|
ما وراء الفقه السيد محمد محمد صادق الصدر (( قده))
الجزء الثاني
كتاب
الخمس
فصل
ملكية الامام للانفال وغيرها
قال الله تعالى في كتابه الكريم: يسألونك عن الانفال قل الانفال لله وللرسول.
واود فيما يلي ان انقل فقرة من شرح (تفسير الميزان) لهذه الاية الكريمة. لانه
مختصر ومفيد( ) :
قال: الانفال جمع نفل بالفتح وهو الزيادة على الشيء. ولذا يطلق النفل
والنافلة على التطوع لزيادته على الفريضة. وتطلق الانفال على ما يسمى فيئا
ايضا. وهي الاشياء من الاموال التي لا مالك لها من الناس كرؤس الدبال وبطون
الودية والديار الخربة، والقرى التي باد اهلها وتركة من لا وارث لها، وغير
ذلك كأنها زيادة على ما ملكه الناس. فلم يملكها احد فهي لله ولرسوله.
وتطلق على غنائم الحرب، كأنها زيادة على ما قصد منها فان المقصود بالحرب
والغزوة الظفر على الاعداء واستئصالهم فاذا غلبوا وظفر بهم فقد حصل المقصود.
والاموال التي غنمها المقاتلون والقوم الذين اسروهم زيادة على اصل الغرض.
اقول: الاصطلاح الفقهي للانفال هو كل ما كان ملكا للامام عليه السلام من
الاموال، بالشكل الذي سنشرحه بعد ذلك من شكل الملكية. وهي كل ما عدّده في
العبارة السابقة بعد ذكره لنافلة التطوع: وهو لم يستوعب المضمون المتكامل الا
انه ذكر اهم الامثلة.
غير انه عد (الديار الخربة) معها، وهو سهو منه قدس سره. ولكنه يريد الديار
التي خربت باعراض اهلها عنها. وعندئذ تندرج القرى التي باد اهلها في ضمنها
لان سبب الاعراض قد يكون هو هلاك المالك وورثته. على توضيح يأتي.
وعلى أي حال، فينبغي ان يقع الكلام في عدة جهات:
الجهة الاولى: في بعض ما ورد في الانفال، وفي سائر مملوكات الامام عليه
السلام من الروايات:
عن حفص بن البختري( ) عن ابي عبد الله عليه السلام، قال: الانفال ما لم يوجف
عليه بخيل ولا ركاب. او قوم صالحوا بايديهم وكل ارض خربة وبطون الاودية، فهو
لرسول الله (ص) وهو للامام من بعده يضعه حيث شاء.
وعن حماد بن عيسى( ) عن بعض اصحابنا عن العبد الصالح (في حديث) قال: وللامام
صفو المال ان يأخذ من هذه الاموال صفوها: الجارية الفارهة والدابة الفارهة
والثوب والمتاع مما يحب او يشتهي فذلك له قبل القسمة وقبل اخراج الخمس، وله
ان يسد بذلك المال جميع ما ينوبه من مثل اعطاء المؤلفة قلوبهم وغير ذلك مما
ينوبه. فان بقي بعد ذلك شيء اخرج الخمس منه فقسمه في اهله. وقسم الباقي على
من ولي ذلك. وان لم يبق بعد سد النوائب شيء فلا شيء لهم.
الى ان قال: وله بعد الخمس الانفال والانفال كل ارض خربة باد اهلها، وكل ارض
لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب ولكن صالحوا صلحا واعطوا بايديهم على غير قتال.
وله رؤوس الجبال وبطون الاودية والآجام وكل ارض ميتة لا رب لها. وله صوافي
الملوك ما كان في ايديهم من غير وجه الغصب كله مردود. وهو وارث من لا وارث له
يعول من لا حيلة له.
وقال: ان الله لم يترك شيئا من صنوف الاموال الا وقد قسمه فاعطى كل ذي حق
حقه. الى ان قال: والانفال الى الوالي. كل ارض فتحت ايام رسول الله (ص) الى
آخر الابد. وما كان افتتاحا بدعوة اهل الجور واهل العدل، لان ذمة رسول الله
(ص) في الاولين والاخرين ذمة واحدة. لان رسول الله (ص) قال: المسلمون اخوة
تتكافأ دماؤهم يسعى بذمتهم ادناهم.
وموثقة زرارة( ) عن ابي عبد الله عليه السلام قال: قلت له: ما يقول الله:
يسألونك عن الانفال قل الانفال لله وللرسول، وهي كل ارض جلا اهلها من غير ان
يحتمل عليها بخيل ولا رجال ولا ركاب فهي لله وللرسول.
وموثقة محمد بن مسلم( ) عن ابي عبد الله لعيه السلام: انه سمعه يقول: ان
الانفال: ما كان من ارض لم يكن فيها هراقة دم او قوم صولحوا واعطوا بايديهم
وما كان من ارض خربة او بطون اودية فهذا كله من الفيئ والانفال لله وللرسول.
فما كان الله فهو للرسول يضعه حيث يحب.
وعن محمد بن مسلم( ) ايضا عن ابي جعفر عليه السلام، قال: سمعته يقول: الفيئ
والانفال ما كان من ارض لم يكن فيها هراقة الدماء وقوم صولحوا واعطوا بايديهم.
وما كان من ارض خربة او بطون اودية فهذا كله من الفيء. فهذا لله ولرسوله، فما
كان لله فهو لرسوله يضعه حيث شاء وهو للامام بعد الرسول. واما قوله: وما افاء
الله على رسوله منهم فما اوجفتم عليه من خيل ولا ركاب. قال: الا ترى هو هذا.
واما قوله: ما افاء الله على رسوله من اهل القرى. فهذا بمنزلة المغنم. كان
ابي يقول ذلك وليس لنا فيه غير سهمين: سهم الرسول وسهم القربى. نحن شركاء
الناس فيما بقي.
ومرسلة العباس الوراق( ) عن رجل سماه عن ابي عبد الله (ع) قال: اذا غزا قوم
بغير اذن الامام فغنموا كنت الغنيمة كلها للامام. واذا غزوا بامر الامام
فغنموا كان للامام الخمس.
ووردت عن اهمية اموال الائمة عليهم السلام روايات مؤكدة كثيرة. نذكر طرفا
منها:
رواية ابي بصير( ) قال: قلت: ما ايسر ما يدخل به العبد النار. قال: من اكل من
مال يتيم درهما. ونحن اليتيم.
