|
ما وراء الفقه السيد محمد محمد صادق الصدر (( قده))
الجزء الثاني
كتاب
الحج
فصل
مكة المكرمة واهم ما فيها
ونبدأ بالاهم فالاهم تحت عناوين منفصلة
الكعبة الشريفة
قالوا في اللغة( ): كعبت الشيء ربعته. والكعبة البيت المربع.وجمعه كعاب.
والكعبة البيت الحرام لتكعيبها أي تربيعها. وقالوا: كعبة البيت. فاضيف، لانهم
ذهبوا بكعبته الى تربع اعلاه. وسمي كعبة لارتفاعه وتربعه وكل بيت مربع فهو
عند العرب كعبة. والكعبة الغرفة قال ابن سيده اراه لتربعها ايضا.
اقول: والبيت: الغرفة ايضا. والغرفة اذا بنيت وحدها كانت كالكعبة. ومعه فيكون
قوله تعالى: جعل الله الكعبة البيت الحرام. يعني الغرفة المحرمة.
وقال في الموسوعة العربية الميسرة: الكعبة بناء مربع اقامه النبي ابراهيم.
جددته قريش قبل البعثة، وجدد بعد ذلك غير مرة. معبد قريش الاكبر وكان مقر
اصنامها الى ان طهره محمد (ص) عام الفتح وحطم الاصنام. كان مكشوفا ثم سقف
وكسي بالديباج.
ترسل كسوة الكعبة من مصر كل عام منذ عهد الملك الصالح نجم الدين الى اليوم.
حج اليها العرب في الجاهلية ويحج اليها المسلمون من مختلف الاقطار تسمى البيت
والبيت العتيق والبيت الحرام.
معنى البيت الحرام
روي عن الحسين بن الوليد عن حنان( ). قال: قلت لابي عبد الله عليه السلام: لم
سمي بيت الله الحرام. قال: لانه حرم على المشركين ان يدخلوه.
والحرمة هنا، يمكن ان تكون مأخوذة من الاحترام يعني البيت المحترم. كما يمكن
ان يكون مأخوذا من الحرمة بمعنى المنع. لانه يمنع فيه شرعا عدة امور:
احتقاره. والصيد فيه. والقتال فيه. ودخول المشركين فيه. ودخوله لاول مرة او
بعد شهر من الدخول السابق بغير احرام، الى غير ذلك.
معنى البيت العتيق
يمكن ان يكون مأخوذا من العتق بمعنى الحرية، لانه ليس ملكاً لاحد غير الله
سبحانه كما يمكن ان يكون مأخوذا من العتق وهو التقادم لانه مبني في الزمن
القديم جداً، على ما سوف نذكر.
وقد وردت في معناه عدة اخبار منها ما عن ابي خديجة( ) عن ابي عبد الله عليه
السلام يقول فيه: وانما سمي البيت العتيق لانه اعتق من الغرق. اقول يعني من
الطوفان.
وما عن ابي حمزة الشمالي قال: قلت لابي جعفر في المسجد الحرام لاي شيء سماه
الله العتيق. قال: ليس من بيت وضعه الله على وجه الارض الا له رب وسكان
يسكنونه غير هذا البيت فانه لا يسكنه احد. ولا رب له الا الله وهو الحرام،
وقال: ان الله خلقه قبل خلق الخلق. ثم خلق الله الارض من بعده فدحاها من
تحته.
وفي خبر آخر عن ابي جعفر قال: قلت له: لم سمي البيت العتيق، قال: لانه بيت حر
عتيق من الناس ولم يملكه احد.
وصف الكعبة
تقع في وسط المسجد تقريباً على شكل حجرة كبيرة مرتفعة البناء خربعة الشك على
وجه التقريب، يعني اكعبة، وما يسمى في الهندسة (متوازي السطوح المستطيلة).
ويبلغ ارتفاعها خمسة عشر متراً. وفي ضلعها الشرقي يقع الباب ويرتفع عن الارض
نحو مترين. ويدخل الفرد الى غرفة في داخلها وهو مملوءة في ارضها الى حد
الباب، ولكن سقفها سقف الكعبة.
ويلاصق جدارها من اسفلها بناء يسمى الشاذروان وهو بقية الاساس الذي بنى عليه
النبي ابراهيم (ع) الكعبة، بمعنى انها حين جدد بناؤها نبيت اصغر، وبقي الاساس.
وللكعبة اركان اربعة:
1- الركن العراقي ويقع في شماله.
2- الركن الشامي ويقع في الغرب.
3- الركن اليماني ويقع بالجهة الجنوبية.
4- الركن الاسود في الجهة الشرقية وفيه يقع الحجر الاسود.
وهو حجر ثقيل صقيل بيضي الشكل اسود اللون مائل الى الحمرة، وقطره 30سم وجعلوا
له اطاراً من الفضة. وسيأتي بعض الحديث عنه.
والكعبة مبنية بالحجارة الصماء، وسطحها مفروش بالواح المرمر. وفي اعلى الجدار
الشمالي يوجد الميزاب. وهو مصنوع من الذهب الخالص مطل على حجر اسماعيل.
وكسوة الكعبة من الحرير الاسود المتين. يقومون بتغييرها كل عام يوم عيد
الاضحى المبارك باحتفال رسمي.
والركن من الكعبة هو الزاوية وليس الجدار المسطح، وبصفتها مكعبة، فان لها
اركان اربعة تتجه الى الجهات الاربعة تقريباً.
وطول الضلع الذي فيه الميزاب والذي قبالته عشرة امتار وعشرة سانتيمترات. وطول
الضلع الذي فيه الباب والذي قبالته اثنا عشر متراً.
وفي الثلث الاعلى للكسوة سكة او شريط بلون فاتح تكتب عليه الآيات القرآنية
بشكل زخرفي. واذا نزعت الكسوة قسمت قطعاً بين الحجاج للتبرك بها.
معنى اول بيت
روي عن ابن شهر اشوب( ) عن امير المؤمنين في قوله تعالى: ان اول بيت وضع
للناس. فقال له: رجل: اهو اول بيت؟ فقال: لا قد كان قبله بيوت. ولكنه اول بيت
وضع للناس مباركا. فيه الهدى والرحمة والبركة. واول من بناه ابراهيم ثم بناه
قوم من العرب من جرهم. ثم هدم فبنته العمالقة ثم هدم فبناه قريش.
وعن الامام الباقر عليه السلام: لما اراد الله ان يخلق الارض الى ان قال: ثم
دحى الارض من تحته، وهو قول الله: ان اول بيت وضع للناس الذي ببكة مباركا.
