رواة واقعة الطف
اعتقد ان الرواة الأوائل او المباشرين لحادثة الطف منحصرون في الاقسام التالية، فينبغي ان ننظر إلى وثاقتهم من ناحية وإلى مقدار شرحهم للحوادث ونحو ذلك من الخصائص.
القسم الأول : الائمة المعصومون عليهم السلام المتأخرون عن الحسين عليه السلام. وخاصة الثلاثة الذين كانوا بعده بالمباشرة وهم الامام السجاد والامام الباقر والامام الصادق عليهم السلام . فإن لهؤلاء قسطاً من ذكر واقعة الطف.
الا انني اعتقد اننا – مع ذلك – لانستطيع ان نأخذ عنهم التفاصيل كما نريدها. لانهم عليهم السلام كانوا يتحدثون بمقدار ما تقتضي المصلحة في زمانهم فكانوا يركزون على الجانب المعنوي لواقعة الطف والدفاع عن قضية الحسين عليه السلام. و لا يكون همهم رواية او نقل الحوادث ، الا ما جاء عرضاً خلال الحديث. اذن فلا ينبغي ان نتوقع سماع حديثهم عن التفاصيل الكثيرة التيت نريدها.
القسم الثاني : النساء من ذراري الحسين علهي السلام واصحابه بعد عودتهن إلى المدينة المنورة. فإنهن لم يصبن بسوء وبقين احياء بعد مقتل رجالهن. ورجعن إلى محل سكنهن . فمن الممكن لهن ان يتحدثن عما رأينه عن تلك التفاصيل . وتعتبر كل واحدة منهن كشاهد حال حاضر للواقعة.
الا اننا لا ينبغي ان نبالغ في ذلك لامرين على الآقل:
الأمر الأول: حاصل لدى وجود الواقعة نفسها في كربلاء . وذلك لأن النساء كن موجودات في الخيام، ولسن مشرفات على الواقعة ولا متابعات للحوادث، ولا يعرفن اشخاص الرجال الاجانب باسمائم . فمن هذه الناحية ستكون فكرتهن عن التفاصيل غائمة ومجملة لا محالة.
الأمر الثاني: حاصل لدى وجودهن في المدينة المنورة حيث كانت المصلحة الدينية والاجتماعية تقتضي اقامة المزيد من المآتم على واقعة الطف واظهار المزيد من الحزن البكاء على من قتل فيها. اذن فقد انشغل النساء بمهمتهن المقدسة تلك ولم تجد احداهن الفرصة الكافية لرواية التفاصيل.
القسم الثالث : الاطفال القلائل الذين نجوا من واقعة الطف، واستطاعوا الهرب منها كأحمد بن مسلم بن عقيل أو عادوا مع النساء كالحسن المثنى(248) وغيرهم(249) . فإنهم اصبحوا كباراً بالتدريج . فمن الممكن لهم عندئد ان يرووا ما رآوا وما سمعوا.
الا اننا مع ذلك لا ينبغي ان نبالغ في امكان اخذ التفاصيل من هؤلاء تاريخياً لعدة امور لعلها تندرج في امرين:
الأمر الأول : حالهم في واقعة الطف نفسها ، فانهم :
1- كانوا محجوزين في الخيام مع النساء ولا يشاهدون التفصيل.
______________
(248) الحسن المثنى : ذكره المفيد في الارشاد وقال : ((واما الحسن بن الحسن بن علي (ع) فكان جليلاً رئيسياً فاضلاً ورعاً وكان يلي صدقات امير المؤمنين (ع) في وقته وله مع الحجاج خبر ذكره الزبير بن بكار وكان قد حضر مع عمه الحسين (ع) الطف فلما قتل الحسين (ع) واسر الباقون من اهله اءه اسماء بن خارجة فأنتزعه من بين الاسرى) وقد تزود من بنت عمه فاطمة بنت الحسين (ع) فأولدها بعد الله المحض وابراهيم العمر والحسن المثلث ومن غيرها داوود وجعفر ومحمد ورقية وفاطمة وقد توفي بالسم الذي دسّه له سليمان بن عبد الملك فمات وعمره (53 سنة) . رجال السيد بحر العلوم ج1ص21 – بتصرف – ط نجف
(249) عمدة الطالب ص78 - مقاتل الطالبيين ص119 ط دار المعرفة ببيروت
2- لا يعرفون اسماء الرجال الموالين والمعادين لكي يرووا تفاصيل اعمالهم.
3- ان فهمهم الطفولي يومئذ لم يكن يساعد على الاستيعاب . وكان عمر احدهم يومئذ قد لا يزيد عن خمس سنوات بالمعدل . ولم يكونوا بمعصومين لكي نقول: ان الفهم منهم لا يختلف باختلاف سني العمر.
الأمر الثاني : انني لا اعتقد اهم مذكورون في اسناد الروايات الناقلة للتفاصيل عن واقعة الطف الا نادراً. ولو كان الرواة المتأخيرون نسبياً، قد سمعوا منهم لذكروهم في السند. اللهم الا ان يقال : ان الحذف من السند كان لداعي التقية يومئذ. فإن نقل قصة الحسين عليه السلام كان مورداً للتقية المكثفة والصعبة في زنم الآمويين الذين قتلوه ورضوا بمقتله . بل الامر كذلك في زمن اكثر الخلفاء العباسيين ايضاً.
القسم الرابع: الاعداء الذين حاربوا الحسين علهي السلام فعلاً في واقعة كربلاء، وكانوا حاضرين خلالها، ولكنهم نجوا من الموت ورجعوا إلى بلداهم فامكنهم ان ينقلوا القصة ويسمع منهم الناس عنها الشيء الكثير.
ويروي : ان المختار الثقفي حين اعلن الاخذ بثار الحسين عليه السلام، كان يقبض على اعدائه واحداً واحداً ، فيسأله عما فعله في واقعة الطف، فيقتله بالشكل الذي قتل به الشهداء هناك(250). فقد حصل من ناحية الاعداء روايات تفصيلية عن حوادث كربلاء. وهناك اخبار آخرى من غير هذا الاسلوب رويت عن حميد بن مسلم وزيد بن ارقم وغيرهما.
