|
كتاب الاجتهاد و التقليد ما وراء الفقه، ج1، ص: 17 فصل في الاجتهاد الاجتهاد هو بذل الجهد. و قد ورد الجهد في اللغة بفتح الجيم و ضمّها. و قد ذكروا له عدَّة معان: 1- الطاقة. 2- ما جهد الإنسان من مرض أو أمر شاقّ، فهو مجهود. 3- الغاية. و عن ابن الأثير: أنه بالفتح المشقة و قيل: المبالغة و الغاية، و بالضم الوسع و الطاقة. و قيل: هما لغتان في الوسع و الطاقة. فأمَّا في المشقة و الغاية فالفتح لا غير. و قال الأزهري: الجَهد: (بالفتح) بلوغك الأمر الذي لا تألوا على الجهد فيه. و قال ابن السِّكِّيت: الجهد الغاية. قال الفراء: بلغت به الجهد أي الغاية. و جهد الرجل في كذا أي جدّ فيه و بالغ. و الجهد: (بالضم) الشيء القليل يعيش به المقل على جهد العيش، و من التنزيل العزيز وَ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ الا جُهْدَهُمْ. على هذا المعنى. و قال الفراء: الجهد في هذه الآية الطاقة. و قالوا أيضاً في اللغة عن الاجتهاد: هو افتعال من الجهد و الطاقة، و المراد به: رد القضية التي تعرض. للحاكم من طريق القياس إلى الكتاب و السنة. و لم يرد الرأي الذي رآه من قبل نفسه من غير حمل على كتاب أو سُنَّة. و جاهد العدو مجاهدة و جهاداً: قاتله. و الجهاد محاربة الأعداء، و هو المبالغة و استفراغ ما في الوسع و الطاقة من قول أو فعل. هذا قول اللغويين. و لا بدَّ من الإلماع: اولا: أنه يلزم من كثير من تعاريفهم في هذا المحل و غيره: الدور
ما وراء الفقه، ج1، ص: 18
لوضوح أخذهم اللفظ المعرَّف في اللفظ المعرِّف. فيقال عندئذٍ: إنَّ الفرد إمَّا أن يكون عالماً بالمعنى قبل هذا التعريف أو لا. فإن كان عالماً به استغنى عن التعريف. و إن لم يكن عالماً به- كما هو المفروض- لم يفد شيئاً جديداً لتكرر المفهوم نفسه في التعريف. كما يقول الشاعر: و فسّر الماء بعد الجهد بالماء. و هذا الإشكال لا مناص منه من الناحية المنطقية. إلا أنَّ الذي يهوّن الخطب أنَّ اللغويين لا يتكلمون بلغة المنطق لإيجاد الحدّ و الرسم، و إنما لمجرد التفهم و هو حاصل. و بتعبير أدق: إنَّهم يحوّلون القاري على مفهوم ارتكازي عقلي، موجود لديه سلفاً، ناشئ من الارتكازات و الاستعمالات اللغوية. كلّ ما في الأمر أنَّ اللغوي وظيفته جعل القاري يلتفت إليه و تذكيره به. حتى و إن كان بالطريقة الخاطئة منطقيّاً. و معه فاللازم هو الرجوع إلى الوجدان اللغوي لنجد أيَّا من المعاني هي التي أشار إليها اللغويون في محل كلامنا الحالي. لا شك أنَّ ما أعطوه من معانٍ للجهد مختلفة اختلافاً واضحاً. لأن بين بذل الطاقة و الوسع من ناحية، و بين بلوغ الغاية من ناحية أخرى. عموماً و خصوصاً من وجه، لأنَّ بذل الطاقة قد يحصل حتى من دون حصول الغاية، كما أن الغاية قد تحصل بدون بذل أقصى الطاقة. كما أن بذل الطاقة قد يحصّل الغاية. الا أنَّ الذي يبدو للنظر هو: أنَّ المفهوم الارتكازي المشار إليه لغويّاً هو مرور الفرد بشيء من الصعوبة. و هذه الصعوبة قد تكون اختياريَّة و قد لا تكون، كما أنها قد تكون بالغة إلى حدّ الغاية و قد لا تكون. فالجهد غير الاختياري هو الناشئ من الفقر، أو المرض. و المهم وجود الصعوبة من هذه الناحية سواء كانت قد بلغت أقصى الغاية أم لا. و هذا واضح في الارتكازات اللغوية، و إن كان على خلاف نص اللغويين سابقاً لوضوح: أننا نقول: جهده المرض. سواء كان إجهاداً عالياً جدّاً أو إجهاداً قليلا. و الجهد الاختياري: هو بذل القول و العمل للحصول على غاية معينة مطلوبة، و نريد من الغاية، الهدف أو العلة الغائية. و إن كان من المحتمل من
ما وراء الفقه، ج1، ص: 19
كلام اللغويين أنهم يريدون بذل أقصى الجهد سواء حصل المطلوب أم لا. و هذا الجهد الاختياري، يكون المهم في صدقه هو اهتمام الفرد و تكريسه العمل سواء حصل على غايته أم لا و إنما سمِّيت الغاية جهداً لأنها لا تكون عادة الا بممارسة المجهود. لوضوح أنَّ الحصول على الغاية قد يكون خارجاً عن قدرة الإنسان و اختياره كما قال الشاعر: على المرء أن يسعى بمقدار جهده و ليس عليه أن يكون موفَّقاً و الغاية إن حصلت بمجهود، صدق عليها هذا المفهوم اللغوي: الجهد. و أمَّا إن حصلت بدونه فمن غير الواضح صدقه بطبيعة الحال. و من الواضح: أنَّ بذل الطاقة يكون في سبيل غايات عديدة غير قابلة للحصر. فالتاجر يبذل المجهود للربح، و المريض يبذل المجهود للشفاء، و العالم يبذل المجهود لفهم العلوم المعمَّقة. و هكذا. و من ذلك: أنَّ العدو يبذل جهده و طاقته في سبيل السيطرة على عدوّه في القتال. و من هنا جاء مفهوم الجهاد في الإسلام، و هو الجهاد في سبيل الله سبحانه و تعالى. الا أنَّ الصحيح لغويّاً: أنَّ هذا المفهوم أوسع من ذلك، لأنَّ الوسع و الطاقة التي يبذلها عدو الإسلام أيضاً مصداق للمفهوم اللغوي بلا شك. و من هنا جاء بالدعاء: اللهم العن العصابة التي جاهدت الحسين- عليه السَّلام. و ينبغي الإلماع هنا أيضاً: إلى أنَّ ما يراه البعض من أنَّ مفهوم الاجتهاد قد يعطي بذل الرأي الشخصي خاصيَّة دون الاعتماد على مبادئ و قواعد محدّدة. ليس بصحيح إطلاقاً. و قد سمعنا نص اللغويين على خلافه، و قد شجبه و نفاه المشهور من علماء الإسلام. من كل ذلك، يمكننا أن ندخل إلى تحديد مفهوم الاجتهاد، كما فهمه فقهاؤنا. و قد وجد له في كلماتهم عدّة تعاريف تصب في اتِّجاهين رئيسيين: أحدهما: تعريفه: بأنَّ الاجتهاد هو بذل الوسع و الطاقة في تحصيل الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية. التي هي الكتاب و السنة. ثانيها: تعريفه: بأنَّه الملكة العقلية الحاصلة لدى الإنسان، التي بها يمكنه تحصيل الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية.
