|
صحيفة أنصار الإمام المهدي ع
• خفاء العنوان • الامام المهدي ع في بغداد • الصدر خلاصة جهود الغيبة •
كتاب الصدر ممهدا للكاتب عباس الزيدي المياحي
الحلقة الأولى
أُطروحة خفاء العنوان
:
وهي من أهم منجزات
السيد الصدر, وقد إعتمد عليها في أهم بحوث موسوعته. وهي بإختصار كما يقول
الصدر :
ونريد به أن الناس يرون الإمام المهدي
(ع)
بشخصه دون أن يكونوا عارفين أو ملتفتين إلى حقيقته. فاننا سبق أن عرفنا من
تأريخ الغيبة الصغرى, أن المهدي (ع) رباه أبوه محتجباً عن الناس, إلا القليل
من
الخاصة الذين أراد أن يطلعهم على وجوده ويثبت لهم إمامته بعده. ثم إزداد
المهدي
إحتجاباً بعد وفاة ابيه واصبح لايكاد يتصل بالناس الا عن طريق سفرائه
الأربعة. غير
عدد من الخاصة المأمونين الذين كانوا باحثين عن الخلف بعد الإمام العسكري
عليه
السلام, كعلي بن مهزيار الأهوازي وغيره. وكان المهدي (ع) يؤكد عليهم في كل
مرة
الكتمان والحذر. وكلما تقدمت السنون في الغيبة الصغرى, وتقدمت الاجيال, قلّ
الذين
عاصروا الإمام العسكري عليه السلام وشاهدوا إبنه المهدي (ع), حتى إنقرضوا.
ووجدت
اجيال جديدة لاتعلم من اسلوب اتصالها بالإمام (ع) الا الاتصال بسفيره, على
أقل
التقادير. وكان هذا الجيل ـ بشكل عام ـ جاهلاً بالكلية بسحنة وشكل إمامه
المهدي(ع),
بحيث لو واجهوه لما عرفوه البتة الا بإقامته دلالة قطعية على شخصيته. ومن هنا
تيسر
له ـ كما علمنا في ذلك التأريخ ـ فرصة السفر إلى مختلف أنحاء البلاد كمكة
ومصر, من
دون أن يكون ملفتاً لنظر أحد. وهذا مانعنيه من خفاء العنوان. فإن أي شخص يراه
يكون
غافلاً بالمرة عن كونه هو الإمام المهدي (ع). وانما يرى فيه شخصاً عادياً
كسائر
الناس لايُلفت النظر على الاطلاق. ويمكن للمهدي (ع) أن يعيش في أي مكان
يختاره وفي
أي بلد يفضله سنين متطاولة, من دون أن يلفت إلى حقيقته نظر أحد. وتكون حياته
في تلك
الفترة كحياة أي شخص آخر يكتسب عيشه من الاعمال الحرة كالتجارة أو الزراعة أو
غيرها. ويبقى على حاله هذه في مدينة واحدة أو عدة مدن, حتى يأذن الله تعالى
بالفرج.([1])
وهذه الاطروحة احد اهم
الركائز التي سوف استند اليها في هذا الكتاب.
قانون
المعجزات:
الذي
يقول: إن المعجزة انما تحدث عند توقف إقامة الحق, وأما مع عدم هذا التوقف,
وإمكان
إنجاز الأمر بدون المعجزة فانها لاتحدث بحال.([2])
وهذا يكاد أن يكون من
البديهي, إذ أن المعجزة يحتاج إليها بعد إستحالة الطرق الطبيعية في إثبات
الحق من
ناحية, وتمشية الامور الاجتماعية من ناحية أخرى, وسوف يتضح أن المعجزة تكاد
أن تكون
معدومة في مسألة الظهور, ويكون القانون الطبيعي هو السائد أو انها تمر بنا من
دون
إلتفات على الاطلاق ولا يلتفت إليها إلا من شاء الله. اما تطبيقاتها فسوف
تمر, وقد
مرت بالعراق معجزة من هذا القبيل هي السيد محمد الصدر، الذي خرج من دون اية
مقدمات
وفعل مافعل، فهذه معجزة إلا أنها تكاد أن تكون طبيعية. وأخيراً فان هذا
الكتاب
لايعدو أن يكون مجموعة محتملات أو اطروحات لاأجزم بها أكيداً, إلا انها اقرب
إلى
الواقع حسب المستفاد من الروايات, ومن
لديه أي إعتراض فليناقش الرواية قبل كلامي فأنا لم ائت
بشيء من عندي كما سوف ترى. والله ولي التوفيق.
العراق
يكاد ان يكون من مسلمات التأريخ أن النواة الاولى للتشيع
كانت في العراق, ولم ينفك هذا البلد في يوم من تأريخه المرير عن ولاءه لأهل
البيت (ع)
بالرغم من مختلف انواع وأساليب الظلمة في محاولات تحريف هذا الولاء بما
لاحاجة
الى سرد شواهد عليه.
