صحيفة أنصار الإمام المهدي ع 

• خفاء العنوان • الامام المهدي ع في بغداد • الصدر خلاصة جهود الغيبة •

كتاب الصدر ممهدا للكاتب عباس الزيدي المياحي

الحلقة الثالثة

الصدر خلاصة جهود الغيبة



تعتبر الفترة التي تلت الغيبة الصغرى ـ أي عصر الغيبة الكبرى ـ من اكثر الفترات التأريخية في العراق غموضا، فالمعلومات التي وصلت الينا قاصرة بشكل مؤسف عن اعطاء صورة مفصلة او شبه مفصلة عن الاوضاع الاجتماعية السائدة في مدن العراق، وتشتد العتمة في هذا التأريخ كلما تقدمنا تجاه قرننا الماضي (القرن العشرين) فبعد الغزو المغولي وانتهاء الخلافة العباسية وبعد ذلك قيام الدويلات داخل كيان الدولة الواحدة سابقا (الدولة الاسلامية في عصر الخلافة العباسية) وبعد ذلك الاحتلال العثماني الذي يعتبر وبدون مبالغة من اقذر فترات الاحتلال التي مر بها العراق, كان الواصل إلينا ضئيلاً وقليلاً عن حال القيادات الدينية في العراق خلال هذه الفترات المظلمة. فقد تعهد علماؤنا وبصبر عظيم بحمل رسالة آل محمد صلوات الله عليهم، وقد اضطروا في احيان كثيرة الى الارتحال من مكان الى آخر، فشهد العراق انتقال الحوزة من بغداد الى النجف والى الحلة نتيجة احداث سياسية مريرة، وكانت القواعد الشعبية متصلة بمستويات متفاوتة مع المرجعية ومع ذلك فقد كانت القيادات العلمائية تقوم بدورها بشكل تام، والطابع الذي كان يتميز به علماؤنا في تلك العصور هو طابع العالم الزاهد الناطق, ولم يتركوا شأنا الا واقحموا انفسهم فيه (بمقدار لايخالف التقية في حال اللزوم) وصفة الزهد متمثلة فيهم جميعا وبدون استخدام أية حيل شرعية، فالاسلام واضح كالشمس، وسيرة الائمة (ع) وتوجيهاتهم لاتحتاج الى جهد لمعرفتها، ففي الوقت الذي كانت فيه الاموال تُجبى اليهم من شتى بلدان التشيع تراهم لا يقصرون في وضع هذه الاموال في مواضعها الصحيحة، واكتفوا لانفسهم بالمقدار المجزي للعيش، ولم يبلغ عن احدهم ـ الا النادر ـ انه كان يعيش مترفاً، واما العبادة فحدث ولا حرج، واما صفة الناطقية ـ التي ذكرتها والتي كان صاحب الفضل الاول في استخدامها هو السيد الصدر (رض) ولا اعني باستحداثها انها مخترعة، بل سوف نرى انها الصفة الرئيسية للامام (ع) باستدلال واضح ـ فان علمائنا تميزوا طيلة تلك الفترة بهذه الصفة أيضا، وبعد ذلك تغير الحال قليلا عما كان عليه فانك قد تجد هنا او هناك البعض ممن امتهن صفة وعاظ السلاطين والاكتساب عن طريق العمامة، والعمل لصالح الجهة العليا والسلطات، ولكن لانستطيع في هذا الموقع ان نتهم احداً على وجه التحديد. وبعد الاحتلال البريطاني للعراق بدأت الامور تأخذ منحى آخر فقد افترقت الحوزة الى فرقتين، الاولى وهي المسيطرة على الحوزة عملياً، كانت ولا زالت تلجأ الى اسلوب السكوت، وعدم التدخل في شؤون الامة، والثانية الفئة التي رأت ان من واجبها التصدي لشؤون المجتمع من منطلق انه (اذا ظهرت الفتن فعلى العالم ان يُظهر علمه والا فعليه لعنة الله) والاهتمام بشؤون المسلمين، ومن هؤلاء الشيخ محمد تقي الشيرازي والشيخ الخالصي الكبير، والسيد مهدي الحيدري، والسيد محمد سعيد الحبوبي وغيرهم، ولم يحدث التقاء بين الفئتين الى يومنا هذا مع العلم ان الفئة الثانية كانت في اغلب الاوقات تقدم دمها في آخر المطاف، وفي احسن الاحوال تخسر سمعتها حوزويا، ولكنها على اية حال لم تتبلور عندها صورة واضحة لقيادة المرجعية الناطقة، وهذا راجع لاسباب عديدة من اهمها ان العوامل التأريخية لاتخرج وليدة العفوية او المصادفة، فلابد من وجود مجتمع معين يعي الفكرة ، والمجتمعات في ذلك الوقت كانت على مستوى فهم متدني، وكلما تقدم الزمن كان الوعي اعمق وادق، فلا يمكن القاء اللوم على احد بعينه (اعني من اصحاب المسلك الناطق) فهم قدموا مايستطيعون وبما يتناسب مع مستوى فهمهم للمرجعية من ناحية, ومع مستوى فهم الامة من ناحية اخرى. الى ان وصلت سلسلة التأريخ الى حلقة السيد محمد الصدر, وهنا لابد من الاشارة إلى ان أي تطورغالباً ما يحدث في أي مجتمع عقيب حدوث ثورة جماهيرية. فاحداث الاحتلال البريطاني وثورة العشرين كانت السبب وراء التمييز بين الساكت والناطق… اذ كما يعبرون (وقت الازمات تُخبر الرجال وتُعرف المعادن) وبعد ثورة شعبان في العراق التي تلت حرب الخليج الثانية حدث اخطر تحول في تأريخ العراق. وبتعبير ادق (في تأريخ شيعة العراق) فقد تكرر في هذا الحدث ماسبق في ثورة العشرين، فكان الساكت الذي يرفض التدخل في شؤون الانتفاضة, وكان الناطق الذي قاد الانتفاضة ميدانياً، وكان على رأس هؤلاء السيد الصدر والسيد السبزواري رضي الله عنهما، وبعد ذلك استمرت الاحداث متطورة بشكل سريع جدا؛ وانا لا اتفق مع أولئك الذين يقولون ان شعب العراق صنعه محمد الصدر, بل أرى انهما توأمان لحدث واحد ولتراكمات وتطورات تاريخية واحدة.
