|
صحيفة أنصار الإمام المهدي ع
• خفاء العنوان • الامام المهدي ع في بغداد • الصدر خلاصة جهود الغيبة •
كتاب الصدر ممهدا للكاتب عباس الزيدي المياحي
الحلقة الثانية
الإمام المهدي (ع) في بغداد
:
بعد شهادة الامام العسكري (ع) إنتقلت القيادة الدينية الى بغداد، وذلك بطريقة
جديدة وهي الاتصال بالامام (ع) بصورة غير مباشرة، وان كان (ع) قد بقي سنين
عديدة في سامراء مع وجود وكلاءه في بغداد, كما يقول السيد الصدر:
ويبقى في سامراء ردحا من السنين بعد ذلك، كما تدل عليه حوادث تحويل السفيرين
الاولين بأموال الوفود الى سامراء، كما سيأتي في الحقل الخاص بذلك. ويدل عليه
أيضا بعض مقابلاته هناك، على ما يأتي. ويدل عليه أيضا ماقامت به السلطات من
المطاردة له والكبس على داره في سامراء من قبل المعتمد والمعتضد. حيث يكون
(ع) موجوداً هناك ولكنه يستطيع التخلص والهرب. اذن فهو الى زمان خلافة
المعتضد التي تولاها عام 279 كان ساكناً في دار ابيه في سامراء, فلو فُرض ـ
كما هومظنون ـ ان الكبس الذي أمر به المعتضد كان في اول عام من خلافته, فمعنى
ذلك ان المهدي (ع) بقي هناك تسعة عشر سنة بعد وفاة ابيه (ع), وقد أبعد
المهدي(ع) عن نفسه كل الآثار، وكل مايلفت النظر ويثير الشك، حتى وكلاؤه
اصبحوا بعيدين عنه، لكي لا يوجهوا الانظار اليه أولاً، ولكي يعيشوا في قلب
الحوادث الاجتماعية شأن كل من يريد اداء الخدمة الصالحة لمجتمعه وأمته ثانياً،
ولكي يبعدوا هم بدورهم عن ارصاد الدولة وعاصمة الملك حال كونها في سامراء
خلال هذه التسعة عشر سنة ثالثاً ([1]).
ولا يخفى على الباحث ان كلا من الامام الهادي والامام العسكري (ع) قد
مَهَّدَا لهذه الطريقة الجديدة من خلال الاحتجاب الجزئي والمتدرج عن القواعد
الشعبية؛ وبطبيعة الحال فانهما لم يتركا القواعد الشعبية من غير توجيه، فقد
اكّدا على تزكية شخصيات مرموقة ومحترمة جدا عند الشيعة، وقد ابتدأ الامام
الهادي(ع) بذلك حيث اثنى على السفير الاول وهو الشيخ عثمان بن سعيد العمري (رض)
وقال في حقه:
هذا أبو عمرو الثقة الأمين ماقاله لكم فعني يقول, وما أدّاه فعني يؤديه.
([2])
وهذا الثناء طبعا كان في الفترة التي بدأ الامام الهادي (ع) يهيأ الاجواء
لغيبة حفيده (ع) فكان عثمان موثقاً ووكيلاً عن الامام الهادي (ع)؛ وبعد ذلك
عند تولي الامام العسكري (ع) للامامة لم يقلّ التوثيق عن السابق فتراه (ع)
يقول:
هذا أبو عمرو الثقة الامين ثقة الماضي وثقتي في المحيا والممات, فما قاله لكم
فعني يقوله وما أدّى إليكم فعني يؤديه. ([3])
فهنا نلاحظ بما لايقبل اللبس ان الامام العسكري (ع) قد عَيّنَ العمري سفيرا
عن الامام المهدي (ع) (وثقتي في المحيا والممات) بل نراه يشهر ذلك في رواية
اخرى:
وإشهدوا على أن عثمان بن سعيد العمري وكيلي وأن إبنه محمداً وكيل إبني مهديكم.
([4])
المهم ان انتقال عثمان الى بغداد لابد انه جاء وفق توجيهات الامام المهدي
(ع). وهناك بدأت هذه المهمة الشاقة والتي قام بها هذا الرجل المخلص على أتَمِّ
وجه.
