|
الفصل الثالثالتطور الروحياولا، التطور سنة كونية ان التطور الروحي الذي يحاول هذا الكتاب شرح افاقه وقوانينه فرع مهم من فروع التطور العام في الكون، الذي يشكل قانون الوجود الاكبر، وثابته الاول. فالوجود متحرك، وهو يتحرك صوب درجة كماله القصوى، وهذه الدرجة هي الاجل المسمى لكل مفردة من مفردات الوجود. ان الاجل التي تقرر ايات القران الكريم هو النهاية القصوى لتكامل هذه المفردات، تلك النهاية التي تحكمها الامكانات المودعة في هذه المفردات. انني اتحدث هنا عما يشبه شفرة الحياة المودعة في جينات الموجود، لكنها شفرة للتكامل الروحي وليس للتكامل المادي فقط. ان السير التكاملي هو سنة كونية، فكل موجود هو في حالة حركة مستمرة. ولا تعني الحركة سوى الخروج من حالة القوة، التي تشكل درجة كامنة في الوجود، الى حالة الفعلية التي تمثل تحقق تلك الدرجة في الواقع الخارجي او الفعلي. "الم تر ان يولج الليل في النهار، ويولج في النهار في الليل، وسخر الشمس والقمر، كل يجري الى اجل مسمى، وان الله بما تعملون خبير." (لقمان 29) وهذا السير التكاملي كما هو موجود في كل الوجود، يشمل الانسان ايضا، الذي هو احدى مفردات الوجود المهمة. "اولم يتفكروا في انفسهم، ما خلق الله السموات والارض ومابينهما الا بالحق، واجل مسمى، وان كثيرا من الناس بلقاء ربهم لكافرون." (الروم 8) فهذه الاية تحدث عن قانونين اساسيين يحكمان كل الوجود :"السموات والارض وما بينهما"، وهذان القانونان هما: الحق، والاجل. وهما جوهر القانون الكلي الذي نتحدث عنه، وهو قانون التطور والتكامل العام في مسيرة الوجود والانسان جزء منه. والكمال المقصود بالنسبة للانسان هو كمال النفس، او الروح، باعتبار ان الانسان خلق في احسن تقويم من حيث البدن والجسم، والمتعين هو تحقيق الكمال الثاني المتمثل بكمال الروح والنفس. والقران الكريم يشير الى كمال النفس بعبارة لقاء الله. و عبارة "لقاء الله" تشير الى الدرجة القصوى من الكمال الروحي بالنسبة للانسان. وهي درجة لم يكن الناس يتصورون امكانها في السابق. وهذا ما تشير اليه الاية القرانية الكريمة التالية: "يا ايهاالانسان انك كادح الى ربك كدحا فملاقيه." وخلاصة ما تعنيه هذه الاية القرانية الكريمة ان الانسان في حالة سير متواصل نحو الله، والسير نحو الله اقتراب منه واللقاء به. وهذا هو جوهر الحركة التاريخية، اي حركة الانسان في الزمان والمكان. وقد اكتشف الفيلسوف الاسلامي الكبير صدر الدين الشيرازي ان هذه الحركة الجوهرية في صميم الطبيعة هي الرصيد الاعمق لكل الحركات التي تزخر بها الطبيعة، و هي الجسر الطبيعي بين المادة والروح، فان المادة في حركتها الجوهرية تتكامل في وجودها وتستمر في تكاملها حتى تتجرد عن ماديتها، ضمن شروط معينة وتصبح كائنا غير مادي، اي كائنا روحيا، فليس بين المادي والروحي حدود فاصلة؛ بل هما درجتان من درجات الوجود، والروح، بالرغم من انها ليست مادية، ذات نسب مادي، لأنها المرحلة العليا لتكامل المادة في حركتها الجوهرية، كما قال الامام الصدر. ولكن هذا لا يعني ان الروح نتاج للمادة واثر من اثارها، بل هي نتاج للحركة الجوهرية، والحركة الجوهرية لا تنبع من نفس المادة، لأن الحركة-كل حركة- هي خروج للشيء من القوة الى الفعل تدريجيا، والقوة لا تصنع الفعل، والامكان لا يصنع الوجود، فللحركة الجوهرية سببها خارج نطاق المادة المتحركة، والروح التي هي الجانب غير المادي من الانسان نتيجة لهذه الحركة، والحركة نفسها هي الجسر بين المادية والروحية.