احتلال الكوفة
قديخطر علىالبال السؤال : ان مسلم بن عقيل لماذا لم يحتل الكوفة احتلالاً عسكرياً ويسيطر على الحكم فيهاز وخاصة بعد ان تم لديه مبايعةاثني عشر الفاً من انصاره(292) و قد كانوا وعدوه او وعدوا الحسين عليه السلام في بعض كتبهم إليه ان يطردوا النعمان بن بشير حاكمالكوفة ممثلاً عن الحاكم الاموي . وقالوا : ( والنعمان بن بشير في قصر الامارة لسنا نجتمع معه في جمعة ولا عيدز ولو بلغنا اقبالك إلينا اخرجناه حتى نلحقه بالشام ان شاء الله تعالى)(293) . وواضح : ان اقبال ممثل الحسين ورسوله عليهم ، كاقبال الحسين نفسه. فلماذا لم يفعلوا ذلك ، ويتسببوا في اخذ زمام السلطة من قبل مسلم بن عقيل عليه السلام؟
والجواب على ذلك بغض النظر عما قلناه في مقدمات هذا البحث من ان عقولنا قد تقصر عن نيل الواقعيات اولاً ز وان هؤلاء العظماء عندالله كأمثال مسلم بن عقيل ممن لهم التأييد والتسيديد من الله سبحانه ثانياً. ومعه ينسد السؤال عن ذلك وغيره. ولكن بغض النظر عن ذلك يمكن الجواب بأمور :
الأمر الأول : ان مسلم بن عقيل سلامالله عليه لم يكن مخولاً من قبل الحسين عليه السلام بالحرب ولا باستلام الحكم فيالكوفة. وانما كان مخولاً
___________________________
(291) هذا ما ذكره المسعودي في مروج الذهب ج3ص66 والكلييني في كفاية الطالب ص282 ز اما في مقتل الخوارزمي ج1ص20 ذكر انهم عشرون الفا. اما في تاريخ الطبري والارشاد للمفيد ونهاية الأرب للنويري والايقاد للعظيمي انهم ثمانيةعشر الفاً. وقد ذكرابن نما الحلي في مثير الأحزان انهم اربعون الفاً.
(293) الخوارزمي ج1ص194 ص15 – الطبري ج65ص197 – الكامل لابن الاثير ج3ص266- مناقب ابن شهر آشوب ج3ص241.
فقط لاسكشاف الحال في الكوفة وارسال الخبر إلى الحسين عليه السلام . ومن الملعوم ان السيطرة على الكوفة تحتاج إلى قتال وهو مما لم يأذن به الحسين عليه السلام.
فإن نص جواب الحسين عليه السلام يقول : (( اما بعد فقد فهمت كل الذي اقتصصتم . وقد بعثت لكم بأخي وابن عمي وثقتي من اهل بيتي ملسم بن عقيل وامرته ان يكتب إليّ بحالكم وامركم ورأيكم. فإن كتب إلى انه قد اجتمع رأي ملئكم وذوي الحجي منكم على مثل ما قدمت به رسلكم اقدم إليكم وشكياً ان شاء الله ))(294) إلى اخر ما قال . وهو خال من التخويل بالحرب، كما هو واضح.
الامر الثاني : ان استلام حكم الكوفة من قبل مسلم بن عقيل ان كان بدون حرب، كما يشعر به كتاب اهلها الذي سمعناه حين يقولون عن حاكمها: (اخرجناه والحقناه بالشام) هكذا بكل سهولة . لهان الامر ، بل امكن القول شرعا، بانه تجب السيطرة علىالكوفة عندئذ. الا ان الامرلم يكن كذلك جزماً، لعدة امور منها:-
أولاًً: وجود المنافين والمعاندين في الكوفةبمقدار معتد به، وهم بلا شك مستعدون للوقوف ضد هذا الاتجاه ، سواء بالحرب لمنعه او بالتأمر لافشاله واسقاطه ل، لو تم . ومن هنا يصعب حصول الامر بالنجاح التام والمستمر .
ثانياً : ان حاكم الكوفة يؤمئذ ، النعمان بن بشير وان كان حسب ما رود في التاريخ انه كان رجلاً متخاذلاً مشككا يحب العافية، ويفضل الراحة والسلامة(295) ولكنه مع ذلك ورد: انه خطب وهدد الكوفيين بأن استعالهم
____________________________
(294) تاريخ الطبري ج6ص198 – مناقب ابن شهر آشوب ج3ص242 – مقتل الخوارزمي ج1ص195.
(295) اعلام الورى للطبرسي ص 224 – الفتوح لابن اعثم ج5 ص75
للسلاح ضده يعني استعماله ضدهم ولن يتطيعوا ان يزيلوه بسهولة وانما لا بد من ان تنشب الحرب بينهم، وسيستعين في نفس الوقت بالمعاندين والمنافقين والفسقة الذين هم علىاستعداد لمعونته جزماً.
ونسمعه يقول في خطبيته :(( اني لا اقاتل من لا ياتلني ولااثب على من لايثب عليّ....... ولكنكم ان ابديتم صفحتكم ونكثتم بيعتكم وخالفتم امامكم (يعني الحاكم الاموي) فو الذي لا اله غيره لاضربنك بسيفي ما ثبت قائمه بيدي ولم يكن لي منكم ناصر ولا معين))(296) . إلى آخر ما قاله وهذا يعني عدة امور.
أولاً : مناجرتهم الحرب لهم اذا هم حاربوا.
ثانياً: اعطاء الحرية لهم في ان يفعلوا ما يشاءون ضمن التصرف السلمي غير القائم على السلاح. واعتقد ان هذا من النعم الالهية على مسلم بن عقيل وانصاره استطاعوا فيه ان يثبتوا وجودهم تاماً.
ويكفينا تقيماً للحالة، لواستطعنا المقايسة بينها وبين ما اصبح عليه الحال عند حكم عبيد الله بن زياد الذي عينه الحاكم الاموي بعد النعمان بن بشير.
ثالثا: المسؤولية الاخلاقيةتجاه النعمان بن بشير هذا، من حيث انه كفّ عنهم شره، فاللازم ان يكفوا عنه شرهم . واذا لم يحاربوه، لم يمكنهم عزله والسيطرة على الحكم. وعلى اي حال فقد استطاع النعمان بن بشير بذلك ان يبقى هو الحاكم ما دام غير معزول من قبل سيده الاصلي ، الحاكم الاموي.
الامر الثالث : ان مسلم بن عقيل عليه السلام شعر ان قيام حرب واسعة في داخل المجتمع الاسلامي الجديد، الذي لم يكن قد تجاوز قرنه الاول، سوف
___________________
(296) الكامل لابن الاثير ج3ص267 – الارشاد المفيد ص250 – الاخبار الطوال ص211
يكون كارثة على الاسلام كله، وسيقتل من المسلمين عامة ومن المخلصين خاصة العدد الكثير. وسيفتح ثغرة وفرصة لاعداء الاسلام من الخارج والداخل على السيطرة على المجتمع سيطرة كاملة ومحكمة.
اذن، فقد اقتنع مسلم بكلا الامرين وهما : تعذر السيطرة سلمياً على الكوفة والاخر: عدم المصلحة في السيطرة عليها عسكريا. اذن فلا ضرورة إلى تلك السيطرة حتى لو كان مسموحاً له من قبل الحسين عليه السلام بها ما لم يكن مأموراً بها . وهو جزماً لم يكن كذلك.
الامر الرابع : ان هناك امراً قلما يأخذه عامةالناس بنظر الاعتبار ز وهو التناسل البشري. يعني احتال ولادة مؤمن من مؤمن او من كافر او منافق غير ان هذا مما يؤخذ فيالحكمة الالهية جزماً.
فيكون من الحكمة المحافظة على بعض النفوس، لكي يوجد من ذراريها ولو بعد جيل او اجيال ، جماعة من المؤمنين الذين يعبدون الله وينصرون دين الله بأخلاص .واذا كانت اي حرب مانعة عن ذلك، والحرب بطبيعتها مانعة عن ذلك، اذن فمن الضروري عدم وقوعها.
وهناك وجه آخر مهم ذكرنا اسسه في كتابنا اليوم الموعود الا ان ايضاحه الكامل يتوقف على ذكر تلك الاسس فيطول المقام بنا. ومن هنا يكون الاحجى الاعراض عن ذلك مؤقتاً.
اغتيال بن زياد
يقول لنا المؤرخون ما مضمونه باختصار : ان شريك بن عبدالله الحارثي ومسلم بن عقيل، كانا معا نازلين في دار هاني بن عروة المذحجي(297) فتمرض شريك واشتد به المرض. فعلم بذلك عبيد الله بن زياد
________________________
(297) هاني بن عروة المرادي المذحجي : لقد ذكر المؤرخون انه كان شديد التشيع ومن اشراف الكوفة وقرائها ومن خواص امير المؤمنين (ع) حضر حروبه الثلاث وادرك النبي (ص) وتشرف بصحبته
حاكم الكوفة ، يومئذ . وكان له معه رفاقه، فأرسل إليه انه سيعوده في دار هاني. وقبل مجيء ابن زياد تواطأ شريك مع مسلم على ان يغتال بن زياد عند مجيئه . فلما كان من العشي اقبل بن زياد وتخفّى مسلم في احدى الغرف كأنه يستعد لاغتياله. ولكنهانئا اعترضه قائلاً : ( اين لا احب ان يقتل في داري).
والمهم ان مسلماً لم يقبل لقتل بن زياد وخرج ابن زياد سالماً . فخرج مسلم من مكانه .
فقال له شريك : ما منعك من قتله. قال خصلتان ، اما احداهما : فكراهة هانيء ان يقتل في داره. واما الاخى : فحديث حدثنيه الناس عن النبي (ص) : (( ان الايمان قيد الفتك))(298) . ولا يفتك مؤمن.
فقال هانيء : اما والله لو قتلته لقتلت فاسقاً فاجراً افراً غادراً. ولكن كرهت ان يقتل في داري(299).
فمن هنا قد يخطر في البال السؤوال عن السبب الذي حدا بمسلم بن عقيل على ان لا يقتل عبيد الله بن زياد بعد ان اصبح كاللقمة السائغة بيده وهو
__________________________________
= وكان له يوم قتله بضع وتسعون سنة وكان شيخ مراد وزعيمها اذا ركب ركب معه اربعةالاف دارع وثمنية الاف راجل فاذا اجابتها احلافها من كندة وغيرها كان في ثلاثين الف دارع (واقعة الطف لبحر العلوم ص286).
(298) الفتك : (فتك فلان بفلان) اي قتله على غفلة او انتهز منه فرصة فقتله . (اقرب الموارد ج2ص901 – مجمع البحرين ج5ص283 بتصرف).
(299) هذا ما ورد في تاريخ الطبري ج6ص204 وكذلك في مقاتل الطالبيين والدمعة الساكبة م1ص309 نقلاً عن البحار. وقد ذكر هذه الرواية ابن الاثير في الكامل في التاريخ ج3ص270 الا انه ذكر ان مسلماً عندما سئل عن عدم خروجه قال((…… واما الاخرى فحديث حدثه علي (ع) عنالنبي (ص) : ان الايمان . ….. ألخ)) وهذا ما اورده الخوارزمي ايضاً في مقتله ج1ص202 وفي الاخبار الطوال للدينوري ذكر ان مسلماً قال (قال رسول الله (ص) ان المؤمن قيد الفتك) ولم يسند الحديث ز اما ابن نما الحلي فقد ذكر في مثير الاحزان ص20 ان زوجة هانيء هي التي منعت مسلم من قتل عبيد الله بن زياد ولم يذكر الحديث.
يعلم انه عدوه وعدو الحسين عليه السلام وعدو الله عزوجل، وان قتله مهم جداً في امكان السيطرة على المجتمع في الكوفة ، وتفريق القيادة من المنافقين الذين جمعهم ابن زياد وتركيزها بيداهل الحق:
والجواب على ذلك يكون من وجوه:
الوجه الأول : كراهة هانيء بن عروة ان يقتل عبيد الله بن زياد في داره، ومسلم بن عقيل كان ضيفاً لدى هانيء . وكا ولا يزال يخدمه بالسمع والبصر ويؤدي لمسلم اي مصلحة عامة او خاصة . فاذا فعل في داره ما يكرهه حصلت عدة مضاعفات:
اولاً : الاحراج اما هانيء نفسه اخلاقياً. فإن مقتضى المسؤولية الاخلاقية ان لا يفعل في داره ما لا يحب. وخاصة وهو بهذه الصفة العظيمة في الانتصار له.