وعن ابراهيم عن ابيه قال: كنت عند ابي جعفر الثاني (ع) اذ دخل عليه صالح بن
محمد بن سهل، وكان يتولى له الوقف بقم. الى ان يقول (ع): والله ليسألنهم الله
يوم القيامة عن ذلك سؤالا حثيثاً.
وعن ابي الحسين الاسدي( ) قال ورد علّي توقيع عن محمد ابن عثمان العمري
ابتداء لم يتقدمه سؤال. الى ان يقول (ع): لعنة الله والملائكة والناس اجمعين
على من اكل من مالنا درهما حراما.
وفي رواية عن ابي حمزة الثمالي( ) عن ابي جعفر عليه السلام، قال سمعته يقول:
من احللنا له شيئا اصابه من اعمال الظالمين فهو له حلال وما حرمناه من ذلك
فهو حرام.
وعن ابي خالد الكابلي( ) عن ابي جعفر عليه السلام، قال: وجدنا في كتاب علي
عليه السلام: ان الارض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين. انا
واهل بيتي الذين اورثنا الارض ونحن المتقون والارض كلها لنا. فمن احيى ارضاً
من المسلمين فليعمرها وليؤد خراجها الى الامام من اهل بيتي وله ما اكل منها،
(الى ان قال) حتى يظهر القائم عليه السلام من اهل بيتي بالسيف فيحويها
ويمنعها ويخرجهم منها كما حواها رسول الله (ص) ومنعها. الا ما كان في ايدي
شيعتنا، فانه يقاطعهم على ما في ايديهم ويترك الارض في ايديهم.
الجهة الثانية: في محاولة فهم هذه الروايات، وتعداد ما تذكره مما هو عائد الى
الامام عليه السلام.
وذلك بغض النظر عن اسنادها، فان الفتوى على طبقها مشهور. مضافا الى اسناد
بعضها لبعض. فان احتجنا فقهيا الى الاشارة الى ضعف بعض الاسناد اشرنا اليه.
وتندرج مملوكات الامام عليه السلام في عدة ابواب:
الباب الاول: متعلق بما يجوزه الجيش الاسلامي بعد جهاد مشروع، او ما يكون تحت
سلطته من اشياء.
اولا: صفايا الملوك. وهو ما كان ملك البلاد المفتوحة قد اختاره لنفسه من ثياب
ودور ومماليك واراضي ووسائط نقل وغيرها مما ليس بغصب، (فان الغصب كله مردود)
كما هو مقتضى القاعدة، وتنص عليه الرواية.
ثانياً: له ان يختار ما يشاء من الاموال: الجارية الفارهة والدابة الفارهة
والثوب والمتاع مما يجب ويشتهي. كما سمعناه من الرواية. يصرف ذلك في الحاجات
العامة ( يسد بذلك جميع ما ينوبه مثل اعطاء المؤلفة قلوبهم وغير ذلك).
وهذا يكون قبل القسمة وقبل اخراج الخمس، كما تنص الرواية.
ثالثاً: الخمس، فانه يجب اخراج الخمس، من الغنيمة بنص القرآن الكريم:
(فاعلموا انما غنمتم من شيء فان لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى
والمساكين وابن السبيل).
يعين اخراج 20% من مجموع ما وصل تحت اليد في الجهاد، وعاطائه للامام عليه
السلام، يتصرف فيه كيف شاء. وهذا بغض النظر عن (حق السادة) كما سوف نشير اليه
بعد ذلك.
رابعاً: له حصة حين يقسم المال المغنوم بين المقاتلين فان له حصة كاحدهم
ايضاً.
خامساً: اذا كانت الحرب غير مشروعة في الدين، فتكون الغنيمة كلها للامام عليه
السلام، لا يجوز تقسيمها بين المقاتلين، ولا يختص هو بخمسها، بل له جميع
المال مهما كثر.
الباب الثاني: ما يتعلق بالاراضي. يكون للامام عليه السلام منها ما يلي:
اولا: الاراضي الموات، يعني البراري القفار التي لم يمر عليها ملك احد.
ثانياً: الآجام، وهي الغابات والاحراش.
ثالثاً: كل ارض باد اهلها، بعد ان كانت مسكونة. لاي سبب كان هلاكهم.
رابعاً: كل ارض عرض عنها اهلها وخرجوا منها. كما لو خرج سكان احدى المدن من
مدينتهم الى غير رجعة لسبب قاهر كالوباء او احتمال الدمار ببركان اوغير ذلك.
فتكون الاراضي والبيوت المهجورة للامام عليه السلام.
خامساً: رؤوس الجبال وهي اعاليها وقممها.
سادساً: بطون الاودية. وهي الاراضي المنخفضة التي تكون بين الجبال.
واذا سمعنا الرواية تقول: رؤوس الجبال وبطون الاودية فهمنا عرفا ان كل الجبل
وكل الوادي له وليس لرأس الجبل وبطن الوادي ايه خصوصية.
ويدعم ذلك ان الاراضي الموات له من البراري والصحارى. فان الفكرة مشتركة
بينها جميعا، وهي كونها مما لا يجري على يد مالك، وانما يوكل امرها الى
الحاكم.
سابعاً: سيف البحار، وهي شواطيها، وهذا موجود في كلام الفقهاء، ولم تشر اليه
هذه الروايات.
ثامناً: كل ارض دخلها الجيش المسلم دخولا مشروعا في الدين، بدون قتال، فلا هم
اسلموا ولا قاتلوا ولا صالحوا، ولكن خافوا وسلّموا. فتكون الاراضي كلها
للامام.
وهذا هو المشار اليه بانه لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب ولا رجال، ولا يكون فيه
هراقة دم. يعني اهراق دم نتيجة للقتال.
تاسعاً: كل ارض صالح اهلها عليها، خوفا من الجيش المجاهد او طمعا او لاي سبب،
وكان في شرط الصلح ان تكون الاراضي للامام، فتكون له.
الباب الثالث: ما يتعلق بالاموال في الظروف العادية، وهي على قسمين كلاهما
للامام.
القسم الاول: ان الامام وارث من لا وارث له.
فمن لا يكون له وارث معروف من الطبقات المشروعة له كتاب الارث، يكون وارثه
الامام عليه السلام.
القسم الثاني: له نصف الخمس المجعول او المشروع في الاية الكريمة: ( انما
غنمتم من شيء فان لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن
السبيل).
