|
ما وراء الفقه السيد محمد محمد صادق الصدر (( قده))
الجزء الثاني
كتاب
الصوم
1::2::3
فصل
الهلال
قال الاختصاصيون في علم الفلك: ان القمر قطره 2160 ميلا ويدور في مدار
اهليلجي حول الارض ككل المدارات الفلكية. ولهذا يتراوح بعده عنا بين 222 الف
ميل و253 الف ميل.
وسرع القمر في مداره 32 الف ميل في الساعة. أي ستة اعشار الميل في الثانية
(0.63).
الا ان كل ذلك لا يكون له اثر مهم في الفقه. وانما المهم فقهيا، هو ان شهر
رمضان او شهر الصيام يبدأ بالهلال وينتهي بالهلال. فلابد ان نحمل عن ذلك فكرة
واضحة ونقول كلمة متكاملة.
ويقع الكلام في ذلك ضمن عدة جهات:
الجهة الاولى: من الاكيد فلكياً: ان للقمر وجها واحدا متوجها الى الارض. ولذا
قال الفلكيون انه يدور حول نفسه وحول الارض في نفس الوقت حيث تبدأ كلتا هاتين
الدورتين معا وتنتهيان معا ومدتهما شهر كامل من شهور الارض.
ومن القرائن على ان للقمر وجها واحدا الى الارض هو اننا نرى في كل شهر الوجه
نفسه الذي يشبه الوجه البشري نسبياً. ويبقى ذلك واضحاً من حين يتزايد النور
في القمر كاليوم الخامس او السادس الى ان يتناقص فيه خلال العشرة الثالثة من
الشهر.
وقال الفلكيون القدماء( ) وتسالم عدد من الفقهاء، طبقا للمصادر التي كانت
متوفرة لديهم، بما فيهم بعض اساتذتنا: تسالموا ان للقمر وجها مظلما باستمرار.
وهذا وان كان بظاهره اكيدا واضحاً لان القمر لا محالة دائماً نصفه مضاء
بالشمس ونصفه مظلم. الا انهم لا يريدون ان النور والظلام يدوران حول القمر
بدورانه حول نفسه. وانما يريدون ان للقمر وجها مظلماً ثابتاً باستمرار لا يرى
الشمس ابداً.
ومن هنا حصلنا على فكرتين تكادان ان تكونا متناقضتين:
احدهما: ان القمر له وجه ثابت للارض دائماً.
ثانيهما: ان القمر له وجه مظلم دائماً، يعني ان الوجه الاخر مضئ دائماً، يعني
انه ثابت امام الشمس باستمرار( ) .
فهل يمكن ان يكون للقمر وجه ثابت للارض ووجه ثابت للشمس باستمرار، مع ان
القمر والارض في حركة دائمة، والقمر في تغير مستمر واضح.
واقل ما يلزم من الجمع بين الفكرتين هو ان الوجه المظلم هو المتوجه الى الارض
دائماً. فيكون القمر في محاق دائم او قل في خسوف كلي دائم. وهذا طبعا خلاف
الوجدان فاي الفكرتين صحيحة يمكن الاعتماد عليها؟
ولا يخفى اننا اذا اخذنا باحدى الفكرتين ونبذنا الاخرى، ايا كانت امكننا ان
نفسر منازل القمر وتغير نوره. اذ يكون الوجه الثابت تجاه الارض متحركا تجاه
الشمس، او يكون الوجه الثابت تجاه الشمس متحركا تجاه الارض مما يلزم من كلتا
النظريتين ان نرى بعض نوره احياناً وكله احياناً وكل ظلامه احياناً.
ولو كان القمر يدور حول الارض في سنة قمرية كاملة، لامكن القول بكلا
الفكرتين. غير ان تفسير تغير نور القمر يبقى متعذرا طبيعيا، لانه يلزم عندئذ،
استمرار الوجه المظلم تجاه الارض او استمرار الوجه المضيء تجاهها. وكلاهما
غير محتمل.
نعم، اذا امكننا نسبة تغير النور الى اسباب فوق الطبيعة، ارتفع الاشكال
تماما. فيمكن الالتزام بكلتا الفكرتين مع صحة تغير النور، وان دورته شهرية
حول نفسه وحول الارض. الا ان كلا من الفلكيين والفقهاء يحاولون ابعاد هذا
الاحتمال من اذهانهم ابعادا كاملا.
وقد علمنا من الفصل الذي عقدناه للخسوف والكسوف ان العلم التجريبي لا يقدم
للانسانية الا الاحتمالات، وان النظرية مهما اصبحت واضحة وارتقت الى درجة
القانون، فانها ثابتة بالاحتمال وليس باليقين القاطع، كالعلوم الرياضية حتى
ما كان مثل جاذبية الارض وحركاتها.