فاول بقعة خلقت من الارض الكعبة ثم مدت الارض منها.
معنى الآيات البينات
عن الكافي وتفسير العياشي عن الصادق عليه السلام في قوله تعالى : فيه آيات
بينات: انه سئل ما هذه الآيات البينات. قال: مقام ابراهيم حيث قام على الحجر
فاثرت فيه قدماه. والحجر الاسود ومنزل اسماعيل.
اقول: ويمكن ان يستفاد من الآية الكريمة كون الآيات معنوية الى جنب هذه
الآيات المادية، وهي بينة لمن يصله عطاؤها، ولمن تنفتح بصيرته. ولا يعلمها
الا الله سبحانه والعبد الذي يعطاها.
وهي بالطبع تختلف من فرد الى فرد كل حسب استحقاقه عدداً واهمية، واول مراتب
اسبابها هي قبول الحج او العمرة. واول مراتب اسباب القبول هو الاخلاص في
انجارها.
والضمير في قوله تعالى (فيه): اذا كان راجعاً للمسجد الحرام الذي فيه الكعبة.
فلا اشكال لان كل تلك الامور موجودة فيه. وان كان راجعاً الى الكعبة نفسها،
كما هو الظاهر لانه تعالى يقول: ( ان اول بيت وضع للناس الذي ببكة مباركا
وهدى للعالمين، فيه آيات بينات مقام ابراهيم ) الآية ( ) .
والبيت هو الكعبة وليس المسجد، وعليه تكون هذه الآيات المعدودة في الرواية
قريبة من البيت الى حد قد تعتبر جزءاً منه. والذي يقترب منه يقترب منها. بل
هي لصيقة به تماما. اما الحجر الاسود فواضح. واما حجر اسماعيل فهو لصيق فيه
لانه يقع بين البيت والحطيم. فاحد حدوده الرئيسية هو البيت نفسه. وكذلك مقام
ابراهيم، بناء على ما هو الصحيح والمروي، كما سيأتي من ان مقام ابراهيم لصيق
بالبيت وليس منفصلا عنه.
واما بالنسبة الى الآيات المعنوية، فكلما نسب الى المسجد الحرام من الآيات،
فالكعبة اولى بها. لانها الجزء الاهم منه. واختصاصها بأمور لا تتحقق الا بها،
من المسلمات، كالطواف حولها ودخولها، وما يترتب على ذلك من الثواب.
الحجر الاسود
عن حريز بن عبد الله( ) عن ابي عبد الله عليه السلام: قال: كان الحجر الاسود
اشد بياضاً من اللبن، فلولا ما مسه من ارجاس الجاهلية ما مسه ذو عاهة الابرئ.
وعن بكير بن اعين( ) قال: سألت ابا عبد الله عليه السلام لاي علة وضع الله
الحجر في الركن الذي هو فيه ولم يوضع في غيره ولاي علة يقبل. ولاي علة اخرج
من الجنة. ولاي علة وضع فيه ميثاق العباد والعهد ولم يوضع في غيره وكيف السبب
في ذلك، تخبرني جعلت فداك، فأن تفكري فيه لعجب.
قال: فقال: سألت واعضلت في المسألة واستقصيت فافهم وفرغ قلبك واصغ سمعك،
اخبرك. ان شاء الله .
ان الله تبارك وتعالى وضع الحجر الاسود وهو جوهره اخرجت من الجنة الى آدم
فوضعت في ذلك الركن لعلة الميثاق. وذلك انه لما اخذ من بني آدم من ظهورهم
ذريتهم حين اخذ الله عليهم الميثاق في ذلك المكان. وفي ذلك المكان ترأى لهم
ربهم. ومن ذلك الركن يهبط الطير على القائم فاول من يبايعه ذلك الطير وهو
والله جبرئيل. والى ذلك المقام يسند ظهره وهو الحجة والدليل على القائم وهو
الشاهد لمن وافى ذلك المكان لمن ادى اليه الميثاق والعهد الذي اخذه الله (به)
على العباد.
واما القبلة والالتماس فلعلة العهد تجديداً لذلك العهد والميثاق وتجديداً
للبيعة وليؤدوا اليه في ذلك العهد الذي اخذ عليهم في الميثاق فيأتونه في كل
سنة وليؤدوا اليه ذلك العهد. الا ترى انك تقول: امانتي اديتها وميثاقي
تعاهدته لتشهد لي بالموافاة.
الى ان يقول (ع): واما علة ما اخرجه الله من الجنة. فهل تدري ما كان الحجر.
قال: قلت لا. قال: كان ملكا من عظماء الملائكة عند الله تعالى. فلما اخذ الله
من الملائكة الميثاق كان اول من آمن به واقر ذلك الملك. فاتخذه الله اميناً
على جميع خلقه فالقمة الميثاق واودعه عنده. واستعبد الخلق ان يجددوا عنده في
كل سنة الاقرار بالميثاق والعهد الذي اخذ الله به عليهم. ثم جعله مع آدم في
الجنة يذكره الميثاق ويجدد عنده الاقرار في كل سنة.
فلما عصى آدم فاخرج من الجنة انساه الله العهد والميثاق الذي اخذ الله عليه
وعلى ولده لمحمد ووصيه وجعله باهتا حيرانا. فلما تاب على آدم حول ذلك الملك
في صورة درة بيضاء فرماه من الجنة الى آدم وهو بارض الهند فلما رآه انس به
وهو لا يعرفه باكثر من انه جوهرة. فانطقه الله عز وجل فقال: يا آدم اتعرفني.
قال: لا . قال: اجل استحوذ عليك الشيطان فانساك ذكر ربك. وتحول الى الصورة
التي كان بها في الجنة مع آدم. فقال: لآدم: اين العهد والميثاق فوثب اليه آدم
وذكر الميثاق وبكى وخضع له. وقبله وجدد الاقرار بالعهد والميثاق.
ثم حوله الله تعالى الى جوهر الحجر درة بيضاء صافية تضيء فحمله آدم على عاتقه
اجلالا له وتعظيماً. فكان اذا اعيي حمله عنه جبرئيل حتى وافى به مكة. فما زال
يأنس به بمكة ويجدد الاقرار الاقرار له كل يوم وليلة.
ثم ان الله تعالى لما اهبط جبرئيل الى ارضه وبنى الكعبة هبط الى ذلك المكان
بين الركن والباب. وفي ذلك المكان تراءى لآدم حين اخذ الميثاق. وفي ذلك
الموضع القم الملك الميثاق. فلتلك العلة وضع في ذلك الركن.