ثانياً: تحريم تصرفه في الدار بعد ذلك، لو كان قد فعل ما يكرهه صاحبها، مما يضطره للانتقال إلى دار شخص آخر، وقد لا يجد شخصاً جامعاً للشرائط المتوفرة في هانيء او قل : لا يجد له مثيلاً في سكان الكوفة.
ثالثاً: احراج موقف هانيء من حصول هذا القتل في داره . الامر الذي اثار في نفسه هذه الكراهة. فإنه كان رئيسا لقبيلة مذحج، وله اتصالات ومجاملات ومصالح في مختلف اوساط المجتمع. فإذا قتل ابن زياد في داره كان ذلك احراجاً له ماما شريحة مهمة في المجتمع ، وهذا ما يكرهه.ولا يريد مسلم بن عقيل اثارة هذا الاحراج امامه. وتفكير هانيء بهذا الشكل تفكير على المستوى الدنيوي . ولكنه قائم على اي حال.
وهو بطبيعةالحال، لا يدرك ما ندركه او نحتمله نحن الان بعد الف سنة وحوالي النصف من ذلك التاريخ من وجود مصلحة عامة في قتله، بحيث تجب عليه التضحية في سبيلها بكل غال وعزيز . واذا كان غافلاً عن ذلك، وهو غير معصوم على اي حال، فالله سبحانه يعذر الغافل.
الوجه الثاني : لعدم اغتيال ابن زياد كما ذكره مسلم نفسه حسب الرواية (ان الايمان قيد الفتكولا يفتك مؤمن)
الا ان هذا بمجرده لا يتم، الا ان يرجع معناه إلى الوجه الاتي . وذلك لان هذا الخبر يحتاج إلى الصحة سنداً ودلالة ز اما السند، فيظهر حصول مسلم علهي مرسلاً غير موثوق لأنه عبّر عن انه : حديث حدثنيه الناس عن رسول الله (ص) . الامر الذي يدل على ان يجهل روايته او لايوثقه على اقل تقدير.
واما من ناحية الدلالة ، فهذا الامر الذي كان عازماً عليه هو الغيلة او الاغتيال . وليس الفتك فإنه وان ان قد يرد في اللغة بهذا المعنى ايضاً، الا ان له معان اخرى كالشجاعةبحيث لا يهاب احداً والاستقلال بالرأي عن الاخرين وغير ذلك(300) . فلا يتعين ان يكون المراد من الخبر ذلك.
مضافاً إلى ان الاعتماد على خبر من هذا القيل بل حتى ولو كان صحيحاً، في دفع مصلحة عامة في قتله، او جلب مفسدة عامة في حياته، كما قد حصل فعلاً، غير صحيح جزما وغير مرضي لله عزوجل . ما لم يعد الامر غلى وجوه اخرى او إلى الوجه الاتي الذي سنذكره الان.
الوجه الثالث : الاخلاقية في العلاقات مع الاخرين : الاصدقاء منهم والاعداء سلماً كانت العلاقة ام حرباً ام قتلاً. ومن جملة الاسس الاخلاقية التي التزم بها المسلمون ونصحت بها تعاليم الاسلام عدم البدء بالحرب والضرب ، وانما يكون اهل الحق هم ثاني الضاربين لو صح التعبير . ليكون
___________________
(300) ومثله قولهم الفاتك : أي الجريء الشجاع وقال بن دريد هوالذياذا هم بشيء فعل : (اقرب الموارد ج21ص901)
موقفهم امام الله والناس هو الدفاع فقط. وكان ولازال النبي (ص) هو نبي الرحمة، وليس من مقتضى الرحمة البدء بالهجوم . حتى ان الحسين عليه السلام في ساحة كربلاء العسكرية التزم بذلك . وهذه مصلحة اخلاقية جليلة في الحرب والقتل والقتال، ذات تأثير عام في احسان الظن بالمعسكر المحق وجلب القلوب نحوه. وهي مصلحة عامة تعدل الكثير من المصالح العام ةالأخرى التي قد ندركها مما تكون مصالح وقتية وان كانت صحيحة ، في حين ان هذه القاعدة الاخلاقية دائمة الصحة جيلاً بعد جيل.
فإذا عرفنا ذلك استطعنا تقييم وتمييز موقف ابن عقيل من ابن زياد من حيث ان ابن زياد لم يكن محارباً في ذلك الحين ولا ناوياً لقتل احد. اذن، فهو لم يبدأ بالقتال ولم ينو السوء ، فلا يجوز بدؤه به او نية السوء ضده . لانه خلاف القاعدة الاخلاقية المشار إليها.
الوجه الرابع : ما ذكرناه فيمام سبق، من كون مسلم بن عقيل عليه السلام ، مسدداً ملهماً، ولا اقل من احتمال ذلك . اذن فيمكن ان يكون قد واجه نهياً عن قتل عبيد الله بن زياد. كما يحتمل ان يكون هذا النهي مأخوذا عنده من الحسين علهي السلام أو من جده النبي (ص) بخصوص هذه الواقعة او ما يشملها . فيجب عليه الامتثال. وقد سبق ان قلنا في امثال ذلك: انم مجرد الاحتمال يكفينا لأن اذا دخل الاحتمال بطل الاستدلال. يعني يفسد السؤال عن اعراضه عليه السلام عن اغتيال ابن زياد. وان ذلك كان على خلاف المصلحة او السياسة العامة.
الوجه الخامس: ما اشرنا إليه او إلى مثله. من احد الوجوه التي قلناهنا في نفي سيطرة مسلم بن عقيل على الكوفة. وهو اقتضاء الحكمة الالهية الابقاء على بعض الفاسقين والكافرين، من اجل ميلاد بعض المؤمنين من ذراريهم ولو في جيل متأخر ولو عدة مئات من السنين او اكثر فليكن ابن زياد كذلك
وهذا لا يتوقف على علم مسلم بن عقيل او التفاته إلى ذلك. بل اما ان يكون ملتفتا واما ان الله سبحانه صرفه عن قتله لهذه الجهة . والاحتمال في ذلك يكفينا لقطع الاستدلال المعاكس، كما كررنا في امثاله.
الوجه السادس : ما ذكرناه ايضاً هناك من الامر المربوط بكتابنا (اليوم الموعود) . فإنه ايضاً من الامور المربوطة بتلك الاسس فراجع.
السيطرة على الكوفة مؤخراً
اذا قد يخطر على البال : ان مسلم بن عقيل سلام الله عليه، ما دام لم يسيطر على الكوفة في زمن النعمان بن بشير وكلم يقتل عبيد الله بن زياد فلا أقل من أن يحاول السيطرة على الكوفة عندما اصبح ابن زياد حاكماً عليها . اذ كان الشر قليلاً وغير واضح، في زمن ابن بشير في حين اصبح واضحاً في زمن عبيد الله بن زياد. ومن هنا كانت السيطرة على الكوفة ارجح جداً من ذلك الزمن السابق. فلماذا لم يفعل ذلك مسلم؟.
وجوا ب ذلك : انه يمكن القول بورود جميع الأجوبة التي قلناها فيما سبق عن سييطرة مسلم بن عقيل في الماضي (يعني في عهد النعمان بن بشير)، كلها تاتي عن سيطرته الان. مع زيادات معتد بها كما سنذكر ويكفينا ان نلتفت إلى ان زيادية الشر تقتضي زيادة الصعوبة في السيطرة ، الامر الذي يجر إلى امور غير محمودة، كما سنرى. وهذه الصعوبة تتمثل في امور:
الأمر الاول : الزيادة في الضيق لجانب مسلم بن عقيل اعني في الحرية العامة ، واعطاء الجانب الافضل والتحرك الاشمل لاعدائه.
الأمر الثاني: وجود تجسس دقيق وكامل على كل اقوال وافعال ابن عقيل واصحابه، ويمكن ان تكو ن العيون كثيرة غير ان التاريخ ينص على واحد بعينه يسمى معقل استطاع الوصول بدهاء إلى الدار التي يرتادها مسلم
وأصحابه .فكان أول داخل وآخر خارج، بعنوان كونه مؤيداً لهم . وينقل كل ما سمعه ورآه إلى عبيد الله بن زياد(301) .
الأمر الثالث : السرّية والتكتم التي تعمدها جانب مسلم بن عقيل واصحابه، بغض النظر عن التجسس المشار إليه. ومع التكتم المتعمد ، يصعب جداً وضع برنامج واضح وواسع لاجل السيطرة على المجتمع ، كما يتوقع السائل ان يكون.
الامر الرابع : امكان التشكيك في العّدة والعدد اللذين يمكن لابن عقيل ان يجمعهما في ذلك المجتمع، فإن افراد الناس هناك لم يكونوا معتادين على الحرب ومصاعبها ويلاتها. وانما استطاع عبيد الله بن زياد ان يجمع منهم جيشاً ضخماً بعد التفكير بعدّة خطط ماكرة أكتسبها بصفته ممثلاً للدولة الحاكمة لا اكثر. وهذا ما لا يستطيع طبعاً مسلم بن عقيل توفيره للناس بصفته معارضاً للدولة . فيكون احتمال حصوله على الجيس الكافي في العدّة والعدد، احتمالاً غير قوي.
وحسبنا ان ننظر إلى اهم الافكار التي حاول عبيد الله بن زياد بثها في المجتمع صدقاً أو كذباً ليستقطب الناس إلى جانبه:
أولاً : التهديد العسكري ، حيث زعم لهم ان هناك جيشاً مقبلاً عليهم من الشام، ضخم جداً، يريد استئصالهم ان هم عصوا الدولة.
ثانيا : التهديد الشخصي بالسجن والضرب بل والقتل ايضاً.
ثالثا: التهديد الاقتصادي بالمقاطعة مع كل معارض.
رابعاً: الطمع ، باضافة مبلغ من المال إلى راتب كل واحد يكون إلى جانبه
ويخرج في حرب الحسين عليه السلام. وينقل ذلك تاريخياً على شكلين: اشهرهما : اضافة عشرة دنانير ذهبية إلى أي فرد. والآخر مضاعفة الراتب الذي يصله(302).
خامساً : الاحراج الاجتماعي ، عن طريق العلاقات والصداقات المبثوثة في تلك المدينة المنكوبة.
وكل هذه الامور قائمة ضد مسلم بن عقيل ومن المتعذر ان يكون مثلها إلى جانبه، سوى التضحية في الرضوخ للحق لا اكثر، وهو مما يقل العاملون به في اي مجتمع، وخاصة تحت ظروف من ذلك القبيل.
وقد بادر عبيد الله بن زياد إلى تغيير كفة المجتمع إلى جانبه بمجرد وروده . والقى في الناس خطبة تتكفل بيان تلك التهديدات والاطماع . مع بث شرطته وانصاره بين الناس.
لأجل الطمع والتخويف والاحراج. مما انتج ما ينقله بعض الخطباء الحسينيين من ان الام اصبحت تاتي إلى ابنها والزوجة إلى زوجها والبنت إلى ابيها والاخ إلى اخيه. فيحذرونه مغّبة مناصرة مسلم ويقال لهم:
(مالك والدخول بين السلاطين). ويأخذون بيده ويرجعونه إلى بيته. ومهما يكن في هذا النقل التاريخي من المبالغة ان اخذناه على سعته. كما سبق ان قلنا ان الكوفة والمجتمع الكوفي لا يمكن ان ينقلب تماماً من الولاء إلى العداء بين عشية وضحاها وقد اقمنا على ذلك ما يكفي من القرائن والدلائل. الا انه من الممكن ان يكون قد حدث مثل هذا التخذيل فعلاً على نطاق ضيق قلّ او كثر. فإنه على اي حال مضر بجانب مسلم بن عقيل، ويضاعف عليه الصعوبة والبلاء.
