ما وراء الفقه السيد محمد محمد صادق الصدر (( قده)) 

الجزء الثاني

كتاب الزكاة

1 ::2 

فصل
في شكل استحقاق الزكاة

وجوب الزكاة من ضروريات الدين الاسلامي، ويجب صرفها الى مستحقيها الذين يسودهم الفقر والحاجة.
والمهم الآن ان نتسآل: ما هو الشكل القانوني او الفقهي لاستحقاق الزكاة في الاموال الزكوية. فلو تم النصاب ووجب الاخراج، فعلى أي وجه يملك المستحق جزءا من هذا النصاب؟
اختلف الفقهاء في ذلك على عدة وجوه، والمسألة ليست باليسيرة فقهيا الى حد يعتبر تخريجها الدقيق دليلا على فقاهة المستدل.
والوجوه الرئيسية المحتملة ابتداء ستة وجوه، لابد من ذكرها وشرح معناها وذكر بعض القائلين بها ان وجد، والاستدلال المحتمل لكل منها. ثم النصير بعد ذلك الى الوجه الصحيح. وهذا هو منهج هذا الفصل.
الوجوه المحتملة:
الوجه الاول: انه مال متعلق بالذمة، حاله حال الدين والقرض. غيران القائل به مجهول وقيل انه: شاذ( ) .
الوجه الثاني: انه حق متعلق بالعين على وجه الكلي في المعين، كما اختاره صاحب العروة( ) .
ومثاله ما لو كان للفرد كمية كبيرة من الحنطة او السكر وباع منها كيلو غراما او عشر كيلوات مثلا. ويملك المشتري في هذه الكمية هذا المقدار في هذا المجموع من المال بنحو (الكلي في المعين) فقد يكون حق المستحق للزكاة في المال الزكوي هو ذلك.
الوجه الثالث: انه على وجه الشركة المشاعة كما عليه صاحب الجواهر وآخرون. ونقل عن مفتاح الكرامة قوله: انه لا يحتمل غيره( ) .
ومثاله: اشتراك شخصين في ملكية شيء واحد. كما لو دفع كل منهما نصف قيمته، واشترياه وتسمى فقهيا ايضا: الشركة في العين.
الوجه الرابع: الشركة في المالية. كما عليه سيدنا الاستاذ( ) وتفترق عن سابقتها: بدعوى ان العين لشخص معين واحد، هو صاحب النصاب الاصلي. والفقير او المستحق ليس مشاركا في العين وانما هو مشارك في المالية بمعنى انه يستحق قسطا او جزءا من مالية او قيمة النصاب.
والمثال الذي يحضرني له في الفقه: ان يقترض شخص من آخر ويشترط المقترض ان يدفع الدين من مال معين، فقد يقال: انه بنحو الشركة في المالية، اذ العين ما لم تدفع تبقى ملك المقرض بلا اشكال، الا ان هذا الشرط يجعل المقترض شريكا في المالية من مجموع ذلك المال، والمهم مجرد ايضاح الفكرة من المثال.
الوجه الخامس: ان المستحق له حق في الزكاة كحق الرهانة، وحق الرهن متوفر فقهيا، اذ يقترض فرد من آخر، ويشترط المقرض وجود مال عنده من اموال المقترض، بحيث يكون وثيقة على الدين. فلو لم يتمكن المقترض من الدفع عند حلول الاجل او ابى ذلك عصيانا، امكن للمقرض بيع المال الذي عنده واخذ كمية الدين منه واذا كان مساوياً للدين او اقل منه امكنه اخذها وامتلاكها بنفسها.
فكذلك قد يقال في حق الزكاة. وقد قال به بعض المتأخرين.
الوجه السادس: ان يكون الاستحقاق بنحو حق الجنابة. ويراد به تنظير الزكاة بالعبد الجاني، حيث يملك المجني عليه منه بمقدار الدية. وهو المسمى بحق الجنابة.
الا ان كون حق الجنابة ليس راجعا الى احد الوجوه المتقدمة كالاشاعة في العين او الكلي في المعين محل اشكال وسيأتي ما يفيد فيه. ولا اعرف له قائلا، الا انه احتمال فقهي على أي حال. الى وجوه اخرى قد تتحصل فيما يلي.
ادلة الوجه الاول: وهو التعلق بالذمة:
ويمكن الاستدلال عليه باحد اسلوبين:
الاسلوب الاول: التمسك بالادلة القارنة لوجوبها بوجوب الصلاة وهو ليس على وجه من الوجوه الخمسة المتأخرة بطبيعة الحال، لانه ليس حقاً مالياً، فيتعين الاول.
منها: صحيحة عبد الله بن سنان( ) قال: قال ابو عبد الله عليه السلام: لما نزلت اية الزكاة: خذ من اموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها، في شهر رمضان، فامر رسول الله (ص) مناديه، فنادى الناس: ان الله تبارك وتعالى قد فرض عليكم الزكاة كما فرض عليكم الصلاة، الحديث.
وصحيحة الفضلاء الاربعة( ) عن ابي جعفر وابي عبد الله عليهما السلام، قالا: فرض الله عز وجل الزكاة مع الصلاة في الاموال، الحديث.
الا ان هذا بمجرده لا يتم لان المقصود في هذا اللسان التنظير في الوجوب وليس لها تعرض الى شكل ملكية الزكاة.
على ان شكل تعلق الحكم التكليفي في الذمة، يختلف عن شكل تعلق المال او المالية الذي هو مؤدى الزكاة. فالمقصود بهذا اللسان هو اشتغال الذمة بحكم الزكاة تكليفاً، كما اشتغلت بحكم الصلاة. واما شكل اشتغال الذمة بالزكاة بصفتها مالا، فهذا مما لا تعرض له في هذه الاخبار.
الاسلوب الثاني: التمسك بالادلة التي ورد فيها حرف الاستعلاء. على اعتبار ان العرف يرى الدين على ذمة المدين، فكذلك الزكاة تكون على ذمة المالك اذن فهي بمثابة الدين.
وهي اخبار عديدة يمكن تقسيمها الى قسمين رئيسيين:
احدهما: ان يكون مدخول الحرف هو المكلف. كخبر ابي حمزة( ) عن ابي جعفر عليه السلام قال: سألته عن الزكاة تجب علّي في مواضع لا يمكنني ان اؤديها. قال: اعز لها……الحديث.
وموثقة سماعة( ) قال: سألته عن الرجل له الدين على الناس. تجب فيه الزكاة؟ قال: ليس عليه فيه زكاة حتى يقبضه، الحديث.
ثانيهما: ان يكون مدخول الحرف هو المال الزكوي.
كرواية الفضل بن شاذان( ) عن الرضا عليه السلام: قال: والزكاة على تسعة اشياء.
وفي صحيحة الفضلاء الاربعة( ) عن ابي جعفر وابي عبد الله عليهما السلام قالا: ليس على العوامل من الابل والبقر شيء، انما الصدقات على السائمة الراعية.
وينبغي ان يكون الاستدلال بالقسم الاول، لان الثاني على خلاف المقصود ادل، لان كون الزكاة على المال، يقتضي كونه شركة في العين ونحو ذلك وليس في الذمة. فتقريب: انه لا فرق في حرف الاستعلاء حيث ورد، فانه يكون دالا على اشتغال الذمة ليس بصحيح.
ولكن الاستدلال بالقسم الاول ايضا ليس بصحيح، اذ لا يتعين قصد اشتغال الذمة بالمال من حرف الاستعلاء، وانما قد يقصد به التكليف واشتغال الذمة بالوجوب، فانه من استعمالاته، يقال: عليك ان تصلي وعليك ان تصوم، كما يقال: عليك ان تدفع الجزية وعليك ان تدفع الدين. فاستعمال هذا الحرف في الامور المالية وغيرها سيان عرفا، الامر الذي يدل على ان الجامع في هذا الاستعمال ليس هو الجهة المالية، بل هو مطلق المسؤولية الشاملة للتكليف ايضا، ولا مضايقة في وجودها في الزكاة طبعا.
هذا، ويدل على نفي هذا الوجه، كل ما يأتي مما هو دال على الوجوه الآتية. مضافا الى ما سمعناه من انه قول شاذ وقائله غير معروف.
ادلة الوجه الثاني:
وكان هو دعوى ان استحقاق الفقير للزكاة على وجه الكلي في المعين. وقد استدل عليه في المستمسك بأدلة عديدة وناقشها. ولا يبعد ان جملة منها واضح الفساد. ومن هنا يمكن الاقتصار فيما يلي على اهمها مع تمحيصه، ضمن الاقسام التالية:
القسم الاول: الاخبار التي استعملت حرف الظرفية (في).
بدعوى دلالتها على الكلي في المعين، لان الملكية تكون ضمن المجموع ويكون المجموع ظرفاً للفريضة.
وهي اخبار عديدة، منها صحيحة الفضلاء الاربعة( ) عن ابي جعفر وابي عبد الله عليهما السلام قالا: في البقر في كل ثلاثين بقرة تبيع حوليّ وليس في اقل من ذلك شيء. فاذا بلغت اربعين ففيها بقرة مسنة. الحديث.
وبلسان آخر: صحيحة زرارة ومحمد بن مسلم( ) عن ابي عبد الله عليه السلام (في حديث) قال: ان الله عز وجل فرض للفقراء في مال الاغنياء ما يسعهم، ولو علم ان ذلك لا يسعهم لزادهم. الحديث.
الى غير ذلك من الاخبار الكثيرة.
واجاب على ذلك في المستمسك( ) : ان الظاهر من ملاحظة النصوص كون الظرف لغوا. وكون كلمة (في) متعلقة بفعل مقدر مثل يجب او فرض او نحو ذلك. فيكون مدخولها ظرفا لذلك الفعل، لا مستقرا متعلقا بكائن، كما قد يتوهم في بادئ النظر، ليكون مدخول (في) ظرفا للواجب والمفروض.
قال: ولذلك صرح بالفعل في جملة من النصوص، ففي صحيح زرارة( ): وجعل رسول الله (ص) الصدقة في كل شيء انبتت الارض. الحديث. الى اخر ما قال.
