رواة واقعة الطف

 

اعتقد ان الرواة الأوائل او المباشرين لحادثة الطف منحصرون في الاقسام التالية، فينبغي ان ننظر إلى وثاقتهم من ناحية وإلى مقدار شرحهم للحوادث ونحو ذلك من الخصائص.

 

القسم الأول : الائمة المعصومون عليهم السلام المتأخرون عن الحسين عليه السلام. وخاصة الثلاثة الذين كانوا بعده بالمباشرة وهم الامام السجاد والامام الباقر والامام الصادق عليهم السلام . فإن لهؤلاء قسطاً من ذكر واقعة الطف.

 

الا انني اعتقد اننا – مع ذلك – لانستطيع ان نأخذ عنهم التفاصيل كما نريدها. لانهم عليهم السلام كانوا يتحدثون بمقدار ما تقتضي المصلحة في زمانهم فكانوا يركزون على الجانب المعنوي لواقعة الطف والدفاع عن قضية الحسين عليه السلام. و لا يكون همهم رواية او نقل الحوادث ، الا ما جاء عرضاً خلال الحديث. اذن فلا ينبغي ان نتوقع سماع حديثهم عن التفاصيل الكثيرة التيت نريدها.

 

القسم الثاني : النساء من ذراري الحسين علهي السلام واصحابه بعد عودتهن إلى المدينة المنورة.  فإنهن لم يصبن بسوء وبقين احياء بعد مقتل رجالهن. ورجعن إلى محل سكنهن . فمن الممكن لهن ان يتحدثن عما رأينه عن تلك التفاصيل . وتعتبر كل واحدة منهن كشاهد حال حاضر للواقعة.

 

الا اننا لا ينبغي ان نبالغ في ذلك لامرين على الآقل:


 

الأمر الأول: حاصل لدى وجود الواقعة نفسها في كربلاء . وذلك لأن النساء كن موجودات في الخيام،  ولسن مشرفات على الواقعة ولا متابعات للحوادث، ولا يعرفن اشخاص الرجال الاجانب باسمائم . فمن هذه الناحية ستكون فكرتهن عن التفاصيل غائمة ومجملة لا محالة.

 

الأمر الثاني: حاصل لدى وجودهن في المدينة المنورة حيث كانت المصلحة الدينية والاجتماعية تقتضي اقامة المزيد من المآتم على واقعة الطف واظهار المزيد من الحزن البكاء على من قتل فيها. اذن فقد انشغل النساء بمهمتهن المقدسة تلك ولم تجد احداهن الفرصة الكافية لرواية التفاصيل.

 

القسم الثالث : الاطفال  القلائل الذين نجوا من واقعة الطف، واستطاعوا الهرب منها كأحمد بن مسلم بن عقيل أو عادوا مع النساء كالحسن المثنى(248) وغيرهم(249)  . فإنهم اصبحوا كباراً بالتدريج . فمن الممكن لهم عندئد ان يرووا ما رآوا وما سمعوا.

 

الا اننا مع ذلك لا ينبغي ان نبالغ في امكان اخذ التفاصيل من هؤلاء تاريخياً لعدة امور لعلها تندرج في امرين:

 

الأمر الأول : حالهم في واقعة الطف نفسها ، فانهم :

 

1-    كانوا محجوزين في الخيام مع النساء ولا يشاهدون التفصيل.

 

______________

(248) الحسن المثنى : ذكره المفيد في الارشاد وقال : ((واما الحسن بن الحسن بن علي (ع) فكان جليلاً  رئيسياً فاضلاً ورعاً وكان يلي صدقات امير المؤمنين (ع) في وقته وله مع الحجاج خبر ذكره الزبير بن بكار وكان قد حضر مع عمه الحسين (ع) الطف فلما قتل الحسين (ع) واسر الباقون من اهله اءه اسماء بن خارجة فأنتزعه من بين الاسرى) وقد تزود من بنت عمه فاطمة بنت الحسين (ع) فأولدها بعد الله المحض وابراهيم العمر والحسن المثلث ومن غيرها داوود وجعفر ومحمد ورقية وفاطمة وقد توفي بالسم الذي دسّه له سليمان بن عبد الملك فمات وعمره (53 سنة) . رجال السيد بحر العلوم ج1ص21 – بتصرف – ط نجف

(249)  عمدة الطالب ص78  - مقاتل الطالبيين ص119 ط دار المعرفة ببيروت


 

2- لا يعرفون اسماء الرجال الموالين والمعادين لكي يرووا تفاصيل اعمالهم.

3- ان فهمهم الطفولي يومئذ لم يكن يساعد على الاستيعاب . وكان عمر احدهم يومئذ قد لا يزيد عن خمس سنوات بالمعدل . ولم يكونوا بمعصومين لكي نقول: ان الفهم منهم لا يختلف باختلاف سني العمر.

 

الأمر الثاني : انني لا اعتقد اهم مذكورون في اسناد الروايات الناقلة للتفاصيل عن واقعة الطف الا نادراً. ولو كان الرواة المتأخيرون نسبياً، قد سمعوا منهم لذكروهم في السند. اللهم الا ان يقال : ان الحذف من السند كان لداعي التقية يومئذ. فإن نقل قصة الحسين عليه السلام كان مورداً للتقية المكثفة والصعبة في زنم الآمويين الذين قتلوه ورضوا بمقتله . بل الامر كذلك في زمن اكثر الخلفاء العباسيين ايضاً.

 

القسم الرابع:  الاعداء الذين حاربوا الحسين علهي السلام فعلاً في واقعة كربلاء، وكانوا حاضرين خلالها، ولكنهم نجوا من الموت ورجعوا إلى بلداهم فامكنهم ان ينقلوا القصة ويسمع منهم الناس عنها الشيء الكثير.

 

ويروي : ان المختار الثقفي حين اعلن الاخذ بثار الحسين عليه السلام، كان يقبض على اعدائه واحداً واحداً ، فيسأله عما فعله في واقعة الطف، فيقتله بالشكل الذي قتل به الشهداء هناك(250). فقد حصل من ناحية الاعداء روايات تفصيلية عن حوادث كربلاء. وهناك اخبار آخرى من غير هذا الاسلوب رويت عن حميد بن مسلم وزيد بن ارقم وغيرهما.

 

فهل نستطيع ان نعتبر هذه الاخبار عنهم هي من اخبار الثقاة مع اننا نعلم انهم اشد الناس فسقاً وعناداً ضد الامام المعصوم، بل ضد الله ورسوله ايضاً. فإذا

____________________

(250) مروج الذهب ج3ص86


 

لم يكن الخبر خبر ثقة فكيف يمكننا الاخذ به؟

 

وقد يخطر في البال هنا: ان هذا الشخص او غيره من الاعداء حين يروي شيئا من الحوادث انما يقر على نفسه بالجريمة . واقرار العقلاء على انفسهم جائز . فمن الممكن الاخذ بخبرة من هذه الجهة.

 

الا ان هذا غير صحيح لعدة اسباب او وجوه:

 

الوجه الأول : ان قاعدة اقرار العقلاء انما تجعل الخبر معتبراً بالنسبة إلى العقوبة للمتكلم به او تحميله مسؤوليته بشكل وآخر.  ولا تجعل الخبر معتبراً بمعنى كونه مشهوداً له بالصحة بشكل مطلق.

 

الوجه الثاني : ان هذا الشخص او ذاك ممن كان في معسكر الاعداء، قد لا يروي الحادثة عن نفسه. وان تكلم عن نفسه اعني عمّا قاله وفعله في كربلاء. الا انه يروي ذلك مدافعاً عن نفسه. يعني يريد ان يثبت انه قد رحم الآخرين وتعطف عليهم في الوقت الذي قسى مهم غيره. وهذا شامل لعدد من النقول الواردة . ومعه لا تكون اقراراً حتى نثبت حجيتها بقاعدة الاقرار.

 

اذن ، ينتج انه ينبغي الحذر كثيراً حين نسمع من او عن امثال هؤلاء الاعداء اخبارهم عن واقعة كربلاء. ومن المؤكد اناخبارهم ليست اخبار ثقاة بل هو خبر ضعيف ، باصطلاح اهل الحديث لا انه رواية فاسق ومعاند للحق ومن الذي يقول بحجية الخبر الضعيف؟.

 

الرواة المتأخرون

 

لكن الذي يهوّن الخطب إننا نأخذ التفاصيل من كتب علمائنا الموثوقين الاجلاء كالشيخ المفيد في الارشاد والشيخ المفيد في الارشاد والشيخ الاربلّي في كشف الغمة وابي مخنف والخوارزمي في مقاتلهم والشيخ التستري في كتابه عن الحسين عليه السلام.


 

 

 

واضرابهم .

 

الا اننا مع ذلك ينبغي ان نكون حذرين في النقل لعدة امور:

 

الأمر الأول : ان اكثيراً مما نقلوا من الروايات هي ضعيفة السند ومرسلة وعلى كل تقدير لا يمكن الآخذ بها فقهياً.

 

وقد يخطر في البال: ان هؤلاء العلماء هم الذين تكلفوا صحتها على عاتقهم . فهي معتبرة وصحيحة في نظرهم. وهذا يكفي في النقل وان كانت مرسلة او ضعيفة بالنسبة إلينا.

 

وجوابه : بالنفي طبعاً، يعني لا يكفي ذلك ، لأن صحتها التي يعتقدون بها انما هي صحة اجتهادية وحدسية وليست حسّية لتكون حدة على الآخرين ، او قل : على الاجيال المتأخرة . كما هو مبحوث عنه في علم الأصول.

 

الأمر الثاني : انه ينبغي التأكد من نسبة الكتاب إلى مؤلفه فقد يكون كله منتحلاً او بعضه ، أو يكون مزيداً عليه أو محذوفاً منه وغير ذلك من الاحتمالات . واذا ورد الاحتمال بطل الاستدلال. ولعل اهم واوضح ما هو مشكوك بالنسبة إلى مؤلفه هو مقتل ابي مخنف، وهو مما يعتمد عليه الناس كثيراً وابو مخنف رجل صالح وموثق، الا ان نسبة كتابه إليه مشكوكة.

 

الامر الثالث : انه ينبغي التأكد ان النقل في الكتاب انما هو بنحو الرواية لا ينحو الحدس. فإنه وجد خلال التأريخ من كتب عن واقعة الطف من زاوية الحدس والكشف العرفاني لا بنحو الرواية . وحاول فهمها من وجهة نظره تلك ، وهذا هو الذي يبدو من الشيخ التستري في كتابه (الخصائص الحسينية ) حيث يقول مثلاً (ان الحسين علهي السلام حصلت له حالة الاحتضار ثلاث مرات).  فإن هذا ان صح فقد أخذه بالكشف العرفاني بلا رواية. فإنه لا توجد اي رواية بذلك وهكذا كثير من التفاصيل.


 

ومن المعلوم في الاصول : ان هذه الحدوس والكشوف ان كانت حجة، فهي حجة على صاحبها، بصفته عالماً بصحتها . و لايمكن ان تكون حجة على غيره مع احتماله لتوهم الآخر وانفعاله . ومن ثم فقد لا يكون ما قاله مطابقاً للواقع.  الا ان يحصل لنا او لأي شخص العلم بالمطابقة او حسن الظن بالقائل بحيث يعلم ان كشوفه الوجدانية دائمة المطابقة للواقع . ومن اين لنا ذلك؟ .


 

مجوزات النقل شرعاً

 

وما يمكن ان يكون مجوزاً للنقل شرعاً عن المعصومين سلام الله عليهم من الروايات ، في واقعة كربلاء او غيرها عدّة أمور:

 

الأمر الأول : صحة السند فإن السند وهو مجموعة الرواة الناقلون له ان كانوا كلهم ثقاة جاز الاخبار به، وتكفل مسؤوليته امام الله سبحانه.

 

الأمر الثاني : نسبة القول إلى صاحبه ، بعد العلم بانتساب الكتاب إليه، فنقول : قال فلان أو روى فلان كذا. او نقول : روي او قيل. أو نقول: قال ارباب المقاتل او المؤلفون في واقعة كربلاء ونحو ذلك.........

 

وبذلك تخرج عن العهدة امام المعصومين عليهم السلام، وتكون صادقاً في قولك لأن هذا الذي نقلت عن كتابه قد قال ذلك فعلاً لكن هذا مشروط بشرطين:-

 

1-    ان يكون الامر مروياً عن كتاب ما، واما اذا لم يكن مروياً اطلاقاً وانت تقول عنه : روي كذا. فهذا غير جائز بل هو الكذب نفسه.