معقل
يقول المؤرخون ان معقلاً حين اراد التجسس لابن زياد. اقبل إلى المسجد، فراى مسلم بن عوسجة يصلي فيه فيسأل عنه. فقيل له : هذا يبايع للحسين بن علي . فجاءه وجلس إلى جانبه حتى اذا فرغ من صلاته سلم عليه واظهر له انه رجل من أهل الشام وانه مولى لدى الكلاع الحميري. ومن انعم الله عليه بحب اهل البيت وحب من احبهم وتباكى له. وقال له : ان عنده ثلاثة الاف درهم يريد بها لقاء رجل من اهل البيت بلغه انه قدم إلى الكوفة يبايع لابن بنت رسول الله (ص) . فقبل منه مسلم بن عوسجة وأخذ منه البيعة على يده فوراً. ثم اخذه إلى مسلم بن عقيل فأخذ عليه البيعة والمواثيق المغلّطة ليناصحن وليكتمنّ. فاعطاه (معقل) من ذلك ما رضي به. ثم امر مسلم ابا ثمامة الصائدي(303) بقبض المال منه وكان قد عيّنه مسلم لقبض الأموال من الناس وتجهيزهم بما يحتاجونه من السلاح والتعاد . وضل معقل يختلف إلى دار هاني كل صباح ومساء، فهو اول داخل وآخر خارج، فينطلق بجميع الاخبار والاسرار، فيقرؤها في اذن ابن زياد(304). مما ادى في النتيجة إلى فشل مهمة هذه الجماعة المحقة وتفرقها عن مسلم بن عقيل.
فهنا قد يرد السؤال عن السب بفي انخداع مسلم بن عوسجة ومسلم بن
________________________
(303) أبو تمام الصادئدي : هو عمرو بن عبد الله بن كعب الصائدي من شهداء الطف كان من فرسان العرب ووجوه الشيعة وكان بصيراً بالاسلحة ولهذا لما جاء مسلم بن عقيل إلى الكوفة قام معه وصار يقبض الاموال ويشتري بها الاسلحة بامر مسلم بن عقيل (وفي نفس المهموم) ان ابا تمام قال للحسين (ع) ابا عبد الله نفسي لك الفدى اني ارى هؤلاء قد اقتربوا منك ولا والله لا تقتل حتى اقتل انشاء الله واحب ان القى ربي وقد صليت هذه الصلاة التي قد دنى وقتها قال فرفع الحسين رأسه ثم قال : ذكرت الصلاة جعلك الله من المصلين الذاكرين نعم هذا اول وقتها(الكنى والالقات ج1ص33)
(304) الارشاد للمفيد ص20 مثير الاحزان لابن نما ص21 - مناقب ابن شهر آشوب ج3ص242.
عقيل واصحابهما بهذا الرجل المعين ضدهم. ولئن كان مسلم بن عوسجة رجلاً اعتياديا، مهما كان عالي الايمان، فإن مسلم بن عقيل سلام الله عليه ، قد اثبتنا له انه مؤيد ومسدد بالالهام ، فكيف لم يلتفت إلى ذلك؟!
وجواب ذلك يكون على عدة مستويات :
المستوى الأول : ان هذا موجود في قضاء الله وقدره . وكلما كان ذلك، فلا بد من حدوثه ، ومطابق للحكمة الالهية ، سواء علمنا بسببه او جهلنا.
المستوى الثاني: مستوى من نعلم او نحتمل عدم تسديده وتأييده بالالهام المباشر – لو صح التعبير- وهم اصحاب مسلم بن عقيل، سواه . فمن الواضح ان العادة في تلك الاجيال، وهي عادة استمرت مئات والاف السنين ، حتى لم تكن كتابة واوراق تدل على الشخصية ، كما في الدول الحالية. فكان الناس يسألون الفرد عن اسمه وانتسابه، ويصدقون منه ذلك على السجية والعادة المتبعة. وواضح انه لو كذب اي شخص في اسمه او نسبته فسوف يقع في انواع من المصاعب اجتماعياً واقتصادياً. او يحتمل وقوعه في ذلك على بعض التقدير. فكان الناس يصدقون في اقوالهم تلك، وكانوا يصدقون اقوال الاخرين في ذلك. وليس اصحاب مسلم بن عقيل سلام الله عليه وعليهم الا جماعة من ذلك المجتمع المعتاد على ذلك.
فإذا انضم إلى ذلك حسن الظاهر والملاينة والمسايسة، فقط اصبح الفرد ناجحاً في الامتحان او الاختبار الاجتماعي ، وانتهى الامر.
المستوى الثالث : مستوى النظر إلى المواثيق المغلطة التي اخذها مسلم بن عقيل واصحابه على (معقل) وقد اعطاهم ن نفسه ما يريدون . ولم يكونوا يتصورون ان شخصا ما من المسلمين يمكن ان يحيف بالعهد او يحيف
باليمين. وانما قيام العلاقات بين الافراد والمجتمعات كانت ولا زالت على شرف الالتزام بالعهود. والا كان الفرد ساقطاً بالمرة اما الله والناس. ولم يكن يخطر على البال ان هذا الانسان من الساقطين وبهذه الدرجة.
وهنا ينبغي ان نلتفت إلى ماورد في تفسير قوله تعالى عن قول ابليس:
(ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة الا ان نكونا ملكين او تكونا من الخالدين. وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين)(305) . (7/21) من ان ادم وزوجته لم يتصورا شخصا يقسم با لله كذبا. يعني انهما حين سمعا ابليس يقسم بالله سبحانه صدقاه واكلا من الشجرة. اقول : فكذلك الحال في مسلم واصحابه من حيث ان العهد ملزم في الدنيا واليمين ملزم في الآخرة. فماذا بقي مما يكون ان يفعلوه امامه؟
المستوى الرابع : ان مسلماً واضرابه من خاصة اصحاب المعصومين عليهم السلام، وان قلنا بانهم مؤيدون ومسددون بالالهام . الا ان ذلك مما لا ينبغي ان يؤخذ على اوسع نطاق:
اولاً : لانهم ليسوا معصومين بالعصمة الواجبة، كما يعّبر عنها في (علم الكلام). والمعصوم بالعصمة الواجبة، يكون معصوماً من الخطأ والنسيان، مضافاً إلى عصمته من الذنوب والمحرمات. بخلاف المعصوم بالعصمة غير الواجبة، فانه يكون معصوماً من الذنوب لا من الخطأ والنسيان.
ثانياً: ان الالهام والتسديد إلى امثال هؤلاء يختلف في السعة والضيق أو القلة والكثرة . ينال منه كل منهم . بمقدار قابليته واستحقاقه وعمله وغير ذلك من الاسباب. وليس بالضرورة ان يناله بشكل مطلق ومستمر . اذن فمن الجائز ان يحجب الالهام والتسديد عن الفرد حيناً او احياناً. بمقدار ما تقتضي الحكمة
________________________
(305) سورة الاعراف آية (20 -21 )
الالهية ذلك وهناك مستويات اخرى للجواب لا حاجة إلى الدخول في تفاصيلها.
تفرق الناس عنه
ولعل السؤال الاخير الذي يمكن عرضه في هذا الصدد. ما قاله بعض الاذكياء لبعض العلماء عما روي في التاريخ من ان مسلم بن عقيل تفرق عنه اصحابه كلهم في يوم واحد او عشية واحدة، حتى اصبح يتلدد في ازقة الكوفة في ظلام الليل لا يجد من يؤويه(206) . مع العلم ان من الكوفيين من هم على دلاجة عالية من الاخلاص للحق المتمثل في مسلم بن عقيل والحسين عليهما السلام، امثال : حبيب بن مظاهر ومسلم بن عوسجة وآخرين . بدليل على ان هذين المذكورين قد استشهدا مع الحسين في كربلاء. اذن فإخلاصهم محرز فلماذا تفرقوا عن مسلم في تلك الليلة وتركوه وحيداً حائراً؟
وقد اجاب ذلك العالم : بأنهم اعدوا انفسهم للشهادة بين يدي الحسين عليه السلام. اقول : وهذا وحده لا يكفي للاقناع. لان حادثة الحسين (ع) كانت في ضمير المستقبل بالنسبة إليهم، ولم يكونوا يعلمون من حصولها شيئا. فكيف نتعقل كونهم استهدفوها بصراحة ؟.
ولكن تفصيل الجواب ان يقال : ان المخلصين الكاملين كانوا قلة لا يستطيعون وحدهم الدفاع عن مسلم بن عقيل ولا حفظ حياته وحياتهم.
فلما رأوا فشل الحركة وتفرق الجيش عنه، لم يشعروا بوجوب المحافظة على حياته شرعاً، لليقين بكونه مقتولاً لا محالة، حتى ولو كانوا هم إلى جنبه بل سيقتلون معه ايضاً. اذن فمسؤولية الدفاع عنه والحفاظ عليه ساقطة عنهم يقيناً. اذن فخير لهم ان يحافظوا على حياتهم، وهم كوفيون يعرفون المدينة
_____________________
(306) اللهوف لابن طاووس ص23 – تاريخ الطبري ج6ص209 – مقاتل الطالبيين ص102
وطبيعة سكانها . وهو غريب جديد العهد بهذا المجتمع.
واما سبب محافظتهم على انفسهم، فلا ينبغي الاشكال فيه في الدنيا والآخرة. واما في الدنيا فواضح لصعوبة تعريض النفس للقتل . وخاصة اذا كان بلا موجب وبشكل غير منتج كما عرفنا. واما في الآخرة ، اعني في التكليف الشرعي في الدين، فلأن بقاءهم خير من موتهم، لاحتمال ان يفيدوا المجتمع مبقليل او بكثير، وان لا تخلو الساحة بالمرة لعبيد الله بن زياد وجماعته يفعلون ما يشاءون دون وازع من دين او ضمير او رقيب او حسيب.
مضافاً إلى احتمال تأييدهم للحسين عليه السلام. فإنهم كانوا عالمين بأنه مقبل عليهم وقريب الوصول إليهم بالرغم من طول السفر وبعد المشقة. اذن فلعلهم يستطيعون رؤيته او معونته او نصرته او امتثال اوامره.
صحيح : انهم لم يكونوا يعلمون بحادثة كربلاء كما وقعت، لأنها لم تكن قد وقعت. الا ان نصرتهم للأمام الحسين عليه السلام اجمالا ولقاءه وامتثال اوامره ايا كانت، هذا. مما كان هؤلاء الخاصة يستهدفونه بصراحة ووصوح . فإن بقي الحسين وانتصر بقوا معه. وإن قتل قتلوا معه. وعلى اي حال فينبغي لهم في التكليف الشرعي الذي يعرفونه، ان يحافظوا على حياتهم الآن ليطبقوا مثل هذا التكليف في المستقبل عند لقاء الحسين عليه السلام.
بقي السؤال الذي يخطر في الذهن: وهو ان مسلم بن عقيل عليه السلام لماذا بقي متلدداً في ازقة الكوفة، وقد كان من الافضل له ان يلتجئ إلى بيت احد الثقاة من اصحابه او ان يخرج إلى البر ويلتحق بالاعراب فلا يعرفه احد.
والجواب عن ذلك يكون على مستويات:
المستوى الاول : ان مسلم بن عقيل سلام الله عليه رجل غريب في الكوفة لا يعرف بيوتها ولا طرقاتها. وقد كان اصحابه يقصدونه من منازلهم وهو لا يعلم اين تقع منازلهم . ولم يكن خلال هذه المدة التي عاش فيها في
الكوفة متيسراً له المشي في الطرقات والتعرف على البيوت، لأنه كان بمنزلة القائد، فلا بّد له من البقاء في مركزه، وانما يشتغل له الاتباع فقط.
المستوى الثاني : ان مسلم بن عقيل سلام الله عليه، ادرك لا محالة ما التفتنا إليه قبل قليل، من تفرق خاصته عنه، وادرك سبب ذلك. وهذا السبب مما ينغي ان يحترمه تجاههم، مضافاً إلى ادراكه كراهتهم البقاء معه في ذلك الحين . وكان اذا اراد متابعتهم فسوف يعمل ما يكرهونه ويدخل بيوتهم عنوة عنهم، ويبقى فيها فيكون حراماً عليه.
المستوى الثالث ك انه لا يوجد في ذلك الحين من اصحابه من يستطيع حمايته على الاطلاق. لأن بعضهم كان قد سجن كهاني بن عروة والمختار بن عبيدة الثقفي وآخرون. اذن فدورهم مغلقة في وجهه، وهم منكوبون قبل نكبته. وبعضهم مراقب ومطارد . وليس اسهل على الحكام من ان يجدوا مسلماً في بيت احد اصحابه ، فإنها ارجح الاحتمالات لوجوده. بخلاف ما اذا تخفي في محل غير ملفت للنظر كما فعل.
المستوى الرابع: ان خروجه بالبر لم يكن منجياً له، لأنه لم يكن يملك فرساً، او اية دابة في ذلك الحين، وانما كان يمشي راجلاً في الطرقات ومتعبا بعد يوم حافل بالنشاط والحركة.