وقد حصلنا في ذلك الفصل على عدة موارد مجملة ومهملة من قبل المصادر الحديثة،
واصبحت مورداً للاشكال، الامر الذي ظلال الشك منبسطة على كثير مما يقولون.
الجهة الثانية: يبدأ الشهر القمري بوجود الهلال لاول مرة بعد المحاق عند غروب
الشمس.
ومعنى ذلك ان له شرطين اساسيين:
الشرط الاول: وجود الهلال عند الغروب.
الشرط الثاني: ان يولد الهلال بعد المحاق. وهذه الولادة حادث كوني او تكويني
يحصل في نسبة القمر الى الارض. وبغض النظر عن اوقات الليل والنهار على وجه
الارض، فقد يكون بعض المناطق في الليل وبعضها في نهار، بل الامر كذلك بكل
تأكيد وبعضها في فجر وبعضها في غروب.
وليس هناك تحديد للمنطقة التي يولد فيها الهلال من الارض. بل يختلف ذلك بين
الاشهر بكل تأكيد.
وهذا الميلاد لا يعني بدأ الشهر القمري لمانعين مهمين:
المانع الاول: ان وجه الارض يختلف، كما علمنا، بين الليل والنهار. فان بدأ
الشهر بالولادة، كان الشهر الجديد بادئاً خلال النهمار او خلال الليل. وهذا
لا معنى له عرفا ومتشرعيا.
ولكنه، ممكن عقلا وعلميا، يعني بعلم الفلك الطبيعي، بل هو متعين عندهم بغض
النظر عن وقت الليل والنهار، مع امكان جعل اول الشهر اليوم التالي من الناحية
الظاهرية او (الرسمية). الا ان سيرة العرف والمتشرعة على خلاف ذلك قطعا.
المانع الثاني: ان القمر في اول ميلاده يكون دقيقاً جدا بحيث لا يمكن رؤيته
بالعين المجردة بالمرة، والشرط الاساسي لبدأ الشهر القمري هو تطوره وازدياد
نوره الى درجة يمكن فيها الرؤية بالعين المجردة، على ان تكون هذه الرؤية
متحققة عند غروب الشمس. فيجعل اول الشهر في اليوم التالي.
وهذا يترتب عليه امران:
الامر الاول: ان الرؤية بالمناظير الفلكية، عندما لا يكون حجم الهلال مناسباً
للرؤية البصرية، غير كافية في بدأ الشهر القمري. وهذا لا يعني انه ليس
للمناظير اية فائدة في رؤية الهلال. بل سنشير الى ان لها فوائد عديدة، ولكنها
يمكن اعتبارها ثانوية بالنسبة الى الرؤية البصرية الاساسية.
الامر الثاني: ان المهم شرعا في بدأ الشهر القمري، امكان الرؤية، يعني وصول
نور الهلال بعد ولادته الى درجة بحيث يمكن رؤيته بالعين المجردة وليس مُهما
ان يرى فعلا. لوجود بعضب الموانع كالسحاب وغيره.
فاذا ثبت باي دليل حجة ومعتبر شرعا وجود الهلال بهذه الكيفية، كفى في ثبوت
الشهر القمري. واما الاستدلال الفقهي على ذلك فليس هذا محله، ولعلنا نعطي عنه
بعض الافكار في المستقبل.
الجهة الثالثة: يمكن الاستفادة من المراصد الحديثة من الناحية الفقهية في عدة
موارد:
اولا: يمكن ان يثبت بها ان الاهلال لا وجود له اصلا. الامر الذي يوفر الجهد
للناظرين بمحاولة رؤيته.
ثانياً: ان يثبت بها ان الهلال صغير جدا بحيث لا يكون قابلا للرؤية. الامر
الذي يوفر الجهد اولا، ويثبت عدم امكان بدأ الشهر القمري ثانياً.
ثالثاً: ان يثبت ان الهلال كبير بحيث يكون قابلا للرؤية، الامر الذي يمكن به
اثبات اول الشهر وان لم يره بالعين المجردة احد.
رابعاً: ان يثبت بالمرصد جهة وجود الهلال واحدايثاته، حتى ينظر نحوها
الناظرون ويركزون بها، دون ان يبذلوا جهدا ضائعاً في الاطراف الاخرى.
وهنا لا ينبغي ان يفوتنا امران:
الامر الاول: انه يجب من الناحية الفقهية ان يكون المخبر عن نتيجة الرصد
الفلكي بينة عادلة. ولا يكفي فيه الواحد الثقة او الخبير على الاحوط. فضلا عن
الفاسق فضلا عن الكافر. بل يجب ان يكون خبيراً وعادلاً، فضلا عن كونه رجلا
مسلما ومؤمنا. ليس هذا فقط بل رجلان من هذا القبيل.