2-  ان يكون الكتاب صحيح النسبة إلى مؤلفه والا فسيكون نسبة القول إلى مؤلفه نسبة كاذبة. فأنت تكذب على المؤلف وان لم تكذب على المعصومين (ع).

 

الأمر الثالث : من مجوزات النقل المشهورة بين الخطباء والشعراء الحسينيين : النقل بلسان الحال . فكأنهم يرون ان الحديث يكون صادقاً مع التقيد بهذا المعنى، ومن هنا اباح الشعراء لانفسهم اضافة اقوال وافعال كثيرة


 

جداً إلى واقعة الطف، بعنوان انها بلسان الحال لا بلسان المقال.

 

وهذا ليس خطأ كله ، بل يحمل جانباً من الصواب من الناحية الفقهية ، فإن النقل بالمعنى عن الروايات جائز ان كانت الرواية بدورها محرزة الصحة. كما ان النقل بلسان الحال جائز اذا احرزنا ان حال المتكلم في تلك الساعة على ذلك. الا اننا مع ذلك ينبغي أن نكون على حذر شديد من هذه الناحية ، لعّ>ة وجوه:

 

الوجه الأول : أننا لا نستطيع ان نعلم حالهم رضوان الله عليهم، لا الحسين (ع) ولا اصحابه ولا نساءه  ولا أي واحد هناك منهم . لأنهم أعلى وأجل من ان نعلم ما يدور في خواطرهم وما تحفيه سرائرهم .  في حين اننا بعيدون عنهم زمناً ومكاناً وثقافة ومستوى. وغير ذلك . اذن فنحن جاهلون بحالهم لا اننا عالمون به لنستطيع التعبير عنه بأي حال من الأحوال . وانما يجوز الحديث بلسان الحالز مع احراز المطابقة للواقع. وانى لنا ذلك؟

 

الوجه الثاني : ان ما يكون بلسان الحال انما ه والاقوال لا الافعال . فلو تنزلنا جدلاً عن الوجه الاول او تم لدينا ذلك الوجه. فإنما يجوز النقل بلسان الحال في الاقوال وحدها . أما نقل الافعال والتلفيق فيها بعنوان كونها بلسان الحال فهذا لا معنى له ولا بيان له.

 

الوجه الثالث: اننا لو تنزلنا جدلاً عن الوجه الاول او تم لنا ذلك الوجه فإنه يتم بمعنى ان الحالة العامة التي كانوا فيها معلومة لنا اجمالاً. واما التفاصيل فمن غير المحتمل ان ننال منها شيئا . فمثلاً ما الذي خطر في ذهن الحسين عليه السلام حين أخذ رضيعه معه ليسقيه الماء . أو في أية حادثة معينة آخرى ؟ هذا متعذر فهمه تماماً في حدود البعد الزمني والثقافي والايماني عنه عليه السلام.


 

وفي صدد النقل بلسان الحال يمكن ان نذكر منشأين لجواز النقل بهذا الشكل. فإن تم احدثهما اخذنا به وان لم يتم اعرضنا عنه:

 

المنشأ الأول : ما وردنا من الروايات عن واقعة كربلاء. فإنها تدل على الحال الذي كانوا فيه. فنستطيع ان نتحدث زيادة على ذلك في حدود الحال الذي فهمناه من تلك الروايات.

 

وجوابه : أولاً : ان الرواية ينبغي ان تكون صحيحة ومعتبرة سنداً، لكي يمكننا استكشاف الحال من خلالها.

 

ثانياً : ان المفروض اننا نتحدث عن اقوال وافعال زائدة عما هو المروي، لأنه بلسان الحال. فلا نستطيع ان نقول (روي ذلك) لنكون صادقين ، لأنه لم يرو اطلاقا.

 

ثالثا: ان المفروض احيانا اننا نروي حوادث واقوالا غير متشابهة على الاطلاق عما هو مروي ووارد، لا في الروايات الصحيحة ولا الضعيفة. فكيف يتم لنا ذلك شرعاً وهل هو الا من الكذب الصريح؟

 

المنشأ الثاني : لجواز النقل بلسان الحال، العرف. فما كان يناسب من الناحية العرفية ان يكون حالهم عليه، جاز التعبير عنه. وما لا يناسب ذلك لم يجز التعبير عنه واتباع العرف امر جائز عرفاً وحدة كما ثبت في علم الاصول. الا ان هذا اغير صحيح لعدة مناقشات ترد عليه:

 

اولاً : ان العرف انما تثبت حديته في علم الأصول في موارد معينة لا يمكن تعّديها ، ولا قياس غيرها عليها. وهي حجية الظواهر المأخوذ بها عرفا وحجية المعاملات المتعارفة في العرف .

                                                       

واما الكذب والكلام الزائد فهو وان كان عرفاً سائراً، الا انه منهي عنه قطعاً في الشريعة ومحرم اكيداً.


 

 

ثانياً: ان العرف انما يكون حدة في ما يناسب حال العرف ومستواه.

وأما ما كان خارجاً عن حال العرف كالأمور الرياضية والفلسفية، فلا سبيل للعرف إليها . ونحن نعلم ان حال اولئك الابطال الافذاذ أعلى من ان يفهمه العرف فالتنزل بمستواهم إلى درجة  العرف الشائع ظلم لهم لا محالة.

 

ثالثاً : ان لسان الحال اصبح مبررا لدى البعض إلى نقل كثير من التفاصيل الكاذبة. وهذا أمر خارج عن هذا الدليل لو تم . بعد التنزل عن الوجهين السابقين جدلاً . فإنه انما يثبت امكان البكاء والتضجر واللطم ونحو ذلك لا انه يثبت جواز الكذب والدس بطبيعة الحال.

 

 

الأمر الرابع : من مجوزات النقل المحتمل عن حوادث كربلاء:

 

ما ورد بنحو القاعدة العامة حيث تقول : (( قولوا فينا ما شئتم ونزهونا عن الربوبية))(251).  

 

وتقريب الاستدلال بها للنقل : وهو التمسك باطلاق قوله (ماشئتم ) فان الفرد قد يشاء ان ينقل الأمور غير المروية أو غير المناسبة مع الحال وغير ذلك ومقتضى اطلاق القاعدة جواز ذلك كله. الا ان هذا غير صحيح بكل تأكيد لعّدة وجوه:

 

الوجه الأول : ان مثل هذه الرواية غير تامة سنداً. ومعه لا تكون ثابتة اصلاً، فالاستدلال بها ، كما هو المشهور بينهم ، غير جائز.

 

الوجه الثاني : أنه امخدوشة في الدلالة او التعبير وهو قوله فيها:

 

(ونزهونا عن الربوية ). في حين ان الربوبية كمال وعظمة . والتنزيه انما يكون عن النقص والخسة والرذيلة . فهذا انما يدل على ضعف سندها وعدم ورودها اطلاقاً.

_______________________

(251) البحار ج25ص261 -  بتصرف


 

ويمكن ان يكون المتكلم بها قد قال : ( ونزلونا عن الربوبية) : فنقلها الراوي بالهاء وهو قوله : (نزهونا). الا ان هذا الاعتذار لا يجعلها تامة سنداً.

 

الوجه الثالث : ان التمسك باطلاقها على سعته غير محتمل فمثلاً : هل يمكن ان يشمل قوله: قولوا فينا ما شئتم القول السيء من القدح والشتم ونحوه. ان هذا غير متمل طبعاً. اذن فالمراد : ما شئتم مما هو مناسب مع شأننا ومن الواضح ان كثيراً مما نقول عنهم بلسان الحال : ليس مناسباً مع شأنهم.

 

الوجه الرابع : ان قوله فيها (ما شئتم ) يراد به الاوصاف الاجمالية ككونهم علماء او عظماء وغير ذلك. ولا يراد بها التفاصيل من نقل الأقوال والأفعال الكاذبة عنه، وان كانت مناسبة لشأنهم، فضلاً عما اذا لم تكن. والمفروض إلى الحديث عن لسان الحال انه يكون بالتفاصيل لا بالاجمال.

 

الوجه الخامس : في المعنى الأصلي الذي افهمه من هذه الرواية . وهو ان فهمهناه لا يكون اي ارتباط للنقل بالمعنى من قريب او بعيد . والمعنى الذي افهمه كما يلي : ( قولوا فينا ما شئتم من المدائح اكو من صفات الكمال والجلال، فإنكم لا تصلون إلى الواقع الذي اختاره الله لنا. وستكون كل من مدائحكم واوصافكم دون مستوانا الواقعي).

 

واذا تصاعدنا نحن في الأوصاف لا نصل إلى صفتهم الحقيقة فضلاً عن اننا يمكن ان نتعداهم الا اذا ذكرنا لهم الربوبية . فإنها غير ثابتة في قهم.  فمثلاً : نقول : انهم مؤمنون . ثم نقول : انهم ورعون. ثم نقول : انهم متقون. ثم نقول : انهم علماء. ثم نقول : انهم راسخون في العلم . ثم نقول : انهم أولياء . ثم نقول : انهم كأنبياء بني اسرائيل أو افضل منهم. كل ذلك ونحن لم نصل إلى حقائقهم ومستوياتهم الواقعية.

 

الأمر الخامس ك من محجوزات النقل المحتملة عن واقعة كربلاء.


 

 

ما ورد بنحو القاعدة العامة : ((من بكى أو ابكى او تباكى وجبت له الجنة))(252).

 

وتقريب الاستدلال بها هو التمسك باطلاقها لكل قول او فعل صار سبباً للبكاء على الحسين عليه السلام واصحابه ، فإنه يكون سبباً لدخول الجنة او وجوبها للفرد سواء كان مطابقاً للواقع او لم يكن.

 

وهذا المضمون وان كان مطابقاً للقاعدة، لأن من بكى أو ابكى او تباكى باخلاص لله سبحانه وتعالى (253) وللحسين عليه السلام. فإنه يستحق الثواب الجزيل بلا أشكال الا ان النتمسك باطلاقها المفروض انما يتم بغض النظر عن المناقشات التالية. وتلك المناقشات ترد عليها كرواية منقولة كما هو المشهور، لا كمضمون مشهود على صحته.

 

أولاً :   ضعف سند هذه الرواية . فلاا تكون معتبرة

ثانياً : ان متعلق البكاء لم يذكر في هذه العبارة، ومعه يكون من الواضح.

___________________

(252) امالي الصدوق ص125 مجلس 29 – البحار ج44ص288 – الدمعة الساكبة م1ص300

(253) وهنا يشير سماحة المؤلف إلى ان الاخلاص في البكاء او التباكي لله بغض النظر عما اذا كان على الحسين (ع) او غيره فهو سبب في الدخول إلى الجنة. ويؤيد ذلك ما ذكره السيد المقرم في مقتله نقلاً عن كنز العمال ج1ص147 في الحديث عن النبي (ص) انه قرأ اخر الزمر (فسيق الذين كفروا إلى جهنم زمراً) على جماعة من الانصار فبكوا الا شاباً منهم تال لم تقطر من عيني قطرة واني تباكيت فقال الرسول(ص) (من تباكى فله الجنة) وفي نفس المصدر عن جرير عن الرسول (ص) قال : (اني قاريء عليكم (الهاكم التكاثر) من بكى فله الجنة ومن تباكى فله الجنة)  .كنز العمال ج1ص148

وحدث ابو ذر الغفاري (ره) عن النبي (ص) (وذا  استطاع احدكم ان يبكي فليبك  ومن لم يتسطع فليشعر قلبه الحزن وليتباك فان القلب القاسي بعيد عن الله) . مقتل المقرم نقلاً عن اللؤلؤ والمرجان للنوري 47 ومجموعة شيخ ورام ص272 . ويجب ان نشير هنا إلى ان المقصود ليس كل بكاء او تباكي وانما يجب ان يكون البكاء خالصاً لله عزوجل منبعثاً من تأثير النفس والرهبة منه سبحانه وتعالى ويشير إلىذلك محمد عبده في تفسير المنار ج8ص301 حيث يقول : (التباكي تكلف البكاء لا عن رياء)


 

انه ليس كل اهداف البكاء مشروعة او لا ثواب عليها على الأقل.

 

او قل لا تجب له الجنة بكل تأكيد. كمن بكى للدنيا او لمصيبة عاطفية ونحوها. اذن فالامر مقيد بالبكاء المرضي لله عزوجل.

