القسم الاول
تاريخ شخص الإمام المهدي
من حيث مكانه ومعيشته وتكليفه الشرعي بحفظ الشريعة الإسلامية ،
ولقائه مع الناس وقضائه لحوائجهم ، والكلام عن ذريتهم ، وغير ذلك .
والكلام حول ذلك يقع ضمن فصول متعددة .
صفحة (29)
الفصل الأول
في السر الأساسي لغيبة المهدي (ع)
ونريد به الأسلوب الأساسي الذي يتبعه عليه السلام في احتجابه عن الناس ونجاته من براثن الظلم . وبمعرفتنا لهذا الأسلوب ، سيسهل علينا الجواب على عدد كثير من الأسئلة التي تثار في الفصول الآتية ن إن شاء الله تعالى.
نواجه في باديء الأمر ، في أسلوب احتجابه أطروحتين أساسيتين :
الأطروحة الأولى : أطروحة خفاء الشخص :
وهي الأطروحة التقليدية المتعارفة المركوزة في ذهن عدد من الناس ، وتدل عليه ظواهر بعض الأدلة على ما سنسمع . وهي أن المهدي (ع) يختلفي جسمه عن الأنظار ، فهو يرى الناس ولا يرونه ، وبالرغم من أنه قد يكون موجوداً في مكان إلا أنه يُرى المكان خالياً منه .
أخرج الصدوق في إكمال الدين(1) بإسناده عن الريان بن الصلت ، قال :
سمعته يقول : سئل أبو الحسن الرضا (ع) عن القائم (ع) ، فقال : لا يرى جسمه ولا يسمى
باسمه .
ــــــــــــــــــ
(1) انظر الأخبار الثلاثة في المصدر المخطوط .
صفحة (31)
وأخرج بإسناده عن الصادق جعفر بن محمد (ع) في حديث : قال : الخامس من ولد السابع يغيب عنكم شخصه ولا يحل لكم تسميته . وأخرج أيضاً بإسناده عن عبيد بن زرارة قال سمعت أبا عبدالله (ع) يقول :
يفقد الناس أمامهم فيشهد الموسم فيراهم ولا يرونه .
وهذه الأطروحة هي أسهل افتراض عملي لاحتجاب الإمام المهدي (ع) عن الناس ونجاته من ظلم الظالمين. فإنه في اختفائه هذا يكون في مأمن قطعي حقيقي من أي مطاردة أو تنكيل ، حيثما كان على وجه البسيطة.
وهذا الاختفاء يتم عن طريق الإعجاز الإلهي ، كما تم طول عمره لمدى السنين المتطاولة بالإعجاز أيضاً . وكان كلا الأمرين لأجل حفظ الإمام المهدي (ع) عن الموت والأخطار ، لكي يقوم بالمسؤولية الإسلامية الكبرى في اليوم الموعود .
ونحن نعلم بالدليل القطعي في الإسلام أهمية هذا اليوم الموعود عند الله عز وجل وعند رسوله ، فإنه اليوم الذي يتحقق به الغرض الأساسي من خلق البشرية ، على ما سنعرف ، وتتنفذ به آمال الأنبياء والمرسلين، وتتكلل جهودهم بالنجاح ، بوجود المجتمع العادل وإنجاز دولة الحق . كما أننا نبرهن(1) على أن الأهداف الإلهية المهمة ، إذا توقف وجودها على المعجزة ، فإن الله تعالى يوجدها لا محالة لا محالة ، من أجل تحقيق ذلك الهدف المهم .
وإذا نعتقد – كما هو المفروض في هذا التاريخ – بولادة الإمام المهدي (ع) المذخور لليوم الموعود ، يتبرهن لدينا بوضوح كيف ولماذا تعلق الغرض الإلهي بحفظه وصيانته ، كما تعلق بطول عمره . فإذا كانت صيانته منحصرة باختفاء شخصه ، لزم على الله عز وجل تنفيذ هذه المعجزة وفاء بغرضه الكبير .
وتضيف هذه الأطروحة الأولى ، قائلة : بأن هذا الاحتجاب قد يزول أحياناً ، عندما
توجد مصلحة في زواله: كما لو أراد المهدي (ع) أن يقابل شخصاً من البشر لأجل أن يقضي
له حاجة أو يوجه له توجيهاً أو ينذره إنذاراً . فإن المقابلة تتوقف على رؤيته ، ولا
تتم مع الاختفاء .
ــــــــــــــــــ
(1) انظر لمعجزة في المفهوم الإسلامي ، مخطوط للمؤلف .
صفحة (32)
ويكون مقدار ظهوره للناس محدوداً بحدود المصلحة ، فإن اقتضت أن يظهر للناس ظهوراً تاماً لكل رائي تحقق ذلك، واستمرت الرؤية بمقدار أداء غرضه من المقابلة . ثم يحتجب فجأة فلا يراه أحد ، بالرغم من أنه لم يغادر المكان الذي كان فيه. وإذا اقتضت ظهوره لشخص دون شخص تعين ذلك أيضاً ، إذ قد يكون انكشافه للآخرين خطراً عليه.
وعلى ذلك تحمل كل أخبار مشاهدة المهدي (ع) خلال غيبته ، حتى ما كان خلال الغيبة الصغرى ، وخاصة فيما سمعناه في تاريخ الغيبة الصغرى(1) بأن المهدي (ع) ظهر لعمه جعفر الكذاب مرتين ، ثم اختفى من دون أن يعلم أين ذهب . فأنه يعطي أن الاختفاء كان على شكل هذه الأطروحة .
وأما أخبار المشاهدة خلال الغيبة الكبرى ، فبعضها ظاهر في الدلالة على ذلك ، بل منها ما هو صريح به . بل أن بعض هذه الأخبار تتوسع ، فتنسب الاختفاء إلى فرسه الذي يركبه وخادمه الذي يخدمه ، بل حتى الصراف الذي يحوّل عليه شخصاً لأخد المال(2) .
وأود أن أشير في هذا الصدد إلى أن هذه الأطروحة في غنى عما نبزه بعض مؤرخي العامة على المعتقدين بغيبة المهدي (ع) .من أنه نزل إلى السرداب واختفى فيه ولم يظهر.كما سبق أن ناقشنا ذلك في تاريخ الغيبة الصغرى(3). وأن أخبار مشاهدة المهدي (ع) في كل من غيبته الصغرى والكبرى مجمعة على مشاهدته في أماكن أخرى . وعلى أي حال ، فهذه الأطروحة في غنى عن ذلك ، لوضوح إمكان اختفاء المهدي (ع) بشخصه في أي مكان ، ولا ينحصر ذلك في السردات بطبيعة الحال .
وسيأتي في الفصول الآتية ، ما يصلح أن يكون تكملة للتصور المترابط للمهدي (ع) بحسب هذه الأطروحة.
الأطروحة الثانية : أطروحة خفاء العنوان :
ونريد به أن الناس يرون الإمام المهدي (ع) بشخصه بدون أن يكونوا عارفين أو ملتفتين
إلى حقيقته .
ــــــــــــــــــ
(1) انظر ص 314 . (2) انظر النجم الثاقب ، ص 351 . (3) المصدر ، ص 563
صفحة (33)
فإننا سبق أن عرفنا من تاريخ الغيبة الصغرى ، أن المهدي (ع) رباه أبوه محتجباً عن الناس ، إلا القليل من الخاصة الذين أراد أن يطلعهم على وجوده ويثبت لهم إمامته بعده . ثم ازداد المهدي (ع) احتجاباً بعد وفاة أبيه وأصبح لا يكاد يتصل بالناس إلا عن طريق سفرائه الأربعة . غير عدد من الخاصة المأمونين الذين كانوا باحثين عن الخلف بعد الإمام العسكري عليه السلام ، كعلي بن مهزيار الأهوازي وغيره . وكان المهدي (ع) يؤكد عليهم في كل مرة الأمر بالكتمان والحذر .
وكلما تقدمت السنين في الغيبة الصغرى ، وتقدمت الأجيال ، قلّ الذين عاصروا الإمام العسكري عليه السلام وشاهدوا ابنه المهدي (ع) ، حتى انقرضوا . ووجدت أجيال جديدة لا تعلم من أسلوب اتصالها بالإمام (ع) إلا الاتصال بسفيره ،على أفضل التقادير. وكان هذا الجيل – بشكل عام – جاهلاً بالكلية بسحنة وشكل إمامه المهدي (ع) ، بحيث لو واجهوا لما عرفوه البتة إلا بإقامته دلالة قطعية على شخصيته .
ومن هنا تيسر له – كما علمنا في ذلك التاريخ – فرصة السفر إلى مختلف أنحاء البلاد كمكة ومصر ، من دون أن يكون ملفتاً لنظر أحد .
وهذا ما نعنيه من خفاء العنوان . فإن أي شخص يراه يكون غافلاً بالمرة عن كونه هو الإمام المهدي (ع). وإنما يرى فيه شخصاً عادياً كسائر الناس لا يلفت النظر على الإطلاق .
ويمكن للمهدي (ع) أن يعيش في أي مكان يختاره وفي أي بلد يفضله سنين متطاولة ، من دون أن يلفت إلى حقيقته نظر أحد . وتكون حياته في تلك الفترة كحياة أي شخص آخر يكتسب عيشه من بعض الأعمال الحرة كالتجارة أو الزراعة أو غيرها . ويبقى على حاله هذه في مدينة واحدة أو عدة مدن ، حتى يأذن الله تعالى له بالفرج . ويمكن الاستدلال على هذه الأطروحة ، انطلاقاً من زاويتين :
الزاوية الأولى :
الأخبار الواردة بهذا الصدد منها : ما أخرجه الشيخ الطوسي في الغيبة(1) عن السفير الثاني الشيخ محمد عن عثمان العمري أنه قال : والله إن صاحب هذا الأمر ليحضر الموسم كل سنة يرى الناس ويعرفهم ويرونه ولا يعرفونه .
والمقصود بصاحب هذا الأمر : الإمام المهدي (ع) ، والمراد بالموسم موسم الحج . والرواية واضحة الدلالة على عدم اختفاء الشخص ومقترنة بالقسم بالله تعالى تأكيداً . وصادرة من سفير المهدي (ع) وهو أكثر الناس اطلاعاً على حاله .
ومنها : ما ورد عن السفير من قوله حول السؤال عن اسم الإمام المهدي (ع) : وإذا وقع الاسم وقع الطلب(2) .
فإنه ليس في طلب الحكام للمهدي (ع) ومطاردتهم له ، أي خطر ولا أي تأثير ، لو كانت الأطروحة الأولى صادقة وكان جسم المهدي (ع) مختفياً ، إذ يستحيل عليهم الوصول إليه . وإنما يبدأ الخطر والنهي عن الاسم تجنباً للمطاردة طبقاً للأطروحة الثانية . فأنه ما دام عنوان المهدي (ع) واسمه مجهولين ، يكون في مأمن عن المطاردة، وأما إذا "وقع الاسم" وعرف العنوان ، لا يكون هذا الأمن متحققاً ويكون احتمال المطاردة قوياً .