ما وراء الفقه، ج1، ص: 20
فالاتِّجاه في التعريف الأول يتضمن العمل على استنتاج الأحكام. فكل مسألة عمل الفرد على استنتاج حكمها فقد اجتهد فيها. و هذا هو الأقرب إلى المفهوم اللغوي الذي عرفناه. و هو الذي يراه سيدنا الأستاذ دام ظلّه «1». و الاتِّجاه في التعريف الثاني: يتضمن الجانب الداخلي العقلي للفرد. فإن كانت الملكة حاصلة له فهو مجتهد و الا فلا. و المراد بالملكة عادة تلك الصفة النفسية غير القابلة للزوال عادة، و التي تكون مصدراً و سبباً لعدد من تصرفات الفرد و استنتاجاته. فالفرد قد يحلم عند الغضب مرة أو عدَّة مرات. و لكنه إذا كان معتاداً على ذلك قيل: إنَّ لديه ملكة الحلم. نظراً إلى أنه من الصعب زوال هذه الصفة عنه في مستقبل عمره. و هكذا. و نقطة القوة الرئيسية في الاتِّجاه الأول هو موافقته لأقوال اللغويين. الا أننا في الفقه لا نريد التعرّف على أيِّ فرد بذل و سعة في معرفة الأحكام الشرعية، بل الفرد الذي يجوز تقليده بالنسبة إلى سائر الناس، و هو الذي يكون قوله حجة شرعيَّة بين الله سبحانه و بين عباده و يمكنه أن يتَّخذ منصب القضاء و نحو ذلك. فإننا إن أردنا مجرّد بذل الوسع و الطاقة، أمكن الإشكال من عدَّة نواحٍ: اولا: أنَّ الفرد بمجرد بدية بالحصول على العلوم الدينية التي تؤهله أخيراً للتعرّف على الأحكام، هو فعلا باذل و سعة و طاقته في سبيل هذه الغاية و إن كان مبتدئاً، فهو مجتهد بهذا المعنى. الثاني: أنَّ أي فردٍ اعتياديِّ متشرعٍ يمكنه أن يستنتج بعض الأحكام في بعض المسائل الفقهية الواضحة. فهو يبذل وسعه في الكتاب و السنة و يستنتج الحكم. و قد يكون حكمه صحيحاً فعلا و مطابقاً للواقع أو للحجَّة. فهو مجتهد بهذا المعنى و إن كان متجزياً. الثالث: إننا إذا أخذنا بالمفهوم اللغوي للاجتهاد، أي بذل الوسع و الطاقة، لم يكن من الضروري بل لم يكن من الممكن، إضافة القيد الآخر، و هو كونه من الأدلة التفصيلية. فإنَّ مصدر هذا القيد لا يكون واضحاً، فإنَّه إن
ما وراء الفقه، ج1، ص: 21
كان مصدره كلام اللغويين فهو مرفوض اولا. و ليس كلامهم بحجة في مثل هذا الأمر الفقهي. و إن كان مصدره الإجماع و نحوه، فالقدر المتيقن منه هو أجزاء العمل على الحكم المستنتج عن طريق حجة. و من المعلوم أن القطع و الاطمئنان حجة عقلا و عقلائياً. فإن حصل ذلك عن غير الأدلة الاعتيادية بعد بذل الوسع، كان اجتهاداً أيضاً. و من المعلوم أن السيد الأستاذ لا يرى جواز تقليد أي فرد ممّن يندرج في هذه الإشكالات الثلاث، ما لم يكن متعمِّقاً و متبحّراً في كل الفقه. الذي هو معنى الملكة. فقد رجعنا إلى الاتجاه الثاني. و هذا الاتجاه هو المشهور جدّاً بين العلماء، بل أخذوه بنحو مسلم الصحة، الا القليل منهم. و هذه الشهرة إن حصّلت الاطمئنان بمعناه كانت هي الحجة. و يدل عليه أيضاً عدد من النصوص منها: رواية عمر بن حنظلة «1» قال: سألت أبا عبد الله- عليه السَّلام-: عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث فتحاكما. إلى أن قال: فإن كل واحد اختار رجلا من أصحابنا فرضيا أن يكونا الناظرين في حقِّهما و اختلفا فيما حكما، و كلاهما اختلفا في حديثكم فقال: الحكم ما حكم به أعدلهما و أفقههما و أصدقهما في الحديث و أورعهما. الحديث. و في رواية أخرى لعمر بن حنظلة «2» و منها قول أبي عبد الله- عليه السَّلام-: ينظران من كان منكم ممّن قد روى حديثنا، و نظر في حلالنا و حرامنا، و عرف أحكامنا، فليرضوا به حكماً فإني قد جعلته حاكماً. فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه فإنَّما استخف بحكم الله و علينا رد، و الرَّادُّ علينا الرَّادّ على الله و هو على حدِّ الشرك بالله. الحديث. و في رواية أبي خديجة «3» عن أبي عبد الله- عليه السَّلام- يقول فيها: اجعلوا بينكم رجلا قد عرف حلالنا و حرامنا. فإنِّي قد جعلته عليكم قاضياً، و إياكم أن يخاصم بعضكم بعضاً إلى السلطان الجائر.
