|
فطرية الدين – الشهيد
مرتضى مطهري
القرآن
الكريم يصرّح بأنّ الله قد أودع الدين في قرارة الإنسان وأعماقه،
كما في قوله تعالى:{فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرة الله التي فطر الناس
عليها}[الروم/30].
وحين يتحدّث الإمام علي(ع) عن الأنبياء، يذكر بأنهم قد بُعثوا لأجل أن
يُذكروا الناس بذلك العهد الذي عقدته فطرتهم، لأجل مطالبتهم بالوفاء بذلك
العهد الذي لم يُكتب على ورقة ولم ينطق به لسان، وإنّما كُتب على صفحة القلب
وفي عمق الفطرة الإنسانية، بقلم الخليقة، على صفحة الضمير، وفي أعماق الشعور
الباطن.
ولم أذكر ذلك للاستشهاد والاستدلال، بل أستهدف من ذلك أن أُثبت أن الإسلام
كان أوّل من اكتشف أنّ الدين حاجة فطرية، ولم يعرف البشر هذه الفكرة سابقاً،
ولكن ظهر في العصر الحديث من يُنادي بها ويدعو إليها، وقد ظهرت الكثير من
النظريات والآراء حول هذه الفكرة في القرن السابع عشر، والقرن الثامن عشر،
والقرن التاسع عشر الميلادي؛ والقرآن الكريم يصرّح: {فطرة الله التي فطر
الناس عليها}.
كيف وجد الدين؟
هناك فرضيات كثيرة حول نشأة الدين، ونستعرض بعضها إجمالاً:
1ـ الدين وليد الخوف، خوف الإنسان من الطبيعة، ومن صوت الرعد الرهيب، وسعة
البحر وهدير أمواجه المتلاطمة، وغيرها من مظاهر الطبيعة.
ونتيجةً لهذا الخوف، أن خطر الدين في أذهان البشر، والحكيم اليوناني (لوكريتوس)
ذكر بأنّ أول الآباء للآلهة هو إله الخوف، وفي عصرنا الحديث قد التزم بها
البعض، وادّعى بأنّها نظرية جديدة.
2ـ الدين وليد الجهل؛ فقد اعتقد البعض بأنّ العامل لوجود الدين هو جهل البشر،
فالإنسان بطبعه يميل إلى معرفة العلل والقوانين الحاكمة في الكون وفي حوادثه،
وربما أنّه لم يعرفها، نسبها لما وراء الطبيعة.
3ـ الرغبة في العدالة والنظام، ذهب البعض إلى أنَّ الدافع إلى الدين وانتماء
البشر إليه، هو الرغبة في العدالة والنظام، فحين لاحظ الظلم والاضطهاد، وعدم
العدالة في المجتمع والطبيعة، أوجد الدين وتشبّث به، لتسكين آلامه النفسية
وتهدئتها.
وقد ذكر أصحاب هذه الفرضيات الثلاثة، بأنّه مع تقدم العلم وتطوره، فسوف يزول
الدين لوحده ويحتل العلم موقع الدين، لذلك، دعوا إلى تطوير العلم وتنميته،
لأنّه في رأيهم، أنّ العالم يعني غير المتدين.
4ـ الفرضية الماركسية: وتعتقد الماركسية بأنّ الدين قد وجد لأجل أن تحتفظ
الطبقة المستثمرة بإمتيازاتها ومكانتها وسلطتها بين الشعوب؛ ففي مرحلة
الشيوعية الأولى، لم يكن هناك وجود للدين، وثم وُجد بعد ذلك بسبب العوامل
المتصلة بالملكية الخاصّة والأوضاع الطبقية، وفي المرحلة الإقطاعية
والرأسمالية، أنشأت الطبقة الحاكمة فكرة الدين، حتى لا تثور الطبقة المحرومة
بوجهها، فالدين لجامٌ لجامها وغضبها، وأفيون لهذه الطبقات المحرومة، لتبقى
سادرةً في سُباتها وغيبوبتها.
والملاحظ أنّ سائر الفرضيات قد جعلت العلم يأخذ موقع الدين، وأما هذه الفرضية
فلم تلتزم بقيام العلم مقام الدين، فإنّ الماركسية رأتْ، بأنّ العلم تطور
وتقدّم، ولكن الدين لا زال باقياً ولم يتعرض للفناء، بل لاحظوا، بأنّ كبار
العلماء هم من الملتزمين بالدين، كباستور وغيره.