الا ان هذا لا يتم، لان الظاهر من كل نص لم يذكر فيه الفعل المتعلق به الجار والمجرور. الظاهر هو تقدير مستقر وكائن وليس مفروض وواجب. واما استفادة الفرض والوجوب فهو من سياق التشريع في الرواية.
الا ان كون المقدر هو ذلك لا يعني ارادة الكلي في المعين، لان المجموع وان كان ظرفا للمملوك……الا ان عددا من الوجوه الاخرى تصدق عليه هذه الظرفية كالشركة في العين وحق الجنابة ان لم تستوعب قيمة العبد وغيرها. فالاستدلال بهذا اللسان على هذا القسم بالتعيين بلا وجه.
واجاب ثانيا( ): بمعارضته بما ورد متضمنا لحرف الاستعلاء، وقد سمعنا نموذجا منه في ادلة الوجه الاول، واختار منها القسم الثاني الذي ذكرناه مما يدل على ان (الزكاة على كذا وكذا).
وقال: فان هذه النصوص ظاهرة جدا في كون الزكاة شيئا موضوعا على المال خارجا عنه كسائر الضرائب المجعولة في هذه الازمنة على الاملاك. اذ ليس المقصود جعل جزء من الملك ملكا للسلطان… الى اخر ما قال.
الا ان هذا غريب منه قدس سره، لان الزكاة ليست شيئاً قائما بحياله غير الحصة المدفوعة للمستحقين، فان الزكاة في الحقيقة هي تلك لا غيرها، والوجوب متعلق بها. فكونها شيئا موضوعا على المال خارجا عنه، امر غير مفهوم عرفاً.
ومن المتسالم عليه متشرعيا وفقهياً، الاستحقاق من نفس المال فيما يمكن فيه ذلك، يعين في غير الانصبة للخمسة الاولى للابل. فكونه قدس سره يسلم بكون الزكاة خارجة عن المال، غريب.
الا اننا عرفنا ان حرف الاستعلاء يفيد عرفا المسؤولية والتحمل في الذمة او العهدة، وليس هو للمالية كما عرفنا وانما هو للتكليف والوجوب.
و اجاب ثالثاً( ) : فانه لو سلم فلا مجال له في نصب الابل والبقر فان قولهم (ع): في كل خمس من الابل شاة يمتنع حمله على الظرفية للمخالفة في الجنس. والحمل على ارادة مقدار من النصاب يساوي الشاة بحسب القيمة يوجب كون الشاة ليست فريضة في الخمس من الابل ولا بنت المخاض فريضة في الست والعشرين، ودفعها دفع للبدل. وكذا الحال في بقية نصب الابل والبقر. وهو كما ترى مخالف لما يستفاد من النصوص ضرورة. الى اخر ما قال.
وهذا اشكال متين بغض النظر عن نقطة في كلامه ينبغي التنبيه عليها، وهي ان بنت المخاض التي هي فريضة الست والعشرين من الابل وليست من الغنم، كما ان فريضتي البقر معا هي من البقر وليست من الغنم. فينحصر الاشكال فقط، في الانصبة الخمسة الاولى من الابل والتي تكون فرائضها من الغنم.
وقد يجاب هذا الاشكال بالتفريق بين هذه الانصبة وغيرها في المحتوى النظري الفقهي. ويقال في غيرها بالكلي في المعين، وفيها بغيره، وهو كما ترى.
وعلى أي حال، فهذا الدليل لهذا الوجه غير تام.
القسم الثاني: صحيحة عبد الرحمن بن ابي عبد الله( )، قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام، رجل لم يزك ابله او شانه عامين فباعها على من اشتراها ان يزكيها لما مضى. قال: نعم، تؤخذ منه زكاتها ويتبع بها البائع او يؤدي زكاتها البائع.
وتقريب الاستدلال: ان هذه الصحيحة دالة على عدم ملكية المشتري لمقدار الفريضة، وهو يناسب مع كونها بنحو الكلي في المعين، الا ان هذا الاستدلال لا يتم.
اولا: لما قاله في المستمسك من ان الوجه في ذلك لا يتعين كونه الكلي في المعين، بل يمكن له وجوه اخرى كالاشاعة اعني الشركة في العين او حق الجنابة او الرهانة، واذا دخل الاحتمال بطل الاستدلال.
ثانياً: انها على خلاف المطلوب ادل وذلك لقوله عليه السلام: او يؤدي زكاتها البائع. فان الظاهر منه انه يؤدي نفس زكاتها لا بدله، ولو كان بنحو الكلي في المعين، كان بدلا عنه لا محالة.
القسم الثالث من ادلة هذا الوجه: خبر ابي حمزة عن ابيه( ) عن ابي جعفر عليه السلام: قال: سألته عن الزكاة تجب علّي في مواضع لا تمكنني ان اؤديها، قال: اعز لها. فان اتجرت بها، فانت لها ضامن ولها الربح، وان نويت في حال ما عزلتها من غير ان تشغلها في تجارة، فليس عليك شيء. فان لم تعزلها واتجرت بها في جملة مالك، فلها تقسيطها من الربح ولا وضيعة عليها.
وتقريب الاستدلال: ليس اكثر من كون الاحكام الواردة فيها تناسب الكلي في المعين.
وجوابه من وجوه:
اولا: ضعف سند الخبر، فانه رواية مرسلة مع عدم بناء الاصحاب على العمل به، كما قيل. لو قلنا بجبرانه.
ثانياً: انه كما يناسب الكلي في المعين يناسب غيره من الوجوه كالشركة في العين وحق الجنابة غير المستوعبة.
اذن فالكلي في المعين لا يمكن استفادته من الادلة.
ادلة الوجه الثالث:
وهو الشركة المشاعة او الشركة في العين.
وعن مفتاح الكرامة( ) ان: مقتضى الادلة الدالة على وجوب الزكاة في العين، وكلام القائلين بذلك –ما عدا المصنف في التذكرة – في غاية الظهور في الشركة، بل لا يحتمل غيرها.
واستدل له بادلة عديدة نذكر اهمها:
الدليل الاول: لسان: فيما سقت السماء العشر. اذ العشر ظاهر بالكسر المشاع. كصحيحة الحلبي( ) قال: قال ابو عبد الله عليه السلام في الصدقة فيما سقت السماء اذا كان سيحا او كان بعلا العشر. وما سقت السواني والدوالي او سقي بالقربه، فنصف العشر.
وغيرها من الاخبار.
وجواب ذلك من وجهين:
اولا: ما ذكره في المستمسك( ) من ان التعبير بالعشر ونصفه، لم يرد مثله في زكاة الانعام ولا في زكاة النقدين. وانما ورد فيها شاة وبنت لبون وبنت مخاض……وخمسة دراهم ونصف مثقال ونحو ذلك. والجميع ظاهر في غير الجزء المشاع.
والتصرف فيها بالحمل على الجزء المشاع ليس باولى من التصرف في العشر ونصفه بالحمل على المقدار. بل الثاني هو المتعين، لانه اقرب واسهل. كما هو ظاهر. اقول: ولا اقل من تساوي الاحتمالين اللذين يحتاج كل منهما الى كلفة وتصرف.
ثانياً: ان هذا لو تم في شيء من الانصبة، فلا يمكن اتمامه في الانصبة الخمس الاولى للابل، حيث يجب الدفع من نوع آخر.
التأويل بالاشتراك بالقيمة غير وارد.
1- انه خلاف الظاهر، كما هو ظاهر.
2- انه يجعل الكسر العشري قابلا للزيادة والنقصان، حسب قيمة الابل والشاة ولا يكون له اسم محدد عرفا. وكل ذلك خلاف الفهم العرفي.
كما ان التفكيك بين زكاة الغلات وغيرها. فتكون هي بنحو الاشاعة وغيرها بنحو آخر، غير ممكن.
1- انه لا يلتزم به القائل نفسه.
2- على خلاف ظهور الادلة وارتكاز المتشرعة على ان الزكاة موضوعة على نحو واحد. والا اقل من قوله تعالى (خذ من اموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها). وكذلك لسان: ان الزكاة في تسعة اشياء او على تسعة اشياء.
3- ان النحو الاخر في غير الغلات لا يكون متعيناً. فان كان المقصود هو الكلي في المعين فقد ناقشناه. وان كان له وجه اخر من الوجوه، فهو تابع لمناقشته بعون الله تعالى.
الدليل الثاني: صحيحة ابي المعزا( ) عن ابي عبد الله (ع) قال: ان الله تبارك وتعالى اشرك بين الاغنياء والفقراء في الاموال. فليس لهم ان يصرفوا الى غير شركائهم.
وهو نص بالشركة، وجوابه من وجهين:
اولا: يستفاد منه بوضوح كونه بصدد بيان الحكمة من تشريع الزكاة وليس بصدد بيان نحو تشريعها. واذا تم ذلك كان لفظ الشركة قاصرا عن اداء المعنى الفقهي.
ثانياً: ان الشركة كما تكون بنحو الاشاعة تكون بنحو آخر، كالكلي في المعين، فان المجموع ايضا لا يجوز صرفه الى الغير، والمهم في الشركة هو تعدد الحقوق في المال، فتأمل.
الدليل الثالث: صحيحة بريد بن معاوية( ) قال سمعت ابا عبد الله عليه السلام يقول (الحديث): وفيها محلان للاستدلال:
الاول: قوله: فاذا اتيت ماله فلا تدخله الا باذنه فان اكثره له. وهو يناسب مع شركة الاشاعة.
الثاني: قوله: فاصدع المال صدعين ثم خيّره أي الصدعين شاء فايهما اختار فلا تعرض له…… ولا تزال كذلك حتى يبقى ما فيه وفاء لحق الله في ماله. فاذا بقى ذلك فاقبض حق الله منه.