 

ثالثاً: ان متعلق البكاء لم يذكر في هذه العبارة، حتى الصالح منه يعني يقل: ان البكاء من أجل الحسين (ع) كما يفهم المشهور او من خوف الله عزوجل او شوقاً إلى الثواب او اي شيء آخر. ومن هنا لا دليل على اختصاصه بالحسين عليه السلام.

 

رابعاً : ان وجوب الجنة بل مطلق الثواب، لا يكون الا بحفظ الشرائط الأخرى الضرورية في الدين، لوضوح عدم شمولها للكفار والفسقة واضرابهم اذن فيكون المعنى : ( من اضاف إلى حسناته البكاء وجبت له الجنة). ومن الواضح انها لم تقل ذلك بوضوح. اذن، فيبقى اطلاقها غير ثابت.

 

خامساً : ان وجوب دخول لاجنة غير محرز لأي انسان غير معصوم، ما يمت مرضياً لله عزوجل. واما زالت حسناته بظلم أو سوء ونحو لم يستحق الجنة بكل تأكيد. والشاهد على ذلك قوله تعالى ( وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هبآء منثورا)(254) والسيئات قد تذهب الحسنات كما ان الحسنات قد تذهب بالسيئات .

 

ومعه فيكون المعنى: (من داوم على الطاعة طول حياته مع البكاء وجبت له الجنة) . ومن الواضح انه لم يقل ذلك، كل ما في الامر ان التمسك باطلاقها مشكل.

 

سادساً : الاخلاص في العمل لم تنص عليه الرواية ، وهو البكاء في سبيل الله من دون عجب ولا رياء . فلو بكى الفرد على امواته او على مصاعب

________________

(254) سورة الفرقان آية 23


 

 

الدنيا لم يستحق الجنة فضلاً عن انها تجب له. لكننا ينبغي ان نفصل الحديث في البكاء على الأموات بعنوان مستقل.


 

 

البكاء على الأموات

 

وليس المراد البكاء على الأموات حقيقة، بل البكاء الذي يكون في الظاهر على الحسين عليه السلام، وفي القصد الواقعي على الأموات ، فهل يكون الفرد عليه مستحقاً للثواب ام لا، وقد عرفنا قبل قليل عدم استحقاقه للثواب لا محالة لعدم وجود  الاخلاص والقصد القربي لديه. ولكن وردت في ذلك رواية من حيث ان الراوي يسأل الإمام عليه السلام بما مضمونه. نعم، ابك ولو على امواتك)(255).

 

وهذه الرواية ايضاً غير معتبرة السند: ومعه يبقى الامر على القاعدة الاولية وهي عدم وجود الثواب ، الا في بعض الموارد التي نشير إليها فيما بعد.

 

وان كانت الرواية معتبرة السند، فقد تم المطلب، يعني اننا نأخذ بمحتواها، وهو وجود الاستحباب حتى في هذه الصورة وهي البكاء على الاموات، ما دام الظاهر هو البكاء على لاحسني عليه السلام. والامر غير خاص لواحد معين بطبيعة الحال فقد يبكي الف من  الموجودين على أمواتهم بهذه الصورة . وهذا ما يدل على ان الشارع المقدس – لو صحت الرواية – يريد حفظ الظاهر او الصورة الظاهرية لبكاء الناس، وان كان قصدهم مختلفاً. وهذا ليس جزافاً، بل فيه فوائد وحكم ومصالح حقيقية.  يمكن ان ندرك منها ما يلي:

 

أولاً : حفظ تسلسل الشعائر الدينية واستمرارها.

 

______________

(255) الكافي للكيليني ج2ص483  - بنفس المعنى


 

ثانيا : اثبات وجود هذه الشعائر امام من لا يؤمن بها أو لا ينجزها.

 

ثالثاً : الاسعاد في البكاء لللآخرين ، لأنهم لا يعلمون اني ابكي على امواتي، بل يتخيلون اني ابكي على الحسين (ع) بحرارة . لأن البكاء ف يه اسعاد وهو انتقال او عدوى العاطفة من فرد إلى آخر والاسعاد في البكاء معنى لغوي مأخوذ من السعادة لأن الباكي يشعر براحة وسعادة حين يجد نفسه بين الباكين من اجله.

 

رابعاً :  التربية النفسية من الناحية الدينية للفرد نفسه وللآخرين ايضاً. فإنه اذا قصد اليوم البكاء على أمواته، فسوف يقصد غداً البكاء على الحسني (ع) بمعنى ان الدافع المتدني سوف يتقلص في نفسه حتى يزول.

 

 

ومن هنا نعرف ما اشرنا إليه، من ان الفرد يمكن ان يحصل على لاثواب ، حتى لو بكى على امواته، ان كان القصد الظاهري هو البكاء على الحسين عليه السلام لكن بشرط ان يقصد هذه الامور الصحيحة التي ذكرناها الآن ونحوها. لا أن يكون البكاء متمحظاً للاموات حقيقة.

 

نعود الآن إلى ما كنا فيه من تعداد الوجوه المحتملة المجوّزة للنقل عن حوادث كربلاء المقدسة. وقد سبق ان ذكرنا منها خمسة امور: 

 

الأمر السادس : من مجوزات النقل المحتملة :

 

جواز قول الشعر في حادثة الطف بلا اشكال، وهذا مما عليه السيرة المتشرعية في مذهبنا من زمن الائمة المعصومين عليهم السلام. وإلى الآن.

 

فالسيرة قطعية الصحة. والشعر عن الحسين علهي السلام قطعي الجواز بل قطعي الاستحباب . بل لعل فيه الوجوب الكفائي اذا شح معينه في مكان او زمان معين.

 

ومن المعلوم ان الشرع يحتوي على المجاز وعلى  المبالغة والتورية والمعاني.


 

العاطفية والخيالية وغير ذلك كثير. وهذا ما يدل على جواز ان ننسب إلىموضوع القصيدة بما فيها حوادث كربلاء، ما نشاء من خلال القصيدة نفسها سواء كان وارداً في رواية معتبرة أو غير معتبرة، او غي روارد على الاطلاق.

 

الا ان هذا الوجه قابل للمناقشة في عدة امور:

 

اولاً : انه لو تم لاختص بالشعر ولا يمكن ان يشمل النثر . لأن النثر خال عرفاً وعادة عن الخيالات المستعملة في الشعر . وهذا الوجه لو تم فإنما يجيز تلك الخيالات دون غيرها.

 

ثانياً : ان الخيالات والمبالغات ليست من نوع الكذب عرفاً وعقلائياً. اذن فالتعميم من جواز ذلك إلى جواز الكذب  والدس في الشعر غير صحيح تماماً.

 

ثالثاً : ان السيرة كما ثبت ي علم الأصول دليل لا اطلاق له ولا لسان له، يؤخذ منه بالقدر المتيقن . والق\ر المتيقن هنا هو الشعر الخالي من الكذب والدس فيكون جائزاً  . ولا يمكن التعميم بدليل السيرة إلى غيره.

 

وقد يخطر في البال : ان السيرة الموروثة عندنا هي على وجود الكذب في الشعر بهذا الصدد. وهي سيرة ممضاة من قب لالائمة المعصومين عليه السلام.  

فمن ذلك قول دعبل الخزاعي عليه الرحمة أمام الإمام الرضا عليه السلام:

 

افاطم لو خلت الحسين مجدلاً                      وقد مات عطشاناً بشط فرات        

اذن للطمت الخد فاطم عنده                                    واجريت دمع العين في الوجنات(256)

 

فقد اثبت اللطم والبكاء لفاطمة الزهراء عليها السلام. مع انه غير متحقق جزما لأن الزهراء عليها السلام لم تكن موجودة في الدنيا لدى مقتل

_______________

(256) للشاعر دعبل الخزاعي – ادب الطف ج1ص297.


 

ولدها الحسين عليه السلام، مع ذلك، فقد سمعها الإمام الرضا عليه السلام ولم يعترض عليها.

 

وجواب ذلك يكون على مستويين:

 

المستوى الأول : ما قاله علماء المنطق من ان القضية الشرطية تصدق حتى مع كذب طرفيها. واوضح مثال له : ان قولنا:  اذا طلعب الشمس فالنهار موجود يصدق في الليل كما يصدق في النهار، و لايتوقف على طلوع الشمس فعلاً او وجود النهار فعلاً. بل يكفي في صدق الشرطية صدق الملازمة والتوقف ما بين فعل الشرط وفعل الجزاء . وهو في المثال توقف وجود النهار على طلوع الشمس .

 

ومن الواضح ان هذين البيتين لدعبل الخزاعي انما هو قضية شرطية، وليست فعلية او واقعية . فلا يدل على ان الزهراء قد بكت فعلاً او لطمت وانما قال (لو خلت الحسين) و(لو ) حرف من حروف الشرط فتكون قضية شرطية . فيمكن ان تصدق مع كذب طرفيها كما سبق في المثال.

 

المستوى الثاني : انه قد يخطر في البال، اننا قلنا في المستوى الأول الذي انهينا منه، ان القضية الشرطية تصدق بصدق الملازمة وان كانت موجودة في مثل قولنا: اذا طلعب الشمس فالنهار موجود . الا انها غير موجودة في قول دعبل : (افاطم لو خلت الحسين مجدلاً). ولا اقل من الشك في ذلك . لاننا لا نعلم ان الزهراء عليها السلام ماذا سيكون رد فعلها اذا علمت بمقتل ولدها. وخاصة بعد ان اشرنا فيما سبق من ان قضية الإمام الحسين عليه السلام  فيها جانبان : الاستبشار والحزن. ولا شك ان الحزن اق رب إلى المضمون الدنيوي، وان كانت له نتائج دينية كما سبق. كما لا شك ان الاستبشار اقرب إلى المضمون الاخروي او الواقعي.

ومن المعلوم ان الزهراء سلام الهل عليها في عليائها في الآخرة ، مطلعة


 

 

 

على الواقعيات . ومع الاطلاع على الواقعيات. فمن الممكن ان يكون رد فعلها هو الاستبشار لا الحزن فكيف يقول دعبل اخزاعي هذين البيتين نعيها لكي يطلع القاريء الكريم  مجدداً:

افاطم لو خلت الحسين مجدلاً                      وقد مات عطشاناً بشط فرات        

اذن للطمت الخد فاطم عنده                                    واجريت دمع العين في الوجنات

 

فاذا التفتنا والحال هذه إلى ان الإمام الرضا عليه السلام قد اقر عمل دعبل وباركه ، اذن فمن الممكن القول : ان امثال ذلك من جنس الكذب، وهو عرض ما هو محتمل باعتبار انه يقين . يكون جائزاً باقرار الإمام عليه السلام.

وجواب ذلك من عدة وجوه نذكر المهم منها: وهو ان دعبل الخزاعي حيث قال هذين البيتين واضرابهما انما يعبر عن مستواه في الايمان واليقين، ومقتضى مستواه هو ان يفهم الزهراء سلام الله عليها بهذا المقدار لا اكثر. ومن الصعب عليه ان يلتفت إلى ما ذكرناه من احتمال الاستبشار برحمة الله عزوجل والإمام الرضا عليه السلام لم يجد مصلحة في تنبيهه على ذلك. اذ لعلها من الحقائق التي يصعب عليه تحملها. فمن الافضل استمرار غفلته عنها، طبقاً لقانون ((دعوا الناس على غفلاتهم))(257) أو قانون ((كلموا الناس على قدر عقولهم))(258).

 

ومن هنا يتضح انه ليس كل اقرار من قبل الائمة سلام الله عليهم حجة في اثبات الصحة ، بل يشترط في الاقرار امكان المناقشة فيه والنهي عنه، فإذا لم ينه وهو يمكنه النهي اذن يدل ذلك على الاقرار . واما اذا  لم يمكنه النهي على الاطلاق ، اذن ، فسوف لن يكون سكوته دالاً عن الاقرار.

وموردنا من هذا القبيل، لان دعبل لم يكن يتحمل ايضاح الفكرة له.

_________

(257) اشار إليها سماحة المؤلف في المقدمة الثانية . مراجع

(258) اصول الكافي ج1ص67 حديث 15 – البحرا للمجلسي ج2ص69 -70 حديث 23 -24


 

وخاصة وان الامام عليه السلام لا يجد في ذلك مفسدة دينية ، لان الاعم الاغلب من الناس انما هم بمنزلة دعبل او دون مستواه. فلا يكون من المنافي مع مستواهم ان يسمعوا ابياته.

 

اذن ، فليس في هذه الرواية لو تمت سنداً، اي اقرار على قول ما خالف الواقع من الحوادث او الاقوال او الافعال، لا في الشعر ولا  في النثر.