الى ان قال: فلذلك اختاره الله تعالى من بينهم وألقمه الميثاق فهو يجيء يوم
القيامة وله لسان ناطق وعين ناظرة ليشهد لكل من وافاه الى ذلك المكان وحفظ
الميثاق.
اقول: وهذا يفسر ما سمعناه من اعتبار الحجر الاسود. من الآيات البينات التي
في البيت.
بناء الكعبة
يمكن ان نعرض فكرة احتمالية نستفيدها من عدة امور:
الامر الاول: ما ورد من ان الله تعالى خلق الف الف آدم والف الف عالم. وليس
ادمنا هو الاول ولن يكون هو الاخير.
الامر الثاني: ما ورد من دحو الارض من تحت البيت وان البيت هو الاصل في خلقة
الارض.
الامر الثالث: قوله تعالى: ان اول بيت وضع للناس، بحيث نفهم من الاول ما كان
في اول الخلقة على وجه الارض( ) .
فينتج ان الكعبة بنيت من اول ذرية عاقلة وحدت الله على وجه الارض. واستمرت
تتجدد مرة بعد مرة، والناس اعني جميع هؤلاء الذراري والعوالم المتعاقبة،
مأمورون بالخضوع لله عز وجل والتوجه اليه، بل وتجديد الميثاق من تلك المنطقة.
ومعه يكون بناء الكعبة قديماً يكادان يساوي عمر الارض نفسها.
نعم بالنسبة الى الميثاق. فان الآية الكريمة انما نصت على اخذه من بني آدم
ولم تذكر غيرهم. فهم الذين يحتاجون الى تجديده دون غيرهم. الا ان الاعتبار
اولا وهذه الرواية السابقة التي نصت على اخذ الميثاق من الملائكة تدل ضمنا
على اخذه من كل الخلقة العاقلة مهما وجدوا. فتجديد العهد يكون ضروريا لكل
نسل.
ودلالة هذه الرواية على نزول الحجر لآدم عليه السلام، لا قبله. لا ينافي ما
قلناه لعدة احتمالات:
اولا: يمكن ان ينزل الحجر على كل آدم يوجد على وجه الارض وذريته.
ثانياً: يمكن ان يكون تعاهد الميثاق على طريقة اخرى في العهود او الاوادم
السابقين.
الى غير ذلك من الاحتمالات.
واذا غضضنا النظر عن ذلك، واقتصرنا على بشريتنا هذه. بقي لدينا في اول من بنى
الكعبة احتمالات:
الاحتمال الاول: ما نطقت به الروايات واسنده ظاهر الآيات، كما سنسمع، من ان
آدم عليه السلام هو الذي بنى الكعبة. بمعونة الملائكة. ولم يكن يحتاج في ذلك
الحين الا تسطير الصخر على شكل مكعب، لا ضرورة الى ان يكون عالياً جداً. بل
لعله لا يزيد على متر واحد. والمهم ان مثل هذا البناء لا يضره المطر والرياح.
ويكون الحجر الاسود ضمن هذه الصخور.
وظاهر قوله تعالى: واذ يرفع ابراهيم القواعد من البيت واسماعيل. ان القواعد
كانت موجودة وانه ازيل البناء الذي فوقها. كنتيجة للطوفان او غيره. وكانت
وظيفة النبي ابراهيم عليه السلام ان يرفع هذه القواعد أي يبني فوقها.
الاحتمال الثاني: ان اول من بنى البيت ابراهيم عليه السلام نفسه الا ان في
هذا الاحتمال الغاء لتلك الروايات المشار اليها. ويجب ان نفهم من الآية
الكريمة: ان القواعد ايضا من صنع ابراهيم وهو لا يخلو من مخالفة الظاهر، الا
ان اشتغاله ببناء الكعبة المشرفة من الضروريات. فاما ان يكون هو اول من
اظهرها بعد الطوفان او هو الاول على الاطلاق.
قال في تفسير الميزان( ): ما زالت الكعبة على بناء ابراهيم حتى جددها
العمالقة ثم بنو جرهم او بالعكس كما مر في الرواية عن امير المؤمنين عليه
السلام.
ثم لما آل امر الكعبة الى قصي بن كلاب احد اجداد النبي (ص)
(القرن الثاني قبل الهجرة) هدمها وبناها فاحكم بناءها. وسقفها بخشب الدوم
وجذوع النخل. وبنى الى جانبها دار الندوة. وكان في هذا الدار حكومته وشوراه
مع اصحابه. ثم قسم جهات الكعبة بين طوائف قريش فبنوا دورهم على المطاف حول
الكعبة، وفتحوا عليه ابوابهم.
وقبل البعثة بخمس سنين هدم السيل الكعبة، فاقتسمت الطوائف العمل لبنائها.
وكان الذي يبنيها ياقوم الرومي ويساعده نجار مصري ولما انتهوا الى وضع الحجر
الاسود تنازعوا بينهم في ان ايها يختص بشرف وضعه، فرأوا ان يحكموا محمداً (ص)
وسنه اذ ذاك خمس وثلاثون سنة. لما عرفوا من وفور عقله وسداد رأيه فطلب رداء
ووضع عليه الحجر، وامر القبائل فامسكوا باطرافه ورفعوه حتى اذا وصل الى مكانه
من البناء في الركن الشرقي اخذه هو فوضعه بيده في موضعه.
وكانت النفقة قد بهظتهم فقصروا بناءها على ما هي عليها الان. وقد بقي بعض
مساحته خارج البناء من طرف حجر اسماعيل لاستصغارهم البناء.
اقول: من المستبعد انها كانت اعلى مما عليه هي الان. ولكنها كانت اعرض بمقدار
الدكة المسماة بالشاذروان.
ثم قال: وكان البناء على هذا الحال حتى تسلط عبد الله بن الزبير على الحجاز
في عهد يزيد بن معاوية فحاربه الحصين قائد يزيد بمكة واصاب الكعبة بالمنجنيق
فانهدمت واحرقت كسوتها وبعض اخشابها. ثم انكشف عنها لموت يزيد.
فرأى ابن الزبير ان يهدم الكعبة ويعيد بناءها فأتى لها بالجص النقي من اليمن
وبناها به. وادخل الحجر في البيت والصق الباب بالارض وجعل قبالته بابا اخر
ليدخل الناس من باب ويخرجوا من اخر. وجعل ارتفاع البيت سبعة وعشرين ذراعاً.
ولما فرغ من بنائها ضمخها بالمسك والعنبر داخلا وخارجا وكساها بالديباج. وكان
فراغه من بنائها 17 رجب 64 هجرية.