*1 وقد مرت البشرية منذ خلق ادم حتى لحظة كتابة هذه السطور بمراحل كثيرة من التطور والنماء، والهبوط والسقوط، على المستوى الروحي والاخلاقي، على المستوى الفردي والجماعي، وهي في طريقها الى تحقيق درجات اكبر من التطور الروحي والاخلاقي والفكري. فعلى المستوى الفردي استطاع افراد من البشر الوصول الى قمم في التربية الاخلاقية و السمو الروحي والتطابق السلوكي مع احكام الله، امثال "العدول"*2 من البشر والصالحين والاولياء والصديقين والشهداء، فضلا عن الانبياء والائمة، فقدموا نماذج تقتدى وامثلة تحتذى في التقدم الروحي، مقابل افراد نزلوا الى الدرك الاسفل في السقوطا الروحي والهبوط الاخلاقي، امثال الطواغيت والجبابرة وائمة الشرك والكفر على مر العصور. اما على المستوى الجماعي فقد استطاعت البشرية اقامة مجتمعات صالحة بالقدر الذي استطاعت تحقيقه في مرحلتها التاريخية مثل المجتمع الاسلامي في المدينة الذي شهد قيام اطهر دولة عرفها التاريخ حتى اللحظة، بقيادة النبي المرسل المعصوم، مقابل اقامة مجتمعات غاية في الانحطاط والسقوط الاخلاقي والروحي مثل الدول الكافرة الملحدة في الاتحاد السوفياتي السابق. ان البشرية، حالها حال الكون برمته، في حالة "خروج" مستمر... خروج من "الوجود بالفعل" الى ما كان "وجودا بالقوة" الذي يتحول بدوره الى وجود بالفعل ، ما تلبث البشرية ان تخرج منه الى درجة اخرى من الوجود بالقوة، وكل درجة من هذه الدرجات انما تمثل درجة اعلى من الوجود، وهذا هو سر التطور المستمر المفضي في اخر المطاف الى الخروج الاكبر في يوم القيامة، كما يشير اليه القران الكريم بقوله: "افلم ينظروا الى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها ومالها من فروج، والارض مددنا والقينا فيها رواسي وانبتنا فيها من كل زوج بهيج، تبصرة وذكرى لكل عبد منيب، ونزلنا من السماء ماء مباركا فانبتنا به جنات وحب الحصيد، والنخل باسقات لها طلع نضيد، رزقا للعباد واحيينا به بلدة ميتا؛ كذلك الخروج." (ق 6-11) "ومن اياته انك ترى الارض خاشعة فاذا انزلنا عليها الماء اهتزت وربت، ان الذي احياها لمحي الموتى، انه على كل شيء قدير." (فصلت 39) "يا ايها الناس! ان كنتم في ريب من البعث فانا خلقناكم من تراب، ثم من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة، لنبين لكم، ونقر في الارحام ما نشاء، الى اجل مسمى، ثم يخرجكم طفلا، لتبلغوا اشدكم، ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد الى ارذل العمر، لكيلا يعلم من بعد علم شيئا، وترى الارض هامدة، فاذا انزلنا عليها الماء اهتزت وربت وانبتت من كل زوج بهيج. ذلك بان الله هو الحق، وانه يحي ويميت، وانه على كل شيء قدير." (الحج 5-6) ثانيا، الانسان روح وجسد انشأ الله الانسان مركبا من جزئين ومؤلفا من جوهرين هما المادة البدنية، وجوهر مجرد هي النفس والروح، وهما متلازمان ومتصاحبان مادامت الحياة الدنيوية، ثم يموت البدن وتفارقه الروح الحية، ثم يرجع الى الله سبحانه وتعالى. يقول الامام الشهيد السيد محمد باقر الصدر: "ان للانسان جانبين، احدهما مادي يتمثل في تركيبه العضوي، والاخر روحي-لا مادي- و هو مسرح النشاط الفكري والعقلي، فليس الانان مجرد مادة معقدة، وانما هو مزدوج الشخصية من عنصر مادي واخر لا مادي."*3 وهذا ما تشير اليه العديد من ايات القران الكريم نورد بعضها فيما يلي: "ولقد خلقنا الانسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقة، فخلقنا العلقة مضغة، فخلقنا المضغة عظاما، فكسونا العظام لحما، ثم انشأناه خلقنا اخر، فتبارك الله احسن الخالقين، ثم انكم بعد ذلك لميتون، ثم انكم يوم القيامة تبعثون." (المؤمنون 16) "واذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين." (ص 72) "وقالوا أإذا ضللنا في الارض، ائنا في خلق جديد؟ بل هم بلقاء ربهم كافرون؛ قل: يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم، ثم الى ربكم ترجعون." (السجدة 11). فانه تعالى اجاب عن اشكالهم بتفرق الاعضاء والاجزاء واستهلاكها في الارض بعد الموت، فلا تصلح للبعث بان ملك الموت يتوفاهم ويضبطهم فلا يدعهم، فهم غير ابدانهم، فأبدانهم تضل في الارض، لكن نفوسهم غير ضالة ولا فائتة، ولا مستهلكة.