ومنها : ما ورد من التوقيع الذي خرج من المهدي (ع) إلى سفيره محمد بن عثمان رضي الله عنه يقول فيه : فإنهم إن وقفوا على الاسم أذاعوه ، وإن وقفوا على المكان دلّوا عليه(3) .
فإنه لو صدقت الأطروحة الأولى لم يكن رؤية المهدي (ع) في أي مكان على الإطلاق ، ولم
يكن في الدلالة على أي مكان خطر أصلاً . وإنما يكون الخطر موجوداً طبقاً للأطروحة
الثانية .
ــــــــــــــــــ
(1) انظر المصدر ص 221 . (2) نفس المصدر ، ص 219 . (3) المصدر ، ص 222 .
صفحة (35)
ومنها : ما قاله أبو سهل النوبختي حين سئل فقيل له : كيف صار هذا الأمر إلى الشيخ أبي القاسم الحسين بن روح دونك ، فقال : هم أعلم وما اختاروه . ولكن أنا رجل ألقى الخصوم وأناظرهم . ولو علمت بمكانه كما علم أبو القاسم وضغطتني الحجة على مكانه لعلّي كنت أدل على مكانه . وأبو القاسم فلو كانت الحجة تحت ذيله وقرض بالمقاريض ما كشف الذيل عنه(1) .
ومن الواضح أنه لا معنى لكل هذه الاحتياطات والتحفظات مع صحة الأطروحة الأولى أي اختفاء شخص المهدي عليه السلام . وإنما لا بد من ذلك مع صحة الأطروحة الثانية ، فإن الدلالة على المكان مستلزم لانكشاف العنوان . والقائل لهذا الكلام هو أبو سهل النوبختي الذي كان من جلالة القدر والوثاقة بحيث كان من المحتمل أن يكون هو السفير عن الإمام (ع) ... ومن هنا سئل في هذه الرواية عن غض النظر عنه وإبداله بالشيخ ابن روح .
فهذه جملة من الأخبار الدالة على صحة الأطروحة الثانية ، وبطلان الأولى . إلى أخبار غيرها لا نطيل الحديث بسردها .
الزاوية الثانية :
قانون المعجزات الذي يقول : إن المعجزة إنما تحدث عند توقف إقامة الحق عليها ، واما مع عدم هذا التوقف ، وإمكان إنجاز الأمر بدون المعجزة فإنه لا تحدث بحال . كما برهنا عليه في محله(2) .
ولا شك أن حفظ الإمام المهدي (ع) وبقاءه مما يتوقف عليه إقامة الحق بعد ظهوره . فلو توقف حفظه على إقامة المعجزة بإخفائه شخصياً لزم ذلك . إلا أن هذا غير لازم لما عرفناه من كفاية خفاء العنوان في إنجاز الغرض المطلوب وهو حفظه من كيد الأعداء . وسنذكر فيما يلي بعض الإيضاحات لذلك . ومن هنا تكون معجزة اختفائه بلا موضوع ، ويتعين الأخذ بالأطروحة الثانية .
ومن أجل تنظيم هذه الأطروحة فكرياً وبرهانياً ، لا بد من الجواب عليها .
ــــــــــــــــــ
(1) المصدر ، ص 240 . (2) انظر المعجزة في المفهوم الإسلامي ، المخطوط .
صفحة (36)
السؤال الأول :
إذا كان المهدي (ع) ظاهراً بشخصه للناس ، وهم لا يعرفونه ، فكيف لا يلتفتون إليه طوال السنين ، وهم يرونه باقياً لا يموت ، على حيث يموت غيره من الناس .
وفي هذا السؤال غفلة عن الأسلوب الذي يمكن للمهدي (ع) أن يتخذه تلافياً لهذا المحذور . فإنه لو عاش في مدينة واحدة حقبة طويلة من الزمن لانكشف أمره لا محالة . ولكنه – بطبيعة الحال – لا يعمل ذلك ، بل يقضي في كل مدينة أو منطقة ، عدداً من السنين تكون كافية لبقاء غفلة الناس عن حقيقته .
فلو كان يقضي في كل مدينة من العالم الإسلامي خمسين عاماً ، لكان الآن قد أكمل سكنى اثنتين وعشرين مدينة . وتوجد في العالم الإسلامي أضعاف ذلك من المدن التي يمكن للمهدي (ع) أن يسكنها تباعاً . كما يمكن أن يعود إلى نفس المدينة التي سكن بها ، بعد مضي جيلين أو أكثر وانقراض من كان يعرف شخصه من الناس .
ومن البسيط جداً ألا ينتبه الناس إلى عمره خلال السنوات التي يقضيها في بلدتهم . فإن هناك نوعاً من الناس ، نصادف منهم العدد غير القليل ، تكون سحنتهم ثابتة التقاطيع على مر السنين . فلو فرضنا – في الأطروحة – كون المهدي (ع) على هذا الغرار ، لم يكن ليثير العجب بين الناس ، بعد أن يكونوا قد شاهدوا عدداً غير قليل من هذا القبيل .
ثم حين يمر الزمان الطويل ، الذي يكون وجود المهدي (ع) فيه ملفتاً للنظر ومثيراً للانتباه ، يكون المهدي (ع) قد غادر هذه المدينة بطريق اعتيادي جداً إلى مدينة أخرى ليسكن فيها حقبة من السنين . وهكذا .
السؤال الثاني :
أنه كيف تتم المقابلة مع الإمام (ع) ، على الشكل الوارد في أخبار المقابلة ؟ وكيف يختفي الإمام بعدها ؟
أما حدوث المقابلة ، ففي غاية البساطة ، فإنه عليه السلام إذ يى المصلحة في مقابلة شخص ، فإنه يكشف له عن حقيقته إما بالصراحة ، أو بالدلائل التي تدل عليه في النتيجة ، لكي يعرف الفرد أن الذي رآه هو المهدي (ع) ولو بعد حين .
صفحة (37)
والمهدي (ع) يحتاج في إثبات حقيقته لأي فرد إلى دليل ، لجهل الناس جهلاً مطلقاً بذلك . وهو يعبّر عن معجزة يقيمها الإمام (ع) في سبيل ذلك ، وهذه المعجزه تقوم في طريق إثبات الحجة على المكلفين ، فتكون ممكنة وصحيحة ، وهي طريق منحصر لإثبات ذلك ، كما هو واضح ، إذ بدونها يحتمل أن لا يكون هو المهدي (ع) على أي حال .
والغالب في أخبار المشاهدة أن الفرد لا ينتبه إلى حقيقة المهدي (ع) إلا بعد فراقه ، ومضي شيء من الزمان . لأن الفرد لا يستطيع أن يشخّص أن ما قام به المهدي (ع) أو ما قاله هو من المعجزات الخاصة به ، إلا بعد مفارقته بمدة . وبذلك يضمن المهدي (ع) خلاصه من الاطلاع الصريح المباشر على حقيقته في أثناء المقابلة ، فتندفع عنه عدة مضاعفات محتملة .
وأما أن كيف يختفي المهدي (ع) بعد انتهاء المقابلة ، فذلك أطروحتان ، من الممكن له تطبيق أي منهما .
الأولى : الاختفاء الشخصي الإعجازي . فيما إذا انحصر طريق التخلص به ، فيكون مطابقاً مع قانون المعجزات .
الثانية : وهي المتحققة على الأغلب في ظروف اللقاء المنقولة لنا في أخبار المشاهدة
، سواء ما وقع منها في عصر الغيبة الصغرى أو ما يقع في الغيبة الكبرى . وهو
الاختفاء بطريق طبيعي ، لعدم انحصار التخلص بالمعجزة. بل كان المهدي (ع) يزجي هذا
الأمر بنحو عادي جداً غير ملفت للنظر . كما لو أصبح رفيقاً في السفر مع بعض الأشخاص
ثم يفارقه(1) أو يبقى المهدي (ع) في مكانه ويسافر عنه الشخص الآخر(2)
. أو أن المهدي يوصل شخصاً إلى مأمنه من متاهة وقع فيها ثم يرجع . ولايلتفت ذلك
الشخص إلى حقيقة منقذه إلا بعد ذهابه(3) . ويكون لغفلته هذه الأثر
الكبير في سهولة وسرعة اختفاء المهدي عنه . ومع إمكان الاختفاء الطبيعي ، يكون
الاختفاء الإعجازي بلا موضوع .
ــــــــــــــــــ
(1) انظر الغيبة للشيخ الطوسي ، ص 181 . (2) انظر النجم الثاقب ، ص 306 . (3)
انظر المصدر ، ص 341 وغيرها .
صفحة (38)
ويستطيع المهدي (ع) أن يخطط بمقابلته نحواً من الأسلوب ، ينتج غفلة الرائي عن كونه هو المهدي (ع) في أثناء المقابلة . وإنما يتوصل إلى الالتفات إلى ذلك بعدها . ويقيم دلائله بحيث لا تكون ملفته للنظر أثناء وقوعها ، وإنما يحتاج الالتفاف إليها إلى شيء من الحساب والتفكير ، لا يتوفر – عادة – إلى بعد اختفاء المهدي . وهذا هو الديدن الذي يطبقه الإمام (ع) في أغلب المقابلات .
وهذا التخطيط المسبق الذي يقوم به المهدي (ع) يغنيه عن التفكير في طريقة الاختفاء عند المقابلة . وإن كان لا يعدم – بغض النظر عن الاختفاء الإعجازي – مثل هذه الطريقة . ولئن كنا نرى في كل زمانأشخاصاً عارفين بطرق الاختفاء السريع ، لمختلف الأغراض ، كالبحث عن المجرمين أو الهرب من العقاب . أو عن مقابلة الدائن ، أو غير ذلك ... فكيف بالإمام المهدي (ع) صاحب القابليات غير المحدودة الذي يستطيع بها أن يحكم العالم كله ، والعد لذلك من الله تعالى إعداداً خاصاً .
السؤال الثالث :
إن من يرى المهدي (ع) ، فسوف يعرفه بشخصه ، وسيعرفه كلما رآه . وهو ما يؤدي بالمهدي (ع) تدريجاً إلى انكشاف أمره وانتقاء غيبته المتمثلة بخفاء عنوانه والجهل بحقيقته . إذ من المحتمل للرائي أن يخبر الآخرين بذلك، فيعرفون حقيقته وينكشف أمره .