وقد أتى إختيار
العراق ليكون حاملاً لهذه التركة الثقيلة والمهمة الشاقة من قبل الإمام أمير
المؤمنين, وحسب ماهو ظاهر من المصادر أن هذا الاختيار كان بعد تولي الإمام
الخلافة
الدنيوية بعد مقتل عثمان وتحويله للعاصمة من المدينة الى الكوفة، وقد يأتي في
الأذهان أن هذا الاختيار جاء وليد الاضطرار من حيث أن أول من شق عصا الطاعة
على
أمير المؤمنين (ع) عدد من الصحابة والموالين لعثمان, الذين اتخذوا من البصرة
كقاعدة
للتمرد بعد أن وجدوا أرضا خصبة لذلك؛ وهذا أمر مردود لمن تعمق في المصادر
التأريخية؛ فعند التدقيق نجد أن العلاقة السرية بين أمير المؤمنين (ع) وبين
أهل
الكوفة ـ على وجه التحديد ـ تمتد إلى عصر الخلافة الأولى إن لم تكن أسبق من
ذلك،
ولذلك تجد أن قادة الثورة الإصلاحية ضد عثمان وكبار الثوار هم من سادة الكوفة
كمالك
الاشتر ورفاقه؛ من هنا يُطرح هذا السؤال: ماهي علاقة أمير المؤمنين (ع)
بالأشتر
بحيث أن مالك بعد أن يقضي الثوار على عثمان يتجه بدون أي تردد, وبشكل آلي
تقريبا
لمبايعة أمير المؤمنين(ع)؛ بعد ذلك نجد أن سيف الاشتر كان احد اهم الاسباب في
مبايعة عدد من الذين كانوا يحلمون بإستلام السلطة بعد عثمان, وبعد ذلك تتم
عملية
تنصيب الاشتر في اهم قيادات الجيش العلوي مع وجود المهاجرين والانصار من
صحابة
الرسول (ص)؟.
ومن ناحية اخرى ترى ان
عائشة والزبير وطلحة عزفوا منذ البداية عن الدخول الى الكوفة واتخاذها قلعة
للتمرد
والعصيان، والكوفة اجدر من حيث الموقع والقوة العسكرية, إلاّ انهم يعلمون
سلفاً
بولاء هذه المدينة لأمير المؤمنين (ع)؛ المهم ان هذه العلاقة تكشف عن نواحي
مهمة
ووجود اتفاق مسبق وولاء قديم بين الكوفة متمثلة بسيدها الاشتر وبين أمير
المؤمنين (ع),
ولهذه النقطة تفصيل ليس هذا محله بل نوكله الى المستقبل ان شاء الله
تعالى.
تركيز الأئمة على العراق
اهتم الأئمة الإثنا عشر (ع) بالعراق اهتماما خاصا
ومركَّزاً إمتدّ اكثر من قرنين من الزمن, وقد حرصوا (ع) على تربية أهل هذا
البلد
الى درجة التضحية بدمائهم في هذا السبيل, ولذلك تجد الارتباط الوثيق بينهم؛
وقد
كانوا يسكنون ويُنشأون المدارس العلمية ويُهيأون حملة العلم ورواة الحديث في
العراق
بحيث تجد ان النسبة العظمى هم من العراقيين او ممن شد الرحال من بلدانهم
اليه.
ولا استثني من الأئمة سوى الامام
زين العابدين (ع) الذي لم يتخذ العراق كوطن دائم, ولكن لم ينقطع اتصاله
بقواعده
الشعبية هناك إطلاقا، ويكفي ان اهم ثورتين حدثتا في العراق كانتا بمباركته
وتشجيعه,
وهما ثورة التوابين وثورة المختار (رض), ناهيك عن الزيارات المتواصلة لخط
الكوفة
والمدينة وحمل الحقوق والاستفتاءات الشرعية وتجديد الولاء له.
وهنا التفاتة لا تخلو من تأييد لهذه المعاني التي أشرنا
اليها, وهي ان المعصومين الاربعة عشر (ع) قد دفن ستة منهم في العراق وسابعهم
هو
الامام المهدي (ع) بعد قيامه وحكمه بالحق ـ كما لايخفى لمن تابع الروايات
المتواترة
بهذا الخصوص ـ بعد ان يقيم دولته المباركة ويستشهد في هذا البلد. والنكتة
الاخرى
انك تجد ان المعصومين كانت ولاداتهم في ارض الحجاز المقدسة باستثناء الامام
المهدي,
حيث من مسلمات التاريخ والمذهب انه ولد في العراق, ولا يشارك هذين البلدين أي
بقعة
في العالم بهذا الشرف العظيم. وقد يُطرح هنا اشكال ساذج وهو: ان ولادة الامام
المهدي (ع) في العراق جاءت بشكل قسري من حيث ان الامام العسكري (ع) قد اُرغم
من قبل
السلطات على البقاء حبيس الدار في سامراء, وبذلك لايكون للعراق هذا الشرف
الذي جاء
بقوة السلاح.
