صحيفة أنصار الإمام المهدي ع 


عوامل التجديد في فكر الإمام الشهيد السيد محمد باقر الصدر
محمد عبد الجبار

لم يكن السيد محمد باقر الصدر (1933-1980) مجرد رجل دين من اولئك الرجال التقليديين الذين عرف تاريخ الفكر الاسلامي الكثيرين منهم. بل كان مفكرا مبدعا تناول مختلف مجالات المعرفة الانسانية عامة والاسلامية خاصة بالدرس والتحليل ليتراوح انتاجه الفكري من نظرية المعرفة والفلسفة الى الفقه والاحكام الشرعية مرورا بالاقتصاد والسياسة.
كان السيد الصدر مثقفا كبيرا كرس حياته للفكر والثقافة دراسة ونقدا وانتاجا. وقد تميز بقدرته الفائقة على الاستيعاب والانفتاح والمرونة وحساسيته المرهفة ازاء قضايا الفكر ومنهجيته النقدية في التعامل مع الموروث الفكري، الامر الذي كان شرطا اساسيا من شروط نبوغه وابداعه، وبقدرته الفائقة على انتاج الافكار وتوليد المعارف فكان ذا انتاج ثر غزير في مختلف نواح المعرفة الاسلامية والانسانية مكنه من احتلال موقع مميز في المكتبة العربية والاسلامية.
ومثل فكر الصدر مثل محطة كبرى في تاريخ الفكر الاسلامي، وهي محطة غير عادية. وليس في هذا مبالغة. فقد انجز الصدر نقلة نوعية اشادت قمما -حتى لانقول ارقاما قياسية- في مسيرة الفكر الاسلامي المعاصر لا تقارن الا بالقليل من امثالها في تاريخ هذا الفكر. وقد تعددت مجالات هذا الانتاج الفكري لتشمل الفقه واصول الفقه والتفسير والاقتصاد والمنطق والفلسفة.
مفهوم التجديد
والحديث عن التجديد في فكر السيد الصدر يتطلب منا ان نتحدث بايجاز عن معنى التجديد في المجال الفكري الاسلامي. ويرى بعض الباحثين ان التجديد مفهوم اصيل في الثقافة الاسلامية ورد لاول مرة في حديث يرونه عن الرسول محمد (ص) قال فيه : "ان الله يبعث لهذه الامة على راس كل مائة عام من يجدد لها دينها". وفي هذا يتعين علينا استدعاء التمييز بين المصادر التأسيسية للاسلام وبين النتاج المعرفي الذي قدمه ويقدمه العلماء والمفكرون المسلمون وما يعنيه التجديد في كل واحد من هذين المجالين. فالمصادر التأسيسية وهي القران وما ثبت من السنة ذات مصدر الهي بالمعنى والنص كما هو الحال بالنسبة للقران الكريم، وبالمعنى دون النص كما هو الحال بالنسبة للسنة الشريفة. وليس من المتصور ان يعني التجديد بالنسبة للقران والسنة اضافة شئ اليهما او احداث تغيير في نصوصهما لأن معنى هذا التحريف المحرم فيهما. فنحن نتلقى القران الكريم ونتعبد به، تصديقا واعتقادا وعملا، كما انزله الله على نبيه محمد (ص) كما اننا نتعبد بالسنة كما صدرت من الرسول (والائمة المعصومين من اهل بيته، عند الشيعة الامامية الاثني عشرية)، قولا وفعلا وتقريرا. وهنا يصح القول ان "تجديد الاسلام شيء لامعنى له" و لايعني التجديد ومن ثم الاجتهاد في هذا المجال سوى تطوير فهم القران والسنة منهجا وعمقا واتساعا عن طريق اعمال الذهن فيهما وتكوين علاقات جديدة بين مفرداتهما يمكن من خلالها اكتشاف، بل توليد المزيد من الافكار والمفاهيم منهما. وهذا هو معنى التدبر في القران الذي دعا اليه الاسلام، او استنطاقه كما ورد عن الامام علي.