ما وراء الفقه، ج1، ص: 22
و في رواية عن محمد بن عثمان العمري «1» يقول فيها: فورد التوقيع بخط مولانا صاحب الزمان- عليه السَّلام-: أما ما سألت منه أرشدك الله و ثبتك. إلى أن قال: و أما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنَّهم حجتي عليكم و أنا حجة الله. و في رواية عن عبد المؤمن الأنصاري «2» قال: قلت لأبي عبد الله- عليه السَّلام-: إنَّ قوماً يروون أنَّ رسول الله- صلَّى الله عليه و آله- قال: اختلاف أمتي رحمة. فقال: صدقوا. فقلت: إن كان اختلافهم رحمة فإجتماعهم عذاب؟ قال: ليس حيث تذهب و ذهبوا. إنَّما أراد قول الله عزَّ و جلَّ فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ، وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ فأمرهم أن ينفروا إلى رسول الله فيتعلموا ثم يرجعوا إلى قومهم فيعلموهم. إنَّما أراد اختلافهم في البلدان لا في دين الله. إنما الدين واحد إلى غير ذلك من النصوص. حيث ورد فيها عدّة عناوين منها: رواة الحديث. و منها: الفقيه. و منها: الناظر في الحلال و الحرام. و منها: من عرف الأحكام. و منها: من تعلم عند الرسول- صلّى الله عليه و آله. فإن حصل للفرد شيء من هذه العناوين صلح الفرد أن يكون قوله حجة بين الله- عزّ و جلّ- و عباده، و صلح قاضياً و حاكماً و معلِّماً، و كان الردُّ عليه حراماً، لأنه مثل الردِّ على الله، و هو على حدِّ الشرك بالله. و من الممكن الفهم بوضوح: من الفقيه، و العارف بالأحكام. من حصلت له الملكة، لأنه لا يكون الفرد كذلك الا بذلك. و من الواضح أن مجرد الممارسة لاستنتاج الحكم الشرعي على نطاق ضيِّق لا يجعل من الفرد مصداقاً للفقيه و العارف. و أمَّا الممارسة الموسعة فهي مقارنة مع وجود الملكة عادة. و من هذه النصوص نعرف أنَّ لفظ الاجتهاد لم يرد في الكتاب و السنة كصفة للفرد الذي يكون قوله حجة. و إنَّما الوارد فيها ما عرفناه قبل قليل. فإن
ما وراء الفقه، ج1، ص: 23
لم يكن الاجتهاد موجوداً في النصوص الشرعية الأصلية، و إنَّما هو مجرد اصطلاح سار عليه الفقهاء، إذن فلا حاجة إلى الاهتمام بتعريفه و معرفته و ترتيب الأمور عليه. نعم، هو اصطلاح فقهيٌّ جدير بالاحترام لوجوده في كلمات الفقهاء في مختلف الأجيال، بل و في مختلف المذاهب الإسلامية. الأمر الذي قد يشكل لنا إجماعاً على وجوب تقليد المجتهد و الرجوع إليه، و عدم جواز الرجوع إلى غيره. الا أنَّ القدر المتيقن من هذا الإجماع ليس أكثر من المفاهيم الواردة في النصوص التي سمعناها قبل قليل. و لا دليل على حجِّيَّته أكثر من ذلك. و حيث أن مفهوم الملكة العقلية لم يؤخذ في هذه النصوص إذن فقد يبدو أنَّ الفرد قد يصبح قوله حجَّة شرعية بدونها. كما أنَّ بذل الوسع في الاستنباط الوارد في التعريف الأول لم يوجد في النصوص، إذن فقد يبدو أنه لا حاجة إليه. الا أنَّ الصحيح ليس هو ذلك لما عرفناه من أنَّ الفرد لا يكون عادة فقيهاً، و لا عارفاً بالأحكام بشكل متكامل الا إذا حصلت له الملكة. كما أنَّ المفهوم من قوله: نظر في أحكامنا و عرف حلالنا و حرامنا، أنه بذل وسعه في ذلك، و ليس مجرد المرور العابر. إذن ينتج من ذلك أنَّ المهم اجتماع كلا التعريفين ليكون قول الفرد حجَّة أمام الله- عزّ و جلّ. فإنَّه بالرغم من أنَّ بين التعريفين نسبة العموم من وجه، لأنَّ الملكة قد تحصل للفرد من دون أن يكون ناظراً للأحكام. كما قد يكون ناظراً فيها من دون ملكة. كما يمكن أن يكون ذا ملكة و ناظراً في الأحكام في الوقت نفسه. و القدر المتيقن من جواز التقليد و حجَّيَّة القول هو الأخير. و أمَّا من حصلت له الملكة من دون أن يمارس النظر في الأحكام فيجوز تقليده نظريّاً، لأنه فقيه و عارف، و لكن ليس له قول معيَّن ليمكن تقليده الا بعد النظر و الاستنتاج للأحكام. و أمَّا من نظر في الأحكام من دون ملكة، فإن كان على نطاق ضيِّق و بدون خبرة مسبقة، فقوله ليس بحجة. لأنه ليس بفقيه و لا عارف. و إن كان النظر على نطاق واسع، فهذا ملازم عادة مع صدق الفقيه و العارف فيترتب عليه الحكم بالحجِّيَّة.
ما وراء الفقه، ج1، ص: 24
بقي من متفرعات الاجتهاد أمران رئيسيان، هما: التجزي و الأعلمية، يحسن أن نحمل فيما يلي عن كل منهما فكرة مختصرة و واضحة. التجزي في الاجتهاد: و قد وقع الحديث فيه بين الفقهاء من ناحيتين: الأولى: في إمكان التجزي، أو وجود المجتهد المتجزي. فقد لا يكون المجتهد الا مجتهداً مطلقاً و يستحيل أن يكون متجزياً. الثانية: في جواز تقليد المتجزي، و الرجوع إليه في الأحكام، على تقدير إمكانه و وجوده. و هذه الناحية هي جانب فقهي خالص خارج عن موضوع هذا الكتاب، و إنما المهم هنا هو إعطاء معنى التجزي ثم الحديث عن الناحية الأولى. و يعنون بالتجزي ما إذا كان الفرد المجتهد مستطيعاً لاستنتاج أو استنباط بعض الأحكام الشرعية من مداركها الأصلية، دون بعض. كما لو كان يستطيع أن يستنتج أحكام الصلاة دون أحكام الصوم مثلا. و في مقابلة