وهنا لابد من الاشارة الى مسألة مهمة وهي: ماهي العلة في اختيار العمري ومن
بعده ولده وبعد ذلك النوبختي فالسمري, مع الملاحظ ان هؤلاء ليس من المعلوم
انهم فقهاء الطائفة؟ ولا اعتقد انه خفي عليك ان فترة الغيبة الصغرى كان فيها
علماء كبار كالشيخ الكليني وعلي بن الحسين بن بابويه القمي وولده الشيخ
الصدوق وغيرهم من العلماء والفقهاء؛ ولم يعرف عن السفراء انهم بمستوى من
ذكرنا من حيث الاحاطة بالعلوم الاسلامية والفقاهة؛ بل ان البعض استغرب من
اختيار الحسين بن روح بعدما كانوا يظنون ان السفير الثالث هو غيره حيث يقولون:
كنا لانشك أنه وإنْ كانت كائنة من (أمر) أبي جعفر لايقوم مقامه إلاّ جعفر بن
أحمد بن متيل أو أبوه, لما رأينا من الخصوصية (به) وكثرة كينونته في منزله,
حتى بلغ أنه كان في آخر عمره لا يأكل طعاما إلاّما أُصلح في منزل جعفر بن
أحمد بن متيل وأبيه بسبب وقع له, وكان طعامه الذي يأكله في منزل جعفر وأبيه.
وكان أصحابنا لا يشكّون إنْ كانت حادثة لم تكن الوصية إلاّ إليه من الخصوصية
به, فلما كان عند ذلك ووقع الإختيار على أبي القاسم سلموا ولم ينكروا 000
([5])
ولكن المسألة في الحقيقة تكمن عند الولاء التام والاخلاص الكامل, وهذا لايعني
التقليل من شأن الآخرين في هذه المجالات, لكنهم على اية حال لايبلغون مرتبة
السفراء الاربعة فيها. ومن ناحية اخرى فمن غير المعلوم إنْ كان اولئك العلماء
اعلم من السفراء, ولكن لم يشتهر السفراء بغير السفارة وبعض الروايات, وان
كانوا يمثلون المرجعية العليا للشيعة في ذلك الوقت؛ المهم كما قلت حيث يكمن
سر هؤلاء في الاخلاص. قال إبن نوح:
وسمعت جماعة من اصحابنا بمصر يذكرون أنّ أبا سهل النوبختي سُئل فقيل له كيف
صار هذا الامر الى الشيخ أبي قاسم الحسين بن روح دونك ؟ فقال هم أعلم وما
إختاروه, ولكن انا رجل ألقي الخصوم واُناظرهم، ولو علمت بمكانه كما علم أبو
القاسم وضغطتني الحجة (على مكانه) لعلي كنت أدُلّ على مكانه, وأبو القاسم فلو
كان الحجة تحت ذيله وقرض بالمقاريض ماكشف الذيل عنه أوكما قال. ([6])
وبعد كل هذا استطيع ان اذكر بعض النتائج حول السفراء وفترة الغيبة الصغرى با
لنسبة له (ع):
1 ـ انهم سلكوا مسلك التقية المكثفة خلال فترة سفارتهم، فكان احدهم يبيع
السمن ويتخفى وراء هذه التجارة, والآخر يتبنى مسلك ابناء العامة؛ ولاشك انهم
قد حصلوا على الاجازة بهذه الافعال والاعمال من الإمام (ع)، بالاضافة الى
القواعد العامة المشهورة في المذهب, ولاشك انهم تحملوا مهمة عظمى تنوء بحملها
الجبال وهي مهمة الحفاظ على السر الاعظم (ع).
2 ـ انهم اضطلعوا بمنصب المرجعية العليا (النائبة) وقاموا بوظيفتهم خير قيام.
3 ـ انهم أسّسوا شبكة إتصالات معقدة، وتحمل طابع السرية, فإنك ترى من خلال
تأريخهم أنهم يبعثون بالكتب والأموال عن طريق أشخاص يكونون في أغلب الأحيان
مجهولين عند من اُرسلوا إليه, وهؤلاء الأشخاص لا شك أن إختيارهم كان صعباً
نظراً لما سمعناه من الإحتياج إلى الحكمة في التصرفات والاخلاص التام,
والكتمان الذي نفتقده جميعاً, والحمدُ لله الذي لا يحمد على مكروه سواه.