قال في المستمسك( ) في وجهه: فان القسمة من لوازم الاشاعة اذ لو كان من قبيل الكلي في المعين لوجب على المصدق ان يأمر المالك بدفع ما يكون مصداقاً لكلي الفريضة، وليس له المشاحة على الخصوصيات، اذ جميعها للمالك، والفقير له الكلي لا غير.
اقول: اما عن الفقرة الاولى، فهي غير صحيحة، لانه كما يناسب مع الاشاعة، يناسب مع غيره كالكلي في المعين، فان المملوك فيه ليس هو مطلق الكلي بل الكلي المحدد في هذا المجموع المعين، فاستحقاق مالك الجزء يجعل مالك الباقي غير كامل التصرف في ماله. ومن هذه الجهة فليس كله له بنحو مطلق.
على ان الاستفادة من الرواية انما تكون بمفهوم الوصف، وليس بالدلالة المطابقية، وهو غير تام، اللهم الا ان يستفاد ان الامام عليه السلام بنفسه في مقام بيان المفهوم، فتأمل.
واما عن الفقرة الثانية فيمكن مناقشتها بعدة وجوه:
الوجه الاول: ما ذكره في المستمسك( ) من عدم كون القسمة من لوازم الاشاعة لا شرعا ولا عقلا.
اقول: الا ان المدعى ليس هو تلك الملازمات، وانما هو الملازمة الفقهية المتشرعية، وهي وان كانت موجودة، لانحصار الوجه فيه فقهيا، الا ان هذا هو اصطلاح فقهي متأخر لا يمكن فهمه من النصوص. ومعه فنفى الملازمتين العقلية والعرفية كاف في نفيه.
ثانياً: ما ذكره ايضاً من انه (ع) قال في ذيل الحديث: حتى يبقى ما فيه وفاء لحق الله في ماله قال وهو: ظاهر في ان الحق امر خارج عن المال متعلق به، لا انه جزء منه بنحو الاشاعة.
اقول: ان قرينته على نفي الاشاعة واضح للتعبير بالحق، والاشاعة لا تكون الا بالملك. وانما ظهوره في كونه خارجا عن المال فهو محل الاشكال، لانه يقول: ما فيه وفاء. فالحق موجود في المال لا خارج عنه.
ثالثاً: ان ما ذكر في الصحيحة من التقسيم غير واجب بالضرورة الفقهية، وانما هو امر راجح ارفاقا بالمالك لكي لا يفقد ما يرغب فيه من امواله. وهذا معناه ان دفع الزكاة بغير التقسيم ممكن. وهذا ما يعترف به القائلون بهذا الوجه. ومعه يعتذر المصير الى الاشاعة.
ادلة الوجه الرابع:
وهو الشركة في المالية:
وافضل ما يقال في الاستدلال عليها، انها الوجه الذي به نستطيع ان نفهم كل السنة الادلة، بشكل تندفع به الاشكات الواردة عليها، مما سبق ان سمعناه.
فمثلا: نفهم ذلك من الروايات التي استعملت حرف الظرفية، ولا يرد عليه ما اورد هناك من كون الظاهر منها انها متعلقة بفعل مقدر، مثل يجب او فرض. اذ ان الشركة في المالية نحو من الفرض والوجوب.
كما لا يرد عليه معارضته بما استعمل فيه حرف الاستعلاء. لان الشركة في المالية تكون على ذمة المكلف ايضا. وبه نفسر ما ورد فيه كلا الحرفين مستعملين كصحيحة زرارة( ) قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: هل في البغال شيء. قال: لا – الى ان قال – ليس على ما يعلق شيء انما الصدقة على السائمة المرسلة في مرجها عامها الذي يقتنيها فيه الرجل. فاما ما سوى ذلك فليس فيه شيء.
اذ يكون المؤدي الرئيسي لكلا الحرفين واحدا. وهو الشركة في المالية، اما حرف الظرفية فباعتبار ان العرف يرى كون المالية شيئا حاصلا في المال، وليس معزولا عنه ارتكازا. الى حد يمكن ان تحمل عليه بالحمل الشايع فيقال: الكتاب دينار واحد.
واما حرف الاستعلاء فباعتبار ان المملوك ليس هو العين بل المالية، فبلحاظ المغايرة بينهما يرى العرف ان المالية امر موضوع على المال من الخارج، يعني من المتسالم والتعارف الاجتماعي.
هذا اذا لاحظنا ان مدخول الحرف هو المال، كما هو احد القسمين اللذين اشرنا اليهما. واذا كان مدخول الحرف هو المكلف، وهو القسم الثاني فباعتبار: ان العرف لا يرى العين داخلة في الذمة بل المالية نفسها، فالمالية هي التي تكون محّمله على ذمة المكلف وعهدته. ومن هنا نفهم منه الشركة في المالية.
هذا…… وكذلك صحيحة عبد الرحمن السابقة، التي لم تكن دالة على وجه الكلي في المعين والتي يقول فيها: (تؤخذ منه زكاته ويتبع بها البائع او يؤدي زكاتها البائع).
وهو دال على ان الزكاة في المالية، والا لما انسجم مع كون نفسها مما يمكن ان تدفع على شكلين:
احدهما: ان ( يتبع بها البائع) يعني العين نفسها.
ثانيهما: (او يؤدي زكاتها البائع) يعني بالقيمة، وهو ظاهر بان القيمة هي نفس الزكاة وليست بدلا عنها. الامر الذي يدل على ان الجزء المستحق هو المالية، وان مالية النصاب متوزعة بين المالك والمستحق. وهو معنى الشركة في المالية.
وكذلك: لسان: فيما سقت السماء العشر، لما قلناه من ان الفهم العرفي يرى ان المالية امر موجود في العين وليس منفصلا عنها.
ولا يرد عليه ما اوردناه في وجه الشركة المشاعة من انه يلزم التفريق بين زكاة الغلات وغيرها، لاننا نفهم كلا القسمين من باب الشركة في المالية. فانه بالرغم من انه ورد في بيان الفريضة المدفوعة: بنت مخاض وبنت لبون وخمسة دراهم ونصف مثقال ونحوها. الا اننا لا نفهم من ذلك ملكية المستحق للعين بل للمالية هذه الاشياء.
فان قلت: ان الظاهر منها ذلك، قلنا: ان هذا يعني الشركة في العين الذي ناقشناه ودفعناه. وعندئذ تتعين الشركة في المالية. وكذلك صحيحة ابي المعزا: ان الله اشرك بين الاغنياء والفقراء بالاموال .وقد سبقت.
والشركة كما تكون في العين تكون في المالية. وهو يقول: (بالاموال) وهو في المالية اظهر، اذ لو كان يريد الاعيان لعبّر بذوات الاعيان، فتأمل.
وكذلك صحيحة بريد بن معاوية وفيها يقول: فاصدع المال صدعين……الى ان يقول: حتى يبقى ما فيه وفاء لحق الله في ماله. وحق الله في ماله ظاهر في المالية، اذ لو كان المراد العين لما صح التعبير عنها بالحق. واما (المال) فهو اوضح في المالية بطبيعة الحال. الامر الذي يعين كون المملوك للمستحق هو المالية، وهو معنى الشركة في المالية.
وما اورد عليه من ان تقسيم المال من لوازم الاشاعة في العين لا الشركة في المالية، غير وارد. لان كل قسم كما ينظر اليه عرفاً بصفته عيناً كذلك ينظر اليه بصفته مالا او له مالية، وحيث عرفنا ان النتيجة المطلوبة بعد التقسيم هو بقاء (حق الله في ماله) والذي استفدنا منه المالية، فيكون ذلك دليلا على ان التقسيم انما هو تقسيم للمالية لا للعين.
واما خبر ابي حمزة عن ابيه عن ابي جعفر السابق، والذي يقول فيه: فان لم تعزلها واتجرت بها – يعني الزكاة – في جملة مالك، فلها تقسيطها من الريح ولا وضيعة عليها.
فقد يقال: انها اظهر بالشركة في العين، لان العرف يرى ان التجارة انما تكون بالاعيان والربح انما يكون بها ومنها.
ولكنها على خلاف المقصود ادل لوضوح عدم انحفاظ الاعيان في التجارة، وانما التجارة في واقعها انما هي بالمالية دون العين، وانما تستعمل العين مقدمة للحصول على المالية. والربح انما هو زيادة في المالية. وكل ذلك ينتج الشركة في المالية.
ولو سلم فهو غير معتبر لارساله، كما سمعنا.
فهذا هو اقصى ما يمكن الاستدلال به على الشركة في المالية. وقد اطلنا فيه احتراما لسيدنا الاستاذ الذي يقول به، ولم نجد منه مصدرا يحتوي على استدلاله عليه.
الا ان هذا كله لا يتم الا ان يقال: ان هذا الرأي انما يتخذ للضرورة جمعا بين مجموع الادلة التي تبدو متنافية في مدلولاتها، ولو لزم من ذلك المصير الى التأويل غير العرفي لبعضها او لكثير منها.
وهذا قد يكون له وجه من المنطقية، لو كان هو الرأي المنحصر الذي يمكن فيه الجمع. واما اذا استكشفنا وجها اخر جامعاً، فلن يكون هذا اولى منه بالاستفادة على ان المطلوب هو الجمع بالفهم العرفي بين مجموع الادلة وليس هو التأويل في البعض والاهمال في البعض الاخر بمعنى ترك التعرض للمعارض.
ويمكن ان نذكر الاشكال في هذا الاستدلال ضمن النقاط التالية:
النقطة الاولى: ان الشركة في المالية لا تنسجم مع النصب الخمسة الاولى للابل، حيث تكون الفريضة فيها من غيرها. الا على تأويل ان الزكاة في الحقيقة هي ملكية الفقير لمالية قيمة الشاة المتحققة ضمن قيمة الابل.
الا انه خلاف الظاهر جدا، من حيث ان الظاهر ملكية المستحق للشاة نفسها او عينها وليس للمالية المتحققة ضمن قيمة الابل. فان تنزلنا قلنا بضمان مالية الشاة بشكل مستقل من مالية الابل بمعنى انها غير ملحوظة ضمنها الا على وجه البدلية لو حصلت.
وعلى أي حال، فهي شاة كلية وقيمتها الكلية ثابتة في ذمة المالك. لا تتعين الا بقبض المستحق.
