صحيفة أنصار الإمام المهدي ع 


التطور الروحي
بعد ظهور الإمام المهدي


محمد عبد الجبار

الإهداء إلى

روح أمي

فاطمة جاسم الشبوط

التي مازلت صغيرا

في مدرسة إيمانها وصبرها وجهادها

والتي أوحى لي

رحلُيها المفاجئ

كتابة هذه الأوراق

  

المقدمة

        اني مدين بهذا الكتاب الى والدتي ، المرحومة فاطمة جاسم الشبوط، التي اجتباها الله  في التاسع والعشرين من شهر حزيران من عام 2002[1].

        كنت  احتفظ  بعلاقة روحية عالية جدا مع امي ،رحمها الله، احسب ان كل ولد محب لوالديه يعرف كنهها وحقيقتها ونكهتها، خاصة اذا كانت خصال والديه وخصائصهما عاملا اضافيا في تعزيز هذه العلاقة والسمو بها الى مراتب ليست مألوفة في العلاقة المعتادة بين الولد ووالدته او والده.

        كانت والدتي سيدة مؤمنة، متدينة، على مستوى علاقتها بالله، وحانية عطوفة مضحية علىمستوى علاقتها باولادها، وصبورة مجاهدة على مستوى علاقتها بالدهر وما يحمله من ابتلاءات واحداث وتطورات.

        توفي والدي شابا له من العمر 37 ربيعا فقط[2]،  مخلفا وراءه سبعة اطفال، اكبرهم بنت لم تتجاوز الثانية عشرة من العمر، ولم تكن والدتي قد اتمت عامها الثلاثين بعد. فآثرت ان تعكف على تربية هؤلاء الاطفال، وكرست ما بقي من حياتها، التي امتدت الى 45 سنة اخرى، من اجلهم، متحملة في سبيل هذا الكثير من العناء والمشقة والتعب والنكد الذي رافقها في تلك السنوات العجاف. ولا بد انها كانت تأمل بان اولادها سوف يضعون حدا لمعاناتها اذا ما شبوا عن الطوق واكملوا دراساتهم ودخلوا الحياة من اوسع ابوابها. ولكن لم يتحقق كل هذا الحلم، فقد شق اولادها طريقهم في الحياة؛ لكن انغماسهم في الحياة السياسية كمعارضين للنظام الحاكم في العراق، ومن ثم اضطرارهم للهرب من بلادهم، قلب حساباتها رأسا على عقب، بل وضعها في ظروف صعبة جديدة من نوع مختلف، ظروف امنية  متوترة، بسبب ملاحقات رجال السلطة لها، واتخاذها اداة للضغط على اولادها ليهادنوا النظام، على الاقل، ولكن ذلك لم ينفع في ثني اولادها عن الطريق الذي ساروا فيه بقناعة وطنية وشرعية، الامر الذي ضاعف معاناة الام، حتى تمكنت بتوفيق الله من الهرب من العراق، الى احدى الدول العربية المجاورة، في عام 1998، فاضافت الى خصائصها وخصالها الحميدة واحدة جديدة من اجلها عند الله وهي الهجرة بدينها وفي سبيل ربها، ليتحقق اللقاء باولادها لاول مرة بعد حوالي عشرين سنة.

        لكن لكل اجل كتاب، ففي الساعة الثالثة و النصف من بعد ظهر ذلك السبت الحزين كانت امي على موعد مع ملائكة الرحمن الذين ارسلهم اليها ليبلغوها رسالة خالقها؛ فقد ازف الاجل وحانت ساعة اللقاء معه وعودة الروح اليه راضية مرضية، "وما تدري نفس باي ارض تموت".