ثم لما تولى عبد الملك بن مروان الخلافة بعث الحجاج بن يوسف قائده فحارب ابن
الزبير حتى غلبه فقتله. ودخل البيت. فاخبر عبد الملك بما احدثه ابن الزبير في
الكعبة. فامره بارجاعها الى شكلها الاول. فهدم الحجاج من جانبها الشمالي ستة
اذرع وشبراً. وبنى ذلك الجدار على اساس قريش. ورفع الباب الشرقي وسد الغربي.
ثم كبس ارضها بالحجارة التي فضلت منها.
ولما تولى السلطان سليمان العثماني الملك سنة ستين وتسعماءة. غير سقفها. ولما
تولى السلطان العثماني سنة احدى وعشرين بعد الالف احدث فيها ترميما ولما حدث
السيل العظيم سنة تسع وثلاثين بعد الالف هدم بعض حوائطها الشمالية والشرقية
والغربية فأمر السلطان مراد الرابع من ملوك آل عثمان بترميمها. ولم يزل ذلك
حتى اليوم.
يبقى عندنا سؤالان: تاريخي وفقهي:
اما السؤال التاريخي: فهو ان ابراهيم عليه السلام اين وجد الحجر الاسود ووضعه
في محله. مع العلم ان الكعبة كانت مندرسة تماما. والحجر الاسود غير معلوم
المحل.
وجواب ذلك باحد وجهين:
الوجه الاول: ان انهدام الكعبة لا يسبب اكثر من سقوط الحجر الاسود على الارض،
فكما كان اساسها مدفونا تحت التراب كان الحجر الاسود مدفونا الى جنبه وفي
المنطقة التي يجب ان يوضع فيها فحين حفر على الاسس وجد الحجر.
الوجه الثاني: ان ابراهيم عليه السلام تلقى علم ذلك وغيره بوحي من الله عز
وجل. فان قواعد البيت لم تكن ظاهرة للعيان، حتى حفر عنها واخرجها. فالذي دله
على القواعد دله على محل وجود الحجر. بصفته من انبياء الله العظماء سلام الله
عليه وعليهم.
واما السؤال الفقهي: وهو انه هل يعتبر الشاذروان من الكعبة على اساس انه فوق
القواعد التي رفعها ابراهيم ام لا.
وهذا يعني عدة امور فقهية:
اولا: جواز تركه في الطواف. بمعنى ادخال اليد او أي جزء من البدن داخل
الشاذروان. ان لم يكن جزءاً من الكعبة. بخلاف ما لو كان جزءاً منها. فانه يجب
ادخاله جميعاً في الطواف.
الثاني: جواز استقباله، في الصلاة وغيرها مما يجب فيه الاستقبال، اذا كان
جزءاً من الكعبة. بخلاف ما لو لم يكن كذلك.
وخلاصة الجواب: انه لا اشكال ان الشاذروان من الكعبة بحيث لو بني او لم يبن
عليه شيء، فانه يجوز التوجه اليه في الصلاة والطواف حوله.
وانما الكلام فقهيا في امكان الاكتفاء بهذا المقدار الموجود ككعبة متكاملة
بحيث يمكن اهمال الشاذروان ولا يترتب على ذلك محذور شرعي او فقهي.
ويمكن الاستدلال على ذلك بما سمعناه قبل قليل من ان الكعبة صغروا بناءها منذ
عهد النبي (ص). فهذا المقدار من البناء كان موجوداً منذ ذلك الحين. وقد اقرّه
النبي (ص) واقرار المعصوم عليه السلام حجة. ومعه يمكن الاكتفاء بهذه الكعبة،
بغض النظر عن الشاذروان.
الا ان هذا الاستدلال لا يتم فقهيا، لانه يحتاج الى دليل معتبر يوضح ان النقص
انما حصل في زمن النبي (ص). وما نقلناه عن تفسير الميزان، وان كان مضبوطا
بمقدار النقل التاريخي، الا انه لا يرقى الى الاعتبار الفقهي. ومعه يبقى
احتمال ان تكون النقيصة قد حصلت بعد ذلك.
الا ان الذي يهون الخطب ويبقى في اليد هو ان عصور الائمة المعصومين عليهم
السلام قد مرت والشاذروان كان موجوداً ولو في بعض تلك العصور. فلم يأمروا
سلام الله عليهم بتوسيع الكعبة الى مقدار الشاذروان. مع انه كان يمكنهم ذلك،
الامر الذي يدل على اقرارهم بما هو موجود من الكعبة، وغض النظر عن الشاذروان
واقرار المعصوم حجة وتمام الكلام في الفقه.
حديث آخر عن الكسوة
يقال: ان اول من كسى الكعبة المشرفة تبع ابو بكر اسعد. كساها بالبرود المطرزة
باسلاك الفضة. وتبعه خلفاؤه ثم اخذ الناس يكسونها بأردية مختلفة فيضعونها
بعضها على بعض، وكلما بلي منها ثوب وضع عليها آخر الى زمن قصي.
ووضع قصي على العرب رفادة لكسوتها سنويا. واستمر ذلك في بنيه، وكان ابو ربيعة
ابن المغيرة يكسوها سنة وقبائل قريش سنة.
وقد كساها النبي (ص) بالثياب اليمانية. وكان على ذلك حتى حج الخليفة العباسي
المهدي شكى اليه سدنة الكعبة تراكم الاكسية على سطح الكعبة. وذكروا انه يخشى
سقوطه فأمر برفع تلك الاكسية. وابدالها بكسوة واحدة كل سنة وجرى العمل على
ذلك حتى اليوم.
وللكعبة كسوة من الداخل. واول من كساها من داخل ام العباس بن عبد المطلب لنذر
نذرته في ابنها العباس.
من يضع الحجر الاسود؟
هناك اتجاه تقليدي يقول: ان الحجر الاسود اذا انقلع من محله، فلا يعيده الا
الحجة في زمانه.
وقد اثرنا البحث حول ذلك في تاريخ الغيبة الكبرى( ) وقلنا: اننا لم نجد رواية
تتكفل هذا المدلول الواسع.
ولكننا: اذا استعرضنا التاريخ المعروف، لم نجد واضعاً للحجر الا من الانبياء
والاولياء. فابراهيم عليه السلام هو الذي وضع الحجر حين بنى الكعبة ووضع اسس
البيت العتيق. ورسول الله (صلى الله عليه وآله) هو الذي وضع الحجر قبل نبوته
حين بنيت الكعبة في الجاهلية اختلفت القبائل فيمن يضع الحجر والحادثة معروفة
ومروية في التاريخ.