ويمكن الانطلاق إلى الجواب على مستويات ثلاثة :
المستوى الأول :
إن الفرد الذي يحظى بمقابلة المهدي (ع) لن يكون إلا من خاصة المؤمنين المتكاملين في الإخلاص – على الأغلب – ومثل هذا الفرد يكون مأموناً على إمامه (ع) من النقل إلى الآخرين . فإن الناس لا يعلمون من هذا الشخص أنه رأى المهدي وعرفه ، وله الحرية في أن يقول ذلك أو أن يستره ، أو أن يبدي بعض الحادث ويخفي البعض الآخر ، بالمقدار الذي يحقق به مصلحة الغيبة والستر على الإمام الغائب عليه السلام .
صفحة (39)
المستوى الثاني :
إذا لم يكن الرائي مأموناً ، فيما إذا اقتضت المصلحة مقابلته ، فقد يكون بعيد المزار جداً ، ويكون المهدي (ع) عالماً سلفاً بأنه لن يصادفه في مدينته أو في الأماكن التي يطرقها طيلة حياته . ومعه فيكون الخطر المشار إليه في السؤال غير ذي موضوع .
المستوى الثالث :
إذا كان الرائي قريباً في مكانه من المنطق التي يسكنها المهدي (ع) ولم يكن مأموناً ، فإنه يحتاج المهدي إلى تخطيط معين لتفادي الخطر المذكور .
ولعل أوضح تخطيط وأقربه إلى الأذهانهو أن يغير زيه الذي يعيش به عادة بين الناس ليقابل الفرد المطلوب بزي جديد . ومن هنا نرى الإمام المهدي (ع) – على ما دلت عليه الروايات – يقابل الناس بأزياء مختلفة . ففي عدد من المرات يكون مرتدياً عقالاً وراكباً جملاً أو فرساً . وفي مرة على شكل فلاح يحمل المنجل ، وأخرى على شكل رجل من رجال الدين العلويين(1) . وهذا أحسن ضمان لعدم التفات الناس إلى شخصيته المتمثلة بزيه العادي .
على أن المقابلات تقترن في جملة من الأحيان ، بأشكال من الضرورة والحرج عند الفرد ، وهي الضرورة التي يريد المهدي (ع) إزالتها ، على ما سنسمع ، ومثل هذا الفرد يصعب عليه ، وهو في حالته تلك تمييز سحنة الإمام (ع) بشكل يستطيع أن يشخصه بعد ذلك ، خاصة وهو في زيه التنكري .
وهناك أساليب أخرى ، يمكن اتخاذها في هذا الصدد ، لا ينبغي أن نطيل بها الحديث .
ولو فرض أنه احتاج الأمر وانحصر حفظ الإمام عليه السلام بالإعجاز بطريق الاختفاء
الشخصي ، لو قابله الفرد الرائي مرة ثانية ، لكان ذلك ضرورياً ومتعيناً . أو تكون
المعجزة على شكل نسيان الرائي لسحنة الإمام (ع) بعد المقابلة .
ــــــــــــــــــ
(1) راجع ذلك في النجم الثاقب في عدد من مواضيع الكتاب .
صفحة (40)
فهذه ثلاثة أسئلة مع أجوبتها تضع الملامح الرئيسية على أطروحة خفاء العنوان . وسيأتي لها العديد من الإيضاحات والتطبيقات في الفصول الآتية .
وعرفنا أيضاً كيف تتبرهن هذه الأطروحة في مقابل الأطورحة الأولى ، من حيث أن باستطاعة الإمام المهدي (ع) أن يحتجب عن الناس بكشل طبيعي لا إعجاز فيه ، ما لم يتوقف احتجابه على الإعجاز ، طبقاً لقانون المعجزات . وإذا تمّ ذلك يكون الالتزام باختفائه الشخصي الدائم ، بالمعجزة ، منفياً بهذا القانون ، وينبغي تأويل أو نفي كل خبر دال عليه .
كما أن هذه الأطروحة الثانية ، هي التي تنسجم مع التصورات العامة التي اتخذناها في فهم الأسلوب العام لحياة الإمام المهدي (ع) في غيبته الصغرى .
ونود أن نشير في خاتمة هذه الأطروحة إلى نقاط ثلاث :
النقطة الأولى :
أننا إذ نعرف أن المهدي (ع) متى استطاع الاحتجاب بشكل طبيعي ، فإن المعجزة لا تساهم في احتجابه ... لا نستطيع – على البعد – مقتضيات الظروف والأحوال التي يمر بها المهدي (ع) في كل مقابلة . وهل كان بإمكانه أن يختفي بشكل طبيعي ، أو يتعين عليه الاختفاء الإعجازي .
فمثلاً : إن لاختفائه بعد مقابلته لجعفر الكذاب مرتين ، احتمالين ، هما اختفاؤه الشخصي أو اختفاؤه الطبيعي ، بحسب الظروف التي كان يعيشها المهدي (ع) يومئذ . وأما بدء هذه المقابلة فلا حاجة إلى افتراض كونه إعجازياً ، بأي حال ، كما ذهب إليه رونلدسن(1) ، بل يمكن أن يكون طبيعياً اعتيادياً .
وعلى أي حال ، فبعض الروايات ، يمكنها أن تعطينا الظرف الذي تنتهي به المقابلة .
حيث يتضح من بعضها إمكان الاحتجاب الطبيعي ، كما سبق أن مثلنا .بينما يتضح من بعضها
تعيّن الاحتجاب الإعجازي أحياناً ، كما ستسمع في مستقبل هذا التاريخ .
ــــــــــــــــــ
(1) انظر عقيدة الشيعة ، ص 237 .
صفحة (41)
النقطة الثانية :
في الإلماع إلى الأنحاء المتصور لما يحصل بالمعجزة من أثر يوجب اختفاء الجسم على الناظر ، بالرغم من اقتضاء القوانين الكونية لحصول الرؤية .
فنقول : إن المعجزة أما أن تتصرف في الرائي أو في المرئي . فتصرفها في الرائي هو جعله بنحو يعجز عن إدراك الواقع الذي أمامه . فيرى المكان خالياً عن الإمام المهدي (ع) مع أنه موجود فيه بالفعل . فلو تعين بحسب المصلحة الملزمة والغرض الإلهي ، أن يراه شخص دون شخص ، كان نظر من يراه اعتيادياً، ونظر من لا يراه محجوباً بالمعجزة . وكذلك أيضاً التصرف في الحواس الأخرى كالسمع واللمس وغيرها ، وقد تحتجب بعض حواس الفرد دون بعض ، فيسمع صوت المهدي (ع) من دون أن يراه(1) .
وفرق الأطروحتين الرئيسيتين بالنسبة إلى الإعجاز الإلهي هو : أن الأطروحة الأولى
ترى أن هذا الإعجاز هو الأمر الاعتيادي الدائم والثابت لكل الناس ، بالنسبة إلى
حياة المهدي (ع) حال غيبته الكبرى . وإنما تحتاج مقابلته إلى استثناء عن هذا الدوام
. على حين ترى الأطروحة الثانية أن الأمر الاعتيادي الدائم هو انكشاف جسم المهدي
(ع) للناس وإمكان معاشرته معهم . ويحتاج اختفاء شخصه إلى استثناء لا يحدث إلا عند
توقف حفظ الإمام المهدي (ع) عليه . وأما تصرف المعجزة في المرئي أي الواقع الموضوعي
القابل للرؤية . فأوضح طريق لذلك هو أن تحول المعجزة دون وصول الصورة النورية
الصادرة عن جسم المهدي (ع) أو ذبذباته الصوتية ، وغير ذلك مما تتقبله الحواس الخمس
... تحول دون وصولها إلى الرائي أو السامع . ومعه يكون الفرد عاجزاً أيضاً عن
الإحساس بالواقع الموضوعي الذي أمامه . وهناك أكثر من نحو واحد ، متصور للمعجزة في
محل الكلام ، وهي تحتاج إلى بحث فلسفي وفيزياوي مطول ، فيكون الأحجى أن تضرب عنه
صفحاً تحاشياً للتطويل .
ــــــــــــــــــ
(1) البحار ، جـ 3 ، ص 146 .
صفحة (42)
النقطة الثالثة :
أنه ساعد الإمام المهدي (ع) في غيبته عوامل نفسية أربعة متحققة لدى الناس على اختلاف نحلهم واتجاهاتهم ، مما جعل عليهم من الممتنع التصدي للبحث عنه لأجل الاستفادة منه أو التنكيل به .
العامل الأول :
الجهل بشكله وهيئة جسمه جهلاً تاماً . وهو عامل مشترك بين أعدائه ومحبيه .
العامل الثاني :
إنكاره من قبل غير قواعده الشعبية بما فيهم سائل الحكام الظالمين الذي يمثل المهدي رمز الثورة عليهم وإزالة نظمهم من الوجود . فهم في إنكارهم له مرتاحين عن مطاردته ، وهو مرتاح من مطاردتهم .
العامل الثالث :
ارتكاز صحة الأطروحة الأولى عند عدد من قواعده الشعبية ، أخذاً بظواهر الأخبار التي سمعناها . إذ مع صحتها لا يكون هناك سبيل إلى معرفته بل يستحيل الإحساس بوجوده ، إلا عن طريق المعجزه ، وهي لا تتحقق إلا للأوحدي من الناس .
العامل الرابع :
الإيمان بعناية الله تعالى له وحفظه ليومه الموعود . فمتى تعلَّقت المصلحة بالمقابلة مع المهدي (ع) كان هو الذي يريدها . ومتى لم تتعلق بها المصلحة ، فالأصلح للإسلام والمسلمين ألا تتم المقابلة وإن تحرَّق الفرد المؤمن إليها شوقاً . ومن هنا يكون الفرد الاعتيادي في حالة يأس من مقابلته والتعرف إليه .
صفحة (43)
الفصل الثاني
التكليف الإسلامي للإمام المهدي (ع) في غيبته الكبرى
وما يقوم بتنفيذه تجاه الإسلام والمسلمين من أعمال نافعة ومصالح كبرى
ينقسم تكليف الإمام عموماً في الإسلام عند ظهوره وعد وجود المانع عن عمله ، إلى عدة أقسام :
القسم الأول :
وجوب توليه رئاسة الدولة وقيادة الأمة ، بمعنى تطبيق الأطروحة الكاملة للعدل الإسلامي على وجه الأرض. والأخذ بالأزمة العليا للمجتمع لأجل ضمان هذا التطبيق .
القسم الثاني :
وجوب الدعوة الإسلامية ، بمعنى إدخال المجتمع الكافر في بلاد الإسلام ، إما الحرب أو بالصلح أو بغيرهما.
القسم الثالث :
وجوب الحفاظ على المجتمع المسلم ضد الغزو الخارجي ، والدفاع عن بيضة الإسلام بالنفس والنفيس .
القسم الرابع :
وجوب الحفاظ على المجتمع المسلم ضد الانحراف وشيوع الفساد في العقيدة أو السلوك بالتوجيه الصالح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتبليغ تعاليم الإسلام .
