صحيفة أنصار الإمام المهدي ع 

• خفاء العنوان • الامام المهدي ع في بغداد • الصدر خلاصة جهود الغيبة • سلوك الصدر •

كتاب الصدر ممهدا للكاتب عباس الزيدي المياحي

الحلقة الرابعة

سلوك الصدر


عرف الصدر منذ أول نشأته بالعزلة النسبية عن المجتمع متخذاً العبادة وطلب العلم النهج الاساسي في تلك الفترة، فجعل المستحبات الشرعية برنامجاً ثابتاً في يومه، ومن وجهة نظر الاسلام ـ النظرية على الاقل ـ فان مسلك العبادة مالم يتعارض مع واجب آخر فهو مسلك مطلوب بشدة، ولم يتخذ الصدر مسلك العبادة لغرض الحصول على الثواب فحسب، بل هو يعبر عن ذلك بعبارة أمير المؤمنين(ع): قوم عبدوا الله خوفاً من ناره فتلك عبادة العبيد، وقوم عبدوا الله طمعاً في جنته فتلك عبادة التجار، وقوم عبدوا الله لأنه أهل للعبادة فتلك عبادة الاحرار. واستمر على ذلك الى آخر يوم من حياته.
اما تدرّجه بالعلم فليس هناك من يستطيع كشف المستوى المناسب له، ولكننا ومن خلال قرائن عديدة نستشف انه حصل على درجة الاجتهاد في وقت مبكر من حياته، وتميز بسعة الاطلاع على شتى العلوم، وبعد آن تجاوز العشرين بدأ بالبحث عن تأريخ الامام المهدي(ع) وظهرت بعد حوالي عشر سنوات من البحث أولى اجزاء هذه الموسوعة القيمة، ويظهر للمطلع على هذه الموسوعة مدى تعمق الصدر في دراسة شخصية الامام(ع) (وفق الادلة طبعا) والاهم من ذلك كشفه للتخطيط الالهي المؤدي آخر المطاف الى النصر الموعود، وكذلك يبين واجبات الفرد والامة خلال الغيبة الكبرى تجاه الامام(ع) وقضيته (وهذا ما سوف نتناوله في محله انشاء الله تعالى).

اما علاقته بالاشخاص والاحداث حوله فتميزت بالهدوء، ولم يستطع احد من الاعداء او الاصدقاء احراز شخصيته واهدافه في تلك الفترة، ولم يصدر عنه أي تصريح الا ما ندر حول الاوضاع التي تحيط به، مكتفيا باحتفاظه بآراءه الى وقت آخر ([1])، ولا شك انه كان حكيماً في مسلكه هذا، وانه عندما تصدى لأمور المسلمين، لم يكن احد ـ حتى من اصدقاءه ـ يراهن على قدرته على خوض هذا الغمار ومنازلة القوى المبانية، فمحمد الصدر (درويش) لا اكثر او متقي وعابد لا اكثر، وطبعا نحن لانريد أن نقسوا على هؤلاء فلعل لهم بعض الاعذار! ولكن الظريف في الامر ان قُرَّاء موسوعته وعلى رأسهم السيد محمدباقر الصدر قَيَّموا مستواه في البحث العلمي الدقيق والعميق، واما الآخرون حتى من زملاءه وأقرانه فلا أظن انهم كلفوا انفسهم عناء قرائتها الى يومنا هذا، فقضية الامام المهدي مهملة جملة وتفصيلا، وبا لدرجة الاولى عند رجال الدين مع شديد الاسف الا ماندر، فحوزة المهدي ـ حسب المفروض طبعا ـ لا تعرف شيئا عن المهدي سوى انه الامام الثاني عشر، وانه ولد سنة 255 للهجرة، وسوف يظهر ليملأ الارض عدلا وقسطا كما ملئت ظلما وجورا، اما واجباتنا تجاهـه فلا احد يعرفها، وان التعامل العملـي مع الإمام في كل انحاء العالم الاسلامي المؤمن به معاملة الحي مع الميت.