 

وهنا ينبغي ان نلتفت إلى ان الحزن الحقيقي، انما هو على اهل الدنيا واهل الشر واهل العناد، على اعتبار انهم اختاروا لأنفسهم الغلفة والشر والعناد. وقد روي ان الإمام الحسين عليه السلام بكى على اعدائه في كربلاء(259) ، باعتبار انهم اجتمعوا ضد امامهم ومولاهم الحقيقي وعرضوا انفسهم لهذه الجرائم النكراء.  واما تصوره عليه السلام عن شهادته والبلاء الذي مر عليه فهو الاستبشار والفرح بحرمة الله ونعمته جل جلاله . كما ان الحزن  يكون على اولئك المشمولين لقوله عليه السلام(( من سمع واعيتنا ولم ينصرنا اكبه الله على منخريه في النار))(260) . وهذا هو بكاء الابوة الواقعية حين يحس الاب بتمرد اولاده عليه. والواقع ان تمردهم ليس ضده بل ضد ربهم من ناحية وضد انفسهم من ناحية آخرى، فتكون المصيبة عليهم منهم اكبر . لانه لن يعاقب الا فاعل الجريمة.

 

وقد يخطر في البال : ان هذا البلاء في كربلاء اصبح بحسب ما شرحناه سبباً للاستبشار وللبكاء في نفس الوقت في نفس الحسين عليه السلام وهذا تناقض غير معقول . فلا بد ان يكون للمسألة تفسير آخر.

 

وجواب ذلك : ان هذا البلاء بنفسه له جانبان او نظرتان او لحاظان: -

 

__________

(259) الخصائص الحسينية، للتستري ص78 ط

(260) البحار للمجلسي ج44ص315


 

احدهما :  جانب نسبته إلى فاعليه وهم الجيس المعادي . وهو بهذا الاعتبار موجب للحزن والبكاء من الناحية الدينية، للاسف الشديد علىوجود هذا العصيان والطغيان من قبل افراد الجيس المعادي.

 

الجانب الثاني : جانب نسبته إلى المظلومين بهذا البلاء وهم الحين عليه السلام واصحابه . وهو الجانب المسبب لفيض رحمة الله ونعمته، وهو الموجب للاستبشار.

 

ومن اعتبار آخر يمكن ان نقول : ان لهذا البلاء، كأي بلاء آخر ، نسبتان : نسبة إلى الخالق ونسبة إلى الخلوق . باعتبار ان افعالنا الاختيارية كلها لها هاتين النسبتين . فالفاعل المباشر المختار لها هو الواحد ا لبشري. والفاعل الخالق لها بصفتها احد افراد الكون المخلوق هو الله سبحانه . اذن فالنسبتان ثابتتان لكل الافعال الاختيارية بما فيها المظالم والبلاء الذي ينزله الظالمون بالمظلومين ، ومنه البلاء الواقع على جيس ا لحق في كربلاء . فمن زاوية نسبته إلى فاعليه البشريين وهم الجيس المعادي تترتب عدة نتائج ، منها:

 

أولاً : كونهم يتحملون مسؤليته الاخلاقية والقانونية في الدنيا والآخرى . وهم بهذا الاعتبار يكون لهم عقاب الدنيا والآخرة.

 

ثانياً : جانب الحزن والبكاء عليهم أسفاً على توريط انفسهم على ذلك، وتزايد عصيانهم لله سبحانه.

 

ومن زاوية نسبة هذا البلاء إلى الله عزوجل تترتب عدّة نتائج منها:

 

اولاً : وجوب التسليم والرضا بقضاء الله وقدره، بايجاده للبلاء. ومن هنا ورد عنه سلام الله عليه : ((رضا الله رضانا اهل البيت))(261).  وقد سبق تفسيره.

 

 

__________________

(261) مقتل الخوارزمي ج2ص5  - اسرار الشهادة للدربندي ص225


 

 

ثانياً : ان هذا البلاء مهما كان كثيراً، فهو اقل من استحقاق الله سبحانه للطاعة واقل من استحقاق النفس والقهر . ومن هنا ورد عنه سلام الهل عليه : ((هوّن ما نزل بي انه بعين الله))(262).

 

ثالثاً : الاستبشار بوجود نعمة الله وثوابه، الذي يعتبر هذا البلاء على عظمته مقدمة او سببا ً بسيطاً بالنسبة إليه .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

______________

 

(262) اللهوف لابن طاووس ص49  - البحار للمجلسي ج45 ص46


 

تالب الناس ضده

 

ان مما يبالغ في التأكيد عليه الخطباء الحسييون، لأجل الزيادة في المصيبة وحشد العواطف . التأكيد على تألب الناس ضد الحسين عليه السلام. حتى ان افراد القبائل ، وهي مئات الالوف، قد خرجت كلها لحرب الحسين عليه السلام. ولبعض الخطباء سياق كلامي خاص يعدد فيه رايات القبائل التي اقبلت للحرب . فيعدد اسماء خمسة عشر قبيلة او اكثر من الساكنين في الكوفة وجنوب العراق، كتميم وفزارة وبجيلة ومذحج وربيعة وطي واسد وبنيفلان وبني فلان............ كما وردنا في التاريخ انسوق الحدادين فيالكوفة بقي مشتغلاً ليلاً ونهاراً اياما متطاولة قد تبلغ شهراً أواكثر، لاصلاح السيوف والرماح والسهام والنبال، مقدمة للخروج لحرب الحسين عليه السلام(263).

 

كما وردنا : انالناس الخارجين في هذا السبيل كانوا من الكثرة بحيث لم يستطيعوا ان يجدوا وسائط النقل من الجمال والافراس والحمير حتى ركبوا البقر والثيران(264) .  ثم يستشهد الخطباء بقول الشاعر:

 

                        بجحافل في الطف اولها                 واخيرها بالشام متصل(265)

وهذا المفهوم الشعري يناسب ان تكون الاف الكيلو مترات بين كربلاء

_______________

 (263) اسرار الشهادة للدربندي ص445 – بتصرف.

(264) مع الحسين في نهضته لاسد حيدر ص173

(265) للشيخ الحاج حمادي الكواز(1245  - 1283هـ) توفي في مرض السل وعمره فيما يعتقد لم يتجاوز 38سنة . وهذا البيت من قصيدة طويلة والتي مطلعها:

 

            ادهاك مابي عندما رحلوا               فأزال رسمك ايها الطلل

ادب الف ج7ص161 -  172


 

والشام ( وهي منطقة دمشق الان)(266) . وهي ليست في الحدود الشرقية لسوريا على الحدود الغريبة لها وهي الحدود مع لبنان .

 

والمسافة بينهما تقدر بحوالي الفي كيلو متر .فاذا كانت كلها مملوءة بالجيس المعادي كخط طويل محتشد في هذا البر المتطاول . فكم سوفيكون عدد افراده؟

 

ان الكيلو متر الواحد الممتد لن يكفي في امتلائه بالناس الف انسان بطبيعة الحال. بل لن يكفي ضعف هذا العدد . ولكننا لو اقتصرنا على الف لكان المجموع مليونين من الناس على اقل تقدير. وقد يصل الرقم إلى اربعةملايين . مع ان اعلى رقم محتمل للجيش المعادي للحسين عليه السلام هو مئة وعشرون الفا(267).

__________________

(262) معجم البلدان للحموي ج2ص463

(267) اختلف المؤرخون كثيراً في عدد الجيش الذي قاتل الحسين(ع) بل بعضهم قد بالغ في كثرةالجيش إلى حد قال فيه العلماء انه شاذ كالذي ذكره ابن العصفور البحراني حيث قال ان عدد الجيس الخارج على الحسين قد بلغ (500000)  خمسمائةالف والأغرب من هذا انه يقول ان الحسين (ع) قد قتل منهم (400 الف) وينقل لنا ذلك الفاضل الدربندي في اسرار الشهادة فيعلق على هذا القول بقوله(نعم ان هذا يجوز ويصح بالقوة اللاهوتية لا البشرية بل الاستغراب والاستبعاد من جهة آخرى وهي ان المحاربة والقتل كانت بالسيف والرمح يومئذ وقد وقعت شهادة الامام (ع) قريب من الغروب اوالعصر من ذلك اليومفهذا الوقت القليل لا يسع تلك المقاتلات والمحاربات الكثيرة منه (ع) فهذاامر ظاهر عند الكل ولا سيما اذا لوحظ في العين محاربات الاصحاب وفتية بني هاشم). اسرار الشهادة ص414.

- اما الارقام التي وردت في عدد الجيش والتي يمكن احتمال صحتها فهي كما يلي:-

1-        80 الف             بغية النبلاء ج2 – الدمعةالساكبة ص322 نقلاً عن ابي مخلف وتحفة الازهار لابن شدقم.

2-        70 الف اسرار الشهادة للدربندي ص237 – سفينة النجاة للعياشي.

3-        50 ألف -  شرح شافية ابي فراس ج1ص93

4-        35 ألف – مناقب ابن شهر آشوب ج4ص98ط قم.


 

صحيح ان هذا الرقم بالنسبة إلى جيوش الدول في العالم المعاصر ، بسيط جداً. وقد استطاعب الدول ان تبلغ الملايين في تعداد افراد جيوشها.

 

لكن هذا لا ينطبق على امكانيات الدول السابقة . ولا على اسلحتها ولا على وسائط نقلهاز وخاصة بعد ان كان النظام القديم هو الخروج الاختياري  للفرد أولاً. وتحمل مسؤوليته الاقتصادية والعنايةباموره واسلحته بنفسه، ولا دخل للقيادة في ذلك حتى التدريب على الاسلحة لم يكن . فكيف يمكن ان تحصل الاعداد الضخمة من الجيوس؟

فإذا اخذنا بنظر الاعتبار طريقة القتال القديمة، وقد كانت كلها، بالسلاح الابيض، كما هو المصلح اليوم. هذه طريقة تعتبر لحد الآن مؤلمة ألما شديداً، وليس في النفوس الهمة الكافية لتحملها . ولا شك ان الناس يفضلون

______________

5-30 الف         مطالب السؤول عمدة الطالب ص181   الدمعة الساكبة ص322 – اسرار الشهادة للدربندي ص 237

6- - 22 الف     مرآة الجنان ج1ص132 – شذرات الذهب ج1ص67

7-20 الف         الصواعق المحرقة  ص117- الفصول المهمة لابن الصباغ ص178 – اللهوف لابن

                        طاووس – مثير الاحزان لابن نما الحلي.

8-16 ألف         الدر النظيم في مناقب الائمة ص168

9-8 الآف          مرآة الزمان في تواريخ الاعيان ص92

10-6 الآف        الصراط السوي في مناقب آل النبي ص87

11 – 4 الآف     البداية والنهاية لاين كثير ج8ص169

- والراجح بين هذه الاقوال هو ان عدد الجيس (30 الفاً) وذلك لان الروايات التي تنص على هذا العدد اكثر من غيرها . ولوجود الرواية التي يذكرها الصدوق في اماليه باسناده عنالامام الصادق (ع) حيث قال (ان الحسين دخل على اخيه الحسن (ع) في مرضه الذي استشهد فيه فلما رأى مابه بكى فقال له الحسن(ع) ما يلبكيك يا ابا عبد الله؟ قال : ابكي لما صنع بك فقال الحسن (ع) : ان الذي اوتي اليّ سم اقتل به ولكن لا يوم كيومك يا ابا عبد الله وقد ازدلف اليك ثلاثون الفاً .. الخ) نقله المجلسي في البحار ج25ص154 – ابن شهر آشوب في المناقب ج3ص238 ط نجف

-  ابن نما الحلي في مثير الاحزان


 

الراحة على التورط في الحروب مهما كانت . فضلاً عن قتال شخص محق جليل القدر كالامام الحسين عليه السلام. على انه توجد، فيما يخص الحسين عليه السلام: عدة نقاط تصلح كقرائن واضحة على عدمتألب الناس عليه إلى الحد الذي يتصوره الاخرون:

 

النقطة الأولى : كون الحسين عليه السلام معروف بالنسبة إلى رسول الله (ص) وفاطمة الزهراء (ع) وامير المؤمنين (ع) كما هو معروف بالعلم والصلاح سواء من قبل من يؤمن بامامته اومن لا يؤمن.

 

النقطة الثانية : انه اجتمع إليه في جيشه اناس معروفون بالصلاح والأهمية كحبيب بن مظاهر الاسدي ومسلم بن عوسجة(268) وبرير بن خضير وغيرهم كثير. فمن كان غافلاً عن اهمية الحسين (ع) باعتباره عاش اغلب حياته في الحجاز بعيداً عن الكوفة، فلا اقل من ان يتعرف على امثال هؤلاء من اصحابه رضوان الله عليهم.