وهذا ينتج جواز بيع النصاب كله، كما هو غير بعيد. ولا ينفيه غير خبر ابي حمزة غير المعتبر، فراجع.
النقطة الثانية: بالنسبة الى الاخبار التي استعمل فيها حرف الاستعلاء، لا يفهم منها الا الوجوب، لانه هو الذي يكون في الذمة والعهدة، وهذا في ما كان مدخوله المالك واضح.
وكذلك ما كان مدخوله المال، لان المال ملحوظ بما هو داخل في عهدة المالك وسيطرته، فما وجب عليه من الزكاة يكون في عهدته ايضا. وهذا واضح بناء على عدة اقوال يجمعها كون الزكاة من ضمن المال: كالشركة في العين والكلي في المعين وحتى الشركة في المالية. فلا يتعين كونه للشركة في المالية.
النقطة الثالثة: بالنسبة الى ما استعملت فيه حرف الظرفية. فكما ان مجموع المالية ظرف لجزئها، بمعنى من المعاني كذلك يناسب ذلك، مع الاقوال الاخرى، كما هو معلوم، فلا يتعين ذلك.
بل ينفيه ظهور اللفظ في العين كشاة وبنت لبون وحقة غير ذلك. الا ان تؤوّل بالمالية، وهو مخالف للظهور بلا اشكال.
النقطة الرابعة: ان ما زعمناه خلال عرضنا للدليل من ان ظاهر (المال) عرفا: المالية، غير صحيح عرفا، بل المال عندهم هو ذات الاعيان كالغنم والبقر والحنطة والشعير. ثم استعيرت منه المالية بمفهومها الخاص.
بل المالية كمفهوم بحياله غير ملحوظ بوضوح عرفا. وانما الملحوظ قيمة الاشياء التي تدفع بازاء معاوضاتها وهي وان كانت تمثل المالية الا ان المقصود بالمالية الاصطلاحية امر يختلف عن ذلك بمقدار مهم.
النقطة الخامسة: بالنسبة الى ما ورد في الغلات من العشر ونصف العشر. فان المفهوم عرفا منه هو عشر عين النصاب لا ماليته.
وما قلناه من العرف يرى المالية في عين المال وليس منفصلا عنه، وان كان صحيحا. الا انه فرع الفهم العرفي بتعلق الزكاة في المالية دون العين، وهو خلاف الظاهر.
مضافا الى ما ورد في الانعام والنقدين من تسمية الاعيان بذواتها دون الكسر العشري، فانها اظهر في العين، الا بتأويل المالية على وجه بعيد.
النقطة السادسة: بالنسبة لصحيحة بريد بن معاوية، فقوله فيها: حتى ما يبقى ما فيه وفاء لحق الله في ماله. لعله اظهر في العين لان معنى المال عرفا هو ذلك والحق هنا هو الاستحقاق، بمعنى تنفيذ طاعة الله سبحانه وتعالى فيه بايصاله الى مستحقه. وليس حقا بالمعنى الاصطلاحي لنحمله على المالية.
وقوله فيها: فان اكثره له، لا يناسب الشركة، لانه قال: فلا تدخله الا باذنه فان اكثره له. فالملحوظ الدخول بين الاعيان وليس المالية، فيكون ذلك قرينة على ان المراد باكثره العين لا المالية.
وكذلك صحيحة ابي المعزا بعد ان قلنا ان العرف يفهم من المال العين، فهو حين يقول: ان الله اشرك بين الاغنياء والفقراء بالاموال، يعني في اعيانها وليس في اقيامها، على انه حديث يتحدث عن الحكمة من جعل الزكاة، فلا يمكن فهمه على اساس فقهي، وبتعبير اخر: انه لا يكون بصدد البيان من الناحية الفقهية لنتمسك باطلاقه.
النقطة السابعة: المشهور جداً تعلق الزكاة بالعين، بل عن المصابيح انه يكاد يكون اجماعا. وعن التذكرة نسبته الى علمائنا، وعن المنتهى: انه مذهب علمائنا اجمع( ) .
وهذا المضمون كما يكون نافيا لان تكون الزكاة في الذمة، كذلك يمكن ان يكون نافيا لكون الزكاة في المالية لوضوح تغاير العين والمالية عند هؤلاء المجمعين، فيكون صرف الزكاة من العين الى المالية خروجا على هذا الاجماع او الشهرة المحققة.
اللهم الا ان يقال: انه ليس اجماعا تعبديا، بل هو معتمد على الاخبار، فلا يكون حجة.
ويمكن ان يجاب: ان هذا الكلام انما يصدق فيما اذا كانت قيمة الاثبات في الاجماع اقل من قيمة الاثبات في الاخبار او مساوية له. واما اذا كانت قيمة الاجماع اعلى واهم من الاخبار، فيكون معتبراً ومثاله: ضروريات للدين، فانها واردة في مورد الاخبار ايضا. الا ان الاجماع والضرورة اكبر من ذلك. فقد تكون نفس الفكرة مطبقة في مورد الكلام ايضا بشكل واخر، فلاحظ وتأمل.
ادلة القول الخامس:
وهو ان يكون استحقاق الزكاة كاستحقاق العين المرهونه، او حق الرهانة.
وهذا الوجه واضح الفساد فقهيا لوضوح الفرق بين العين المرهونة والعين الزكوية. ومجرد اشتراكهما في عدم جواز التصرف، لا يكفي لفهم التشابه بينهما من جميع الجهات.
ونلخص فيما يلي اهم الفروق بينهما:
اولا: ان العين المرهونة مملوكة لمالكها الاصلي وهو المدين الراهن. على حين ان الادلة في باب الزكاة واضحة في ملكية الفقير للحصة الزكوية بعينها او بماليتها او بكسرها العشري او غيره، دون المالك.
وأوضح ما يدل على ذلك ما استعمله فيه حرف الظرفية وحرف الاستعلاء، ولام الملك، ولا حاجة الى تفصيله.
ثانياً: ان العين المرهونة يجوز بيعها باذن مالكها بخلاف العين الزكوية، فان الاستيذان من احد الفقراء لا يكفي ما لم يقبضها. واذا قبضت خرجت عن كونها عينا زكوية.
فان قيل: انه يمكن الاستئذان من ولي المالك وهو الحاكم الشرعي. قلنا: اولا: انه لا يعني تسلط المالك بالعنوان الاولي على الاذن، بخلاف العين المرهونة وثانياً: ان العين المرهونة لا ينفذ فيها حكم الحاكم في عرض اذن المالك.
ثالثاً: ان العين المرهونة ترجع الى مالكها بالفك دون العين الزكوية وبتعبير اخر: ان العين المرهونة يمكن فكها دون الاخرى.
رابعاً: ان العين المرهونة لا تحديد لها عرفا ولا شرعا بخلاف العين الزكوية المحددة شرعا.
خامساً: يجوز للمالك الراهن التصرف في العين المرهونة باذن المرتهن، بخلاف العين الزكوية، واذن الحاكم الشرعي فيها كما سبق.
سادساً: ان فكرة الرهن اساساً لاجل الاستيثاق من ارجاع الدين وامكان قبضه من قبل الدائن المرتهن. وهذا منتف بالمرة في العين الزكوية وهذا واضح ولعله اهم هذه الوجوه.
وعلى أي حال فلا يمكن المصير الى كون الاستحقاق للعين الزكوية على غرار العين المرهونة. ومعه لا حاجة الى استعراض الادلة ومناقشتها.
ادلة القول السادس:
وهو ان يكون الاستحقاق الزكوي كاستحقاق حق الجناية. ويراد به ان المجني عليه دون القتل او ولي الدم في القتل يملك العبد الجاني كله او بعضه حسب قيمته وقيمة الدية على تفصيل موكول الى كتاب القصاص.
ولابد فيما يلي ان نحمل فكرة مختصرة مع ادلتها عن نحو فكرة ملكية العبد الجاني. لنطبقها بعد ذلك على العين الزكوية.
فمن ذلك: صحيحة زرارة( ) عن احدهما: في العبد اذا قتل الحر دفع الى اولياء المقتول، فان شاءوا قتلوه وان شاءوا استرقوه.
وصحيحة ابي بصير( ) قال سألت ابا جعفر عليه السلام عن مدبر قتل رجلا عمدا. فقال: يقتل به. قال: قلت: فان قتله خطأ. قال: فقال: يدفع الى اولياء المقتول فيكون لهم رقا فان شاءوا باعوه وان شاءوا استرقوا وليس لهم ان يقتلوه. قال: ثم قال: يا ابا محمد ان المدبر مملوك.
الى عديد من الروايات الواردة في صورة القتل واما ما ورد في صورة الجناية التي هي اقل من النفس فنذكر عنها بعض الامثلة ايضا.
منها: صحيحة الفضل بن يسار( ): انه قال في عبد جرح حرا، فقال: ان شاء الحر اقتص منه. وان شاء اخذه ان كانت الجراحة تحيط برقبته. وان كانت لا تحيط برقبته افتداه مولاه. فان ابى مولاه ان يفتديه كان للحر المجروح (حقه) من العبد بقدر دية جراحه، والباقي للمولى يباع للعبد فيأخذ المجروح حقه ويرد الباقي على المولى.
وصحيحة أبي ايوب الحناط( ) قال: سألت ابا عبد الله (ع) عن مكاتب اشترط عليه حين كاتبه، جنى الى رجل جناية، فقال: ان كان ادى من مكاتبته شيئاً غرم في جنايته بقدر ما ادى من مكاتبته للحر، فان عجز عن حق الجناية، اخذ ذلك من حق المولى الذي كاتبه. قلت: فان كانت الجناية للعبد. قال: فقال: على مثل ذلك دفع الى مولى العبد الذي جرحه المكاتب. ولا تقاص بين المكاتب والعبد اذا كان المكاتب قد ادى من مكاتبته شيئاً. فان لم يكن قد ادى من مكاتبته شيئاً فانه يقاص العبد به. او يغرم المولى كلما جنى المكاتب، لانه عبده ما لم يؤد من مكاتبته شيئاً.
الى غير ذلك من الروايات.
وهي واضحة في كون الحق في العبد الجاني في العين لا في الذمة ولا في المالية. واوضح ذلك هو ما اذا كانت الدية اقل من قيمته كقوله في صحيحة الفضيل ( فان ابى مولاه ان يفتديه كان للحر المجروح (حقه) من العبد بقدر جراحه والباقي للمولى يباع العبد فيأخذ المجروح حقه ويرد الباقي على المولى).