صفحة (45)
وهذه الأقسام الأربعة ، تجب وجوباً مطلقاً في أي مكان وزمان ، يجب أن يبذل الإمام والأمة في سبيلها أقصى ما يستطيع وتستطيع .
القسم الخامس :
وهو خاص بصورة عجز الإمام عن جملة من الأعمال السابقة ، لكونه يعيش في مجتمع منحرف يطارده ويراقبه ويعزله عن الأعمال الاجتماعية والسياسية ، كما كان عليه حال أئمتنا عليهم السلام – بشكل عام – وقد حملنا عن بعض جوانب ذلك صورة واضحة في تاريخ الغيبة الصغرى .
ففي مثل ذلك يكون عمل الإمام – كما رأينا في ذلك التاريخ – مكرساً – في الإغلب – على الحفاظ على قواعده الشعبية ومواليه ، وعلى حسن علاقتهم بالآخرين وحسن تلقيهم تعاليم الدين وتطبيقهم أحكام الإسلام .
نعم ، إن وجد الإمام طريقاً أحياناً إلى القيام ببعض الأعمال الإسلامية على نطاق واسع . وكان المانع مرتفعاً عنه في ذلك العمل ، وجب عليه إنجازه ، وكان ذلك العمل أوسع من قواعده الشعبية وشاملاً خيره لكل بلاد الإسلام .
القسم السادس :
وجوب إغاثة الملهوف وإعانة المضطر . وهو تكليف عام لا يختص بالإمام عليه السلام ، بل يعم كل مسلم. نعم ، قد يحول العجز عن الإغاثة أو وجود عمل أو هدف إسلامي أهم ، فيسقط وجوبها ، كما قرر في محله بحسب القواعد الإسلامية .
إذا علمنا هذه الأقسام ، وعلمنا أن الإمام المهدي (ع) ، يجب عليه بالنظر الأولي كل هذه الأمور جملة وتفصيلاً ، يجب أن يؤدي منها ما يستطيع إليه سبيلاً . شأنه في ذلك شأن أي إمام آخر . وقد أدى الأئمة من آبائه عليهم السلام ، ما استطاعوا من هذه التكاليف ، وتركوا ما عجزوا عنه ، أو اقتضت المصالح الإسلامية العليا تركه .
أما الإمام المهدي (ع) نفسه ، فهو مذخور للقيام بدولة الحق في اليوم الموعود ، وهو من أعظم الأهداف الإلهية ، يرتبط بأصل خلقه البشرية ووجودها على ما سنبرهن عليه في مستقبل هذا التاريخ . وقد علمنا من القواعد العامة بما فيها قانون المعجزات بأن الأهداف الإلهية العليا تتقدم على أي شيء آخر ، فكل ما تتوقف على حدوثه فإنه يحدث لا محالة وكل ما تتوقف على انتقائه وانعدامه فإنه ينتفي لا محالة ، سواء كان ذلك من أمور الكون أو من أحكام الشريعة .
صفحة (46)
فإذا نظرنا إلى هذا الهدف المهم ، الذي ذخر المهدي (ع) له ، وجدنا أن أموراً عديدة يتوقف على حدوثها كوجود المهدي (ع) وغيبته ، والمعجزة التي تتكفل طول بقائه ، والمعجزة التي تتكفل اختفاءه الشخصي أحياناً لصيانته من الأخطار . كما نجد أن أموراً يتوقف اليوم الموعود على انتفائها . فمن ذلك في جانب الأحكام : إن كل حكم شرعي يكون تطبيقه منافياً مع حفظ الإمام المهدي أو غيبته وبالتالي يكون منافياً مع وجود اليوم الموعود نفسه ، فإن هذا التطبيق يكون ساقطاً شرعاً عن الإمام ، ولا يجب عليه امتثال الحكم وتنفيذه . وأما الأحكام الشرعية الإسلامية غير المنافية مع هذه الأمور ، سواء الأحكام الشخصية كوجوب الصلاة والصوم ، أو العامة كوجوب الأمر بالمعروف – مثلاً – على ما سنسمع ، فلا موجب للالتزام بسقوطها ، بل تكون شاملة له ويجب عليه تنفيذها لفرض استطاعته ذلك ، باعتبار عدم منافاتها مع غيبته وهدفه .
إذا علمنا ذلك ، استطعنا أن نحكم بوضوح بسقوط التكليف بأي واحد من الأقسام السابقة ، إذا كان مستلزماً لانكشاف أمره وزوال غيبته . وهذا واضح إلى حد كبير في الأقسام الثلاثة الأولى ، فإنه مستلزم لذلك عادة، إلا أن يفترض كونه قائداً أو موجهاً بشخصية ثانوية يعرف بها غير صفة الحقيقة على ما سيأتي .
وبغض النظر عن ذلك ، تكون الأطروحتان الرئيسيتان للغيبة ، مختلفتين في المدلول :
أما بناء على صحة أطروحة خفاء الشخص ، فكل الأقسام يمتنع عليه القيام بها ، إلا ما كان خلال الأحوال الاستثنائية التي تتم فيها المقابلة مع الآخرين . لوضوح أنه حال اختفائه لا يمكنه القيام بأي عمل .
وقد يخطر في الذهن ، أنه يمكن للمهدي (ع) الظهور التام ، والقيام بسائر الأعمال وتطبيق كل الأحكام .
والجواب : إن هذا قبل أوانه لا يكون ممكناً . أولاً : لأنه منوط بإذن الله تعالى لا بإذن المهدي عليه السلام. وثانياً : لأن لانتصاره في يوم ظهوره شرائط معينة على ما سنعرف وبدون تحقق هذه الشرائط لا يمكن الانتصار وبالتالي لا يتحقق الهدف الأسمى المطلوب . إذن فلا بد من تأجيل الظهورالكامل إلى حين تحقق تلك الشروط ، ولا تجوز المبادرة إليه في الظروف غير المدروسة وتحت المناسبات الطارئة .
صفحة (47)
نعم ، يبقى احتمال واحد ، على تقدير صحة الأطروحة الأولى ، وهو إمكان الإكثار من المقابلات والظهورات المتقطعة . وهي وإن كانت استثنائية من الحال الاعتيادي للمهدي (ع) إلا أنها تتضمن – على أي حال – تطبيقاً للحكم الإسلامي وإنقاذاً لبلاد الإسلام من عدد من المظالم التي تقع فيها . فلماذا لم يحدث ذلك واقتصرت المقابلات على قليل من الموارد نسبياً .
وهذا السؤال لا نجد له جواباً بناء على صحة الأطروحة الأولى ، لعدم تعرض الإمام المهدي (ع) لأي خطر، باعتبار إمكان اختفائه في اللحظة التي يشاء . ومعه يكون تطبيق الحكم الشرعي ممكناً بالنسبة إليه ، فيكون واجباً عليه . على حين لم يحدث ذلك بالكثرة المطلوبة جزماً ، وإلا لاشتهر أمره وشاع . وهذا بنفسه يدل على بطلان هذه الأطروحة ، إذ عدم قيام الإمام المهدي (ع) بذلك يدل على عدم إذن فالقول بصحتها مستلزم للقول بتقصير الإمام المهدي (ع) في تطبيق أحكامه . وهو واضح البطلان ، إذن فهذه الأطروحة باطلة .
وهناك مناقشات وجدل ، يعود إلى هذا الأمر يحسن عدم الإطالة في ذكره .
وأما بناء على صحة الأطروحة الثانية ، كما هو الصحيح ... فهذا الاحتمال الذي كنا نناقشه ، وهو إمكان الإكثار من الظهورات والمقابلات يكون واضح الفساد ، بل هو منتف موضوعاً . لأن تعدد الظهور بكثرة يؤدي إلى تعرف الكثيرين على حقيقته وانكشاف أمره ، ومن ثم يكون منافياً مغ غيبته وقد عرفنا أن كل أمر مناف للغيبة لا يمكن حدوثه ، قبل تحقق شرائط اليوم الموعود .
وقد يخطر في الذهن : بأن تخطيطاً دقيقاً يمكن أن يقوم به المهدي (ع) في كل مقابلة ، كفيل بعدم انكشاف أمره ، وجوابه : بأن كثرة الظلم وتعدد حاجات الناس وضورواتهم ، يوجب كثرة الظهور وكثرته تكون موجبة لإلفات النظر إليه بنحو لا يفيد معه تخطيط دقيق .
صفحة (48)
كما قد يخطر في الذهن : بأن المهدي يمكنه إخفاء شخصه بالمعجزة في أوقات الخطر . إذن فليظهر للعمل موقتاً ، ثم فليختف متى استلزمت المصلحة ضرورة الاختفاء .
وهذه الفكرة لها عدة أجوبة أهمها أمران :
الأمر الأول :
إن معنى ذلك توقف تنفيذ الأحكام الشرعية على المعجزة . لأن تنفيذه من قبل المهدي (ع) مسلتزم عادة لوقوعه في الخطر، نتيجة لانحراف المجتمع ، فيكون مستلزماً لاختفائه الإعجازي . ونحن نعلم ، بحسب القواعد الإسلامية، إن كل حكم شرعي إذا توقف على المعجزة لم يكن تنفيذه واجباً ، إلا ما يمت إلى أصل الإسلام بصلة ، كإثبات النبوة أو الإمامة أو إقامة دولة الحق . ومن الواضح أن الحكم الشرعي بوجوب إغاثة المضطر – مثلاً – لا يمت إلى أهل الإسلام بصلة ، فلا يكون واجباً .
الأمر الثاني :
أنه لو تعددت ظهورات المهدي (ع) فسوف يعرفه الكثيرون بمجرد رؤيته ، فيلزمه الاختفاء قبل أن تسنح له فرصة العمل . وهذا معناه أن كثرة الظهور في أي زمان تمنع عن مواصلة أي شكل من أشكال العمل .
وعلى أي حال ، فالعمل المتصور للإمام المهدي (ع) بناء على ما هو الصحيح من صحة الأطروحة الثانية، على قسمين : عمل يقوم به بصفته الحقيقية ، بحيث يمكن للفرد نسبته إليه ولو بعد انتهاء العمل . وعمل يقوم به حال كونه مجهول الحقيقة ، يعيش في المجتمع كفرد عادي ، بشخصية ثانوية ، في اسم آخر وحرفة ومكان غير ملفت لأي نظر .
أما العمل بصفته الحقيقية ، في تنفيذ ما يمكنه تنفيذ من الأقسام السابقة للتكاليف الإسلامية ، فحاله هو ما سبق أن قلناه قبل أسطر . وقد رأينا أنه من غير المحتمل أن يكون المهدي (ع) شرعاً مكلفاً بذلك ، لتعذر العمل عليه بهذه الصفة ، طبقاً لكلتا الأطروحتين .