 

النقطة الثالثة: الخطب والمواعظ التي صدرت من الحسين (ع) واصحابه واهل بيته إلى الجيس المعادي قبل التحام الحرب . فإنها وان لم تؤثر في توبة هذا الجيس اوتفرقهم اوالتحاقهم بمعسكر الحسين عليه السلام. ولكنها لا شك اثرت على اقل تقدير في تحريك بعض عواطفهم غليه كالشفقة دنيوياً والتعرف

_______________

(268) هو مسلم بن عوسجة بن سعد بن ثعلبة.. الاسدي السعدي . ذكرته عامةالمصادر التاريخية بأنه اول قتيل من انصار الحسين (ع) بعد الحملة الأولى . كان شريفاً في قومه صحابياً جليلاً ممن رأرى رسول الله (ص) وروى عنه. وكان ممن كاتب الحسين (ع) من اهل الكوفة ووفى له بذلك فقد كان ياخد البيعة له على يد مسلم بن عقيل(ع) وعقد له مسلم على ربع مذحج واسد لمحاربة بن زياد وبعد فشل الثورة وقتل مسلم وهاني اختفى مدة بين قومه ثم خرج بأهله متخفياً إلى الحسين (ع) فادركه وهو في كربلاء فاستشهد بين يديه . ويبدو من خلال المصادر الباحثةعنه انه كان شيخاً كبير السن ومن الشخصيات الاسدية البارزة في الكوفة: ((واقعة الطف لبحر العلوم ص526)


 

على مستواه دينياً. وهذا امر يقتضي فتور الهمة في ممارسة حربه وضربه محالة.

 

النقطة الرابعة : قولهم للحسين (ع) (قلوبنا معك وسيوفنا عليك) . وهذا معناه ان السيوف وان كانت عليه ظاهراً الا ان القلوب معهز واقعاً فمن غير المحتمل ان توجد لهم همة حقيقية لحربه.

 

النقطة الخامسة : ما ورد في التاريخ عنه شخصياً ان افراد الجيش المعادي كانوا يتحامون عن قتله(269). و لا يريد كل منهم ان يكون هو البادئ بالضرب ضده. ومن دلائل ذلك:  انه ورد عن اصحابه انهم التحموا في مبارزات مفردة مع الاعداء . مع انه لم يرد ضد الحسين عليه السلام ذلك اصلاً. بل كان يكتفي بالهجوم على الجيش ككل. وهم يفرون من بين يديه فرار العزى اذا شد فيها الذئب. كما ورد مثاله في التاريخ (270).

 

النقطة السادسة : ما ورد من بعض افراد الجيس المعادي، بل ربما عدد منهم ، كانوا يشفقون على الحسين واصحابه، حتى ان عمر بن سعد وهو قائد الجيش كله شوهد والدموع تنزل من عينيه اكثر من مرة(271). ومما يدعم ذلك ما ورد : من ان الحسين عليه السلام حين اخذ ولده الرضيع ليطلب له الماء اختلف العسكر في شأنه فقال بعضهم : ان كان ذئب للكبار فما ذنب الصغار.

وقال البعض لا تبقوا لاهل البيت باقية (272).اذنت فليسوا كلهم على رأي واحد، وكان يوجد فيهم من هومستعد للمناقشة. وان لم يكن يظن ان الامر سوف يؤول بالحسين واصحابه إلى هذه الدرجة من البلاء.

__________________

(269) الخوارزمي ج2ص35

(270) البحار للمجلسي ج45ص50 -  اللهوف لابن طاووس ص51

(271)  الكامل لابن الاثير ج4ص32  - تاريخ الطبري ج6ص259

(272)  مقتل الخوارزمي ج2ص38


 

النقطة السابعة : ان اهل الكوفة وضواحيها يومئذ ، مما لا دليل تاريخياً على كثرتهم بهذا المقدار الوفير. ولعل مجموع افرادهم من رجال ونساء واطفال لم يكن يتجاوز المئة الف اوالمئة والعشرين . فكيف يخرج من المئة وعشرين مئة وعشرون؟  وهل يخرجون كلهم من نساء واطفال وشيوخ وعجزة. ومع العلم انهميقولن : انهم مئة وعشرون الف محارب. وليسوا من هذا القبيل . وهل يمكن ان نقول : ان الكوفة خلت تماماً من الرجال في ذلك الحين ولم يبق من يحرس البيوت ويقوم بشؤونها؟

 

فاذا ضممنا إلى هذا الاستبعاد امراً اخر وهو ان كثيراً من اهل الكوفة، كان يمكنهم عدم تسليم انفسهم للحرب ضد الحسين (ع) اما بالجلوس في داره عدة ايام او بالسفر خارج الكوفة عدة ايام. او بالتعلل بالمرض اوبحاجة العائلة إليه او بوجود مريض لديه اوغير ذلك كثير. وعلمنا مع ذلك :انهم كانوا يتحامون عن حربه وضربه. اذن فكم من النسبة بقيت ممن يمكن ان يخرج من اهل الكوفة فعلاً لحرب الحسين عليه السلام؟

 

النقطة الثامنة : انمن جملة ما اوجب تجمع الجيش هو ان امير الكوفة يومئذ عبيد الله بن زياد وعدبمضاعفةالعطاء للافراد الخارجين في هذا الجيس . او انه وعد بزيادة كل فرد منهم عشرة دنانير (273) ذهبيةفي ذلك الحين. على اختلاف النقل التاريخي . ونحن اذا اخذنا باضعف الاحتالات واقلها وهوان يكون الجيس ثلاثين الف وان العطاء عشرةلكل فرد. فستكون الدنانير الموزعة ثلاثمائة الف دينار ذهبي ، فهل كان عبيد الله بن زياد يملك هذا المقدار من الدنانير؟

 

مضافاً إلى ما يحتاجه هو وتحتاجه قيادة الجيس المعادي الذاهب إلى

________________________

(273) تاريخ الفتوح لابن اعثم ج5ص157 (ط) 9 اسرار الشهادة للدربندي ص256(ط)

الأخبار الطوال للدبنوري ص273  (ط)


 

كربلاء منها . مع العلم انالنقد بالاساس في تلك العهود كان قليلاً والمسكوك منه يكاد يكون نادراً. فمن اين حصلت هذه الالوف من الدنانير الذهبية؟

 

وهنا يخطر في البال : ان الناس اكتفوا بمجرد الوعد وان لم يقبضوا المال . وكان هذا كافياً لحيهم على الخروج إلى الحرب.

 

وجواب ذلك من وجوه اهمها: ان الفرد المحارب يحتاج إلى المال لخروجه ويحتاج إلى المال لعائلته الباقية في المدينة ويحتاج المال لسلاحه، وحاله الاقتصادي الخاص به لا يساعد في الاعم الاغلب منالافراد على ذلك. اذن، فاكتفاؤهم بالوعد امر مستبعد. فاذا ضممنا إلى ذلك علمهم بقلةالنقد اساساً وصعوبةتوزيعه من قبل عبيدالله بن زياد. كما اشرنا . لم يبق لهم اي دافع حقيقي للتصديق بهذا الوعد الزائف.

 

النقطة التاسعة : ولعلها الاهم وان جعلناها في المؤخرة من هذه النقاط.

هي ان الكوفة بلدامير المؤمنين عليه السلام والد الحسين (ع) قبل سنوات قليلةمن ذلك الحين ، وأغلبهم جداً، قد شاهد ذلك الامام وسمع خطبه ومواعظه سلام الله عليه، وشاهد ولده الامام الحسن عليه السلام وسمع منه بل وشاهد الامام الحسين عليه السلام نفسه في مقتبل عمرة.

 

ولم يعرفوا منهم الا الخير والصلاح، بل ما هو افضل كما هومعلوم. فمن اين يأتي هذا الحقد المتزايد والتىلب المكثف على الامام الحسين عليه السلام. فجأة وبدون سابق انذار كما يعبرون ، لمجرد ان عبيد الله بن زياد امر بالزيادة المالية القليلة؟!.

 

صحيح ، ان الكوفة او ان سكانها لم يكونوا مجمعين علىالولاء لأمير المؤمنين عليه السلام ، بل كان فيها اتجاهات مختلفة حتى من الدهرية والخوارج وغيرهم . الا ان الذي يفيدنا في المقام امور:

 

أولاً : ان الاغلب من سكانها كان وما زال موالياً لامير المؤمنين (ع).


 

ثانياً : ان الاتجاهات الاخرى في الكوفة تمثل (جاليات) قليلة جداً.

 

ثالثاً : ان هناك عدد من نفوس الافراد تشك- على الاقل – في جواز حرب الحسين امام الله سبحانه وان لم تجزم بحرمته وهذا يكفي .

 

وصحيح : ان الكوفة غدرت بأبيه واخيه .كما قالوا للحسين عليه السلام حين ارادوا ارجاع نظره عن السفر إليها. إلا ان هذا هوالظاهر الذي فعله الاشرار وهما لقلة منهم . وهذا لا ينافي وجود من يواليه فعلاً او يتورع امام الله سبحانه وتعالى عن حربه.

 

وصحيح : ان الحسين عليه السلام لو وصل إلى الكوفة فعلاً وهي تحت حكم عبيد الله بن زياد، لم يستطع ان يجد احداً يبايعه. الا ان هذا لا ينتجمعنى الاخلاص لابن زياد من قبل الجميع . بل ينتجان الناس كانوا يومئذ في خوف ورعب من اضهار الولاء للحسين عليه السلام وهذا لا يعني – بكل وصوح – استعداهم لحمل السيف ضده. او قل :  لحمله بهذه السعة وبهذه المرارة والقسوة.

 

النقطة العاشرة : جهود رسول الحسين عليه السلام إلى الكوفة، مسلم بن عقيل رضوان الله عليه. فإنه اخذ البيعة على نطاق واسع وألب العواطف باتجاه الحسين عليه السلام، وأبلى في ذلك بلاء حسناً وسمع الناس مواعظه وخطبه وقرأوا الكتاب الذي كان معه من الحسين عليه السلام (274) . حتى اثمرت جهوده بارسال الكتب إليه عليه السلام للوفود إليهم والورود عليهم. وقالوا في كتابهم الأخير: (فاقبل يا ابن رسول الله انما تقبل على جند لك مجندة والسلام)(275) .

 

وبحسبما هوالمعروف من نظام النفوس أو القلوب ، لوصح التعبير،

___________

(274) اسرار الشهادة ص200 – تاريخ الفتوح لابن اعثم ج5ص56.

(275) مقتل الخوارزمي ج1ص195  تاريخ الطبري ج6ص197


 

انها لا يمكن ان نتقلب من هذه الصداقة الحميمة إلى العدواة القاسية بين عشية وضحاها . بدون ان ترى الحسين عليه السلام. او ان تسمع منه شراً اوترى منه ضرراً وحاشاه.

 

وقد يخطر في الذهن :اذن الجيش المعادي للحسين عليه السلام.اذا لو تم ما قلناه، اذن لم يخرج إلى قتاله احد الا شرذمة قليلة قابلة للسيطرة عليهم او صدهم بكل سهولة . ولم يحتج الامر إلى تلك المظالم والآثام.

 

وجواب ذلك : ان الجيش المعادي للحسين عليه السلام، في حدود ما نحتاج إليه من فكرة الان ، يمكن تقسيمه إلى قسمين:

 

القسم الأول :  وهو الاغلب اوالاغلب جداً، وهم الواردون مع الاعداء خوفاً او طممعاً او احراجاً. او نحو ذلك من  المصاعب الدنيوية ، مع كونهم يتورعون، بقليل او بكثير عن ضرب معسكر الحسين عليه السلام. الا تحت ضغط مماثل من قبل قادتهم . وربما كان بعضهم اذا تلقى الامر بالهجوم مع جماعة يجولبفرسه هنا وهناك باعتبار انه متصد للهجوم ولكنه لا يضرب او بضرب اقل المجزي او لايضرب الا تحت الاحراج الشديد(276).

