الفصل الرابعهدف التطور الروحي:تكامل الإنسان و اللقاء اللهيهدف التطور الروحي الى ايصال الانسان الى الغاية العليا من خلقه التي يشير الها القران الكريم بقوله :"وما خلقت الجن والانس الا ليعبدون." (الذاريات ) هذه هي الزاوية البشرية للهدف، اما الزاوية الالهية للهدف فهي ايصال الانسان الى درجة من التطور تمكنه من معرفة الله، لأن الله اوجد الكون بما فيه الانسان لكي "يعرف"، كما في الحديث القدسي الذي يقول ان الله كان كنزا مخفيا، فاحب ان يعرف، فخلق الخلق. وهذا يعني من جهة ثانية، ان ايجاد الخلق كان بباعث من حب رباني عظيم. وهذا لا يعني ان الانسان في مرحلة ما من تاريخ تطوره غير قادر على معرفة الله، انما يعني ان هذه المعرفة متدرجة، فهي موجودة على اية حال، فالانسان القديم يعرف الله، والناس الذين عاصروا الانبياء ايضا كانوا يعرفون الله، والمعرفة درجات، وكما يتقبل الله من الانسان معرفته باية درجة كانت، فان الله "يحب" ان يعرفه الانسان باعلى درجة متصورة. والدرجة التي يريدنا الله ان نصل اليها في معرفتنا به تتمثل في العلم المطرد الحضور به، وهو نوع من الرؤية لله كان النبي موسى طلبها لنفسه، ولكن الله لم يحققها له، وهي نوع ثقيل من العلم بالله، لا يقوى عليه الانسان الا بعد فترة طويلة من المجاهدة والكدح نحو الله. وفي نظرتنا الاسلامية الامامية الى حركة الانسان في الزمان والمكان، اي التاريخ، نؤمن بان هذه الحركة هي في حقيقتها وواقعها مسيرة مستمرة نحو الله، وهذا هو جوهر الحركة التاريخية للانسان والمجتمعات، فالتاريخ في حقيقة الامر عبارة عن مسيرة الانسانية الى الله سبحانه وتعالى. وقد سجل القران هذه النظرة العقائدية الى حركة الانسان في احدى اياته المبكرات حيث يقول: "يا ايها الانسان انك كادح الى ربك كدحا فملاقية." (الانشقاق 6) وبالتأمل في هذه الاية المباركة الكريمة تتضح لنا الافكار والمفاهيم التالية، التي تشكل جزءً من عقيدتنا في التاريخ، اي نظرتنا الخاصة اليه: فاولا، تخاطب الاية الانسان بوصفه العام، وهو وصف يشمل المؤمن وغير المؤمن، فهو حديث عن الجنس البشري قاطبة بلا توصيف يخصص بعضا دون بعض. وهذا يعني ان جميع البشر مشمولون بقانون التكامل والنمو والتطور، وشمولية التطور لكل البشر تطرح سؤالا مهما: هل يعني هذا ان غير المسلمين او غير المؤمنين مشمولون بقانون التطور؟ والجواب نعم, وغاية ما في الامر ان هؤلاء البشر ربما يختلفون في نوعية مساهمتهم في تحقيق التطور. وكل منهم يستطيع ان يقدم شيئا لتطور البشرية وتكاملها. وقد لا يكون هذا الشيء ذا علاقة مباشرة بتكامل الانسان الروحي، لكنه قطعا على صلة ما بهذا التطور. لنفترض ان مخترع الكهرباء لم يكن شخصا مؤمنا، ولكن الم يكن الكهرباء عاملا من عوامل تسارع نمو البشرية وتكامله العلمي، وهي خطوة يمكن ان يستفيد منها المؤمنون في تحقيق تكاملهم الروحي؟ ان النظرة الشمولية لمسار البشرية كفيلة بان تضع كل انسان في موضعه الطبيعي في سلم التكامل، بغض النظر عن الموقف الفردي لهذا الانسان من قضايا الايمان والاسلام وغيرها. وثانيا، تقول الاية للانسان انك "كادح الى ربك كدحا" وهذا يفيد معنى السير، ولكنه السير المنطوي على كدح ومشقة، سببهما ان متعلق الكدح والسير وثمرته يمثل مركبا صعبا لا بد من بذل الجهد من اجل الوصول اليه. والاية تعبر عن السير بوصفه حقيقة تكوينية على المستوى التاريخي وليس مشروعا تشريعيا، بدلالة استخدام صيغة اسم الفاعل "كادح" وهي صيغة لا تستخدم الا للدلالة على تلبس الفعل بالفاعل، على عكس صيغة فعل الامر مثلا التي تدعو المستمع الى القيام