حيث قسمت الاية الكريمة الخمس ستة اقسام. الا ان الفقهاء طبقا لما دلت عليه
الادلة المعتبرة قالوا بوجوب قسمته نصفين: نصف للامام عليه السلام وهو ماكان
( لله وللرسول ولذي القربى) وهو ما يسمى بحق الامام (ع) ونصف للفقراء
العلويين وهو ما يسمى بحق السادة. وهو ما كان في الاية الكريمة (لليتامى
والمساكين وابن السبيل). على تفصيل ليس هنا محله.
ولنا بعد ذلك عدة ملاحظات في محاولة فهم بعض ما ورد في هذه الروايات من عبائر:
الملاحظة الاولى: ورد في رواية حماد بن عيسى ( وللامام صفو المال ان ياخذ من
هذه الاموال صفوها. مما يحب ويشتهي).
وهذا الحب والاشتهاء مما يجلّ عنه الامام عليه السلام المعصوم عن العمد
والخطأ وعن كل شهوة دنيوية. ولعل العبارة نقل بالمعنى او ان الامام قالها
تواضعا.
واما واقع الامر فان الامام انما يريد هذه الاموال ليصرفها في المصلحة
العامة، وخاصة الامور الاجتماعية والاقتصادية والنفسية الناتجة عن الحرب.
والمفروض في منطوق الرواية وقوعها وفوز الجيش المجاهد فيها.
ولذا قال ( وله ان يسد بذلك جميع ما ينويه) مما سبق ان سمعناه. وما ينوبه لا
بصفته الشخصية بل بصفته الحاكم الاعلى في المجتمع. ولذا قال: ( مثل اعطاء
المؤلفة قلوبهم وغير ذلك).
الملاحظة الثانية: قوله في نفس الرواية ( قبل القسمة واخراج الخمس). يعني ان
الامام ياخذ الامور المشار اليها من مجموع المال ما دام مجموعاً. قبل ان يقسم
بين افراد المقاتلين، كما ورد في الادلة وكلمات الفقهاؤ، انه يُعطى للراجل
سهما وللفارس سهمان.
واما اخراج الخمس فهو قبل القسمة ايضا. الا ان الامام في هذه الرواية لم يكن
بصدد الترتيب من هذه الناحية. وانما لاحظ القسمة والخمس اجمالا.
الملاحظة الثالثة: ورد في اكثر من رواية قوله: صالحوا صلحاً واعطوا بايديهم.
يعني تنازلوا اختيارا واعطوا من انفسهم التنازل والخضوع للجيش المجاهد.
والايدي هنا لا يراد منها اليد، بل هو استعمال مجازي يراد به الاختيار. لان
ما يدفع باليد يكون مدفوعا بالاختيار عادة.
الملاحظة الرابعة: ورد في رواية حماد بن عيسى ايضا: والانفال الى الوالي.
يعني الوالي الحق. الذي له الولاية الحقيقية في الشرع الاسلامي على المجتمع.
ثم قال: كل ارض فتحت ايام رسول الله (ص) الى اخر الابد. وما كان افتتاحا
بدعوة اهل الجور واهل العدل.
يراد باهل الجور من كان دينهم في الاصل الدين الاسلامي. ولكن حكموا على غير
كتاب الله وسنة رسوله. وقد عرفنا ان جميع ما يقع بايديهم وسلطتهم من منقول
وغير منقول فهو للامام.
واما ما فتحه رسول الله (ص) وما فتحه اهل العدل، فليس الامر على اطلاقه في ان
كله للامام والرواية مقيدة بروايات اخرى معتبرة. فمثلا لا يكون للامام تلك
الاموال التي يجب ان تقسم بين المقاتلين ولا يكون له الاراضي التي صولح اهلها
على ان تكون الاراضي لهم. ولا يكون له النفوس التي تقاتل ولم تؤسر. وهم الناس
الاعتياديون في المجتمع.
الملاحظة الخامسة: بالرغم من ان الله جل جلاله نسب الى نفسه ملكية الاموال (
انما غنمتم من شيسء فان لله خمسه وللرسول) فهو مالك كملكية البشر. الا ان ذلك
لمصلحة معينة تعود الى العباد وليس لذاته المقدسة، فانه غني عن العالمين ( لا
ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم).
فما كان ملكا لله سبحانه فامر تدبيره والبت في التصرف فيه، عائد الى الرسول
(ص) وما كان امره عائدا اليه (ص) سواء ملكية الله او ملكية رسوله فهو بعد
النبي (ص) عائد الى الامام وسنرى ما يكون اذا كان الامام عليه السلام مفقودا.
الملاحظة السادسة: بالرغم من ان الانفال من ظاهر هذه الروايات وغيرها
والمصطلح الفقهي الاوكد والاوضح، يراد بها ملكية الامام او قل: مملوكات
الامام، او قل: كل ما كان لله ولرسوله وللامام من منقولات وغير منقولات
وانسان وحيوان وجماد.
الا انه غلب على استعمال هذا اللفظ: الانفال، على غير المنقول. اعني الاراضي
وما اليها. بل خص بغير الماخوذ بالجهاد كالاراضي الموات ورؤوس الجبال وبطون
الاودية وسيف البحار. فان هذه ملك الامام مطلفا بشكل لا علاقة له بالجهاد.
وهي الانفال بالمصطلح السائد. الا انه لاشك ان فيه تجوّزا. او قل: ضيقاً في
النظر. فان الانفال كما سمعنا تعم ما اخذ بالحرب وغيره من منقول وغير منقول.
وهذا بعينه يسمى الفيء والفيء هو الوصول ومن هنا سمى الظل العائد عصرا بعد ان
كان تحت الشمس، فيئاً. وظاهر القرآن الكريم والسنة الشريفة استعماله في
المعنى العام للانفال المشار اليه قال الله تعالى: ( وما افاء الله على رسوله
من اهل القرى ). يعني: وما ارجعه الله على رسوله.
والفكرة النظرية التي انطلق منها هذا الاستعمال هو ان الاصل في الاشياء ان
تكون لاهل الحق، او قل لله ولرسوله. ولكن تمّت خلال التاريخ سيطرة الكافرين
والفاسقين والمشركين على الاشياء. فكانها خرجت عن ملكية الله ورسوله الى
ملكية هؤلاء. فاذا تم الجهاد الاسلامي وغنم الجيش المجاهد بقيادة الرسول (ص)
او غيره أي شيء منقول او غير منقول فهو ( فيئ) يعني راجع الى الله ورسوله بعد
ان كان خرج عنهم، فالان عاد اليهم بعد غياب.