المجتهد المطلق الذي يستطيع أن ينظر و يستنتج من المدارك الأصلية كل أحكام الفقه في كل أبوابه، و بكل مستوياته. و أمَّا الحديث عن إمكان التجزي، فهذا مربوط إلى حدٍّ ما بالتعريفين الرئيسيين الذين عرفناهما للاجتهاد. و القول بالاستحالة ينبع من التعريف الثاني، الذي يرى الاجتهاد ملكة عقلية، فقد يقال: إنَّ الملكة يستحيل أن تتجزء، بل هي إمَّا موجودة أو مفقودة. و لا معنى لأن توجد متجزئة. الا أنَّ هذا غير صحيح لعدة أمور، أهمها إشكالان: الأول: أنَّ مسائل الفقه تختلف في سهولة الاستنتاج و صعوبته، و في المقدمات التي تحتاج إليها من حيث كمِّيتها و كيفيتها. و ليست هذه المسائل سواء أو متشابهة على الإطلاق. و من الواضح أنه من الممكن أن توجد للفرد خبرة كافية و ملكة في الاستنتاج السهل، و لا يكون له ملكة في الاستنتاجات الصعبة. فهذا ليس أنَّ الملكة قد وجدت متجزئة، و إنما ملكة الاستنباط الفقهي، كسائر ملكات
ما وراء الفقه، ج1، ص: 25 الإنسان قابلة للوجوه اولا، و النمو و التكامل ثانياً، بما فيها ملكاته الجسدية و العقلية و النفسية و غيرها. و مثل هذا المجتهد الذي نتحدث عنه قد وجدت ملكته الفقهية في السهل من الاستنتاجات، و لم تتكامل بعد لتكون شاملة لكل الفقه. و لا حاجة لنا إلى أن ننظر إلى الفقه ككل لنقول: إنَّ الملكة إمَّا أن تكون موجودة فيه أو لا تكون. بل من الناحية النظرية أو الفلسفية فإنَّ لكل مسألة في الفقه أو مجموعة من المسائل ملكة تخصّها. اعتبر في ذلك بالملكات الجسدية فقد يكون الفرد قادراً على رفع الأثقال و غير قادر على الركض السريع. و مثل هذا المجتهد قد وجدت له الملكات بالنسبة إلى بعض المسائل دون بعض. الإشكال الثاني: إنَّ الأفراد يختلفون تماماً في الاطلاع على أمور الحياة، و منها ما يرجع إلى مقدمات الاستنتاج الفقهي، و ما يتوقف عليه في علم الأصول و اللغة و الفلسفة و المنطق و الرياضيات و غير ذلك. فقد يكون قوياً في بعض هذه العلوم، ضعيفاً في بعضها. الأمر الذي يترتب عليه، أن يكون استنتاجه في طرف ما هو ضعيف به من المقدمات، ضعيفاً نسبيّاً بطبيعة الحال. أو لعله غير قادر عليه على الإطلاق. فيكون مجتهداً متجزياً. و الفرق بين الإشكال الأول و الثاني: أنَّ النظر في الأول إلى السهولة النوعية في المقدمات، بحيث يستطيع أن يفهمهما الفكر الاعتيادي أم لا. و النظر في الثاني إلى جنس المقدمات الدخيلة، فقد لا يكون الفرد مطَّلعاً على بعض المقدمات و إن كانت سهلة في المنطق أو الرياضيات مثلا. أو ليس له استنتاج محدّد في مسائل علم الأصول. هذا كله، بناء على أن يكون الاجتهاد من نوع الملكة. و قد عرفنا إمكان التجزي فيه. و إذا أمكن التجزي هنا كان في الاتّجاه الآخر أولى بالإمكان. ذلك الاتّجاه الذي يقول: إنَّ الاجتهاد إنما هو مجرد ممارسة للاستنتاج و ليس هو بملكة. لكن يمكن تقريب الاستحالة حتى بناء على هذا الاتجاه. بأن يقال: إنَّ معنى التجزي هنا هو كون الفرد ناظراً في بعض المسائل دون بعض. و قد
ما وراء الفقه، ج1، ص: 26
عرفنا أنَّ مثل هذا الفرد لا يكون له الخبرة الكافية التي تجعل منه فقيهاً و عارفاً بالأحكام لكي يكون قوله حجة، و جائز التقليد. و النظر التام في مسائل الفقه هو الذي يجعل من الفرد فقيهاً عارفاً. إذن، فالمنظر الناقص خارج عن موضوع أدلة الحجِّيَّة، أو قل: إنَّ الاجتهاد عندئذٍ غير موجود. الا أن هذا الكلام غير وارد، لأننا إذا أعرضنا عن حكاية الملكة، فلا أقل من الاعتراف بكون الإنسان خبيراً، أو فقيهاً، أو عارفاً. و هذه الصفة لا تحصل بممارسة الاستنتاج من دون اطلاع على المقدمات، بل بالعكس فإنها تحصل بالاطِّلاع على المقدمات و لو من دون ممارسة الاستنتاج. كما هو المجرب في كثير من الأفراد، فإن كان خبيراً و فقيهاً لمجرد التدقيق في المقدمات، كان مجتهداً و قوله حجة، و إن لم ينظر في أيِّ مسألة فقهية على الإطلاق، فضلا عمَّا إذا نظر في بعضها. نعم، لو أراد أن يكوِّن الخبرة من ممارسة الاستنتاج، فهذه طريقة خاطئة في تكوين الخبرة، و لا يكون الفرد فقهياً بمجرد هذه الممارسة، بل قد لا يكون كذلك حتى لو مارس المرور على كلِّ المسائل الفقهية. لفرض عدم تدقيقه في المقدمات. إذن، فتقسيم الاجتهاد إلى المتجزي و المطلق من حيث مجرد الممارسة لا معنى له فقهيّاً، و لو تنزَّلنا و قبلناه، لم نقل باستحالته. الأعلمية في الاجتهاد: و يراد بها أن يكون واحد ممَّن اتَّصف بالاجتهاد المطلق أو أكثر، يتَّصف بدقة في النظر، و سداد في الرأي، و سعة في الاطِّلاع أكثر من غيره. و نحن هنا لا مجال إمامنا للدخول في حكم وجوب تقليد الأعلم بنحو الفتوى أو الاحتياط أو عدم وجوبه، فإنَّ هذا و تفريعاته موكول إلى الفقه نفسه. و إنما ينبغي الحديث هنا عن أمرين: الأول: في كيفية تحقّق الأعلم. بمعنى أنَّ الفرد بأيِّ شيء يجب أن يكون متفوقاً، ليكون هو الأعلم. الثاني: في الحكمة المعلومة لنا من الحكم بوجوب تقليد الأعلم.
