|
الفصل الأول مقدمات المقدمة الأولى تتحدث هذه الاوراق عن احدى مراحل التاريخ البشري بحسب العقيدة الاسلامية الامامية في التاريخ، و هي المرحلة الرابعة. وقد اعددت كتابا كاملا عن عقيدتنا في مسألة التاريخ من وجهة النظر الامامية، فلا موجب للاعادة هنا. ولهذا فسوف اكتفي بالحديث المختصر عن هذه المراحل لكي يتمكن القارئ من معرفة الحقبة الزمنية المستقبلية التي اتحدث عنها. وبموجب هذه العقيدة ينقسم التاريخ العام للطبقة الراهنة من البشر،*1 اي ابناء ادم، الى خمس مراحل هي: المرحلة الاولى، ولنطلق عليها اسم "مرحلة الحضانة" تبعا للامام الشهيد السيد محمد باقر الصدر. وتبدأ هذه المرحلة منذ اللحظة التي خلق الله فيها ادم، لتنتهي بخروجه وزوجته حواء من "الجنة الارضية" التي شهدت الاحداث الاولى لعملية الخلق كما يرويها القران. واقول الجنة الارضية للتمييز بينها وبين الجنة السماوية التي وعد الله المتقين من عباده. هذه المرحلة استهدفت اعداد البشرية ممثلة بادم لخوض الحياة الارضية بكل ماسوف يكتنفها من محن وابتلاءات سيكون لها دور كبير في تكامل الانسان، الذي هو الهدف الاساس من الخلق، كما سيتضح في صفحات هذا الكتاب. وقد شهدت هذه المرحلة، بعد خلق ادم، طلب الله من الملائكة السجود له (=لآدم)، ثم الحوار بين الله وبين ابليس، الذي رفض الامتثال لأمر الله بالسجود، حول ادم، و امتحانه، وغواية ابليس له. وذكر القران الكريم هذه المرحلة في العديد من اياته مثل قوله تعالى:"وقلنا يا ادم اسكن انت وزوجك الجنة، وكلا منها رغدا، حيث شئتما، ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين، فأزلهما الشيطان عنها، فأخرجهما مما كانا فيه، وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو، ولكم في الارض مستقر ومتاع الى حين." (البقرة 35-36) المرحلة الثانية، مرحلة الفطري المجتمع الفطري الاول، وهي المرحلة التي بدأت بهبوط ادم الى الارض حتى بعثة النبي نوح. والهبوط هنا مجازي، يقصد به هبوط مكانة، لا هبوط مكان. وهذه هي المرحلة التي يشير اليها القران الكريم بقوله:"كان الناس امة واحدة." (البقرة 213) وهي نفس المرحلة التي يتحدث عنها المفكر الانجليزي هوبز والمفكر الفرنس جان جاك روسو، مع اختلاف في النظرة وفي التفاصيل عن النظرة القرانية، ولهذا تفصيل ليس هنا محل الخوض فيه. في هذه المرحلة تبدأ الحياة الفعلية، اي الارضية، لآدم والبشرية من اولاده واحفاده. وهي السجل الحقيقي لتاريخ الانسان الذي سوف يشهد الكثير الكثير من التطورات إنْ على صعيد علاقة الانسان بالله، ام على صعيد علاقة الانسان باخية الانسان، ام علىصعيد علاقة الانسان بالطبيعة. وهذه هي مستويات العلائق التي يملكها الانسان والتي تشكل بمجموعها الركن الثالث في بناء المجتمع البشري، سوية مع الركنين الاخرين وهما الانسان والارض، اضافة الى شبكة العلاقات التي سيقيمها الانسان مع اخيه الانسان ومع الله ومع الطبيعة*2. وهذه المرحلة هي التي شهدت الصراع الاول بين ابني ادم قابيل وهابيل، الذي ترد قصته في القران، للترميز الى عاملي الخير والشر في مسيرة البشرية، وهما العاملان اللذان تعود جذورهما الى النفس البشرية ذاتها التي اودع الله فيها عوامل التقوى والهداية من جهة، وعوامل الفجور والضلالة من جهة ثانية، تلك النفس التي ستكون افاق تطورها في مرحلة لاحقة، عنيت مرحلة الظهور ومرحلة المجتمع المعصوم، هي موضوع هذا الكتاب. كما شهدت هذه المرحلة بعثة بعض الانبياء الذين لم تكن وظيفتهم تبليع رسالات الله ولا فض المنازعات بين الناس، وانما تعليمهم اصول الحياة الارضية، مثل النبي ادريس. المرحلة الثالثة، مرحلة الاختلاف، من بعثة النبي نوح الى ظهور الامام المهدي، وهي المرحلة التي يشير اليها المقطع الثاني من اية سورة البقرة السابقة، التي تقول:"كان الناس امة