيمة من هذا القبيل، أو أية تضحية أخرى مهمّة، لا تكون ذات مستوى واحد بل على مستويات متعددة لأن انطباعها في نفس صاحبها وفي نفوس الآخرين يكون متعدداً لا محالة. وفي حدود ما نستطيع ان نسفيد منه هنا من المستويات نذكر ثلاثة منها:
المستوى الأول : التضحية بمعنى تحمل الألم والجروح والقتل والصبر عليه طواعية. وهذا المستوى خاص بصاحب التضحية، ولا يمكن أن يكون شاملاً لغيره كما قال السائل.
المستوى الثاني : التضحية بمعنى الاعانة لصاحب التضحية بكل ما يمكن من جهد وجهاد، وتحمل كل بلاء في سبيله، مضافاً إلى تحمل فراقة كشخص محبوب أسرياً ودينياً واجتماعياً.وتحمل الحرمان عن فوائده وتوجيهاته ولطفه.
وهذا المستوى خاص بمن كان مع الحسين عليه السلام من الركب المعاون له في الحياة والموافق له في الأهداف. فإنهم رجالاً ونسائاً وشيباً وشباناً. أتعبوا أنفسهم في سبيله تماماً، وتحملوا شظف(141) العيش وبلاء الدنيا لأجل رضاه الذي يكون سبباً لرضاء الله عزوجل . كما قال ((رضا الله رضانا أهل البيت))(142). ومن هذه الناحية وعلى هذا المستوى كانت التضحية تشملهم. فكأنهم هم اللذين رفعوا الحسين عليه السلام قرباناً لله عزوجل.
ولا شك ان العقيلة زينب سلام الله عليها بنت علي عليه السلام من ذلك الركب المضّحي في سبيل الحسين عليه السلام.ولعلها أهم النساء
_______________
(141) شظف : شظف الرجل شظفاً كان عيشه ضيقاً وشديداً ويابساً فيقال شظف العيش (أقرب الموارد ج1ص529).
(142) الخوارزمي ج2ص5 اللهوف ص 26 كشف العمة للأربلي ج2ص241
الموجودات فيه على الأطلاق. ومن هنا صح لها ان تدعو وتقول : الله تقبل منا هذا القربان.
المستوى الثالث : الموافقة مع الحسين عليه السلام نفسياً وقلبياً وعاطفياً، وبالتالي الموافقة الحقيقية على عمل الحسين (ع) وتضحيته وعلى هدف الحسين (ع) ورسألته. حتى أن الفرد المحب له يحس كأنه أعطى قطعة من قلبه أو كبده وأنها قتلت فعلاً بمقتل الحسين عليه السلام .
وانه (أعني المحب) وإن كان حياً يرزق في هذه الدنيا وفي كل جيل، الا ان التضحية تضحيته والعمل عمله. يكفينا من ذلك ما ورد : (( أن الأعمال بالنيات))(143). (( وأن نية المؤمن خير من عمله))(144). وماورد : ((أن الراضي بفعل قوم كفاعله))(145) .وماورد:
((أن الفرد يحشر مع من يحب))(146) إلى غير ذلك من المضامين التي تجعل التضحية التي قام بها الحسين عليه السلام، منتشرة فعلاً لدى كل محبيه والمتعاطفين معه علىمدى الأجيال. وان كل واحدمنهم يستطيع أن يقول :
اللهم تقبل منا هذا القربان. وليس العقيلة زينب فقط.
وقد يخطر في البال : في حدود هذه التضحيات المشار إليها : أن الأجيال كلها يجب أن تكون مثل الحسين عليه السلام في تضحيته الجسيمة وفعلته
________________
(143) أسعاف الراغبين لصبان على هامش نور الأبصار للشبلنجي ص76 منية المزيد للشهيد الثاني ص42-جامع السعادات ج3ص112.