 

ولا ينبغي ان يخطر في البال : ان هؤلاء وأمثالهم ناجون من العقوبة الاخروية ، وانهم اخيار أو ابرار كلا ثم كلا. يكفي انهم يقفون موقفاً معادياً للحسين عليه السلام ويشاركون في ترويع اصحابه واهل بيته .وينصرون اعداءه ويكونون مشمولين لقوله عليه السلام: (( من سمع واعيتنا ولم ينصرنا اكبه الله على منخريه في النار))(277).وهم وان لم يحاربوا الحسين عليه السلام حقيقة الا انهم لم ينصروه بكل تاكيدز

 

والمهم الان : ان هذا القسم من الناس هو الذي كان يشكل الجمهور

_______________________

(276) الايقاد للعظيمي ص129

(277) مقتل الخوارزمي ج1ص227  - البحار لملجلسي ج44ص315


 

 

الغفير من الجيش المعادي واه هذا المستوى من التفكير لديهم هو الذ ادى إلى احتشاد الجمهور ضد الحسين عليه السلام.

 

القسم الثانين : وهم المعاندون ضد الحسين (ع) والحاقدون عليه ، وهم قلة موجودة في الكوفة فعلاً. ولا شك انهم استغلوا الموقف للخروج. كما لا شك ان زياد استغلهم للقتال. كما انهم بلا شك يشكلون جماعةمهمة وقابلة للتأثير الكبير في المجتمع في الكوفة وما حولها ، سواء حال جمع الجيس او حال القتال ، مما يشكل في كربلاء عدداً معتداً به من المحاربين . وهو الذ اوجب الانتصار العسكري بالمعنى المباشر للجيش المعادي للامام الحسين عليه  السلام.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


 

توصيات عامة للخطباء

 

بحسن بنا قبل الدخول في التفاصيل الاتيةان نلم الماماً، بما ينبغي ان يكون عليه حال الخطباء الحسينيين ، لكي يتطوروا إلى الافضل في الدنيا والاخرة. وبذلك يحرزون خير الدارين وكل ماتقر به العين.

 

والنصائح العامة تنقسم إلى قسمين ، منها ما يرتبط بالمسؤولية الدينية العامة، ومنها ما يرتبط بواقعة الحسين عليه السلام، ونحن فيما يلي ذاكرون بعون الله) الأهم مما يخطر على البال من كلا القسمين:

 

أولاً : البدء بالخطبة (بسم الله الرحمن الرحيم). لا شيء اخر حتى لو كان ذاكراً للحسين عليه السلام، فإن كلام لا يبدأ ببسم الله فهو ابتر. والبسملة يمكن للخطيب ان يعاذ في خطبته من الشيطان وأن يؤيد برحمة الرحمن.

 

ثانياً : الموعظة والارشاد فإنه من الضروريات والواجبات في هذا المجتمع وفي كل مجتمع وفي هذا الزمان وفي كل زمان. لكي تصل الموعظة إلى اهلها ويستفيد منها اكبر عدد ممكن، سواء كانت الموعظة مرتبطة بقضايا الحسين عليه السلام، ام لا. فإن في تلك القضايا من العبر والمواعظ ما لا حد له، فضلاً عن غيرها.

 

ثالثاً: عدم ايذاء احد من الناس او من الطوائف ، في كلام الخطباء. وهو معنى (التقية) فإنها واجبة على كل حال، ما لم يكن الامر خارجاً عن موردها، يعني ان يحرزالفرد ، ان كلامه سالم النتيجة.


 

 

رابعاً : التورع عن نسبة الاقوال والافعال إلى المعصومين عليهم السلام وغيرهم كذباً. فإن الكذب على المعصومين من اعظم الكبائر.  والكذب على غيرهم كبيرة. سواء على الاشخاص التاريخيين أو على مؤلفي المصادر او على اي مؤمنومؤمنة.وأوضح اسلوب يتخذه في هذا الصدد ان يقول: (قيل) او (روي) أو(يقال) ونحو ذلكحتى لا ينبغي له ذكر احد من اسماء المؤلفين، ما لم يحرز باليقين وجوده في كتابه وصحةانتساب الكتاب إليه باليقين او بدليل معتبر.

 

خامساً : ان يتورع من نسبة الاقوال والافعال إلى المعصومين عليهم السلام وغيرهم، باعتبار لسان الحال، شعراً كان ما يقوله الخطيب ام نثراً، فصسحاً كان الكلام ام جارجاً.  ما لم يعلم او يطمئن بان لسان حالهم هو كذلك فعلاً. وقد ناقشنا ذلك فصلاً فيما سبق، فراجع.

 

سادساً : ان يتورع الخطيب عن ذكر الامورالنظرية والتاريخية او غيرها، مما قد يثير شبهات حول الامور الاعتقادية في اذهان السامعين ويكون هو قاصراً او عاجزاً عن ردها ومناقشتها أو غافلاً عن ذلك. بل يجب عليه ان يختار ما سيقوله بدقة وإحكام، والا فسوف يكون هو المسؤول عن عمله . فيقع في الحرام من حيث يعلم او لايعلم.

 

وينبغي ان نلتفت إلى ان هذا مما لا يفرق فيه بين ان يكون مرتبطاً بحوادث الحسين عليه السلام او غير مرتبط. أو كان مسلم الصحة في اعتقادهم او غير مسلم.

 

سابعاً ان يحاول الخطيب ستر ما ستره الله سبحانه وتعالى من الامور. فلا يصرّح بامورقد حدثق خلال الحرب او القتل. قد توجب ذلة اومهانة المقتول. او ما يسمى في عرفنا (بالبهذلة) . فيسكت عن كل شي يوجب


 

 

(بهذلة) المؤمنين الموجودين يومئذ . بل كان المؤمنين في كل جيل و خاصةالحسني عليه السلام ونسائه واصحابه واهل بيته.

 

وهنا ينبغي ان نلتفت إلى امرين:

 

الأمرالأول : ان هذا الذي قلناه الآن غير ما سبق ا ن نفيناه من وجود الذلة للحسين (ع) وانصاره. فإنهم لم يمروا في الذلة بكل تأكيد. ولكن المقتولين مروا بالبهذلة بكل تأكيد. وهذا ما تعمده الاعداء وما يكون طبيعيا وجوده عند الحرب الا ان ستره واجب والتصريح به حرام.

 

الأمر الثاني :  ان هذا الذي قلناه غير ما بسبق من حرمة نسبة الاقوال والافعال إلى المعصومين وغيرهم كذباً. بمعنى ان الخطيب حتى لو كان عالماً بالحال او متأكداً منه أو قامت عنده الحجة الشرعية لديه، فإنه أيضاً لا يجوز عليه ان يفتح فمه بالامور التي توجب مهانتهم رضوان الله عليهم.

 

ثامناً : ان لا يروي الخطيب امواراً مستحيلة بحسب القانون الطبيعي حتى وان ثبتت بطريق معتبر. لانها على اي حال ستكون صعبة التحمل على السامعين ولعل اوضح امثلة ذلك ما يذكره بعض الخطباء عن علي بن الحسين الاكبر سلام الله عليه انه حيث ضرب على رأسه بالعمود تناثر مخه وفي بعض المصادر انه سال مخه على كتفيه . ثم يقول الخطباء:  انه في آخر رمق من حياته دعا اباه الحسين (ع) فبادر بالذهاب إليه . فأخبره قائلاً :

(( هذا جدي رسول الله (ص) قد سقاني شربة لا اظمأ بعدها أبداً))(278).

 

مع العلم اليقين ان من تناثر مخه، فهو ميت لا محالة، ولا يستطيع الكلام ولا بكلمة واحدة، نفضلاً عن انتظار مدة إلى ان يصل إليه ابوه. فإن تلف المخ

_____________

(278) مقتل الخوارزمي ج2ص31  - اللهوف لابن طاووس ص49  -  البحار ج45 ص44


 

طبيّاً يعني الوفاة، وعدم امكان استمرار الحياة بكل تأكيد، فيكون ما يقوله الخطباء من كلام بعد ذلك ممتنعاً بحسب القانون الطبيعي. الا ان نقول انمخه لم يتناثر ولم يسل على كتفيه، عندئذ تكون له فرصة الكلام.

 

وقد يخطرفي البال :امران:

 

الأمر الأول: ان هذا وامثاله يمكن ان يحصل بنحو المعجزة فإنه وان كان خارقاً للناموس الطبيعي، الا ان كل معجزة خارقة له بطبيعةالحال. فليكن هذا منها.

 

وجواب ذلك:  اننا بحسب ما نفهم، فإن واقعة كربلاء بكل تفاصيلها ليست قائمة على شيء من المعجزات . والا لم يكن الامام الحسين (ع) في حاجة إلى الحرب، وإلى تحمل هذا البلاء الدنيوي العظيم . بل كان يمكن بدعاء واحد لله عزوجل ان يقتل كل اعدائه وان يعود إلى المدينة باسلوب طي الارض او ان يسخّر الجن اوالملائكة في القتال، او ان يصرف قلوب او اذها اعدائه عن مقاتلته او قتله......... إلى غير ذلك من احتمالات السلامة. ولعلنا نبحث هذا الامر لمزيد من التفاصيل حين تسنح الفرصه اليه قريباً.

 

الأمر الثاني : انه من المروي بل المؤكد حصول بعض المعجزات في ساحة كربلاء يومئذ . حين يوجد شخص او اكثر وربما متعددون دعا عليهم الحسين (ع) ، فحصل فيه حادث مروع كالموت حرقاً أو غرقاً(279) أو غير ذلك. واذا امكنت المعجزة هناك مرة امكنت مرات.

________________

(279) كالذي جرى مع (ابن جوزة) فقد ذكرالسيد المقرم في مقتله نقلاً عن مجمع الزوائد للهيثمي ج9 ص193 ومقتل الخوارزمي ج1ص249 وروضة الواعضين للفقّال ص159 (ان عبد الله بن حوزة آتى الحسين (ع) وصاح يا حسين ابشر بالنار فقال الحسين (ع) كذبت بل اقدم على رب غفور كريم فمن انت؟ فقال انا ابو جوزة : فرفع الحسني (ع) يديه حتى بان بياض ابطيه وقال : اللهم حزه إلى النار. فغضب ابن جوزه واقحم فرسه إليه وكان بينهم نهر فسقط عنها وعلقت قدمه بالركاب وجالت به الفرس وانقطعت قدمه وساقه وفخذه وبقى جانبه الاخر بالركاب=


 

وجواب ذلك على مستويين :

 

المستوى الأول : ان المروي من امثال هذه الحوادث قد حدثت باسباب طبيعية ، مهما كانت ضعيفة، فهي وان انت استجابة لدعاء الحسين (ع) ومن اقسام الممعجزة الا ان الله سبحانه لم يشأ ان تحدث فجأة وبدون سبب واذا عرف السبب زال العجب.

 

المستوى الثاني : اننا لو تنازلنا عن المستوى الاول : وفرضنا معجزات ناجزة . فيمكننا ان نلتفت إلى ان المعجزات على قسمين في حدود ما نستهدفه الآن :

 

القسم الأول : معجزات قد تحصل لإقامة الحجة على المعسكر المعادي لجلب الانتباه إلى ان الحق إلى جانب الحسين (ع) واصحابه. وتركيز ذلك في اذهانهم . فإنني اعتقد انهم لم يكونوا يحتاجون إلى ذلك في موقفهم امام الله سبحانه، لوضوح ذلكللمعادين وغيرهم. ولكن قد تقتضي الحكمة الالهيةالزيادة في ذلك التركيز واثبات ذلك حسياً امامهم لامكان ان يرجع بعضهم إلى التوبة . وان لم يرجع عليها فسوف يشعر بضخامة عمله ووخامة عاقبته . وهذا ما يندرج في اجابة دعاء الحسين (ع) في بعض الافراد كما سبق.

 

القسم الثاني : معجزات لاربط لها باقمة الحجة على المعسكر المعادي بل لعل الحكمة تقتضي عدم تحققها، ليكون البلاء الدنيوي الواقع على معسكر الحسين (ع) أشد ، لتكون المقامات لهم اعلى والثواب اجزل ورضاء الله سبحانه

______________

= واخذت تضرب به كل حجر وشجر والقته بالنار المشتعلة في الخندق . وكالذي جرى مع محمد بن الاشعث حينما قال للحسين (ع) اي قرابة بينكوبين محمد (ص) فدعا عليه الحسين (ع) فخرج من المعسكر لقضاء حاجته فلدغه عقرب اسود لدغة تركته متلوثاً في ثيابه مما به، ومات بادي العورة . (مقتل المقرم نقلاً عن روضة الواعظين للفتّال  ص159 – الكامل لابن الاثير ج4ص27).


 

وتعالى افضل .