بفعل، بمعنى انه يكون غير متلبس به قبل الامتثال اليه، في حين ان الاية الكريمة لا تأمر بشيء، انما هي تحكي عن شيء، وهذا الشيء هو كون الانسان في حالة سير وحركة مستمرين، وهذا هو التاريخ. وترتبط هذه النظرة الى الانسان والتي تراه متحركا على اية حال بنظرة اعمق الى الوجود كله وهي ترى ان الوجود هو الاخر في حالة حركة مستمرة دائمة، وليست حركة الانسان سوى جزء من هذه الحركة الكونية الاشمل، بل هي احدى تعبيراتها وتمظهراتها. فالصورة التي يطرحها القران الكريم عن الكون انه متحرك؛ والصورة الحركية للكون مثبوتة في ايات القران التي تتحدث عن ايات الله في هذا الكون. "واية لهم الليل نسلخ منه النهار فاذا هم مظلمون.والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم.والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم.لا الشمس ينبغي لها ان تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون." (يس : 37-40) "والسماء بنيناها بايد وانا لموسعون."(الذاريات 47) وبذا يؤسس القران الكريم في وعي الانسان حقيقة ان الحركة بمعناها الشامل هي اساس الوجود المادي تماما كما هي اساس الوجود الحيوي. والحركة هي عملية الانتقال المستمر من حالة الوجود الكامن الممكن (القوة) الى حالة الوجود الفعلي المتحقق (الفعل)، وهذا ينطبق على الطبيعة كما ينطبق على الانسان والمجتمع والتاريخ. بمعنى ان الظاهرة الطبيعية او الاجتماعية قد لا توجد على التمام في لحظة، كما يوضح الامام الشهيد السيد محمد باقر الصدر، بل توجد على التدريج وتستنفذ امكاناتها شيئا فشيئا وبذلك يحصل التطور ويوجد التكامل. فالحركة هي تطور الشئ في درجات الوجود، مادام هناك درجة اعلى في الوجود كامنة فيه، بمقدوره الوصول اليها، او الخروج اليها من الحالة الوجودية الراهنة . فيجب اذن ان تحتوي كل حركة على وجود مستمر منذ ان تنطلق، وهذا الوجود هذ الذي يتحرك بمعنى انه يتدرج ويثرى بصورة مستمرة وكل درجة تعبر عن مرحلة من مراحل ذلك الوجود الواحد وهذه المراحل انما توجد بالحركة فالشئ المتحرك او الوجود المتطور لا يملكها قبل الحركة والا لما وجدت الحركة بل هو في لحظة الانطلاق يتمثل لنا في الامكانات ويستبدل في كل درجة من درجات الحركة الامكان بالواقع والقوة الفعلية.. وفي اللحظة التي تستنفد جميع الامكانات تقف الحركة. وهذه الحركة بمفهومها الدقيق لا تمس ظواهر طبيعية وسطحها العرضية فحسب وانما هي كما برهن الفيلسوف الاسلامي الكبير صدر الدين الشيرازي ليست الا جانبا من التطور يكشف عن جانب اعمق هو التطور في صميم الطبيعة وحركتها الجوهرية. وحركة الانسان في الزمان والمكان هي جزء من الصورة الاشمل للكون كله وهو في حالة حركة مستمرة. وثالثا، تبين الاية ان هذه المسيرة الانسانية الكادحة ليست ضائعة في ظلمات الارض والكون، انما هي متحركة صوب نهاية مشخصة، تلك هي "لقاء الله". ولا بد ان تحمل هذه العبارة المكثفة شحنة عالية من الترميز الذي يشير الى معان عميقة وكبيرة حيث نعلم ان الله سبحانه وتعالى ليس وجودا ماديا و لا زمانيا يمكن اللقاء به، بما ينطوي هذا اللقاء من النظر اليه والاحاطة به، وهو معنى كان قد ساور بني اسرائيل لجهلهم المفرط بالطبيعة المتعالية عن الزمان والمكان لله سبحانه وتعالى فطلبوا من موسى ان يريهم الله. "واذ قلتم ياموسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فاخذتكم الصاعقة وانتم تنظرون." (البقرة 55 وحكايتها في ال عمران 153) ان اللقاء الذي تتحدث عنه الاية هو لقاء ارادات، بمعنى ان تلتقي ارادة الانسان بارادة الله، وهذا اللقاء يعني من