ما وراء الفقه، ج1، ص: 27
الأمر الأول: لا يخفى أنَّ المسائل الفقهية نفسها و مقدماتها التي تتوقف عليها عديدة، لا تكاد تقع تحت الحصر، من أهمها على سبيل المثال: 1- علم الرجال الذي يتحدث عن حال الرواة. 2- علم الأصول مباحث الألفاظ. 3- علم الأصول مباحث الأصول العملية. 4- الفهم العرفي و السيرة العقلائية. 5- تفسير بعض الآيات القرآنية، أعني آيات الأحكام. و من الواضح أنَّ الأفراد يختلفون في استيعابهم و دقتهم في فهم أمثال هذه الأمور. فلربما يكون أحدهم أذكى و أدقّ و أسلط في بعض هذه الأمور، و يكون الآخر متميَّزاً في البعض الآخر. و معه فكيف يتعيّن الأعلم؟ و جواب ذلك على أحد مستويين: المستوي الأول: أن يكون أحد الفقهاء هو المتميّز في كل الأمور، أو الأعم الأغلب فيها، بحيث لا يساويه الآخرون بكل تأكيد. و معه يكون من الواضح كونه مصداقاً للأعلم. المستوي الثاني: أن ننظر إلى المقدمات التي يتوقف عليها الاستنتاج الفقهي أكثر من غيرها. و هو بشكل أساسي يتعين في علم الأصول، فإنه باب عظيم للعمق و الدقة، بخلاف علم الرجال و غيره، فإنَّه مهما كان عميقاً لم يبلغ ذلك المستوي بأي حال. إذن، فمن الواضح القول أنَّ من كان هو الأعمق و الأدق في علم الأصول، أو في المهم من أبوابه، أو في الأغلب منها. هو الذي يتعيَّن للأعلمية دون غيره. و قد يستشكل: أنه ينبغي أن يكون المدار في صفة الأعلم، هو الفهم العرفي، فكلّما كان الفرد المجتهد، ألطف ذوقاً و أشد عرفية في فهم ألفاظ الكتاب و السنة من ناحية، و قوانين السوق الممكن تطبيقها على الفقه، و هو المسمّى بالسيرة العقلائية، من ناحية أخرى. فهذا هو الأحق بصفة الأعلمية. و أمَّا التعمّق في المطالب العقلية من أصولية و منطقية و غيرها، فإنها قد
ما وراء الفقه، ج1، ص: 28
تورث إعوجاج السليقة العرفية، و صعوبة الفهم اللطيف السلس من ألفاظ الكتاب و السنة. فكيف تكون هذه الصفة هي المدار في الأعلمية. و جواب ذلك: أنَّ بين صفة التعمّق العقلي و صفة الفهم العرفي عموماً من وجه بحسب المصداق. إذ قد يكون الفرد المجتهد متَّصفاً بكلا الصفتين، كما قد يكون متَّصفاً بإحداهما دون الأخرى. و من غير الممكن القول: بتعذر الجمع بين الصفتين لأنَّ إحداهما قد تؤثر في فساد الأخرى. لأن هذا الفساد أمر قد يحصل. الا أنه يدل على درجة متدنية من العلم و التحقيق. و أمَّا إذا كان الفرد محقّقاً متكاملا، فأحرى به أن يفهم هذه الجهة و أن يتجنب الفهم العقلي المضر بسهولة. و من الواضح أن الفرد إن كان متَّصفاً بكلا هاتين الصفتين على معنى عدم إضرار إحداهما بالأخرى فهو المطلوب، و الا لم يكن متَّصفاً بهما بالشكل المتكامل. مثل هذا الفرد هو الذي يتعيّن للأعلمية. بإزاء المتَّصف بإحدى الصفتين دون الأخرى. و أما إذا دار الأمر بينهما، يعنى بين فردين أحدهما يتَّصف بصفة، و الآخر بالأخرى. فالأمر لا شك يكون لصالح من له الدقة العقلية، لأنها هي الأعمق و الأوسع بأضعافٍ مضاعفة من مجرد الفهم العرفي و الاعتماد على السيرة العقلائية، كما هو واضح لمن مارس هذين الحقلين من حقول المعرفة الإنسانية. الأمر الثاني: في الحديث عن الأعلمية: في الحكمة المعلومة لنا من الحكم بوجوب تقليد الأعلم، لو أفتينا به كما هو الصحيح، و لو عن طريق الاحتياط الوجوبي. و حاصل الفكرة: هو التثبّت من الإيصال إلى معرفة الحكم الشرعي إلى أكبر مقدار ممكن. فإن الشارع «1» الإسلامي المقدس، بعد أن علم وجود الأجيال المتأخرة من المسلمين، و المقطوعة عن مصدر الوحي النبوي، و عن مواجهة الأئمة
ما وراء الفقه، ج1، ص: 29
المعصومين- عليهم السَّلام. سنَّ لهم الطرق و القواعد التي توصلهم إلى معرفة الحكم الشرعي، و هي التي يتكفل علم أصول الفقه ببيانها. و هذه القواعد قد توصل الفرد إلى الحكم بشكل قطعي، و قد توصله بشكل ظني، و قد توصله إلى الحكم الظاهري المجعول في حال الشك. و هو في كل هذه الأحوال يعلم باليقين أنه معذور باتِّباع ما أوصلته إليه الطرق و القواعد من أحكام، و عمله مجزئ و مفرغ للذمة إن شاء الله تعالى. و عمل الشارع في جعل هذه الطرق يشبه إلى حدٍّ بعيد ما عليه الأفراد في المجتمع من التعويل في تصديق الوقائع على الالتفات و على المتواتر من الأخبار. فإن لم يكن له ذلك أمكنه تجنب الورطات بعمل معيَّن صالح على أي تقدير الذي هو معنى الاحتياط. و من الواضح أنَّه كلَّما كان ثبوت الخبر أوكد و أوثق كان أوضح في الذهن و أقر في القلب. فكذلك فإن أخبار المجتهد الأعلم عن الحكم الشرعي يكون أوضح في الذهن، و أقر في القلب، و أكثر إيصالا إلى الواقع و أكثر تجنّباً لمزالق الطريق، و أوفق بالاحتياط. فإذا دار الأمر بين خبر قيمته 85 بالمئة، و خبر قيمته 95 بالمئة مثلا. الذي هو معنى إخبار غير الأعلم مع إخبار الأعلم، كان الترجيح للخبر الأرجح طبعاً. و خاصة في المجال الذي يكون بالغ الأهمية، و هو علاقة العبد بربه و فراغ ذمته من تبعات التكاليف أمامه سبحانه و تعالى. إذن فالحكمة التي ندركها من وجوب تقليد الأعلم هي تلك.