4 ـ ان الإمام (ع) وظّف بعض النساء للقيام ببعض الأعمال وهذا مما يقل
الالتفات إليه:
وقال محمد بن إبراهيم: وقدمت العسكر زائراً, فقصدت الناحية, فلقيتني إمرأة
وقالت: أنت محمد بن إبراهيم؟ فقلت: نعم، فقالت إليه: إنصرف فإنك لا تصل في
هذا الوقت, وإرجع الليلة فإن الباب مفتوح لك, فأدخل الدار, وأقصد البيت الذي
فيه السراج, ففعلت وقصدت الباب فإذا هو مفتوح, فدخلت الدار وقصدت البيت الذي
وَصَفَتْهُ, فبينما أنا بين القبرين أنتحب وأبكي إذ سمعت صوتاً وهو يقول: يا
محمد إتّقِ الله, وتب من كلّ ما أنت عليه, فقد قُلدت أمراً عظيماً. ([7])
وروى أبو محمد الحسن بن وجناء النصيب قال: كنت ساجداً تحت الميزاب في رابع
أربع وخمسين حجة بعد العتمة, وأنا أتضرع في الدعاء إذ حركني متحرّك فقال: قم
يا حسن بن وجناء، قال فقمت فإذا بجارية صفراء نحيفة البدن تقول أنها من أبناء
أربعين فما فوقها، فمشت بين يدي وأنا لا أسألها عن شيء, حتى أتت بي إلى دار
خديجة (ع)، وفيها بيت بابه في وسط الحائط، وله درج ساج يرتقي، فصعدت الجارية،
وجاءني النداء: إصعد يا حسن، فصعدت فوقفت بالباب، فقال لي صاحب الزمان (ع):
يا حسن أتراك خفيت عليَّ, والله ما من وقت في حجك إلا وأنا معك فيه 000.
([8])
وإلى هذا التأريخ لم تعرف هوية هاتي النساء، وبالتأكيد فان الحوادث غير
المنقولة بهذا الصدد كثيرة.
5 ـ عدم الاتصال بالآخرين من قبل السفراء إلا وقت الحاجة الضرورية ، وهذا ما
يفسر لنا قلّة الروايات التي نقلت عنهم، فلو أنك راجعت مؤلفات الشيخ الصدوق
والكليني ـ وهما معاصران للسفراء ـ لوجدت أنّ ما نقلاه عن السفراء قليل جداً.
6 ـ ضياع أو تلف مؤلفات قيمة في الفقه أو العقائد كانت متداولة في عصر
السفراء، وهي ممضاة من قبلهم أي من قبل الإمام (ع):
أنفذ الشيخ الحسين بن روح (رض) كتاب التأديب إلى قم، وكتب إلى جماعة من
الفقهاء بها وقال لهم: أنظروا في هذا الكتاب, وأنظروا أفيه شيء يخالفكم؟
فكتبوا إليه: إنه كله صحيح, وما فيه شيء يخالف إلاّ قوله (في) الصاع في
الفطرة نصف صاع من طعام، والطعام عندنا مثل الشعير من كلِّ واحد صاع. ([9])
وكذلك كتب بني فضال التي أمضاها الإمام العسكري (ع) وغيرها. وقد يكون سبب
ضياعها ما حصل أثناء غزو المغول لبغداد من فضائع وإحراق وإغراق ملايين الكتب.