الناحية العملية تطابق ارادة الانسان وافعاله مع ارادة الله واحكامه، بما تتسعه امكانات النسبي، اي الانسان مع لا نهائية المطلق اي الله. فكل تطابق بين ارادة الانسان واعماله من جهة مع ارادة الله واحكامه من جهة ثانية هو لقاء مع الله، ويتحدد حجم هذا اللقاء بمقدار ذلك التطابق. ونحن نعلم ان تحقيق اي درجة من التطابق بحاجة الى مجاهدة بسبب الفروق الهائلة بين النسبي والمطلق، وهذا هو الذي يفسر لنا الطبيعة الكادحة للمسيرة الانسانية، فهي مسيرة تنطوي على مشقة سببها صعوبة التطابق بين ارادة الانسان وافعاله من جهة وارادة الله واحكامه من جهة ثانية، وبديهي ان التطابق بدرجة عالية جدا يؤدي الى ولادة الانسان العادل، في حين ان التطابق الكامل يؤدي الى ولادة الانسان المعصوم.في حين يؤدي الى عدم التطابق الى ولادة الانسان الكافر او المشرك او المنافق او الجاحد او العاصي، باختلاف درجات عدم التطابق. وهذا هو الوجه الاخر لقوله تعالى في اية اخرى:: "وما خلقت الجن والانس الا ليعبدون." (الذاريات 56)حيث تتحدث هذه الاية بوضوح تام عن الغرض من خلق الانسان الذي هو عبادة لله، وهو الشكل العملي الذي يتحقق من خلاله لقاء الله بوصفه غاية المسيرة التاريخية للانسان. ان عبادة الله هي تعبير اخر عن قضية التطابق بين ارادة الانسان واعماله من جهة وبين ارادة الله واحكامه من جهة ثانية. رابعا، ولما قلنا ان التطابق يشمل طرفين غير متكافئين هما الانسان من جهة والله من جهة ثانية، فاننا يمكن ان نفترض الان ان هذا التطابق نسبي، وهذه النسبة تختلف من انسان الى اخر ومن زمان الى اخر، بسبب اختلاف قدرات الناس وبسبب اختلاف المؤثرات التي تمارسها ظروف الزمان والمكان على ارادة الانسان وسلوكه. ولما كان الله هو النموذج الاعلى فان تطابق النسبي القاصر معه يعني ان هذا النسبي حقق درجة ما من التكامل معه، والمقصود هنا التطابق مع صفات الله واخلاقه، بطبيعة الحال، وهو المعنى الذي يشير اليه الحديث المروي عن النبي محمد (ص) والذي يقول فيه :"تشبهوا باخلاق الله". ان الله عالم، وحين يسعى الانسان الى ان يتطابق معه في العلم فانه يكتسب علما جديدا، ولما كان علم الله مطلقا وقدرة الانسان محدودة، فان كل درجة من العلم يحوزها الانسان تعبر عن درجة من كماله، الذي يوجد فوقه حالات اخرى من الكمال:"فوق كل ذي علم عليم." فالكمال هو تعبير عن درجة التطابق، وهو كمال نسبي، بطبيعة الحال، فالكمال المطلق لله وحده لكن الانسان يستطيع ان يحقق درجات متفاوتة من الكمال بمقدار ما يحقق من التطابق بين ارادته وبين ارادة الله، عن طريق العبادة لله، الذي قال للانسان يا عبدي اطعني تكن مثلي، تقل للشيء كن فيكون. وهذا ما نعنيه بقولنا الان ان المسيرة الانسانية التاريخية نحو الله تكاملية، بمعنى انها تنطوي على تكامل مستمر للانسان وهو يواصل رحلته المضنية نحو لقاء الله. ونظيف الان انه لما كان الله موجودا في كل مراحل الطريق ومقاطع السير، باعتبار ان الله ليس وجودا محددا زمانيا ومكانيا، صار بمقدورنا ان نتصور انه بالامكان اللقاء بالله في اية مرحلة من مراحل الطريق. ان لقاء الله لايعني ان يتم ذلك في "نهاية المطاف"، لأن الله ليس موجودا في "نهاية المطاف" فقط، انما هو موجود في كل الطريق، "وهو معكم اينما كنتم"، واذن فكلما واصلنا تحقيق التطابق بين اراداتنا وبين ارادة الله تحققت لدينا درجة من الكمال، في اية مرحلة كنا من مراحل الطريق، وكلما واصلنا هذا كلما تصاعدت عندنا درجة الكمال، حتى يحقق الله فينا قوله:"والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا." واذن