|
صحيفة أنصار الإمام المهدي ع
لا بد للناس من أمير بر
أو فاجر
علي الناصري
ارتبطت هذه
المقولة الرائعة لأمير المؤمنين ع عند الكثير من المثقفين والعلمائيين بمسألة
ضرورة وجود أمير للناس سواء كان برا أو فاجرا وقد ورد هذا الحديث في الخطبة
40 ج 1 من نهج البلاغة .
وهي من كلام له ع فِي الْخَوارِج لَما سَمع قولهم ((لا حكم إ لا لله )) قَالَ
ع :
(( كَلِمَةُ حَقِّ يُرَادُ بِهَا بَاطِلٌ، نَعَمْ إِنَّهُ لا حُكْمَ إلا
لِلَّهِ وَ لَكِنْ هَؤُلاَءِ يَقُولُونَ: لا إمْرَةَ، وَ إِنَّهُ لاَ بُدَّ
لِلنَّاسِ مِنْ اَمِيرٍ بَرٍّ اوْ فَاجِرٍ، يَعْمَلُ فِي إِمْرَتِهِ
الْمُؤْمِنُ، وَ يَسْتَمْتِعُ فِيهَا الْكَافِرُ، وَ يُبَلِّغُ اللَّهُ
فِيهَا الأَجَلَ، وَ يُجْمَعُ بِهِ الْفَيْءُ وَ يُقَاتَلُ بِهِ الْعَدُوُّ،
وَ تَأْمَنُ بِهِ السُّبُلُ، وَ يُؤْخَذُ بِهِ لِلضَّعِيفِ مِنَ الْقَوِيِّ
حَتَّى يَسْتَرِيحَ بَرُّ وَ يُسْتَرَاحَ مِنْ فَاجِرٍ.))
وقد فهم البعض كلمة " لابد للناس " بوجوب شرعي يلزم المؤمنين تحصيل إمارة
للناس بغض النظر عن كونه أميرا برا أو فاجرا وبمعنى أوضح أن لا يتركوا الناس
بلا أمير بحجة انه فاجر وهذا يعني عندهم وجوب القبول بإمرة الفاجر .
ويضعون الأسباب الواردة من كلامه ع ((يَعْمَلُ فِي إِمْرَتِهِ الْمُؤْمِنُ،
وَ يَسْتَمْتِعُ فِيهَا الْكَافِرُ، وَ يُبَلِّغُ اللَّهُ فِيهَا الأَجَلَ،
وَ يُجْمَعُ بِهِ الْفَيْءُ وَ يُقَاتَلُ بِهِ الْعَدُوُّ، وَ تَأْمَنُ بِهِ
السُّبُلُ، وَ يُؤْخَذُ بِهِ لِلضَّعِيفِ مِنَ الْقَوِيِّ)) .
وقد استخدم السيد الصرخي الحسني هذا المعنى في بيانه حين أفتى
(( إلى من يهمه الأمر
بسمه تعالى :-
أشرنا في مناسبات عديدة أنه ربما يكون حكم الفرد (الدكتاتورية) أهون الشرّين
بل أهون الشرور للمجتمع ، ومن المؤسف المبكي أن الحال المأساوي الدموي الذي
يمرّ به العراق وشعبه المغلوب على أمره لا يناسبه في هذه الظروف وهذه المرحلة
إلا ما يسمى بالحكم الفردي (الدكتاتوري) ونتمنى ونرجو بل نسأل الله تعالى
ونتوسل إليه أن يكون الشخص الحاكم من الوطنيين المخلصين العادلين المنصفين ،
نقول ذلك لأن المؤسسات والتكتلات التي شكلت وتأسست باسم الديمقراطية وحكم
الشعب صارت معرقلة لعمل الحكومة بل أصبحت هذه المؤسسات والتكتلات ومنابرها
معرقلة ومهدّمة لكل خطوة وعمل فيه خير وصلاح للأمة ، فالأنسب والأفضل بل
المتعين إيقاف عمل مثل هذه المؤسسات إلى حين توفر الظروف الموضوعية المناسبة
الصحيحة الصالحة ، وعليه فلا يوجد اعتراض على ما يسمى بحكومة إنقاذ وطني أو
حكومة انتقالية أو انقلاب عسكري ما دام يصب في مصلحة العراق وشعبه ويوقف أو
يحجّم ويقلل من سفك الدماء وزهق الأرواح البريئة ، فالواجب إيقاف هذا النزف
والزهق للدماء والأرواح بغض النظر عن المسمى ، قال أمير المؤمنين(عليه
السلام) ((لابد للناس من أمير برّ أو فاجر ، يعمل في أمرته المؤمن ، ويستمتع
فيها الكافر ، ويبلغ الله فيها الأجل ، ويُجمع به الفيء ، ويقاتل به العدو ،
وتأمن به السبل ، ويؤخذ به للضعيف من القوي ، حتى يستريح به برّ ، ويستراح من
فاجر )) نهج البلاغة/ج1/خطبة40 . قلنا ونكرر ان المهم بل الواجب الأهم هو
إيقاف نزيف الدم وزهق الأرواح ودفع ومنع كل الأسباب والعوامل والمقدمات
المؤدية إلى هذه المفسدة الكبيرة والقبح الفاحش ، ولا فرق في ذلك سواء كان
الحاكم سنياً أم شيعياً عربياً أم كردياً ، وسواء كان الحاكم غير معروف وغير
مشترك فيما يسمى بالعملية السياسية (وهو الأفضل والأنسب) أم كان مشتركاً في
العملية السياسية وتوفرت فيه الشروط الوطنية والأخلاقية والشرعية ، فمثلاً
ليكن المالكي أو الزوبعي أو الطالباني أو غيرهم أحدهم بمفرده أو مع آخر أو
آخرين على نحو المجلس الرئاسي أو المجلس الحاكم أو أي عنوان آخر المهم تحقيق
الغرض والهدف الوطني والأخلاقي والشرعي والتاريخي.