الملاحظة السابعة: ورد في رواية ابي بصير ما مضمونه: ان ايسر ما يدخل به
الفرد النار في الاخرة هو ان يأكل مال اليتيم. لماذا؟ لان اليتيم ليس له دفاع
الى جانبه فاذا اكل المشرف عليه امواله، فانه لا يعلم ولا يستطيع ان يفعل أي
شيء. بل قد لا يعلم ذلك احد من الخلق، فلا فائدة يومئذ حتى في تطبيق
القوانين، ولكن علم الله عز وجل شامل له وبصير به، فيدخله النار ( الذين
ياكلون اموال اليتامى ظلما …… سيصلون سعيرا).
ثم قال في الرواية: ونحن اليتيم. يعين لاي جوز ايضا اكل اموالنا بدون اذننا
ولا رعايتنا وتدبيرنا.
والتعبير باليتيم هنا له عدة وجوه اوضحها ما اشرنا اليه من ان اليتيم لا دفاع
له الى مصلحة نفسه وفي الاشراف على امواله. فكذلك الائمة عليهم السلام
ومواليهم حين لا يكون الامر بايديهم وليس لهم سلطة عامة. عندئذ يمكن لكثير من
الناس المنحرفين والفاسقين ان ياكلوا اموالهم. وهذا قائم الى حد الان فيما
يخص الامام من اموال، وخاصة ما يسمى بحق الامام من الخمس.
ولا يوجد مبرر شرعي محدد لاختمام الفقهاء بحق الامام من الخمس، واهمالهم
لسائر اموال الامام الى حد لا يوجد الان في اذهان المتشرعة لها أي تحديد.
بمعنى انهم لا يعلمون ما هي ممتلكات الامام من غير حق الامام عليه السلام.
وهذا امر مؤسف حقا. مع ان الفقهاء يعلمون ذلك ويستطيعون تدبير بعضه لا اقل.
وقد عرفنا ملكيات الامام فيما سبق. وقد يخطر في البال انها مربوطة بالجهاد
الاسلامي، ولا يوجد الان هذا الجهاد. وجوابه: ان عدم وجوده لا يعني عدم وجود
ملكيات الامام:
اولا: لان بعض تلك الملكيات لا ربط لها بالجهاد كما عرفنا. كالاراضي الموات
والغابات وغيرها مما سبق.
ثانياً: لان الجهاد بعد الاسلام قد حصل فعلا. ولا زال اثر ذلك موجودا الى حد
الان، كما يعلم الفقهاء، وغض النظر عن اثره، امر ليس بصحيح ولا شرعي.
الا ان الذي يهون الخطب في موقف الفقهاء، قصورهم غالبا عن التصدي للامور
العامة، وتدبير ما ليس بايديهم من اراضي ومجتمعات، فهم في حال تقية دائمة ،
وهذا هو عذرهم امام الله سبحانه، وليس هو من باب عدم ملكية الامام عليه
السلام للاشياء. وسيأيت الكلام عن مقدار سلطة الفقهاء على ذلك.
الملاحظة الثامنة: ورد في رواية ابي خالد الكابلي: ( ان الارض لله يورثها من
يشاء من عباده والعاقبة للمتقين). انا واهل بيتي الذين اورثنا الارض، ونحن
المتقون والارض كلها لنا.
واقرب ايضاح لهذه الفكرة من ناحية القواعد المتداولة. ان ملكية اهل البيت
سلام الله عليهم ذات مستويين:
المستوى الاول: الملكية الواقعية للاشياء بصفتهم اولياء الله عز وجل في خلقه.
فلهم الاشراف على الخلق والتدبير لهم بامر من الله عز وجل وحكمه. وهذا امر
متوافر في اخبارنا.
المستوى الثاني: ملكيتهم للانفال او الفيء. بالمعاني او بالتفاصيل السابقة
التي استعرضناها.
واما ملكيتهم للاشياء التي يملكها الناس الاخرون بمختلف مستوياتهم واديانهم
ومذاهبهم واجيالهم. فهذا لم يثبت فقهيا، كل ما في الامر ان امرهم نافذ فيه
لمن يكون له استعداد الى طاعتهم، وتنفيذ اوامرهم. فلو امر الامام شخصا ان
يطلق زوجته او يتصدق بامواله وجب عليه ذلك. وهذا شكل من اشكال الملكية، ولو
مجازا، لان الملكية في واقعها، هو سيطرة الشخص على الشيء، بحيث يستطيع التصرف
فيه بجميع انحاء التصرف والاشراف عليه تماما. وهذا كما يكون للمالك الشخصي،
يكون للامام عليه السلام بهذا المعنى.
ولا ينبغي ان يخطر في البال: ان هذا من اجتماع ملكيتين على مملوك واحد، لان
جوابه: ان هاتين الملكيتين ليسا على شكل نظري واحد وان كانت عمليا على نفس
الشكل. لانه من الناحية النظرية، فان المالك الخاص او رب المال ملكيته عرفية
او قل سوقية او عقلائية. وهي الشكل الاعتيادي من الملكية، واما ملكية الامام
لنفس الاشياء فيه ملكية ولاية واشراف وتدبير، وليست مليكة مباشرة من الناحية
الفقهية.
الجهة الثالثة: في ايضاح ملكية الامام عليه السالم من الناحية الفقهية.
تتحقق هذه الملكية على عدة مستويات:
المستوى الاول: مستوى ملكياته الشخصية كبيته الذي يسكنه والثياب التي يلبسها
او الارض التي يصل اليه منها وارد وهكذا.
وهذه ملكياته الخاصة على غرار سائر الناس. والتي يصرف منها على نفسه وعائلته
ونحو ذلك, والتي يجب عليه فيها الحج. وهكذا.
هذه المملوكات، انم يملكها بصفته الشخصية، بصفته (فلان ابن فلان) –كما
يقولون- ويرثها منه ورثته بعد وفاته.
المستوى الثاني: المرافق العامة التي لا تستوعب المجتمع كله. كالاوقاف ولك ما
يمت الى الدولة بصلة لو كان له حكم وسيطرة. فان لم يكن له سيطرة كان هو
المستحق لها وان كان مغلوبا على امره. كالمساجد والمستشفيات والجسور والمعامل
وغيرها. مما تم انشاؤه بالاموال العامة طبعاً.