نعم، اذا حصل العلم او الاطمئنان او الوثوق التام، من قول أي انسان امكن
التعويل عليه كحجة شرعية، لان هذه العناوين او قل: هذه الدرجات من العلم هي
حجة عرفا وشرعا.
الامر الثاني: اذا حصلت نتيجة الرصد وعرفناها بالطريق المعتبر الذي اشرنا
اليه امكن ان نحصل على النتائج التالية:
اولا: اذا اخبر المرصد بعدم وجود الهلال فهذا معناه عدم بدأ الشهر القمري.
ثانياً: اذا اخبر المرصد عن ضعف اغلهلال، وكونه دون الرؤية البصرية المجردة،
كان معناه عدم بدأ الشهر ايضا.
ثالثاً: اذا اخبر المرصد بذلك، وكان هناك ادعاء رؤية غير كافية للاثبات
المعتبر شرعا. كفى ذلك في عدم الشهر. واعتبرنا ان هؤلاء المدعين للرؤية
متوهمين او كاذبين.
رابعاً: اذا اخبر المرصد او الراصد بان الهلال كبير قابل للرؤية فهذا وحده
كاف في اثبات الشهر وان تعذرت رؤيته بالعين المجردة تماما، لوجود بعض الموانع
كالسحاب.
خامساً: اذا اخبر الراصد ان الهلال كبير، في وقت الصحو ولم يره احد لم يثبت
الشهر والسر في ذلك ما سنشير اليه بعدئذ، مما ورد في الروايات منانه (اذا
رأته عين رأته الف عين).
سادساً: اذا اخبر الراصد ان الهلال كبير وكان هناك ادعاء للرؤية غير معتبر
كفى في اثبات وجوده وبدأ الشهر.
سابعاً: اذا اخبر الراصد بعدم وجود الهلال او ضعفه ووجدت – مع ذلك – حجة
معتبرة على الرؤية، فهذا من باب تعارض الحجتين ومقتضى القاعدة تساقطهما
والرجوع الى قاعدة غيرهما وهي اكمال العدة ثلاثون يوما كما سوف نشير.
ثامناً: اذا اخبر الراصد بوجود الهلال في جهة، وثبت بطريق آخر حجة، انه موجود
في محل آخر يختلف عنه قليلاً او كثيراً. كان من تعارض الحجتين كما سبق.
فهذه ثمان نقاط تعطي فكرة كافية في امثالها مما فاتنا ذكره (وعلى هذه فقس ما
سواها).
الجهة الرابعة: في معنى التطويق وحكمه وسببه.
افتى سيدنا الاستاذ( ) بانه: اذا لم يثبت الشهر في ليلة الشك ولكن وجد الهلال
في الليلة الاخرى مطوقا، فهذا معناه شرعا ان تلك الليلة التي حصل فيها
التطويق هي الليلة الثانية من الشهر، وليس الاولى، كما هو مقتضى القاعدة
الاولية لاكمال العدة من الشهر السابق.
وهذا مطابق لروياة معتبرة سندا: عن محمد بن مرازم( ) : عن ابيه عن ابي عبد
الله عليه السلام قال: اذا تطوق الهلال، فهو لليلتين. واذا رأيت ظل رأسك فيه
فهو لثلاث.
ونتكلم فيما يلي ضمن عدة مستويات:
المستوى الاول: في الاشارة باختصار لمناقشة دلالة هذه الرواية على مراد السيد
الاستاذ. لاننا فقهيا لم نوافقه على فتواه، ولم نعتبر التطويق دليلا على كون
الليلة هي الثانية. وذلك للاعتبارات التالية:
اولا: اعراض المشهور عن الفتوى على طبق الرواية. وهو وان كان بدرجاته الضعيفة
غير مخل بالحجية، الا ان الاعراض الكثير، بحيث يصبح الفقيه الآخذ بها شاذا او
قريباً من الشذوذ، فالصحيح انه مخل بالحجية، والامر هنا كذلك، لان الشاذ من
الفقهاء هو الذي افتى بمضمونها.
ثانياً: ان ظاهر كلام الامام عليه السلام في الرواية كونه يدل السامع على
قاعدة تكوينية وليست قاعدة تشريعية، تكون كالمساعدة في استكشاف عدد ايام
الشهر. ولا شك في كونها مساعدة في ذلك، اذا لو حصل الوثوق بالعدد نتيجة
للتطويق، كان ذلك حجة.