ومحمد الصدر يوم من تاريخ هذا البلد الحافل بالاحداث, والذي تجمعت فيه الاضداد والاعداء والشرفاء.
وكلا التوأمين خلاصة التربية المركزة التي أشرنا اليها سابقا للأئمة (ع) ولعلماء المذهب الواعين، وللرعاية المتواصلة من قبل صاحب الامر (عج). صحيح ان مفترق الطرق حصل في مرجعية السيد الصدر الا ان ذلك نتج عن ان هذا الشعب في هذا الوقت لم يكن ينفع لقيادته ويليق بمستواه سوى محمد الصدر.
لنقف قليلا مع الصدر لنرى مدى صحة ما ذهبنا اليه مع بذل الوسع طبعا لاعطاء الموضوعية حقها (حتى لانتهم بالتحيز غير المبرر):
ولد الصدر وسط عائلة اشتهرت بكونها من دعاة التجديد والتدخل في شؤون الأمة السياسية، مع كون افراد هذه الاسرة من علماء المذهب المرموقين والمراجع الكبار في العراق وغير العراق (مع الاخذ بالنظر ان الذين خرجوا من العراق قد ذابوا في مجتمعاتهم، ولم يعودوا ينظرون الى العراق بالدرجة التي يستحق).
والذي اريد ان اقوله ان تطورات عصر الغيبة الكبرى في العراق في هذا القرن كان آل الصدر متفاعلين معها بنفس المستوى الذي كان عليه الشعب العراقي, بينما نجد الباقين ينظرون وفق موازينهم الخاصة التي تليق بزمن العروة الوثقى بل ماهو أدوَنُ من ذلك, ولم نجد تفاعلا يذكر بل ان الضمور هو طابعهم، والتفاعل مع متطلبات الساعة والمستوى الجماهيري بنسبة ضئيلة جدا, اللهم الا ماكان يصب في مصالحهم الشخصية او مستوى التفكير المتدني, وكان من المحتوم ان تذوب هذه الفئة بالتدريج وتصبح خارج الميدان بشكل آلي, لان الجماهير اصبحت اعظم من الحوزة, اعني اكثر وعياً لمتطلباتها, واحتياجاً الى قيادة تليق بها (وسوف نرى انها بعد ذلك سوف تصبح بمستوى لايتناسب معها سوى المعصوم) ونحن قلنا ان آل الصدر كانوا يواكبون هذا التطور, فكان من الحتمية التأريخية ان يتصدر محمد الصدر ويتولى زمام الامور جماهيرياً وحوزوياً.
واما تأريخ محمد الصدر من هذه الجهة فهو قد نشأ وسط هذه الاجواء وتفاعل في نهاية عقده الثاني مع قضية الامام المهدي (ع)، وهي قضية كانت ولازالت مهملة حوزوياً (من الناحية العملية)، فشرع بالبحث الطويل في هذا التأريخ الغامض لإمام العصر، والذي مُلئ بالأساطير او الرمزية ولم ينته من بحثه الى يوم شهادته, ولكنه وَضّحَ مسائل خطيرة في هذا التأريخ، ووضع اسس متينة لمن يرغب في الخوض في هذا المجال الشيق.
وخلال بحثه اعطى مفاهيم جديدة عن الامام وغيبته، وما هو واجب الأمة خلال هذه الغيبة والمساهمة في التمهيد لظهوره.
واثناء هذا البحث المتطاول واكب الحركات السياسية التي كانت تجتاح الشارع العراقي خصوصاً، كالحركة القومية والشيوعية والحركة الاسلامية بكل فئاتها, ونرى انه كان بعيداً عن كل هذه الاجواء, لانه كما صرح بذلك لم يتفاعل مع مايسمى بالحزب على الاطلاق, ولهذا وصفه زملاؤه وغيرهم بأنه ساذج ودرويش ولايمتلك خبرة اجتماعية 000الخ.
فقد كان يرى ان الحل هو في الاتجاه بالامة صوب الامام المهدي (ع) وان نكون عوامل مساعدة في تعجيل فرجه، لا أن نفكر كي نحتل منصبه او نحصل على صلاحياته وغيرها من الحمقات!!.
وهو ينطلق بذلك وفق مفاهيم قرآنية واسلامية ، فالحزب يقوم على اساس اختيار اعضاء وهؤلاء نخبة خاصة، وبعد ذلك يشرع الحزب بالتنظيم السياسي, ويقوم في اكتساب اعضائه من الجماهير وفق مواصفات معينة, كأن يختار الطبقة المثقفة او الواعية, ويعنون بهذه الطبقة في الغالب من اصحاب الشهادات 00 وبعد ذلك تنطلق هذه الطبقة لتبيين مفاهيم الحزب وتوعية المجتمع على مبادئ هذا الحزب, وبعد وقت لايعلمه الا الله تكون الأمة قد استوعبت الفكرة الحزبية الاسلامية (وهذا لم يحصل الى الآن بعد تأسيس الحزب بأكثر من اربعين سنة!).