        كان ذلك ، مع ايماني العميق بان الموت حق، ومع رضاي الكامل بقضاء الله وقدره، صدمة كبيرة لي، عبرت عنها بالبكاء والنحيب،  والكثير من تلاوة القران الكريم، املا بان يكون في  ثواب ذلك تخفيفا لها ورحمة. وفي اثناء هذه التلاوة الحزينة، كانت افكاري تتجول بين ايات القران باحثة عن جواب عما سيحصل للروح بعد انفصالها عن الجسد، ثم عن التطور الذي يمكن ان تحرزه وهي في طريقها الى الله، ذلك الطريق الذي قطعت شوطه الدنيوي، وعليها ان تقطع شوطه البرزخي بعد اليوم، وصولا الى اليوم الموعود، يوم القيامة، حيث  الملك لله جميعا. ولست ادري كيف انفتح  فكري عن النظر في هذه المسألة في الفترة التي سوف تلي ظهور الامام المهدي، الذي اؤمن به وبظهوره كل الايمان، وكيف ان النفوس سوف تواصل تطورها بعد قدومه الشريف ليواصل ماكلف به من مهمة قيادتنا  في رحلتنا الى لقاء الله.

 ومع توالي تلاوتي لأيات القران الكريم بقصد اهداء ثوابها لقبر والدتي، كانت الصور والافكار تتراكم حول تطور الروح بعد الظهور، حتى تجمعت في هذه الاوراق، التي ارجو ان انال ثواب تسطيرها في الدنيا والاخرة.  فكان هذا الكتاب الذي اثرت ان اهديه الى روح امي اعترافا بفضلها علي في حياتها في تربيتي وتنشئتي والحنو علي، واعترافا بفضلها علي بعد وفاتها في اثارة افكاره في ذهني وانا اقرأ القران لطلب الثواب والمغفرة لها... والكتاب يبحث في افاق التقدم الروحي للانسان بعد ظهور الامام المهدي وما يتعلق بذلك من تفاصيل يمكن الوصول الى معرفتها من خلال التدبر بايات القران الكريم.   ولابد من الاشارة الى ان القران الكريم هو المصدر الاساسي لما نملكه من تصور عن التطور الروحي بعد ظهور الامام المهدي، وهو تصورات  نجد صداها في دراسات قيمة تأتي في مقدمتها  العمل الضخم الذي انجزه المرجع الشهيد السيد محمد الصدر الثاني بأسم "موسوعة الامام المهدي"، التي تقع في اربعة اجزاء كبيرة. ويلعب تفسير "الميزان" للعلامة الطباطبائي دورا كبيرا في تعميق هذه التصورات وبلورتها. هذا فضلا عن نظرية "الحركة الجوهرية" التي اكتشفها الفليسوف الاسلامي المجدد صدر الدين الشيرازي المتوفي في  عام 1050 هجرية و التي تشكل العمود الفقري لنظريتنا الاسلامية الامامية في حركة التاريخ البشري بما في ذلك مسألة التطور الروحي بعد ظهور الامام المهدي. وقد شكلت كل هذه المراجع مصادر مهمة لهذه الدراسة اضافة الى ما سوف اشير اليه بطبيعة الحال في الهوامش.

ارجو من الله ان يتقبل عملي، وان يتغمد والدتي بواسع رحمته، وان يسكنها فسيح جناته، وان يكون  عملي هذا خدمة متواضعة في اطار الانتظار الايجابي لأمام العصر والزمان المهدي المنتظر عجل الله تعالى فرجه الشريف، ارواحنا لتراب مقدمه الفداء.

كما اتقدم بالشكر الى كل الاخوة الذين ساهموا في تطوير افكار هذا الكتاب  عن طريق النقاشات التي كانت تحصل بيني وبينهم اثناء فترة الاعداد،واخص منهم بالذكر الدكتور ابو نبوغ الذي كتب لي عن الحركة الجوهرية فيما سيجده القارئ في ملحق الكتاب.

لندن-هولندا                              محمد عبد الجبار


 

[1]  ولدت في عام 1928، وهي عميدة الجيل الرابع من ابناء شبوط  بن محمد  بن يوسف البوبدر المياح ال ربيعة، كما كان ابوها  المرحوم جاسم حسين الشبوط، عميد الجيل الثالث من ابنائه.

[2] هو عبد الجبار مكي كريدي بن يوسف البوبدر المياح ال ربيعة، ولد عام 1920 وتوفي عام 1957