وسوف نشير قريباً الى ان هذه الملكية وما بعدها لا يملكها الامام بصفته
الشخصية، وغير قابلة للميراث بعد وفاته، وانما هي مملوكة للمجتمع ككل وانما
له منها وعليها الاشراف والتدبير، فيكون له منها التعب ولغيره المهنأ.
نعم، له حصة كباقي الناس، بصفته واحداً من الشعب او بصفته منالموقوف عليهم في
بعض الاوقاف او بصفته مريضاً في بعض المستشفيات وهكذا.
ولا ينبغي ان ننسى هنا الاشارة الى مرافق عامة اخرى مربوطة بالدولة كالجيش
والشرطة والبريد وغير ذلك كثير مما هو مربوط بالدولة. وهذا هو الذي تم تطبيقه
في زمن امير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام حين تمت له السيطرة
الفعلية على المجتمع.
المستوى الثالث: ملكيته للانفال او الفيء وقد علمنا منها الشيء الكثير. وهو
ايضا يملكها بصفته العامة لا بصفته الخاصة، ولا تذهب ميراثا لورثته.
نعم، ظاهر الروايات التي سمعناها وغيرها انه اعني الامام يستطيع ان يصرف منها
على حوائجه الشخصية. كقوله: يضعه حيث شاء: الشامل حتى للحوائج الشخصية.
وكقوله: وله ان يسد بذلك المال جميع ما ينويه: الشامل ايضا لها. وغير ذلك.
كما له ان ينوي او يقصد التملك الشخصي لبعض الاموال اذا رغب في ذلك فتدخل في
ملكيته الشخصية ويرثها الورثة.
بقي انه ينبغي الاشارة الى امرين:
الامر الاول: ان الامام عليه السلام يكون بذلك مفوّضاً على اموال لا حصر لها.
الا انه لا ينبغي ان يأتي في ذهن احد احتمال خيانته وحاشاه او التصرف القليل
فضلا عن الكثير بشكل غير عادل او غير كامل. فان ذلك على خلاف الدليل القطعي
على عصمته، وان الائمة عليهم السلام عدل الكتاب الكريم بعد رسول الله (ص):
وقول النبي (ص): من كنت مولاه فهذا على مولاه. وغير ذلك من الادلة.
وكذلك هذه هو حال كل من ينصبه الامام. في حياته او بعد وفاته من اشخاص للتصرف
في هذه الاموال العامة، من المستويين الثاني والثالث، سواء كان بالتفويض
الخاص، اعني الوكالة الشخصية ونحوها، او كان بالتفويض العام. يعني ايكال
الامر الى بعض الاشخاص المحتوين على شرائط معينة، ليكون لهم الاشراف على هذه
الاموال مدى الاجيال وسيأتي بحثه.
فانه عليه السلام، سوف لن يختار، على أي حال، الا من كان ثقة عدلا، يصل
احتمال خيانته الى درجة الصفر. وهذا تماما بصفته معصوما من العمد والخطأ في
مخالفة العدل الواقعي.
الامر الثاني: انه قد يقال فقهيا: ان ظاهر الروايات التي سمعناها وغيرها:
الملكية الخاصة للامام عليه السلام في كل هذه المستويات التي سمعناها. يكفينا
من ذلك ظواهر الآيات الكريمة كقوله تعالى: يسألونك عن الانفال قل الانفال لله
وللرسول( ). وقوله سبحانه: انما غنمتم من شيء فانه لله خمسه وللرسول ولذي
القربى( ). الاية.
وهذه اللام في هذه الايات وما يوازيها من الروايات، ظاهرة بالملكية الخاصة
عرفا وشرعا. فلماذا قلنا بان ملكيته لها ليست خاصة بل هي ملكية (عامة) بمعنى
الاشراف والتدبير ليس الا.
الا ان هذا الامر غير محتمل فقهيا، وان احتمله البعض، فان الدليل الفقهي على
خلافه. ويكفينا للاستدلال على ذلك امران:
الامر الاول: نسبة الملكية الى الله عز وجل، فانه لا يصدق بحقه سبحانه ان
يصرف منها على نفسه وعياله او يذهب ميراثا، جل جلاله عن كل نقص. اذن،
فالملكية المنسوبة اليه سبحانه انما هي نحو من انحاء الملكية العامة، بولاية
اوليائه واشرافهم.
الامر الثاني: سيرة الرسول (ص) والاولياء بعده. فانهم كانوا يصرفون هذه
الاموال العامة على المجتمع والمصالح العامة. ولم يكن ياخذ احدهم اكثر مما
يناله شخصيا بصفته فردا من المجتمع.
فالقول بملكيتهم الشخصية لكل تلك الاموال، خلاف هذه السيرة حتماً. على انه
توجد هناك ادلة اخرى على ذلك لا حاجة الى التوسع بها.
فهذا كله الحديث عن المستوى الثالث للملكية، وهي ملكية الامام عليه السلام
الانفال او الفيء بما فيه حق الامام عليه السلام.
المستوى الرابع: ملكية الامام عليه السلام، للارض كلها. بالمعنى الذي سبق ان
قلناه من ان له الامر النافذ في كل شيء او قل: في ممتلكات الاخرين. فاربابها
يملكونها ملكية شخصية او خاصة، والامام يملكها ملكية عامة بالولاية والاشراف.
وقد سبق ان عرفنا ان هذا لا يكون من اجتماع الملكيتين على مملوك واحد.
ولا حاجة الى الاشارة بان هذا المستوى للواقع بعد المستويات الثلاثة الاولى
يجعل للامام عليه السلام السيطرة والاشراف على جميع ما في الارض. لا يحول دون
ذلك الا عصيان العاصين وفسق الفاسقين واعراض المعرضين، ولا حول ولا قوة الا
بالله العلي العظيم.
الجهة الرابعة: فيمن يكون بعد غياب الامام وفقدانه وفي حدود ملكيته او سيطرته
او ولايته.
لا شك ان من عينه الامام عليه السلام بوكالة معينة، بنص خاص، ليتصرف بدله عند
عدم وجوده، فهذا الشخص له ان يتصرف بمقدار الاذن، وليس له ان يتصرف خارج حدود
اذنه ومسؤوليته. كائنة ما كانت. فقد تقتصر على الامر القليل وقد تستوعب الامر
الكثير حسب رأي الامام نفسه.