ان ثمرة هذا التدبير او الاستنطاق هي ما نسميه الفكر الاسلامي باعتباره ثمرة "التفاعل بين عقل المسلمين واحكام الدين الازلية." وهو بهذا المعنى فكر بشري. والتجديد في هذا الفكر يختلف من حيث الجوهر والطبيعة عن معنى التجديد في فهم المصادر التأسيسية. ان التجديد في الفكر يتضمن معنى النقد والتخطئة والتجاوز وابتداع فكر جديد كلما دعت الحاجة والضرورة الى ذلك على ان يتم ذلك كما هو مقرر ومعروف ضمن الاطر الحاكمة التي وضعتها النصوص التأسيسية.
ويستهدف الجهد البشري في تجديد انتاج الفكر الاسلامي تحقيق ما يلي:
اولا، توليد افكار جديدة واستنباط احكام جديدة تتطلبها الضرورة الواقعية التي يواجهها المجتمع الاسلامي ويخضع هذا الجانب من التجديد الى جدلية النص الثابت والواقع المتغير والمتجدد. ان القول بصلاحية الاسلام لكل زمان ومكان يفرض على الفكر الاسلامي مواكبة حركة الواقع ورصد اتجاهاته ومن ثم الاستجابة لمتطلباتها ومتغيراتها. ولهذا اعتبر الفقهاء ان "الزمان والمكان عنصران اساسيان في الاجتهاد." لقد كلفت الشريعة الاسلامية المسلمين بالرجوع الى العلماء بالنص الاسلامي لمعرفة حكمها في "الحوادث الواقعة". وهذا يعني ان على هؤلاء العلماء والفقهاء معرفة هذه الحوادث المستجدة واستخراج الحكم الشرعي بشأنها من مصادر التشريع أي القران والحديث.
ثانيا، نقد الموروث الفكري وتجاوز ما عفى عنه الزمن من افكار السابقين. ان الفكر الاسلامي يتألف من طبقات تمثل كل واحدة منها مرحلة تأريخية معينة واستجابة لمتطلبات تلك المرحلة. ولايعني صدور هذا الفكر من لدن فقهاء عظام ومفكرين راسخين في العلم اعتباره مطلق الصحة والصلاحية على مر العصور وعلى مختلف الاماكن او اعطاءه صفة فوق تاريخية تجعله في منأى عن المراجعة واعادة النظر لان هذه صفات لا تنطبق الا على القران والسنة. ويعتبر السيد محمد حسين فضل الله ان هذا هو جوهر التجديد في الاجتهاد "على اساس ان نعطي الفرصة لانتقاد التجارب الفكرية او الفقهية في فهم الاسلام في محاولة جديدة لفهم يكتشف عناصر الخطأ في الفهم السابق كما يكتشف عناصر الصواب". وقد مرت على الفكر الاسلامي فترة ساد فيها تقديس السابقين ومهابتهم مما ادى الى ركود الحركة الفكرية الاسلامية وتوقف حركات التجديد والابداع في اطار عملية الاجتهاد الجائزة شرعا. يقول ابن خلدون :" ووقف التقليد في الامصار على هؤلاء الاربعة (اي الفقهاء اصحاب المذاهب الفقهية المعروفة)، ودرس المقلدون لمن سواهم. وسد الناس باب الخلاف وطرقه لما كثر تشعب الاصطلاحات في العلوم، ولما عاق عن الوصول الى رتبة الاجتهاد، ولما خشي من اسناد ذلك الى غير اهله، ومن لا يوثق برأيه ولا بدينه، فصرحوا بالعجز والاعواز، وردوا الناس الى تقليد هؤلاء ، كل من اختص به من المقلدين، وحظروا ان يتداول تقليدهم لما فيه من التلاعب، ولم يبق الا نقل مذاهبهم ....ومدعي الاجتهاد لهذا العهد مردود منكوص على عقبيه مهجور تقليده." وذكر الشيخ محمد مهدي شمس الدين ان شخصية الشيخ الطوسي هيمنت على الحياة العلمية زمنا ليس بالقصير ركدت فيه الحركة العلمية الابداعية وغدت كتبه واراؤه مدار البحث بين الفقهاء وتهيب كثير منهم مخالفته، ولم تنته هذه الفترة الا بظهور الشيخ ابن ادريس (ت 598) صاحب "السرائر" الذي وضع اقوال الشيخ الطوسي واجتهاداته موضع الدراسة والنقد وفتح باب النقاش فيها.