صفحة (49)
لا يبقى – بعدها – إلا الأعمال التي أعربت عنها أخبار المشاهدة في الغيبة الكبرى ، مما يمت إلى القسمين الأخيرين من التكاليف بصلة ، على ما سنوضح عند دراسة المقابلات في مستقبل هذا التاريخ . فإن هذا العدد من المقابلات لا ينافي غرضه ولا يخل بغيبته .
وأما عمله بصفته فرداً اعتيادياً في المجتمع ، فهذا ما لا دليل على نفيه بحال ، بل استطعنا الاستدلال عليه، كما سبق ، حسبنا من ذلك إمكان العمل بالنسبة إليه ، وعدم منافاته مع غيبته وخفاء عنوانه بحال ، فيكون واجباً عليه، كأي فرد آخر من المسلمين يجب عليه أن يؤدي أي عمل ممكن في مصلحة الإسلام . وهو أعلى وأولى من يلتزم بإطاعة أحكام الإسلام .
ومن هنا لا يمكننا أن نتصوره عليه السلام إلا قائماً بواجبه في أي قسم من الأقسام السابقة اقتضت المصلحة في تنفيذه . كهداية شخص أو جماعة من الكفر إلى الإسلام أو من الانحراف إلى الوعي أو من الظلم إلى الاعتدال ، أو جعل الموانع ضد الظلم القائم في المجتمع ، في تأثيره على الإسلام والمسلمين عامة وضد قواعده العبية خاصة . إلى غير ذلك ، وما أدرانا كيف سيصبح حال المجتمع المسلم لو سحب الإمام (ع) لطفه وكف أعماله . وإلى أي درجة من الضلال والظلم يمكن أن يبلغ .
على أننا نحتمل في كل عمل خيري عام أو سنة اجتماعية حسنة أو فكرة إسلامية جديدة ، أو نحو ذلك من الأمور ... نحتمل أن يكون وراءها أصبع مخلص متحرك من قبل الإمام المهدي (ع) . وأنه هو الذي زرع بذرته الأولى في صدر أو عمل أحد الأشخاص أو الجماعات ... بحيث أنتجت أكلها في كل حين بإذن ربها . وهذا الاحتمال لا نافي له، بتقدير صدق أطروحة خفاء العنوان . ومجرد الاحتمال يكفينا بهذا الصدد ، بصفته أطروحة محتملة تنسجم مع الأدلة العامة والخاصة ، كما ذكرنا في المقدمة .
وهذا هو المراد الحقيقي الواعي من النصوص الواردة عن المهدي (ع) نفسه ، والتي تثبت قيامه بالعمل النافع بوضوح .
صفحة (50)
فمن ذلك قوله المشهور: وأما وجه الانتفاع بي في غيبتي ، فكالانتفاع بالشمس إذا غيبها عن الأبصار السحاب(1). وأضاف عليه السلام : وأني لأمان لأهل الأرض كما أن النجوم أمان لأهل السماء .
فالسحاب كناية عن خفاء العنوان . والشمس كناية عن التأثير النافع المنتج في المجتمع . بعد وضوح أن العمل الذي يمكن للمهدي (ع) تنفيذه مع جهل الناس بحقيقته وعنوانه – أي في غيبته – ، أقل بكثير مما يستطيع القيام به حال ظهوره وإعلان أمره .
وهذا الفهم هو المعين لهذا الحديث الشريف ، بناء على أطروحة خفاء العنوان . لا ما ذكروه(2) من التفسيرات التي يرجع بعضها إلى وجود تشريفي فلسفي للإمام (ع) ، وبعضها إلى أنحاء تقديريه من النفس. وإنما ذكر علماؤنا الأسبقون إنما من باب "ضيق الخناق" وعدم الالتفات إلى هذا الفهم الواعي .
نعم ، يتعين المصير إلى تلك التفسيرات بناء على أطروحة خفاء الشخص . حيث يتعذر العمل على المهدي (ع) إلا بالمقدار القليل الذي تدل عليه أخبار المشاهدة – كما عرفنا – ، مما لا يكاد يكفي أن يكون نفعاً عاماً مشابهاً لنفع الشمس وإن غيبها السحاب . فلا بد – والحال هذه – من الأخذ في فهم النص بتلك التفسيرات . ولكننا حيث قلنا ببطلان هذه الأطروحة ، يتعين أن نأخذ بفهمنا الواعي لهذا الحديث .
ومن ذلك : ما روي عن المهدي (ع) مخاطباً لقواعدة الشعبية : أنّا غير مهملين
لمراعاتكم ولا ناسين لذكركم . ولولا ذلك لنزل بكم الأواء واصطلمكم الأعداء . فاتقوا
الله جل جلاله . وظاهرونا على انتياشكم من فتنة قد أنافت عليكم ، يهلك فيها من هم
أجله ، ويحمى عنها من أدرك أمله(3) .
ــــــــــــــــــ
(1) الاحتجاج ، جـ 2 ، ص 284 وغيرها . (2) انظرها في بيان مفصل لصاحب البحار في
جـ 13 ، ص 129 .
(3) الاحتجاج ، جـ 2 ، ص 323 .
صفحة (51)
ونحن نعلم أن وقوفه (ع) ضد الأعداء ونزول الأواء – وهي الشدائد – ، لا يكون إلا بالعمل المثمر والجهاد الحقيقي على الصعيدين العام والخاص . وخاصة ، وهو يأمرنا بمظاهرته أي معاونته وموافقته على إخراجنا من الفتنة والنجاة من الهلكة . فإن على كل فرد مسؤولية تامة في ذلك، ولا تنحصر المسؤولية بالقائد ، كما هو واضح ، بل أن شعوره بالمسؤولية لا يكاد يكون مثمراً من دون شعور شعبه ورعيته بمسؤوليتهم تجاه قائدهم ومبدئهم أيضاً .
إذن ، فهو عليه السلام يحمل هم شعبه ومواليه ، يتذكرهم دائماً ويعمل على حفظهم ودرء المخاطر عنهم باستمرار، بمقدار ما يمكنه أن يؤديه من عمل ، تماماً كما عرفنا عن آبائه عليهم السلام ، وكما عرفناه في خلال غيبته الصغرى . غاية الفرق أن تلك الأعمال كانت منه ومن آبائه (ع) بالصفة الحقيقية لهم . وأما عمله خلال هذه الفترة، فليست بهذه الصفة ، وإنما بصفته فرداً اعتيادياً في المجتمع .
ولكن الإمام المهدي (ع) يتوخى في موارد عمله وجود شرطين أساسيين ، إن اجتمعا كان في إمكانه أن يتصدى للعمل ، وإن تخلف أحدهما ترك العمل لا محالة وأبقى الواقع على واقعه .
الشرط الأول :
أن لا يؤدي به عمله إلى الكشاف أمره وانتفاء غيبته . إذ من الواضح أن المهدي (ع) حين يقوم بالأعمال العامة الإسلامية ، بصفته فرداً عادياً في المجتمع ، يمكنه أن يستمر بها إلى حد معين ليس بالقليل . ولكنه لو لمع اسمه واشتهر صيته ، بـِ "شخصيته الثانوية" لكان هناك احتمال كبير في انكشاف حقيقته وافتضاح سره . لا أقل من أن ينتبه الناس إلى غموض نسبه وجهالة أصله ، فيوصلوا بالفحص والسؤال إلى حقيقته، أو يحتملوا ذلك على الأقل ، وهو ما لا يريده الله تعالى أن يكون .
إذن فعمل المهدي (ع) لا بد أن يقتصر على الحدود التي لا تؤدي إلى انكشاف أمره ، فيدقق في ذلك ويخطط له ، وهو الخبير الألمعي ويحسب لكل عمل حسابه . وأي عمل علم أن التدخل فيه يوجب الانكشاف انسحب عنه ، مهما ترتبت عليه من نتائج ، لأن انحفاظ سره وذخره لليوم الموعود ، أهم من جميع ما يتركه من أعمال .
صفحة (52)
ولكن هذا لا ينافي تأثيره في الأعمال الإسلامية الخيرة التي نراها سائدة في المجتمع . وذلك لإمكان أن يكون هو المؤثر في تأسيسها حال صغرها وضآلة شأنها ، وقد أودعها إلى المخلصين الذين يأخذون بها ويذكون أوراها ، بدون أن يلتفتوا أو يلتفت إلى حقيقة عمله ، بقليل ولا بكثير .
الشرط الثاني :
أن لا يؤدي عمله إلى التخلف والقصور في تربية الأمة ، أو اختلال شرائط يوم الظهور الموعود .
بيان ذلك : أننا أشرنا أن ليوم الظهور الموعود شرائط سوف نتعرض لها تفصيلاً في مستقبل هذا التاريخ . ولكل شرط من تلك الشروط أسبابه وعلله . تلك الأسباب التي تتولد وتنشأ في عصر ما قبل الظهور . حتى ما إذا آتت أكلها وأثرت تأثيرها بتحقيق تلك الشروط وإنجازها ، كان يوم الظهور قد آن أوانه وتحققت أركانه .
والمهدي عليه السلام ، حيث يعلم الشرائط والأسباب ، مكلف – على الأقل – بحماية تلك الأسباب عن التخلف أو الانحراف ، لئلا يتأخر تأثيرها أو ينخفض عما هو المطلوب إنتاجها . إن لم يكن مكلفاً بإذكاء أوراها والسير الحثيث في تقدم تأثيرها .
ومن أهم شرائط اليوم الموعود : أن تكون الأمة ساعة الظهور على مستوى عال من الشعور بالمسؤولية الإسلامية ، والاستعداد للتضحية في سبيل الله عز وجل . أو على الأقل ، أن يكون فيها العدد الكافي ممن يحمل هذا الشعور ليكون هو الجندي الصالح الذي يضرب بين يدي المهدي (ع) ضد الكفر والانحراف ، ويبني بساعده المفتول الغد الإسلامي المشرق . ويكون الجيش المكون من مثل هذا الشخص هو الجيش الرائد الواعي الذي يملأ الأرض بقيادة المهدي (ع) قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً .
وإذا كان ذلك من الشرائط ، فلا بد من توفر أسبابه في زمن ما قبل الظهور ، في عصر الغيبة الكبرى ، والمحافظة على هذه الأسباب .
صفحة (53)
وإن السبب الرئيسي الكبير لتولد الوعي والشعور بالمسؤولية الإسلامية والإقدام على التصحية لدى الأمة ، هو مرورها بعدد مهم من التجارب القاسية والظروف الصعبة وإحساسها بالظلم والتعسف ردحاً كبيراً من الزمن ... حتى تستطيع أن تفهم نفسها وأن تشخص واقعها وتشعر بمسؤوليتها . فإن هذه الصعوبات كالمبرد الذي يجلو الذهب ويجعل السكين نافذاً . فإن الأمة – في مثل ذلك – لا تخلد إلى الهدوء والسكون ، بل تضطر إلى التفكير بأمرها وبلورة فكرتها وتشخيص آلامها وآمالها وتشعر بنحو وجداني عميق بسهولة التضحية في سبيل الأهداف الكبيرة ووجوبها إذا لزم الأمر ونادى منادي الجهاد .