ولا شك ان هذا البيع غير واجب وانما هو طريقي لتوزيع الحقوق. والمهم هو حصول الشركة في العين بين المجني عليه والمولى، فان استوعبت الدية ثمنه في الجرح ان كانت الجناية قتلا، لم تحصل شركة، لان العبد كله يدفع الى المجني عليه او وليه، فيكون مالكا له ملكية اعتيادية، بمعنى ان له ان يتصرف فيه تصرفا خارجيا او معامليا كاي شيء اخر مملوك. وبتعبير اخر: يكون هو المولى لا المولى الاول.
واشبه شيء لموارد الزكاة هو م اذا لم تستوعب الجناية قيمة العبد، وهي كما عرفنا: الشركة في العين. فالقول –اذن- بان حق الزكاة كحق الجناية تعبير آخر عن الشركة في المعين. وليس غيره لباً، وان كان عن صياغة جديدة.
وليس حق الجناية من قبيل الكلي في المعين ولا الشركة في المالية ولا هو حق فذ خارج عن الماليات، بل هو حق مالي او تملك للمال لا اكثر ولا اقل: يصبح احياناً –كما عرفنا- من الشركة في العين او الملكية المشاعة.
فالفكرة مع القائل بالشركة في العين في الزكاة واحدة. وهي التي قالوا عنها انها هي المستفادة من الادلة ولا يحتمل غيرها، غير ان اعيان الزكاة تختلف عن متعلق حق الجناية، الذي يكون هو العبد دون غيره، ومن هنا فقد يمكن ان ضم الفقهاء الذين يقولون بتنظير حق الزكاة بحق الجناية الى الفقهاء الذين يقولون بان حق الزكاة من الشركة المشاعة في العين.
نعم اذا كان لا يرى الفقيه في حق الجناية ذلك، ولو باعتبار ظهور الروايات في تعليقه على مشيئة المجني عليه كقوله: ان شاء الحر اقتص منه وان شاء اخذه. حيث يقال: ان الظاهر ان الملكية فرع المشيئة وليست حادثة في طول الجناية.
عندئذ يختلف حق الجناية عن حق الزكاة بوضوح ولا يمكن التنظير بينهما لعدم تعليقه على المشيئة في الزكاة.
وقد يقال: ان ملك الفقير متوقف على القبض المتوقف على المشيئة، فيكون الملك متوقفاً على المشيئة.
فيقال: انه لو سلم بهذا المقدار فمع ذلك يبقى فرق واضح. لان المجني عليه يملكه كبدل عن الجناية اولا وكبدل عن القصاص ثانياً، وكلا هذين غير متوفرين في حق الزكاة.
الا ان هذا الفهم لحق الجناية لا يخلو من مناقشة، اذ يمكن ان يقال: انه بقرينة قوله في صحيحة ابي بصير: يدفع الى اولياء المقتول فيكون لهم رقا، الدال على ان الجناية سبب تام للملكية، والمشيئة فرع الملكية، كقوله في نفس الصحيحة: فان شاءوا باعوه وان شاءوا استرقوه. فكذلك قوله في صحيحة الفضيل: ان شاء الحر اقتص منه وان شاء اخذه. فيكون ايقاع القصاص على ملكه لا اكثر ولا اقل وخاصة بعد الالتفات الى ان قوله: ان كانت الجراحة تحيط برقبته، تصلح قيدا لكلا المشيئتين. فراجع وتأمل. وتمام الكلام في محله.
وعلى أي حال، فالقدر المتيقن من الشركة في العين، في حق الجناية هو بعد تطبيق المشيئة على الاسترقاق. وهو من هذه الناحية يشبه حق الزكاة على هذا المسلك، الا ان خصائصه الاخرى تختلف كما اشرنا. فلا يمكن المصير الى كونهما على وجه واحد.
الوجه المختار:
بعد ان ناقشنا كل هذه الوجوه الستة، لم يبق منها ما هو صالح للالتزام به. غير ان الشركة في العين، هي الاظهر كما رأينا من استعراض عدة نصوص. فهل يمكن الالتزام به مع دفع اشكالاته؟
وقد رأينا ان المستمسك انما نفاه باعتبار عدم دلالة النصوص عليه وقد ناقشناه. فلا يبقى من الاشكالات الا واحداً فقط وهو النصب الخمسة الاولى من الابل. حيث تكون الفريضة فيها خارج النصاب كله. على حين تكون الانواع كلها من انعام وغلات ونقدين فريضتها من نفس النصاب، بحيث يكون دفع شيء اخر عنها بدلا لها وليس هي الفريضة بعينها. وتأويل تلك النصب الخمسة بمالية الشاة التي هي جزء من مالية الابل خلاف الظاهر.
وهذا يمكن ان يجاب بعدة وجوه نذكر اهمها:
الوجه الاول: انه لا ضرورة الى الالتزام بكون جعل الزكاة على وجه واحد، والمستفاد من بعض الالسنة كقوله: الزكاة في تسعة اشياء ونحوه. انما هو تشريع اصل الزكاة وليس تفاصيلها او نحو جعلها.
فان سلمناه جزئياً، فانما يراد الغالب، وهو ثابت في كل الانصبة الا خمسة منها، الامر الذي يمكن معه الاستثناء ولا يكون من باب تخصيص الاكثر.
ولو سلمناه اضطررنا الى عدم التدقيق في فهم موحد للزكاة، بل المراد مطلق الضريبة او الغرامة او انعاش حال الفقير، ما شئت فعّبر, بغض النظر عن كونه جزءا من النصاب ام لا.
ومن هنا يمكن ان يقال – كما اشرنا قبل فترة- بامكان بيع هذه النصب الخمسة وانتقالها جميعا الى المشتري، مع ضمان دفع الشياه من الخارج بل حتى العصيان. بخلاف باقي النصب فانه لا ينتقل بمقدار حصة الزكاة، واذا حصل فيه الربح كان لارباب الزكاة وليس للتاجر، كما صرح به في خبر ابي حمزة الذي سمعناه. وهو امر على القاعدة. ولا يخل به ضعفه من هذه الناحية.
والتبرير النظري للحكمة من هذا الفرق هو سعة الرحمة الالهية. اذ لو اراد الشارع المقدس ان يجعل الفريضة جزءا من النصاب لكان اللازم ان يكلف المالك احد الابل بكامله او اكثر. في حين اقتضت المصلحة التهوين عليه والرحمة به وعدم تكليفه بهذا المقدار الكبير، فلا يمكن ذلك الا بدفع شيء من خارج النصاب. بعد التسليم ايضا بانه لا يجب تقسيم الحيوان الواحد ودفع بعضه ولم يؤمر به اصلا، ولو فعله المكلف كان دافعا لبدل الشاة، لا للفريضة نفسها، عرفاً.
الوجه الثاني: ان نلتزم بوحدة الجعل في الزكاة الا ان ذلك يستلزم حمل هذه النصب الخمسة على القيمة لا محالة( )، لكي يكون من قبيل الشركة في العين، بل وحتى الوجوه الاخرى كالكلي في المعين والشركة في المالية (الظاهر منها مالية الشاة لا مالية الابل) وكذلك تنظيره بحق الجناية.
ولذا التزم الشاذ من الفقهاء بانه حق في الذمة، فانها الفكرة الفقهية الوحيدة التي يمكن ان تكون جامعة بين انحاء جعل الزكاة. الا انه يلزم منها تأويل عدد اكبر من الروايات من ذلك الجانب (اعني في غير هذه النصب الخمسة) الظاهرة بالاشتراك في العين.
وعليه فلابد اما من التأويل او من التفصيل اعني اما ان تؤول احدى الطائفتين من الاخبار –النصب الخمسة من ناحية وغيرها من ناحية اخرى- بما ينسجم مع الباقي او نفصل بينهما فنقول باختلاف الجعل في الزكاة بما فيها ما يترتب على هذا الاختلاف من احكام.
وقد اشرنا الى انه لا ضرورة الى الالتزام بوحدة الجعل والحكمة من تشريع الزكاة نافذة في كلا الوجهين. ومعه فالتفريق بين الجعلين هو المتعين لانه هو الاوفق بظواهر كلا الطائفتين، بان يكون الجعل في غير هذه النصب الخمسة بنحو الشركة في العين ويكون في النصب الخسمة بنحو اخر خارجي عن النصاب او قل في الذمة، يؤديها من أي شاة وقعت في يده شرعاً.
ولا ينبغي ان نفهم من الشركة في العين مفهوم الشركة المشاعة التي عبروا بها. لانه لا ينسجم مع عدد من فرائض النصب غير هذه الخمسة ايضا. فنصب الابل الباقية لا يجزي فيها واحد من الابل كيف كان وكذلك نصابا البقر لا يجزي فيها أي واحد من البقر كيف كان، بل يشترط فيه عمر معين، فلو قلنا بالشركة المشاعة على غرار الكسر العشري لكان لابد من التأويل بالمالية ايضا، فنقع فيما فررنا منه.
بل المراد من الشركة في العين هو ان للمستحق جزءا من عين نصاب الزكاة. سواء كان هذا كسرا عشريا كما في الغلات او حيوانا موصوفا كما في الانعام، او جزءا محددا كما في النقدين. والمهم ملكية الفقير لجزء من النصاب فعلا، بحيث لو دفع المالك غيره كان بدلا له.
كما انه ليس المراد بما في الذمة في النصب الخمسة: اشتغال الذمة بالقيمة، والا رجعنا الى ما فررنا منه، وهو تأويل الشاة بقيمتها. وانما تشتغل الذمة بالشاة نفسها والذمة كما تشتغل بالاقيام تشتغل بالاعيان ايضا. ومثاله الكلي في المعين عند بيعه بل مطلق بيع الكلي، حيث تشتغل الذمة بالمبيع لا بقيمته.
والقول الشاذ فقهيا والمنافي لظواهر الادلة، هو الالتزام بالذمة مطلقا، واما الالتزام بالذمة جزئيا مع عدم منافاته للظواهر، بل لاجل موافقته لها، فهو المتعين.
نعم، الالتزام باختلاف الجعل، خلاف الفهم الفقهي المشهور الا ان هذا الفهم ليس بحجة، لانه مبني على الاستفادة من الاخبار التي ناقشناها. كما انه ليس اجماعا. وظواهر جعل الفرائض في النصب بتفاصيلها حجة عليه. لاننا عرفنا ان الظهور في كل طائفة يقتضي هذا التفريق.