فهل نستطيع ان نعتبر هذه الاخبار عنهم هي من اخبار الثقاة مع اننا نعلم انهم اشد الناس فسقاً وعناداً ضد الامام المعصوم، بل ضد الله ورسوله ايضاً. فإذا
____________________
(250) مروج الذهب ج3ص86
لم يكن الخبر خبر ثقة فكيف يمكننا الاخذ به؟
وقد يخطر في البال هنا: ان هذا الشخص او غيره من الاعداء حين يروي شيئا من الحوادث انما يقر على نفسه بالجريمة . واقرار العقلاء على انفسهم جائز . فمن الممكن الاخذ بخبرة من هذه الجهة.
الا ان هذا غير صحيح لعدة اسباب او وجوه:
الوجه الأول : ان قاعدة اقرار العقلاء انما تجعل الخبر معتبراً بالنسبة إلى العقوبة للمتكلم به او تحميله مسؤوليته بشكل وآخر. ولا تجعل الخبر معتبراً بمعنى كونه مشهوداً له بالصحة بشكل مطلق.
الوجه الثاني : ان هذا الشخص او ذاك ممن كان في معسكر الاعداء، قد لا يروي الحادثة عن نفسه. وان تكلم عن نفسه اعني عمّا قاله وفعله في كربلاء. الا انه يروي ذلك مدافعاً عن نفسه. يعني يريد ان يثبت انه قد رحم الآخرين وتعطف عليهم في الوقت الذي قسى مهم غيره. وهذا شامل لعدد من النقول الواردة . ومعه لا تكون اقراراً حتى نثبت حجيتها بقاعدة الاقرار.
اذن ، ينتج انه ينبغي الحذر كثيراً حين نسمع من او عن امثال هؤلاء الاعداء اخبارهم عن واقعة كربلاء. ومن المؤكد اناخبارهم ليست اخبار ثقاة بل هو خبر ضعيف ، باصطلاح اهل الحديث لا انه رواية فاسق ومعاند للحق ومن الذي يقول بحجية الخبر الضعيف؟.
الرواة المتأخرون
لكن الذي يهوّن الخطب إننا نأخذ التفاصيل من كتب علمائنا الموثوقين الاجلاء كالشيخ المفيد في الارشاد والشيخ المفيد في الارشاد والشيخ الاربلّي في كشف الغمة وابي مخنف والخوارزمي في مقاتلهم والشيخ التستري في كتابه عن الحسين عليه السلام.
واضرابهم .
الا اننا مع ذلك ينبغي ان نكون حذرين في النقل لعدة امور:
الأمر الأول : ان اكثيراً مما نقلوا من الروايات هي ضعيفة السند ومرسلة وعلى كل تقدير لا يمكن الآخذ بها فقهياً.
وقد يخطر في البال: ان هؤلاء العلماء هم الذين تكلفوا صحتها على عاتقهم . فهي معتبرة وصحيحة في نظرهم. وهذا يكفي في النقل وان كانت مرسلة او ضعيفة بالنسبة إلينا.
وجوابه : بالنفي طبعاً، يعني لا يكفي ذلك ، لأن صحتها التي يعتقدون بها انما هي صحة اجتهادية وحدسية وليست حسّية لتكون حدة على الآخرين ، او قل : على الاجيال المتأخرة . كما هو مبحوث عنه في علم الأصول.
الأمر الثاني : انه ينبغي التأكد من نسبة الكتاب إلى مؤلفه فقد يكون كله منتحلاً او بعضه ، أو يكون مزيداً عليه أو محذوفاً منه وغير ذلك من الاحتمالات . واذا ورد الاحتمال بطل الاستدلال. ولعل اهم واوضح ما هو مشكوك بالنسبة إلى مؤلفه هو مقتل ابي مخنف، وهو مما يعتمد عليه الناس كثيراً وابو مخنف رجل صالح وموثق، الا ان نسبة كتابه إليه مشكوكة.
الامر الثالث : انه ينبغي التأكد ان النقل في الكتاب انما هو بنحو الرواية لا ينحو الحدس. فإنه وجد خلال التأريخ من كتب عن واقعة الطف من زاوية الحدس والكشف العرفاني لا بنحو الرواية . وحاول فهمها من وجهة نظره تلك ، وهذا هو الذي يبدو من الشيخ التستري في كتابه (الخصائص الحسينية ) حيث يقول مثلاً (ان الحسين علهي السلام حصلت له حالة الاحتضار ثلاث مرات). فإن هذا ان صح فقد أخذه بالكشف العرفاني بلا رواية. فإنه لا توجد اي رواية بذلك وهكذا كثير من التفاصيل.
ومن المعلوم في الاصول : ان هذه الحدوس والكشوف ان كانت حجة، فهي حجة على صاحبها، بصفته عالماً بصحتها . و لايمكن ان تكون حجة على غيره مع احتماله لتوهم الآخر وانفعاله . ومن ثم فقد لا يكون ما قاله مطابقاً للواقع. الا ان يحصل لنا او لأي شخص العلم بالمطابقة او حسن الظن بالقائل بحيث يعلم ان كشوفه الوجدانية دائمة المطابقة للواقع . ومن اين لنا ذلك؟ .
مجوزات النقل شرعاً
وما يمكن ان يكون مجوزاً للنقل شرعاً عن المعصومين سلام الله عليهم من الروايات ، في واقعة كربلاء او غيرها عدّة أمور:
الأمر الأول : صحة السند فإن السند وهو مجموعة الرواة الناقلون له ان كانوا كلهم ثقاة جاز الاخبار به، وتكفل مسؤوليته امام الله سبحانه.
الأمر الثاني : نسبة القول إلى صاحبه ، بعد العلم بانتساب الكتاب إليه، فنقول : قال فلان أو روى فلان كذا. او نقول : روي او قيل. أو نقول: قال ارباب المقاتل او المؤلفون في واقعة كربلاء ونحو ذلك.........