اذن ، فحتى لو خرج إلى البر فسوف لن يستطيع ان يبتعد كثيراً، حتى يطلع الصبح وسوف يدركه اعداؤه لا محالة . بل سوف يقبض عليه عاجلاً، لأن ابن زياد جعل في المدينة واطرافها عيوناً ساهرة تراقب الحال باستمرار . فما اسهل ما يعق مسلم بن عقيل بيد احد هؤلاء او جماعة منهم . اذن فما فعله سلام الله عليه كان افضل الاحتمالات وهو الالتجاء إلى محل غير ملفت للنظر على الاطلاق، عسى الله ان يكتب له فيه الخير.
المستوى الخامس : انه قد يقع السؤال عنامكانه النجاة بالمعجزة او طي الارض ونحو ذلك. وقد ناقشنا ذلكفيما سبق والتفتنا إلى انه لم يكن في الحكمةالالهيةحصول المعجزات لنصرة اهل الحق. بل يبقى الامر مطابقاً للقانون الطبيعي باستمرار . والا لم تكن ايةحاجة إلى اي حرب خاضها رسول الله (ص) أو امير المؤمنين او الحسين عليهم السلام او اي شخص آخر.
تآلب الناس ضده
وكما نفينا فيما سبق امكان المبالغة في تآلب ضد الحسين (ع) كذلك ننفي هنا المبالغة في تآال الناس ضذ مسلم بن عقيل سلام الله عليه وذلك: ان مقتضى كلام الخطباء الحسينيين عنه: انه عليه السلام جمع الناس في احد الايام كجيش محارب وزودهم بالاسلحة وأمّر عليهم الامراء والقواد ونادى بشعار رسول الله (ص) يوم بدر : ((يا منصور امت امت))(307).
واجتمعت إليه الكوفة برمتها. حتى اذا كان المساء نفسه تفرقوا عنه حتى بقي وحده يتلدد في ازقةالكوفة. فلما كان الصباح نفسه تآلبوا جميعاً ضده وقاتلوه حتى النساء والأطفال كانوا يرمونه من السطوح بالحدارة ويشعلون النار في اطناب القصب ويرمونها عليه.
وهذه (خريطة ) ذهنية غير معقولة. ولئن كان يمكن حصولها في مدة طويلة، فلا يمكن حصولها في مدة قصيرة، في عشية واحدة. فلئن كان يمكن تفرق الناس عنه لمدى الضغط والمكر الذي مارسه ابن زياد واصحابه، غير انه لا يمكن تآلبهم ضده إلى هذه الدرجة. فإذا علمنا انه كان يحارب وحده حين هجموا عليه الدار، بقصد القاء القبض عليه. اذن لم يكن الحاكم في حاجة إلى جيش عرمرم ضده مهما كان شجاعاً ومقاتلاً بارعاً.
______________________________
(307) تاريخ الطبري ج6ص207 – الكامل لابن الاثير ج3ص271 ط مصر.
ويكفي ان يجد ابن زياد من اصحابه عدة مئات يكفونه المؤونة، بدون حاجة إلى ان نتصور إلى ان الكوفة كلها قد انقلبت ضده في عشية واحدة.
وقد نظرت في المصادر التاريخية فوجدت ان الرمي من سطوح المنازل ضد مسلمبن عقيل. مذكور فعلاً(308) ، الا ان هذا لا يعني ان الشعب كله فعل ذلك، وذلك:
أولاً : انه لا وجود لذكر النساء والاطفال الفاعلين لذلك.
ثانياً : اننا لو سلمنا ذلك. فإنما هم شرذمة من عوائل اعدائه.
ثالثاً : أن اصحاب بعض البيوت من اعدائه من الرجال فعلوا ذلك.
رابعاً: ان الجيش المعادي له الذي ارسله ابن زياد للقبض عليه. وجد من الحيل للسيطرة عليه ان يدخل البيوت عنوة ويرميه البعض من السطوح بالحجارةوالنار. فإذا كان ذلك محتملاً. والاحتمال مبطل الاستدلال، فلماذا نفترض ما هو مستبعد في نفسه، وهو انقلاب الشعب كله ضده في عشية وضحاها.
تأسيسه الجيش
سمعنا قبل قليل ما نقله التاريخ من تأسيسه سلام الله عليه في ايامه الاخيرة من حياته ومن وجوده في الكوفة. جيشاً مهماًا أمرّر عليه القادة ونادى بشعار رسول الله (ص) واصبح هو القائد العام له. ولكنهم تفرقوا عنه بسبب مكر اعدائه.
والمهم الان انه قد يخطر في الذهن سؤالان :
الأول : انه لماذا اراد تاسيس الجيش مع اننا عرفنا فيما سبق انه غير مخوّل
__________________
(308) مناقب ابن شهر آشوب ج2ص212 – مقتل الخوارزمي ج1ص209
بذلك . وان نص الرسالة التي ارسلها الامام الحسين عليه السلام معه لا يساعد على ذلك؟.
الثاني : انه لماذا لم يحتل بهذا الجيش قصر الإمارة في نفس اليوم ويقضي على عبيد الله بن زياد ويستلم الحكم. ولقد كان ذلك افضل بكل تأكيد له وللحسين (ع) وللدّين عموماً، من هذا التأخير الذي حصل، والذي ادى إلى فشل تلك المهمة؟.
اما السؤال الأول ، فيمكن ان يجاب عنه بعّدة مستويات:
المستوى : ان تأسيس هذا الجيش لمجرد الدفاع عن الوضع الذي كان فيه مسلم بن عقيل عليه السلام واصحابه. أو قل: انه محاولة لإرجاع الوضع المرتبك الذي استطاع ابن زياد زرعه ضده، إلى اول حالة من حرية التحرك والكلام. واذا كان هذا الجيس لمجرد الدفاع لم يكن فيه بأس على الاطلاق لانه لا يستلزم اهراق اي دم.
المستوى الثاني : ان تأسيس الجيش والسيطرة على الحكم في الكوفة وان لم يكن مذكوراً في كتاب الحسين عليه السلام، غير ان مسلم بن عقيل، ضمناً مخول لا محالة بأن يفعل في الكوفة كل ما يرى فيه المصلحة والاصلاح. فإن وجد في حال الكوفة ومن حال اصحابه امكان او وجوب تأسيس مثل هذا الجيش، لم يكن فيه بأس، حتى لو استلزم الحرب واراقة الدماء. لكننا سبق ان قلنا ان مسلماً سلام الله عليه كان يتجنب ذلك جهد الامكان ، لكي لا يكون مسؤولاً امام الله سبحانه في التسبيب لضرب المجتمع بعضه بعضاً وهو جديد عهد بالاسلام . وقد فعل ذلك إلى آخر لحظات حياته.
مضافا إلى اننا يحسن ان نلتفت إلى انه اذا كان قاصداً للسيطرة على الحكم، فالمظنون جداً، انها سوف تتم بدون اراقة دماء على الاطلاق او بدماء
قليلة جداً. لا مكان السيطرة على قصر الامارة بسهولة وسرعةمع نجاح الجيش العقيلي وانضباطه.
المستوى الثالث: ان تأسيس هذا الجيش، ليس لكل ما ذكرناه، بل لاستقبال الحسين عليه السلام به حين يرد الكوفة، فيرد على جيش منظم ومن نقطة قوة عالية وكافية. وهذا سبب محترم جداً لانتصاره وسيطرته على العراق كله لو شاء الله له الاستمرار.
ومسلم عليه السلام. وان لم يصرح بذلك لاحد لكنه من الارجح جداً، ان يكون قد احتمل ذلك واذا تم له الجيش لم يكن في الادارة المعادية له في الكوفة أية اهمية عملية وهي ضعيفة عندئذ، بل يمكن السيطرة عليها لحظة ورود الحسين عليه السلام، اوقبل ذلك لو اقتضت المصلحة ذلك.
واما الجواب على السؤال الثاني : فلعل نفس اثارة السؤوا ليعتبر هذراًوسخفاً، وان كان طالما خطر في عدد من الاذهان، لوضوح ان العمل الجاد والحقيقي يكاد ان يكون مستحيلاً في اليوم الاول. حين لم يكن الجيش مرتباً ولا مضبوطاً لحد الآن، وانما يعتبر اليوم الاول جمعاً للافراد وتسجيلاً لهم في هذا الجيش . وينص التاريخ ان الكوفة بقيت خلال ذلك اليوم في حركة ولغط طيلة ذلك اليوم(309)، وليس هناك من هدف لهم الا التجمع وتطبيق الشعار الذي قاله مسلم بن عقيل سلام الله عليه. وان مسلم نفسه فمع استمرار هذا الارتباك والغط وكثرة الحركة، فمن المتعذر عليه اصدار الامر باحتلال قصر الإمارة بهذه السرعة والسهولة. ولعل فيه او في خارجه من يحارب إلى جانبه فيسفحل الامرإلى مالا تحمد عقباه.
ونحن لوالتفتنا إلى تفرق الناس عن مسلم عليه السلام لمجرد التهديد
__________________________
(309) مقتل الخوارزمي ج1ص207 - مروج الذهب للمسعودي ج3ص69
والخديعة ، فكيف لا يكون تفرقهم عنه اذا دخلوا تحت ضغط الحرب الحقيقة.
وهذا امر لايفوت ادراكه لمسلم عليه السلام وقد عاشرهم هذا الردح من الزمن . اذن فتأسيسه للجيش ليس للحرب الفعلية وانما للدفاع الفعلي، او قل للاطمئنان الفعلي ودفع مكر الاعداء عنه أولاً. وانتظار دخول الامام الحسين عليه السلام إلى الكوفة ثانياً. ثم يكون هو المتكفل بما يفعل ويأمر بعد ان ساعده مسلم عليه السلام بتأليب القلوب والنفوس إلى جانبه. غير ان كل ذلك أو غير ذلك، فمما لا يذعن له اعداؤه بطبيعة الحال. ومن هنا تسبب ابن زياد إلى افشال هذه المهمة على كلك حال.
اسئلبة حول واقعة الطف
بعد ان انتهينا من المهم من موارد ومقدمات واقعة الطف، لو صح التعبير. فلنا الان ان نلتفت غلى الواقعة نفسها لنسمع ما قد يثار حولها من استفههامات يمكننا ان نعرضها في الجهات التالية:
الجهة الأولى : انه ورد في التاريخ (ان الحسين عليه السلام جمع اصحابه ليلة اليوم العاشر من محرم واذن لهم بالانفصال عنه والتفرق في البلدان لكي ينجوا من القتل. وقال فيما قال : ((الا واني لأظن يومنا من هؤلاء الاعداء غداً. الا واني قد اذنت لكم جميعاً. فانطلقوا في حل ليس عليكم مني حرج ولا ذمام . وهذا اليل قد غشيكم فاتخذوه جملاً . ثم ليأخذ كل رجل منكم بيد رجل من اهل بيتي ، وتفرقوا في سواد هذا الليل. وذروني وهؤلاء القوم ، فانهم لا يريدون غيري، ولو اصابوني لذهلوا عن طلب غيري))(310) . فرفضوا ولم يتفرقوا ) . فهنا قد ترد عدّة اسئلة :
احداها : لماذا اذن لهم بالتفرق عنه مع حاجته إليهم في الدفاع عنه؟
ثانيها : لماذا لم يتفرقوا عنه وماذا كان هدفهم في ذلك؟.
ثالثها : انهم كان يجب عليهم ان يهربوا لان التعرض للقتل حرام . فلماذا لم يفعلوا؟.
اما عن السؤال الأول : فأول خطوة ينبغي اتخاذها بهذا الصدد هو نفي ما زعمه السائل من ان الحسين عليه السلام كان محتاجاً إلى اصحابه في الدفاع
_________________
(310) تاريخ الطبري ج6ص238 - الكامل لابن الاثير ج4ص24 – الخوارزمي ج1ص246
عنه. بل لم يكن من حاجة إلى ذلك أصلاً. لانه يعلم انه مقتول لا محالة ، ولم يكن في وضع يؤهله للنجاة طبيعياً بكل صورة . ولم يكن كل اصحابه بالعدد الكافي للدفاع عنه ، وانما يدور الامر بين مقتله وحده او قتله مع اصحابه . اما التسبيب إلى نجاته فهو غير محتمل اطلاقاً.
وقد كان ذلك غير محتمل في زمن سابق: حال وجوده في الحجار او حين بلغه خبر مقتل مسلم بن عقيل وهو في الطريق، او حين جعجع به الحر الرياحي . ففي مثل وقته هذا وتجمهر عليه الجيش كله يكون العلم بالنتيجة اولى وروداً واوضح ثبوتا. هذا مضافا إلى ما حصل فعلاً، تاريخياً، وهو ان اصحابه صمدوا معه وحاربوا إلى جنبه، ومع ذلك لم يدفعوا عنه القتل وهذا كان معلوماًُ. سلفا، وقد ثبت بالتجربة صدقه.