صار بالامكان الان ان نلخص الفكرة القرانية عن المسيرة التاريخية للجماعة البشرية في ان البشرية تتحرك منذ لحظة الخلق باتجاه تحقيق الغرض الرباني من اصل الخلق الانساني وهو تحقيق العبادة الكاملة لله سبحانه وتعالى باعتباره ان هذه العبادة هي التي تجسد حالة الكمال القصوى بالنسبة للانسان. ان التطابق الكامل بين كل ارادات كل البشر واعمالهم وبين ارادة الله واحكامه سوف تشكل حدثا تاريخيا كبيرا يسميه القران الكريم بـ"ظهور الدين"، وهي عبارة رمزية اخرى لقيام مجتمع انساني عالمي تتحقق فيه درجة التطابق القصوى بين ارادات البشر واعمالهم وبين ارادة الله واحكامه. وهذا هو مؤدى قوله تعالى:" "هو الذي ارسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهرة على الدين كله، ولو كره المشركون. (التوبة 33 والصف 9 والفتح 28 ) وسوف يتم هذا في اطار مجتمع المتقين الذي وعدنا الله به في قوله تعالى: "وعد الله الذين امنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الارض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم امنا يعبدونني ولا يشركون بي شيئا، ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون." (النور 55) وهذا هو الذي يعطي المسيرة الانسانية صفتها الاخرى وهي كونها مسيرة هادفة، وليست عشوائية. فهدف هذه المسيرة هو اقامة المجتمع الانساني العالمي المعصوم، اي الذي يتم خلاله التطابق بين ارادات الناس واعمالهم وبين ارادة الله واحكامه. وهذا يتم عن طريق العبادة التي جعلها القران الكريم غاية الخلق في قوله تعالى:"وما خلقت الجن والانس الا ليعبدون." والعبادة هنا تعني المعرفة، فالغاية هي معرفة الله، وهو مايشير اليه حديث قدسي صحيح يقول فيه الله :"كنت كنزا مخفيا فاحببت ان اعرف فخلقت الخلق لكي اعرف." وهذا هو نفس لقاء الله الذي تشير اليه الاية القرانية التي اوردناها قبل قليل والتي تقول:"يا ايها الانسان انك كادح الى ربك كدحا فملاقية." (الانشقاق 6) واللقاء بالله، نحو من العلم المطرد به، والذي سوف ينفتح على افاق بعيدة في التطور مما سوف نعرض له في صفحات قادمة. ويتجسد هذا العلم المطرد بالله بدوره في السلوك و المشاعر والمواقف، بما يؤدي الى التطابق بين ارادة الله المعبر المتجلية بالعلم به، وبين شخصية الانسان. ولهذا التطابق درجات، اعلى درجة التطابق الكاملة المنتجة للشخصية المعصومة، وقريب منها درجة التطابق الكبيرة جدا المنتجة للعدالة في الشخصية، التي تعني الاستقامة على خط الاسلام بنحو لا يتصور معه ارتكاب لكبيرة ولا اصرار على صغيرة، وهناك درجات التطابق النسبية التي تنتج درجات مختلفة من التقوى في الشخصية. وهذه كلها ممكنات تحققت في التأريخ، ولكن على نحو فردي وليس على نحو جماعي. فالانبياء معصومون، وكثير من الفقهاء عدول، وما كان بالامكان تحقيقه على نحو فردي لا يوجد مانع من تحققه على نطاق جماعي، يشمل البشرية كلها. ولما كان الله لا يمثل نهاية طريق، وانما هو موجود في كل مراحل ونقاط الطريق، فان هذا يعني ان الانسان يلتقي بالله في اية مرحلة من مراحل هذا الطريق، غاية ما في الامر ان اللقاء في اول طريق يعبر عن درجة محدودة من الكمال، اما اللقاء في مراحل متقدمة فهو يمثل درجات اعلى من الكمال. وهذا يعني امرين: الاول، ان اللقاء يتم في الدنيا والاخرة، وهذا يعني ان الاية الكريمة لا تتحدث عن لقاء في الاخرة كما يرى بعض المفسرين. والثاني، ان مسيرة الانسان نحو الله مسيرة تكاملية، حيث ان الانسان كلما قطع خطوات في الطريق نحو الله، فانه يحقق المزيد من التكامل باتجاه اللقاء الاكمل بالله.
|