7 ـ كما نعلم أن الكثير من التوقيعات كانت تصدر من الإمام (ع) خلال هذه
الفترة, وقد نقلت المصادر الكثير من هذه التوقيعات، ولكن لم يُعثر على نسخة
أصلية بخط الإمام (ع) إلى هذا الوقت، والحقيقة أن الأوامر وكانت تصدر اما بأن
يقرأوا التوقيع وبعد ذلك يُسحب منهم ويُخفى أو يُتلف، أو أن ينسخوا نسخة
مطابقة للأصل وأما الأصل فأنه يُعاد، وفي الحالتين يختفي هذا التوقيع ولا
توجد نسخة في متحف أو غيره إلى الآن حسب إطّلاعي على الأقل؛ وتوجد توقيعات
أخرى بخط الوكلاء وإملاء الإمام (ع) فيها أمور غيبية وهذه التوقيعات أيضاً
إختفت النسخ الأصلية منها:
روى أبو علي المتيلي قال: جاءني أبو جعفر, فمضى بي إلى العباسية, وأدخلني
خربة, وأخرج كتاباً فقرأه علي, فإذا فيه شرح جميع ما حدث على الدار, وفيه أن
فلانة ـ يعني أم عبد الله ـ تؤخذ بشعرها وتُخرج من الدار، ويحدر بها إلى
بغداد فتقعد بين يدي السلطان، وأشياء مما يحدث, ثم قال لي إحفظ، ثم مَزَّق
الكتاب وذلك قبل أن يحدث ما حدث بمدة. ([10])
وقد يقال هنا إن سبب إتلاف هذه الكتب أو التوقيعات هو وجود رائحة سياسية؛
ولكن الأمر أكبر من ذلك, فان العثور على هذه التوقيعات ووقوعها بيد السلطات
يعني كشف شبكة الاتصالات بين الإمام (ع) وقواعده، وكان الأمر من الدقة بحيث
لم يعثر على خيط مهما كان ضئيلاً يدل على وجود هذه العلاقة السرية الخطيرة
التي كانت تربط الإمام (ع) بقواعده المنتشرة في مناطق شاسعة، ومن هنا نرى
القدرة على تحمل المسئولية لأولئك العظماء الذين حافظوا على وحدة المذهب طيلة
ما يقارب من سبعين سنة، على الرغم من الحملات التي قامت بها السلطات لكشف هذه
العلاقة, ولكنها بائت بالفشل جميعها.
8 ـ كان السفراء يعطون الأموال للمحتاجين بأمر من الإمام (ع) ولكن على شرط
الاحتياج والانفاق، وأما لغرض التبرك فكان ذلك لا يحصل إلا نادراً كاعطاء
قميص أو كفن وما شابه ذلك، والملاحظ في جميع الهدايا والمساعدات أنها لا تدل
دلالة واضحة على هوية معطيها, فلا يستلزم ذلك كشف مكان تواجد الإمام (ع) أو
الجهة التي أوصلتها عنه (ع) ومن ذلك ما ورد:
فأما إذا كانت عزيمتك وعقد نيتك أن لا تحدثَ فيها حدثاً, ولا تنفقها في طريقك,
فقد صرفناها عنك، وأما الثوبان فلا بد منهما لتحرم فيها. ([11])
9 ـ إن الإمام (ع) قام بتنصيب مجموعة من الوكلاء في المناطق النائية عن بغداد،
وهؤلاء يأتون بالدرجة الثانية بعد السفراء الأربعة، والظاهر أن مهمة هؤلاء هي
تسهيل الاتصال بين القواعد الشعبية في مناطقهم وبين الإمام (ع)، وسواء كان
إتصالهم بالإمام مباشرة أو بالسفراء الأربعة فالنتيجة واحدة وهي ديمومة
الاتصال، ومن هؤلاء: محمد بن جعفر العربي الأسدي، وحاجز الوشاء، وأحمد بن
اسحاق الاشعري، وإبراهيم بن محمد الهمداني، وأحمد بن حمزة بن اليسع ([12])
ومحمد بن إبراهيم بن مهزيار، وأبيه،([13]) وأبو طاهر الزراري.([14])
10 ـ ان الإمام (ع) قد يظهر في أحوال معينة لبعض الأشخاص لتوكيد الروابط بينه
وبين هؤلاء الذين كانوا يمثلون قبائل معينة أو مدناً معينة، والغرض زيادة
إطمئنان هؤلاء لينقلوا بعد ذلك لثقاتهم تواجد الإمام (ع)، وأنه يحمل همومهم
ويرعى شؤونهم على رغم البعد الظاهري.