وحين اخرب الحجاج بن يوسف الكعبة المقدسة في صراعه مع عبد الله بن الزبير،
اعادوا بناءها من جديد. وكان واضع الحجر هو الامام زين العابدين عليه السلام.
وقد روينا هناك( ) بالمصادر المسجلة هناك: ان القرامطة بعد ان قلعوا الحجر
اثناء هجومهم على مكة المكرمة عام 317 هجرية ونقلوه الى هجر…… بقي الحجر
لديهم عشرين عاماً او يزيد. وارجعوه الى مكة عام 339 او عام 337. فكان المهدي
عليه السلام هو الذي وضعه في مكانه واقره على وضعه السابق كما ورد في اخبارنا.
وروينا هناك تفاصيل رواية دالة على ذلك. وفيها يقول الراوي: فانه لا يضعه في
مكانه الا الحجة في الزمان. ولا حاجة الان الى سردها. واوردنا هناك بعض
الاسئلة مع جوابها.
ولكن يقع السؤال عمن وضع الحجر عندما بناه جرهم والعماليق وعندما بناه
العثمانيون كالسلطان مراد وغيره.
وجواب ذلك انه اذا تمت تلك القاعدة التقليدية، فلابد من الاذعان بحصول بعض
الانبياء قبل الاسلام وبعض الاولياء بعد الاسلام، ليضع الحجر. واما اذا لم
تتم تلك القاعدة فالامر سهل وواضح.
سدانة الكعبة
قال في تفسير الميزان( ): كانت الولاية على الكعبة لاسماعيل، ثم لولده من
بعده، حتى تغلبت عليهم جرهم فقبضوا بولايتها. ثم ملكتها العماليق وهم طائفة
من بني كركر بعد حروب وقعت بينهم. وقد كانوا ينزلون اسفل مكة كما ان جرهم
كانت تنزل اعلى مكة وفيهم ملوكهم.
ثم كانت الدائرة لجرهم على العماليق فعادت الولاية اليهم فتولوها نحو من
ثلثماءة سنة. وزادوا في بناء البيت ورفعته على ما كان في بناء ابراهيم.
ثم نشأت ولد اسماعيل وكثروا وصاروا ذوي قوة ومنعة ضاقت بهم الدار. حاربوا
جرهم فغلبوهم واخرجوهم من مكة. ومقدم الاسماعيليين يومئذ عمر بن لحي. وهو
كبير خزاعة. فاستولى على مكة وتولى امر البيت. وهو الذي وضع الاصنام على
الكعبة ودعى الناس الى عبادتها. واول صنم وضعه عليها هو هبل حمله معه من
الشام الى مكة ووضعه عليها ثم اتبعه بغيره حتى كثرت وشاعت عبادتها بين العرب
وهجرت الحنيفية.
وفي ذلك يقول شحنة بن خلف الجرهمي: يخاطب عمرو بن لحي:
يا عمرو انك قد احدثت الهة
وكان للبيت رب واحداً ابداً
لتعرفن بان الله في مهل
|
شتى بمكة حول البيت انصابا
فقد جعلت له في الناس اربابا
سيصطفى دونكم للبيت حجابا
|
وكانت الولاية في خزاعة الى زمن حليل الخزاعي فجعلها حليل من بعده لابنته،
وكانت تحت قصي بن كلاب. وجعل فتح الباب وغلقها لرجل من خزاعة يسمى ابا غبشان
فباعه من قصي بن كلاب ببعير وزق خمر. وفي ذلك يضرب المثل السائر: ( اخسر من
صفقه ابي غبشان).
فانتقلت الولاية الى قريش، وجدد قصي بناء البيت كما قدمناه وكان الامر على
ذلك حتى فتح النبي مكة ودخل الكعبة وامر بالصور والتماثيل فمحيث وامر
بالاصنام فهدمت وكسرت وكان مقام ابراهيم، وهو الحجر الذي عليه اثر قدمي
ابراهيم موضوعا بمعجن في جواز الكعبة، ثم دفن في محله الذي يعرف به الان.
اقول: وقضية هدم الاصنام بيد امير المؤمنين علي بن ابي طالب سلام الله عليه،
حين صعد على كتفي النبي (ص) وكسرها جميعاً. قضية معروفة. وسدانة الكعبة منذ
عصر المعصومين سلام الله عليهم الى العصر الحاضر بيد بني شيبة. نتيجة لتسلطهم
على ذلك من قبل سلطات ذلك العصر. وقد وردت بعض الروايات في ذم هذه الحالة
وانتقادها بشدة( ) .
متعلقات الكعبة
وهي الامور اللصيقة بالكعبة تقريباً او جزء منها ينبغي الان ان نحمل عنها
فكرة اشد وضوحاً. وهي المطاف والمعجن والملتزم او المستجار والحطيم وحجر
اسماعيل والميزاب. واما مقام ابراهيم بوضعه الحالي، فهو بعيد عن الكعبة
نسبياً نذكره عند التعرض لتفاصيل المسجد الحرام.
فالمطاف: هو المسطح المحيط بالكعبة المفروش بالمرمر الابيض على شكل دائرة
ويسمى الصحن. وهو الذي كان حد المسجد تقريباً في زمن رسول الله (ص) الى ان تم
توسيعه وسنتعرض الى ذلك فيما بعد موته بعونه تعالى.
وبين الكعبة مقام ابراهيم في محله الحالي ستة امتار وهو نصف قطر المطاف
باستثناء حجم الكعبة في الوسط. وهو بيضوي الشكل تقريباً لدخول حجر اسماعيل
فيه.
ويحيط به ثمانية وثلاثون عموداً من النحاس طليت باللون الاخضر يتصل بعضها
ببعض بعوارض حديدية علقت بها ثريات كهربائية قضاء ليلا( ) .
والمعجن: وهو المربع الواقع بالصحن لصيق البيت مما يلي باب الكعبة، على يمين
الداخل، وهو منحط عن الصحن وسعته متران مربعان تقريباً.
قيل: هو مصلى جبرئيل بالنبي (ص) حينما فرضت الصلاة وقيل انه كان يعجن فيه
اسماعيل المؤنة التي كان يستعملها ابراهيم في بناء البيت. وهو المفهوم من
اسمه.
وقد سمعنا انه كان محل الصخرة التي كان يقف عليها ابراهيم عليه السلام خلال
بناء الكعبة. ولعمري ان البناء انما يقف قريباً من البناء ليناله لا بعيداً
عنه فلا يناله. وبقيت الصخرة هناك الى ان تم نقلها الى محلها بدعة ضلالا. وقد
ورد ان القائم اذا قام رد مقام ابراهيم الى محله الاول.