ومع كل مايُقدّم للصدر من احترام فانه كما قلت لم يُحسن الظن به أي طرف من حيث قدرته على خوض غمار هذه التجربةالخطيرة. (هو ليس بمستوى الطرح الذي يطرحه) هذا ما قاله احد زملائه وهو يعبر عن وجهة نظر الطبقة العليا من ابناء نفس المدرسة التي تخرج عليها (في الاصول). ومن هذا نعلم ان أحداً لم يستطع قراءة محمد الصدر بصورة موضوعية الا إذا استثنينا القواعد الشعبية التي كانت نظرتها له نظرة أثبت الدم صحتها المطلقة آخر المطاف. ومن هنا نتعجب من عجز الطبقة الحوزوية بكل افرادها بينما كانت نظرة الجماهير ادق واصوب, مع ان المستوى لكل منهما مختلف عن الآخر ومتفاوت من ناحية علمية, فكانت نظرة الفلسفة والاصول والفقه خاطئة أخيرا، ونظرة العامي(كما يعبرون) الذي لايجيد اداء العبادات بصورة تامة ولايفهم المصطلحات الفلسفية والاصولية اصوب وادق. وهنا يكمن سر السيد محمد الصدر، فهو الذي تباين تبايناً تاما مع الحوزة المتعارفة, وسلك مسلكا بسيطا وُصف بالسذاجة, وهو الذي رفض ان يُخاطب بصيغة الجمع، وهو الذي رفض ان تُقبل يده, فهو عامي بسلوكه ليس حوزوياً, عفوي بكلامه ومشيته وتصرفاته كافة غير متكلف, وهو لايتصف بالاخلاق الحوزوية(كما كان يوصف) بل يحمل عفوية آل محمد واخلاق آل محمد, لذلك لم ينجذب اليه ابناء الاسر العلمية, والشعب من حوله حثالة المجتمع(كما تصفهم الحوزة) أي كما قيل لرسول الله (ص) وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا. ([2])

وانا شاهد على ذلك التاريخ اننا كنا نوصف والى اليوم باننا(أي اتباع الصدر) سوقة, وحثالة, ومزابل, او كلاب اولاد كلاب كما كان يحلو لأحد ابرز المتصدين حالياً في النجف, وهو من اسرة علمية لها شهرة واسعة في العراق وخارجه ([3]), والحق انك من خلال قراءتك لتأريخ الامام (ع) ستجد ان اتباعه هم هؤلاء الحثالة (سيدخل في هذا الأمر من يُعد فيكم كعبدة الاوثان) كما سوف يتبين.

وأما ماأصدره الصدر من فتاوى فقد عُدَّت من قبل هؤلاء فتنة وبدعة (كما حصل مع صلاة الجمعة مثلا) فقد جاء بأمر من ثوابت الشريعة الاسلامية, وكان امراً جديدا تقريبا على المجتمع، ومع ذلك فقد تصدى لها الآخرون بعنف, ومنعوا من حضورها ([4]). ومن فتاواه الغريبة على المجتمع أيضا ( عدم مفطرية التدخين اثناء شهر رمضان ) وهذا أيضا اعتبر دينا جديدا, وكان يقال لنا: اليوم سكائر وغداً شاي، ([5]) والكثير من هذه الامور, وذكري لهذه المسائل له ارتباط وثيق بما سوف اذكره من كون الامام (ع) سوف يأتي بدين جديد وليس بجديد, ولأجل تجنب الاطناب سأذكر على شكل نقاط مجمـل مميزات محمـد الصـدر قبـل وبعد التصدي لقيادة المسلمين:
1 ـ اتخاذه مسلك العبادة المكثفة منذ أول شبابه مما صقل شخصيته الاسلامية, والنصوص القطعية من الكتاب والسنة تؤكد على ان كثرة العبادة لاافراط فيها مهما كانت هذه الكثرة مالم تؤدي الى ارتكاب محرم أو ترك واجب.
2 ـ إطلاعه على العلوم الحوزوية والعلوم الحديثة والفلسفات القديمة والحديثة وغيرها، مما سهل عليه الخطاب بلغة العصر, ونَزَلَ بالخطاب الاسلامي المعقد الى مستوى متوسط, كما جاء في كتابه القيم (ماوراء الفقه).
3 ـ يعتبر صاحب أكبر تصنيف حول الامام المهدي (ع) في تأريخ الاسلام, وهو كتابه موسوعة الامام المهدي (ع)، وهذه الموسوعة هي التي وصفها السيد محمد باقر الصدر (لم يسبق لها نظير في التأريخ) ولايعني السيد الشهيد انها لم تُسبق من حيث الحجم فحسب، وانما من حيث طرح الفهومات الجديدة والدقيقة وسعة الافق, وحول التطـورات التأريخيـة والسـنن والعـوامل المرتبطة بالإمام (ع) وظهوره.