واحدة، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين، وانزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه." وهذه هي المرحلة الاكثر غناء بالاحداث وتنوعها، حتى تاريخها، حيث شهدت انهيار المجتمع الفطري الموحد، وبدء الاختلافات بين البشر، و التي انطوى الكثير منها على ظهور الانحرافات الفكرية والسلوكية، بما في ذلك ظهور الاختلاف في الدين، والشرك، بل الكفر بالله، وبعثات الانبياء، وعلى رأسهم بعثة الرسول محمد (ص). وبذا "تحققت نبوءة الملائكة وبدأ الاستقلال والتناقض في المصالح والتنافس على السيطرة والتملك وظهر الفساد وسفك الدماء وذلك لأن التجربة الاجتماعية نفسها وممارسة العمل على الارض نمت خبرات الافراد ووسعت امكاناتهم فبرزت الوان التفاوت بين مواهبهم وقابلياتهم ونجم عن هذا التفاوت اختلاف مواقعهم على الساحة الاجتماعية واتاح ذلك فرص الاستغلال لمن حظي بالموقع الاقوى وانقسم المجتمع بسبب ذلك الى اقوياء وضعفاء ومتوسطين، وبالتالي الى مستغلين ومستضعفين وفقدت الجماعة البشرية بذلك وحدتها الفطرية."*3 وهذه التطورات هي التي استلزمت بعثة الانبياء لرفع الاختلافات بين البشر ووضعهم مرة اخرى على الطريق المؤدي الى وحدتهم وتطورهم في طريق الكمال الذي وضعهم الله فيه. و مازالت البشرية تقطع طريقها الطويل في مرحلة الاختلاف. وكان اول انبياء هذه المرحلة كم اشرنا هو النبي نوح عليه السلام. المرحلة الرابعة، مرحلة الظهور، اي ظهور الدين، بموجب الوعد الالهي في قوله تعالى: "هو الذي ارسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله." والظهور الذي تتحدث عنه هذه الاية ومثيلاتها ظهوران، ظهور الدين على الارض كلها، اي غلبة دين التوحيد والكمال ممثلا في الاسلام، و"ظهور" القائد الرباني الذي سوف يقود البشرية الى هذا الظهور، واعني به الامام المهدي المنتظر، عند من يؤمن به. وتبدأ هذه المرحلة من ظهور هذا القائد الرباني حتى وفاة الخليفة الثاني عشر من خلفائه المهديين. وقد وردت الاشارة الضمنية الى يوم الظهور في الحوار الشهير الذي جرى بين الله وبين ابليس غداة خلق ادم، حيث قال ابليس لله:"انظرني الى يوم يبعثون...." فقال له الله تعالى:"فانك من المنظرين الى يوم الوقت المعلوم." والوقت المعلوم هو يوم ظهور الامام المهدي عليه السلام، وليس يوم القيامة كما قد يتوهم البعض.وسوف تشهد هذه المرحلة التطورات الكبيرة والخطوات المتسارعة في تقدم البشرية في شبكة علاقاتها الثلاثية اي العلاقة مع الله، والعلاقة مع الطبيعة، والعلاقة الداخلية بين البشر انفسهم، بما في ذلك التسارع الروحي للانسان، موضوع هذا الكتاب.
المرحلة الخامسة، مرحلة المجتمع المعصوم، وهي المرحلة التي سوف تشكل امتدادا للمرحلة الرابعة من حيث الجوهر، مع فارق كبير وهو وصول البشرية الى درجة العصمة، بمعنى الكمال، المتأتي من تطابق الارادة والسلوك البشريين مع الارادة والتعاليم الالهية. وبسبب وصول البشرية الى هذه الدرجة من الكمال، وهي الدرجة التي تتيح له تشخيص الواقع الصحيح بدون خطأ، خاصة فيما يتعلق بالقيادة.. لهذا السبب سوف يتاح للبشرية لأول مرة في تاريخها انتخاب امامها الرباني، بعد ان كان اختيار الشخص المناسب هذا المنصب من اختصاص الله فقط، حيث الامامة لطف الهي، لا تصح الا بالنص، كما يعتقد الامامية. وهي المرحلة التي يشير اليها القران الكريم بقوله:"وعد الله الذين امنوا منكم وعملوا الصالحات ليتسخلفنهم في الارض." وتبدأ هذه المرحلة من لحظة انتخاب اول امام منتخب، بعد وفاة اخر امام جاء بالتعيين، و"تنتهي" بيوم القيامة الذي هو تعبير عن انتفاء الحاجة الى عالم الشهادة كما سوف نبين لاحقا. والمرحلة الرابعة والخامسة هما المرحلتان اللتان سوف يتعرض هذا الكتاب الى بعض تفاصيلهما بما له علاقة بالتطور الروحي للانسان فيهما، اي بعد ظهور الامام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف.