فإذا انتفت حاجته إليهم عملياً لم يكن هناك اشكال شرعي في الاذن لهم بالتفرق، و لا يجب عليه الاحتفاظ بهم، سوف لن يسعفوه بشيء.
بل الامر قد يكون بالعكس، وهو انه عليه الصلاة والسلام قد يحس بتكليفه الشرعي بلزوم امرهم بالانصراف، انفاذاً لهم من الموت الذي يمكن ان يكونوا في غنى عنه . مضافاً إلى جهة اخرى، وهي : الحفاظ على النفوس سعني الحفاظعلى جماعة من المؤمنين الذين يصلحون للدعوة إلى قضية الحسين عليه السلام وهداية الناس. قود قام عليه السلام بهذه المهمة. ومن هنا قد يتخيل الفرد انه يجب عليهم ان يتفرقوا لاجل احراز هذه النتائج. وسيأتي الكلام عنه.
الا ان الحقيقة ان المقصد الرئيسي. حسب ما نفهم لم يكن هو ذلك بل كان لأجل اختبار هممهم في نصره وفي السير في سبيل الشهادة وتحصيل طاعةالله ورضاه سبحانه من هذه الناحية . ومن هنا يمكن ان يقعوا تحت طائلة نفسية قوية في التضاد او في الشعور المتضاد في ضرورة البقاء وضرورة الذهاب. الا انهم مع ذلك لم يفكروا طرفة عين في الذهاب بل ادركوا بكل وضوح ضرورة
البقاء مع الحسين ونيل الشهادة بين يديه. جزاهم الله خير جزاء المحسنين. وبذلك صاروا افضل الشهداء على الاطلاق(311).
___________________________________________
(311) ويمكن الاستدلال على ان اصحاب الحسين (ع) هم افضل الشهداء وذلك على مستويين:
الأول: وهو قول الامام الحسين (ع) عندما خطب باصحابه ومن معه من آل هاشم ليلة العاشر من المحرم حيث قال : ((اما بعد فاني لا اعلم اصحاباًاوفى ولا خيراً من اصحابي ولا اهل بيت ابر ولا اوصل م اهل بيتي فجزاكم الله جميعاً عن خيراً........ الخ)) (نقله ابن طاووس في اللهوف – والفتّال في روضة الواعظين – والطبري في تاريخه – وابن الاثير في الكامل – والخوارزمي في مقتله - والمفيد في الارشاد – وابن شهر آشوب في المناقب وغيرهم كثير).
وبهذا يكون قد صررّح الامام (ع) ان اصحابه افضل الاصحاب فقوله (..... لا اعلم......) ينفي فيها عن وجود اصحاب افضل من اصحابه قد وجدوا قبل زمانه ان كان قبل الاسلام او بعد الاسلام ممن صاحب جده الرسول (ص) أو أباه امير المؤمنين (ع) أو أخاه الحسن (ع) بل يتعدى الامر إلى ما بعد زمانه باعتبار ان الائمة (ع) ومن ضمنهم الامام الحسين (ع) يعلمون من جدهم الرسول (ص) ما يحدث بعدهم إلى يوم القيامة.
الثاني : انا لو اخذنا اصحاب النبي (ص) وبالخصوص البدريون (باعتبار انه الصحابة الاوائل او افضل الصحابة بشهادة جميع المذاهب الاسلامية وفيهم يضرب المثل وجعلهم القدوة لمن اراد الجهاد في سبيل الله فترى الامام (ع) يخاطب ابا الفضل (ع) عند زيارته واستشهد انك مضيت على ما مضى عليه البدريون-). وقارنا بينهم وبين اصحاب الحسين (ع) لوجدنا فروق كثيرة بين الفريقين وبالاخص ممن قتل بين يدي رسول الله (ص) في بدر وبين يدي الحسين (ع) في كربلاء ومن هذه الفروق ((وبما يسمح به المقام)):
1- ان اصحاب رسول الله (ص) البدريين حينما خرجوا مع النبي (ص) إلى بدر كان عنوان خروجهم الغنيمةوذلك بالاستيلاء على قوافل قريش ولكن عندما فاتهم ابو سفينان وجاء ابو جهل ومن معه واصرّ على محاربة الرسول (ص) عند ذلك وطّد الرسول نفسه ومن معه للقتال فتغير العنوان من حرب اقتصادية إلى حرب عسكرية بينما اصحاب الحسين (ع) فققد كانوا يعلمون منذ البداية انه لا يوجد غنيمة وانما ذهابهم إلى موت لا بد منه فالحسين اخبرهم بهذا منذ بداية خروجه فنراه مثلاً في احدى خطبه يقول (( ..... وكأني باوصالي هذه تقطعها عسلان الفلوا ت بين النواويس وكربلاء ......... الخ)).
اذن اصحاب الحسين كانوا يعلمون انهم قادمون إلى ا لموت وليس إلى الغنيمة بل للقتال فقط.
2- ان اصحاب الرسول (ص) وعدوا باحدى الطائفتين (واذ يعدكم الله إحدى الطائفتين انها لكم)
الانفال /ص أي اما الابل (والتي تحمل الاموال والغنائم ) واما النفير (أي القتال ونتيجة الحرب=
____________________________________________-
= تكون لهم ) . وكلا الطائفتين فيها فائدة دنيوية اضافة إلى الثواب الاخروي اما الحسين (ع) فلم يخبر اصحابه الا بطريق واحد وهو الموت الذي يؤدي بهم إلى دخول الجنة.
3- من الناحية العسكرية : ان الجيش الذي واجه الرسول في بدر لم يكن جيش دولة منظمة انما كان جيش قبلي (أي عشارئري وتركيبته تركيبة قبلية اما الجيش الذي زحف إلى الحسين (ع) فقد كان جيشاً نظامياً فهو يمثل جيش دولة كبرى وهذه الدولة استفادت من تجاربها بحروبها مع الغرب والشرق (كالروم والفرس) ببناء جيش منظم . اذنت فتركيبته من الناحية الفنية العسكرية يختلف تماماً عن الجيش الذي واجه الرسول (ص) في بدر.
4- من الناحية التعبوية : فلواخذنا النسبة بين اصحاب الرسول(ص) وبين المشركين الذين قاتلوهم في بدر فهي الثلث تقريباً لان المسلمين كانوا (313) بينما المشركين كانوا في حدود الألف تقريباً. اما لو اخذنا النسبة بين اصحاب الحسين (ع) إلى نسبة الجيش الزاحف عليهم لوجدناهم ثلث عشر العشر على اقل تقدير. فلو اخذنا الرواية التي تقول ان اعداء الحسين الذين قاتلوه في كربلاء (30 ألف ) والتي هي عن الامام الحسين (ع) واخذنا اكبر رقم ذكر عن عدد اصحاب الحسين والذي هو مئة فنجد النسبة بينهما ثلث عشر العشر لان عشر (30000) (3000) وعشر الثلاثة الاف هو ثلاثمائمة وثلثها مائة.
5- ان اصحاب الرسول (ص) كان لديهم وضوح في المعركةبشكل كامل ذلك لان معركةبدر كانت بين كفر صريح يمثله ابوجهل وعتبة واضرابهم وبين الاسلام الذي يمثله المصطفى (ص) فهو واضح ليس فيه لبس بينما في معركة الطف كانت هناك عدة فتن وشبهات تغص بها الامة الاسلامية فمن تلكالفتن مثلاً ان كلا المتقاتلين ينتمون إلى الامة الاسلامية فهما ذات قبلة واحدة ظاهراً اضافة إلى الفتن الاخرى كفتنة الخلافة وهل هي بالتعيين ام بالشورى وفتنه مقتل الخليفة الثالث وما ترتب عليه من الحروب الثلاثة(الجمل وصفين والنهروان) والاحاديث التي خرجها بنو اميةفي طاعةولي الامر المطلقة سواء اكن عادلاً او جائراً........ وان الحسين قد خرج على امامه وخليفة عصره (اي يزيد) وانه بخروجه يلقي نفسه في التهلكة المحرمة وشق عصا المسلمين بذلك وجعل الفتتنةبينهم وقتل الكثير منهم .......... الخ مما كان يجعل وجود شبهات وتساؤلات حول نهضة الحسين (ع).
6- ان اصحاب الرسول (ص) عند خروجهم لواقعةبدر تركوا عوائلهم في المدينة وبذلت قد اطمئنوا عليهم وانهم في امان اما الحسين (ع) وكثير من اصحابه كانت عوائلهم معهم وهنا يكون خوفهم على عوائلهم من السبي والاذى امر راجح جداً فيكون سبب مهم في تخاذلهم ورجوعهم عن القتال للحفاظ على تلك العوائل والاعراض.
7- ان الرسول واصحابه سددوا بتسهيلات كثيرة من السماء كنزول الملائكة للقتال معهم وهطول المطر لاطفاء ضمأهم وتسديد الرمية التي يرمونها والربح التي اقتلعت اخبية الاعداء والحصى التي رمى=
فهذا هو مختصر الكلام في الجواب عن السؤال الاول .
واما السؤال الثاني وهو عن سبب التحاقهم به وعدم تفرقهم عنه – بالرغم مما سبق قبل قليل من احتمال وجوب ذلك في ذممهم-.
فجواب ذلك يتم على عدة مستويات نذكر منها:
المستوى الأول : ان المهم في نظر المؤمن ليس هوالنظر إلى التكليف الشرعي بالذات ، بل إلى رضاء الله عزوجل ، وانما يكون تطبيق التكليف وطاعته مقدمةلذلك واسلوباً لتحصيله . فإذا احرز الفرد ان هناك منبعاً لرضا الله عزوجل، وانما يكون تطبيق التكليف وطاعته مقدمة لذلك واسلوباً لتحصيله. فإذا احرزالفرد ان هناك منبعاً لرضا الله عزوجل افضل واهم واعلى من مجرد تطبيق بعض الاحكام، كما احرزاصحاب الحسين عليهم السلام، كان لهم بل لزمهم اختيار الافضل والمحل الاعلى لا محالة.
المستوى الثاني : امكان المناقشة في ذينكالتكليفين اللزوميين الذين اشرنا إليهما فيما سبق، وذلك بالقول انهما كان ساقطين تماماً عن ذمة هؤلاء الجماعة الناصرين للحسين عليه السلام. بالرغم من ان مقتضى القواعد المعروفة ثبوتها في كثير من الموارد الأخرى.
أما التكليف الشرعي بهداية الناس والدفاع الكلامي عن قضية الحسين
__________________
= بها الرسول جبهة المشركين فانهزموا على اثر ذلك والنعاس كما في قوله (اذ يغشيكم النعاس أمنة منه) الانفال/11 لتستريح اعصابهم والامر الاخر ايضاً ان الله قلّل عدد المشركين في اعين المسلمين ...... الخ اذن فهناك تسديدات وتسهيلات سماوية لاصحاب الرسول 0ص) اما الحسين (ع) واصحابه لا يستحقون ذلك انما شاء الله ان تسير الامور في واقعة الطف بشكل طبيعي.بل وبوجود بعض الابتلاءات للحسين (ع) واصحابه كابتلاءهم بالعطش بقطع الماء عنهم.
- فلو علمنا(كما اشرنا إلى ذلك مسبقاً) ان شهداء بدر على ما قيل هم افضل الشهداء فمع هذه الفروق وغيرها يكون اصحاب الحسين (ع) قد تفوقوا عليهم وبذلك تكون الافضلية لهم.
خاصة والدين عامة. فلأن ذلك كله لم يكن يتوقف عليهم و لايستند إليهم .
بل هم يعرفون ، وجود ناس آخرين على قدر الحاجة متفرقين في البلدان يمكن ان يقوموا بهذه المهام، ومن المعلوم انه مع وجود ما يكفي للحاجة يكون التكليف الالزامي الكفائي ساقطاً عن الاخرين.
واما المحافظة على النفس وحرمة القاء النفس في التهلكة، او قل وجوب الهرب عن مثل هذا السبب، فلا شك أنهم علموا بجواز البقاء مع الحسين عليه السلام ، حتى لو اذن لهم بالتفرق. فإنه لم يأذن لهم الزاماً وانما اذن لهم جوازاً للقتل، اذن فقد سقط تكليفهم بذلك امام الله عزوجل. فلم يبق امامهم الا البقاء وتحصيل المقامات العليا التي ينالونها بالشهادة.