وبذلك تخرج عن العهدة امام المعصومين عليهم السلام، وتكون صادقاً في قولك لأن هذا الذي نقلت عن كتابه قد قال ذلك فعلاً لكن هذا مشروط بشرطين:-
1- ان يكون الامر مروياً عن كتاب ما، واما اذا لم يكن مروياً اطلاقاً وانت تقول عنه : روي كذا. فهذا غير جائز بل هو الكذب نفسه.
2- ان يكون الكتاب صحيح النسبة إلى مؤلفه والا فسيكون نسبة القول إلى مؤلفه نسبة كاذبة. فأنت تكذب على المؤلف وان لم تكذب على المعصومين (ع).
الأمر الثالث : من مجوزات النقل المشهورة بين الخطباء والشعراء الحسينيين : النقل بلسان الحال . فكأنهم يرون ان الحديث يكون صادقاً مع التقيد بهذا المعنى، ومن هنا اباح الشعراء لانفسهم اضافة اقوال وافعال كثيرة
جداً إلى واقعة الطف، بعنوان انها بلسان الحال لا بلسان المقال.
وهذا ليس خطأ كله ، بل يحمل جانباً من الصواب من الناحية الفقهية ، فإن النقل بالمعنى عن الروايات جائز ان كانت الرواية بدورها محرزة الصحة. كما ان النقل بلسان الحال جائز اذا احرزنا ان حال المتكلم في تلك الساعة على ذلك. الا اننا مع ذلك ينبغي أن نكون على حذر شديد من هذه الناحية ، لعّ>ة وجوه:
الوجه الأول : أننا لا نستطيع ان نعلم حالهم رضوان الله عليهم، لا الحسين (ع) ولا اصحابه ولا نساءه ولا أي واحد هناك منهم . لأنهم أعلى وأجل من ان نعلم ما يدور في خواطرهم وما تحفيه سرائرهم . في حين اننا بعيدون عنهم زمناً ومكاناً وثقافة ومستوى. وغير ذلك . اذن فنحن جاهلون بحالهم لا اننا عالمون به لنستطيع التعبير عنه بأي حال من الأحوال . وانما يجوز الحديث بلسان الحالز مع احراز المطابقة للواقع. وانى لنا ذلك؟
الوجه الثاني : ان ما يكون بلسان الحال انما ه والاقوال لا الافعال . فلو تنزلنا جدلاً عن الوجه الاول او تم لدينا ذلك الوجه. فإنما يجوز النقل بلسان الحال في الاقوال وحدها . أما نقل الافعال والتلفيق فيها بعنوان كونها بلسان الحال فهذا لا معنى له ولا بيان له.
الوجه الثالث: اننا لو تنزلنا جدلاً عن الوجه الاول او تم لنا ذلك الوجه فإنه يتم بمعنى ان الحالة العامة التي كانوا فيها معلومة لنا اجمالاً. واما التفاصيل فمن غير المحتمل ان ننال منها شيئا . فمثلاً ما الذي خطر في ذهن الحسين عليه السلام حين أخذ رضيعه معه ليسقيه الماء . أو في أية حادثة معينة آخرى ؟ هذا متعذر فهمه تماماً في حدود البعد الزمني والثقافي والايماني عنه عليه السلام.
وفي صدد النقل بلسان الحال يمكن ان نذكر منشأين لجواز النقل بهذا الشكل. فإن تم احدثهما اخذنا به وان لم يتم اعرضنا عنه:
المنشأ الأول : ما وردنا من الروايات عن واقعة كربلاء. فإنها تدل على الحال الذي كانوا فيه. فنستطيع ان نتحدث زيادة على ذلك في حدود الحال الذي فهمناه من تلك الروايات.
وجوابه : أولاً : ان الرواية ينبغي ان تكون صحيحة ومعتبرة سنداً، لكي يمكننا استكشاف الحال من خلالها.
ثانياً : ان المفروض اننا نتحدث عن اقوال وافعال زائدة عما هو المروي، لأنه بلسان الحال. فلا نستطيع ان نقول (روي ذلك) لنكون صادقين ، لأنه لم يرو اطلاقا.
ثالثا: ان المفروض احيانا اننا نروي حوادث واقوالا غير متشابهة على الاطلاق عما هو مروي ووارد، لا في الروايات الصحيحة ولا الضعيفة. فكيف يتم لنا ذلك شرعاً وهل هو الا من الكذب الصريح؟
المنشأ الثاني : لجواز النقل بلسان الحال، العرف. فما كان يناسب من الناحية العرفية ان يكون حالهم عليه، جاز التعبير عنه. وما لا يناسب ذلك لم يجز التعبير عنه واتباع العرف امر جائز عرفاً وحدة كما ثبت في علم الاصول. الا ان هذا اغير صحيح لعدة مناقشات ترد عليه:
اولاً : ان العرف انما تثبت حديته في علم الأصول في موارد معينة لا يمكن تعّديها ، ولا قياس غيرها عليها. وهي حجية الظواهر المأخوذ بها عرفا وحجية المعاملات المتعارفة في العرف .
واما الكذب والكلام الزائد فهو وان كان عرفاً سائراً، الا انه منهي عنه قطعاً في الشريعة ومحرم اكيداً.
ثانياً: ان العرف انما يكون حدة في ما يناسب حال العرف ومستواه.
وأما ما كان خارجاً عن حال العرف كالأمور الرياضية والفلسفية، فلا سبيل للعرف إليها . ونحن نعلم ان حال اولئك الابطال الافذاذ أعلى من ان يفهمه العرف فالتنزل بمستواهم إلى درجة العرف الشائع ظلم لهم لا محالة.
ثالثاً : ان لسان الحال اصبح مبررا لدى البعض إلى نقل كثير من التفاصيل الكاذبة. وهذا أمر خارج عن هذا الدليل لو تم . بعد التنزل عن الوجهين السابقين جدلاً . فإنه انما يثبت امكان البكاء والتضجر واللطم ونحو ذلك لا انه يثبت جواز الكذب والدس بطبيعة الحال.