ولكننا كما استدللنا على حجية تضييق الكعبة، كذلك نتحدث هنا. لان هذا المقام
المقدس كان بعيداً عن الكعبة في عصر المعصومين سلام الله عليهم. وقد اقروه.
واقرارهم حجة، بل الامر اكثر من ذلك حيث امروا بالطواف بين الكعبة وبينه،
ونهوا عن الطواف خلفه، ولو كانوا قد افترضوه في محله الاصلي. لما كان ذلك
ممكناً.
ومن ناحية منطقية، فان الارض التي كان يقوم عليها ابراهيم عليه السلام هي
مقام ابراهيم، وهي مما يستحيل تبديله. فمقامه لازال مجاوراً للكعبة مهما اراد
الاخرون. الا ان الامر في الظاهر، مربوط بالحجر الذي فيه رسم قدمه، حيث حملوه
واخرّوه الى المحل الذي هو عليه الان وبنوا عليه البنيان.
والملتزم: هو الجدار من الكعبة الواقع ما بين الركن الاسود او الحجر الاسود
وباب الكعبة. ويقع على يسار الداخل. وسمي بذلك لان الناس يلتزمونه ويدعون
عنده. وهذا مشهور بين مذاهب اهل الاسلام.
والالتزام هو الصاق الجسم بالجدار: الوجه والصدر والبطن والفخذين. بما هو
متيسر لا بالجلد طبعاً. ويسمى المستجار ايضا. لانه موضع من مواضع الاستجارة
بعون الله سبحانه ورجاء رحمته.
والحطيم: وهو قوس من البناء واقع في شمال الكعبة على شكل نصف دائرة. يبدأ احد
طرفيه بالركن العراقي والاخر بالركن الشامي. ويبعد طرفه عن الكعبة مترين
وثلاث سنتيمات ويبلغ ارتفاعه نحو متر وسمكه متر ونصف متر( ) وهو مغلف بالرخام
المنقوش. وفي محيطه من اعلاه كتابة محفورة بالخط المعلق فيه آيات قرآنية
وتاريخ من قام بعمارته وسيأتي بعد قليل بعض الايضاح عنه.
وحجر اسماعيل: هو الفضاء او الارض الواقعة بين الكعبة والحطيم. او قل هو
المكان الموجود في داخل الحطيم الذي هو على شكل نصف دائرة منحنية على الكعبة.
وقد روي ان اسماعيل سلام الله عليه دفن امه قرب الكعبة في هذا المكان، فكره
ان يطوف الناس فوق قبرها فبنى الحائط المسمى بالحطيم ليمنع الناس من المرور
هناك. ثم هو دفن مع امه بعد ذلك .
والميزاب: على الحائط الشمالي، من جهة حجر اسماعيل والشاذروان ويسمى ميزاب
الرحمة. وهو مما احدثه الحجاج بن يوسف الثقفي. ثم غيره السلطان سليمان سنة
954 هجرية الى ميزاب من الفضة. ثم ابدله السلطان احمد سنة 1021 هجرية باخر من
فضة منقوشة بالميناء الزرقاء يتخللها نقوش ذهبية ثم ارسل السلطان عبد الحميد
من آل عثمان سنة 1273 هجرية ميزاباً من الذهب فنصب مكانه وهو الموجود الان.
بقي من متعلقات الكعبة: الشاذروان وقد عرفنا عنه شيئاً كثيراً. وبالاختصار
فهو كالدكة في جانب الكعبة الذي فيه حجر اسماعيل بين الركنين العراقي والشامي
وهو بقية اساس النبي ابراهيم سلام الله عليه. وبحسب الظاهر هو الان من الفضاء
الذي يعتبر من حجر اسماعيل.
ولم يبق من الحديث عن الكعبة المشرفة الا البحث عنها كقبلة. وقد سبق ان
اشبعناها بحثاً في كتاب الصلاة في الفصل الخاص بذلك فراجع.
بعد ذلك نبدأ بالحديث بالشعيرة الاسلامية التي هي اوسع من الكعبة الشريفة،
وحولها، وهو المسجد الحرام.
نحذف من تفاصيله امرين:
الامر الاول: ما سبق ان ذكرناه من الكعبة ومتعلقاتها. فانها جميعاً في وسط
المسجد الحرام تقريباً.
الامر الثاني: ما يعود الى بعض المذاهب الاسلامية دون بعض كمصليات ائمة
المذاهب الاربعة. ونقتصر منه على ما هو المتفق عليه اسلامياً.
المسجد الحرام
ونتكلم عنه في حدود ما اشرنا اليه.
قال في الموسوعة العربية الميسرة: المسجد الحرام الفناء المحيط بالكعبة. لم
يكن مسورا في عهد النبي (ص). ثم سوّر ووسع في عهد خلافة عمر، ثم جدد ووسع غير
مرة. وخاصة في عهد السلطان سليم.
تدخل عليه المملكة العربية السعودية( )، الان تحسينات وتوسيعات كبيرة. له عدة
ابواب وفيه سبع منارات. وورد ذكره في القرآن. ويسمى بالحرم المكي.
وقال مصدر آخر( ) ويرجع مبدأ عمارته الى سنة 87 من الهجرة في عهد الخليفة عمر
بن الخطاب. اذ كان قبل ذلك غير محاط بجدار خاص. بل كانت الدور محيطة به من
جوانبه، فلما استخلف عمر اشترى دوراً وهدمها ووسع بها المسجد. ثم جعل عليه
جداراً قصيراً دون القامة محيطاً به. وما زال الخلفاء من بعد يوسعون في عمارة
المسجد حتى سنة 999 هجرية اذا امر السلطان سليم الثاني العثماني بعمارته. وتم
ذلك على الشكل الذي هو عليه الان. وكان قد شرع في عمارته ومات قبل اتمامها
فاتمها ابنه السلطان مرادخان من بعده.
اقول: وهذا المصدر يتحدث عن حال المسجد قبل التوسيعات الاخيرة التي احدثتها
الحكومة السعودية خلال العشر سنوات الاخيرة على المسجد الحرام حيث التحق بناء
المسجد ببناء المسعى. واعني بها العشرة الاولى من القرن الخامس عشر الهجري.
واما هذه التوسيعات فلم يبلغنا وصفها الى حد الان.