4 ـ دراسته لأوضاع الساحة الاسلامية بدقة وصمت وصبر, ورفض الاتصال بأي مرجعية أو حزب او أي اتجاه آخر, وكان يوصي عددا من زملائه وطلبته بترك الانضمام لأي حزب أو حركة سياسية تؤدي الى تدمير الحوزة والقواعد الشعبية. ([6])

5 ـ كان يرى حسب ماتقرأه في موسوعته أن الاتجاه نحو الامة هو الأجدى بل هو المطلوب, وهذه النظرة تكونت عنده من خلال قرائته للفكر الاسلامي المتمثل بالكتاب والسنة, ويؤكد على عامل تهذيب النفس وتربية الامة على ذلك, وانه لافائدة مهمة سوف تترتب في توعية المجتمع على المفاهيم والطرح الفلسفي, بل المطلوب هو البساطة في الطرح لعموم الامة, والتوعية تتم لا بالحسابات المعقدة بل بالدخول الى بطن الشريعة بمقدار يسير (كما سوف تسمع في كلماته) فالصدر قد عرف أين يكمن سر الانتصار, انه يكمن في الشارع وفي الاسواق وفي المدارس والجامعات وفي البيوت بين افراد الاسرة, فقد اهتم الصدر بهذه الطبقات المتدنية ـ حسب مفهوم المسلك التقليدي في الحوزة ـ في مؤلفاته وعندما تصدى للمرجعية (كما سوف نرى) ونرى ان السيد محمد باقر الصدر أدرك هذه الحقيقة في الأيام الأخيرة من حياته, فقد وصلت اليه رسالة أثناء الحجز تعبر عن تأييد وألم لما يعانيه, وان اصحاب الرسالة سوف يقومون بعمل تضحوي يستهدف افراد الأمن المحاصرة لمنزله, وكان هؤلاء من غير المتدينين بل هم من (الحثالة) كما نوهنا سابقاً. وبالفعل قاموا بتلك العملية الصغيرة, فقال السيد الشهيد عندها: لو قدر للحجز أن يفك عنا وتعود الامور الى طبيعتها، فسوف اصرف قسما كبيراً من الحقوق الشرعية على تربية هؤلاء، انهم يملكون الشجاعة التي نحتاجها في مسيرتنا الجهادية، هؤلاء افضل عند الله من الذين تخلوا عنا، او الذين اتهمونا ببعض التهم, ونحن نعاني ما نعاني في الحجز. ([7])
فالسيد محمد باقر الصدر هنا يندد بالنخبة او الوسط الخاص الذين تركوه يواجه الموت البطيء لوحده. بينما ابناء الشارع الذين اُهملوا كانوا اصحاب الموقف المشرف الاخير في حياة هذا المفكر والمرجع المظلوم؛ وكما ذكرنا فأن محمد الصدر مدرك لهذه الحقيقة منذ اول شبابه, وسعى اليها بعد ذلك عند شيخوخته بصورة عملية.
6 ـ تأسيسه لما يسمى بالمرجعية الناطقة، وقد وضعها في مقابل المرجعية الساكتة، وحسب فهمي فان استنتاجه لهذين المصطلحين جاء من السنة الشريفة، فهو يقول:
ان النبي (ص) مع الحوزة الناطقة المجاهدة وليس مع الحوزة الاخرى، بل من المستطاع القول ان النبي (ص) والمعصومين (ع) من الحوزة الناطقة المجاهدة ، وليس فقط مع الحوزة …