الأمر الرابع : من مجوزات النقل المحتمل عن حوادث كربلاء:
ما ورد بنحو القاعدة العامة حيث تقول : (( قولوا فينا ما شئتم ونزهونا عن الربوبية))(251).
وتقريب الاستدلال بها للنقل : وهو التمسك باطلاق قوله (ماشئتم ) فان الفرد قد يشاء ان ينقل الأمور غير المروية أو غير المناسبة مع الحال وغير ذلك ومقتضى اطلاق القاعدة جواز ذلك كله. الا ان هذا غير صحيح بكل تأكيد لعّدة وجوه:
الوجه الأول : ان مثل هذه الرواية غير تامة سنداً. ومعه لا تكون ثابتة اصلاً، فالاستدلال بها ، كما هو المشهور بينهم ، غير جائز.
الوجه الثاني : أنه امخدوشة في الدلالة او التعبير وهو قوله فيها:
(ونزهونا عن الربوية ). في حين ان الربوبية كمال وعظمة . والتنزيه انما يكون عن النقص والخسة والرذيلة . فهذا انما يدل على ضعف سندها وعدم ورودها اطلاقاً.
_______________________
(251) البحار ج25ص261 - بتصرف
ويمكن ان يكون المتكلم بها قد قال : ( ونزلونا عن الربوبية) : فنقلها الراوي بالهاء وهو قوله : (نزهونا). الا ان هذا الاعتذار لا يجعلها تامة سنداً.
الوجه الثالث : ان التمسك باطلاقها على سعته غير محتمل فمثلاً : هل يمكن ان يشمل قوله: قولوا فينا ما شئتم القول السيء من القدح والشتم ونحوه. ان هذا غير متمل طبعاً. اذن فالمراد : ما شئتم مما هو مناسب مع شأننا ومن الواضح ان كثيراً مما نقول عنهم بلسان الحال : ليس مناسباً مع شأنهم.
الوجه الرابع : ان قوله فيها (ما شئتم ) يراد به الاوصاف الاجمالية ككونهم علماء او عظماء وغير ذلك. ولا يراد بها التفاصيل من نقل الأقوال والأفعال الكاذبة عنه، وان كانت مناسبة لشأنهم، فضلاً عما اذا لم تكن. والمفروض إلى الحديث عن لسان الحال انه يكون بالتفاصيل لا بالاجمال.
الوجه الخامس : في المعنى الأصلي الذي افهمه من هذه الرواية . وهو ان فهمهناه لا يكون اي ارتباط للنقل بالمعنى من قريب او بعيد . والمعنى الذي افهمه كما يلي : ( قولوا فينا ما شئتم من المدائح اكو من صفات الكمال والجلال، فإنكم لا تصلون إلى الواقع الذي اختاره الله لنا. وستكون كل من مدائحكم واوصافكم دون مستوانا الواقعي).
واذا تصاعدنا نحن في الأوصاف لا نصل إلى صفتهم الحقيقة فضلاً عن اننا يمكن ان نتعداهم الا اذا ذكرنا لهم الربوبية . فإنها غير ثابتة في قهم. فمثلاً : نقول : انهم مؤمنون . ثم نقول : انهم ورعون. ثم نقول : انهم متقون. ثم نقول : انهم علماء. ثم نقول : انهم راسخون في العلم . ثم نقول : انهم أولياء . ثم نقول : انهم كأنبياء بني اسرائيل أو افضل منهم. كل ذلك ونحن لم نصل إلى حقائقهم ومستوياتهم الواقعية.
الأمر الخامس ك من محجوزات النقل المحتملة عن واقعة كربلاء.
ما ورد بنحو القاعدة العامة : ((من بكى أو ابكى او تباكى وجبت له الجنة))(252).
وتقريب الاستدلال بها هو التمسك باطلاقها لكل قول او فعل صار سبباً للبكاء على الحسين عليه السلام واصحابه ، فإنه يكون سبباً لدخول الجنة او وجوبها للفرد سواء كان مطابقاً للواقع او لم يكن.
وهذا المضمون وان كان مطابقاً للقاعدة، لأن من بكى أو ابكى او تباكى باخلاص لله سبحانه وتعالى (253) وللحسين عليه السلام. فإنه يستحق الثواب الجزيل بلا أشكال الا ان النتمسك باطلاقها المفروض انما يتم بغض النظر عن المناقشات التالية. وتلك المناقشات ترد عليها كرواية منقولة كما هو المشهور، لا كمضمون مشهود على صحته.
أولاً : ضعف سند هذه الرواية . فلاا تكون معتبرة
ثانياً : ان متعلق البكاء لم يذكر في هذه العبارة، ومعه يكون من الواضح.
___________________
(252) امالي الصدوق ص125 مجلس 29 – البحار ج44ص288 – الدمعة الساكبة م1ص300
(253) وهنا يشير سماحة المؤلف إلى ان الاخلاص في البكاء او التباكي لله بغض النظر عما اذا كان على الحسين (ع) او غيره فهو سبب في الدخول إلى الجنة. ويؤيد ذلك ما ذكره السيد المقرم في مقتله نقلاً عن كنز العمال ج1ص147 في الحديث عن النبي (ص) انه قرأ اخر الزمر (فسيق الذين كفروا إلى جهنم زمراً) على جماعة من الانصار فبكوا الا شاباً منهم تال لم تقطر من عيني قطرة واني تباكيت فقال الرسول(ص) (من تباكى فله الجنة) وفي نفس المصدر عن جرير عن الرسول (ص) قال : (اني قاريء عليكم (الهاكم التكاثر) من بكى فله الجنة ومن تباكى فله الجنة) .كنز العمال ج1ص148
وحدث ابو ذر الغفاري (ره) عن النبي (ص) (وذا استطاع احدكم ان يبكي فليبك ومن لم يتسطع فليشعر قلبه الحزن وليتباك فان القلب القاسي بعيد عن الله) . مقتل المقرم نقلاً عن اللؤلؤ والمرجان للنوري 47 ومجموعة شيخ ورام ص272 . ويجب ان نشير هنا إلى ان المقصود ليس كل بكاء او تباكي وانما يجب ان يكون البكاء خالصاً لله عزوجل منبعثاً من تأثير النفس والرهبة منه سبحانه وتعالى ويشير إلىذلك محمد عبده في تفسير المنار ج8ص301 حيث يقول : (التباكي تكلف البكاء لا عن رياء)
انه ليس كل اهداف البكاء مشروعة او لا ثواب عليها على الأقل.