(144) مصباح الشريعة ص5 منية المريد للشهيد الثاني ص43 - جامع السعادات ج3ص118
(145) عيون أخبار الرضا للصدوقج1ص273 – نهج البلاغة خطبة 104وفيها يقول أمير المؤمنين (ع) : (الراضي بفعل قوم كالداخل فيه معهم وعلىكل داخل في باطل اثمان اثم العمل به واثم الرضا به)
(146) الكافي ج8ص80 حديث 35 بتصرف أمال الطوسي المجلد الثاني ص245 مجلس يوم الجمعة 2 رجب
الكريمة. فتضحي بالنفس والنفيس في سبيل الأهداف التي قتل لأجلها الحسين عليه السلام.
وجواب ذلك : أن الأمر ليس كذلك باستمرار، واثما قد يحصل ذلك أحياناً قليلة ، ولا يحصل ذلك أحياناً كثيرة وكل فرد يجب أن يحسب حساب تكليفه الشرعي أمام الله عزوجل. ونشير فيما يلي أن التكليف الشرعي كثيراً ما لا يقتضي ذلك. على عدة مستويات:
المستوى الأول : ان التضحية التي أرادها الحسين عليه السلام واستهدف حصولها، وقد حصلت فعلاً ، هي من اأهمية والعظمة بحيث لا تكون مقدورة لأحد اطلاقاً .وان زعم الزاعم لنفسه انه يتحملها ، الا أنه يخدع نفسه لا محالة. يكفي في ذلك أنه سلام الله عليه معصوم وأعمال المعصومين بلا شك فوق طاقة الأفراد الاعتياديين مهما تصاعدوا في درجات الايمان والأخلاص.
ومن هذا القبيل ما قاله أمير المؤمنين عليه السلام عن زهدة : ((الا انكم لا تقدرون على ذلك ولكن أعينوني – يعني على أنفسكم الأمارة بالسوء – بعفة وسداد ...... إلى آخر ما قاله))(147).
المستوى ا لثاني : انه لو كانت تضحيات الحسين عليه السلام واجبة على الأجيال بعده، لكان أولى من يقوم بها أولاده المعصومون عليهم السلام، مع العلم أنه لم يفعل ذلك ولا واحد منهم . اذن، فلماذا يجب أن يكون تكليفنا في الأجيال المتاخرة مثل تكليفه ولا يكون مثل تكليف وعمل أولاده، مع أنهم جميعاً معصومون. يكفي أننا يمكن أن نأخذ بعمل العدد الأكثر من المعصومين وهو الهدوء وليس الثورة فإن أولاده المعصومين تسعة وهو واحد.
المستوى الثالث : أن الأصوب والأحجى لكل جيل هو أن ينظر إلى
________________
(147) نهج البلاغة شرح ابن أبي الحديد كتاب 45ج 16 ص205
تكليفه الشرعي أمام الله سبحانه، هل هو التضحية أو التقية. ولا شك أن التكليف الغالب في عصورنا هذه عصور الغيبة الكبرى هو التقية وليس التضحية. لمدى تآلب الاعداء وترصدهم في العالم ضدنا من كل صوب وحدب. بدون وجود طاقة فعلية عند ذوي الأخلاص لمقابلتهم ومضادتهم. ومن تخيل هذه القابلية، فهو متوهم سوف يثبت له الدهر أعني بالتجربة وهمته. والأفضل له هو العمل بالتكليف الفعلي وهو التقيةالمتنجة لحفظ أهل الحق من الهلاك المحقق في أي نقطة من نقاط هذا العالم المعروف.
الهدف الثامن : المحتمل لحركة الحسين عليه السلام.
ما يذكره بعض الناس، او طبقة من الناس من أن الحسين عليه السلام قتل من أجل اقامة المأتم عليه والبكاء عليه، فانها من الشعائر الدينية المهمة، التي توجب هداية الكثير من الباطل إلى الحق.
ويمكن ان يستدل على ذلك بما ورد عن النبي (ص) ما مضمونه : (( ان لولدي الحسين حرارةفي قلوب المؤمنين لا تخمد إلى يويم القيامة))(148) . وهذه الحرارة أمر وجداني قائم فعلاً يحس بها الفرد المحب للحسين في قلبه، وهي التي تدفعه إلى التعب في هذا الطريق.