وتلك الأمة الواعية هي التي تستطيع أن تضرب قدماً بين يدي الإمام المهدي (ع) وأن تؤسس العدل المنتظر في اليوم الموعود . دون الأمة المنحرفة المتداعية ، أو الأمة المنعزلة المتحنثة . وسيأتي لذلك إيضاحات عديدة وسنسمع له شواهد كثيرة من الكتاب والسنة .
فإذا كان مرور الأمة بظروف الظلم والتعسف ضرورياً لتحقيق شرط اليوم الموعود ، ومثل هذا الشرط يجب رعايته والمحافظة عليه ...إذن فالمهدي (ع) بالرغم من أنه يحس بالأسى لمرور شعبه وقواعده بمثل هذه الظروف القاسية،إلا أنه لا يتصدى لإزالتها ولا يعمل على تغييرها، تقديماً لمصلحة اليوم الموعود على أهل العزم هذا اليوم الموجود.
وأما ما لا يكون من الظلم دخيلاً في تحقيق ذلك الشرط ، وكان الشرط الأول لعمل المهدي (ع) متوفراً فيه أيضاً ، فإن الإمام المهدي (ع) يتدخل لإزالته ويعمل على رفعه ، بموجب التكليف الشرعي الإسلامي المتوجه إليه .
ونحن – الذين لا نعيش نظر المهدي (ع) وأهدافه – نكاد نكون في جهل مطبق ، من حيث تشخيص أن هذا الظلم هل له دخل في تحقيق شرط الظهور أو لا . ما عدا بعض موارد التخمين . فإنه يحتاج إلى نظر بعيد يمتد خلال السنين إلى يوم الظهور . وهذا النظر منعدم لدى أي فرد في العالم ما عدا المهدي (ع) نفسه . فيعود تشخيص ذلك إليه ، بما وهبه الله تعالى من ملكات وقابليات على تشخيص الداء والقيادة نحو الدواء.
صفحة (54)
عدة نقاط :
أود الإشارة في نهاية هذا الفصل إلى عدة نقاط :
النقطة الأولى :
إن ما ذكرناه قبل لحظة ، من وجود بعض أشكال الظلم منتج لشرط يوم الظهور ، وهو وعي الأمة وشعورها بالمسؤولية ... وأن المهدي (ع) لا يقف حائلاً ضد هذا الظلم ولا يعمل على رفعه ... لا يمكن أن ندعي وجوب الاقتداء بالمهدي (ع) في ذلك أو أن لنا به أسوة حسنة في ذلك ، فيجب إهما الظلم يفتك بالأمة بدون أن نحاول إصلاحه أو نحول دون تأثيره . لا يمكن أن يكون هذا صحيحاً ، للفرق بين تكليفنا الشرعي وتكليفه وبين مسؤوليتنا ومسؤوليته .
بيان ذلك : أن كلا الشرطين اللذين عرفناهما لعمل المهدي (ع) غير موجودين فينا ، فيكون تكليفنا الإسلامي أوسع بكثير من هذه الجهة من تكليف الإمام المهدي (ع) خلال غيبته .
أما الشرط الأول : وهو عدم انتفاء الغيبة والمحافظة على ستر العنوان ... فمن الواضح عدم توفره فينا . بل هو من مختصاته عليه السلام .
وأما الشرط الثاني : وهو ألا يحول العمل ضد الظلم المؤثر في إيجاد شرط الظهور ... فمن الواضح أن المهدي (ع) إذا حال دون تحقق هذا الظلم ، فسوف يحول دون حدوث الوعي عند الأمة ، فيبقى شعورها متبلداً وتربيتها قاصرة، وبالتالي يكون الشرط المطلوب متعذر الوجود .
وأما نحن إذ نشعر بالظلم فنكافح ضده أو نخطط لأجل دحره ودفعه ، لا نكون قد حلنا دون وعي الأمة ، بل أن كفاح الأمة نفسه وجهادها ضد مشاكلها وآلامها من أهم العناصر التي تنظم إلى الشعور بالظلم فتحدث الوعي لدى الأمة يكمل عندها الشعور بالمسؤولية . ذلك العمل الذي يعطي دروساً في التضحية وحنكة في التدبير الاجتماعي ، يؤهل الأمة شيئاً فشيئاً إلى تحقيق الشرط المأمول .
صفحة (55)
ومعه يكون الكفاح ضد الظلم ، بهذا الاعتبار ، فضلاً عن الاعتبارات الأخرى ، لازماً ومطلوباً في الإسلام من كل المسلمين ما عدا المهدي (ع) . نعم ، ستكون الأمة وقائدها متضامنة ضد كل أنواع الظلم بعد أن يحصل الشرط المطلوب ، ويبقى الظلم المتأخر مستأنفاً لا حاجة إليه . فيقوم عليه الإمام المهدي (ع) بالسلاح لإزالته من الوجود. وذلك هو يوم الظهور .
النقطة الثانية :
إن عمل المهدي (ع) في المجتمع ، في حدود ما تقتضيه أطروحة خفاء العنوان ، يمكن أن يتصف بعدة صفات :
فعمله نافذ وناجح ومؤثر دائماً ، وإنما الإخفاق إذا حصل فإنما يحصل نتيجة لقصور أو تقصير غيره في العمل . فأننا لم نفهم أهمية عمله من كونه عضواً في جمعية خيرية مثلاً أو متولياً لوقف عام مثلاً ، وإن كان ذلك ممكناً ومهماً ... إلا أن الأهم من ذلك هو كونه الرائد المؤسس لأعمال الخير العامة ، ودفع الشر والظلم – مما لا يكون مؤثراً في شرط اليوم الموعود – . بمعنى أنه عليه السلام ، بعد أن يعرف أهمية العمل الخير أو أخطار العمل الظالم بالنسبة للمجتمع المسلم ، فأنه يتسبب إلى إيجاد ما هو خير ورفع ما هو ظلم .
وهو بذلك يستعمل حنكته وفراسته لتوخي أقرب الطرق وأصلحها وأكبرها تأثيراً . وقد يسبق عمله وجود العمل الظالم نفسه . كالذي رأيناه من المهدي (ع) نفسه في غيبته الصغرى أكثر من مرة ، حيث سمعناه ينهي وكلاءه عن قبض أي شيء من الأموال ، فامتثلوا أمره من دون أن يعلموا السبب . ثم اتضح أن السلطات قد أمرت بدس الأموال إلى الوكلاء ، فمن قبض منهم مالاً قبضوا عليه(1) . وبذلك فشل هذا المخطط الظالم . ومن يعمل مثل ذلك مرة أو مرات ، يمكنه أن يعمله متى يشاء .
أما لو استلزمت إزالته للظلم ظهوره لبعض الأفراد ، على حقيقته ، فهو مما قد يحصل
تبعاً لظروف خاصة وتخطيط خاص ، سوف ندرسه في بعض الفصول المقبلة . وأما إذا لم
تتوفر تلك الظروف ترك المهدي (ع) الظلم على حاله، لعدم توفر الشرط الأول من الشرطين
السابقين .
ــــــــــــــــــ
(1) انظر تاريخ الغيبة الصغرى ، ص 603 .
صفحة (56)
وعلى أي حال ، فبالنسبة إلى العمل الخيِّر الصالح ، يستطيع المهدي أن يقنع فرداً أو جماعة للقيام به ، أو يشجع أناساً مندفعين تلقائياً للقيام بمثله ، ويؤيدهم التأييد الكافي ، ويحاول أن يرفع الموانع عن تقدم عملهم وازدهاره . كل ذلك من دون أن يفترض عضواً فعلياً مشاركاً في شيء من الأعمال . ومعه تكون الأعمال بطبيعتها ، بالرغم مما أوجد لها المهدي (ع) من فرص النجاح ، قابلة للإخفاق أو الضيق تبعاً لقصور أصحابها القائمين بها أو تقصيرهم نفسياً أو عملياً .
وأما بالنسبة إلى العمل الظالم ، فهو يتسبب إلى رفعه أو التقليل من تأثيره ، إما بمحاولة إقناع الفاعل على الارتداع عنه أو الضغط عليه أو إحراج مصالحه بنحو يصغر معه عمله ويضيق أو بنحو ينعدم تأثيره أساساً . أو بإذكاء أوار الثورة أو الاحتجاج من قبل الآخرين .
النقطة الثالثة :
هناك كلام لرونلدسن حول الإمام المهدي (ع) ، فيما يخص ما نحن فيه من الموضوع . يتبنى المهدي فيه بعدم الالتفات إلى أصحابه وقواعده الشعبية ، وعدم رفع الظلم عنهم . وهو بذلك يريد أن يستنتج عدم وجوده ، إذ لو كان موجوداً فهو شخص يشعر بالمسؤولية والعطف تجاه أصحابه ، فهو لا محالة رافع للظلم عنهم أو مشاركهم في العمل ضده . مع أنه لم يعمل ذلك ، بالرغم من أن المظالم في التاريخ كثيرة وشديدة ، إذن فهو غير موجود .
وهو إن لم يصرح بهذه النتيجة ، ولكنه يوحي بها إيحاء واضحاً ، حين يقول : "وفي القرن التالي لغيبة الإمام استلم البويهيون زمام السلطة الزمنية فبذلوا جهوداً كبيرة لتوحيد الطائفة الشيعية وتقويتها ، كبناء مشاهدها وجمع أحاديثها وتشجيع علمائها ومجتهديها . ومع ذلك فلم يظهر الإمام المنتظر في هذا القرن الذي كانت الطائفة الشيعية تتمتع فيه بحسن الحال" . ومرّ قرن آخر دالت فيه دولة حماة الشيعة من البويهيين ولكن الإمام بقي في (غيبته الكبرى) .
صفحة (57)
ومرّ قرن ثالث يمتاز بالظلم والثورات وتحكم المماليك . ولكن الإمام الذي كانوا يرتجون ظهوره لم يظهر .
وجاء دور الحروب الصليبية التي اشترك (آل البيت) فيها دون أن يكون لهم إمام . فمن الجانب الإسلامي ، كانت السلطة لإعلان الجهاد تنحصر بيد بني العباس والفاطميين المارقين في مقاومة الجيوش الغازية للشعوب المسيحية بالاسم في أوروبا ، ولكن الإمام أخرّ ظهوره .
وبعد مرور أربعة قرون على وفاة آخر الوكلاء في القرن الثالث عشر – يعني الميلادي – ادتاح الغزاة المغول بلاد إيران يقتلون ويهدمون بقساوة لا مثيل لها . وبالرغم من التخريب والآلام فإن (صاحب الزمان) المنتظر بفارغ الصبر لم يظهر .