 

تاسعاً:  من الامور التي تنصح بها الخطيب الحسيني ايا ان:

 

ان يحاول برمجة مصادره جهد الامكان في قالب موحّد ومنسجم وليس متنافراً ومتناقضاً من ناحية ولا متباعداً ومتناثراً من ناحية، بل يذكر امواراً متقاربة تاريخياً منسجمة نظرياً. ويبذل اقصى امكانه فيه.

 

عاشراً: ان يدع ما امكن التفلسف في الحوادث ، اعني التعرض إلى الحكم والاسباب التي اقتضتها ، ما لم يحرز في نفسه الاهلية لذلك. والا فليدع ذلك إلى اهله وهو خير له في الدنيا والاخرة من ان يكلف نفسه ما لا يطيق. او ان يكلف السامعين ما لا يطيقون . فقد ثبت الشبهة في اذهانهم ويكون الخطيب عاجزاً عن ردها او عن اقناع السامعين بالرد.  فيتورط بالحرام من حيث لا يعلم. وليس ذلك فقط . اعني فيما يخص كربلاء أو حركة الحسين عليه السلام.

 

بل كل امور الشريعة على هذا الغرار . فلا ينبغي لأي فرد التعدي إلى التفلسف فيها ما لم يحرز في نفسه الاهلية والقدرة. والا فمن الآولى له ايكال علمها إلى الله سبحانه : ( والراسخون في العلم يقولون ءامنا به كل من عند ربنا)(280).

 

ومن امثلة ذلك: ما سمعته شخصياً من بعض الخطباء، حيث كان يحلل معنى ما ورد : (لا عدوى في الاسلام)(281) . ولم يكن يفلح في ذلك. وسمعت من بعضهم ايضاً : انه كان يحلل قول رسول الله (ص) لعلي (ع) ، على ما هو مروي في نهج البلاغة : ( يا علي انك ترى ما أرى وتسمع ما أسمع))(282).

_________________________

(280)  سورة آل عمران . آية 7

(281) لم نعثر على هذه المقولة . بما موجود في ايدينا من مصادر التحقيق.

والظاه ران سماحة المؤلف قد ذكر ما سمعه من بعض الخطباء الحسينيين كشاهد عما يريد ان يوضحه لا ان هذه المقولة موجودة كنص وارد في مصادر الحديث والتاريخ.

(2821)  نهج البلاغة – خطبة 192 . ص301 – تحقيق د. صبحي الصالح.


 

وكلاهما كان عاجزاً عن الوصول إلى حقيقة المعنى. فلو كانا قد تعرضا إلى ما ينفع الناس من امورهم الخاصة والعامة ، لكان خيراً لهم واحسن تأويلاً.

 

حادي عشر : ان يدع الخطيب التشكيك فيما تسالم العامة – اعني جمهور الناس – على صحته ، فضلاً عن انكاره وبصراحة فإنه ينبغي ان يستهدف هدايتهم وتوجيههم نحو الطاعة والعقيدة، ومن الواضح انهم اذا وجدوا مثل هذا التشكيك في كلامه سوف ينتقدونه وسيسقط من انظارهم فيسبب ذلك عدم سماعهم لمواعظه وارشاده او بعده عنهم اومقاطعتهم له عملياً.

 

ومن هذا القبيل ما طرق سمعي من ان شخصاً معروفاً في هذا العصر ، طبع كتاباً عن الحسين (ع) حاول فيه بوضوح ان يبرهن على انه سلام الله عليه لم يكن يعلم بمقتله قبل حصوله فسقط الاكتاب والمؤلف عن اعين الناس، كما هو اهل له فعلاً. لو صح النقل(283).

 

ثاني عشر : ان لا ينسب الخطيب الحسيني وغيره إلى غير المعصومين من المؤمنين فضلاً عن المعصومين (ع) حاول فيه بوضوح ان يبرهن على انه سلام الله عليه لم يكن يعلم بمقتله قبل حصوله فسقط الكتاب والمؤلف عن اعين الناس، كما هو اهل له فعلاً. لو صح النقل(283).

 

ثاني عشر :  ان لا ينسب الخطيب الحسيني وغيره إلى غير المعصومين من المؤمنين فضلاً عن المعصومين (ع) : الوقوع في الحرام قلّ ذلك ام كثر. فإن غير المعصومين وان كان يمكن ذلك في حقهم . الا انه مع ذلك يجب السكوت عن مثله:

 

أولاً : لانهمعلماء عظماء من تربية الائمة المعصومين عليهم السلام.

ثانياً : لان نسبة المحرم إليهم لم يثبت بطريق معتبر لو وجد فيكون ذكره من الكذب الحرام.

ثالثاًَ :  لو تنزّلنا وفرضنا ثبوته بدليل معتبر فالستر على فاعله اولى وافضل.

رابعاً : لوتنزلنا عن كل ذلك، فلا اقل من عدم تحمل الجمهور لمثل هذه

_______________

(283) كتاب (شهيد جاويد) بالفارسية وقد ترجم إلى العربية بأسم وقعة كربلاء (ط)


 

الروايات مما يحصل رد فعل غير مناسب لديهم. فأما ان يسقط الخطيب من انظارهم ، وأما أن يتجرأوا على الحرام، بعنوان : ان اصحاب الائمة عليه السلام، كانوا يعملون الحرام فلماذا لا نعمله، وتكون الخطيئة في النتيجة في ذمة الخطيب الناقل للرواية . ويحسن بنا الآن ان نذكر لهذا الامر مثالين يخطران على البال، لأجل التدليل بهما أولاً.ولأجل التعرض إلى فلسفتهمام واسبابهما ثانيا.

 

المثال الأول :  قوله عن نساء الحسين عليه السلام في وصف حالهن بعد مقتله وذلك في زيارةالناحية: ((فخرجن من الخذور ناشرات الشعور على الخدود لاطمات وللوجوه سافرات وبالعويل داعيات وبعد العز مذللات وإلى مصرعك مبادرات))(284).

 

حيث ان الظاهر الأولي لقوله : ناشرات الشعور، كونهن كذلك امام الرجال الاجانب من المعسكرالمعادي، وهو مما لا شك في حرمته في الشريعةالمقدسة فيكون ذكره من نسبة المحرم إلى نساء الحسين عليه السلام.

 

وجواب ذلك من وجوه:

 

الوجه الاول : ضعف هذه الرواية سنداً، فهي لا تقوم كدليل معتبر على أي شيء فيها. فينتفي الامر من اصله.

 

الوجه الثاني :  لوتنزّلنا وفرضناها معتبرة: فالدليل انما يكون معتبراً في حدود ما يمكن تصديقه والاخذ به منالمعاني والافكار واما ما لا يمكن فيه ذلك فلا يكون الدليل معتبراً أوحجة فيه . فاذا نسبت أية رواية إلىهؤلاء الاجلاّء اي محرم، والعياذ بالله ، كانت هي الساقطة عن الحجّية لا ان التصديق بمضمونعا يكون ممكنا . وليست هذه الرواية ببدع عن ظواهر القرآن الكريم، حيث ثبت في علم الاصول انها انما تكن حجة اذا لم تكن منافية للدليل القطعي

__________________

(284) زيارةالناحية المقدسة المروية عن الامام الحجة (عج).


 

وأما اذا كانت منافية له لم تكن حجة كقوله تعالى : ( يد الله فوق ايديهم ) (285) أو قوله تعالى : ( على العرش استوى)(285) او قوله تعالى : (على العرش استوى) (286) بعد قيام الدليل العقلي القطعي على استحالة ثبوت مثل هذه الامور للذات الالهية المقدسة. 

 

الوجه الثالث : ان النساء كن مدهوشات وحائرالت الفكر، وغير شاعرات بواقعهن لمدى الحزن والأسى الذي تملكهن وسيطر عليهم لمقتل الحسين عليه السلام واصحابه . فإذا كن قد خرجن امام الرجال الاجانب، فهن غير ملتفتات إلى واقعهن وغافلات عن الحكم الشرعي او قل : ناسيات له . فلا يكون الحكم فعلياً او منجزاً في حقهن اوقل : انهن معذورات بالنسبةإليه. وهذا الوجه له درجة من الوجاهة، بعد التنزل عن الوجهين السابقين. وهو المشهور بين الناس ولعله  هو المقصود في ا لزيارة لو كانت معتبرة سناً. الا انه مع ذلك لا يخلو من استبعاد لامرين نذكرهما مع إحالة القناعة بهما إلى وجدان القارئ اللبيب:

 

الأمر الأول :  ان النساء كانت كثيرات كعشرة او اكثر، ولم تكن واحدة او اثنتين مثلا: فإذا امكن سيطرة الحزن بشدة علىواحدة او اثنتين ونحو ذلك، لم يكن ذلك في ا لجميع باستمرار او قل: طيلة الوقت. فلا اقل من ان واحدة او اكثر تلتفت لحالهن فيجب عليها تنبيههن على ذلك ويتم الامر.

 

الأمر الثاني : انه يستبعد جداً ان يكون مقتضى الحكمةالالهية ذلك . لان الحسين عليه السلام واصحابه قتلوا في سبيل الله والدين ، فمنالصعب اومن السخف ان نتصورؤ ان في التقدير الالهي ان يصدر العصيان الصريح والمنظر القبيح من نسائه الاشد ارتباطاً به من بعد مقتله مباشرة.

 

_____________________

(285)   سورة الفتح . آية 10

(286)   (286)  سورة طه آية 5


 

الوجه الرابع :  للجواب على هذه الرواية :

 

انه لم يقل في الرواية : ناشرات الشعور امام الرجال الأجانب ام امام الاعداء ونحو ذلك. بل من الواضح انهن ناشرات الشعور فقط. وهذا من الممكن بل المتعين ان يكون ضمن التعاليم الدينية او الحجاب الاسلامي. فإذا ضمما إلى ذلك هذه الفكرة، وهي : ان النساء في الشرق كن و لازلن، قد ورثنا عن الاجيال السابق ورأيناه عياناًَ. وهو اعتياد النساء في حالة الحزن والمصيبةعلىالالتزام بنشر شعورهن وارسالها وذلك لامرين:

 

احدهما : ان ذلك بنفسه علامة الحزن والحداد.

وثانيهما :  ان ذلك ناشيء من اعراضها عن الزينة حزناً او من ضيق نفسها عن التمشط اساساً. أما حقيقة او ان المرأة تريد انتظهر ذلك امام الآخرين، أوان تكون في هذا الحال كغيرها من النساء.فإن التزام النساء بعادات بعضهن البعض مما هو واضح ومسلّم.

 

فإذا ضممنا هذه الفكرة إلى ما سبق امكننا ان نقول : ان نساء الحسين (ع) ناشرات الشعور حداداً على هذا المصاب الجلل وحزنا واظهاراً لزيادة المصاب. وليس في الامر ولا في الرواية بالمرة انهن كنّ ناشرات الشعور امام الرجال الاجانب . بل كن كذلكفي مجتمعهن الخاص ، اعني النساء اما بعضهن البعض.

 

فإن قال قائل : ان هذا الوجه محتمل وليس اكيداً. قلنا : انه بعد التنزل عن كل ما سبق مما يقتضي كونه اكيدا، فإن مجرد الاحتمال هنا يكفينا، كاطروحة موهنة للاستدلال بهذه البرواية ضد نساء الحسين (ع) او قيامهن بالمحرّمات واذا دخل الاحتمال بطل الاستدلال.

 

المثال الثاني : لما روي من قضايا الحسين (ع) . مما يكون ظاهره العمل


 

بشيء من المحرمات.  مع التعرض إلى جوابه:

 

ما ورد في تأريخ مسلم بن عقيل سلام الله عليه من انه حين أخذ مكتوفاًإلى عبيدالله بن زياد رأى قلة(287) ماء بارد فقال : اسقوني منها : فقال له بعضهم : انظرإليها ما ابردها . لن تذوق منها حتى تذوق الحميم ز إلى ان تقول القصة : انه صب له في قدح ماء وقربه إلى فمه لكي يشربه فامتلاء القدح دماً.

لأنه كان قد حصلت له ضربة على شفته العليا ووصلع إلى اسنانه فسكب الماء فملؤوه له مرة اخرى فامتلأ القدح دما فسكبه.فلما كانت الثالثة قال : لو كان من الرزق المقسوم لشربته(288).

 

ففي هذه الحادثة يمكن ان نلاحظ، كملاحظة اولية عدم مشروعيّة مطالبة مسلم بن عقيل (ع) بالماء. لآنه لا يخلو اما ان يكون ملتفتاً إلى جرحه  الذي في فمه ام لا . والجرح لم يكنقد مضت عليه مدة طويلة . ولعله كان ينزف لحد الآن.