ونتكلم عن هذا الهدف ضمن المستويات التالية:
المستوى الأول : أنه ينبغي أن يكون واضحاً ان هذا الهدف بمجرده لا يصلح ان يكون هدفاً لكل تلك التضحيات التي قام بها الحسين عليه السلام . الا اذا اندرجت تحت عنوان اهم واعم وهو طاعة الله سبحانه او هدايةالناس او الاجيال لهذه الطاعة، أو التضحية في سبيل عقيدة التوحيد، كما اسلفنا ونحو ذلك، مما تكون الشعائر والمآتم مصداقاً لها وتطبيقاً لها، وليس النظر إليها نظراً
______________
(148) مستدرك الوسائل ج2ص217 الكافي للكيليني ج8ص206
مستقلاً عن غيرها. وهذا ما سيتضح أكثر من المستويات التالية بعونه سبحانه.
المستوى الثاني : أنني أعتقد أن الله سبحانه جعل بأزاء تضحية الحسين عليه السلام نوعين مهمين من الثواب لا نوعاً واحداً، احدهما : الثواب الآخروي وهو المشار إليه بقول النبي (ص) –في الرواية- : ((ان لك عند الله مقامات أو درجات لن تنالها الا بالشهادة))(149).
وثانيهما : الثواب الدنيوي : وهي عدة امور يسّرها الله سبحانه وتعالى خلال الأعوام والاجيال المتأخرة عن مقتله سلام الله عليه. وأعتقد انه جل جلاله انما يسّرها لمصلحة الاجيال. والا فإن الحسين عليه السلام لاجل من ان تناله الفائدة منها بقليل ولا بكثير. وان كنا نقول : انها تصلح ان تكون جزاءً له على التضحية لمدى أهميتها البالغة كما سنعرف. آلا انها دنيوية اي حاصلة في الدنيا، والحسين عليه السلام لم يقصد في تضحيته اي شيء من امور الدنيا مما قل أو كثر يقيناً. وانما حصلت لأجل مصلحة هداية الآخرين لا اكثر. ونستطيع ان نعد منها الأمور التالية:-
الأمر الأول : ان الإمامة في ذريته لا في ذرية الحسن اخيه عليه السلام.
الأمر الثاني : حسن الظن به خلال الاجيال ابتداء من قاتليه انفسهم إلى الاجيال المتأخرة عنه إلى يوم القيامة. حتى في ضمائر الاعداء وغير المسلمين ولذا نسمع قاتله يقول للحاكم الاموي بعد انتهاء الواقعة على ما ورد:-
إملاً ركابي فضة أو ذهبا اني قتلت الفاري المحجبا
قتلت خير الناس أمّا وابا(150)
______________
(149) امالي الصدوق مجلس 30ص135 الخخوارزمي ج1ص185 - البحار ج44ص328
(150) العقد الفريد ج4ص381 تاريخ الطبري ج6ص261 الكامل لابن الاثير ج3ص296- كشف العمة للابلي ج2ص263 مقتل الخوارزمي ج2ص40 مناقب ابن شهر آشوب ج3 ص256
______________________
وقد اختلف المؤرخون في قائل الأبيات وبالتالي في قاتل الحسين (ع) ومن الذين ذكرهم المؤرخون في قتل الحسين (ع) (كما أحصاهم باقر شريف القرشي في حياة الإمام الحسين ج3) هم : =
= أولاً : سنان بن انس – الكامل لابن الاثير ج3ص295 مقاتل الطبيين اللهوف لابن طاووس-
البداية والنهاية ج8ص88 وفيه يقول الشاعر
(( وايّ رزية عدلت حسيناً عداة يثيره كف سناني)) الاستيعاب ج1ص379
ثانياً : شمر بن ذي الجوشن - الخوارزمي ج2ص36 - البحار للمجلسي ج45ص56
ثالثاً : عمر بن سعد - خطط المقريزي ج2ص268 مناقب ابن شهر آشوب ج5ص119
رابعاً : خولي بن يزيد الاصبحي – درر الابكار في وصف الصفوة الأخيار ص38 – مناقب ابن شهر آشوب ج3ص259 الفتوح لابن اعثم ج5ص218.