فصل
في النصاب الخامس للغنم

في هذا النصاب فذلكة فقهية، يحسن التعرض لتفاصيلها:
قال المحقق الحلي في شرائع الاسلام( ): وفي الغنم خمسة نصب: اربعون شاة. ثم مئة واحدى وعشرون. وفيها شاتان. ثم مائتان وواحدة وفيها ثلاث شياه. ثم ثلثمائة وواحدة. فاذا بلغت ذلك قيل: يؤخذ من كل مئة شاة. وقيل بل تجب اربع شياه حتى تبلغ اربعمائة فتؤخذ من كل مائة شاة. بالغاً ما بلغ. وهو الاشهر، وتظهر الفائدة في الوجوب وفي الضمان.
ويقع الكلام في ذلك ضمن عدة جهات:
الجهة الاولى: في الاستدلال اجمالا على احد الوجهين:
يدل على الوجه الاول صحيحة محمد بن قيس( ) عن ابي عبد الله عليه السلام قال: ليس فيما دون الاربعين من الغنم شيء. فاذا كانت اربعين ففيها شاة الى عشرين وماءة. فاذا زادت واحدة ففيها شاتان الى المائتين. فاذا زادت واحدة ففيها ثلاث من الغنم الى ثلاثماءة. فاذا كثرت الغنم ففي كل ماءة شاة.
فقد يستظهر منها ان الثلاثماءة فيها اربع شياه، وسيأتي تمحيصه.
ويدل على الوجه الثاني: صحيحة الفضلاء الخمسة( ) عن ابي جعفر وابي عبد الله عليهما السلام (يقول فيها): فاذا زادت على المأتين شاة واحدة ففيها ثلاث شياه. ثم ليس فيها شيء اكثر من ذلك حتى تبلغ ثلاث ماءة. فاذا بلغت ثلاثماءة ففيها مثل ذلك ثلاث شياه. فاذا زادت واحدة ففيها اربع شياه حتى تبلغ اربع
ماءة. فاذا تمت اربع ماءة كان على كل ماءة شاة. وسقط الامر الاول، وليس على ما دون الماءة بعد ذلك شيء، الحديث.
وفي فهم هذين الحديثين عدة وجوه:
الوجه الاول: ما فهمه صاحب الوسائل من ان الصحيحة الاولى غير صريحة في وجوب ثلاث شياه في الثلثماءة في حين ان الثانية صريحة في وجوب الاربعة، فيجب العمل بها. اقول: وهذا من القرينية اللفظية.
الوجه الثاني: ما ذكره صاحب الوسائل: من احتمال المعارضة بين الصحيحين على تقدير ارادة الثلاثة حتى مع الثلثمائة، قال: تعين حمله على التقية ذكره جماعة من علمائنا.
الوجه الثالث: تقييد صحيحة محمد بن قيس بصحيحة الفضلاء، فانه لم يصرح بما في الثلثمائة، فان كان ظاهره الاربعة اذا استفدنا من قوله: فاذا كثرت الغنم انه يريد الثلثماءة خاصة. امكن تقييده بالواحدة. يعني اذا بلغت ثلثماءة وواحدة ففي كل ماءة شاة.
وهو احد الوجوه التي سمعناه من المحقق الحلي. ولكن يبقى التعارض بين الصحيحين في كمية الفريضة المخرجة.
الوجه الرابع: تقييد صحيحة محمد بن قيس بوجه اخر: وحاصله: اننا نقيد الثلثماءة بما اذا بلغت اربعماءة. طبقا للمفهوم في صحيحة الفضلاء حيث يقول فاذا بلغت الاربعماءة، يعني ليس في ما دون ذلك اربع شياه.
فينتج ان النصاب الثالث للغنم مأتين وواحدة وفيها ثلاث شياه ثم الرابع وهو الاربعماءة ففي كل مئة شاة.
ولكن يبقى التعارض في الثلثماءة او الثلثماءة والواحدة، حيث يستظهر من صحيحة ابن قيس ان عليها ثلاثاً ومن صحيحة الفضلاء ان عليها اربعا.
الوجه الخامس: انه لا تنافي بين التقييدين، فنجري كليهما في صحيحة ابن قيس، فنقيد الثلثماءة بالواحدة ونقيدها ايضا ببلوغ الاربعماءة. ويعني التقييد الثاني اضافة رأس نصاب اخر الى ما هو غير مذكور فيها.
فينتج منه انه في الثلثماءة والواحدة ثلاثة وفي الاربعماءة في كل مائة شاة. الا انه يبقى التعارض فيما هو الواجب من الفريضة في الثلثماءة كما هو واضح.
الوجه السادس: انه كما قيدنا الموضوع في الثلثماءة من صحيحة ابن قيس يمكن ان نقيد الحكم ايضا. فيكون الموضوع هو الثلثماءة والواحدة كم سبق، وهو موافق لصحيحة الفضلاء. ويكون مشمولا لحكمه المذكور في صحيحة الفضلاء وهو اربع شياه وتحمل قوله: اذا كثرت الغنم على الاربعماءة، وهو مرجع التقييد الجديد، فيرتفع كلا التعارضين.
والانصاف ان صحيحة محمد بن قيس، غير واضحة في عدة امور مما هو مذكور في صحيحة الفضلاء، فتكون صحيحة الفضلاء اصرح واخص مضافا الى التفضيل السندي والجهتي.
اولا: ان صحيحة ابن قيس غير واضحة بما يجب في الثلاثماءة.
ثانياً: انها غير واضحة في ان المراد بكثرة الغنم هو الثلثماءة. بل لعلها تعطي ان المراد غيرها اجمالا، فكأنه يعطي مرحلة اخرى من النصب وان لم يوضح العدد.
ثالثاً: انها غير واضحة في عدد الاربعماءة الا ان يفسر بما في صحيحة الفضلاء كما اشرنا.
رابعاً: انها غير واضحة في ان الثلثماءة اصلا هي رأس نصاب او لا، بل لعل الاظهر فيها خلافه. لظهور دخول الغاية في المغيى فتجب في الثلثماءة ثلاث شياه كسابقه، فاذا زادت على ذلك، اجمالا، وجب في كل اربعماءة شاة.
خامساً: انها غير واضحة في تحديد النصاب الذي يلي المائتين وواحدة، او قل –بغض النظر عما سبق- الذي يلي الثلثمائة. هل هو الثلماءة وواحدة او الاربعماءة.
ومعه تكون صحيحة الفضلاء مقدمة على الاخرى بعدة وجوه:
الوجه الاول: التقييد السادس الممكن بعد كل الذي قلناه من وجوه اجمال الصحيحة.
الوجه الثاني: التفضيل السندي الذي اختاره في المستمسك على تقدير التعارض من حيث تلك الصحيحة يرويها خمس من الفضلاء، دون الاخرى.
الا ان هذا محل نظر، لان المهم في الفتوى فقهيا هو الاعتبار السندي، وليس للتعدد دخل مهم، الا ان تصبح الرواية مشهورة روائياً. ومن المعلوم ان الرواة الباقين في صحيحة الفضلاء آحاد وليسوا خمسة، فالرواية ليست مشهورة بهذا المعنى.
الوجه الثالث: التفضيل الجهتي وهو حمل صحيحة ابن قيس على التقية. الا ان هذا فرع التعرف على فتوى العامة، ولا يتم بدونه ككثير من امثال هذه المحامل لدى فقهائنا.
الا ان الوجه الاول للجمع على وجاهته غير تام ايضاً لان مؤداه وجوب الشاتين ضد الثلثماءة ووجوب الثلاثة عند الثلثماءة والواحدة ووجوب الاربعة أي في كل مئة شاة عند الاربعماءة، فيتعارضان في الثلثماءة. فلابد من المصير الى وجوه اخرى للتفضيل نذكرها بنفس التسلسل السابق.
الوجه الرابع: ان رواية الفضلاء كما قلنا اوضح واصرح، فهي في مقام البيان والتوضيح في كثير من الجهات التي لا تقوم بها عبارة صحيحة ابن قيس والتي قلنا انها غير واضحة من عدد من الجهات.
وهذا وان كان وجيها ايضاً، الا انه على اجماله غير معتبر، بل لابد من النظر في الروايتين فقرة فقرة. لنرى ما اذا كانت صحيحة الفضلاء اصرح ام لا، وقد رأينا ان التعارض مستحكم في كل الفروض.
الوجه الخامس: ان صحيحة الفضلاء مشهورة فتوائياً قد عمل بها الفقهاء واعرضوا عن صحيحة محمد بن قيس.
وبالرغم من ان هذا لم يثبت بشكل معتبر او حجة. الا انه مع ضيق الخناق لابد من المصير اليه.
او نصير الى التعارض والتساقط والرجوع الى الاصول. وذلك: ان المقدار المتسالم عليه بين الروايتين هو ان النصاب الثالث وهو ماءتان وواحدة وعليه ثلاث شياه. وانه اذا وصل عدد الغنم الى اربعماءة ففي كل مئة شاة. وهذا ما تصرح به صحيحة الفضلاء وتؤيده صحيحة ابن قيس لانه القدر المتيقن من كثرة الغنم.
يبقى التعارض في الثلثماءة او الثلثماءة والواحدة هل هي رأس نصاب مستقل او هو في كل ماءة شاة وكم عدد الفريضة من الغنم. فهذا ونحوه هو مورد التعارض.
ولا يبعد ان تكون كلتا الصحيحتين تسالمتا على انه في الثلثماءة نفسها ثلاث شياه. اما في صحيحة الفضلاء، فبصراحة، واما في صحيحة ابن قيس فباعتبار ظهور دخول الغاية في المغيى.
يبقى قوله في صحيحة الفضلاء: فاذا زادت واحدة ففيها اربع شياه حتى تبلغ اربعماءة. فاذا تمت اربعماءة كانت على كل مائة شاة وسقط الامر الاول في حين ظاهر صحيحة ابن قيس ان الواجب فيه ثلاثة، بناء على ما استظهرناه من ان قوله: فاذا كثرت الغنم، يعني زادت على الثلثماءة بمقدار معتد به.


