ما وراء الفقه السيد محمد محمد صادق الصدر (( قده)) 

الجزء الأول‏ 

كلمة الناشر 

(بسم الله الرحمن الرحيم)

 

 و له الملك نحمد الله تعالى و نشكره إن أنعم علينا بأن جعل مدينتنا هي «النجف الأشرف» و قد عشنا فيها بين مراجع التقليد و كبار العلماء.

و الحقيقة- كما قال الشيخ محمد رضا آل ياسين (قدس سره) فيها- ضمن حديثه مع المسؤولين في سنة 1947: إن مدينة النجف التي يحيط بها السور بكاملها هي مدرسة، و إذا كانت هناك محلات للباعة، و حمامات و مرافق، و ما إلى ذلك، فإنها لغرض خدمة هذه المدرسة، و لا بد من وجودها.

و لا أنسى العلامة الحجة السيد محمد صادق الصدر (قدس الله روحه) حين كان يمر علينا في السوق الكبير و هو يمسك بيده صبياً، هو ولده الوحيد السيد محمد (حفظه الله) الذي عشنا معه طالب علم معدود من أهل الفضل، و ما زال في تطور مستمر و طموحات لا تنتهي، و قد ألّف فأبدع في مؤلفاته الأربعة عن الإمام المنتظر (عج)، و منذ سنتين، و فيما كانت الحالة السّيئة تلف لبنان، أتحفنا بكتابه الجديد (ما وراء الفقه) هذا الكتاب المدهش الذي نأمل أن يحظى بتقدير أعاظم العلماء في العالم الإسلامي (و هو الآن بين يديك).

و ليس ذلك بجديد على هذه الأسرة العربية التي خدمت العلم، و أغنت المكتبة الإسلامية بالمؤلفات النافعة.

إننا نقدم له التهاني سائلين الله تعالى أن ينفعنا و إياه في يوم لا ينفع مال و لا بنون.

 

 

جعفر هادي الدجيلى

الجمعة 6 ربيع الأول 1413 ه 4 أيلول 1992 م‏

 

ما وراء الفقه، ج‏1، ص: 6

بسم الله الرحمن الرحيم

( فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ.)

صدق الله العلي العظيم‏

ما وراء الفقه، ج‏1، ص: 7

المقدمة

هذا الكتاب يتعرض لما وراء الفقه، لا للفقه نفسه، فإنَّ للفقه، كسائر العلوم، ارتباطات بعلوم عديدة و معلومات كثيرة، خارجة عن صيغته الأساسية. و هذه هي المادة الخام لهذا الكتاب.

و ليس الفقه وحده هكذا، بل كلّ العلوم تقريباً بل تحديداً هكذا.

تفترق في بعض الحقول، و تلتقي في حقول أُخرى. و يكون مورد التقائها أساسياً في أحد العلمين، و ثانوياً بالنسبة إلى العلم الآخر. فعلم الفلك و الفيزياء يلتقيان، و كذلك الفيزياء و الكيمياء، و كذلك الطبّ و الصيدلة، و كذلك علم النفس و علم الاجتماع، و كذلك الرياضيات بكلِّ تلك العلوم.

و كذلك الهندسة بعدد من تلك العلوم و هكذا.

و كذلك بالنسبة إلى العلوم الإِنسانية فإنَّ المنطق يلتقي بالفلسفة، و الفلسفة بالعرفان، و يلتقي الفقه بالعربية، و يلتقي علم الأصول بالمنطق و بالفلسفة، و يلتقي علم النحو بعلم اللغة، إلى غير ذلك كثير.

و إذا بحثنا في الفلسفة كان تعرّضنا للمسائل المنطقية مثلا أو النَّحويَّة جانبيّاً أو ثانويّاً. و إِذا بحثنا في الفيزياء كان تعرّضنا للفلك أو الكيمياء جانبيّاً نسبيّاً و هكذا.

إذن فبمقدار ما يتعرّض المختصُّون في علم معيَّن إلى حقول و مسائل العلوم الأُخرى، يكون تعرّضهم هذا ممَّا وراء ذلك العلم، يعني كأَنه بمنزلة المبحث الجانبي أو الثانوي فيه. و هذا لا يقتضي التقليل من أهميته‏

 

ما وراء الفقه، ج‏1، ص: 8

 

على الإِطلاق. و إِنما يعني أَنَّ لكلِّ علم سيراً معيَّناً خاصّاً به، و حقولا تقليديَّةً تخصّه. فإِن التفت الباحث فيه إلى أيِّ جانب- أعني أي علم أو ثقافة أخرى- كان هذا بمنزلة الخروج عن الصّلب الأَساسيّ للبحث في ذلك العلم.