المستوى الثالث : مستوى الامتحان او التمحيص الذي مروا به واحسوا به.
وقد اسلفنا انه من الواضح ان المقصود الرئيسي للحسين عليه السلام في الاذن لاصحابه بالانصراف هو امتحان درجة همتهم في نصره واستعدادهم للفداء دونه، ومن هنا ورد في الرواية : (( ولقد بلوتهم وخبرتهم فلم اجد فيهم الا الا شوس الاقعس يشتاقون إلى المنيةي دوني اشتياق الرضيع إلى محالب امه))(312).
فهذه هي نتيجة التمحيص والامتحان وهي نتيجة ناجحة. ولو كانوا قد قالوا غير ذلك لفشلوا في نظر الحسين عليه السلام ولم يؤدوا تكليفهم الكامل امام الله واما امامهم ومصدر شريعتهم. والظاهر ان فيما ذكرناه الكفاية عن الدخول في المزيد منالتفصيل.
_____________________
(312) الدمعة الساكبة ص325
الجهة الثانية : قالوا في تاريخ واقعةالحسين عليه السلام: (ان العباس عليه السلام حين ذهب ليملأ القربة بالماء، وحارب اعداءه إلى ان وصل إلى ضفة النهر، قالوا : ثم اغترف غرفة من الماء وادناها من فمه ليشرب ثم رمى بها من يده وقال :
يا نفس من بعدالحسين هوني وبعده لا كنت ان تكوني
هذا الحسين وارد المنون وتشربين بارد المعين
تا لله ما هذا فعال ديني )(313)
فقد يخطر في البال السؤال عما اذا كان الأولى بالعباس عليه السلام شرب الماء للتقوّي على الاعداء ، ومن ثم نصرة الحسين عليه السلام، ومن ثم نصرة الحسين عليه السلام ، ومن ثم نصرة الدين اساسا؟
الا انه ينبغي ان يكون الجواب واضحاً، بعد كل الذي سبق ان عرفناه وذلك على عدة مستويات، نذكر منها:
المستوى الأول : أنه لم يكن يوجد اي سبب في ذلك الحسين مما يؤدي إلى نجاة الحسين عليه السلام من القتل فحتى لو شرب العباس الماء بالمقدار الذي يحتاجه جسمه اواكثر ، وتشجع وقاتل اكثر مما قاتل، فإنه لم يكن بالممكن ان نيجو هو ولا اخوه الحسين عليه السلام من القتل، بل السبب لقتلهم موجود ومتحكم لا محالة.
المستوى الثاني : انه وجد من الخيانة لاخيه وذويه ان يكون ريّاناً بالماء وهم عطاشى ، وهذا ما يصرح به التاريخ(314) . وقد نطق به الشعر الذي نقلناه عنه بصراحة. وهو ادب اسلامي عالي امام الله سبحانه . ومن هنا قال ا: (تا لله
____________
(313) البحار للمجلسي ج45 ص41 - رياض المصائب ص313
(314 ) نفس المصدر
ما هذا فعال ديني)).
المستوى الثالث : انه شعر بتكليف في ذلك الحين بوجوب الاعراض عن شرب الماء واطاع تكليفه ذاك. وهذا الشعور يكون باحد اساليب : اما بالالهام او بالرواية عن رسول الله (ص) اوعن فاطمة الزهراء عليها السلام، كما نقل عن بعض الروايات(315).
المستوى الرابع : انه عليه السلام اراد ان يموت عطشاناً عمداً، امام الله سبحانه ، لأن ذلك اكثر اجراً واعلى مقاماً . ومن هذا القبيل ما روي عن ابيه امير المؤمنين عليه السلام: انه دعاه اخوه(316) في بعض الايام في منزله على مأدية ، فأكل ثلاث لقم فقط ثم سحب يده فقال له (هلاّ اكلت يا امير المؤمنين) فقال : (ان هي الا ثلاث وأريد ان القى ربي حميصاً))(317).
اذن فكما ان امير المؤمنين يريد ان يلقى الله جوعاناً فكذلك ابه العباس يريد ان يلقى الله عطشاناً.
وينبغي ان نلتفت ان المستوى الاول هو الاهم فقهياً. وهو الذي فتح الباب للعباس عليه السلام إلى احد المستويات الثلاثة الأخرى لوضوح ان شرب الماء لو كان سبباً للنجاة كان واجباً، ولا تقوم امامه المستويات الاخرى اطلاقاً.
الا انا عرفنا انه لا يحتمل في ذلك.
الجهةالثالثة : انه نقل الينا التاريخ ان علي بن الحين الاكبر عليه السلام خرج غلى الحرب فترة من النهار . ثم رجع إلى الحسين عليه السلام فقال : ((يا أبه
_____________________
(315) مقتل الخوارزميم ج1ص162
(316) ومراد سماحة المؤفلف هنا هو اخو ابي الفضل العباس لا امير المؤمنين (ع) فهذه الرواية ذكرها المؤرخون في اخر حياةامير المؤمنين (ع) في شهر رمضان عندما كان يفطر ليلة عند ولده الحسن (ع) واخرى عند الحسين (ع) وثالثةعند عبد الله بن جعفر.
(317) الكامل لابن الاثير ج3ص195
العطش قد قتلني وثقل الحديد قد اجهدني. فهل إلى شربة اء من سبيل اتقوّى بها على الاعداء)). فبكى الحسين عليه السلام وقال : ((واغوثاه من اين آتى لك بالماء . قاتل قليلاً . فما أسرع ما تلقى جدك رسول الله ، فيسقيك بكأسه الاوفى شربة لا تضمأ بعدها ابدا))(318).
وروي ان الحسين (ع) قال له : ((يابني هات لسانك. فأخذ لسانه فمصه ودفع إليه خاتمه الشريف: وقال له : يا بني امسكه في فمك وارجع إلى قتال عدوك))(319).
اقول : وفي النتيجة انه لم يدفع له شربة ماء . فقد يثار السؤال عن السبب في ذلك وخاصة عن استعمال المعجزة في هذا الصدد؟.
وجواب ذلك على عدة مستويات نذكر منها:
المستوى الأول: ما يشبه ما ذكرناه في المستوى الرابع من الحديث عن البعاس عليه السلام. من ان المصلحة عند الله عزوجل. تقتضي ان يستشهد عطشاناً هكذا اراد له ابوه، وهكذا اراد لنفسه وقبل العرض من ابيه.
المستوى الثاني : ان المستوى الطبيعي او السبب الطبيعي كان متعذراً تماما. ولذا قال الحسين (ع) في الرواية (واغوثاه من اين آتى لك بالماء)) . واما مستوى المعجزة، فقد سبق اكثر من مرة ان اسلوب الاسلام من عصر النبي (ص) فما بعده لم يكن قائماً على ذلك (ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة)(320). ولا شك ان اسلوب المجزة يختلف عن ذلك.
المستوى الثالث : ما تقوله الرواية عن انه مد له لسانه واعطاه خاتمة وكلنا نعرف ان اللعاب يمكن ان يتحلب مع وجود شيء في الفم، فيشعر الفرد
____________________
(318) مقتل الخوارزمي ج2ص13 - اللهوف لابن طاووس ص48 – ابن نما الحلي ص51
(319) نفس المصدر – البحار للمجلسي ج45ص44
(320) سورة الآنفال. آية 42
بشيء من الارتواء. ويساعده ذلك على تحمل الحرب.
الجهة الرابعة : قالوا : كما في بعض المقاتل عن رضيع للحسين (ع) : (ثم اتى به نحو القوم يطلب له الماء. وقال : (( ان لم ترحموني فارحموا هذا الطفل)). فاختلف العسكر فيما بينهم فقال بعض(ان كان ذنب للكبار فما ذنب الصغار) وقال اخرون : (لا تبقوا لاهل هذا البيت باقية). وكادت الفتنة ان تقع بينهم . فصاح ابن سعد في حرملة بن كاهل : (اقطع نزاع القوم). قال : فوضعت السهم في كبد القوس . وقلت : (أللوالد ام للولد). قال : (بل الولد). فرميته وهو في حجر ابيه فذبحته من الوريد إلى الوريد فتلقى الحسين الدم بكفه ورمى به نحو السماء)(321) .
فقد خطر في الذهن : انه لماذا اخذ الحسين رضيعه إلى جانب الاعداء؟.
مع انه من الواضح حصول قتله على ايديهم . وهو امر لا يخفى على الحسين (ع) حتى بالتسبيب الطبيعي فضلاً عن العلم الالهامي . ويمكن الجواب على ذلك على عدة مستويات نذكرمنها:
المستوى الاول : اقامة الحجة على الاعداء ، وفضحهم في النتيجة . اذا يثبت بالحس والعيان قتلهم للاطفال والعزل. وهو امر يثبت على عدة مستويات منها: امام افراد الجيش المعادي نفسه. ومنها : اما الجيل المعاصر للحسين (ع) ومنها: امام الاجيال المتاخرة عنه. ودلاله ذلك ما سمعناه عن المؤرخين من وقوع الخلاف بين افراد الجيش المعادي . فقال بعض المنصفين منهم : (اذا كان ذنب للكبار فما ذنب الاطفال (او الصغار)) وقال بعض المعاندين : (لا تبقوا لاهل هذا البيت باقية). فقد حصل التمحيص والامتحان آنياً فضلاً عن اقامة الحدة في المدى القريب والبعيد.
__________________________
(321) مناقب ابن شهر آشوب ج3ص257 - مثير الاحزان لابن نما ص52 – اللهوف لابن طاووس ص49.
وينبغي ان نلتفت ايضاً: إلى ان هذا المستوى من التفكير يقتضي التسليم بان الحسين (ع) راى ان اقامة الحجة امام الاعداء ذو مصلحة اكيدة حتى لو فدى في سبيلها ولده الرضيع. وهذا امر مقنع وجداناً لأن ما حصل من فضيحة هؤلاء لم يكن له مثيل.
المستوى الثاني : ان الحسين (ع) اراد التضحية بولده امام الله سبحانه قبل موته واستشهاده. ومثله ما روي عن العباس (ع) حيث قال لاخوته الذين كانوا معه في واقعة الطف : ((تقدموا يا بني امي لكي احتسبكم امام الله سبحانه))(322) فهو يعتبر استشهاد اخوته عملاً وطاعة له شخصياً. ففي مثل ذلك فكر الحسين (ع).
المستوى الثالث : ان الامام الحسين (ع) نفذ قضاء الهل وقدره الذي يعلمه بالالهام او بالرواية . والذي لم يكن منه بد، بل كان واجباً عليه تنفيذه كوجوب صلاة الظهر علينا. وقد ضحى به امتثالاً لامر الله سبحانه وتسلمياً لقضائه. ومن هنا ورد عن نسائه: شاء الله ان يراهن سبايا وعن طفله شاء الله ان يراه مذبوحاً. والمشيئة اما ان تكون تكوينية يعني من القضاء والقدر او تشريعية يعني التكليف والوجوب. وهي على كلا التقديرين محبوبة لاهل الله سبحانه ومنهم الحسين (ع). وهناك مستويات اخرى من الوجوب لاحاجة إلى التطويل بها.
الجهة الخامسة : ((روي انه كان من جملة اساليب المحاربة ضد الحسين (ع) بعد مقتل اصحابه واهل بيته: انه رماه احد القوم بسهم محدد مسموم له ثلاث شعب وقع على صدره. وفي بعض الروايات : وقع على قلبه فأخذ السهم فاخرجه من قفاه فانبعث الدم كالميزان )(323).
___________________
(322) اعلام الورى للطبرسي ص248 - البحار للمجلسي ج45 ص38 بتصرف
(323) اللهوف لابن طاووس ص51 - الخوارزمي ج2ص34 – البحار ج45ص53
فهنا قد يحصل سؤالان:
السؤال الأول : كيف يمكن ان يكون للسهم ثلاث شعب وهذا غير معهود في التاريخ، بل لا يصلح مثل ذلك للرمي كسائر السهام؟
والسؤال الثاني : عن اخراجه من قفاه . وهل يمكن ذلك؟ واذا امكن فهو يؤدي إلى الوفاة فوراً، مع ان هذا لم يحصل؟.
اما الجواب عن السؤال الاول : فبعد تسليم صحة سند الرواية. لا نجد انها تشير إلى ان الشعب الثلاث متساوية في الارتفاع ام لا. ولا انها قد اصابت جميعاً صدر الحسين عليه السلام. بل من المكن انه يكون له رأس واحد كبير ورأسان اصغر منه والتأثير الاساسي سواء في الرمي او في الاصابة للكبير دون الصغيرين. وانما تأثيرهما جانبي او قليل و لا يمنعان الرامي من الرمي ولا السهم من الانطلاق. مضافاً إلى انه من المحتمل ان تكون الشعب الثلاث من خلف النبلة لا من امامها.