ما وراء الفقه، ج1، ص: 30
فصل في التقليد
التقليد اصطلاح آخر مقابل للاجتهاد في ألسنة الفقهاء، و هو مأخوذ من الناحية اللغوية من أحد منشأين: المنشأ الأول: إنَّ التقليد مأخوذ من قلّد على معنى شابهه في الصوت، أو الفعل، كتقليد القرد و الببغاء للإنسان. و محل المشابهة هو أنَّ الفرد الاعتيادي يقلِّد المجتهد في أفعاله فيصلي كما يصلي، و يصوم كما يصوم، يعني في جميع الفتاوى و التفاصيل. أو أنه يقلِّد المجتهد في أقواله. لا بمعنى أنه يكرّرها كالببغاء، بل بمعنى أنه يطبِّقها على حياته، بعد أن يعرف الحكم الشرعي منها. و هذا المعنى و إن كان أبعد في المجازية، الا أنه أنسب من السابق، لأنَّ التقليد في الأفعال، خاصّ بما أتى به المجتهد من تكاليف، دون ما لم يأت به، لوجود الفروق العديدة عادة بين المجتهد و المقلِّد، كأحكام المرأة و الرجل مثلا. المنشأ الثاني: إنَّ التقليد مأخوذ من قلَّد إذا جعل في عنقه قلادة. على معنى أنَّ المقلِّد يجعل مسئولية عمله كالقلادة في عنق المجتهد، الذي هو بدوره يتكفل أمام الله سبحانه صحة أو بطلان ما قاله من أحكام و ما أفتاه من فتاوى. و الوضع في الرقبة، بالمعنى المعنوي، معنى عرفي سائر بين الناس، و غير مستغرب. و هو يعبِّر عن الذمة أو المسؤولية. فقد يكون الفرد في رقبته دين، أو الحفاظ على مال معين كالأمانة، أو الإتيان بفعل معيَّن كاحترام الأب أو المعلم. و مهما يكن من المنشأين فكلاهما صحيح و قابل للانطباق. و لا حاجة إلى الدخول في تفاصيل مناقشاتهما.
ما وراء الفقه، ج1، ص: 31
و كما عرفنا أنَّ الاجتهاد في اصطلاح الفقهاء احتوى على منحيين في الفهم أحدهما: عملي: و هو ممارسة الاستنباط. و الآخر نفسي: و هو الملكة التي تتضمن القدرة على تلك الممارسة. فكذلك التقليد، يحتوي على منحيين من هذا القبيل: أحدهما: عملي: و هو تطبيق فتاوى المجتهد، فكل ما عمل الفرد و طبق منها، فقد قلّده فيها، و ما لم يطبق فلم يقلّد فيه. ثانيهما: نظري: و هو النية أو العزم على الرجوع إلى مجتهد معيَّن، حتى و إن لم يطبق شيئاً من فتاواه بعد. و بالرغم من أنَّ المنحى النفسي أو العقلي، في الاجتهاد كان هو الأرجح، الا أنَّ المنحى العملي في التقليد هو الأرجح، و من هنا لم يكن الاجتهاد و التقليد معنيين متقابلين تماماً. على أنه لا فائدة عملية من تسجيل تقابلهما التام. أما المنحى العملي في التقليد، فينطبق عليه كلا المنشأين السابقين لمعناه. أمَّا المنشأ الأول فواضح الانطباق لأنه عملي بدوره. و أما المنشأ الثاني، فلأن تطبيق حكم المجتهد عمليّاً يعني ضمناً جعل مسئولية هذا العمل في ذمته. و هذا بخلاف المنحى النظري للتقليد، لوضوح عدم انطباق المنشأ الأول، الذي يتضمن التطبيق العملي، مع مجرد نية التقليد، فإنَّ هذه النية ليست تطبيقاً و لا لحكم واحد من فتاوى المجتهد. و إنما هو العزم على التطبيق في المستقبل لا غير. نعم، قد يقال بانطباق المنشأ الثاني، لأنَّ نية التقليد تتضمن جعل مسئولية أعمال الفرد في ذمة المجتهد. و هذا يكفي. الا أنَّ هذا لا يخلوا من توسّع في المجازية، و كلما رجعنا إلى الأقل من العلاقات المجازية، و اقتربنا إلى المعنى الحقيقي، كان أولى كما هو المتحقق في علم الأصول. لأنَّ جعل المسؤولية في ذمة المجتهد إنما يكون في التطبيق العملي للفتوى. و أمَّا تسمية النية بأنها على هذا الغرار أيضاً، فإنما هو باعتبار أنَّها عزم على ذلك التطبيق. إذن، فبكل صورة تكون نية التقليد، عزماً على التقليد، و ليست تقليداً
ما وراء الفقه، ج1، ص: 32
بذاتها. و إن كانت صحيحة بذاتها، لأنها عزم على تطبيق الحكم الذي هو حجة أمام الله- عزّ و جلّ. و لكنها على أيِّ حال ليست ضرورية، لأنَّ العمل إن كان مطبّقاً على الحكم الذي هو حجة كفى في إجزائه و عذر فاعله و لو كان بدون تلك النية. كما لو كان العمل قد طابق الحكم صدفة. و لذا قال مشهور الفقهاء بأنَّ العمل بدون تقليد، إنما يكون باطلا إذا كان مخالفاً للحكم الذي كانت حجِّيَّته سارية المفعول عند العمل. و أمَّا إذا كان مطابقاً له، فلا إشكال في صحته، بالرغم من عدم وجود نية التقليد، بل عدم الالتفات إليها. نعم، تكون هذه النية أقرب للاحتياط الاستحبابي، لذهاب بعض الفقهاء أو مشهور هم إليها. كما أنها انقياد «1» أمام الحكم الشرعي الإلهي. لأنَّها تتضمن العزم على الطاعة في المستقبل و ترك المعصيات، بمعنى العزم على تطبيق الحكم الحجة، و الإعراض عمَّا ليس بحجة. و من الآثار المهمة المترتبة على هذين المنحيين في فهم التقليد، ما قيل من جواز البقاء على تقليد الميت إمَّا في مطلق الأحكام، أو في خصوص ما عرفه منها، أو في خصوص ما عمله منها. و الدخول في تفاصيل ذلك موكول إلى الفقه. و الغرض الآن هو الإلماع إلى ارتباط ذلك إجمالا بهذين المنحيين: فإن كان التقليد، هو مجرد النية، جاز البقاء في تقليد الميت في كل الأحكام و الفتاوى، لأن نيّته من الأول كانت شاملة لها جميعاً. و لو إجمالا. و أمَّا إذا كان التقليد هو التطبيق العملي، كما هو الصحيح، فإنما يجوز البقاء في تقليد الميت في خصوص ما عمله المكلَّف و طبَّقه من الأحكام دون غيره، لأنَّ مجال التقليد هو ذلك دون غيره و هذا هو الصحيح أيضاً. و أمَّا القول الآخر القائل بالجواز في حدود ما علم من الفتاوى فهو