وحتى في ابتداء القرن السادس على زمن شيوع أذربيجان والدولة الصفوية الجديدة ، لم يتصل الإمام الغائب بشيعته إلا بالطيف ! فكان يظهر لهؤلاء الملوك ، كما يدعون !!(1)
وبالرغم من أن في هذا الكلام عدة نقاط محتاجة لإعادة النظر ، إلا أن المهم الآن مناقشة الإشكال الرئيسي الذي يثيره ، وهو استبعاد وجود الإمام من عدم ظهوره عند الحاجة لأجل رفع الظلم عن قواعده الشعبية خاصة ، والمسلمين عامة .
وقد اتضح الجواب على ذلك مما سبق أن قلناه متمثلاً في عدة وجوه :
أولاً : أننا يجب أن لانتوقع من الإمام المهدي (ع) الظهور الكامل ، تحت أي ظرف من الظروف ، باعتباره مذخوراً لنشر العدل الكامل في العالم كله ، لا لرفع المظالم الوقتية أو الاتصال بأشخاص معينين . وقد عرفنا أن الإسراع بالظهور قبل أوانه يوجب جزماً فشل التخطيط الإلهي لليوم الموعود . لأن نجاحه منوط بشروط معينة وظروف خاصة لا تتوفر قبل اليوم الموعود جزماً . وقد عرفنا أن كل ما أعاق عن نجاحه لا يمكن وجوده بحسب إرادة الله تعالى وإرادة المهدي (ع) نفسه ، مهما كان الظرف مهماً وصعباً .
صفحة (58)
ثانياً : أننا نحتمل – على الأقل – أن المهدي (ع) يرى أن بعض الظلم الذي كان ساري المفعول خلال التاريخ ، كالحروب الصليبية مثلاً ، غير قابلة للإزالة من قبله حال الغيبة بحال . ولا ينفع التخطيط السري أو العمل الاعتيادي، بصفته فرداً عادياً ، في إزالتها ... لقوة تأثيرها وضرواة اندفاعها . ومعه يصبح الإمام المهدي (ع) حال غيبته عاجزاً عن رفع هذا الظلم ، فيكون معذوراً عن عدم التصدي لرفعه طبقاً للقواعد الإسلامية ولوظيفته الواعية الصحيحة .
ثالثاً : إن جملة من موارد الظلم الساري في المجتمع ، لا يتوفر فيه الشرط الأول من الشرطين السابقين اللذين ذكرناهما لعمل المهدي (ع) ، فلا يعمل المهدي لإزالته بطبيعة الحال . وهو ما إذا كان العمل ملازماً لانكشاف أمره وانتفاء غيبته .
رابعاً : إن جملة من موارد الظلم ، لا يتوفر فيه الشرط الثاني من الرطين السابقين اللذين ذكرناهما لعمل المهدي (ع) ، فلا يعمل المهدي لإزالته بطبيعة الحال . وهو ما إذا كان العمل ملازماً لانكشاف أمره وانتفاء غيبته .
رابعاً : إن جملة من موارد الظلم ، لا يتوفر فيه الشرط الثاني من الرطين السابقين ، باعتبار أو وجوده سبب لانتشار الوعي في الأمة وشعورها بالمسؤولية الذي هو أحد الشروط الكبرى ليوم الظهور . وقد قلنا بأن مثل هذا الظلم وإن وجب على الأمة الكفاح لإزالته ، إلا أن الإمام المهدي (ع) لا يتسبب لرفعه ، لأن في رفعه إزالة للشرط الأساسي لليوم الموعود ، وهو ما لا يمكن تحققه في نظر الإسلام .
إذن فسائر أنحاء الظلم الساري المفعول في التاريخ لا محالة مندرج تحت أحد هذه الأقسام ، فإذا كان المهدي (ع) قد عمل لإزالتها فقد خالف وظيفته الإسلامية ومسؤوليته الحقيقية ، ولا أقل من احتمال ذلك ، لأجل المهدي (ع) على الصحة .
إذن فليس هناك أي تلازم بين وجود المهدي وبين وقوفه ضد هذه الأنحاء من الظلم والشرور ، حتى يمكن لرونلدسن أن يستنتج من عدم وقوفه ضد الظلم ، عدم وجوده .
وأما الأنحاء الأخرى من الظلم ، فقد قلنا بأن تكليفه الشرعي ووظيفته الإسلامية ، تقتضي وقوفه ضده وحيلولته دونه بصفته فرداً عادياً في المجتمع ، كما أوضحناه . إذن فهو يقف ضد الظلم في حدود الشروط الخاصة الإسلامية، كيف وهو على طول الخط يمثل المعارضة الصامدة ضد الظلم والطغيان .
صفحة (59)
الفصل الثالث
في الحياة الخاصة للمهدي (ع)
وكل ما يعود إلى شخصه عليه السلام من الأمور حال غيبته الكبرى
ويمكن الكلام عن ذلك في ضمن عدة أمور :
الأمر الأول :
هل الإمام المهدي (ع) متزوج وله ذرية أم لا .
ويمكن بيان ذلك على مستويين ، باعتبار ما تقتضيه القواعد العامة ، أولاً ، وما تقتضيه الأخبار الخاصة ثانياً .
المستوى الأول : فيما تقتضيه القواعد العامة المتوفرة لدينا .
وهذا مما يختلف حاله على اختلاف الأطروحتين الرئيسيتين اللتين عرضناهما فيما سبق .
أما الأطروحة الأولى : أطروحة خفاء الشخص ، فهي – بغض النظر عن الأخبار الخاصة الآتية – تقتضي أن لا يكون المهدي متزوجاً ، وأن يبقى غير متزوج طيلة غيبته . ولا غرابة في ذلك ، فإن كل ما ينافي غيبته ويعرضه للخطر يكون وجوده غير جائز ، فيكون زواجه غير جائز ، لوضوح منافاته مع غيبته ولزومه لانكشاف أمره . إذ مع خفاء شخصه لا يمكنه الزواج بطبيعة الحال عادة . أما مع ظهوره وانكشاف أمره ، فهو المحذور الذي يجب تجنبه ويخل بالغرض الأسمى من وجوده .
صفحة (61)
وأما افتراض أنه ينكشف لزوجته فقط ، بحيث تراه وتخالطة من دون كل الناس ، فهو وإن كان ممكناً عقلاً، إلا إنه بعيداً كل البعد عن التطبيق العملي بحيث نقطع بعدم إمكانه . فإن هذه الزوجة يجب أن تكون قبل زاوجها من خاصة الخاصة المأمونين الموثوقين إلى أعلى الدرجات ، بحيث لا يكون في مقابلتها إياه واطلاعها على حقيقته أي خطر . ومثل هذه المرأة تكاد تكون منعدمة بين النساء ، إن لم تكون معدومة فعلاً ... فضلاً عن أن يجد في كل جيل امرأة من هذا القبيل .
إذن فبقاؤه طيلة غيبته أو في الأعم الأغلب منها بدون زواج ، ضروري لحفظه وسلامته إلى يوم ظهوره الموعود، فيكون ذلك متعيناً عليه .. لو أخذنا بالأطروحة الأولى .
وأما على الأطروحة الثانية : أطروحة خفاء العنوان ، فكل هذا الكلام الذي رأيناه يكون بدون موضوع . فإن المهدي (ع) وإن كان من المتعذر عليه إيجاد الزواج بصفته الحقيقية ، لما قلناه من عدم وجود المرأة الخاصة المأمونة بالنحو المطلوب . ولكن زواجه بصفته فردا ًعادياً في المجتمع ، أو بشخصيته الثانية ، ممكن ومن أيسر الأمور ، بحيث لا تطلع الزوجة على حقيقته طول عمرها . فإن بدا التشكيك يغزو ذهن المرأة في بعض تصرفاته أو عدم ظهور الكبر عليه بمرور الزمان ... أمكن للمهدي (ع) أن يخطط تخطيطاً بسيطاً لطلاقها وإبعاجها عن نفسه ، أو مغادرة المدينة التي كان فيها إلى مكانٍ آخر ، حيث يعيش ردحاً آخر من الزمن ، وقد يتزوج مرة أخرى .. وهكذا .
وإذا أمكن زواجه ، أمكن القول بتحققه ، وإن الإمام المهدي عليه السلام متزوج في غيبته الكبرى بالفعل . وذلك لأن فيه تطبيقاً للسنة المؤكدة في الإسلام والأوامر الكثيرة بالزواج والحث العظيم عليه والنهي عن تركه ، والمهدي أولى من يتبع السنة الإسلامية . وبخاصة إذا قلنا بأن المعصوم لا يترك المستحب ولا يفعل المكروه مهما أمكن ، والتزمنا بعصمة المهدي (ع) كما هو الصحيح . فيتعين أن يكون متزوجاً ، بعد أن توصلنا إلى إمكان زواجه وعدم منافاته مع احتجابه .
وإذا سرنا مع هذا التصور ، أمكن أن نتصور له في كل جيل ، أو في أكثر الأجيال ذرية متجددة تتكاثر بمرور الزمن، ولكنها تجهل بالمرة بأنها من نسل الإمام المهدي (ع) ، لأن لا يكشف حقيقته أمام زوجته وأولاده الصلبيين، فكيف بالأجيال المتأخرة من ذريته .
صفحة (62)
إلا أن أمامنا شيئاً واحداً يحول بيننا وين التوسع في هذا الافتراض ، إن لم يكن برهاناً على انتفاء الذرية أصلاً . وهو : إن وجود الذرية ملازم عادة لإنكشاف أمره والاطلاع على حقيقته . فإن السنين القليلة بل العشرين والثلاثين منها قد تمضي مع جهل زوجته وأولاده بحقيقته ، كما أنه يمكن التخلص من الزوجة حين يبدو عليها بوادر الالتفات . ولكن كيف يمكن التخلص من الذرية ؟! فإنهم أو بعضهم – على أقل تقدير – يكونون أحرص الناس على مشاهدة أبيهم وملاحقته أينما ذهب . ومعه يكون دائماً تحت رقابتهم ومشاهدتهم . ومن ثم لا يمكنه الحفاظ على سره العميق زماناً مترامياً طويلاً . فإنهم بعد مضي الخمسين أو السبعين عاماً ، سوف يلاحظون بكل وضوع عدم ظهور امارات المشيب والشيخوخة على والدهم ، وأنه بقي شاباً على شكله الأول . ومن ثم يحتملون على الأقل كونه هو المهدي (ع) ، أو أنه فرد شاذ لا بد من الفحص عنه والتأكذ من حقيقته .. وبالفحص ومداومة السؤال ، لا بد أن يتوصلوا إلى الاحتمال على أقل تقدير . وهذا مناف مع غيبته وكتمان أمره . وأما لو بقيت ذريته تراقبه ، ولو بشخصيته الثانية ، عدة أجيال ، فيكون انكشاف أمره بمقدار من الوضوح .