*4 والانسان بشخصه ليس بالبدن، لايموت بموت البدن، ولا يفنى بفنائه، وانحلال تركيبه وتبدد اجزائه، وانه يبقى بعد فناء البدن في عيش هنيء دائم ونعيم مقيم، او في شقاء لازم وعذاب اليم، وان سعادته في هذه العيشة وشقاءه فيها مرتبط بسنخ ملكاته واعماله.*5 فالروح هي الجوهر الرباني، والنفس هي الروح في حال تلازمها مع البدن*6، اما القلب فهو "الانسان بمعنى النفس والروح.*7 التطور الروحي هو النمو الذي تحققه النفس، او الروح، في الدنيا، وربما في الاخرة ايضا. فهذه النفس، بحسب نص القران الكريم، قابلة للنماء، كما هي قابلة للضمور. قال تعالى:"ونفس وما سواها، فالهمها فجورها وتقواها، قد افلح من زكاها، وقد خاب من دساها." (الشمس 7-10) وتفيد هذه الاية، وهي من اساسيات النظرة القرانية للانسان، ان هذا المخلوق المزدوج الطبيعة والاستعداد والاتجاه،كما عبر سيد قطب في تفسيره، *8 خلق وهو يحمل امكانية الرقي والنمو الروحي، في الحياة الدنيا، كما يملك امكانية الهبوط الروحي فيها. فالنفس، وهي الانسان بما هو مادة وروح، قابلة للنمو، بحكم الامكانيات المودعة بها، من عناصر التقوى. وهي قابلة للكبت والهبوط بحكم الامكانيات المضادة المودعة بها من عناصر الفجور. وهذا ما يشير اليه قوله تعالى:"قد افلح من زكاها، وقد خاب من دساها." وأصل الزكاة النمو الحاصل على بركة الله، سواء في الامور الدنيوية ام الامور الاخروية. وبزكاء النفس وطهارتها يصير الانسان بحيث يستحق في الدنيا الاوصاف المحمودة وفي الاخرة الاجر والمثوبة.*9 ان الحركة الجوهرية للنفس، بما هي روح متلبسة بالبدن، هي موضوع التطور الروحي الذي يتحدث عنه هذا الكتاب، وهو يتناول التطور الروحي للانسان، والبشرية، بعد ظهور الامام المهدي. ان الله خلق الانسان كائنا قابلا للتطور والنماء والارتقاء الى مستويات روحية وفكرية عالية، مقياسها المطلق هو لقاء الله سبحانه وتعالى. ولقاء الله يعني في هذا السياق ذلك التطابق بين واقع الانسان الروحي والفكري والسلوكي وبين ارادة الله وتعاليمه واحكامه. وبهذا المفهوم نقول ان تكامل الانسان وتطوره قابل للقياس ووحدة القياس هي التطابق مع احكام الله. وبقدر ما يرتبط التطور الروحي للنفس الانسانية، بارادة السير لدى الفرد المعني، بما هو كائن حر مخير، تؤثر الظروف الخارجية، ايضا، على سلوك النفس احد الطريقين، طريق النمو او طريق الهبوط. فالاجواء الاجتماعية التي تسود فيها قيم الايمان وتشع فيه مظاهر التدين تساعد النفس على النمو ومواصلة طريقها نحو الله بثبات وصعود متواصل، كما سوف يتضح في فصل قادم. وعلى العكس من ذلك الاجواء الاجتماعية التي تشيع فيها الفاحشة، ويتحكم في مجرياتها الطاغوت، فانها تؤدي في حالات كثيرة الى احباط حركة النفس، و بروز عناصر الفجور فيها، وبالتالي فساد الحرث والنسل، الا من اوتي حظا عظيما، يتيح له اتخاذ موقف المقاومة ومجاهدة الانحراف ومقاومة الكفر، فان ذلك سيكون من عوامل نمو هؤلاء النفر من الناس الذي سيكتب الله على يديهم انهاء الوجودات المنحرفة وخط الضلال لتواصل النفوس الخيرة سيرها التكاملي صوب الله.
1* محمد باقر الصدر، فلسفتنا، 3350336 2*عرف العلماء العدالة بانها هيئة نفسانية راسخة تبعث على ملازمة التقوى بحيث لا تقع منها الكبيرة ولا الاصرار على الصغيرة. راجع المحقق الشيخ الانصاري (1214-1281 هجرية)، المكاسب المحرمة، ج3، ص 147-179 3*محمد باقر الصدر، فلسفتنا، ص 334 4*محمد حسين الطباطبائي، الميزان في تفسير القران، ج2، ص 113 5* الطباطبائي، الميزان، ج1، ص 350 6*الطباطبائي، الميزان، ج17، ص 269 قال:"المراد بالانفس (في قوله تعالى:الله يتوفى الانفس حين موتها) الارواح المتعلقة بالابدان لا مجموع الارواح والابدان، لأن المجموع غير مقبوض عند الموت، وانما المقبوض هو الروح يقبض من البدن، بمعنى قطع تعلقة بالبدن." 7* الطباطبائي، الميزان، ج2، ص 323 8*سيد قطب، في ظلال القران، ج6، ص 3917 9* الراغب الاصفهاني، مفردات القران، ص 213
|