ما وراء الفقه، ج1، ص: 33
ناشئ من المنحى الأول. لوضوح أنَّ المكلَّف لم يطبق كل الفتاوى التي علمها. و إنما نوى تطبيقها فحسب. نعم، يحتاج هذا القول ليمتاز عن القول الأول إلى ضم هذا القيد، و هو أنَّ النية إنما تتعلق بما علم المكلّف من الأحكام لا الأحكام كلّها حتى لو كانت مجهولة. و بتعبير أوضح أنّ المكلّف إنما يتعهد و ينوي العمل بهذه الرسالة العملية للمجتهد لا بغيرها من الأحكام. مع افتراض أنَّ استلامه للرسالة العملية بمنزلة علمه بمضامينها. الا أنَّ هذا باطل من وجوه نذكر منها اثنين: الأول: إنَّ استلام الرسالة ليس بمنزلة علمه بمضامينها. و إنما يعلم المضمون إذا قرأه و فهمه. و هذا لا يحصل من العوام بطبيعة الحال. الثاني: إنَّ النية وجداناً تتعلق بالاعتماد على هذا المجتهد الذي يكون قوله حجة، في كل الفتاوى، و ليست في خصوص ما هو موجود في الرسالة. فإنَّ الفرد يدرك إجمالا أنه يبتلى في حياته بحوادث لا توجد أحكامها في الرسالة أو لا يفهمها منها. فهو ينوي أيضاً أن يرجع إلى المجتهد في مثل ذلك أيضاً. و عليه، فإن كان المنحى الأول للتقليد صحيحاً، و هو مجرد النية. إذن، يكون القول الأول- و هو جواز البقاء على تقليد الميت في كل فتاواه ما علم و ما لم يعلم و ما عمل و ما لم يعمل- هو الصحيح. الا أن نقطة الضعف إنما هي في صحة أصل هذا المنحى كما عرفنا. هذا، و كما عرفنا من جانب الاجتهاد، أنه مجرد اصطلاح سار عليه الفقهاء، و الصحيح ما عرفناه من استنطاق الأدلة الشرعية، الدالة على كون الفرد فقيهاً، و عارفاً بالأحكام، و ناظراً في الحلال و الحرام، فإن كان كذلك كان قوله حجة، كما سبق. فكذلك مفهوم التقليد، فإنه مجرد اصطلاح سار عليه الفقهاء و لم يرد في الكتاب و السنة، الا في رواية عن تفسير العسكري- عليه السَّلام- يقول فيها: فأمَّا من كان من الفقهاء صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً على هواه، مطيعاً لأمر موادة فللعوام أن يقلِّدوه. و هي محل المناقشة من ناحية السنة و الدلالة بما لا حاجة إلى الدخول في تفاصيله.
ما وراء الفقه، ج1، ص: 34
فالمهم في التقليد، ما نطقت به الأدلة التي عرفنا قسماً منها في الحديث عن الاجتهاد. حيث يقول في بعضها: فليرضوا به حكماً فإني قد جعلته حاكماً. أو يقول: و أمَّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنهم حجَّتي عليكم، و أنا حجة الله- إلى غير ذلك «1». و نحن لا نتكلم في أصل وجوب التقليد، لكي نناقش تفاصيل هذه الأدلة من حيث السنة و الدلالة. فإنَّ ذلك موكول إلى الفقه. و إنما نأخذ الآن بلبّها أو القدر المتيقّن منها، و هو كافٍ في الدلالة على وجوب الرجوع، أو السؤال من المجتهدين فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ «2». و السؤال إنَّما يكتسب الأهمية لأنّه في طريق التطبيق، فالمهم في التقليد أخيراً هو التطبيق.
ما وراء الفقه، ج1، ص: 35
فصل في الاحتياط
و هو في الاصطلاح إيجاد العمل أو التطبيق الذي ينتج اليقين بفراغ الذمة و الخروج عن العهدة. مأخوذ من التشبيه بالحائط الذي يدور حول بستان أو مخزن ليقي ما فيه من التلف و السرقة. و من هنا ورد: خذ بالحائطة لدينك. و ورد: أخوك دينك فاحتط لدينك. و هو بهذا المعنى، مفهوم جليل و ضروري في بعض الأحيان. و منه قالوا ببطلان العمل لتارك الطرق الثلاث: الاجتهاد و التقليد و الاحتياط- فإذا لم يلتزم الفرد بإحدى هذه الطرق كان عمله باطلا شرعاً. الا أنَّ هذا المعنى غير صحيح، على ما سنقول. بل الصحيح، هو بطلان تارك الطريقين: الاجتهاد و التقليد، مع حذف الاحتياط، يعني: عمله باطل و إن كان محتاطاً. و توضيح ذلك بشكل تظهر معه بعض التفاصيل أيضاً: أنَّ الاحتياط إمَّا أن يكون كلِّيّا أو جزئيّاً، و على كلا التقديرين فإمَّا أن يكون في كل الأحكام أو في بعضها. و هذه الأحكام إمَّا أن نريد بها الأحكام الواقعية عند الله- عزّ و جلّ-، و إمَّا أن نريد بها تلك الأحكام التي ثبت عليها الحجة الشرعية. و على كل تقدير أيضاً فإمَّا أن يكون الاحتياط موجباً للتكرار أو لا. فالحاصل ستة عشر احتمالا. ناشئاً عن 2 يعنى مضروبة في نفسها أربع مرات. و المراد من الاحتياط الكلّي هو الاحتياط المستوعب لكل الاحتمالات الواردة في محل الابتلاء قلّت أو كثرت. و هو موجب- مع إنجازه- لليقين بفراغ الذمة، سواء كان في كل الأحكام أو بعضها. و المراد من الاحتياط الجزئي، هو الاحتياط المقتصر على بعض الاحتمالات دون بعض، كما لو كانت هي الأهم أو هي التي قامت عليها
ما وراء الفقه، ج1، ص: 36