قال: والمسجد يقع في وسط مكة الى الناحية الجنوبية منها. على شكل مربع
تقريبا. وطول ضلعه الشمالي الذي به باب الزيارة (194 متراً) وضلعه الشرقي
الذي به باب السلام (108 امتار) وضلعه الجنوبي الذي به باب الصفا (166 متراً)
وضلعه الغربي الذي به باب ابراهيم (109 امتار). فيكون سطحه من الداخل (17902)
من الامتار أي نحو اربعة افدنة وربع الفدان.
ويحيط بالمسجد الحرام من داخله اربعة اروقة فيها ثلثماءة واحد عشر عموداً
تقوم عليها قباب على محيط المسجد.
اقول: والمساجد التقليدية اما ان تكون مسقوفة كلها او ان جزءاً منها الى احد
الجانبين مسقوف والجزء الاخر مكشوف. اما المساجد التي بنيت في صدر الاسلام
فهي مكشوفة من الوسط ومسقوفة على اطرافها. كالمسجد الحرام والمسجد النبوي
والمسجد الاموي. ومن الضروري ان يكون المسجد الحرام هكذا حتى لا ينال السقف
الفضاء الذي يمر فوق الكعبة المشرفة.
والسقف الموجود في اطراف المسجد تحمله اسطوانات او اعمدة ذكرناه عددها.
التوسيع فقهياً
قبل الدخول في التفاصيل الاخرى، لابد انه نعيد النظر فقهيا الى جواز توسيع
المسجد الحرام.
ولا نريد به هذا المعنى بالضبط. لاننا لا نحتاج الى ذلك الا اذا حصل السؤال
عنه، ولم يسأل احد عنه. وانما يأخذه الموسعون مسلم الصحة والجواز بدون أي
استفتاء.
وانما نريد ان نقول: ان الجزء الجديد الملحق بالمسجد هل يعتبر شرعا وفقهيا من
المسجد الحرام ويشملها احكامه ام لا. بالرغم من انها حصلت بعد عصر الرسول (ص)
او بعد عصر المعصومين عليهم السلام.
ويمكن الاستدلال على ذلك باحد طرق:
الطريق الاول: ان المسجد الحرام، وان لم يتم توسيعه في زمن النبي (ص) ولكنه
تم توسيعه من قبل الخلفاء المتأخرين عنه، في عصر الائمة المعصومين عليهم
السلام. ولم يصدر عنهم رد واعتراض الامر الذي نعرف منه اقرارهم لفكرة
التوسيع، واقرار المعصوم حجة.
وهذا الطريق، كما ينتج حجية التوسيع الذي حصل في زمنهم سلام الله عليهم، كذلك
ينتج امكان التوسع في أي زمان ومن قبل أي حاكم، بل أي شخص حاكما كان او رعية.
الطريق الثاني: انهم سلام الله عليهم، رأوا المسجد موسعا، واطلعوا على
توسيعاته المختلفة ولم يصدر منه نقد او تحريم. بل اعترفوا بالامر الواقع،
واقرارهم هذا حجة.
وهذا ينتج ان المسجد الحرام بالمقدار الذي كان موسعاً في آخر عصورهم سلام
الله عليهم، حجة. واما التوسيعات التي تلت ذلك تحتاج الى دليل آخر.
والصحيح امكان المناقشة في الطريق الاول، بان الاقرار وان كان حجة، الا انه
انما يتم فيما اذا كان الرد ممكناً. وهذا الامكان لا دليل على وجوده عندهم
سلام الله عليهم. اذ يمنع عنه عدة علل اهمها واوضحها التقية. ومن الواضح انه
لا امر لمن لا يطاع ولذا كانوا سلام الله عليهم قد القوا بحبل الخلفاء على
غاربهم في كثير من المواضع من دون أي مناقشة ولا يدل ذلك على الاقرار.
الا المواضع التي يسألون بها والمواضع التي تتوقف عليها نتائج وخيمة، ومسألة
توسيع المسجد الحرام ليس من هذين الموردين.
واما الطريق الثاني، فهو صحيح عمليا، الا اذا ثبت بدليل معتبر كراهة
التوسيعات التي قام بها الناس من قبل المعصومين (ع).
وقد يستشعر لذلك بما ورد من ان المهدي عليه السلام اذا قام رد المسجد الى
مقداره الذي كان على عهد رسول الله (ص). الامر الذي يدل على كراهة هذه
الزيادات كلها الا ان اسناد هذه الاخبار غير معتبرة فقهياً.
الطريق الثالث: لا اشكال في الشريعة وباجماع المسلمين، ان يجعل الفرد ارضا
مخصصة للمسجد ويجعلها وفقا على هذا الاساس وتكون مسجداً وموضعا للعبادة.
وهذا الامر لا يفرق فيه بين توسيع بعض المساجد، او اتخاذ مساجد مستقلة. لان
التوسيع ايضاً يحتوي عل نفس الفكرة، وهو جعل قطعة جديدة من الارض مسجداً.
وهذا لا يفرق فيه بين المسجد الحرام وغيره. فيدل على الجواز فيه.
وهذا يمكن المناقشة فيه بعدة وجوه:
الوجه الاول: ان الاموال التي تصرف في بناء المسجد اذا كانت حلالا صافية من
جميع الجهات، فهو المطلوب. والا فهي قد تكون فيها الحرام ومجهول المالك وغير
ذلك. الامر الذي يجعل شراء الاراضي او البيوت حول المسجد محل اشكال. ووجود
البناء الجديد محل اشكال.
الوجه الثاني: لو تنزلنا عن ذلك كانت القطعة الجديدة من الارض مسجداً. ولكن
لا دليل على انها تصبح من المسجد الحرام وتحكيم النية والقصد في ذلك لا دليل
عليه، نعم يكون من قبيل الحاق مسجد بمسجد بدون حدود او حائط بينهما. فلا يكون
الجديد مشمولا لحكم المسجد الحرام.
الوجه الثالث: ان مكة المكرمة من الاراضي التي فتحت عنوة في فتح مكة بقيادة
رسول الله (ص).وكل ارض فتحت عنوة، فقد ورد انها تكون ملكا لاجيال المسلمين،
لا لفرد ولا لجماعة ولا لجيل معين. وهذا ثابت بالدليل المعتبر فقهياً.
ومعه لا تكون الاراضي التي دخلت في التوسيعات تحت ملكية القائم بالتوسيع
ليكون له الحق في وقفها مسجداً او جعلها جزءاً من المسجد الحرام. فقد وهب
الامير ما لا يملك وتمام الكلام في الفقه.