وأما افتراض أنه يعيش مع زوجته وأولاده ، ويظهر عليه المشيب فعلاً ، ثم أنه يختفي ويتحول شكله إلى الشباب تارة أخرى عن طريق المعجزة ، لكي يستأنف حياة زوجية جديدة .. وهكذا .. فهو افتراض عاطل ترد عليه عدة اعتراضات أهمها منافاته مع قانون المعجزات ، فإن زواج المهدي ووجود الذرية لديه لا يمت إلى الهداية الإلهية بصلة ، لكي يمكن أن تقوم المعجزة من أجله .
إذن فلا بد من الالتزام بعدم وجود الذرية للمهدي (ع) بالنحو المنافي لغيبته . أما بانعدام الذرية على الإطلاق ، أو بوجود القليل من الذرية التي تجهل حال نسبها على الإطلاق ، كما يجهله الآخرون ، ولعلنا نصادف بعضاً منهم ، ولكن إثبات نسبه في عداد المستحيل .
فالمتحصل من القواعد العامة ، هو أن المظنون أن يكون الإمام المهدي (ع) متزوجاً بدون ذرية . لا لنقص فيه بل ولا في زوجته ، بل لإشاءة الله تعالى ذلك ، أو تعمد المهدي (ع) له ، احتفاظاً بسره ومحافظة على أمره .
صفحة (63)
المستوى الثاني : فيما تدل عليه الأخبار من وجود الزوجة والأولاد للمهدي (ع) . ونحن نواجه بهذا الصدد شكلين أو طائفتين من الأخبار :
الشكل الأول :
الأخبار الدالة على زواجه ووجود الذرية له، بنحو مجمل من حيث كون ذلك حاصلاً في زمان الغيبة أو بعد الظهور، ومن حيث كونه بعنوانه الواقعي أو بشخصيته الثانية . وسنعرف فيما يأتي أنه لا بد من تخصيص هذه الأخبار ، فيما بعد الظهور ، أو في حال الغيبة بشكل لا يكون سبباً لانكشاف أمره وانتفاء غيبته .
الشكل الثاني :
الأخبار الدالة على زواجه ووجود الذرية له فيغيبته الكبرى . وهي ثلاث روايات :
الأولى : ما رواه الحاج النوري قدس سره في النجم الثاقب عن كتاب الغيبة للشيخ الطوس وكتاب الغيبة للنعماني . قال : رويا بطريق معتبر عن المفضل بن عمر ، قال : سمعت أبا عبدالله عليه السلام يقول : إن لصاحب هذا الأمر غيبتين ، إحداهما تطول حتى يقول بعضهم : مات . وبعضهم يقول : قتل . وبعضهم يقول : ذهب . فلا يبقى على أمره من أصحابه إلا نفر يسير لا يطلع على موضعه أحد من ولده ولا غيره ، إلا المولى الذي يلي أمره(1) .
الثانية : رواية كمال الدين الإنباري ، التي ينذكر مضمونها في الأمر الرابع الآتي(2) .
الثالثة : رواية زين الدين المازندراني ، وهي مشابهة للرواية الثانية ، من عدة
نواحٍ ، على ما سنرى في الفصل الآتي(3) .
ــــــــــــــــــ
(1) النجم الثاقب ، ص 224 وغيبة الشيخ ، ص 102 . (2) النجم الثاقب ، ص 217 .
(3) المصدر ، ص 284 ، وانظر البحار ص .......
صفحة (64)
إلا أن شيئاً من هذه الروايات ، لا يصح الاستدلال به ، بمعنى أنه ، لو تمت من ناحية السند ، لا تكاد تثبت أكثر وأوسع مما اقتضته القواعد العامة التي عرفناها على المستوى الأولي .
أما الرواية الأولى ، فلا تصح لعدة وجوه :
الوجه الأول :
أنه لا دليل على وجود ذكر الولد في هذه الرواية . فإن كلا من الشيخ الطوسي والشيخ النعماني يرويانها بنص واحد، إلا أن الشيخ الطوسي قال : لا يطلع على موضعه أحد من ولده ولا غيره(1) . والشيخ النعماني روى : من ولي ولا غيره(2) . ومع تهافت نسخ الرواية فيما هو محل الشاهد ، لا يمكن المصير إلى الاستدلال بها .
الوجه الثاني :
أنه على تقدير الاعتراف بوجود كلمة الولد في الرواية ، فإنها لا تكاد تدل على أمر زائد على ما اقتضته القواعد بناء على الأطروحة الثانية ، فإنه يمكن أن يكون للإمام المهدي (ع) ذرية لا تعرف حقيقة أبيها ، بمقدار لا يصل الأمر إلى انكشاف أمره وذيوع سره ، كما سبق أن عرفنا . أو يكون المهدي (ع) قد حصل في بعض الأجيال ، على زوجة موثوقة عرفت حقيقته وصانت سره وسترته عن ذريته .
أما وجود ولد أو ذرية يعاشرونه ويعرفونه ، فهو منفي بنص الرواية ، كما هو منفي بمقتضى القواعد .
ثالثا : أننا نتحمل على الأقل ، أن المراد بقوله : لا يطلع على موضوعه أحد من ولده
ولا غيره .. المبالغة في بيان زيادة الخفاء . بمعنى أنه حتى لو كان له ولد أطلع على
حقيقته فضلاً عن غير الولد . وهذا بمجرده لا يكون دليلاً على وجود الولد فعلاً ،
كما هو واضح . واحتمال هذا المعنى يكفي لإسقاط الاستدلال بالرواية ، فإنه إذا دخل
الاحتمال بطل الاستدلال .
ـــــــــــــــــ
(1) غيبة الشيخ ، ص 102 . (2) غيبة النعماني ، ص 89 .
صفحة (65)
وأما الروايتان الأخيرتان ، التي سنسمعهما ، فالمقدار المشترك من مدلوليهما ، هو أن المهدي (ع) ساكن خلال غيبته الكبرى في بعض الجزر المجهولة من البحر الأبيض المتوسط .. متزوج وله ذرية . وقد أسس هناك مجتمعاً إسلامياً نموذجياً مكوناً من أولاده والأخيار من أتباعهم وأصحابهم . وهو يعيش في ذلك المجتمع محتجباً ، في الوقت الذي يتولى الرئاسة العامة أولاده وذريته .
وسيأتي التعرض إلى تفاصيل المضمون بمقدار الحاجة ، مع إيضاح نقاط الضعف فيه . ويكفينا في حدود محل الاستدلال المناقشة من ناحيتين :
أولاً : إن كلا الروايتين لا تكادان تصحان أساساً ، لابتنائهما على الأساس الذي تقوم عليه الأطروحة الأولى، كما سنوضحه عند التعرض إلى تفاصيلها . وهو أساس سبق أن أقمنا البرهان على بطلانه .
ثانياً : أنه على تقدير صحتهما ، فهما لا يدلان على شيء زائد مما اقتضته القواعد العامة . فإن غاية ما تدلان عليه هو افتراض أن الإمام المهدي (ع) قد وجد في بعض الأجيال إمرأة صالحة موثوقة عرفته وسترت أمره وحجبته عن ذريته . وقد علم ذريته بانتسابهم إليه من دون أن يروه أو يعرفوا مكانه . وبالجملة يكفي في صدق هاتين الروايتين وقوع الزواج للمهدي (ع) مرة واحدة خلال الأجيال ، وهو مما لم تنفه القواعد العامة ، كما هو معلوم .
إذن فلم نجد من الروايات ، ما يصلح للاستدلال به على مضمون زائد على ما عرفناه في القواعد العامة .
الأمر الثاني :
في مكان المهدي (ع) في غيبته الكبرى .
سبق أن سمعنا في تاريخ الغيبة الصغرى(1) ، أن المهدي (ع) قال لمحمد بن
إبراهيم بن مهزيار حين قابله: يا ابن المازيار ! أبي أبو محمد عهد إلي أن لا أجاور
قوماً غضب الله عليهم ولعنهم ولهم الخزي في الدنيا والآخرة ولهم عذاب أليم . وأمرني
أن لا أسكن من الجبال إلا وعرها ، ومن البلاد إلا عفرها ... الخ كلامه.
ــــــــــــــــــ
(1) انظر ص 582 وغيرها .
صفحة (66)
وهو دال على تعيين مكان المهدي (ع) في البراري والقفار النائية .. سواء في ذلك عصر غيبته الصغرى ، وعصر غيبته الكبرى . وسواء أخذنا بأطروحة خفاء الشخص أو أطروحة خفاء العنوان . فإنه منسجم مع كلتا الأطروحتين.
إلا أننا ذكرنا أن هذا وإن كان محتملاً في نفسه ، إلا أنه مناف مع أعداد من الروايات الدالة على وجوده بكثرة في أماكن أخرى . أهمها روايات المشاهدة في الغيبة الصغرى وأخبار المشاهدة الكبرى .. إلا على بعض الفروض النادرة أو الإعجازية التي نحن في غنى عن افتراضها ، والمهدي (ع) في غنى عن اتخاذها، فإن المعجزة لا تقع إلا عند توقف إقامة الحجة عليها ، كما سبق .
فإذا تجاوزنا هذه الرواية يبقى الكلام في تشخيص مكان المهدي (ع) تارة بحسب القواعد العامة التي تقتضيها الأطروحتان الرئيسيتان ، وأخرى بحسب الأخبار الخاصة التي يمكن الاستدلال بها في هذا الصدد .
أما الأطروحة الأولى : أطروحة خفاء الشخص .. فهي تقتضي الجهل المطبق بمكانه عليه السلام ، إلا ما يكون عند مشاهدته حين تقتضي المصلحة لذلك .
وأما الأطروحة الثانية : أطروحة خفاء العنوان ، فقد سبق أن أوضحنا إمكان أن يعيش الإمام المهدي (ع) في أي مكان شاء ويذهب إلى أي مكان يريد ، من الحواضر أو البوادي من البر أو البحر أو الجو ، من دون أن يلفت إلى نفسه نظراً أو يكشف سراً . كما اوضحنا أنه لا ينبغي أن نتصور له مكاناً واحداً مستمراً أو غالباً طيلة غيبته ، لأن ذلك ملازم عادة لالتفات الناس إلى حقيقته وانتقاء غيبته .. بل هو – لا محالة – يوزع سكناه بين البلدان ، لكي يبعد عن نفسه الشكوك .
وأما بحسب الروايات الخاصة ، فنواجه منها عدة أخبار :
الأول : خبر المفضل بن عمر ، السابق الذي يقول فيه : لا يطلع على موضعه أحد من ولده ولا غيره إلا المولى الذي يلي أمره .
الثاني : رواية كمال الدين الإنباري ، التي أشرنا إليها .