واما اذا لم يوجد الامام ولا وكيله الخاص فقد اشرنا في فصل الاجتهاد
والتقليد، بان الشارع المقدس علم انه ستكون اجيال بعيدة عن الصدر الاسلامي
الاول وستكون منقطعة عن تلقي التشيع من مصدره الاساسي، وهو اخذه من الامام
مباشرة ومشافهة. ولكن الاسلام باق ما بقي الدهر و(حلال محمد حلال الى يوم
القيامة وحرام محمد حرام الى يوم القيامة).
اذن فماذا تفعل الاجيال الاتية. ولا يمكن اهمالها او الاعراض عنها، ومن هنا
جعلوا للناس طرقا الى فهم الحرام والحلال والتشريع والتطبيق مهمة وموسعة،
اشرنا الى جانب منها هناك. وقد وردت في ذلك روايات عديدة روينا بعضها هناك.
منها على سبيل المثال: رواية لعمر بن حنظلة( ) وفيها يقول الامام ابي عبد
الله عليه السلام: ينظران من كان منكم ممن قد روى حديثنا ونظر في حلالنا
وحرامنا وعرفوا احكامنا فليرضوا به حكماً فاني قد جعلته حاكماً. فاذا حكم
بحكمنا فلم يقبل منه فانما استخف بحكم الله وعلينا رد والراد علينا الراد على
الله وهو على حد الشرك بالله.
ومنها رواية العمري( ) ومنها: واما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها الى رواة
حديثنا، فانهم حجتي عليكم وانا حجة الله.
الى غير ذلك، وتمحيص هذه الروايات عن طريق الاستدلال الفقهي موكول الى فصل
الاجتهاد السابق وكتاب القضاء اللاحق. والبقية موكولة الى الفقه وليس هذا محل
تفصيلها.
والمهم في الامر: ان علماء الاسلام اتفقوا على اعطاء بعض الصلاحيات لمن اتصف
بكونه فقهيا عارفا، وان اختلفوا في مقدار هذه الصلاحيات وسعتها ومهما كانت
فهي:
اولا: تعني النيابة عن الامام عليه السلام، في ذلك الحقل الذي يكون للفقيه
التصرف فيه.
ثانياً: تعني ازجاء الحاجات الدينية للافراد على النطاق الممكن في أي زمان
ومكان. لكن قد يكون الامكان واسعاً وقد يكون ضعيفاً، حسب ظروف التقية التي
يعيشها الفقيه.
والقدر المتيقن من الصلاحيات التي اعطيت دينياً للفقيه، مما اخذ به المشهور
بل تسالم عليه الفقهاء:
اولا: الفتوى بما توصل اليه من حكم الاسلام.
ثانياً: جواز تقليده ورجوع العامة اليه في احكامهم، مع اتصافه بالاعلمية عن
غيره.
ثالثاً: جواز توليه القضاء الشرعي بين المتخاصمين. ايا كانت قضاياهم وتطبيق
حكمه عليهم.
رابعاً: الولاية على بعض الاشياء. كالصغير الذي لا ولي له. والغائب الذي لا
وكيل له، والممتنع الذي يؤدي امتناعه الى الضرر. وللوقف الذي ليس له ولي
معروف.
خامساً: الولاية فيما يعود الى الائمة المعصومين عليهم السلام من اموال. وقد
ركّز الفقهاء على جانبين منها، واهملوا اكثر الجوانب التي عرفناها فيما سبق.
ركزوا على حق الامام من الخمس، وكذلك – وفي بعض الحدود -:
الولاية على الاوقاف والمراقد العائدة لهم عليهم السلام.
هذا، واما ما قد يخطر في الذهن من ان للفقيه ان يأم الناس في صلاة الجماعة.
وان يعقد بين الزوجين وان يوقع التصالح بين متخاصمين. ونحو ذلك من الاعمال،
فهذا وان كان صحيحاً، بل هو مستحب فعلا، والفقيه اولى به من كل الناس. الا
انه – مع ذلك - ليست هذه الامور خاصة به بل تشمل العديدين من غير الفقهاء.
ولكل مورد منها شرائطه الخاصة به. فصلاة الجماعة لا يجب فيها غير عدالة
الامام. واما عقد القران فلا يجب فيه شيء سوى ان يكون الفرد محسنا له فقهيا.
وكذلك ايقاع التصالح بين فردين او فئتين.
اما ما عددناه قبل قليل، فهو الصلاحيات الخاصة به، اعني الفقيه الجامع
للشرائط فمثلا يحرم على أي انسان ان يتولى الفتوى او القضاء غيره. وكلها
هكذا.
وينبغي ان نلتفت الى بعض الامور السلبية للفقيه. فاننا ذكرنا في هذا الفصل
اربع مستويات لسيطرة الامام المعصوم وصلاحياته ومن المعلوم ان اثنين منها ليس
للفقيه فيها نصيب وهي المستوى الاول وهي ملكيته الشخصية اذ ليس لاي فقيه ان
يتصرف بالملكية الشخصية للامام المعصوم عليه السلام. وانما تعود لورثته ان
وجدوا.
وكذلك من المعلوم فقدان الفقيه للمستوى الرابع من سيطرة الامام. وهو نفوذ
امره في كل شئ حتى لو قال طلق زوجتك او اعتق عبدك او تصدق بمالك او اقتل
نفسك. فان كل ذلك واجب الطاعة للمعصوم عليه السلام. ولكن لا يجب فيها طاعة
الفقيه. الا باحد طريقين:
احدهما: ان يأمر الفقيه الفرد او الافراد، بصفته مفتياً بالحكم الشرعي فيكون
طاعة الفرد له طاعة للحكم الشرعي، وليس له شخصياً.
ثانيهما: ان يأمر الفقيه بالولاية فيما فيه مصلحة عامة مما لا حاجة الى
التمثيل له الان. فانه يكون متبعاً وواجب الطاعة. واذا كان مبسوط اليد وجبت
طاعته حتى على من لم يقلده ايضا.
اما في الحدود الشخصية للافراد، مما لا يرتبط باحد هذين النحوين، فالفقيه غير
واجب الطاعة جزما.