11ـ ظهور الإمام (ع) في أحيان قليلة لأعداءه الذين كانوا متأكدين من وجوده،
وذلك لعلمهم المسبق بوجود الإمام الثاني عشر، وقد حاولوا مرات عديدة إلقاء
القبض عليه أو قتله متحدين بذلك القدرة الإلهية:
شهدت نسيماً ـ أحد معتمدي الخليفة ـ آنفاً بسر من رأى وقد كسر باب الدار،
فخرج إليه وبيده طربزين فقال: ما تصنع في داري؟ فقال نسيم: إن جعفراً زعم أن
أباك مضى ولا ولد له، فإنْ كانت دارك فقد انصرفت عنك. ([15])
وحدَّث عن رشيق صاحب المادراي قال: بعث إلينا المعتضد ونحن ثلاثة، فأمرنا أن
يركب كل واحد منا فرساً ونجنب آخر، ونخرج مُخفّين لا يكون معنا قليل ولا كثير
إلا على السرج مصلى. وقال (لنا): إلحقوا بسامرة، ووصف لنا محلة وداراً وقال:
إذا أتيتموها تجدون على الباب خادماً أسود فاكبسوا الدار، ومن رأيتم فيها
فأتوني برأسه؛ فوافينا سامرة فوجدنا الأمر كما وصفه، وفي الدهليز خادم أسود
وفي يده تكة ينسجها، فسألناه عن الدار ومن فيها، فقال: صاحبها؛ فوالله ما
إلتفت إلينا وقلَّ إكتراثه بنا، فكبسنا الدار كما أمرنا فوجدنا داراً سرّية،
ومقابل الدار ستر ما نظرت قط إلى أنبل منه، كأن الأيدي رُفعت عنه في ذلك
الوقت، ولم يكن في الدار أحد، فرفعنا الستر فإذا بيت كبير كأن بحراً فيه ماء،
وفي أقصى البيت حصير قد علمنا أنه على الماء, وفوقه رجل من أحسن الناس هيئة
قائم يصلي، فلم يلتفت إلينا ولا إلى شيء من أسبابنا، فسبق أحمد بن عبد الله
ليتخطى البيت فغرق في الماء وما زال يضطرب حتى مددت يدي إليه فخلصته وأخرجته,
وغشي عليه وبقي ساعة، وعاد صاحبي الثاني إلى فعل ذلك الفعل فناله مثل ذلك
وبقيت مبهوتاً, فقلت لصاحب البيت: المعذرة الى الله وإليك, فوالله ما علمت
كيف الخبر ولا إلى من أجيء وأنا تائب إلى الله؛ فما التفت إلى شيء مما قلنا،
وما إنفك عما كان فيه فهالنا ذلك، وإنصرفنا عنه، وقد كان المعتضد ينتظرنا وقد
تقدم إلى الحُجَّاب إذا وافيناه أن ندخل عليه في أي وقت كان، فوافيناه في بعض
الليل فأدخلنا عليه فسألَنا عن الخبر، فحكينا له ما رأينا, فقال: ويحكم لقيكم
أحد قبلي, وجرى منك إلى أحد سبب أو قول؟ قلنا لا، فقال: أنا نفيُّ من جدي؛
وحلف بأشد أيمان له أنه رجل إن بلغه هذا الخبر ليضربن أعناقنا، فما جسرنا أن
نتحدث به إلاّ بعد موته. ([16])
ولعل لسائل أن يسأل عن الحكمة من ظهوره هذا، وهو الذي لا يراه من شيعته الا
القليل، فالجواب ان الامام (ع) قد يتوخى من ذلك عدة نتائج منها:
1 ـ إلقاء الحجة على هؤلاء الظلمة، وان حجة الله بين ظهورهم يسمع ويرى، ليكون
حسابهم شديدا امام الله سبحانه وتعالى.
2 ـ إبراز عظمةالله تعالى بحمايته لوليه من أي خطر يأتي من قبلهم مهما كانت
تصوراتهم انهم قادرون وان يدهم تصل الى من يشاؤون.
3 ـ ايصال هذه الاحداث الخارقة الى اعوان الظلمة عن طريق الاشخاص المكلفين
بالقضاء على الإمام (ع) او هتك حرمته، وبذلك ليعرف هؤلاء ان لله حجة على
الارض وانه اقوى من ملوكهم، وبالتالي فقد يعود ذلك بالنفع لهم من حيث هدايتهم
وتركهم لإعانة الظلمة.