خامساً : شل بن يزيد الاصبحي – تاريخ الخميس ج2ص333 – الأخبار الطوال للدينوري ص231 حيث قيل ان خولى بن يزيد الأصبحي نزل عن فرسه ليحتز رأس الإمام (ع) فارتعدت يداه فنزل إليه اخوه شبل فاحتز رأسه ودفعه لأخية.
سادساً : الحصين بن نمير - المعجم الكبير للطبراني – الافادة في تاريخ الائمة السادة.
سابعاً : رجل من مذحج - تهذيب التهديب لابن حجر ج2ص353 (وقد انفرد بنقله)
ثامناً: المهاجر بن أوس – نص على ذلك السبط بن الجوزي ولم يذكره غيره. (مرآة الزمان في تاريخ الاعيان).
أقول : والراجح في هذه الأقوال كلها ان قاتل الحسين (ع) هو الشمر بن ذي الجوشن (لع) وذلك لعدة مرجحات منها ان الزيارة القائمية صريحة به وهي زيارة الناحية والواردة عن الإمام الحجة (عج) والتي يقول فهيا: (فلما رأت النساء جوادك مخزيا نظرن سرجك عليه ملويا .... وإلى مصرعك مبادرات والشمر جالس على صدرك واضعاً سيفه على نحرك قابض على شيبتك بيده ذابح لك بمهنده ..... الخ) (مفاتيح الجنان للشيخ عباس القمي ص456).
وهكذا جملة من الروايات المعتبرة. ومع ذلك لا شك في ان حولى بن يزيد الاصبحي وسنان بن انس (لع) ممن له مدخلية في قتل الحسين (ع) لذلك قال بعض العلماء ان القاتل كان ثلاثتهم حيث ذكر البعض ان هؤلاء الثلاثة عندما قدموا إلى عمر بن سعد ومعهم رأس الحسين (ع) قال خولى: انا ضربته بسهم فارديته عن جواده إلى الارض وسنان يقول : انا ضربته بالسيف ففلقت هامته والشمر يقول: أنا ابنت رأسه عن بدنه. (أسرار الشهادة للدربندي ص427)
الأمر الثالث : تأثير تضحيته الجسيمة في هداية الناس وتكاملهم ايماناً، كل حسب استحقاقه، في اي مكان ووزمان وجد الفرد إلى يوم القيامة. ومهما كانت نقطة بدايته، حتى لو كان كافراً، بل حتى لو كان معانداً احياناً.
الأمر الرابع : هذه الحرارة التي في قلوب المؤمنين من محبيه، والتي اشرنا إليها فيما سبق. والتي اوجبت تزايد ذكراه وتزايد اللوعة على ما اداه من تضحيات وما عاناه من بلاء.
الأمر الخامس : ان ذكر أي معصوم غير الحسن عليه السلام بما فيهم النبي (ص) وعلي عليه السلام، في أي مجلس من مجالس محبيه، وفي اي مناسبة للحديث سواء كانت مأتماً أو خطبة او موعظة او غيرها، فإنها لات كاد تكون تامة ولا مرضيّة للقلوب ما لم تقترن بذكر الحسين عليه السلام، والتألم لمصابه.
الأمر السادس : البكاء عليه لدى محبيه جيلاً بعد جيل واقامته الماتم والشعائر عليه سلام اله عليه. وهذا هو الذي ذكره بعض الناس كهدف مستقل كما ذكرنا. وهو انما يصح كنتيجة طبيعية وفق الله سبحانه وتعالى محبيه اليها لأجل مصلحتهم وهدايتهم. وسنتكلم عنها في المستوى الآتي من الحديث بعونه سبحانه لنفهمها بشكل واضح.