ومقتضى الاصل احد وجهين:
الوجه الاول: استصحاب بقاء وجوب الثلاث بعد احراز وجوبها في المائتين وواحدة ويبقى ذلك مستصحبا الى الاربعماءة.
الوجه الثاني: اصالة عدم شرطية الثلثماءة والواحدة في وجوب الزائد على الثلاثة. ونتيجة كلا الوجهين واحدة، كما هو معلوم.
الا ان الانصاف عدم التعارض بين الصحيحتين. فان كلتاهما تسالمتا على وجوب الثلاث بالثلثماءة، بناء على الاستظهارات السابقة. ثم نقيد صحيحة محمد بن قيس بالاخرى بما اذا بلغت الثلثمائة والواحدة مع حكمه. ونحمل كثرة الغنم على اربعماءة، ولو باعتبار القرينية عليه من الخارج.
1- بقوله في صحيحة الفضلاء: حتى تبلغ اربعماءة الدال بوضوح على عدم وجود النصاب قبله. وهو نصّ في المفهوم فلا يتوقف على القول بمفهوم الغاية.
2- اصلاة عدم زيادة الواجب في الفريضة عن الثلاثة الى الاربعماءة. او قل: اصالة عدم شرطية او موضوعية شيء للاربعة فيما دون الاربعماءة.
وهذا الاصل ينتج وجوب الثلاثة في الثلثمائة والواحدة الى الاربعمائة بخلاف صحيحة الفضلاء وهذه الصحيحة حاكمة ومتقدمة. على ان قرينية الاصل العملي على الاصل اللفظي، كما هو مقتضى الوجه الثاني، غير عرفي. فالصحيح هو الوجه الاول من هذين الوجهين.
الجهة الثانية: في نتائج الجهة الاولى:
ان للغنم خمسة نصب.
اولا: اربعون ففيها شاة.
ثانياً: ماءة واحدى وعشرون ففيها شاتان.
ثالثاً: مئتان وواحدة ففيها ثلاث شياه.
رابعاً: ثلاثمائة وواحدة ففيها اربع شياه.
خامساً: اربع ماءة ففي كل ماءة شاة.
وهذا هو المتحصل بعد الجمع بين الصحيحتين السابقتين، او قل: بعد تحكيم صحيحة الفضلاء وتقييد صحيحة محمد بن قيس بها.
الجهة الثالثة: في الفرق بين النصابين الاخيرين. اذ قد يقال انه يجب في الثلثماءة وواحدة اربع شياه ويجب في الاربعماءة اربع شياه ويجب في الاربعماءة تسع وتسعون اربع شياه. فلماذا حصل فيها نصابين كما هو ظاهر صحيحة الفضلاء؟ بل قد يبدو من الافضل ان تجعل الاربعة على كل هذا العدد الذي سمعناه دفعة واحدة.
وجواب ذلك ما ذكرناه المحقق الحلي بقوله: وتظهر الفائدة في الوجوب وفي الضمان، وسنشير الى شرحه.
الا ان الاشكال، حسب ظاهر كلام المستشكل انما هو على التشريع لا على المسألة الفقهية. ومعه لا يتم هذا الجواب، اذ يمكن للتشريع ان يكون بنحو آخر اوضح، وكونه مختلفا في موضوع الوجوب وفي مقدار الضمان، لا يبرر كون اصل التشريع كذلك كما هو معلوم.
ولا جواب على ذلك الا بالتسليم بالحكمة الالهية، الذي هو مقتضى الايمان بالله والاسلام. فان مقتضى الحكمة والعدل في التشريع الالهي هو صحته في كل ما ثبت عنه بطريق معتبر. ولا شك ان التشريع قد وصلنا بهذا الشكل بطريق معتبر وهو صحيحة الفضلاء الخمسة التي تحدثنا عنها. ومعه ينسد السؤال عن صحة التشريع.
نعم، يبقى السؤال عن الجهة الفقهية، وقد اعطانا المحقق الحلي رأس الخيط له.
والسؤال قائم على صحيحة الفضلاء، بغض النظر عن صحيحة محمد بن قيس، وعن تعارض الروايتين، لان صحيحة الفضلاء متضمنة لكلا الحكمين وليس هذا استنتاجا من مجموع نصين. فالامام عليه السلام كان ملتفتاً تماما الى شكل التشريع الذي اخذ به الفقهاء فجعل في الثلثماءة والواحدة اربعا وجعل في الاربعماءة اربعا ايضا. ونصها للاستذكار: فاذا زادت واحدة (عن الثلثماءة) ففيها اربع شياه حتى تبلغ اربعماءة. فاذا تمت اربعماءة كان على كل ماءة شاة وسقط الامر الاول.
والنتائج او الفوائد الممكنة في هذا التشريع عدة وجوه:
الوجه الاول: ان موضوع الحكم الشرعي وهو النصاب مختلف. فهناك نصابان او موضوعان حكمهما واحد. وهذا ليس نادرا في الشريعة، بل هو كثير، كما نقول: ان الصلاة واجبة والصوم واجب.
فهنا ايضا نصابان عليهما شكل واحد من الفريضة.
الوجه الثاني: وفيه تدقيق الوجه الاول. وهوان يقال: ان المراد في التشريع ليس فقط تعدد النصاب الى نصابين. بل تغيير سنخ النصاب وترتيبه. اذ الملحوظ في النصاب السابق اعني الثلثماءة والواحدة، وحدة متكاملة كسوابقه. في حين الملحوظ في الاربعماءة شيء اخر وهو ان نحسب المجموع ماءة ماءة، وفي كل ماءة شاة.
وهذا هو المشار اليه في الصحيحة بقوله: وسقط الوجه الاول. أي التشريع السابق في لحاظ الانصبة كوحدة متكاملة. فلو كانت الاربعماءة ملحوظة كوحدة، لورد السؤال بغض النظر عن الوجه الاول. غير ان هذا الوجه الثاني هو الجواب.
ويبدو ان احد هذين الوجهين هو الذي يقصده المحقق الحلي.
الوجه الثالث: في تدقيق الوجه الثاني: وهو ان يقال:
ان ما يبدو للنظر الاولي من انه ينبغي العبور من الثلثمائة والواحدة وفيه اربع شياه الى الخمسماءة وفيه خمس شياه في كل مئة شاة لكي لا تتكرر الاربع شياه مرتين.
هذا غير صحيح لان المهم هو تغيير شكل التشريع وليس موضوعه فقط. واذا كان شكل التشريع متغيرا اعني في كل ماءة شاة (وسقط الوجه الاول)، لم سكن مهما بعد ذلك ان يبدأ بالاربعماءة او بالخمسماءة، بل الصحيح ما تقتضيه الحكمة بطبيعة الحال.
ومثله ما لو قلنا ان النصاب الثالث وهو مائتان وواحدة فيها ثلاث شياه. والنصاب الرابع وهو الثلثمائة والواحدة وفيها في كل ماءة شاة. وهي ثلاثة ايضاً.
بل ما فهمناه من الروايات اوضح من هذا. لان السؤال يبقى عن سبب اضافة الواحد الى الثلثماءة عندما يراد الحساب مئة مئة. على حين ما قلناه يبدأ هذا الحساب من الاربعماءة.
والسر في ذلك: ان هذا القول المشار اليه والذي عبر عنه المحقق الحلي. انما هو ناتج عن تقييد صحيحة محمد بن قيس بصحيحة الفضلاء اعني تقييد الثلثماءة بالواحدة، مع الفهم بان كثرة الغنم يراد به ذلك ايضا وحكمه في كل مئة شاة، وقد تحصل الجواب على مثل هذا النسج مما سبق.
ومن الواضح ان التشريع المقرر برواية واحدة معتبرة اوضح من التشريع المستنتج من الجمع بين الادلة. في عدد من الاحيان.
اقول: وليس مثل هذا الحساب بنادر في الشريعة المقدسة. بل فيها ما هو اقل عرفية منه. وقد ورد: ان علمهم صعب مستصعب لا يتحمله الا ملك مقرب او نبي مرسل او مؤمن امتحن الله قلبه للايمان.
وذلك في دية اصابع المرأة حيث يجب في قطع الاصبعين عشرون من الابل وفي قطع الثلاث ثلاثون. وفي قطع الاربعة عشرون. وقد كان بعض اساتذتنا يقوله عن ذلك: اننا لا نحتمل ان تكون كثرة الجريمة موجبة لقلة العقاب.
ففي صحيحة ابان بن تغلب( )، قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام ما تقول في رجل قطع اصبعا من اصابع المرأة كم فيها. قال: عشرة من الابل قلت: قطع اثنتين. قال: عشرون، قلت: قطع ثلاثا، قال ثلاثون، قلت: قطع اربعا، قال: عشرون، قلت: سبحان الله يقطع ثلاثا فيكون عليه ثلاثون ويقطع اربعا فيكون عليه عشرون. ان هذا كان يبلغنا ونحن في العراق فنبرأ ممن قاله، ونقول: الذي جاء به شيطان.
فقال(ع): مهلا يا ابان، هذا حكم رسول الله (ص)، ان المرأة تعاقل الرجل الى ثلث الدية، فاذا بلغت الثلث رجعت الى النصف، يا ابان انك اخذتني بالقياس والسنة اذا قيست محق الدين.
اقول: وقد ورد في هذا التنصيف، اخبار معتبرة وكثيرة، سواء بلغت الجناية النفس او ما دونها، والتصور بان ذلك كثرة في الجريمة وقلة في العقاب بعد وضوح ذلك فقهيا، حتى كاد ان يكون قطعيا متواترا..... انما هو اشكال على التشريع وليس على الفهم الفقهي.
وبحسب فهمي القاصر: ان الاصل في دية المرأة ان تكون نصف دية الرجل دائماً. لان جريمة الاعتداء عليها اضعف من الاعتداء على الرجل. الا ان الشريعة اظهرت هذا التنصيف في الثلثين الثاني والثالث من مقادير الدية. واما في الثلث الاول حيث تكون الكلفة قليلة على الجاني دافع الدية. فقد اخذت الشريعة جانب المجني عليه من حيث كثرة ما يصل اليه من المال مع سهولة ما يدفعه الجاني لقلته النسبية. فاصبح الثلث الاول مساويا للرجل.
ولكن عندما تزداد الكلفة على الجاني. والمفروض انه خاطئ في جنايته، غير متعمد، وذلك في الثلث الثاني والثالث من مقادير الدية، تعيد الشريعة المسألة الى اصلها، وهو النظر الى الجناية على المرأة بمنظار ومسؤولية اخف من الجناية على الرجل الى حد النصف.
وليس هذا احتقارا للمرأة وانما هو باعتبار ميزانها الاجتماعي العام، من قبيل قوله (الرجال قوامون على النساء بما فرض الله). ومن غير المعقول ان تكون الجريمة على القائم بالمسؤولية او الولي بنفس اهمية الجريمة على المولىّ عليه والرعية بالنسبة اليه. ومعه لا تكون هناك كثرة في الجريمة ولا قلة في العقاب. وتمام في محله من كتاب الديات.
الوجه الرابع: من نتائج التشريع في نصب الغنم، التي كنا نتحدث عنها: وهو الفائدة في الضمان على بعض الوجوه.
والفائدة التي نتحدث عنها الان انما هي بين النصابين الذين قلناهما، مما ثبت في الشريعة وجودها، وليس بين اختلاف الفتويين، كما سيأتي في الوجوه التالية.
وتنحصر الفائدة على هذا المستوى بانه لو تلف من (العفو) وهو العدد الفاصل بين النصابين، شيء لم يتغير التكليف الشرعي او قل: لم يتغير النصاب.
فلو كان عنده اربعماءة وواحدة من الغنم وتلفت( ) الواحدة التي هي عفو بقي نصاب الاربعماءة، في كل مئة شاة، بخلاف ما لو تلف اثنان. انتقل النصاب الى الثلثماءة وواحدة. وبقي التسعة والتسعون الباقية عفواً.
ولو كان عنده خمسمائة وواحدة، وتلفت واحدة، بقي ضامنا لخمسة شياه ولم يتغير النصاب بخلاف ما لو تلفت اثنان، فان المكلف لا يضمن اكثر من اربعة، لانتقال النصاب الى الاربعماءة.
الوجه الخامس: في الفرق بين الفتويين في الضمان، فان في الثلثماءة وواحدة شكلين من الفتوى احداهما: ما قلناه من انها مجموعة واحدة من النصاب الرابع وفيها اربع شياه. والاخرى: انها اذا بلغت ذلك ففي كل مئة شاة.
فهنا ان كان التلف خلال الحول، سقط هذ النصاب. وانتقل الى النصاب الاسبق منه. على كلا الفتويين وان كان التالف واحداً. وكذلك اذا تلف بعد وجوب الزكاة ومضي الحول، بتعد وتفريط، اذ يجب عليه ان يدفع الاربع على كل حال.
اما اذا كان التلف بعد الحول وبدون تعد وتفريط، فان قلنا بما قلناه من انه نصاب واحد بمجموعه، سقط من الفريضة جزء بمقدار التالف. فان كان التالف واحدا، سقط جزء من ثلاثماءة وواحد جزء من الفريضة. وان قلنا بان فيها في كل ماءة شاة، فيكون المدفوع بدون التلف ثلاث شياه، ومع التلف يسقط من احدى الشياه جزء من مئة جزء. وبقي الباقي. وله ان يسترجع قيمة ذلك من المستحق.
ونقول للايضاح انه لو تلف نصف النصاب، بعد الحول بدون تفريط. وجب عليه، على ما قلنا شاتان فقط، وعلى ما قالوه شاة ونصف.
والسؤال: ان الرقم 301 لا نصف له الا بالكسر ولا يمكن القول بتلف النصف من دون الكل.
فجوابه: انه يمكن ذلك بموت 150 شاة مع ضعف واحدة الى حد نصف قيمتها. وهذا على مسلكنا واضح. واما على مسلكهم فهم يعتبرون هذا الواحد الزائد على الثلاثمائة شرطا في الوجوب ولذا لم تجب عليه الزكاة فوق الثلاث شياه. ومعه فتلف 150 كاف عندهم في صدق تلف النصف، فلا يجب عليه اكثر من نصف الفريضة. بخلافه على ما قلناه. فانه لو تلف 150 وبقيت البقية سليمة وجب على المكلف اكثر من نصف الفريضة بجزء من 301 جزء من الفريضة.
الوجه السادس: وهو تعميق للوجه الرابع ومنطلق من موضوعه. انه لو حصل التلف بعد الحول وبدون تفريط. وكان عنده اربعماءة وواحدة وتلفت واحدة. فقد تلف من العفو فلا تقل الفريضة بشيء.
واما لو تلف اثنان سقط من الفريضة جزء من اربعمائة جزء من الفريضة. او قل: سقط جزء من مئة جزء من شاة. ولم يتحول النصاب الى السابق عليه وهو الثلثمائة وواحدة، لفرض بقاء النصاب محفوظا طول الحول، وحصول التلف بعده.
واما لو كان التلف بتعد وتفريط، فان كان التلف من العفو لم يتغير النصاب، واما اذا كان من النصاب ضمن للمستحق حقه، ولم ينقص من الفريضة شيء على كلا الوجهين.

فصل
نصاب زكاة الغلات

قال الفقهاء، كما هو الصحيح، وقد وردت فيه الاخبار المعتبرة: ان نصاب زكاة الغلات خمسة اوسق. والغلات هي الحنطة والشعير والتمر والزبيب.
فكم مقدار الخمسة اوسق بالاوزان الحديثة وغيرها؟ ونتحدث بشيء من التفصيل حسب ما هو الممكن.