ومن هنا أمكن أن نصطلح عليه أَنَّه ما وراء ذلك العلم.

و هذا ليس شيئاً ذا أهمية واقعية. و إِنما هو مبرِّر لتسمية هذا الكتاب بالشكل المجازي الملطف.

و علم الفقه، و هو العلم الذي يتكفّل بيان الأَحكام في الشريعة الإِسلامية، و الاستدلال عليها، يعتبر مسيره الأَساس هو ذلك، أعني ذكر المسألة أو الفرض، ثم محاولة الاستدلال عليه بالكتاب و السنة، بما فيها القواعد الفقهية و الأصولية، المستنتجة من ذينك المصدرين نفسيهما.

و الكتب الاستدلالية في الفقه كثيرة، ليس كتابنا هذا منها، و إن صادف أن مارسنا الاستدلال فيه في فصول عديدة، إمعاناً في إيضاح الفكرة، الا أنَّ الهدف الأساسي منه ليس هو ذلك. و إنما الهدف الأساسي منه هو التعرّض إلى ما سمَّيناه ما وراء الفقه، و هي العلوم و المعلومات التي تدخل في عدد من مسائله ممَّا هي ليست فقهية بطبيعتها. و إنَّما تندرج في علوم أو حقول خارجة عن الفقه. و التي قلنا قبل قليل إنَّها- مجازاً- جانبية و ثانوية في الفقه، لأنَّها تتضمَّن التفاتاً من داخل الفقه أو صُلب العلم إلى ما هو خارج عنه.

و الفقه له ارتباط بهذا المعنى بمعلومات لا تُعد و لا تُحصى. لا يستطيع هذا الكتاب، و لا ما هو أوسع منه الإِحاطة بها، بل قد لا يمكن للطاقة الفردية البشرية ذلك.

و بالرغم من أن فصول الكتاب واضحة في هذا الارتباط، بالفلسفة، و اللغة، و النحو، و المنطق، و الفلك، و الفيزياء، و الكيمياء، و الطب، و علم النفس، و علم الاجتماع، و الرياضيات، و غيرها من العلوم، و كثير من المعلومات العامة التي لا حصر لها. الا أننا مع ذلك يحسن بنا إيجاز بعض الأَمثلة:

اولا: ارتباط الفقه بالفلك من عدّة زوايا منها: ضبط الأشهر بحركات القمر، و ضبط أوقات الصلاة بحركات الشمس.

ما وراء الفقه، ج‏1، ص: 9

 

ثانياً: ارتباط الفقه بالجغرافيا من زاوية اتِّجاه القبلة، و موارد أخرى أيضاً.

ثالثاً: ارتباط الفقه باللغة من زاوية فهم المفردات اللغويَّة الواردة في الكتاب و السنة.

رابعاً: ارتباط الفقه بالاقتصاد من ناحية تعرّضه للمعاملات كافة بشكل مفصَّل و مطوَّل.

خامساً: ارتباط الفقه بالأمور المالية، من حيث مباحث الخمس، و الزكاة، و الصرف، و تبادل العملات.

سادساً: ارتباط الفقه بالكيمياء، من زاوية تحريم الكحول كشي‏ء رئيسي، و موارد أخرى.

سابعاً: ارتباط الفقه بالرياضيات في موارد عديدة من أوضحها: كتاب الإرث في إشكال تقسيم الثروة.

ثامناً: ارتباط الفقه بالمنطق من زاوية الالتفات إلى صحة البراهين و الاستدلالات و فسادها هناك،و هو أمر مفروض ضمناً في كثير من الأحيان.

تاسعاً: ارتباط الفقه بالعرفان من زاوية فهم الطهارة المعنوية، و القربة المعنوية المشروطة في العبادات، و فهم ما ورد من أنَّ الصلاة معراج المؤمن.

إلى غير ذلك كثير.

عاشراً: ارتباط الفقه بالنحو من ناحية تشخيص بعض المقاصد المتوقِّفة على طريقة الإِعراب في الكتاب أو السنة.

حادي عشر: ارتباط الفقه بالطبّ من عدَّة نواحٍ، منها ما هو مربوط بالعادة الشهرية و تشخيص الوفاة.