المستوى الثالث : الحديث عن البكاء عليه السلام واقامة المآتم لذكرى مصابه . وهنا ينبغي لنا ان نقول : ان في قضية الحسين عليه السلام جانبين مهمين لا يكاد احدهما ان يكون اقل اهّمية من الأخر:
الجانب الأول : جانب النعمة والرحمة، بهذا التوفيق الالهي العظيم للحسين عليه السلام واصحابه واهل بيته، بهذه المقامات وهذا الثواب الجزيل والعطاء الهني وهذا الجانب يقتضي الفرح والاستبشار لا الحزن والتألم . بل كما كان البلاء الدنيوي اكثر، كان الثواب الآخروي والتقرب الالهي اكثر، فيكون
الاستبشار اكثر.
وهذا ما ورد عن اصحابه المقاتلين معه انه قال احدهم: (عما قليل سنعانق الحورالعين)(151).وقال آخر : (ليس بيننا وبين الجنةالا ان يميل علينا هؤلاء باسيافهم)(152). وهم يعلمون انهم سيعانون الجرح والقتل والبلاء الصارم. ومن ذلك قول الشاعر يصف العباس عليه السلام اخو الحسين وقد حارب معه وابلى بلاء حسناً وعظيماً : قال الشاعر:
عبست وجوه القوم خوف الموت والعباس فيهم ضاحك يتبسم(153).
ومنه قول علي بن الحسين الأكبر فيما ورد عنه : (( لا نبالي اوقعنا على الموت ام وقع الموت علينا))(154)، يعني ما دمنا على الحق كما ورد في اول الرواية. وعدم المبالاة يعني عدم الحزن والتألم لهذا البلاء النازل. وانما هو الصبر بإيمان والجلد بيقين.بل الاستبشار برحمة الله ورضوانه.
واذا كان غير المعصومين يحسّ بذلك فكيف بالمعصومين ومنهم الحسين نفسه. واذا كان اصحابه وذوه ممن هو تحت ذلك البلاء العظيم نفسه، لا يشعرون بالحزن والالم النفسي، بل بالاستبشار فكيف ينبغي ان يكون حال من سواهم من الناس من محبين وأولياء .
الجانب الثاني: جانب الحزن والالم لما أصاب الحسين عليه السلام واهل بيته واصحابه ونسائه من بلاء وقتل وتشريد وسبي واذلال. وهي حادثة بمجموعها تعتبر اعظم ما وقع من البلاء الدنيوي على اي مجموعة اخرى من
______________________
(151) تاريخ الطبري ج6ص241 – اسرار الشهادة للدربندي ص249
(152) نفس المصدر – بتصرف
(153) للسيد جعفر الحلي – المتوفي فجأة في شعبان لسبع بقين منه سنة 1315هـ( ادب الطف ج8 (ص99-115)
(154) الطبريج6ص231 - الكامل لابن الأثر ج3ص282 - اللهوف ص30
البشر خلال التاريخ البشري الطويل. ومن هنا كان رد فعلها المأساوي اعظم وأجل من كل حادثة آخرى في العالم مماثلة او غير مماثلة. ومن هنا قال الشاعر عنها
وفجائع الأيام تبقى فترة وتزول وهي إلى القيامة باقية(1155).
وكلا هذين الجانبين المشار إليهما ناجزان فعلاً في حادثة الحسين عليه السلام. ويحتوي كل منهما على نقطة قوة ونقطة ضعف، ينبغي ان نلاحظهما لكي نعرف القيمة الحقيقية لكل منهما اولاً. ولماذا اختير الجانب الثاني المأساوي في هذا الصدد.