ان الحـوزة الناطقـة المجاهـدة تأسست يوم الـدار، في اول مباشـرة النبي (ص) اعلان دعوته للمجتمع حيث دعى عشيرته الاقربين، وكان اول من آمن به واجاب دعوته أمير المؤمنين (ع), واستمرت الى العصـر الحاضـر، وستبقى الى يوم القيامـة متمثلـة بالإمام المهدي (ع) في المستقبل. ([8])

فهو يعتبر ان الحوزة في المقام الاول متجسدة بأهل البيت (ع) وهم ناطقون، ولكن ماهي حدود هذه الناطقية، فهل تعني الخروج بالسيف والقيام بثورة مثلا، او التصدي للأنظمة الجائرة علانية ام غير ذلك؟ هذا ما سوف يتضح من خلال البحث انشاء الله تعالى. المهم انه يرى ان الحوزة التابعة لأهل البيت هي التي تؤدي واجبها بصورة صحيحة (واما مصطلح الناطقة) الذي مثله الصدر بأهل البيت (ع) ومن بعدهم العلماء الذين انتموا الى حوزتهم، فقد ورد بكثرة في وصف الامام المهدي (ع) وغيره منهم (ع), ونعلم ان وصف احدهم بصفة معينة تنطبق على الجميع فكلهم صادقون وكاظمون ومرضيون وهادون 000الخ, وقد ورد هذا المصطلح في كتاب (النجم الثاقب) فصل اسماء الامام المهدي (ع) وكتاب (الزام الناصب) في اسمائه (ع) أيضاً, وادعية وزيارات عديدة، منها كما في كتاب مفاتيح الجنان زيارة أمير المؤمنين (ع) ( والناطق بحجته ) ، وفي اخرى (الناطق بالصواب)، وفي اخرى (ونطقت حين تتعتعوا)، وفي اخرى (والناطق بوعده)، ففي زيارة عاشوراء (وان يرزقني طلب ثاري ـ ثاركم ـ مع إمام هدى ـ مهدي ـ ظاهر ناطق بالحق منكم) وفي رواية عن الرسول (ص) طويلة قال فيها: (المهدي الناطق). ([9]) وفي رواية دلالتها واضحة عن الباقر (ع) قال: قال أمير المؤمنين (ع) قوام الدين بأربعة: بعالم ناطق مستعمل له 000الخ.([10]) وغيرها مما لم احاول استقصاءه.
وكذلك يمكن استنتاج هذه الصفة من الرواية المشهورة (اذا ظهرت الفتن فعلى العالم ان يظهر علمه والا فعليه لعنة الله) فالصفتان المتضادتان يمكن إستظهارهما من هذه الرواية، وذلك من أن اظهار العلم واجب على العالم ويجب عليه ان يتصدى لإزالة الشبهات وتبيين الحق في الفتنة، والطرف لآخر المشمول باللعن هنا هو الذي لايظهر علمه أي لايتصدى للفتنة ، فهو ساكت. وهذا اقرب الى الصحة حسب فهمي. ولو تنزلنا عن كل ذلك فان هذه الصفة ثابتة للمعصوم (ع) في أي وقت وبأي مقدار، واما ما ورد عن الامام الجواد (ع) (اسكت كما سكت اباؤك) وغيرها مما يدل على سكوت الامام (ع) فقد اجاب السيد الصدر عن ذلك بقوله:

وهو سلام الله عليه ليس ساكتاً كالمراجع الصامتين, فانه رُويت عنه روايات كثيرة من الحكم والاحكام والمواعظ، وانما هو صامت فيما تجب التقية فيه فقط وبالأسرار الالهية بطبيعة الحال, التي يتحملها الامام (ع)، ويتصرف بمقدار ما هو ممكن او باقصى مقدار ممكن ولا يتعداه وكذلك اباؤه (ع)، وفي رواية اخرى (لو اُذن لنا بالكلام لزال الشك) يعني الكلام الحقيقي غير مأذون به. ([11]) ويقول في موضع آخر:

جماعة من المراجع اتخذوا اسلوب السكوت للحفاظ على حياتهم وتركوا ما في ذمتهم. ([12])

ولا يمكن ان تكون التقية المكثفة مانعة له عن تحمل المسئولية. ([13])
وذكرنا لكل هذه المطالب فائدة مهمة, فسوف نعرف ان الامام (ع) سوف يكون باسم مستعار (وفق اطروحة خفاء العنوان) فتكون معرفته للمخلصين عن طريق صفات معينة من اهمها هذه الصفة وغيرها, كما سوف يأتي انشاء الله.
7 ـ تدريباته المتواصلة للمجتمع وهي فصل من فصول التربية للأمة، فهو يفتي مرة بوجوب زيارة احد المعصومين (ع)، كما افتى بوجوب زيارة أمير المؤمنين (ع) بمناسبة ولادة النبي (ص)، وولادة الزهراء (ع)، وزيارة الامام الحسين (ع) بمناسبة النصف من شعبان. ومرة اخرى يفتي بالمنع كما في زيارة الاربعين (وفي الزيارتين الاخيرتين كان الامر بخصوص الزيارة مشياً على الاقدام) وافتى بحرمة التعامل مع السافرات والظلمة والفسقة، وحرمة إلقاء الأموال في الاضرحة التي تسيطر عليها اجهزة النظام، وحرمة اعانة الفسقة حتى في داخل الاسرة الواحدة، وغيرها الكثير، وقد كانت الطاعة لكل تلك الاوامر والفتاوى بمستوى جيد لم يشهد له مثيل في العراق، فنستمع اليه وهو يقول:

على عوام الشيعة ان لا يعملوا عملاً ولا يقولوا قولاً إلاّ بإذن المراجع الكرام. ([14])

وإذا قالت لكم الحوزة إذهبوا تذهبون وإذا قالت لكم لاتذهبوا فلا تذهبوا. ([15])

ويؤكد على تحمل المشاق والصبر والتسليم الحقيقي لله تعالى: طبعا لا يكون الانسان في الصابرين إلاّ مع التسليم الحقيقي بقضاء الله وقدره, والرضا بواقعه الدنيوي على حاله. ([16])