نعم، قد يكون واجب الطاعة بالعنوان الثانوي، كما لو كان عصيانه اذية له واذية
المؤمن حرام. او كان عصيانه مما يترتب عليه مفسدة شخصية لبعض المؤمنين او
عامة في المجتمع( ) ، الا ان هذا كله غير المفروض من عدم ترتب أي اثر سلبي
على عصيانه.
فاذن، فالمستوى الاول والرابع، اللذين كانا للامام المعصوم غير موجودين،
للفقيه العارف.
بقي الكلام في المستويين الثاني والثالث وفيما ذكرناه من الصلاحيات قبل قليل.
كفاية في اندراجه في المستوى الثاني. لانها جميعا تمثل جانباً مهما من ذلك
المستوى. نعم اذا كان مبسوط اليد، جاز له تولي جميع حدود المستوى الثاني من
صلاحيات، ولم يجز له التخلي عنها او ايكالها الى غيره، الذي قد لا يكون صالحا
لها شرعياً او واقعياً.
واما ولايته على المستوى الثالث الذي ذكرت الروايات ملكية الامام له.
كالمفاوز والغابات والاودية وقمم الجبال وغيرها.
فمشهور الفقهاء، بل لعله المتسالم بينهم انهم يحفظون للامام ملكيته في هذه
الامور. ولا يعني عندهم بصفتهم نواب الامام (ع) ان تنتقل الملكية اليهم. الا
انهم قد يمارسون صلاحيات الولاية بالنيابة عنه في هذه الامور.
وهذا من الفقهاء اتجاه محترم ومعقول( ) ولكننا عرفنا ان معنى ملكية الامام
لهذه الامور هو ولايته عليها في حدود المصلحة العامة، فاذا رأى الفقيه ولايته
هو ايضا بصفته نائباً عن الامام عليه السلام. فالملكية التي لا تعني اكثر مما
قلناه تثبت للفقيه ايضاً. بصفته متصرفاً في المصالح العامة( ) .
ومن هنا يمكن ان نعدد الامور التالية كشيء مندرج تحت الولاية: الخمس بقسميه
مهما كان مصدره والبراري ورؤوس الجبال وبطون الاودية، والآجام وكل ارض باد
اهلها، وكل ارض اعرض عنها اهلها وسيف البحار وميراث من لا وارث له.
بقي الحديث عن الاموال الناتجة عن الجهاد الاسلامي. مثل صفايا الملوك والارض
المصالح عليها وغير ذلك، فالارجح صرف النظر في الحديث عنها الان لعدم وجود
الجهاد الاسلامي.
ومن ناحية اخرى فليس للفقيه البدء بحرب جهادية ضد أي احد، الا في مورد واحد
تسالم عليه الفقهاء، وهو الدفاع اذا خيف على بيضة الاسلام. ويقصدون به احتمال
هلاك المسلمين ككل وانطماس الدين الاسلامي في منطقة معينة. عندئذ يجوز للفقيه
التصدي للحرب بل يجب عليه احيانا الا ان هذا غير خاص به بل واجب على كل
الافراد كل بحسبه. بل يجب على الافراد من خارج المجتمع ان يدافعوا عن مثل هذا
المجتمع البائس.
الا ان هذا كله الان مما لا تطبيق له في عالم الحياة. ولا دليل على جواز شيء
اوسع من ذلك قد يتسبب به الى قتل النفوس واهراق الدماء فان ذلك موكول الى
القيادة الاسلامية المعصومة كرسول الله (ص) وامير المؤمنين عليه السلام،
والمهدي عليه السلام بعد ظهوره.
ويؤيد عدم جوازه الان تضافع القوى المعادية للدين الاسلامي اضعافا مضاعفة ومن
كل الجهات، وقد اجازنا القرآن الكريم بالفرار اذا كان العدو اكثر من ضعف
الجيش المجاهد ( الان خفف الله عنكم وعلم ان فيكم ضعفا، فان يكن منكم مئة
صابرة يغلبوا مئتين وان يكن منكم الفقا يغلبوا الفين)( ) .
واما اذا كان العدد اكثر فلا اشكال في جواز الفرار والمسالمة ووجوب التقية بل
حرمة تعريض النفوس للتلف بلا مقابل. ولله في خلقه شؤون.
ولا ينبغي ان ننسى ان اكثر ائمتنا المعصومين عليهم السلام، عانوا من ظروف
التقية والمسالمة والهدنة مع الاخرين الشيء الكثير بصبر عظيم وصدر رحب كريم.
لا يستثنى من ذلك – بعد ولاية امير المؤمنين عليه السلام – الا ثورة الحسين
عليه السلام التي كانت لها مصالحها الخاصة التي لا يمكن القياس عليها او
استنتاج القاعدة العامة منها. والتي لا يصّدق فيها وفي امثالها الا المعصوم
عليه السلام.
والمهم ان الجهاد الاسلامي، اذا لم يكن موجوداً، فلا حاجة الى التعرض الى
احكامه او ولايته.
الجهة الخامسة: في ادلة التحليل.
بعد ان عرفنا في الجهةالثالثة من هذا الفصل مقدار ملكيات الامام عليه السلام
وسعة ولايته، نريد ان نعرف ما هو المأذون لنا ان نتصرف فيه كمسلمين موالين
للائمة سلام الله عليهم.
فقد ثبت فقهيا جواز التصرف في بعض تلك الملكيات العامة، كما يلي:
اولا: من احيى ارضا فهي له، كما ورد في الروايات المعتبرة، وقد سمعنا في
رواية ابي خالد الكابلي ما يشبه ذلك. الا انه امر بدفع خراج الارض الى الامام.
هو خاص باهل الكتاب وغير شامل للمسلمين، وشموله لهم غير محتمل فقهيا وقد اعرض
عن مضمونه الفقهاء. الا ان يحمل معنى الخراج على امور مالية اخرى، كالزكاة
والخمس.
والاحياء يكون بالتصرف،
بالارض بشكل معتد به عرفا كالبناء فيها او الزراعة عليها او حفر بئر خلالها
وهكذا. وهذا لا يختلف فيه البراري ورؤوس الجبال وبطون الاودية والغابات
وغيرها. فان الغابات وان كانت محياة طبيعيا الا ان تطويرها واستغلالها بالعمل
البشري ممكن فتكون راجعة الى العامل.
وكذلك سيف البحار والانهار وهي شواطيها فان استغلالها واحياءها ممكن وبه تكون
راجعة الى المحيي.