واما ما قيل في علم الاصول من ان ظاهر كلمات الائمة عليهم السلام بانها بيان
لحكم شرعي لا لحقيقة تكوينية. فهذا صحيح في الامور المربوطة بالتشريع
كالطهارة والصلاة والصوم وغيرها. واما مجرد الاعتراف بذلك تعبداً، فهو ناشيء
من الغفلة عن العدد الضخم الوارد من الروايات والتي تتحدث عن امور غير فقهية
او غير تشريعية فلا يكون بحسب المضمون العام ( او بحساب الاحتمالات) التحاق
الرواية ببيان المضمون التشريعي الا اذا كانت اكثر الروايات ذات مضمون
تشريعي، وهذا غير محتمل عمليا.
فان قيل: ان هذه الرواية مربوطة بالصوم، فلابد ان تحملها على الحكم الشرعي
التعبدي.
قلنا: كلا. اذ ليس هناك الا ان صاحب الوسائل رواها في كتاب الصوم. واما لو
راجعنا نصها لما وجدنا فيها ذكراً للصوم ولا للعيد ولا لاي عبادة. وانما
وجدنا قاعدة تكوينية تكون منطبقة على أي شهر. فيكون القائل بانها للتشريع
محتاجا لاى اقامة القرينة.
ثالثاً: انه مع التنزل عما سبق، فان الظاهر من منطوقها الحكم الواقعي لا
الظاهري لعدم أي قرينة على اخذ الشك في موضوعها والانصراف الابتدائي منها،
ليس بحجة.
ومع دلالتها على الحكم الواقعي، تقع طرفا للمعارضة مع ما دل على ان تلك
الليلة هي الليلة الاولى.
كما لو دل المرصد الفلكي، مع شرائط حجديته، على عدم وجود الهلال بالمرة في
الليلة السابقة، الامر الذي يدل على ان هذه الليلة هي الاولى. ومع ذلك فهو
مطوق.
وكما لو كانت ليلة التطويق هي ليلة الثلاثين من الشهر السابق، بحيث لو
اعتبرناها ليلة ثانية كان اللازم اعتبار الشهر السابق ثمانية وعشرين يوما.
وكما لو كان الجو في الليلة السابقة صحوا والمراقبة شديدة، ولم يحصل أي ادعاء
للرؤية، الامر الذي يدل بالاطمئنان على ان الهلال غير موجود تلك الليلة، ومع
ذلك خرج الهلال مطوقا في الليلة التالية.
الى غير ذلك. ومقتضى القاعدة فيها هو التعارض والتساقط. ولكنه غير محتمل
فقهيا، بل الاعتماد سيكون كليا على معارض نتيجة التطويق لا محالة ، يعني
المصير الى ان الهلال ابن ليلة واحدة، وان كان مطوقا. وتمام الكلام في الفقه.
المستوى الثاني: في معنى تطويق الهلال.
حين يكون الهلال موجودا ولم يقترب نحو التربيع، كما في الليلتين الثانية
والثالثة. فان له شكلين من النور.
الشكل الاول: النور الاساسي وهو الذي يشكل الهلال نفسه، ويكون عادة منحرفا
الى الشمال من الاسفل وزاويته الى الاعلى. ويكون الجرم الاسود للهلال ممكن
الرؤية ايضاً.
الشكل الثاني: ان هذا الجرم الاسود محاط من الجانب الاخر لنور الهلال بخيط
رفيع من النور وخفيف الى حد يبدو ثم يختفي ثم يبدو يختفي. وقلما يوجد بشكل
واضح مستمر.
فهذان الشكلان من النور لو جمعنا بينهما في الفكرة، كان الحاصل: ان الجرم
الاسود واقع في وسط دائرة من النور تشبه الطوق حوله، ومن هنا سمي القمر مطوقا
وسميت الظاهرة بالتطويق.
مع ملاحظة بعض الفروق بين الشكلين:
الفرق الاول: ان نور الهلال عريض نسبياً، بينما ان نور التطويق من فوق ضئيل
جداً.
الفرق الثاني: ان نور الهلال ثابت، ونور التطويق يختفي ثم يظهر باستمرار
غالباً.
الفرق الثالث: ان نور الهلال ينمو ويزداد، بينما نور التطويق لا ينمو. ولكنك
تراه في الليالي المتقدمة كالخامسة والسابعة زائلا تماماً.
الفرق الرابع: ان نور الهلال ذو زاويتين حادتين في جانبيه مرتفعتين عن الوسط
قليلا. بينما نور التطويق خط مستقيم ليس فيه زيادة ولا نقصان. يعني ليس بعض
جوانبه اكثر سمكا من بعض (1).
(1) تخطيط التطويق

عودة
|