و: توقع الظهور بإستمرار يجب ان يكون موجوداً في قلب المؤمن 000 فلربما ظهر، ولربما طلب مني واختار لي شيئا من ذلك او عملا من الاعمال، انا اكون مترفاً ناعماً؟ واقول له لا اقدر، وهذا صعب علي، ربما أمرني بالعمل الذي ينبغي ان اقف في الشمس عدة ساعات، او مثلا امشي عدة ساعات 000. ([17])
وهكذا تجد العشرات من هذه التوجيهات التي تهدف الى تكوين المجتمع المؤمن الصلب الذي لا يتوانى في أي أمر يصدر إليه.
8 ـ ربط الامة بصورة مستديمة بالامام المهدي (ع)، فان خطبه قد ُكرست بصورة كاملة احيانا للامام (ع) وواجباتنا تجاهه، وفي احيان اخرى حينما يكون الموضوع خارج عن قضية الامام (ع) فهو يربط بصورة واخرى الخطبة بالامام المهدي (ع)، او ما يساعد على تربية الامة وفق نظريته في الاستعداد للظهور صباحاً ومساءاً. وسوف تأتي في مستقبل البحث مواضع عديدة ومهمة لذلك انشاء الله تعالى. ويؤكد في موضع على ضرورة الاستماع للدعاء في اول الخطبة، وضرورة مطالعة القرآن والادعية بتمعن. ويسأل هل صليت صلاة الليل في الليلة الماضية؟ وهل زرت الحسين (ع) عن قرب أو ُبعد في ليلة الجمعة؟ وهل قرأت دعاء كميل في ليلة الجمعة؟ وهل إغتسلت غسل الجمعة؟ وهل جمعت علامات المؤمن الخمس او بعضها؟ كما في الرواية :زيارة الاربعين, والتختم باليمين, والجهر ببسم الله الرحمن الرحيم, وصلاة الواحد والخمسين, وتعفير الجبين.
9 ـ الزهد الذي كان عليه (رض) فهو لم يكن من المهتمين بزخارف هذه الدنيا على الاطلاق إلاّ بمقدار ما يخدم الاسلام، وكانت ثيابه بسيطة للغاية (وانا شاهدتها بنفسي) فعباءته مهترئة، مداسه قديم يعلوه التراب اغلب الأوقات، وقميصه العربي ترى بدنه من خلاله لعتقه، وعمامته تميل الى الاحمرار لشدة قدمها، وقد قضى اكثر من عشر سنين مع افراد اسرته لا يجدون ما يسدون به رمقهم، وقد روى احد افراد عائلته انه كان يستيقظ قبل الفجر لاداء صلاة الليل ثم صلاة الفجر، وبعد ذلك يعد فطوره بنفسه, وهذا الفطور عبارة عن كسرة من الخبز اليابس, فإذا كانت لينة فانه يقربها من النار (لتيبس) وهذا كان خلال مرجعيته يوم كانت الاموال تجبى اليه بالملايين.
10 ـ الخطوة الكبرى التي قام بها باقامة صلاة الجمعة في مسجد الكوفة المعظم، حيث ان هذا المسجد المقدس قد اُهمل طوال قرون عديدة، وكما هو الارتكاز عند المتشرعة بأن الامام (ع) سوف يتخذ من الكوفة عاصمة له، ومن مسجدها ادارة شؤون العالم (باي شكل كان)، ولكن لم تتخذ خطوة مهمة عملية بصدد شد الامة بهذا المقر الرئاسي لمنقذ البشرية؛ والغريب ان الروايات حول فضائل مسجد الكوفة اكثر من ان يمكن ان اسردها بهذه العجالة، ومن خصوصياته انه كان مركز ادارة الخلافة الاسلامية لأمير المؤمنين (ع) ومع ذلك لم يُعط العناية اللازمة به، الى ان اصبح اليوم عند اهل العراق من اقدس بقاع الارض بعد احياءه من قبل الصدر وانصاره، لذلك ستبقى الاجيال في هذا البلد مشدودة بعنف الى هذا المسجد، وهذه العلاقة العالية سيكون لها اثر قوي عند ظهور الامام (ع) ودخوله الى هذا المسجد.
ومن الأمور التي قلما يُلتفت اليها ان قدسية هذا المسجد تأسست على يد أميرالمؤمنين (ع) وكان يتواجد فيه اغلب اوقات يومه، وعندما يظهر الامام المهدي(ع) سوف يفعل كما فعل جده (ع) بخصوص هذا المسجد، وعليه فان أمير المؤمنين (ع) الاول, بل الوحيد في تأريخ الاسلام الذي اتخذ الكوفة عاصمة له، ولم ُتتخذ بعد ذلك، الا ان الامام المهدي (ع) سوف يكون الثاني في هذا الاتجاه فيتخذ الكوفة عاصمة له أيضا.
وهذا المقدار يكفي، فاني لو اردت إستقصاء هذه الموارد لتطلب مني مجلدا كاملا حقيقة لا مجازاً او اكثر من مجلد.
ونتيجة الكلام ان مرجعية السيد الصدر واحداث العقد الاخير من القرن الماضي تشكل (واقولها واتحمل مسئوليتها امام الله تعالى) احدى الحلقات المهمة في سلسلة الغيبة الكبرى, والتي لها دور اساسي في التمهيد للظهور، فكما سوف نرى ان الأُمة لن تستغرب ولن يكون شيئا جديدا عليها اذا قيل للامام (ع) (ارجع يا بن فاطمة من حيث جئت) فقد رأت الأُمة مثالا مصغراً لذلك ، ولن تستغرب الامة (اذا خرج من هذا الأمر من ُيعد فيها كأبي ذر وعمار) فإذا قتل الإمام (ع) مجموعة من رجال الدين فان ذلك سيكون أمراً طبيعياً للغالبية في المجتمع نظراً للفساد الذي يأتون به، ومواجهة الإمام (ع) بإسم الدين كما تمت مواجهة الصدر بإسم الدين. ولن يكون غريباً كذلك آن يكون عدد من اصحاب الإمام (ع) ممن يعد في السابق من المنحرفين او السوقة، فقد رأت ذلك جلياً في مرجعية السيد الصدر حيث كان انصاره من عامة الناس واغلبهم لم يكن متديناً أساساً، ورأت الناس زهد السيد الصدر ومبادئه وعلمه وشجاعته وتقواه، فهي بالتأكيد سوف تعرف الإمام المهدي(ع) لأن الصدر بالغاً مابلغ فهو لا يوازي الإمام المهدي (ع) ولا بمقدار واحد إلى المليون ولا كل أهل الارض.

