المقدمة الثانيةان الايمان بهذه المراحل هو من فروع الايمان بالغيب، الذي هو من علامات المتقين، كما في قوله تعالى: "الم، ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة، وممارزقناهم ينفقون، والذين يؤمنون بما انزل اليك وما انزل من قبلك وبالاخرة هم يوقنون، اولئك على هدى من ربهم واولئك هم المفلحون." (البقرة 1-5) وهو غيب مذكور في القران يستطيع ان يجده من يحسن قراءة القران الكريم. اي ان بمقدور القارئ الجيد والمتدبر للقران الكريم ان يعثر على صورة المستقبل الموعود ضمن التخطيط الالهي لحركة التاريخ البشري. وبالتالي فهو ليس غيبا مطلقا، انما هو غيب مخزون يجده من يبحث عنه. والحديث فيه وعنه ليس من باب "علم الغيب" الذي لا يعلمه الا الله، انما هو علم بالغيب الاتي. قيل للامام علي: قد اعطيت يا امير المؤمنين علم الغيب؟! فضحك عليه السلام، وقال:"ليس هو بغيب، وانما هو تعلم من ذي علم، وانما علم الغيب علم الساعة وما عدده الله سبحانه بقوله:’ان الله عنده علم الساعة، وينزل الغيث ويعلم ما في الارحام وما تدري نفس ماتكسب غدا وماتدري نفس باي ارض تموت‘....... فهذا علم الغيب الذي لا يعلم احد الا الله وماسوى ذلك فعلم علمه الله نبيه فعلمينه ودعا لي بان يعيه صدري."*4 وهو علم بات يعرف في عصرنا الراهن باسم استشراف المستقبل. وعليه، فليس هذا الكتاب سوى محاولة لأستشراف المستقبل اداتها الرئيسية ايات القران الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. المقدمة الثالثةثمة تصوران للفترة التي تسبق ظهور الامام المهدي هما: التصور الاول، الذي يرى ان الارض سوف تملأ "ظلما وجورا" قبل ان يظهر الامام المهدي. اي ان الظهور سيكون بعد سقوط وانهيار. التصور الثاني، يرى ان الظهور سيكون مؤشرا عمليا على وصول البشرية الى درجة عالية من درجات تطورها وحركتها الجوهرية نحو الكمال المقدر له. بل ان وصول البشرية الى هذه الدرجة هو من شروط ظهور الامام المهدي. فليس ظهور المهدي قفزة في فراغ، انما هو استمرار لسلسلة متواصلة من التكامل والنمو في مسار البشرية العام، بحيث يكون ذلك الظهور تتويجا لما وصلت اليه البشرية من تكامل في السنوات الاخيرة من المرحلة الثالثة، اي مرحلة الاختلاف. وينطلق هذا الكتاب من تبني التصور الثاني. وليس من وظيفة هذه الاوراق المحاججة في هذه المسألة. لكن من الضروري الاشارة الى ان فكرة هذا الكتاب تقوم على اساس ان البشرية تحقق تطورا متواصلا في مسيرتها سوف يتوج اولا بظهور الامام المهدي، ويتوج ثانيا بقيام المجتمع المعصوم بعد ذلك.
(1)نقول "الطبقة الراهنة"، لأننا نعتقد بوجود طبقات سابقة من "البشر" او من الكائنات الشبيهة بالبشر، عاشت في الارض قبل ادم، ولم يكن الله قد نفخ فيهم من روحه، ولم يكونوا قد حازوا على درجة الاستخلاف التي منحها الله لأدم وبنيه. واولئك لم يكونوا مسؤولين عن اعمالهم، وبالتالي فليسوا مشمولين بالثواب او العقاب الالهيين. (2) شرحنا ذلك مفصلا في كتابنا "المجتع". (3) محمد باقر الصدر، الاسلام يقود الحياة، ص 140 (4)لامام علي، نهج البلاغة، الخطبة 128،ص 244
|