بل الامر اوسع من ذلك فقد يتوب بعض أولئك الملوك نفسهم، كما يروي في التأريخ
عن تشيع الناصر العباسي وآخرين, او على الاقل اعتناقهم للحق وان كانوا على
اية حال ماضين في دنياهم وملذاتهم، ومن ذلك حكاية تروي ان احدهم رأي الامام
(ع) في سامراء, وابلغه انك اذا وصلت بغداد فلابد ان يطلبك ابو جعفر ـ يعني
الخليفة المستنصر ـ فإذا حضرت عنده واعطاك شيئاً فلا تأخذه 000 وعندما دخل
بغداد إستدعاه المستنصر وأعطاه ألف دينار فرفض، فسأله عن سبب الرفض، فأخبره
أن الإمام (ع) أمره بذلك، فبكى المستنصر وتكدر. ([17])
فهذه الرواية تدل على إعتقاد المستنصر بإمامة الاثني عشر (ع) ومع ذلك فهو
محجوب عن رؤية الإمام (ع)، أو على الأقل محروم من نعمة الاتصال به حتى بصورة
غير مباشرة، ولكن مع كل ذلك فان إعتقاد المستنصر وغيره خدم أهل المذهب الحق
في ذلك الوقت، وقد كان علماء المذهب ذوي حظوة وتقدير عندهم كما كان إبن طاووس
(رض) عند المستنصر.
ونرى بوضوح أن أهم التطورات والإحداث في فترة الغيبة الصغرى والتي ترتبط
بالإمام (ع) حصلت في العراق على وجه الخصوص، مع وجود علاقات وأحداث قليلة جداً
في أماكن أخرى، فرؤية الإمام (ع) تتم في العراق إلا ما ندر، والإتصال به لا
بد أن يكون في العراق عن طريق السفراء، وهذا ملاحظ بشدة من خلال الروايات،
حيث أن الشيعة وبالأخص في إيران كانوا يترقبون رسول الإمام (ع) أو السفير بين
مدة وأخرى ، وإن كانت غير منتظمة، وذلك حسب المصلحة أكيداً.
نلاحظ أن فترة الغيبة الصغرى وهي فترة الإمامة الأولى للمهدي (ع) إمتدت قرابة
سبعين سنة, بينما لا نجد أن أحد الأئمة إستقر في بلد مثل هذا الوقت الطويل
نسبياً، وقد كان لهذه السبعين عاماً دورها في تربية ذلك الجيل بشكل مكثف من
قبل الإمام (ع) ووكلاءه (رض)، وذلك تمهيداً للغيبة الكبرى، وبالتأكيد فأن
المهمة صعبة للغاية، وقد سقط الكثير خلال هذه المدة بالتحديد, ومنهم من كان
يعتبر من علماء المذهب، كابن أبي العزاقر، والشلمغاني، وأحمد بن علي بن بلال،
وأحمد بن هلال وغيرهم، ([18]) فكيف بمن هو دونهم من عامة الناس، بل كيف بمن
هو بعيد عن محل إستيطان السفراء؟.
فالتربية المركزة شكلت أحد أهم عناصر استمرار المذهب إلى هذا اليوم وإلى يوم
الظهور الأعظم، وبالتأكيد فان من أهم أسباب هذه الجهود أن هذا البلد سوف يكون
القاعدة الرئيسية (كما سوف نرى) للإمام (ع) ويشكل أهله أهم قادة نشر الإسلام
بين يدي الإمام (ع)، بل إن الغالبية العظمى من خاصة الإمام (ع) سوف يكونون
عراقيين اكيداً، كما سوف نثبت في مستقبل البحث، بل الأهم من ذلك كله أن
الإمام (ع) سوف يكون أول ظهوره ـ حسب أطروحة خفاء العنوان ـ شخصية عراقية،
وبعد ذلك تتضح شخصيته الحقيقية عند سيطرته على العراق؛ المهم أن الأجيال التي
أعقبت جيل السفراء الأربعة (رض) حينما تنشأ وتتربى يكون ذلك وفق أمر ارتكازي
وهو أن الإمام (ع) ولد في العراق، ولذلك ترى أن العراقيين في النصف من شعبان
يتوجهون بالملايين لزيارة الإمام الحسين (ع) بهذه المناسبة. وحينما يتربى
الجيل على أن إمامهم الفعلي وُلد في مثل هذا اليوم على هذه الأرض, وأنهم
بينما يحتفلون بهذه المناسبة، فأنهم أكثر تفاعلاً من غيرهم من أهل الإسلام مع
قضية الإمام المهدي (ع)، وكذلك حينما تتربى الأجيال في السابق وفي المستقبل
على أن الإمام (ع) إتخذ من العراق المركز للمسلمين في عصر الغيبة الصغرى، وأن
السفراء الأربعة مدفونون في هذه الأرض، فان بركات هذه الوجودات الشريفة سوف
تبقى تؤثر وتثقف الأجيال على قضية الإمام المهدي (ع)، ولا ننسى أن الإمام (ع)
أعطى الكثير من التعليمات التي وصلت إلينا عن طريق علماءنا الثقات، وأن من
أراد أن يراه (ع) فذلك ممكن وفق أعمال معينة يقوم بها الفرد في مسجد الكوفة
أو مسجد السهلة، ولا ينافس أي مكان آخر هذين المسجدين بهذا الشرف العظيم،
وهذان المسجدان يقعان في بلدة الكوفة وهما شهيران فلا حاجة إلى مزيد من
التعليق بخصوصهما، وللكوفة أهمية سوف ترد في طيات هذا الكتاب إنشاء الله
تعالى.