او قل لا تجب له الجنة بكل تأكيد. كمن بكى للدنيا او لمصيبة عاطفية ونحوها. اذن فالامر مقيد بالبكاء المرضي لله عزوجل.
ثالثاً: ان متعلق البكاء لم يذكر في هذه العبارة، حتى الصالح منه يعني يقل: ان البكاء من أجل الحسين (ع) كما يفهم المشهور او من خوف الله عزوجل او شوقاً إلى الثواب او اي شيء آخر. ومن هنا لا دليل على اختصاصه بالحسين عليه السلام.
رابعاً : ان وجوب الجنة بل مطلق الثواب، لا يكون الا بحفظ الشرائط الأخرى الضرورية في الدين، لوضوح عدم شمولها للكفار والفسقة واضرابهم اذن فيكون المعنى : ( من اضاف إلى حسناته البكاء وجبت له الجنة). ومن الواضح انها لم تقل ذلك بوضوح. اذن، فيبقى اطلاقها غير ثابت.
خامساً : ان وجوب دخول لاجنة غير محرز لأي انسان غير معصوم، ما يمت مرضياً لله عزوجل. واما زالت حسناته بظلم أو سوء ونحو لم يستحق الجنة بكل تأكيد. والشاهد على ذلك قوله تعالى ( وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هبآء منثورا)(254) والسيئات قد تذهب الحسنات كما ان الحسنات قد تذهب بالسيئات .
ومعه فيكون المعنى: (من داوم على الطاعة طول حياته مع البكاء وجبت له الجنة) . ومن الواضح انه لم يقل ذلك، كل ما في الامر ان التمسك باطلاقها مشكل.
سادساً : الاخلاص في العمل لم تنص عليه الرواية ، وهو البكاء في سبيل الله من دون عجب ولا رياء . فلو بكى الفرد على امواته او على مصاعب
________________
(254) سورة الفرقان آية 23
الدنيا لم يستحق الجنة فضلاً عن انها تجب له. لكننا ينبغي ان نفصل الحديث في البكاء على الأموات بعنوان مستقل.
البكاء على الأموات
وليس المراد البكاء على الأموات حقيقة، بل البكاء الذي يكون في الظاهر على الحسين عليه السلام، وفي القصد الواقعي على الأموات ، فهل يكون الفرد عليه مستحقاً للثواب ام لا، وقد عرفنا قبل قليل عدم استحقاقه للثواب لا محالة لعدم وجود الاخلاص والقصد القربي لديه. ولكن وردت في ذلك رواية من حيث ان الراوي يسأل الإمام عليه السلام بما مضمونه. نعم، ابك ولو على امواتك)(255).
وهذه الرواية ايضاً غير معتبرة السند: ومعه يبقى الامر على القاعدة الاولية وهي عدم وجود الثواب ، الا في بعض الموارد التي نشير إليها فيما بعد.
وان كانت الرواية معتبرة السند، فقد تم المطلب، يعني اننا نأخذ بمحتواها، وهو وجود الاستحباب حتى في هذه الصورة وهي البكاء على الاموات، ما دام الظاهر هو البكاء على لاحسني عليه السلام. والامر غير خاص لواحد معين بطبيعة الحال فقد يبكي الف من الموجودين على أمواتهم بهذه الصورة . وهذا ما يدل على ان الشارع المقدس – لو صحت الرواية – يريد حفظ الظاهر او الصورة الظاهرية لبكاء الناس، وان كان قصدهم مختلفاً. وهذا ليس جزافاً، بل فيه فوائد وحكم ومصالح حقيقية. يمكن ان ندرك منها ما يلي:
أولاً : حفظ تسلسل الشعائر الدينية واستمرارها.
______________
(255) الكافي للكيليني ج2ص483 - بنفس المعنى
ثانيا : اثبات وجود هذه الشعائر امام من لا يؤمن بها أو لا ينجزها.
ثالثاً : الاسعاد في البكاء لللآخرين ، لأنهم لا يعلمون اني ابكي على امواتي، بل يتخيلون اني ابكي على الحسين (ع) بحرارة . لأن البكاء ف يه اسعاد وهو انتقال او عدوى العاطفة من فرد إلى آخر والاسعاد في البكاء معنى لغوي مأخوذ من السعادة لأن الباكي يشعر براحة وسعادة حين يجد نفسه بين الباكين من اجله.
رابعاً : التربية النفسية من الناحية الدينية للفرد نفسه وللآخرين ايضاً. فإنه اذا قصد اليوم البكاء على أمواته، فسوف يقصد غداً البكاء على الحسني (ع) بمعنى ان الدافع المتدني سوف يتقلص في نفسه حتى يزول.
ومن هنا نعرف ما اشرنا إليه، من ان الفرد يمكن ان يحصل على لاثواب ، حتى لو بكى على امواته، ان كان القصد الظاهري هو البكاء على الحسين عليه السلام لكن بشرط ان يقصد هذه الامور الصحيحة التي ذكرناها الآن ونحوها. لا أن يكون البكاء متمحظاً للاموات حقيقة.
نعود الآن إلى ما كنا فيه من تعداد الوجوه المحتملة المجوّزة للنقل عن حوادث كربلاء المقدسة. وقد سبق ان ذكرنا منها خمسة امور:
الأمر السادس : من مجوزات النقل المحتملة :
جواز قول الشعر في حادثة الطف بلا اشكال، وهذا مما عليه السيرة المتشرعية في مذهبنا من زمن الائمة المعصومين عليهم السلام. وإلى الآن.