ثانياً: ما يرجع الى الامام عليه السلام من اموال كحق الامام، وصوافي الملوك
لو وجدت، وكذلك ميراث من لا وارث له والاموال المغنومة بالحرب غير المشروعة
فهذه كلها على غرار حق الامام.
وحكمه: اننا يجب ان نصرفه في كل مورد نحرز فيه رضاه عليه السلام. شأنه في ذلك
شأن كل مال مملوك لاي انسان يجب ان يصرف في الموارد التي نعلم فيها برضاه
واذنه. والامام وان كان مفقودا الان الا ان هناك من القواعد الشرعية والفقهية
ما تدلنا على جواز بعض التصرفات والاذن فيها. وخاصة ونحن نعلم انه عليه
السلام لا يريد شيئا من هذه الاموال على الاطلاق للصرف منها على دنياه ونفسه
وعائلته ونحو ذلك. وانما يريدها محضا للصرف على ما فيه المصلحة الدينية
العامة او الخاصة.
ولا يخفى ان هذه الفتوى من الفقهاء احتياطية، بناء على ان حق الامام ونحوه
ملك شخصي للامام عليه السلام. وهو امر ضعيف في الوجوه الفقهية. والشيء الاصح
هو اختصاص الامام بها اختصاص ولاية واشراف ولذا من غير المحتمل انتقالها الى
ورثته بعد وفاته.
وانما تنتقل الولاية عليها الى الولي الذي بعده، وهو الامام الذي يليه.
ثالثاً: بعد دفع حق الامام الى وليه او الاستئذان منه او التصرف فيه برضاه
شأنه في ذلك شأن سائر الحقوق الشرعية كالخمس والزكاة، يبقى الباقي حلالا
للمالك. كالمال المخمس وهو الباقي بعد التخميس والمال المزكى وهو الباقي بعد
دفع زكاته.
وكذلك الارض المستغلة بالاحياء ايا كان شكله. وكذلك الموقوفات على الامام اذا
كان التصرف فيها في الحدود الشرعية. فكل ذلك، حلال لمن يصل اليه المال.
رابعاً: كانت الغنيمة في صدر الاسلام حينما تصل الى المدن الاسلامية من
الغزوات والحروب، بما فيها النساء الجواري. كان الناس يتقاسمونها ويستغلونها
بدون دفع الخمس برغم نص الآية الكريمة على وجوب دفع الخمس. الامر الذي يوجب
حرمة الاستغلال والتصرف في الاموال بما فيها الجواري.
ومن هنا وردت اخبار التحليل، والتحليل على عدة مستويات:
المستوى الاول: تحليل مطلق لكل الاموال.
كما ورد في موثقة ابي سيار مسمع بن عبد الملك( ) عن ابي عبد الله عليه
السلام: وفيها يقول: وكل ما كان في ايدي شيعتنا من الارض فهم فيه محللون
ومحلل لهم ذلك الى ان يقوم قائمنا فيجيبهم طسق ما كان في ايدي سواهم. فان
كسبهم من الارض حرام عليهم حتى يقوم قائمنا فياخذ الارض من ايديهم ويخرجهم
منها صغره.
وهذه هي الحرمة الناتجة من عدم دفع الخمس، وعدم اذن الولي في المال الولى
عليه.
المستوى الثاني: تحليل النساء.
كصحيحة الفضلاء الثلاثة( ) عن ابي جعفر عليه السلام قال: قال امير المؤمنين
علي بن ابي طالب: هلك الناس في بطونهم وفروجهم لانهم لم يؤدوا الينا حقنا.
الا وان شيعتنا من ذلك وآبائهم في حل.
وعن ضريس الكناسي( ) قال: قال ابو عبد الله عليه السلام: اتدري من اين دخل
الناس الزنا؟ فقلت: لا ادري. فقال: من قبل خمسنا اهل البيت، الا لشيعتنا
الاطيبين فانه محلل لهم ولميلادهم.
وفي رواية ابي خديجة( ) عن ذلك: هذا لشيعتنا حلال الشاهد منهم والغائب والميت
منهم والحي وما يولد منهم الى يوم القيامة فهو لهم حلال. اما والله لا يحل
الا لمن احللنا له. الحديث.
المستوى الثالث: تحليل الخمس.
فعن يونس بن يعقوب( ) قال: كنت عند ابي عبد الله (ع) فدخل عليه رجل من
القماطين. فقال: جعلت فداك تقع في ايدينا الاموال والارباح وتجارات نعلم ان
حقك فيها ثابت. وانا عن ذلك مقصرون. فقال ابو عبد الله عليه السلام: ما
انصفناكم ان كلفناكم ذلك اليوم.
وظاهر السؤال وصول الاموال من اناس ليس من مذهبهم فهل يجب دفع الخمس من قبل
اناس يرون وجوبه في ذمتهم.
وهذا يعني ان هذا غير شامل لحالات اخرى كما لو وصل المال من اناس لا يدفعون
الخمس عصيانا بعد الزامهم به تشريعياً.
والجواب نص في التحليل وعدم تكليفهم بدفع هذا الخمس، وهي عبارة تحتاج الى شرح
يكون الافضل تاجيله الى محله من الفقه.
واما ما ورد في صحيحة زرارة ( ) عن ابي جعفر عليه السلام انه قال: ان امير
المؤمنين عليه السلام حللهم من الخمس يعني الشيعة ليطيب مولدهم.
فعبارة الخمس وان كانت عامةالا ان التحليل وهو طيب المولد يجعل الامر خاصا
بالنساء ولا يشمل المواد الاخرى.
المستوى الرابع: تحليل الفيء وهي الانفال كلها.
فعن ابي حمزة( ) عن ابي جعفر عليه السلام في حديث قال: ان الله جعل لنا اهل
البيت سهاما ثلاثة في جميع الفيئ فقال تبارك وتعالى: "واعلموا انما غنمتم من
شيء………" فنحن اصحاب الخمس والفيئ. وقد حرمناه على جميع الناس ماخلا شيعتنا.
والله يا ابا حمزة ما من ارض تفتح ولا خمس يخمس فيضرب على شيء منه الا كان
حراما على من يصيبه فرجاً كان او مالاً. الحديث.
وهذا يعني اولا تحليل استغلال الارض كما سمعنا في المستوى الاول. ويعني –
ثانيا – تحليل الخراج الذي كان يرد من الارض، واستعماله بدون خراج خمسه.
وتمام الكلام موكول الى محله من الفقه.
عودة
|