ثالثا، استيعاب مستجدات العصر التي تبتكرها المجتمعات البشرية في سياق صيرورتها التاريخية وادخالها في المنظومة الفكرية الاسلامية والحياة الاجتماعية الاسلامية ضمن منهجية تحدد مايفيد حقيقة وما لا يفيد، وتفصل بينه وبين الاساس الايديولوجي الذي تولد عنه وتربطه في السياق الحضاري الاسلامي من اجل المحافظة على موقع الاسلام القيادي في حكم الحياة وتوجيهها. وهذا يتطلب فهم هذه المستجدات ونقدها وتطويعها تمهيدا لأسلمتها فكريا واجتماعيا. كما يتطلب هذا فهم اليات وقوانين اشتغال العلاقات بين الحضارات المختلفة وتفاعلها فيما بينها وتأثرها بعضها البعض. لقد برهنت الخبرة التاريخية على ان العزل الحضاري غير ممكن بل انه مخالف للسنن التاريخية الالهية، كما لم يقف الاسلام في وجه هذا التفاعل الحضاري بل تقبله واستفاد منه في تطوير الحياة المدنية والفكرية للمجتمعات الاسلامية.
مظاهر التجديد
وتمحور الجانب الابداعي والتجديدي في رؤية السيد محمد باقر الصدر للاسلام، من بين امور اخرى، في الامور الثلاثة التالية:
اولا، الانتقال من فقه الاحكام الى فقه النظريات. وقد استند هذا الانتقال الى الايمان بان الاحكام التشريعية في الاسلام ليست مرتجلة ولا وليدة نظرات متفاصلة ومعزلة بعضها عن البعض الاخر بل ان التشريع الاسلامي يقوم على اساس موحد ورصيد مشترك من المفاهيم وينبع من نظريات الاسلام وعمومياته، ولهذا اعتبر السيد الصدر الاحكام بناء علويا " يجب تجاوزه الى ما هو اعمق واشمل وتخطيه الى الاسس التي يقوم عليها هذا البناء العلوي وينسجم معها، ويعبر عن عمومياتها في كل تفصيلاته وتفريعاته." واذ مارس السيد الصدر عملية اكتشاف المذهب الاقتصادي الاسلامي، أي نظرياته في المجال الاقتصادي، فذلك لانه لاحظ ان " هناك من النظريات والافكار الاساسية التي يتكون منها المذهب الاقتصادي الاسلامي ليس من الميسور الحصول عليها من النصوص مباشرة". وهكذا مارس السيد الصدر دورين في انتاجه للفكر الاسلامي وهما دور المجتهد الذي يستنبط الاحكام ودور المفكر الذي يكتشف النظريات. وقد اتاحت هذه النقلة تقديم الاسس النظرية للاحكام الشرعية الاسلامية التي تعرض في كتب الشريعة عادة بمعزل عن هذه الاسس. وقد قدم كتاب "اقتصادنا" الذي الفه السيد الصدر في قمة المد الشيوعي في العراق نموذجا لهذا الانتقال. واختلف منهج الصدر في هذا الصدد عن منهج سيد قطب الذي رفض تقديم الاسلام على شكل نظريات واعتبر ذلك "محاولات ذليلة لا يجوز للمسلم ان يحاولها استجابة لازياء التفكير البشري".