واما الجواب عن السؤال الثاني : بعد تسليم صحة سند الرواية أيضاً، احتمال ان يكون الضمير في قولنا: اخرجه من قفاه، يعني السهم ، اي سحب السهم من قفاه. وهو امر اعتيادي وما لا بد من وقوعه، لو كان في الفرد جرأة على سحب السهام من جسمه. وانما تدفق الدم بكثرة باعتبار كثرة انغراسه في جسم الحسين (ع) ووجود شعب فيه.
هذ1 مضافاً إلى ان الضمير المشار إليه اذا أرجع إلى الحسين (ع) امكن القول ، بأن السهم لم يقع في وسط صدره بل في احد جانبيه نسبياً.
ومن هنا لم يكن اخراجه من القفا مستلزما لتشقق القلب او احدى الرأتين لتحدث الوفاة السريعة.
واما عدم تأثير السم فيه سريعاً، مع انه وردنا في التاريخ كون السهم
مسموماً(324) كما سمعنا. فإن ذلك يعزى إلى تدفق الدم بكثرة الامر الذي اوجب خروج المواد السامة مع الدم بعد سحب السهم نفسه.
هذا وفي كل ذلك فإن الاحتمال مبطل للاستدلال وقاطع للسؤال. ولا نحتاج إلى الجزم او التأكيد على احد الوجوه بالذات.
الجهة السادسة : وردنا في التاريخ (انه بععد ان حارب الحسين (ع) اعداءه وسقط على الارض أمر قائد الجيش المعادي جماعة منهم ان يركبوا الخيول ويدوسوا بحوافرها جسد الحسين (ع) . فانتدب له عشرة من الفوارس فداسوا جسد الحسين بخيولهم حتى رضّ,ا ظهره وصدره)(325).
وقد سمعت شخصاً من يستشكل على ذلك بما مؤداه: (انني راكب مجيد للخيل واعرف طبائعها. فهي تقفز القفزة الطويلة وتتحاشى في طريقها العوائق. ومن المعلوم ان جسد الانسان مهما يكن ضخماً لا يعد عائقاً مهماً عن سير الفرس. مما يسبب استبعاد ان يتعمد الفرس وضع حوافره على جسد الانسان. بل سوف يتجنبه لا محالة).
مضافاً إلى سؤالين اخرين لا يخلوان من اهمية:
السؤال الأول : ان الخيل لو داست الجسد الشريف او جسد اي اناسن، فسوف لن تؤثر فيه اثراً يذكر لصلابة لحمه وقوة عظمه.
والسؤال الثاني : ان المتوقع ان تتحامى الخيل وتتجنب عن عمد الدوس على الجسد الشريف وتعصى راكبيها، وان كانت حيوانات. لان الجسد الشريف من وضوح الاهمية والعظمة بحيث لا يخفى حتى على الحيوانات وخاصة لحيوان ذكي كالفرس. او لان هذه مهانة لا ينبغي ان
____________________________________________
(324) المصدر السابق.
(325) تاريخ الطبري ج6ص161 – الارشاد للمفيد ص242 – مناقب ابن شهر آشوب ج3ص259
- اللهوف ص57 – ابن نما ص59 - الخوارزمي ج2ص38 .
يريدها الله عزوجل لوليه الجليل(ع) فلا بد ان يصرف هذه الحيوانات عند عملها هذا على كل حال.
أما الجوا ب عن السؤال الأول ، وهو الرئيسي الذي عرضناه في هذه الجهة، وهو عن تجنب الفرس الدوس على جسد انسان بل نراها تطفر فوقه لا محالة. وهذا صحيح لو نظرنا إلى طبيعة الفرس. في الظروف الاعتيادية أو قل: اذا نظرنا إلى السير الاعتيادي للفرس الا ان هذا النظام سوف يختل بكل وضوح لو اراد راكبها على ان يكون فارساً ماهراً، بأن يأمرها أو يقهرها على ان تدوس على اي شيء، فهي سوف تفعل لا محالة.
وهذا واضح لا ينبغي الشك فيه. ومعه ينسد ذلك السؤال تماماً بل يبدو سخفه وضعته.
واما السؤال الثاني: وقد كان عن صلابة الجسد بحيث لا يمكن ان تؤثر فيه الخيل فهو اسخف من سابقه، لاننا ان تحدثنا عن اليدين والرجلين ، كان لهذا السؤال قسط من الوجاهة واما لو تحدثنا عن الجسد نفسه او ما يسمى بالجذع طبياً، وهو المتكون من الصدر والبطن فلا وجه للسؤال اصلاً.
واما السؤال الثالث: وهو عنتجنب الحيوان فعل ذلك هيبة للحسين (ع) واجلالاً:
فجوابه : ان هذا انما يكون بالمعجزة دون غيرها وقد كررنا عدم امكان وقوعها في مثل ذلك واذا اراد الله سبحانه مزيد البلاء لمزيد الثواب للحسين (ع)، ففي قدرته جل جلاله: ان يحجب هيبة الحسين وعظمته عن هؤلاء الحيوانات، ويدعها تعمل على المستوى الطبيعي ومن المعلوم ايضاً ان الله عزوجل حين يريد المزيد من البلاء ، فإن جزءاً مهماً منه سيكون هو تحمل المهانة لا محالة وهذا لا ينافي ما قلناه في اول هذا البحث من ان الحسين (ع) لم
يجد الذلة ولم يمر بها على الاطلاق لان غاية ما يثبت هنا هو ان الاعداء ارادوا له الذلة، وهذا امر اكيد لا نستبعده عنهم اما وقوعها حقيقة عليه او وقوعه فيها، فهذا ما نحاشيه سلام الله عليه فإن(لله العزة ولرسوله وللمؤمنين)(326).
الجهة السابعة : (قالوا : واقبل فرس الحسين بعد سقوطه (ع) عنه يدور حوله ويلطخ عرفه وناصيته بدمه فصاح ابن سعد بقومه دونكم الفرس فانه من جياد خيل رسول الله فاحاطت به الخيل فجعل يرمح برجليه حتى قتل رجالاً وافراساً كثيرة . فقال ابن سعد : دعوه ننظر ما يصنع. فلما امن الطلب اقبل نحو الحسين (ع) فاخذ يمرغ ناصيته بدمه ويشمه ويصهل صهيلاً عالياً ثم توجه إلى المخيم بذلك الصهيل الحزين)(327) . وفي بعض الاخبار المنقولة: (انه ضرب رأسه بعموج الخيمة حتى مات)(328) .
فقد يقع السؤال : عن امكان ادراكه وتسخيصه للموقف بغض النظر عن حصول المعجزة، وهو حيوان وليس بانسان بطبيعة الحال.
وجواب ذلك : اننا إن اخذنا بفكرة المعجزة امكن القول بان معاشرة المعصومين سلام الله عليهم من قبل الانسان والحيوان معاً مؤثرة في تكامله وفهمه، كل واحد بمقداره واستحقاقه واستعداده. اما كيفية تقبل ذلك بالنسبة إلى الحيوان فهو امر غير واضح. لأن مستوى فهم الحيوانات امر غير واضح بدوره. الا انّ عدم وضوحه لا يعني عدم ثبوته ولو بنحو الاحتمال القاطع للاستدلال.
وان لم نأخذ بفكرة المعجزة، فمن الاكيد ان الفرس من اذكى الحيوانات
_______________________
(326) سورة المنافقين آية 8
(327) امالي الصدوق ص14 مجلس 30 – الخوارزمي ج2ص37 - البحار ج45ص57
(328) البحار ج45 ص60 – الدمعة الساكبة ص347 – اسرار الشهادة ص436
وارقامها وهي عند علماء الحيوان تأتي بعد القرد مباشرة وخاصة الافراس العربية الاصيلة، وقد كان فرس الحسين (ع) واحداً منها فهي تعرف صاحبها وتحبه وتعرف ذويه وتصبر على ما ينوبها في سبيله من جوع او عطش، وتحس باكرام صاحبها لها وغير ذلك من الامور. فليس عجباً ان يفعل فرس الحسين (ع9 ذلك. نعم يبقى قتله لنفسه منوطاً بفكرة المعجزة او بصحة الرواية.
الجهة الثامنة : (نقل التاريخ عن زيد بن ارقم وهو احد الصحابة، وقد كان يومئذ بالشام انه سمع رأس الحسين عليه السلام يتلو قوله تعالى : (ام حسبت ان اصحاب الكهف والرقيم كانوا من ءاياتنا عجبا)(329) . فقال زيد بن ارقم سيدي رأسك أعجب واغرب)(329) . فقال زيد بن ارقم سيدي رأسك اعجب واغرب)(330).
فهل نصدق هذه الرواية او نستبعدها باعتبار انه من المستحيل طبيعياً ان ينطق الموتى مطلقاً ، او قل : ان ينطق الرأس وهو متصل بصاحبه فضلاً عما اذا كان مقطوعاً، فضلاً عما اذا كان مرّ على قطعه ردح من الزمن؟.
الا ان هذا الاستبعاد في غير محله لعدة مستويات من التفكير نذكر منها:
المستوى الاول : انه من الواضح ان مثل هذه الروايات لا ينبغي ان نعرضها امام القانون الطبيعي، لانها قائمة على خصوص المعجزة ، وليس لها من القانون الطبيعي اي نصيب. واذا حدثت المعجزة امكن ذلك وغيره وبالمعجزة نطق رأسان في البشرية المعروفة . هما رأس يحيى بن زكريا عليهما السلام ورأس الحسين عليه السلام.
المستوى الثاني : ان نطق الرأس انما كان لاقامة الحجة ، على اهل الشام ا لذين كانوا يجهلون شأن الحسين وامامته وصدق قضيته بل كان الحكام لديهم
______________________
(329) سورة الكهف . آية 9
(330) البحار للمجلسي ج45ص121
يجد الذلة ولم يمر بها على الاطلاق لان غاية ما يثبت هنا هو ان الاعداء ارادوا له الذلة، وهذا امر اكيد لا نستبعده عنهم اما وقوعها حقيقة عليه او وقوعه فيها، فهذا ما نحاشيه سلام اله عليه فإن (لله العزة ولرسوله وللمؤمنين)(326) .
الجهة السابعة : (قالوا : واقبل فرس الحسين بعد سقوطه (ع) عنه يدور حوله ويلطخ عرفه وناصيته بدمه فصاح ابن سعد بقومه دونكم الفرس فانه من جياد خيل رسول الله فاحاطت به الخيل فجعل يرمح برجليه حتى قتل رجالاً وافراساً كثيرة. فقال ابن سعد : دعوه ننظر ما يصنع . فلما امن الطلب اقبل نحو الحسين (ع) فاخذ يمرغ ناصيته بدمه ويشمه ويصهل صهيلاً عالياً ثم توجه إلى المخيم بذلك الصهيل الحزين)(327) وفي بعض الأخبار المنقولة : (انه ضرب رأسه بعمود الخيمة حتى مات)(328).
فقد يقع السؤال : عن امكان ادراكه وتشخيصه للموقف بغض النظر عن حصول المعجزة ، وهي حيوان وليس بانسان بطبيعة الحال.
وجواب ذلك : اننا ان اخذنا بفكرة المعجزة امكن القول بان معاشرة المعصومين سلام الله عليهم من قبل الانسان والحيوان معاً مؤثرة في تكامله وفهمه، كل واحد بمقداره واستحقاقه واستعداده. اما كيفية تقبل ذلك بالنسبة إلى الحيوان فهو امر غير واضح. لان مستوى فهم الحيوانات امر غير واضح بدوره . الا ان عدم وضوحه لا يعني عدم ثبوته ولو بنحو الاحتمال القاطع للاستدلال.
وان لم نأخذ بفكرة المعجزة ، فمن الاكيد ان الفرس من اذكى الحيوانات
______________________
(326) سورة المنافقين آية 8
(327) امالي الصدوق ص14 مجلس 30 – الخوارزمي ج2ص37 – البحار ج45 ص57 .
(328) البحار ج45 ص60 - الدمعة الساكبة ص347 – اسرار الشهادة 436.