فالسيرة قطعية الصحة. والشعر عن الحسين علهي السلام قطعي الجواز بل قطعي الاستحباب . بل لعل فيه الوجوب الكفائي اذا شح معينه في مكان او زمان معين.
ومن المعلوم ان الشرع يحتوي على المجاز وعلى المبالغة والتورية والمعاني.
العاطفية والخيالية وغير ذلك كثير. وهذا ما يدل على جواز ان ننسب إلىموضوع القصيدة بما فيها حوادث كربلاء، ما نشاء من خلال القصيدة نفسها سواء كان وارداً في رواية معتبرة أو غير معتبرة، او غي روارد على الاطلاق.
الا ان هذا الوجه قابل للمناقشة في عدة امور:
اولاً : انه لو تم لاختص بالشعر ولا يمكن ان يشمل النثر . لأن النثر خال عرفاً وعادة عن الخيالات المستعملة في الشعر . وهذا الوجه لو تم فإنما يجيز تلك الخيالات دون غيرها.
ثانياً : ان الخيالات والمبالغات ليست من نوع الكذب عرفاً وعقلائياً. اذن فالتعميم من جواز ذلك إلى جواز الكذب والدس في الشعر غير صحيح تماماً.
ثالثاً : ان السيرة كما ثبت ي علم الأصول دليل لا اطلاق له ولا لسان له، يؤخذ منه بالقدر المتيقن . والق\ر المتيقن هنا هو الشعر الخالي من الكذب والدس فيكون جائزاً . ولا يمكن التعميم بدليل السيرة إلى غيره.
وقد يخطر في البال : ان السيرة الموروثة عندنا هي على وجود الكذب في الشعر بهذا الصدد. وهي سيرة ممضاة من قب لالائمة المعصومين عليه السلام.
فمن ذلك قول دعبل الخزاعي عليه الرحمة أمام الإمام الرضا عليه السلام:
افاطم لو خلت الحسين مجدلاً وقد مات عطشاناً بشط فرات
اذن للطمت الخد فاطم عنده واجريت دمع العين في الوجنات(256)
فقد اثبت اللطم والبكاء لفاطمة الزهراء عليها السلام. مع انه غير متحقق جزما لأن الزهراء عليها السلام لم تكن موجودة في الدنيا لدى مقتل
_______________
(256) للشاعر دعبل الخزاعي – ادب الطف ج1ص297.
ولدها الحسين عليه السلام، مع ذلك، فقد سمعها الإمام الرضا عليه السلام ولم يعترض عليها.
وجواب ذلك يكون على مستويين:
المستوى الأول : ما قاله علماء المنطق من ان القضية الشرطية تصدق حتى مع كذب طرفيها. واوضح مثال له : ان قولنا: اذا طلعب الشمس فالنهار موجود يصدق في الليل كما يصدق في النهار، و لايتوقف على طلوع الشمس فعلاً او وجود النهار فعلاً. بل يكفي في صدق الشرطية صدق الملازمة والتوقف ما بين فعل الشرط وفعل الجزاء . وهو في المثال توقف وجود النهار على طلوع الشمس .
ومن الواضح ان هذين البيتين لدعبل الخزاعي انما هو قضية شرطية، وليست فعلية او واقعية . فلا يدل على ان الزهراء قد بكت فعلاً او لطمت وانما قال (لو خلت الحسين) و(لو ) حرف من حروف الشرط فتكون قضية شرطية . فيمكن ان تصدق مع كذب طرفيها كما سبق في المثال.
المستوى الثاني : انه قد يخطر في البال، اننا قلنا في المستوى الأول الذي انهينا منه، ان القضية الشرطية تصدق بصدق الملازمة وان كانت موجودة في مثل قولنا: اذا طلعب الشمس فالنهار موجود . الا انها غير موجودة في قول دعبل : (افاطم لو خلت الحسين مجدلاً). ولا اقل من الشك في ذلك . لاننا لا نعلم ان الزهراء عليها السلام ماذا سيكون رد فعلها اذا علمت بمقتل ولدها. وخاصة بعد ان اشرنا فيما سبق من ان قضية الإمام الحسين عليه السلام فيها جانبان : الاستبشار والحزن. ولا شك ان الحزن اق رب إلى المضمون الدنيوي، وان كانت له نتائج دينية كما سبق. كما لا شك ان الاستبشار اقرب إلى المضمون الاخروي او الواقعي.
ومن المعلوم ان الزهراء سلام الهل عليها في عليائها في الآخرة ، مطلعة
على الواقعيات . ومع الاطلاع على الواقعيات. فمن الممكن ان يكون رد فعلها هو الاستبشار لا الحزن فكيف يقول دعبل اخزاعي هذين البيتين نعيها لكي يطلع القاريء الكريم مجدداً:
افاطم لو خلت الحسين مجدلاً وقد مات عطشاناً بشط فرات
اذن للطمت الخد فاطم عنده واجريت دمع العين في الوجنات
فاذا التفتنا والحال هذه إلى ان الإمام الرضا عليه السلام قد اقر عمل دعبل وباركه ، اذن فمن الممكن القول : ان امثال ذلك من جنس الكذب، وهو عرض ما هو محتمل باعتبار انه يقين . يكون جائزاً باقرار الإمام عليه السلام.
وجواب ذلك من عدة وجوه نذكر المهم منها: وهو ان دعبل الخزاعي حيث قال هذين البيتين واضرابهما انما يعبر عن مستواه في الايمان واليقين، ومقتضى مستواه هو ان يفهم الزهراء سلام الله عليها بهذا المقدار لا اكثر. ومن الصعب عليه ان يلتفت إلى ما ذكرناه من احتمال الاستبشار برحمة الله عزوجل والإمام الرضا عليه السلام لم يجد مصلحة في تنبيهه على ذلك. اذ لعلها من الحقائق التي يصعب عليه تحملها. فمن الافضل استمرار غفلته عنها، طبقاً لقانون ((دعوا الناس على غفلاتهم))(257) أو قانون ((كلموا الناس على قدر عقولهم))(258).