ولكل نقطة قوة في احدهما يقابله نقطة ضعف في الجانب الآخر. فنقطة القوة في الجانب الأول، هي كونه جانباً آخروياً محضاً، تقابله النقطة في الجانب الآخر، وهو كونه جانباً دنيوياً. لوضوح ان البلاء الذي عاناه الحسين عليه السلام ومن معه بلاء دنيوي خالص لا يشوبه بلاء آخروي اطلاقاً بل له في الآخرة اعلى المقامات وارفع الدرجات.ونقطة القوة في الجانب الثاني كونه سبباً لتربية المجتمع تربية صالحة ومؤكدة اكثر من الجانب الأول بكثير.ذلك المجتمع المتربي في حالته الاعتيادية على العواطف الشخصية والاسرية والدنيوية عموماً. اذن فمن المصلحة توجيه هذه العواطف إلى وجهة صالحة ومربية.فكما يبكي المؤمن على ولده أو والديه فليبك على الحسين (ع) واصحابه لينال في الآخرة ثواباً ويقيم للدين شعاراً. ومن هنا يكون توجيه البكاء والحزن للمؤمنين
_______________
(155) للشيخ عبد الحسين الأعسم بن الشيخ محمد علي بن الحسين بن محمد الاعسم الزبيدي النجفي. ولد في حدود سنة 1177هـ وتوفي 1247 هـ بالطاعون العام في النجف الاشرف عن عمر يناهز السبعين ودفن مع أبيه في مقبرة آل الأعسم. وهذا البيت من قصيدة طويلة مطلعها:
قد اوهنت جلدي الديار الخالية من اهلها ما للديار وماليه
(ادب الطف ج6ص287 – 294)
نحو الدين ونتائجه الطيبة اكثر بكثير مما يوجه الفرح والاستبشار المشار إليه في الجانب الأول.
مضافاً إلى ان الفهم العام لأي شيء بما فيها واقعة الحسين (ع) انما هو ظاهرها الدنيوي وليس واقعها الآخروي، فكان من الأفضل توجيه الناس إلى ما يفهمون والاستفادة لهم بمقدار ما يدركون.
ومن هنا ورد عن الشريعة المقدسة وقادتها الأوائل بشكل متواتر لا يقبل الشك: الحث على البكاء على الحسين وحادثته المروعة(156) .وكان الطعن في ذلك ومناقشته بقصد مخلص او مغرض ناشيء من خطأ فاحش لا يغتفر.
فمن امثلة ما ورد: أن النبي (ص) بكى على الحسين (ع) عند ولادته(157). وان امير المؤمنين (ع) ذكر واقعة الطف وانه نظر إلى كفي ولده العباس عليه السلام. وتنبأ بأنهما يقطعان في تلك الواقعة(158) . وان الإمام الحسن (ع) حين كان على فراش الموت مسموماً سمع اخاه الحسين يبكي عليه.فقال له : (( أتبكي عليّ ام انا ابكي عليك. لا يوم كيومك با ابا عبد الله فان لكي يوماً)
_______________
(156) امالي الصدوق ص125 مجلس 29- الدمعة الساكبة م1ص300 – البحار للمجلسي ج44 ص281
ومن هذه الأخبار ما ورد في البحار ج44 اول باب ثواب البكاء ص278 بسنده عن علي بن الحسين بن فضال عن ابيه قال : قال الرضا (ع) : (منتذكر مصابنا وبكى لما ارتكب منا كان معنا في درجتنا يوم القيامة ومن ذكّر فبكى وابكى لم تكبكي عينه يوم تبكي العبون ومن جلس مجلساً يحيي فيه امرنا لم يمت قلبه يوم تموت القلوب) وفي امالي الصدوق بسنده عن ابي عمود قال : قال الرضا (ع) (المحرم شهر كان أهل الجاهلية يحرمون فيه القتال فاستحلت فيه دؤمانا وهتكت في حرمتنا وسبي فيه ذرارينا ونساؤنا ..... (إلى ان قال).... فعلى مثل الحسين فليبك الباكون فان البكار عليه تحط الذنوب العظام).
(157) الخصائص الكبرة لسويطي ج2ص125 - البحار للمجلسي ج44ص251
(158) اسرار الشهادة للدربندي ص263.
اعظم من هذا اليوم))(159).
واما الإمام زين العابدين علي بن الحسين عليه السلام، فقد اصبح احد الخمسة البكّائين من البشر . وخم آدم ويعقوب ويوسف والزهراء وهو سلام الله عليهم اجمعين. وذلك لكثرة بكائه على ابيه سلام الله عليه. في زمن صعب واعلان الاهتمام به الا بالبكاء .ومن هنا كان من البكّائين . حتى كان يخلط طعامه وشرابه بالدموع(160).