 

اما عدم التفاته إليه فهذا مستبعد جدا، باعتبار الدم الذي ينزف ، وان لم يكن له دم كان الالم موجوداً. ومن الصحيح انه سلام الله عليه يتحمله ويصبر عليه، الا ان ذلك لا يعنينسيانه. بحيث يستطيع ان يأكل او يشرب كأي انسان انسان اعتيادي.

 

فإذا كان ملتفتاً إلى الجرح فلماذا طلب الماء وهو يعلم سلفاً باختلاطه بالدم، لأن الدم وان لم يكن ينزف بشدة ولكنه اذا شرب الماء فسوف يدخل الماء في الجرح ويحدث نزف جديد يقيناً.فهذا فيه احتمالان باطلان لاتمام الاستشكال ومحتمل ثالث صحيح للجواب عليه.

_______________________

(287)   القلّة: بمعنى الجرة وقيل الكوز الصغير (اقرب الموارد ج2ص1034- بتصرف-)

(288)   الارشاد المفيد ص215 ط  نجف – تاريخ الطبري ج6ص212 – الكامل لابن الاثير ج3ص274- مقاتل الطالبين ص107


 

اما الاحتمالان الباطلان فهما:

 

الأول : ان يكن مسلم بن عقيل (ع) مستعداً لشرب الماء المختلط بالدم بالرغم من نجاسته. وهذا باطل لانه حرام –اولا-وينص التاريخ على تركه واراقة الماء ثلاث مرات –ثانياً- .

 

والثاني : تبذير الماء بحيث كان كلماً امتلأ دما أراقه وخاصة في المرة الثالثة حيث كان من المعلوم حصول نفس النتيجة . وهذا الاحتمال باطل ايضاً لأنه وان كان تبذيراً الا انه ليس بمحرم على مسلم بن عقيل في ذلك المورد لوجود المصلحة فيه على ما سيأتي.

 

ولكن لو صح احد هذين الاحتمالين لتم الاستشكال، ولم يبق عننا من جواب الا الطعن بسند هذه القصة نفسها. واحتال كونها مكذوبة اساساً او تأكيد ذلك. لأننا نجل مسلم بن عقيل عن مثل هذا الاسفاف.

 

ولكن الاحتمال الثالث والاخير يصلح جواباً علىالاشكال اساساً. وهو اننا ينبغي ان نلتفت إلى ان طلبه للماء كان في اول دخوله على عبيد الله بن زياد، فأراد ان يرهن له عملياً وحسياً على حاله السيئة دنيوياً والبلاء الحاصل عليه قل القبض عليه وشد وثاقه . فهومتعب جداً وعطشان جداً ومجروح جرحاً بليغاً. مضافاً إلى كونه اسيراً ومكتوفاً. ولئن كان في شرب الماء نوع من الراحة له فهو قد أصبح بحال بحيث لا يستطيع ان يشرب الماء ليرتاح حتى بهذا المقدار. كل هذا فهمه عبيد الله بن زياد من تنفيذ طلبه ومحاولته لشرب الماء . بل اكثر من ذلك وهوان الجرح بليغ إلى درجة لا يؤمل معه انقطاع الدم حتى في الصبة الثالثة للماء.

 

وهذا الذي اشرنا إليه من ان المصلحة تقتضي وجود هذه الصّبة فلا تكون تبذيراً . فقد كان طلبه بيان عملي لشرح حاله لا أكثر . وبهذا يندفع الاشكال السابق جملة وتفصيلاً.


 

 

 

مسلم بن عقيل في الكوفة

 

حيث تحدثنا عن مسلم بن عقيل ويعتبر الحديث عنه حديثاً عن اول قضايا الحين عليه السلام تقريباً.  وأود بهذه المناسبة ان اعرض عدة أفكار، اعرضها في العناوين التالية:

 

الأخّوة

 

حين ارسل الامام الحسين (ع) مسلم بن عقيل إلى الكوفة كتب معه كتابً يعّرفه لأهلها ويصفه بانه ((اخي وابن عمي وثقتي من اهل بيتي والمفضل عندي))(289). فهذه عدة صفات . أما كونه ابن عمه، فهو تعبير عن قرابته فعلاً، لأن علياً وعقيل سلام الله عليهما اخوان شقيقان. وهما ابوا الحسين ومسلم.

 

وأما كونه أخاه فهي على ما أعتقد اهم هذه الصفات على الاطلاق.  أنه بعد ان لم يكن أخاً شقيقاً حقيقة و لا غير شقيق فلا بد من حمله على احد معنيين ، اما المعنى المجازي أوالمعنى المعنوي. ولا تنافي بينهما.

 

لأنه فيا لظاهر أخر مجازي وفي الباطن أخ معنويز وفي هذا الصدد ينبغي اننلتفت إلى ان رسول الله (ص)  حين آخى بين افراد المهاجرين والانصار وترك علياً (ع) شكى إليه علي بأنه لم يعين له اخاً فقال : (( جعلتك اخا لنفسي))(290) . ومن هنا ورد تشريفه بهذه الصفة بأنه ، المخصوص بالاخوة يعني مع رسول الله (ص) وهذه ليست اخوى مجازية بل اخوى معنوية وحقيقية

_______________________________

(289)  تاريخ الطبري ج6ص198 – مناقب ابن شهر آشوب ج3ص242 – مقتل الخوارزمي ج1ص195 – الارشاد للمفيد ص204 ط نجف

(290)   أسد الغابة لابن الاثير ج4ص16 – مناقب ابن شهر آشوب ج2ص85 بتصرف.

 


 

على المستوى الالهي .

 

ومحل الشاهد من ذلك اننا نسأل : لماذا نحمل اخوة رسول الله (ص) علىالاخوة المعنوية ولا نحمل اخوة الحسين على نفس المضمون، فأما ان نحملها معاً على عالم المجازوأما ان نحملها معاً على عالم المعنى . و لا يحق لنا ان نحمل بعضها هكذا وبعضها هكذا . وحيث تعين ان تكون اخوى علي عليه السلام لرسول الله (صلى الله عليه واله) معنوية. كذلك ينبغي ان تكون اخوى مسلم بن عقيل للحسين عليه السلام معنوية . كل ما فيالامر : ان الفرق بين الاخوتين هوالفرق بين الشخصين اعني علياً ومسلماً من ناحية، ورسول الله (ص) والحسين من ناحية ثانية. فهذه الاخوة ادنى من تلك الاخوة، لانها تختلف عنها باختلاف الحسين عن رسول الله (ص) ولكنها مع ذلك شريفة وعظيمة جداً، بحيث لا تقاس معها اي اخوة اخرى في البشرية.

 

هذا . واما قوله : ثقتي من اهل بيتي فهوواضح المعنى . غيران فيه جهتين من الحديث لا بد من خوضهما:

 

الجهةالأولى : ان الوثاقة لا محالة تختلف ، فهناك الثقة وهناك الاوثق وهناكالاوثق منه وهكذا.اما كلام الامام الحسين (ع) فيدل على ان مسلم بن عقيل، سلامالله عليه ثقة للامام المعصوم عليه السلام. وهذه اعلى اشكال الوثاقة بعد العصمة.

 

الجهةالثانية : انه قد يقع السؤال ان في العبارة دلاله اواشعاراً بأنه اوثق من غيره من الهاشميين (ن اهل بيتي) ولا يوجدمن هو في مستواه . مع ان فيهمالكثيرين ممن يعدلونه في الوثاقة كالعباس بن علي وعلي بن الحسين  الأكبر والقاسم بن الحسين السبط فضلاً عن الامام السجاد علي بن الحسين عليه وعليهما السلام ، وهو الامام المعصوم بعدالحسين عليه السلام .

 

وجواب ذلك على مستويين


 

المستوى الأول :ان قوله : ثقتي من اهل بيتي، لا دلالة فيه على ان ثقاته عليه السلاممنحصرون فيه وان غيره ليس من ثقاته او ادنى منه في وثاقته. فإن هذه الاستفادة وامثالها تسمى في علم الاصول من مفهوم الوصف وهوباطل على ما هو المبرهن عليه هناك. فإنك لو وصفت شخصاً كريما لم يكن معناه ان الآخرين ليسوا كرماء او لا يوجد كريم غيره. وخاصة اذا فصلنا نقطة بين الصفين :  اعني (ثقتي) من ناحية و(من اهل بيتي) من ناحية اخرى . فإن هذا المعنى يكون واضح جداً . ولا دليل علىارتباطهما من هذه الناحية . وعلى اي حال ، فلو كان ظاهر العبارة ذلك، لا بد من حرفها عن ظاهرها وتأويلها، لأن الظاهر انما يكون حدة معم عدم قيام الدليل على بطلانه. ومن العلوم بالضرورة ان مثل هذا الظاهر ، بعد التنزل جدلاً عما قلناه، يكون غيرمحتمل الصحة.

 

هذا ، وكل هذه المستويات من الكلام يمكن ان نقولها في الصفة الأخرى، وهي قوله: والمفضل عندي. فراجع وتأمل . مضافاً إلى  انها روايةغير معتبرة السند.

 

وأما قياسه اعني مسلم بن عقيل(ع)  بالامام المعصوم عليه السلام، فهو غير محتمل اصلاً.في ضميرالمؤمنمي ووجدانهم . وانما مراد الحسين عليه السلام. لوارادتفضيله علىالاخرين، فإنما يريد غير المعصومين منهم بطبيعة الحال.

 

المستى الثاني : ان ننظر إلى ان الحسين عليه السلام لماذا اختار مسلماً بالذات للسفارة عنه في الكوفة مع ان اهل بيته عديدون . فاذا اجبنا- كمام سنسمع بعد قليل – انه هو الوحيد الصالح منهم للسفارة ، امكننا عندئذ ان نفهم من العبارة، انه (ثقتي من اهل بيتي والمفضل عندي) ممن هو صالح لهذه السفارة والمهمة. وعندئذ لا بأس أن يكون هوالوحيد الموصوف بها.

 

وعلينا الان استعراض بعض الموانع المحتملةالتي كانت تحول دون ارسال غيره في هذه المهمة:


 

أولاً: كان هناك جماعة لا يناسبهمالعمر اجتماعياً للقيام بهذه المهمة مهمام كانوا علماء حكماء. لأنهم كانوا شبانا صغاراً، كالقاسم بن الحسن والامام السجاد عليه السلام وكذلك علي بن الحسين الاكبر على بعض الروايات(291) .

 

ثانياً: كان هناك اكثر من واحد ، يتصف بالعوق المانع عن اداء المهمة. كالعمى في عبد الله بنجعفر بن  ابي طالب عليه السلام والضعف العام عن الحرب او ضعف الذراعين عنالضرب، كما وردعن محمد بن الحنفية وهو بن علي بن ابي طالب عليه السلام.

 

ثالثاً : يبدو ان الامام الحسين عليه السلام تجنب عن عمد ايكال المهمةم إلى اولاد علي عليه السلام واحفاده. بل اخرجها عن هذه  العائلة تماما. والوجه الذي يبدو من ذلك، بغض النظرعما ياتي ك هو اجلال هذه العائلة عن مهمة ادنى منها ويمكن لكثيرين من غيرهم القيام بها. وسيكون مسلم بن عقيل هوخير من يكون من خارج الاسرة.

 

رابعاً : ما يذكره عدد من الخطباء من ان الحسين عليه السلام، حيث حجب المهممة او منعها عن اخيه العباس عليه السلام وابنه الاكبر واضرابهم، انما ذخرها بذلك لنيل الشهادة معه في كربلاء. وهو مقام اسمى واعظم ، فإن مسلم بن عقيل عليه السلام وان كان من شهداء الحسين عليه السلام الا ان الشهادة بين يدي الحسين وسمعه وبصره ولاجل الدفاع المباشر عنه مهمة اعلى واصفى واقدس امام الله عز وجل . وهذا على اي حال مربوط بالعلم الالهامي الذي يعرفه الامام الحسين عليه السلام من قضاء الله وقدره.

______________

(291) حيث كان عمر علي الأكبر على ما هو الاشهر بين المؤرخين وارباب المقاتل والنسب نحو 27 سنةكما عنا لطريحي في المنتخب وعمر السجاد يوم الطف 23 سنة كما في الايقاد للعظيمي وكان عمر القاسم يوم الطف لا يتجاوزالحلم كما في مقتل الخوارزمي

 1 :: 2 :: 3 :: 4 :: 5 :: 6 :: 7