وطبعا للحزب نظامان, الأول داخلي يختص بالأعضاء الرئيسيين، والثاني عام لباقي الاتباع, ونرى ان الحزب هو الحزب سواء كان اسلاميا ام لا, وان الولاء سوف يكون للحزب, واذا كنت في حزب غير الحزب الذي انتمي اليه او أؤيده فأنت عدو لي حتى وان كنا على دين ومذهب واحد, وخير مثال المعارك التي نشبت بين حزب الله وبين حركة امل وكلاهما اسلاميان شيعيان، وسالت الدماء بينهما لا من اجل التوحيد او الامامة او الصلاة بل لأمور سياسية يعلمها ذوو الشأن، وكذلك مانراه يحدث في افغانستان في يومنا هذا حيث كل حزب منهم يرفع راية مكتوب عليها(لا اله الا الله) ويقاتل الاخر ([1])000الخ من هذه المهازل والفكر القاصر عن ادراك مايريده الاسلام منا.
اما السيد محمد الصدر فهو يرى ان الحل هو في القيادة الاسلامية المتمثلة بالمرجعية الناطقة، وبعد ذلك يؤكد عمليا  إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ و  إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَ يُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ ويرسخ المفاهيم الاسلامية كما هي من دون ان يحتاج الى استيراد مفاهيم حديثة، فالمرجعية تقابل الحزب، والاخلاص يقابل الجدية، والتضحية بالنفس من اجل اعلاء كلمة الله تقابل التضحية بكل شيء من أجل الحزب. فالانطلاق عند محمد الصدر يأتي من داخل كل فرد بالتوجه الى الله تعالى بالاخلاص، فشرع (رض) يبين المفاهيم الاسلامية وعوامل النصر وفق المنظور الاسلامي، فالتوحيد عنده يتقابل مع الشرك الجلي بأعلى درجة، والشرك الخفي بأدنى درجة، ويوضح مفهوم التسليم، ولا أحصي عدد المرات التي سمعته يقول فيها: ان تكون بين يدي الله كالحجر او كالميت بين يدي الغسال يقلبه كيفما يشاء.
وقبل الخوض في منهجية الصدر ذات الارتباط الوثيق بمهمة التمهيد لدولة العدل الالهي نطرح بعض المميزات التي تحلى بها (رض).


([1]) ورأينا بعد ذلك أن هذه الأحزاب برمتها قد قامت الولايات المتحدة بإلقائها في اقرب مزبلة بعد أن قدموا لهم خدمة كبيرة بالقيام بمذبحة كبيرة للأفغان.