([1]) وهذا لايعني سكوته المطلق, بل كان يلقي دروسه الأخلاقية اثناء تدريسه لعدد من تلامذته، ومنها شجبه لمسلك الحوزة التقليدية، وأنها سوف تكون أول من يقاتل الإمام عند ظهوره. حدثني بذلك أحد الذين تتلمذوا على يديه وعلى يدي أستاذه الصدر في مدينة قم.

([2]) سورة هود ـ آية 11.

([3]) هو محمد سعيد الحكيم .

([4]) ومن هؤلاء الذين منعوا من إقامة صلاة الجمعة علي السيستاني ومحمد سعيد الحكيم وغيرهم من زعماء الحوزة الساكتة.

([5]) ونفس هذه الكلمات كررها الشيخ باقر الايرواني عندما كان يلقي محاضراته في حسينية النجف الأشرف في مدينة قم, في شعبان سنة 1422. وقد قالها هذا الشيخ على نحو السخرية بالسيد الصدر ( وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون).

([6]) وكان هذا الكلام منذ الستينات, لذلك شن عليه أتباع هذا الحزب حملة عدائية, ولكن الحال تغيرت عندما إستشهد الصدر, إذ إدعوا بأنه قريب منهم, وأنه على علاقة معهم, والحال أن الصدر كان كثيراً مايقول: أنا لاأحسن الظن بحزب الدعوة. ويقول: انا لا اثق بحزب الدعوة.

([7]) سنوات المحنة وايام الحصار ـ ص 107.

([8]) الجمعة رقم ـ 45.

([9]) المحجة ـ البحراني ـ ص 170.

([10]) موسوعة أحاديث أمير المؤمنين (ع) ـ الجزء الأول ـ ص 266.

([11]) الجمعة رقم 31.

([12]) الجمعة رقم 11.

([13]) الجمعة رقم 7.

([14]) الجمعة رقم ـ 1.

([15]) الجمعة رقم ـ 7.

([16]) الجمعة رقم ـ 2.

([17]) الجمعة ـ رقم ـ 12.