والرد على هذا الاشكال
لايحتاج الى مزيد عناية فان عدداً من المعصومين(ع) اُرغموا على البقاء تحت
اعين
السلطات ولكن ذلك لم يمنع من ان يولد المعصوم اللاحق في ارض الحجاز, مثل حبس
الامام
الكاظم (ع) في بغداد, وكذلك ارغام الامام الرضا (ع) على استيطان خراسان,
وهكذا في
الامام الجواد والهادي في العراق, فالمسألة خارجة عن يد الارادة البشرية مهما
علا
طغيانها وظنت انها فوق القدرة الالهية.
ومن هنا وباللغة الحديثة فان الامام المهدي (ع) عراقي
الجنسية بحسب القوانين المتعارفة حالياً، بأن من يولد على ارض يُعطى جنسيتها,
وهذا
لا يعني اعترافنا بهذه القوانين، الا اننا نؤكد اهمية ولادة الامام في العراق
وانها
لم تأت وليدة المصادفة، وانه مرتبط بهذه الارض منذ ولادته الى يوم استشهاده.
ونقول
بشكل آخر ان انتماء الأئمة كان مؤكَداً لأرض العراق لان قواعدهم ومحط رحال
علمهم
على هذه الارض المقدسة.
وهناك أيضا
التفاتة لاتخلو من اهمية وتدعو الى التأمل وهي: ان مرقدي اثنين من المعصومين
وهما
الكاظم والجواد (ع) في وسط العراق أي بغداد، وفي شمال بغداد مرقدي اثنين من
المعصومين وهما الهادي والعسكري (ع), وفي جنوب بغداد مرقدي اثنين من
المعصومين وهما
أمير المؤمنين والحسين (ع). ونجد ان المنطقة التي دُفن فيها الكاظمان ــ وهي
بغداد
ــ تقع وسطاً بين سامراء شمالاً, وبين كل من النجف وكربلاء جنوبا، وبمسافات
متقاربة
ومتساوية تقريبا, فالمسافة بين بغداد وسامراء مقاربة للمسافة بين بغداد وكل
من
النجف وكربلاء.
فالنجف الاشرف هو بداية
ومركز التشيع من حيث وجود الحوزة العلمية والكوفة التي هي البلد المشهور
بالولاء
لاهل البيت منذ العصر الاول للإسلام، وكذلك وجود أول الأئمة المعصومين الذي
حكم
ودفن فيها. وكربلاء التي هي أقرب الى بغداد من النجف فيها سيد الشهداء, وهو
يمثل
الحقبة التي تلت ولاية المعصوم (أي الخلافة الدنيوية لامير المؤمنين), وبعد
ذلك تصل
الى بغداد حيث العصور الوسطى لحياة المعصومين المتمثلة بالامام الكاظم
والامام
الجواد (ع), واخيرا في سامراء آخر عصر للمعصومين حيث يرقد الامام الهادي
والامام
العسكري (ع)؛ ومن الملاحظ ان التشيع في المنطقة الاولى هو اقوى من غيره
اكيداً, حيث
كانت النجف ولازالت المنبع المتواصل للمذهب الحق, وكلما إنحدرتَ الى الشمال
تجد ان
النسبة اقلّ من النجف، وعلى عظمةالتشيع في بغداد والمحافظات الكائنة بين
النجف
وبغداد ولكنها على اية حال تابعة ومهتدية بهدى النجف. وأخيراً تصلُ الى
سامراء حيث
تقل نسبة التشيع بشكل واضح؛ فهذه المنطقة جغرافيا تمثل الحد الفاصل لشيعة
العراق،
فسامراء وما بعدها لاتُعد بحال من المناطق الموالية لاهل البيت, مع وجود فئات
قليلة
هناك او في شمال العراق, ولكنها مستضعفة الى أبعد الحدود.
وعلى هذا التقسيم الذي لايخلو من حكمة الهية اكيدا, تكون
بغداد هي المكان الاوسط جغرافياً, وهي المكان الاوسط من حيث قوة التشيع كذلك.
ولاسباب اخرى لايعلمها الا الله تعالى والمعصوم (ع) تم اختيار هذه المدينة
كعاصمة
للامام المهدي (ع) خلال فترة الغيبة الصغرى التي تعد من أحْرَجِ الفترات في
تأريخ
التشيع, حيث فقدت القواعد الشعبية رؤية المعصوم (ع) والاستفادة من فيضه
الاعظم.
([1])
تأريخ الغيبة الكبرى ـ ص 33 ـ 34.
([2])
المصدر السابق ـ ص 36.
|