لذلك اعتمدت الماركسية على الطبقية، فأكّدت بأنه ما دام للطبقات وجود فالدّين
لا يزول، بل سيظل محتفظاً بوجوده، لوجود هذه الطبقية في الشعوب، فإنّ الدين
وليد الطبقية، فإذا ساد العالم المذهب الاشتراكي وزالت الطبقية، فإن الدين
سيزول لوحده.
إنّ الماركسيّين يعتقدون بأنّ الدين شراك تنصبه الطبقة الحاكمة للطبقات
الكادحة المحرومة، فلو تساوى الجميع، وزالت الطبقية، فسيزول الدين بنفسه،
لأنّه لا حاجة لهذا الشراك آنذاك.
وبإيجاز: فإنّهم دعوا إلى تحقيق المساواة التامّة بين أفراد المجتمع، كشرطٍ
ضروري للقضاء على الدين.
ولكن هذه الفرضيّة، كأخواتها، لم تثبت للنقد العلمي، إذ ثبت أنّ الدين أسبق
وجوداً من الملكية، ففي مرحلة الشيوعيّة البدائية، وحين لم يكن للطبقات وجود،
كان الدين موجوداً آنذاك، بالإضافة إلى أن الواقع التاريخي لا يتلاءم وهذه
الفرضية.
إذ أثبت التاريخ بأنّ الدين قد ولد ونشأ بين الطبقات المستضعفة والمحكومة
وقادة الرسالات، أمثال موسى وغيره، الذين كانوا من الطبقة المحرومة
والمستضعفة، حيث واجه هو وأصحابه المحرومون، الطبقة الحاكمة المتمثّلة بفرعون
وأمثاله.
وحين بُعث نبينا(ص)، أعلن ثورته على الطبقية الحاكمة والثرية والمرابين، وقد
عبّر القرآن الكريم عنهم؛ بـ"الملأ" أي الأشراف أمثال: أبي سفيان، وأبي جهل
والوليد بن المغيرة؛ فإنّهم كانوا من زعماء مكة وأثريائها، ومن المخالفين له،
وأمّا أتباع النبيّ(ص)، فكانوا من الطبقة المحكومة والمضطهدة، أمثال: عمار،
وسلمان، وأبي ذرّ، وعبد الله بن مسعود، وأمثالهم.
وحين زار خروتشوف إبّان رئاسته، الجزائر، قال له ابن بلا الذي كان رئيساً
للجمهورية آنذاك، إن الإسلام يمكن أن يكون عاملاً محركاً في شمال أفريقيا
لمقاومة الاستعمار، فصدّقه على ذلك.
إذاً فقد اعترف بالحقيقة، وهو الذي كان ممن يقولون أنّ الدين أفيون الشعوب،
وأنّه قد اصطنعته الطبقة الحاكمة، لتخدير الفئات المحكومة والمضطهدة، حتى لا
تطالب بحقوقها المشروعة، وتشعل الثورة ضد الحكام المستبدّين، ولكن، بعد أن
أطّلع على الإسلام عن قرب اعترف بالحقيقة.
ويظهر مما سبق، أنّ المخالفين للدين أنفسهم، لم يتّفقوا على رأي واحد.
5ـ فرضية فرويد: وقد فسّر فرويد كل الظواهر الاجتماعية وفق الغريزة الجنسية،
ومن جملتها الدين، فإنّه حين تقف الظروف الاجتماعية بوجه إطلاق العنان
للغريزة الجنسية، تُصاب هذه الغريزة بالكبت والحرمان، ولكنها لا تزول، بل،
إنها تستقر في اللاشعور، حيث تقف بوجهها القيود الاجتماعية، ولكن هذا الكبت
والحرمان يحقّق نفسه في الخارج، بصورة أمراض عصبيّة ومظاهر مختلفة، ومنها
الدين.
إذاً، ففي رأيه أنّ الدافع إلى وجود الدين هو الحرمان الجنسي، فهو يعتقد بأن
الجذور الأولى لظهور الأخلاق والعلم، وكل شيء، هي جذور جنسية، ويعتقد بأنّه
حين ترتفع الحواجز والسدود عن طريق الغريزة الجنسية، وتُمنح لها الحرية ولا
تبقى مكبوتة، فسوف يزول الدين لوحده.
ولكن فرويد بنفسه قد ندم على رأيه هذا بعد ذلك، ولم يتقبل تلاميذه منه هذا
الرأي، ومن هنا تتأكّد فطرية الدين.
|