واما قصيدة دعبل رحمة الله عليه التي قرأها على الإمام الرضا عليه السلام، فبكي لها وجمع العلويات خلف الستر لكي يسمعن ويبكين(161) فهي رواية اشهر من ان تذكر. وفيها يقول دعبل:
أفاطم لو خلت الحسين مجدّلا(162) وقد مات عطشاناً بشط فرات
اذن للطمت الخد فاطم عنده واجريت دمع العين في الوجنات (163)
__________________
(159) مثير الأحزان لابن نما ص31 مناقب ابن شهر آشوب ج3ص238 – البحار ج5ص154
(160) مناقب ابن شهر آشوب ج3ص303 ط نجف – امالي الصدوق مجلس 29ص124 - ويتجلى هذا الامر فيما نقله ابن شهر آشوب عن الإمام الصادق حيث قال : (بكى علي بن الحسين عشرين سنة وما وضع بين يديه طعام الا بكى حتى قال مولى له جعلت فدال يا ابن رسول الله اني اخاف ان تكون من الهالكين فقال الإمام : انما اشكو بثي وحزني إلى الله واعلم من الله ما لا تعلمون اني لم اذكر مصرع بني فاطمة الا وخنقتني العبرة).
وفي رواية اخرى قال مولى له : اما آن لحزنكان ينقضي فقال له : ويحك ان يعقوب النبي كان له اثنا عشر ابناً فغيب الله واحداً منهم فابيضّـ عيناه من كثرة بكائه عليه واحد وحدب ظهره من الغم وكان ابنه حياً في النيا وانا نظرت إلى ابي واخي وعمي وسبعة عشر من اهل بيتي مقتولين حولي فكيف ينقضي حزني) ابن شهر آشوب ج32ص303.
(161) مقتل الخوارزي ج2ص130 – الدمعة الساكبة ص77 (نقلاً عن الاربلي في كشف الغمة).
(162) مجّدلاً : بمعنى مرمي ملقي على الأرض قتيلاً (مجمع البحرين ج5ص336).
(163) للشاعر دعبل الخزاعي (148 هـ- 246 هـ) وهذان البيتان من قصيدته التائية المشهورة التي مطلعها:
وحسب فهمي انه لمدى تأثير البكاء في النفوس اولاً وفي الاعلام ثانياً وفي التربية ثالثاً. حصلت هناك من المعصومين سلام الله عليهم عدة امور مما اقتضى التركيز عليها:
منها : أنه ابكى رسول الله (ص) بعد موت أولاده. كما ورد عنه انه قال : (( يحزن القلب وتدمع العين ولا نقول ما يغضب الرب))(164) .
ومنها : ان الامام الباقر عليه السلام كما ورد: اوصى بمال يصرف من ثلثه في نوادب يندبنه في عرفة عند الحج عشر سنوات (165).
ومنها : ان نساء الحسين (ع) من قريباب وبعيدات بقين على حالة الحزن والبكاء المتواصل وترك الراحة والهدوء عدة سنوات. حتى حصلت حركة
_______________
=
تجاوبن بالارنان والزفرات نوائح عجم اللفظ والنطقات
وقد انشدها على الأمام الرضا (ع) فلما وصل إلى قوله
وقبر ببغداد لنفس زكية تضمنها الرحمن في الغرفات
قال الرضا (ع) أفلا لك بيتين بهذا الموضع بها تمام قصيدتك فقال بلى يابن رسول الله فقال الأمام الرضا (ع)
وقبر بطوس يالها من مصيبة الحت على الأحشاء بالزفرات
إلى الحشر حتى يبعث الله قائما يفرح عنا الغم والكربات
فقال دعبل : هذا القبر الذي بطوس قبر من ؟ قال الرضا (ع) : هو قبر . ادب الطف ج1 ص295 – 309
(164) الخصائص الحسينية للتستري ص40ط نجف- تحف العقول للحسن بن علي البحراني ص32.