ومن هنا يتضح انه ليس كل اقرار من قبل الائمة سلام الله عليهم حجة في اثبات الصحة ، بل يشترط في الاقرار امكان المناقشة فيه والنهي عنه، فإذا لم ينه وهو يمكنه النهي اذن يدل ذلك على الاقرار . واما اذا لم يمكنه النهي على الاطلاق ، اذن ، فسوف لن يكون سكوته دالاً عن الاقرار.
وموردنا من هذا القبيل، لان دعبل لم يكن يتحمل ايضاح الفكرة له.
_________
(257) اشار إليها سماحة المؤلف في المقدمة الثانية . مراجع
(258) اصول الكافي ج1ص67 حديث 15 – البحرا للمجلسي ج2ص69 -70 حديث 23 -24
وخاصة وان الامام عليه السلام لا يجد في ذلك مفسدة دينية ، لان الاعم الاغلب من الناس انما هم بمنزلة دعبل او دون مستواه. فلا يكون من المنافي مع مستواهم ان يسمعوا ابياته.
اذن ، فليس في هذه الرواية لو تمت سنداً، اي اقرار على قول ما خالف الواقع من الحوادث او الاقوال او الافعال، لا في الشعر ولا في النثر.
وهنا ينبغي ان نلتفت إلى ان الحزن الحقيقي، انما هو على اهل الدنيا واهل الشر واهل العناد، على اعتبار انهم اختاروا لأنفسهم الغلفة والشر والعناد. وقد روي ان الإمام الحسين عليه السلام بكى على اعدائه في كربلاء(259) ، باعتبار انهم اجتمعوا ضد امامهم ومولاهم الحقيقي وعرضوا انفسهم لهذه الجرائم النكراء. واما تصوره عليه السلام عن شهادته والبلاء الذي مر عليه فهو الاستبشار والفرح بحرمة الله ونعمته جل جلاله . كما ان الحزن يكون على اولئك المشمولين لقوله عليه السلام(( من سمع واعيتنا ولم ينصرنا اكبه الله على منخريه في النار))(260) . وهذا هو بكاء الابوة الواقعية حين يحس الاب بتمرد اولاده عليه. والواقع ان تمردهم ليس ضده بل ضد ربهم من ناحية وضد انفسهم من ناحية آخرى، فتكون المصيبة عليهم منهم اكبر . لانه لن يعاقب الا فاعل الجريمة.
وقد يخطر في البال : ان هذا البلاء في كربلاء اصبح بحسب ما شرحناه سبباً للاستبشار وللبكاء في نفس الوقت في نفس الحسين عليه السلام وهذا تناقض غير معقول . فلا بد ان يكون للمسألة تفسير آخر.
وجواب ذلك : ان هذا البلاء بنفسه له جانبان او نظرتان او لحاظان: -
__________
(259) الخصائص الحسينية، للتستري ص78 ط
(260) البحار للمجلسي ج44ص315
احدهما : جانب نسبته إلى فاعليه وهم الجيس المعادي . وهو بهذا الاعتبار موجب للحزن والبكاء من الناحية الدينية، للاسف الشديد علىوجود هذا العصيان والطغيان من قبل افراد الجيس المعادي.
الجانب الثاني : جانب نسبته إلى المظلومين بهذا البلاء وهم الحين عليه السلام واصحابه . وهو الجانب المسبب لفيض رحمة الله ونعمته، وهو الموجب للاستبشار.
ومن اعتبار آخر يمكن ان نقول : ان لهذا البلاء، كأي بلاء آخر ، نسبتان : نسبة إلى الخالق ونسبة إلى الخلوق . باعتبار ان افعالنا الاختيارية كلها لها هاتين النسبتين . فالفاعل المباشر المختار لها هو الواحد ا لبشري. والفاعل الخالق لها بصفتها احد افراد الكون المخلوق هو الله سبحانه . اذن فالنسبتان ثابتتان لكل الافعال الاختيارية بما فيها المظالم والبلاء الذي ينزله الظالمون بالمظلومين ، ومنه البلاء الواقع على جيس ا لحق في كربلاء . فمن زاوية نسبته إلى فاعليه البشريين وهم الجيس المعادي تترتب عدة نتائج ، منها:
أولاً : كونهم يتحملون مسؤليته الاخلاقية والقانونية في الدنيا والآخرى . وهم بهذا الاعتبار يكون لهم عقاب الدنيا والآخرة.
ثانياً : جانب الحزن والبكاء عليهم أسفاً على توريط انفسهم على ذلك، وتزايد عصيانهم لله سبحانه.
ومن زاوية نسبة هذا البلاء إلى الله عزوجل تترتب عدّة نتائج منها:
اولاً : وجوب التسليم والرضا بقضاء الله وقدره، بايجاده للبلاء. ومن هنا ورد عنه سلام الله عليه : ((رضا الله رضانا اهل البيت))(261). وقد سبق تفسيره.
__________________
(261) مقتل الخوارزمي ج2ص5 - اسرار الشهادة للدربندي ص225
ثانياً : ان هذا البلاء مهما كان كثيراً، فهو اقل من استحقاق الله سبحانه للطاعة واقل من استحقاق النفس والقهر . ومن هنا ورد عنه سلام الهل عليه : ((هوّن ما نزل بي انه بعين الله))(262).
ثالثاً : الاستبشار بوجود نعمة الله وثوابه، الذي يعتبر هذا البلاء على عظمته مقدمة او سببا ً بسيطاً بالنسبة إليه .