الحجة أو نحو ذلك. و هذا الشكل لا ينتج اليقين بالفراغ. بل الظن به، و إن كان هذا الظن قد يكون حجة إذا كانت أطراف الاحتياط حجة. فيكون مفرغاً للذمة و إن كان جزئياً. و المراد بالاحتياط الموجب للتكرار، ما كان فراغ الذمة متوقفاً على تعدّد العمل، كالصلاة المتعددة إلى الجهات المحتمل وجود القبلة فيها. و الجمع بين القصر و التمام. و أمَّا الاحتياط غير الموجب للتكرار فهو الأكثر مصداقاً، كما لو احتمل وجوب شيء فأتى به، أو احتمل حرمة شيء فتركه. و الاحتياط قد يكون من عمل الفقيه في فتواه و هو المسمى بالاحتياط في الفتوى، كما إذا احتمل الفقيه وجوب السورة فأفتى بوجوبها احتياطاً- كما قد يكون الاحتياط من عمل المقلّد. كالأمثلة السابقة. و هذا قد يكون وجوبياً، و قد يكون استحبابيّاً. و هذا ما سنذكره أخيراً بعد الحديث عن التفاصيل السابقة. و أوسع أنواع الاحتياط هو الاحتياط التام في كل الأحكام الواقعية، فكلّما عنّ للفرد تكليف أخذ بأحوط الاحتمالات فيه. و هذا هو الذي جعله الفقهاء بديلا عن الاجتهاد و التقليد. و قالوا بصحته كطريق ثالث. بصفته موجباً لليقين بفراغ الذمة. الا أنَّ هذا غير صحيح، لأنه يواجه عدَّة إشكالات نذكر أهمها: اولا: قد يكون الاحتياط مستحيلا أو متعذرا، كما في الشك في ركعات الصلاة، فإنَّ الصلاة المشكوكة يكون قطعها مخالفاً للاحتياط، كما أنَّ الاستمرار بها بأيِّ شكل كان مخالف له أيضاً. و الفرد لا يخلو من أحد الأمرين إمَّا القطع، أو الاستمرار، و ارتفاع النقيضين مستحيل. ثانياً: قد يكون الاحتياط فيه عسر و حرج أو صور أو مشقة، و نحو ذلك من الأمور المسقطة للتكليف شرعاً، لقوله تعالى ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ. و قوله- صلَّى الله عليه و آله-: لا ضرر و لا ضرار. و نحوها ممَّا لا مجال الآن لاستعراضها. كما لو كان الاحتياط موجبا للتكرار بحيث يكون موجباً للمشقة و الحرج. و منه أيضاً الاحتياط في الاجتناب عن النجاسات و المتنجسات. فإن الاحتياط المطلق فيها يقتضي مقاطعة الدنيا بما
ما وراء الفقه، ج1، ص: 37
فيها حتى الطعام و الشراب و اللباس و العائلة. و خاصة في أغلب المجتمعات التي رأيناها على مدى التاريخ. و في هذا من الحرج ما لا يوصف. و قد يقال بإزاء ذلك: إنَّ الاحتياط إذا كان حرجياً، أمكن الاقتصار منه على ما دون ذلك. الا أن هذا غير صحيح: اولا: لأننا نتحدث عن الاحتياط التام. و مع الاقتصار لا يكون موجباً لليقين بفراغ الذمة. ثانياً: أنَّ بعض أقسام الحرج يكون الأحوط تحملها، و هو أمر غير محدّد في نفس الأمر. ثالثاً: قد يكون الحرج واقعاً، فيما يكون الظن فيه راجحاً أو المظنون فيه مهمّا نسبيّاً، فيكون الأحوط فعله و هكذا. رابعاً: من الإشكالات على الاحتياط التام: أنَّ الاحتياط قد يكون في كلا احتمالي المسألة. ممّا يجعل الاختيار متعذِّراً «1». كما لو عقد أحد زوجته بغير اللغة العربية، فإنَّ وجود الزوجية بهذا العقد مخالف للاحتياط، كما أنَّ عدمها مخالف له أيضاً. و كذلك البيع بالمعاطاة، فإنَّ نية المشتري التملك على المبيع مخالف للاحتياط، كما أنَّ إرجاعه إلى البائع لبطلان المعاطاة، مخالف له أيضاً. و الأمر قد يدور بين النقيضين، و بين الضدين أو بين الضررين. و هكذا. الأمر الذي ينتهي بنا إلى تعذّر الحكم بوجوب الاحتياط المطلق في كل الأحكام الواقعية، أو اعتباره بديلا عن الاجتهاد و التقليد. و من هنا فقد يصير الفرد إلى احتياط أضيق من ذلك، و هو الاحتياط التام في كل الأحكام التي قامت الحجة عليها، أو من المحتمل قيام الحجة عليها. فهذا الاحتياط إن التزمه الفرد غير الخبير، لم يعد شكل الاحتياط السابق لفرض عدم الخبرة فيما قامت عليه الحجة، أو ما يحتمل قيامها عليه. فترد عليه سائر الإشكالات السابقة. و إن التزمه الفرد الخبير بمواقع النظر و العمل، فإن كانت أطرافه ما كان محتمل الحجِّيَّة، لم ينقص عن الاحتياط الأول الا قليلا، و تكون نفس الإشكالات واردة عليه. و إن كانت أطرافه ما قامت الحجَّة عليه، كان الأمر منطقيّاً و صحيحاً في كثير من الأحيان. فإنَّ الحجة تقوم عادة على حكم واحد، و لا تقوم على حكمين في مسألة واحدة الا نادراً كما في صورة وجود اثنين متساويين في العلم و متّصفين معاً ما وراء الفقه، ج1، ص: 38
بالأعلمية عن الآخرين. فيكون قولهما حجة، فإن اختلفا كانت كلتا الفتواءين حجة على القاعدة، فاللازم في مثل ذلك اختيار أقربهما إلى الاحتياط، مع وجود الخبرة الكافية في ذلك. و إذا تعدّينا عن هذه الاحتياطات الموسَّعة نسبيّاً، لم يبق عندنا الا الاحتياطات الواقعة في حوادث بعينها. كما لو شك المكلف في القبلة، أو شك في الركعات و لم يعرف الحكم فوراً، سواء كان موجباً للتكرار أو لم يكن. و من هذه الاحتياطات ما يكون واجباً، و منها ما يكون مستحباً. و الأمر فيها موكول إلى الفقه. بقي الإلماع في النهاية إلى الانقسام الأخير الذي ذكرناه. فإن الاحتياط كما يقوم به المكلف، كما هو الأغلب، قد يقوم به المجتهد الفقيه أيضاً. و ذلك، فيما إذا قام لديه طريقان كلاهما حجة على القاعدة، و لكنهما يتعارضان في الدلالة على الحكم، فاللازم أحياناً أن يختار في فتواه أقربهما إلى الاحتياط فيفتي به، فتكون الفتوى ناشئة من العمل بالاحتياط. و هو المسمى، بالاحتياط في الفتوى. يقابله: الفتوى بالاحتياط. و هو أمر الفقيه للمكلَّف بالاحتياط الذي يكون عادة وجوبيّاً. و هو كثير في الرسائل العملية «1». و قد يكون الاحتياط استحبابيّاً، و ذلك فيما إذا قامت الحجة على خلافه، و لكن يبقى المجال مفتوحاً للاحتياط. كما لو ذهب الفرد في الاجتهاد أو التقليد إلى عدم وجوب السورة أو جلسة الاستراحة. الا أنَّ الإتيان بها على أيِّ حال أوفق بالاحتياط و أوكد للانقياد. و لكنه لا يمكن أن يكون وجوبيّاً لغرض قيام الحجة بخلافه، بحيث لو لم يرد المكلف أن يحتاط، لكان معذوراً طبقاً لتلك الحجة. كما لو ترك قراءة السورة أو جلسة الاستراحة.
ما وراء الفقه، ج1، ص: 39 |