والله تعالى الموفق والمسدد والمعين والناصر
السيد الحسنــــي
6 شوال/1427هـ )) انتهى البيان
ويلاحظ أن أعداء الشيعة يشكلون على قولهم بوجوب عصمة الأئمة ع بإيراد نفس
الحديث إذ فهموا جواز أن يكون أمير الناس بل قل جواز أن يكون أمير المسلمين
فاجرا ويترتب على ذلك وجوب السمع والطاعة للأمير الفاجر ويصبح الخروج على
يزيد وصدام حراما.
أي انهم اضافوا شبهة جديدة على شبهة الخوارج القدامى اذ استنتجوا مادام لا بد
من امير حتى لو كان فاجرا اذن فهو امير شرعي وله نفس حقوق الامير البر !!
ولكن قبل التوسع في فهم مضامين هذا الحديث الوارد في نهج البلاغة أريد أن
انقل تتمة له وهي :
(( وَفِي رِوَايَةٍ اُخْرَى اَنَّهُ ع لَمَّا سَمِعَ تَحْكِيمَهُمْ قَالَ:
حُكْمَ اللَّهِ اَنْتَظِرُ فِيكُمْ وَ قَالَ: اَمَّا الإِمْرَةُ الْبَرَّةُ
فَيَعْمَلُ فِيهَا التَّقِيُّ، وَ اَمَّا الإِمْرَةُ الْفَاجِرَةُ
فَيَتَمَتَّعُ فِيهَا الشَّقِيُّ، إلى اَنْ تَنْقَطِعَ مُدَّتُهُ، وَ
تُدْرِكَهُ مَنِيَّتُهُ.)).
وسأركز هنا فقط على الظاهر من مضمون هذا الحديث ولن أتطرق إلى السند أو إلى
أن هذا الحديث بعد ثبوت صحة سنده مقيد بنصوص قرآنية أو من السنة المطهرة كل
ذلك متروك لأهل الاختصاص ولكن نقول :
أولا : أن الإمام ع يرد على شبهة أطلقها الخوارج يقولون فيها أن لا حكم إلا
لله في قضية التحكيم بين الإمام ع وبين معاوية فقال ع : كلمة حق يراد بها
باطل .
أي أن الحق هو أن لا حكم إلا لله ولكنهم خلطوا الحق بالباطل لان محل النزاع
كان على إمرة الناس .
والناس كما خلقها الله تحتاج إلى تنظيم أمورها وسن قوانينها والى بناء
مؤسساتها ودولتها وإمارتها.
وكلمة الناس تشمل المؤمنين والكافرين معا.
فالشعوب المسلمة تحتاج إلى أمير والشعوب غير المسلمة أيضا تحتاج إلى أمير
أي أن العقل والنقل يتطابقان في حكم ضروة تنظيم الشعوب لمجتمعاتها من خلال
وجود أمير عليهم ينظم أمورهم .
وهنا الأمير بمعنى الإمارة فقط وليس مقيدا بأمير المؤمنين أو أمير المسلمين
أو خليفة الله في أرضه بل مطلق الإمارة والرئاسة برا كان أو فاجرا.
ثانيا : أن الأمير إن كان برا فان إمارته ستكون سببا لإنصاف المتقي وان كان
فاجرا فإنها ستخدم وتمتع الشقي ولم يخلط سلام الله عليه الأمرين فكل شكل
للإمارة لوازمها ويفهم الجميع أن درجة تكامل الأمير البار تنعكس على شعبه
والمؤمنين وان درجة تسافل الأمير تنعكس سلبا على الناس والمؤمنين وستصبح راحة
وإمتاع للأشقياء والسافلين .
فأين الشبهة في هذا الحديث ؟
أين الذي جعل السيد الحسني يفترض أن هؤلاء الساسة أو الانقلاب العسكري سيحقن
دماء العراقيين ويوقف النزيف ويبني معايش وأرزاق الناس ؟
ألا يدري سماحته أنهم من أسباب ما يجري ،وأنهم مع الاحتلال والإرهاب جملة
وتفصيلا فكيف يتوقع من بارح مطر ومن عدو صداقة ومن ظالم عدلا وقد قيل في
الحكمة فاقد الشيء لا يعطيه .
المهم أن الشبهة الجديدة في أن هذا الحديث يتعارض مع المفهوم الامامي لعصمة
الأئمة غير صحيحة بل الحديث يدعم نفس المفهوم بملاحظة أن الإمام البر أفضل
عقلا ونقلا للناس من الإمام الفاجر وان الإمام المعصوم هو الإمام البر الكامل
.
|