______________
(262) اللهوف لابن طاووس ص49 - البحار للمجلسي ج45 ص46
تالب الناس ضده
ان مما يبالغ في التأكيد عليه الخطباء الحسييون، لأجل الزيادة في المصيبة وحشد العواطف . التأكيد على تألب الناس ضد الحسين عليه السلام. حتى ان افراد القبائل ، وهي مئات الالوف، قد خرجت كلها لحرب الحسين عليه السلام. ولبعض الخطباء سياق كلامي خاص يعدد فيه رايات القبائل التي اقبلت للحرب . فيعدد اسماء خمسة عشر قبيلة او اكثر من الساكنين في الكوفة وجنوب العراق، كتميم وفزارة وبجيلة ومذحج وربيعة وطي واسد وبنيفلان وبني فلان............ كما وردنا في التاريخ انسوق الحدادين فيالكوفة بقي مشتغلاً ليلاً ونهاراً اياما متطاولة قد تبلغ شهراً أواكثر، لاصلاح السيوف والرماح والسهام والنبال، مقدمة للخروج لحرب الحسين عليه السلام(263).
كما وردنا : انالناس الخارجين في هذا السبيل كانوا من الكثرة بحيث لم يستطيعوا ان يجدوا وسائط النقل من الجمال والافراس والحمير حتى ركبوا البقر والثيران(264) . ثم يستشهد الخطباء بقول الشاعر:
بجحافل في الطف اولها واخيرها بالشام متصل(265)
وهذا المفهوم الشعري يناسب ان تكون الاف الكيلو مترات بين كربلاء
_______________
(263) اسرار الشهادة للدربندي ص445 – بتصرف.
(264) مع الحسين في نهضته لاسد حيدر ص173
(265) للشيخ الحاج حمادي الكواز(1245 - 1283هـ) توفي في مرض السل وعمره فيما يعتقد لم يتجاوز 38سنة . وهذا البيت من قصيدة طويلة والتي مطلعها:
ادهاك مابي عندما رحلوا فأزال رسمك ايها الطلل
ادب الف ج7ص161 - 172
والشام ( وهي منطقة دمشق الان)(266) . وهي ليست في الحدود الشرقية لسوريا على الحدود الغريبة لها وهي الحدود مع لبنان .
والمسافة بينهما تقدر بحوالي الفي كيلو متر .فاذا كانت كلها مملوءة بالجيس المعادي كخط طويل محتشد في هذا البر المتطاول . فكم سوفيكون عدد افراده؟
ان الكيلو متر الواحد الممتد لن يكفي في امتلائه بالناس الف انسان بطبيعة الحال. بل لن يكفي ضعف هذا العدد . ولكننا لو اقتصرنا على الف لكان المجموع مليونين من الناس على اقل تقدير. وقد يصل الرقم إلى اربعةملايين . مع ان اعلى رقم محتمل للجيش المعادي للحسين عليه السلام هو مئة وعشرون الفا(267).
__________________
(262) معجم البلدان للحموي ج2ص463
(267) اختلف المؤرخون كثيراً في عدد الجيش الذي قاتل الحسين(ع) بل بعضهم قد بالغ في كثرةالجيش إلى حد قال فيه العلماء انه شاذ كالذي ذكره ابن العصفور البحراني حيث قال ان عدد الجيس الخارج على الحسين قد بلغ (500000) خمسمائةالف والأغرب من هذا انه يقول ان الحسين (ع) قد قتل منهم (400 الف) وينقل لنا ذلك الفاضل الدربندي في اسرار الشهادة فيعلق على هذا القول بقوله(نعم ان هذا يجوز ويصح بالقوة اللاهوتية لا البشرية بل الاستغراب والاستبعاد من جهة آخرى وهي ان المحاربة والقتل كانت بالسيف والرمح يومئذ وقد وقعت شهادة الامام (ع) قريب من الغروب اوالعصر من ذلك اليومفهذا الوقت القليل لا يسع تلك المقاتلات والمحاربات الكثيرة منه (ع) فهذاامر ظاهر عند الكل ولا سيما اذا لوحظ في العين محاربات الاصحاب وفتية بني هاشم). اسرار الشهادة ص414.
- اما الارقام التي وردت في عدد الجيش والتي يمكن احتمال صحتها فهي كما يلي:-
1- 80 الف بغية النبلاء ج2 – الدمعةالساكبة ص322 نقلاً عن ابي مخلف وتحفة الازهار لابن شدقم.
2- 70 الف اسرار الشهادة للدربندي ص237 – سفينة النجاة للعياشي.
3- 50 ألف - شرح شافية ابي فراس ج1ص93
4- 35 ألف – مناقب ابن شهر آشوب ج4ص98ط قم.
صحيح ان هذا الرقم بالنسبة إلى جيوش الدول في العالم المعاصر ، بسيط جداً. وقد استطاعب الدول ان تبلغ الملايين في تعداد افراد جيوشها.
لكن هذا لا ينطبق على امكانيات الدول السابقة . ولا على اسلحتها ولا على وسائط نقلهاز وخاصة بعد ان كان النظام القديم هو الخروج الاختياري للفرد أولاً. وتحمل مسؤوليته الاقتصادية والعنايةباموره واسلحته بنفسه، ولا دخل للقيادة في ذلك حتى التدريب على الاسلحة لم يكن . فكيف يمكن ان تحصل الاعداد الضخمة من الجيوس؟
فإذا اخذنا بنظر الاعتبار طريقة القتال القديمة، وقد كانت كلها، بالسلاح الابيض، كما هو المصلح اليوم. هذه طريقة تعتبر لحد الآن مؤلمة ألما شديداً، وليس في النفوس الهمة الكافية لتحملها . ولا شك ان الناس يفضلون
______________
5-30 الف مطالب السؤول عمدة الطالب ص181 الدمعة الساكبة ص322 – اسرار الشهادة للدربندي ص 237
6- - 22 الف مرآة الجنان ج1ص132 – شذرات الذهب ج1ص67
7-20 الف الصواعق المحرقة ص117- الفصول المهمة لابن الصباغ ص178 – اللهوف لابن
طاووس – مثير الاحزان لابن نما الحلي.
8-16 ألف الدر النظيم في مناقب الائمة ص168
9-8 الآف مرآة الزمان في تواريخ الاعيان ص92
10-6 الآف الصراط السوي في مناقب آل النبي ص87
11 – 4 الآف البداية والنهاية لاين كثير ج8ص169