ثانيا، الانتقال من فقه الفرد الى فقه المجتمع. لقد اقر الامام الصدر في بحثه القيم حول "الاسس المستقبلية لحركة الاجتهاد في النجف الاشرف" بان حركة الاجتهاد تستهدف تمكين المسلمين من تطبيق النظرية الاسلامية للحياة وذلك في المجال الفردي كما في المجال الاجتماعي. لكنه اخذ على حركة الاجتهاد في المجال الشيعي انها كانت تتجه تاريخيا نحو المجال الفردي خاصة. "فالمجتهد خلال عملية الاستنباط يتمثل في ذهنه صورة الفرد المسلم الذي يريد ان يطبق النظرية الاسلامية للحياة على سلوكه ولا يتمثل صورة المجتمع الذي يحاول ان ينشئ حياته وعلاقاته على اساس الاسلام"، الامر الذي "لم يؤد فقط الى انكماش الفقه من الناحية الموضوعية ، بل ادى الى تسرب الفردية الى نظرة الفقيه نحو الشريعة نفسها" . وهذا هو الامر الذي عالجه الصدر في عمله الفقهي ، حين شرع بانجاز مشروع الرسالة العملية (الفتاوى الواضحة) التي سعى فيها الى تقديم رؤيته للشريعة الاسلامية، بما هي كل مترابط، تحكم السلوك الخاص كما تحكم السلوك العام . وهكذا لم تعد الاحكام الشرعية في فقه الصدر مجرد تكاليف للفرد بل اصبحت تعرض في اطارها العام باعتبارها تكاليف للمجتمع من جهة وتكاليف للفرد في اطار الجماعة بما تنطوي عليه من روابط والتزامات من جهة ثانية. لقد انتقد الصدر الماركسية والرأسمالية معا لانهما في نظره يرتكزان على نظرة فردية وتعتمدان على الذاتية والانانية، داعيا الى ما اسماه "المذهب الجماعي" وهو المذهب "الذي يربي في كل فرد شعورا تجاه المجتمع ومصالحه وفرض عليه لذلك ان يتنازل عن شئ من ثمار اعماله وجهوده وامواله الخاصة في سبيل المجتمع وفي سبيل الآخرين."
ثالثا، الانتقال من فقه الماضي الى فقه الحاضر، بمعنى ان الاحكام الشرعية لم تعد تعرض باعتبارها اجتهادات الائمة والفقهاء السابقين بقدر ما تكون استجابة لحاجات جديدة واسئلة جديدة يطرحها ويفرضها العصردون ان يحول هذا من العودة الى اجتهادات الماضين كلما كان ذلك نافعا في عملية تكوين الاطار النظري العام للاسلام.
عوامل التجديد
وقد تظافرت اربعة عوامل في تكوين الظاهرة التجديدة في فكر الصدر اوجزها بما يلي:
اولا، النظرة الشمولية للاسلام. فقد تعامل الصدر مع الاسلام باعتباره كيانا واحدا متكاملا تتلقي فيه العقيدة مع الاحكام والقيم الاخلاقية مع المنهج. وبهذه الطريقة استطاع الصدر ان يقدم الاسلام باعتباره رؤية للكون والحياة و الانسان ونظاما للفرد والمجتمع ومنهجا في المعرفة والتغيير. وقد اسس السيد الصدر لهذه الرؤية وهو يتحدث عن "الاقتصاد الاسلامي" الذي تصدى لاكتشاف نظريته العامة من بين الركام الهائل الذي ورثه من نصوص واحكام وفتاوى. وقال: "اننا في وعينا للاقتصاد الاسلامي لا يجوز ان ندرسه مجزءً بعضه عن بعض [...] كما لا يجوز ايضا ان ندرس مجموع الاقتصاد الاسلامي بوصفه شيئا منفصلا وكيانا مذهبيا مستقلا عن سائر كيانات المذهب الاجتماعية والسياسية الاخرى، وعن طبيعة العلاقات القائمة بين تلك الكيانات، وانما يجب ان نعي الاقتصاد الاقتصاد الاسلامي ضمن الصيغة الاسلامية العامة التي تنظم شتى نواحي الحياة في المجتمع" ، معتبرا هذه الصيغة "كلا لايتجزأ ، يمتد الى مختلف شعب الحياة" . وهكذا قدم الاقتصاد الاسلامي من خلال ارتباطه بالعقيدة ومفاهيم الاسلام عن الموت والحياة و الانسان، والعواطف والاحاسيس في البيئة الاسلامية، والسياسة العامة للدولة، والنظام السياسي للاسلام، واحكام الجهاد وغير ذلك.
وقد تجلت هذه النظرية الشمولية في المنهج الذي اقترحه السيد الصدر في تفسير القران ومارسه جزئيا في بيان "حركة التاريخ" و "عناصر المجتمع" في القران الكريم. وهو المنهج الذي اطلق عليه اسم "التفسير الموضوعي للقران" بدلا من التفسير التجزيئي. وبموجب هذا المنهج الجديد يتم تفسير ايات القران ليس على اساس ورودها في متن الكتاب وانما على اساس موضوعاتها. وهذه الطريقة هي التي تمكن الباحث من اكتشاف النظريات القرانية في الموضوعات المطروحة للبحث والدراسة.