الوسق 60 صاعا
الصاع 4 امداد
×
ـــــــــــ
الوسق 240 مد
الوسق 60 صاع
الصاع 6 رطل مدني
×
ـــــــــــ
الوسق 360 رطل مدني
الوسق 60 صاع
الصاع 4.5 رطل مكي
×
ـــــــــــ
الوسق 270 رطل مكي
الوسق 60 صاع
الصاع 9 رطل عراقي
×
ـــــــــــــ
الوسق 540 رطل عراقي
الوسق 360 رطل مدني
النصاب 5 اوسق
×
ــــــــــــــ
النصاب 1800 رطل مدني
الوسق 270 رطل مكي
النصاب 5 اوسق
×
ــــــــــــــ
النصاب 1350 رطل مكي
الوسق 540 رطل عراقي
النصاب 5 اوسق
×
ــــــــــــــ
النصاب 2700 رطل بالعراقي
الوسق 60 صاع
الصاع × 3 كيلو
×
ــــــــــــــ
الوسق 180 كيلو
الوسق 180 كيلو
النصاب 5 اوسق
ــــــــــــــ
النصاب 900 كيلو

وهذه هي النتيجة الرئيسية في هذا الفصل.
الوسق 240 مد
النصاب 5 اوسق
×
ــــــــــــ
النصاب 1200 مد
الوسق 60 صاع
النصاب 5 اوسق
×
ــــــــــــ
النصاب 300 صاع
النصاب 300 صاع
الصاع 4 امداد
×
ــــــــــــ
النصاب 1200 مد

وهذه النتيجة كسابقتها، قبل قليل. مما يدل على صحة الناتج. ونتعرض الان، بمقدار ما للحقة العطارية والحقة البقالية التي كانت سائدة عندنا في العراق قبل زمن غير بعيد. ولا زال الكثيرون يفهمونها الى الان.
اما الحقة العطارية وهي (الصغيرة) وتسمى البقالية بالكبيرة. لان الحقة البقالية
3.3 حقة عطارية فنحسب اولا على الحقة العطارية.
الصاع 614.25 مثقال صيرفي
الحقة 280 مثقال صيرفي
÷
ـــــــــــــ
الصاع 2.193 حقة
الصاع 614.25 مثقال
الحقة 280 مثقال
÷
ـــــــــــــ
الحقة 0.455 من الصاع
الصاع 2.193 حقة
الوسق 60 صاعا
×
ـــــــــــــ
الوسق 131.58 حقة
الوسق 131.58 حقة
النصاب 5 اوسق
×
ــــــــــــ
النصاب 657.9 حقة
الحقة 280 مثقال صيرفي
النصاب 657.9 حقة
×
ــــــــــــــ
النصاب 184212 مثقال
الكيلو 1000 غرام
المثقال 4.884 غرام
÷
ـــــــــــــ
الكيلو 204.50 مثقال
الكيلو 204.750 مثقال
النصاب 900 كيلو
×
ـــــــــــــ
النصاب 184275 مثقال

وهو قريب جدا من النتيجة السابقة يختلف عنها 63 مثقالا وهو بالنسبة الى مجموع النصاب امر بسيط عرفا.
الحقة 280 مثقال
المثقال 4.884 غراما
×
ــــــــــــ
الحقة 1367.52 غراما
الحقة 1367.25 غراما
الكيلو 1000 غرام
÷
ــــــــــــ
الحقة 1.367 كيلو

الحقة 280 مثقال
الكيلو 204.750 مثقال
÷
ـــــــــــــ
الحقة 1.367 كيلو

وهي نفس النتيجة السابقة
واما بحساب الحقة البقالية الكبيرة

الحقة البقالية 3.333 حقة عطارية
الحقة العطارية 280 مثقال
×
ـــــــــــــ
الحقة البقالية 933.24 مثقال
الحقة 933.24 مثقال
المثقال 4.884 غرام
×
ـــــــــــــ
الحقة 4557.944 غرام
الحقة 4557.944 غرام
الكيلو 1000 غرام
÷
ـــــــــــــ
الحقة 4.557 كيلو
الحقة البقالية 4.557 كيلو
الحقة العطارية 1.367 كيلو
÷
ـــــــــــــ
الحقة البقالية 3.333 حقة عطارية

وهي نفس النتيجة السابقة.
الحقة 933.24 مثقال
الصاع 614.25 مثقال
÷
ـــــــــــــ
الحقة 1.519 صاع
الوسق 60 صاعا
الحقة 1.519 صاع
÷
ـــــــــــــ
الوسق 39.499 حقة
الوسق 39.499 حقة
النصاب 5 اوسق
×
ـــــــــــــ
النصاب 197.495 حقة بقالية
النصاب 197.495 حقة بقالية
الحقة البقالية 3.333 حقة عطارية
×
ـــــــــــــ
النصاب 658.250 حقة عطارية

وقد عرفنا فيما سبق ان النصاب 657.9 حقة عطارية. واختلاف الحساب دائما في امثال ذلك ناتج من اهمال الكسور العشرية الضعيفة في الحسابات الالكترونية الصغيرة.
تطبيق
قال سيدنا الاستاذ في منهاج الصالحين( ) عن وزن النصاب:
ثمان وزنات وخمس حقق ونصف الا ثمانية وخمسين مثقالا وثلث مثقال( ). والوزنة اربع وعشرون حقة. والحقة ثلاث حقق اسلامبول (عطارية) وثلث.
وبوزن الاسلامبول (العطارية) سبع وعشرون وزنة وعشر حقق وخمسة وثلاثون مثقالا صيرفيا.
وبوزن الكيلو يكون النصاب ثمانمائة وسبعة واربعين كيلو تقريباً. انتهى.
وقد عرفنا ان النصاب يساوي 900 كيلو غرام. ويساوي 657.9 حقة عطارية (اسلامبول) ويساوي 197.495 حقة بقالية كبيرة.
وفي هذا الحساب فان ستة حقق يسمى (من) واربعة امنان يسمى (وزنة) فتكون الوزنة اربع وعشرون حقة. وهذا لا يختلف فيه الحقق العطارية والبقالية، غير ان المن من العطاري والوزنة منه، اقل او اصغر من البقالي بمقدار 3.3 كحال الحقة نفسها.
كما ان ربع الحقة من كلا الحسابين يسمى (اوقية) وربع الاوقية منهما ايضا يسمى (ربع). ونحن نوكل هذه الحسابات الى القارئ اذا شاء ان يستخرج نسبها ومقاديرها، فان فيما ذكرنا الكفاية في السير في هذا الطريق.
وانما نذكر الان ما يرجع من الحساب الى كلام السيد الاستاذ.
النصاب 197.495 حقة بقالية
الوزنة 24 حقة
÷
ـــــــــــ
النصاب 8.228 وزنة

واذا خرجنا مقدار ثمان وزنات وهو
8 × 24= 192 حقة. بقي من النصاب.
197.495 – 192= 5.495 حقة.
واذا اخرجنا الخمس حقق بقي 0.495 من الحقة أي حوالي النصف. وقد عرفنا ان الحقة 933.24 مثقالا. يكون نصفها 933.24 ÷ 2= 466.62 مثقالا فاذا طرحنا (62%) الاخير وهو جزء من المثقال بصفته مقارباً
لـ 0.005 من الحقة التي تنقص عن النصف، كان النصف ثمان وزنات وخمس حقق و 466 مثقالا. او قل: نصف حقة تقريباً.
وكذلك:
النصاب 657.9 حقة عطارية
الوزنة 24 حقة
÷
ــــــــــــ
النصاب 27.412 وزنة

واذا اخرجنا مقدار (27) وزنة من النصاب.
هكذا: 27 × 24= 648
657.9 – 648= 9.9 حقة باقية.
وهذا حوالي عشر حقق. واما اضافة (35) مثقالا وهو يساوي1/8 الحقة، لان:
الحقة 280 مثقالا
الباقي 35 مثقالا
÷
ـــــــــــ
الباقي 8 من الحقة وهو ثمنها
وهذا ما لم نعلم له وجهاً، بعد ضبط الحسابات السابقة.
وكذلك ما قاله السيد الاستاذ عن الكيلو من ان النصاب يساوي 847 كيلو تقريباً. فانه مضافا الى ان هذا (التقريب) منه غير صحيح فقهيا. اذ ان الاحتياط في الدقة في امثال المقام اذ لو قل النصاب حبتان لم تجب الزكاة.
وقلنا بان النصاب يساوي 900 كيلو تماما. وطبقناه على ما ذكرنا من الصاع والحقة بنوعيها. مما ذكرناه واضح لا غبار عليه.
تطبيق آخر:
عرفنا في فصل سابق ان نظام الكيلو غرام نظام فرنسي. فيحسن ان نطبق الحساب على النظام الانكليزي القائم على الباوند.
وعندهم ان (16) اونس يساوي باوند واحد وهو (0.453) من الكيلو. والطن الانكليزي يساوي (2240) باوند. وهو اكبر من الطن الاعتيادي الذي يساوي (1000) كيلو. لان الطن الانكليزي = 1.016 طن. يعني يساوي (1016) كيلو غرام بالضبط.
هكذا:
0.453 × 2240= 1014.75
وهو حوالي الف وخمسة عشر كيلو غراما. ويبقى الكيلو الواحد المتبقي على خطأ الحاسبات الالكترونية. على انه لا يفرق عرفا في الطن الذي يكون بهذا الحجم.
اذا عرفنا ذلك، امكننا استخراج النصاب كما يلي.
النصاب 900 كيلو
الباوند 0.453 كيلو
÷
ــــــــــــ
النصاب 1986.754 باوند
النصاب 1986.754 باوند
الباوند 16 اونس
×
ــــــــــــ
النصاب 31788.064 اونس
واما قياسه بالطن الانكليزي فهو كما يلي:
الطن 2240 باوند
النصاب 1986.754 باوند
-
ــــــــــــ
ينقص 253.246 باوند
اي ان النصاب ينقص عن الطن بمقدار هذا الناتج، واذا اردنا ان نعرف نسبته اليه قسمناه عليه:
الطن 2240 باوند
النصاب 1986.754 باوند
÷
ـــــــــــ
الطن 1.127 من النصاب
وبحساب الكيلو يمكن ان نقول:
الطن 1016 كيلو
النصاب 900 كيلو
÷
ـــــــــــ
الطن 1.128 من النصاب
مع فارق (0.001) على خطأ الحاسبات.
ويحسن ان نمر مرورا سريعا على حساب الحقق العطارية والبقالية وغيرها مع الباوند مع ايكال التوسع بالحساب الى القارئ الكريم.

الحقة العطارية 1.367 كيلو
الباوند 0.453 كيلو
+
ـــــــــــ
الحقة العطارية 3.017 باوند
الحقة البقالية 4.557 كيلو
الباوند 0.453 كيلو
÷
ـــــــــــ
الحقة البقالية 10.059 باوند
الصاع 3 كيلو
الباوند 0.453 كيلو
÷
ـــــــــــ
الصاع 6.622 باوند
الوسق 180 كيلو
الباوند 0.453 كيلو
÷
ــــــــــــ
الوسق 397.350 باوند
وكذلك:
الوسق 397.350 باوند
النصاب 5 اوسق
×
ــــــــــــ
النصاب 1986.75 باوند

وهي نفس النتيجة السابقة، وهو دليل على صحة الحساب.
وكذلك:
الكيلو 204.750 مثقال
الباوند 0.453 كيلو
×
ـــــــــــ
الباوند 92.751 مثقال
الكيلو 1000 غرام
الباوند 0.453 غرام
÷
ـــــــــــ
الباوند 453 غرام
الباوند 92.751 مثقال
الباوند 453 غرام
÷
ـــــــــــــ
الغرام 0.204 مثقال
وهو يساوي بعض النتائج السابقة فراجع.
وكذلك:
الصاع 3000 غرام
المثقال 4.884 غرام
÷
ــــــــــــ
الصاع 614.250 مثقال
الصاع 614.250 مثقال
الصاع 3000 غرام
÷
ــــــــــــ
الغرام 0.204 مثقال
وهي نفس النتيجة السابقة.
 

عودة