وارقامها وهي عند علماء الحيوان تأتي بعد القرد مباشرة وخاصة الافراس العربية الاصيلة، وقد كان فرس الحسين (ع) واحداً منها فهي تعرف صاحبها وتحبه وتعرف ذويه وتصبر على ما ينوبها في سبيله من جوع او عطش، وتحس باكرام صاحبها لها وغير ذلك من الامور. فليس عجباً ان يفعل فرس الحسين (ع9 ذلك. نعم يبقى قتله لنفسه منوطاً بفكرة المعجزة او بصحة الرواية.
الجهة الثامنة : (نقل التاريخ عن زيد بن ارقم وهو احد الصحابة، وقد كان يومئذ بالشام انه سمع رأس الحسين عليه السلام يتلو قوله تعالى : (ام حسبت ان اصحاب الكهف والرقيم كانوا من ءاياتنا عجبا)(329) . فقال زيد بن ارقم سيدي رأسك أعجب واغرب)(329) . فقال زيد بن ارقم سيدي رأسك اعجب واغرب)(330).
فهل نصدق هذه الرواية او نستبعدها باعتبار انه من المستحيل طبيعياً ان ينطق الموتى مطلقاً ، او قل : ان ينطق الرأس وهو متصل بصاحبه فضلاً عما اذا كان مقطوعاً، فضلاً عما اذا كان مرّ على قطعه ردح من الزمن؟.
الا ان هذا الاستبعاد في غير محله لعدة مستويات من التفكير نذكر منها:
المستوى الاول : انه من الواضح ان مثل هذه الروايات لا ينبغي ان نعرضها امام القانون الطبيعي، لانها قائمة على خصوص المعجزة ، وليس لها من القانون الطبيعي اي نصيب. واذا حدثت المعجزة امكن ذلك وغيره وبالمعجزة نطق رأسان في البشرية المعروفة . هما رأس يحيى بن زكريا عليهما السلام ورأس الحسين عليه السلام.
المستوى الثاني : ان نطق الرأس انما كان لاقامة الحجة ، على اهل الشام ا لذين كانوا يجهلون شأن الحسين وامامته وصدق قضيته بل كان الحكام لديهم
______________________
(331) سورة الكهف . آية 9
(332) البحار للمجلسي ج45ص121
يغرسون في اذهانهم، ان هذا الموكب لسبايا غير مسلمين من الروم الو الزنج او الديلم او البط ونحو ذلك وكان لا بد لهذا الجانب اعني لموكب الحسين عليه السلام ، ان يثبت صدق قضيته . وفي الواقع انهم لم يقصّروا في ذلك بعد ان تكلم الامام زين العابدين وزينب بنت علي عليهما السلام وآخرون ، وحدثت له عدة مآتم في الشام فورياً.
ومحل الشاهد الان ان الحسين نفسه شارك في هذه الحملة الموسعة والاعلام، وذلك بقرائته القرآن وهو فوق رأس رمح طويل. كانت ماشركته اوكد من كل المشاركات لانه الشخص الرئيسي والاهم اولاً. وأن مشاركته اعجازية ثانيا: وهاتان الصفتان لم تحصل لأي من المشاركين الاخرين في معسكر الحسين (ع) وان علا شأنهم وغلى .
المستوى الثالث : اني شخصياً كنت موجوداً في ليلة منالليالي قبل خمس وعشرين سنة تقريباً في جلسة من جلسات تحضير الارواح . وقد خطر لي ان أسال احداها قائلاً: هل تكل رأس الحسين عليه السلام وكان في حسباني ان تقول : نعم ام لا . فكان من العجب انها قالت : تكلم سبع مرات. فقلنا لعله تكلم بهذا المقدار ولم ينقل من التاريخ إلينا واذ امكن ذلك مرة امكن مرات عديدة وليس في قدرة الله بمستغرب.
وحصلت على كتاب بعد خمس وعشرين سنة او اكثر بعنوان (الحسين في الفكر المسيحي) تأليف : انطوان بارا وهو مسيحي منصف مجّد الحسين ورثا له ، وقارن شهادته، بما يعتقدونه من مقتل المسيح وشهادته واذا بي اجد في هذا الكتاب النقول التاريخية عن كلام رأس الحسين عليه السلام. فأحصيتها فاذا بها سبعة. كما سمعت من تلك الروح قبل خمس وعشرين سنة. ورب صدفة خير من ميعاد.
وأود فيما يلي ان انقل عبارة المؤلف، وما أجاده من التعب في نقل
الجانب التاريخي الاسلامي الناطق بتأريخ رأس الحسين الناطق سلام الله عليه. وسأقوم بترقيمها تنبيهاً للقاريء على عددها ، بالرغم انها من المصدر الذي انقل عنه غير مرقمة ، ولعل المؤلف لم يلتفت إلى انها سبعة موارد او إلى اهمية كونها سبعة. قال :
1- ولما حمل الرأس الشريف إلى دمشق ونصب في مواضع الصيارفة . وهناك لغط المارة وضوضاء المتعاملين فاراد سيد الشهداء توجيه النفوس نحوه ليمعوا عضاته فتنحنح الرأس تنحنحا عالياً. فاتجهت إليه الناس.
واعترتهم الدهشة حيث لم يسمعوا رأسا مقطوعاً يتنحنح قبل يوم الحسين (ع). فعندها قرأ سورة الكهف إلى قوله تعالى (انهم فتية ءامنوا بربهم وزدناهم هدى)(331).
2- وصلب على شجرة فاجتمع الناس حولها ينظرون إلى النور الساطع فأخذ يقرأ : ( وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون)(332).
3- وقال هلال بن معاوية رأيت رجلاً يحمل رأس الحسين (ع) والرأس يخاطبه : ((فرقت بين رأسي وبدني)). فرفع السوط واخذ يضرب الرأس حتى سكت.
4- ويحدث بين وكيدة: انه سمع الرأس يقرأ سورة الكهف فشك في انه صوته او غيره ، فترك (ع) القراءة والتفت إليه يخاطبه : ((يا ابن وكيدة اما علمت انا معشر الائمة احياء عند ربهم يرزقون)).
5- فعزم على ان يسرق الرأس ويدفنه واذا الخطاب من الرأس الشريف:
(( يا بن وكيدة ليس إلى ذلك في سبيل ان سفكهم دمي اعظم عند اله من
_______________________
(331) سورة الكهف . آية 13
(332) سورة الشعراء آية 227
تسييري على الرمح فذرهم فسوف يعلمون ان الاغلال في اعناقهم والسلاسل يسحبون)).
6- وقال المنهال بن عمرو : رأيت رأس الحسين بدمشق على رمح وامامه رجل يقرأ سورة الكهف حتى اذا بلغ إلى قوله تعالى (ام حسبت ان أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا)(333). نطق الرأس بلسان فضيح :
((اعجب من اصحاب الكهف قتلي وحملي)) .
7- ولما أمر يزيد بقتل رسول ملك الروم حيث انكر علهي فعلته، نطق الرأس الشريف بصوت رفيع: ( لا حول ولا قوة إلا بالله )) . (انظر المصدرص110 – 11 ).
أقول : وقد اخرجها المؤلف من مصادرها ، وذكرها في هامش كتابة هذا فراجعه(334).
وينبغي هنا ان نلتفت إلى ان كثرة النقل يسمى بالاصطلاح بالاستفاضة(335). فلو كان النقل مقصوراً على رواية زيد ابن ارقم التي هي
____________________
(333) سورة الكهف آية 9.
(334) لقد لفت انتباهي ان هذه الروايات السبع التيت ذكرها صاحب كتاب الحسين في الفكر المسيحي اذا اضيفت إلى الرواية السابقة التي ذكرها سماحة المؤلف عن زيد ابن ارقم لاصبحت ثمانية
وقد راجعت سماحة المؤلف في ذلك فاجابني قائلاً:-
( قد يقال ان هذه السبعة اذا انضمت إلى رواية زيد ابن ارقم كانت ثمانية ويمكن ان يجاب عدة وجوه منها ان فاعل يقرأ في قوله ((يقرأ سورة الكهف)) ((وهي الرواية رقم (6) من التسلسل السابق)) يعود إلى رأس الحسين (ع) وقوله (نطق ) على معنى بيان شكل من اشكال التفسير للاية . وتكون هذه القراءة لسورة الكهف هي التي سمعها زيد بن ارقم والمنهال بن عمرو معاً فرواياها بروايتين مختلفتين الا ان الحادثة واحدة.
(335) الاستفاضة : وهي كون الرواة للحديث اكثر من ثلاثة في جميع طبقات سلسلة الحديث وصولاً إلى الطبقة الأولى الذين يروون عن الرسول (ص).
اشهرها، لا مكن مناقشتها او التشكيك فيها. ولكن ليس إلى ذلك من سبيل بعد الذي سمعناه من كثرة النقل : وكان فيما نقل عنه المؤلف المذكور كتبت من الفريقين .
بقي ان نشير إلى ما ذكرناه في نهاية السؤال نفسه، من طول المدة على الرأس الشريف وسيره من كربلاء إلى دمشق تحت حرارة الشمس، فهل يعني هذا تغيره او تبديل معالمه او تعذر نطقه؟ كلا بطبيعة الحال اذا التفتنا لأمرين :
احدهما : ان المعجزة لا يختلف فيها طول المدة وقصرها، بل ولا انحفاظ الصورة وعدمها.
وان كان من الواضح ان رأس الحسين عليه السلام كان باقيا على الشكل الذي قطع فيه لم يتغير اطلاقاً وهذا ما نعرفه فيما يلي.
وثانيهما : اننا نعرف بوضوح في الدين ان اجساد الافراد الذين يكونون في درجة عالةي من الايمان قابلة للبقاء والاستمرار بدون ان تبلى او تتفسخ او تحصل منها روائح نتنة ونحو ذلك. بل يبقى الجسد نظيفاً طرياً كانه مات من ساعته. وهو امر متواتر ومحسوس في كثير من الموارد.
ومحل الشاهد الآن : ان هذا لا يفرق فيه بين المدفون وغير المدفون. وهذا هو الذي يفسر حفظ الاجساد لشهداء كربلاء وقد بقيت قبل الدفن ثلاثة ايام كاملة تحت الشمس، فلم تصب بسوء . ويفسر ايضا ًحفظ الرؤوس وقد سيرت على الرماح من كربلاء إلى الكوفة إلى دمشق في الفصل القائض الشديد الحر فلم تصب بسوء.
وهذا من جملة الأمور العديدة التي كانت سببا ً لاقامة الحجة على كل الجيل المعاصر لقتل الحسين (ع) ، بل والاجيال المتأخرة عنه وخاصة اولئك الاعداء الذين قطعوا الرؤوس بكل قسوة ولا انسانية وحملوها على الرماح وسيروها كل هذا السير الطويل.
بل الامر يمكن ان نسير فيه خطوة اخرى: وهو الجزم بان هؤلاء الاعداء، كانوا يعلمون لدى قطعهم الرؤوس لأول مرة وعزمهم على حملها وتسييرها، الاعتيادية سوف لن (نعيش) تحت الشمس بشكل سليم اكثر من نهار واحد. ثم يكون لها رائحة نتنة غير قابلة للتحمل بالنسبة إلىحامل الرأس ولا من حوله وهذا ما ينبغي ان يكون معلوماً لهم سلفاً ومع ذلك عزموا على قطعها وتسييرها الامر الذي يدل على علمهم بان قضية الحسين (ع) على حق وانه واصحابه من الاولياء وان اعداءه على خطأ وباطل بما فيهم هم الذين قطعوا الرؤوس. ولا غرابة في ذلك حين نسمع قوله تعالى : ( وجحدوا بها واستيقنتها انفسهم ظلماً وعلوا)(336) . وقول بعض اعداءه له Lقلوبنا معك وسيوفنا عليك)(337) . الامر الذي يرهن انهم كانوا يعيشون انشطاراً في الشخصية. وهذا هو الذي يجعل موقفهم امام الله سبحانه اشد مسؤولية واعظم عقوبة.
فهذه ثمان جهات لأهم الأسئلة التي قد قد تثار حول واقعة الطف وما بعدها واحسب ان الامور الأخرى فيها لا تحتاج إلى توضيح . وانما يحتاج القارئ الكريم بالنسبة إليها إلى اطلاع ، لكي يجد مواطن العظمة والجهاد والصبر للحسين واصحابه سلام الهل عليهم اجمعين
حرره بتاريخ 19/2/1414 هــ
محمد الصدر
_______________________
(336) سورة النمل . أية 14
(337) العقد الفريد ج4ص384 – بتصرف – الارشاد للمفيد ص218 ط نجف
1 :: 2 :: 3 :: 4 :: 5 :: 6 :: 7