ثانيا، النظرة النقدية للتراث. لقد ورث السيد الصدر باعتباره احد اكبر فقهاء مدرسة النجف الفقهية الاسلامية (وهي المدرسة العريقة التي تجاوز عمرها الالف عام) كما هائلا من الاجتهادات والاراء والمؤلفات في اصول الفقه والفقه والتفسير وغيرها. ولم يعكف السيد على هذا الموروث الثقافي الضخم بطريقة المتلقي المستلم له القابل به كما هو كما يفعل الكثيرون ممن يقدسون الماضي ورجاله العظام. وانما تلقاه بطريقة الباحث الدارس الموضوعي له فحرص في ان واحد على فهمه واستيعابه ومن ثم نقده وبيان عناصر قوته ونقاط ضعفه، لينتهي في الاخير الى تقديم البديل الافضل له. وبذلك جسد الصدر شخصية المثقف الحق الذي لا يتخلى عن صفته، بل وظيفته، كناقد للمجتمع والفكر والواقع بغض النظر عن الجهة او الشخص او الفكر الذي سيطاله النقد. ومكنت هذه الطريقة السيد الصدر من تحرير الموروث الثقافي لمدرسة النجف من تراكمات العصور الماضية التي لم يعد بالامكان اصطحابها الى العصر الراهن الامر الذي كان سيؤدي الى عرقلة حركة التجديد والابداع في الفكر الاسلامي في جوانبه المختلفة.
لقد ناقش السيد الصدر نزعة استدعاء الماضي الى الحاضر والتجمد عند انجازات الماضي باعتبارها افضل ما كان يمكن تحقيقه واعتبر ان هذه النزعة تؤدي الى الى تجمد المجتمع وتوقف حركته التطورية والتقدمية.
لقد تناول السيد الصدر بالنقد والتحليل كلا من التفسير التجزيئي للقران والاسلوب الفردي في الرسائل العملية والمدرسة التقليدية في اصول الفقه.
ثالثا، ثقافة العصر. كان السيد الصدر على وعي عميق بالعصر الذي يعيشه ووعلى تاثيرات العصر على العمل الفقهي والفكري. وحين تتطرق الى العلاقة بين الرسالة العملية للاحكام قال :"الاحكام الشرعية بصيغتها العامة وان كانت ثابتة ولكن اساليب التعبير تختلف وتتطور من عصر إلى عصر اخر، ووقائع الحياة تتجدد وتغير [..و..] يتختلف تطبقها تبعا للظروف من عصر الى عصر (ولهذا) فلا بد لرسالة عملية تعاصر تغيرا كبيرا في كثير من الظروف ان تأخذ هذا التغيير بعين الاعتبار في تشخيص الحكم الشرعي". لم يكتب الصدر عن الاسلام بعيدا عن العصر الذي يعيش فيه والاشكالات الفكرية والسياسية والاجتماعية التي يثيرها هذا العصر بل ان اعماله كانت في جوهرها اجابات عن هذه الاشكالات. لقد واجه السيد الصدر المصادر التاسيسية للاسلام مسلحا بثقافة عصره. ودعا الى اعتماد هذه الطريقة عند ممارسة التفسير الموضوعي للقران الكريم وقال (عام 1399 هجرية) ان "المفسر الموضوعي لا يبدأ عمله من النص بل من واقع الحياة حيث يركز نظره على موضوع من موضوعات الحياة العقائدية او الاجتماعية او الكونية ويستوعب ما اثارته تجارب الفكر البشري عن ذلك الموضوع من مشاكل وما قدمه الفكر الانساني من حلول وما طرحه التطبيق التاريخي من اسئلة ومن نقاط فراغ ثم يأخذ النص القراني لا ليتخذ من نفسه بالنسبة الى النص دور المستمع و المسجل فحسب وانما ليطرح بين يدي النص موضوعا جاهزا مشربا بعدد كبير من الافكار والمواقف البشرية ويبدأ مع النص القراني حوار سؤال وجواب . المفسر يسأل والقران يجيب [...] وهو يستهدف من ذلك ان يكتشف موقف القران الكريم من الموضوع المطروح والنظرية التي بامكانه ان يستلهمها من النص، ومن خلال مقارنة هذا النص بما استوعبه الباحث عن الموضوع من افكار واتجاهات." وهذا موقف يتضمن معنى الانفتاح على ثقافة العصر من موقع الاصالة الفكرية. وهو ما مارسه السيد الصدر.