ثاني عشر: ارتباط الفقه بعلم الاجتماع من عدَّة زوايا، منها:

الاجتهاد، و التقليد، و القضاء، و تحريم الاحتكار، و غيرها ممَّا هو مؤثِّر فعلا على المجتمعات.

ثالث عشر: ارتباط الفقه بالتفسير من زاوية آيات الأَحكام، و هي‏

 

ما وراء الفقه، ج‏1، ص: 10

 

الآيات المتكفلة ببيان الأَحكام الشرعيَّة، بالإضافة لارتباطات أخرى بالتفسير أيضاً.

رابع عشر: ارتباط الفقه بعلم دراية الحديث من حيث تشخيص المعتبر من غير المعتبر من الروايات، و تقسيمها إلى صحيح، و موثّق، و حسن، و ضعيف، و مرسل، و مرفوع، و غير ذلك.

خامس عشر: ارتباط الفقه بالفلسفة، يتَّضح عند الحديث عن السحر أو التنجيم أو الموت و غير ذلك.

و أمَّا ارتباطه بالكتاب الكريم نفسه، و السنة الشريفة، و علم أصول الفقه، فهو ارتباط عضويّ لا ينفك، إذ لا فقه من دون هذه الثلاثة على الإطلاق. إلى غير ذلك كثير، ممَّا يتَّضح كثير منها من فصول هذا الكتاب، و قد لا يتّضح بعضها أيضاً، كما سنقول الآن.

فإنَّ المعلومات (الثانوية) في الفقه عديدة جدّاً فوق الإحصاء، الا أنَّ الذي ينبغي التعرّض له في هذا الكتاب، هو ما كان له درجة من الأهمية و التوسّع و التركيز، أمَّا المعلومات المختصرة التي لا يعدو الحديث عنها عدَّة أسطر أو لا يزيد على الصفحة، فهذا ممَّا يصعب التعرّض له. لأنه كثير و في نفس الوقت يسير.

و مهما يكن من أمر فقد أصبحت فصول هذا الكتاب فصول اختياريّة حسب ما خطر في الذهن من الاحتياج إلى التعرّض له. و قد يكون في الفقه أمور أخرى و معلومات قد تكون أهم ممَّا تمَّ التعرّض له، الا أننا حاولنا الاستيعاب على أي حال.

ولكن الغفلة و النسيان محتملة على كلِّ حال.

و قد تعرّضنا على الخصوص للقواعد الفقهية التي يمكن التحدّث عنها بشي‏ء من التفصيل. سواء في العبادات كقاعدة الإمكان في الحيض، أو في المعاملات، كالفرق بين الحق و الحكم، و قاعدة اليد و غيرها. لأنَّ هذه القواعد مهملة عن الاندراج في أي علم. فإنَّ الفقهاء لا يتعرضون لها لا في علم الأصول و لا في الفقه، باعتبار أنها لا تشكل جزءاً من أيٍّ منهما، و لا دخلت أساساً في موضوعاتهما. و من هنا كان الأنسب بكل تأكيد أن تكون ممَّا وراء الفقه. و لكن قد تكون القاعدة واضحة فقهيّاً، بحيث لا يمكن الحديث

ما وراء الفقه، ج‏1، ص: 11

 

عنها كثيراً، بل يكفي في إثباتها الكلام القليل، كقاعدة الطهارة. أو تكون القاعدة أصولية كاستصحاب العدم الأزلي، أو قاعدة التخيير عند دوران الأمر بين المحذورين. فقد تركنا التعرّض لها في هذا الكتاب. و الا لزم التعرّض لكلِّ تلك العلوم في هذا الكتاب. و إنَّما نتعرض من زاوية ارتباطها بالفقه فقط.

و بالرغم من أنه قد يخطر في بال البعض أنه ينبغي تغيير أبواب الفقه و كتابته بأسلوب آخر نسبيّاً. الا أننا سرنا في هذا الكتاب على الطريقة التقليدية، و إذا كانت تلك الفكرة صحيحة فهي موكولة إلى كتاب آخر يكتبه من يشاء الله تعالى من عباده.

إذن، فهذا الكتاب مقسَّم كتقسيم كتاب شرائع الإسلام للمحقِّق الحلي تقريباً، ما لم توجد ضرورة تمتّ إلى موضوع الكتاب بصلة تدعو إلى التغيير.