والملفت للنظر أن الحكايات الكثيرة والمقطوع بها على الأجمال حول رؤية
الإمام(ع) خلال الغيبة الكبرى حدث القسم الأعظم منها في جنوب العراق، مع وجود
نسبة جيدة لرؤيته في بغداد وسامراء، وقد أورد الشيخ النوري في (النجم الثاقب)
مائة واقعة بهذا الصدد، وإن كان في الكثير منها كلام, ولكن كما قلت فهي على
الاجمال واقعة.
وإذا طالعتَ هذه الحكايات وجدت النسبة الأكبر وقعت في العراق وخصوصاً في
المشاهد المشرفة والمسجدين الأعظمين الكوفة والسهلة، وهذه أيضاً إحدى النقاط
المهمة حول رعاية الإمام (ع) لأهل هذا البلد ـ أعني المؤمنين منهم طبعاً ـ
فهذه الخصلة وهذا الشرف العظيم برؤية سيد العالم (ع) متاح في هذا البلد وفق
ما ذكر ما لم يتح لأحد في بلد آخر، وهذا لا يعني أن البلدان الأخرى لم تحدث
فيها رؤية الإمام (ع) لبعض المخلصين, ولكن التركيز في العراق دون غيره واضح
كما لا يخفى.
وأخيراً قد يُسئل لماذا إنقطعت السفارة, واقتصرت على هؤلاء الأربعة؟ ولذلك
عدة أجوبة محتملة:
1 ـ ان هذه المدة كافية في التخطيط الإلهي لتربية الأمة وتدريبها على غيبة
الإمام (ع).
2 ـ ان المجتمع تصاعد إنحرافه وإنكاره للإمامة ومخالفاته لضروريات الإسلام
فاستوجب ذلك رفع هذه النعمة بالاتصال بالإمام (ع).
3 ـ ان الوقت لو امتد أكثر من هذه المدة لكان من المحتمل اكتشاف الإمام (ع)
أو نائبه للسلطات.
4 ـ ان النموذج الذي يتم إختياره للسفارة لم يعد متوفراً بسبب تدني مستوى
الإخلاص عند أفراد الأمة.
وقد تكون هناك أجوبة أخرى لم أحط بها بسبب القصور.
([1]) تأريخ الغيبة الصغرى ـ ص 543.
([2]) الغيبة ـ الطوسي ـ ص 354.
([3]) المصدر السابق ـ ص 354.
([4]) المصدر السابق ـ ص 356.
([5]) المصدر السابق ـ ص 369.
([6]) المصدر السابق ـ ص 391.
([7]) كمال الدين ـ ص 442.
([8]) كمال الدين ـ ص 407.
([9]) الغيبة ـ الطوسي ـ ص 390.
([10]) كمال الدين ـ ص 452.
([11]) المصدر السابق ـ ص 445.
([12]) الغيبة ـ الطوسي ـ ص 415 ـ 417.
([13]) المصدر السابق ـ ص 281.
([14]) المصدر السابق ـ 298.
([15]) المصدر السابق ـ 267.
([16]) المصدر السابق ـ 248.
([17]) النجم الثاقب ـ ج 2 ـ 78.
([18]) الغيبة ـ الطوسي ـ ص 397 فما بعدها.
|