رابعا، النظرة التغييرية للواقع. لم يكن السيد الصدر مثقفا منعزلا عن المجتمع راضيا بان يقبع في برج عاجي عال ينظر الى المجتمع من خلاله. بل ان اعتبر ان وظيفة المثقف خاصة عندما يكون فقيها اسلاميا هي النزول الى الواقع الاجتماعي من اجل المساهمة في تطويره وتغييره. وادرك و بنحو مبكر جدا ان صفته كفقيه ومن ثم كمرجع اسلامي تفرض عليه مسؤولية اجتماعية وفكرية وسياسية، فضلا عن مسؤوليته الدينية، لا بد من القيام بها حتى وان كلفه ذلك حياته. وهذا ما عبر عنه في نداءاته الاخيرة الى الشعب العراقي .
ودعا السيد الصدر الى "الانقلابية" في العمل الاجتماعي مبينا ان "الدعوة الاصلاحية لا تتفق مع طبيعة الاسلام وواقع الامة اليوم" . اما طبيعة الاسلام فقد شرحها الصدر في رؤويته الشمولية، واما واقع الامة فقد تمثل ابتداء في عدم فهمها للاسلام "فهما صحيحا كاملا" ما ادى ضمن اسباب اخرى الى ما تعانية الامة اليوم من تخلف وتجزئة وخضوع للاستعمار.وقد دعا السيد الصدر الى اعتماد الاسلام من اجل تحقيق "نهضة حقيقية شاملة" على اساس التغير الجذري الشامل (=الانقلابية) للواقع الاجتماعي والسياسي . وقال ان قضية الاسلام اليوم هي "قضية التغيير الكلي والانقلاب الشامل" و "كل محاولة اتغطية هذه الحقيقة وابراز حاجة الامة بغير شكله الحقيقي تكون تضليلا للامة وابعادا بها عن جهادها الحقيقي مع قوى الكفر والتسلط".
واذ ادرك الصدر ان الواقع الاجتماعي في العراق يحتاج الى ماهو اكثر من الاصلاح الجزئي دعا الى العمل التغييري الشامل في بنية المجتمع لاقامة المجتمع العادل على اساس رؤيته الحضارية للاسلام. واذا ادرك ان هذا التغيير لا يمكن ان يتم بوجود نظام عات كنظام البعث في العراق عمل على الاطاحة به ودعا العراقيين اينما كانوا الى المساهمة في عملية التغيير الشاملة هذه بدءا من اسقاط النظام.
و هذا الموقف بالذات هو الذي سيقود الصدر الى حبل المشنقة. فقد مثل في اطروحاته التغييرية مشروعا حضارية نقيضا بالكامل للمشروع السياسي الذي كان صدام يعكف خاصة في اواخر السبعينات على تجذيره في المجتمع العراقي. ويتلخص المشروع الصدامي في الاستيلاء على الدولة وتحويلها الى اداة لخدمة طموحاته الشخصية البحته وهي طموحات في غاية التخلف وتحمل معنى من معاني التعويض عن الشعور بالنقص، ومن ثم الحاق المجتمع بهذه الدولة المسخ بعد ان تم شخصنتها بطريقة رهيبة. وهذا بدوره يحمل معنى من معاني الرغبة في الانتقام من المجتمع.
لم يكن ثمة مجال للمساومة بين الرجلين. وفي اللقاء الاخير الذي تم بينهما قبل يوم واحد من استشهاد الصدر بان التناقض على اشده في ما يمثله كل منهما. وقد اطلعت على محضر هذا اللقاء الذي لم ينشر حتى الان للاسف ولا سبيل الى نشره مادام الشخص الوحيد الذي يملك النسخة الوحيدة منه يرفض ذلك.