و كتاب الشرائع هذا يقسِّم الفقه إلى (كتب). فبدلا أن يسمِّيها فصولا أو أبواباً يقول: كتاب الطهارة، كتاب الصلاة، و هكذا إلى آخر الفقه و نحن جرينا على هذا، و فحصنا في كلِّ واحد من هذه الكتب عمَّا يناسب موضوع هذا الكتاب ممَّا هو وراء الفقه، و ارتباطاته الخارجية، أو المفاهيم الرئيسية التي تحتاج إلى تحديد، أو القواعد الفقهيّة. و من هنا صار الأمر اختياريّاً، كما قلنا، إذ ليس للأمر قاعدة معينة يمكن السير عليها و العصمة لأهلها.

فإن وجدنا بعد ذلك بعض الموضوعات التي يمكن أن تندرج في موضوع الكتاب، أمكن جعلها في طبعه ثانية، أو في مستدرك له.

و بالنسبة إلى بعض الكتب الفقهية تجدها حافلة بهذه الأمور التي تناسب هذا الكتاب، فتتعدد فصول الحديث فيه. و في بعضها تقل هذه المعلومات و قد تنعدم فلا يوجد أحياناً في الكتاب الواحد الا فصل واحد.

و قد حاولنا أن لا نجد كتاباً الا ذكرناه، و لو بشي‏ء بسيط من العلاقة، حتى يكون كتابنا هذا مستوعباً قدر الإمكان لكلّ كتب الفقه.

و قد عقدنا لكل موضوع فصلا. غير أنه لا يخلو من أهمية للقارئ أن يعرف ارتباط هذا الفصل أو ذاك بأيّ مسألة معينة من مسائل هذا الكتاب ممّن كتب الفقه أو ذاك. و هذا في الأعم الأغلب يتَّضح من عنوان الفصل نفسه‏

 

ما وراء الفقه، ج‏1، ص: 12

 

و موضعه في كتاب معين فقهيّ.

أمَّا ما لم يتيسر فيه ذلك، فلم نجد ضرورة للإشارة إليه، لأن ذلك حديث فقهيّ ليس له بكتابنا هذا مزيد صلة، و فهمه موكول إلى من له اطِّلاع فقهيّ كاف سلفاً قبل أن يقرأ هذا الكتاب.

و لم تحتج الفصول في داخل أي كتاب من كتب الفقه إلى ترقيم. بل اكتفينا بالعنوان: فصل. فصل. لعدّة اعتبارات أهمها:

اولا: عدم ترابط موضوعات الفصول ترابطاً جوهريّاً. بمعنى كون حديثها عن شي‏ء واحد، أو يتوقف فهم بعضها على فهم بعض. كلا. بل يعتبر كلّ فصل بحثاً برأسه ليس له الا الارتباط الموضوعي أو قلّ: العنواني بالفصل الآخر و بالكتاب الفقهي الذي هو فيه، و بالفقه على العموم، من دون زيادة على هذا المقدار الا ما ندر.

ثانياً: إنَّ عدداً من كتب الفقه، ليس لها سهم في هذا الكتاب أكثر من فصل واحد، و في مثل ذلك يكون ترقيمه: الفصل الأول. نشازاً، لأنه الفصل الوحيد، و عدم ترقيمه مع وجود الترقيم في غيره نشاز أيضاً. فكان ترك الترقيم على الإطلاق هو الأولى.

و أمَّا من حيث لغة الكتاب، أعني اقترابها من المصطلحات الفقهية، و الأسلوب الفقهي و ابتعادها عنه، فالشي‏ء الأساسي هو أنّ الكتاب مسطور لأجل الثقافة الفقهية. و معناها أنه يجب عليه و على مؤلفه تبسيط العبارة نسبيّاً لتصل هذه الثقافة و المعرفة إلى أكبر عدد من القرَّاء الكرام. و هذا ما هو ملتزم به فعلا بشكل عام.

الا أننا في بعض الأحيان، و هي أحيان عديدة، وجدنا من المصلحة التحدّث بلغة الفقه تماماً، من أجل رد بعض الاستدلالات التي وجدنا بها بعض النقائص أو الإشكالات أو غير ذلك من الأهداف.