(165)
وسائل الشيعة
للعاملي ج3ص239 . ونقله المرحوم المقرم فيمقتله عن التهذيب للطوسي ج2 ص108 وكتاب
المكاسب والمنتهى للعلامي الحلي ج2ص112 والذكرى للشهيد الأول المبحث الرابع من
أحكام الأموات وفيمن لا يحضره الفقيه ص36 انه (ع) اوصى بثمانمائة درهم لماتمه وان
يندب فيالمواسم عشر سنين. وادعى بعضهم ان هذا العمل غير جائزباعتبار ان صوت المرآة
عورة ويحرم على الاجانب سماعه وقد رد هذا القول السيد المقرمفي مقتله ص105 بأفضل
جواب بحيث لم يبق شك في بطلانهذا القول وصحة فعل الأمام (ع) فراجع.
المختار الثقفي (166) الذي حاول قتل المتعدين من قتله الحسين(ع) واصحابه في الطف(167).
ومنها : ان الدعاء الموسوم بالندبة(168) انما هو اشعار للنفس بالحزن العميق لغيبة الامام المهدي عليه السلام. فلماذا الحزن ان كان في غيبته حككمة الهية وتسبيب لانتصاره يوم ظهورة؟وما ذلك الا ان البكاء شكل من اشكال التربية وشكل من اشكال الاعلام.
ولنسمع فيما يلي فقرات من دعاء الندبة هذا . لنجد التركيز فيه على الحزن العميق: (( ليت شعري اين استقرت بك النوى(169) بل اي ارض تقلكاو ثرى ابرصوى اوغيرها ام ذي طوى(170) . عزيز علين ارى الخلق ولا ترى ولا اسمع لك حسيساً ولا نجوى. عزيز عليّ ان تحيط بكدوني البلوى
___________________
(166) هو المختار بن ابي عبيد بن عمرو بن عمير بن عوف بن عقدة بن غبرة بن عوف بن ثقيف الثقيفي ابو اسحق. كان ابوه من حملة الصحابة وولد المختار عام الهجرة وليست له صحبة ولا رواية. وقد خرج بطلب بثأر الحسين بن علي (ع) واجتمع عليه كثير من الشيعة بالكوفة فغلب عليها وطلب قتلة الحسين (ع) فقتلهم ومنهم شمر بن ذي الجوشن الضبابي وخولي بن يزيد الاصبحي وعمر بن سعد بن ابي وقاص وهو امير الجيش الذي قاتل الحسين وقتل ابنه حفصاً وقتل عبيد الله بن زياد حيث كان ابن زياد بالشام فااقبل في جيش إلى العراق فسيّر غليه المختار ابراهيمبنالاشتر في جيس فلقيه في اعمال الموصل فقتل بن زياد وغيره ولذلك احبه كثير من المسلمين وابلى في ذلك بلاء حسناً وكان يرسل المال إلى أبن عمر وابن عباس وابن الحنفية وغيرهم فيقبلونه منه وكان ابن عمر زوج اخت المختار وهي صفية بنت ابي عبيد ثم سار إليه مصعب بن الزبير من البصرة في جمع كثيرمن اهل الكوفة واهل البصرة فقتل المختار بالكوفة سنة 67هـ وكانت امارته على الكوفة سنة ونصف وكان عمره سبعاً وستين سنة ( اسدالغابة ج4ص336).
(167) تاريخ الطبري ج6ص38 ط مصر.
(168) انظره فيمفاتيح الجنان ص532
(169) النوى : البعد والوجه الذي يذهب فيه وينويه المسافر من قرب او بعد (اقرب الموارد ج2ص1363).
(170) ذي طوى : موضع قرب مكة ( اقرب الموارد ج1ص724).
ولا ينالك مني ضجيج ولا شكوى ...... هل من معين فاطيل معه العويل والبكاء هلمن جزوع فأساعد جزعه اذا خلا.... هلا قذيت عين فساعدتها عيني على القذى . هل اليك يا ابن احمد سبيل فتلقى . هي يتصل يومنا منك بغده فنحظى ............ الخ)) (171) هذا ، وسياـي مزيد ايضاح وتفصيل حول هذه الفكرة بعون الله تعالى.
________________
(171) مفاتيج الجنان للشيخ عباس القمي (دعاء الندبة).
1 :: 2 :: 3 :: 4 :: 5 :: 6 :: 7