و قد يستوعب هذا النهج الفصل كلّه، و خاصَّة عند الحديث عن القواعد الفقهية، كقاعدة التجاوز، أو قاعدة الفراغ، أو قاعدة الإمكان في الحيض، أو قاعدة اليد و غيرها. و عندئذ يحتاج القاري إلى ثقافة فقهية مسبقة، أكثر ممَّا يحتاجه في المستوي العام للكتاب. بل قد يحتاج أحياناً إلى فهم كاف لعلم الأصول ليعرف معنى الاستصحاب و الإطلاق و التقييد و الترتّب و غيرها كثير.

و مهما يكن من أمر فقد أشرنا خلال مطاوي هذه المقدمة، إلى أن‏

 

ما وراء الفقه، ج‏1، ص: 13

 

التصدي لمجموع الموضوعات المخطّطة لهذا الكتاب أكثر و أكبر من القدرة البشرية الفردية. و لكن هذا لا يعني الترك بعد إمكان كثير من تلك الموضوعات بعون الله سبحانه.

و من هنا كان الأمر، بالإضافة إلى كونه متعباً و مطولا. في البحث عن مصادره و غير ذلك، محدوداً بالقدرة الفرديّة، حيث لا يوجد معاون و كفيل الا الله عزّ و جلّ، و أكرم به كفيلا و وكيلا.

و نقطة القوة في ذلك هو أنه سيكون سبباً لعذر المؤلف إن وجد في الكتاب خطأ في بعض المعلومات الخارجة عن الفقه، و سابقاً قال الشاعر:

         على المرء أن يسعى بمقدار جهده             و ليس عليه أن يكون موفَّقاً

 

 و قد وجدنا أن بعض الأمور منعدمة المصادر تماماً، و يحضرني مثالا:

هو الحديث عن كيفية الليل و النهار في الدائرتين القطبيتين، و بعض الأمور ممَّا لا تتعرض له المصادر بالاستيفاء الذي نتوقعه و نحتاجه، و بعض المصادر فيها كلام كثير خارج عن الصدد. و هكذا، و من هنا كان اللازم بذل الجهد من جميع الجهات، عسى الله أن يتدارك هذا الضعيف الذليل بقدرته و عزَّته، و يتقبَّل عمله بأحسن القبول إنه ولي كلّ توفيق.

و لنا في نهاية هذه المقدمة الملاحظة باختصار بعدة أمور:

الأمر الأول: إنَّ هذه البحوث ممَّا تقل فيها المصادر لدى المؤلف.

و من هذه الناحية فقد يرى القاري الكريم أنَّ عدداً من الآيات أو الأخبار، أو الأقوال لم يتم التحويل على مصدره في الهامش اكتفاءً بالوثاقة الشخصية، كما كان عليه ديدن المؤلفين في العصور السابقة. و هو أمر مشروع في ذاته، و قد اتَّبعناه أحياناً لقلة المصادر.

الأمر الثاني: اتَّضح ممَّا سبق أنَّ هذا الكتاب ليس فقهيّاً بالمباشرة، لأنه استهدف الأمور الأخرى التي تعتبر ممَّا وراء الفقه. و معه لم يكن من الضروري التعمّق بالبحث الفقهي الاستدلالي. بل يكفي إعطاء صورة مبسَّطة عنه للقارئ. فإنَّ هذا البحث لم يكتب للاستدلال و لا للمستدلين ليخطر في ذهن القاري قلّة الاستدلال أو ضحالته أحياناً. بعد أن علمنا أن هدف الكتاب ليس هو ذلك.

 

ما وراء الفقه، ج‏1، ص: 14

 

الأمر الثالث: إنَّ أسلوب الكتاب مبني على إيضاح الأفكار للقارئ و لو ضمناً، لا بالمباشرة على وجه الخصوص. بل قد يكون بالمباشرة. كما لو كان الحديث تحت عنوان معين يبحثه من أهم جوانبه فيكون حديثاً عن العنوان مباشرة. و قد يكون الحديث عن الشي‏ء ضمنياً أو عرضيّاً. و مع ذلك فهو يعطى بعض الإيضاح.

و هذا يكفي في نظر المؤلف، بحيث يخرج القاري بحصيلة كافية عن هذا المفهوم، أو هذا الحكم الفقهي، أو ذاك من خلال مجموع الفصل.

و آخر دعوانا أن الحمد للَّه رب العالمين، و صلَّى الله على خير خلقه و أشرف أنبيائه و آله الطيبين الطاهرين.

 

عيد الأضحى 1409 ه.

 

محمد محمد صادق‏

عودة