ابواب المسجد الحرام
قالوا( ): وابوابه اربعة وعشرون باباً:
في الجهة الشرقية منه خمسة ابواب:
1- باب السلام.
2- باب قايتباي.
3- باب النبي ( باب الجنائز سابقاً).
4- باب العباس.
5- باب علي ( باب بني هاشم سابقاً ).
وفي الجهة الجنوبية منه سبعة ابواب:
1- باب النساء ( باب بازان سابقاً ).
2- باب البغلة.
3- باب الصفا.
4- باب الرحمة ( او باب اجياد الصغير ).
5- باب اجياد ( او باب المجاهدية سابقاً ).
6- باب التكية ( او باب مدرسة الشريف عجلان ).
7- باب الحميدية ( او باب ام هاني سابقاً ).
وفي الجهة الغربية اربعة ابواب:
1- باب الوداع ( او باب الحرورة سابقاً ).
2- باب ابراهيم .
3- باب الداودية.
4- باب العمرة.
وفي الجهة الشمالية ثمانية ابواب:
1- باب العتيق ( او باب عمرو بن العاص ).
2- باب الزمامية.
3- باب الباسطية.
4- باب القطبي.
5- باب الزيادة ( او باب سويقة ).
6- باب الحكمة.
7- باب السليمانية.
8- باب الدريبة.
واما باب بني شيبة فهي ليست بابا فعلا، وانما كانت بابا في زمن النبي (ص)
وسنتحدث عنها.
مآذن المسجد
مآذنه سبع:
1- مأذنة باب السلام.
2- مأذنة باب الحكمة.
3- مأذنة باب الزيادة.
4- مأذنة باب العمرة.
5- مأذنة باب الوادع.
6- مأذنة باب علي.
7- مأذنة باب قايتباي.
باقي المشتملات
واما باقي المشتملات في المسجد في حدود ما قلناه سابقاً. فليس الا: بئر زمزم
وباب بني شيبة ومقام ابراهيم والمنبر. نذكر كل واحد منهما بعنوان فرعي مستقل.
بئر زمزم
ويقع شرقي الكعبة المشرفة. وقد استفاضت الاخبار لدى الفريقين انها نبعت في
زمن ابراهيم الخليل عليه السلام، لاجل اهله الذين تركهم في واد غير ذي زرع.
فعطشوا عطشاً شديداً، فانبع الله تعالى لهم ذلك الماء.
ومنه تعرف الناس على موقعهم الذي يومئذ في الصحراء. لان الطيور اصبحت تتجمع
عند النبع، فلاحظها قوم من جرهم فجاؤا فوجدوهم، فكان هذا استجابة لدعاء
ابراهيم عليه السلام: فاجعل افئدة من الناس تهوى اليهم.
وقد رود في خبر غير معتبر( ) عن ابي عبد الله قال: كانت زمزم ابيض من اللبن
واحلى من الشهد، وكانت سائحة فبغت على المياه. فاغارها الله عز وجل واجرى
اليها عيناً من صبر. اقول: يعني فاصبحت مالحة المذاق.
وفي خبر آخر( ) عن ابي عبد الله عليه السلام قال: ذكر ماء زمزم فقال: تجري
اليها عين من تحت الحجر. فاذا غلب ماء العين عذب ماء زمزم.
وهذا يفسر السبب الذي من اجله يعذب ماء زمزم في وقت دون وقت.
واستحباب الشرب منه متفق عليه بين المذاهب الاسلامية، ويستحب ان يريق الحاج
شيئاً من الماء على رأسه وجسمه.
قالوا( ): وقد اثبتت البحوث الطبية والكيميائية ان ماء زمزم قلوي تكثر فيه
الصودا والكلور والجير وحامض الكبريتيك وحامض الازوتيك والبوتاسا. مما يجعله
اشبه شيء بالمياه المعدنية: اقول: هذا عندما لا يكون عذباً كما هو الغالب
جداً.
باب بني شيبة
هو الباب الواقع مقابل مقام ابراهيم. فلو اخذنا خطأ من الكعبة الى هذه الباب
لوقع مقام ابراهيم خلاله. فبعد المطاف بقليل يأتي مقام ابراهيم على ما سنذكر.
وبعده بقليل يأتي باب بني شيبة. وما هي الا امتار قلائل. وله عقد على شكل نصف
دائرة. وسمي بهذا الاسم في زمن النبي (ص) وكان يقال له ايضا باب السلام وكان
صلى الله عليه وآله يدخل منه المسجد الحرام ويخرج منه.
وفي رواية( ) عن سليمان بن مهران قال: قلت لجعفر بن محمد عليه السلام كم حج
رسول الله (ص) فقال: عشرين حجة مستتراً. –ثم يذكر المازمين ويقول-: ومنه اخذ
الحجر الذي تحت منه هبل الذي رمى به علي من ظهر الكعبة لما علا ظهر رسول الله
(ص) فامر بدفنه عند باب بني شيبة. فصار الدخول من باب بني شيبة سنة. الحديث.
اقول: يعني ليطأ هبل عند دخوله المسجد.
والظاهر انه كان حداً للمسجد في زمن رسول الله (ص). بحيث يكون الدخول من هذا
الباب دخولا من خارج المسجد. غير اننا سمعنا فيما سبق واكدته الاخبار ان
المسجد لم يكن مسوراً بسور مستقل بل تسّوره البيوت حوله، فمن الجائز ان باب
بني شيبة كان هو المدخل من البيت الذي كان فيه النبي (ص).
وحديث سد الابواب دال على الامر اجمالا. لانه كان للبيوت ابواب يدخل الناس
منها الى المسجد بحرية. فامر النبي (ص) سد الابواب جميعاً الا باب علي وفاطمة
سلام الله عليهما وباب البيت الذي يكون هو فيه بطبيعة الحال. وذلك لاحتمال ان
يدخل بعضهم مجنباً الى المسجد.
مقام ابراهيم
روي عن سليمان بن خالد( ) عن ابي عبد الله (ع) قال: لما اوصى الله تعالى الى
ابراهيم (ع) ان اذن في الناس بالحج اخذ الحجر الذي فيه اثر قدميه وهو المقام
فوضعه بحذاء البيت لاصقاً بالبيت بحيال الموضع الذي هو فيه اليوم. ثم قام
عليه فنادى بأعلى صوته بما امره الله تعالى به. الى ان قال: فلما كثر الناس
وصاروا الى الشر والبلاء ازدحموا عليه فرأوا ان يضعوه في هذا الموضع الذي هو
فيه اليوم ليخلوا المطاف لمن يطوف بالبيت.
فلما بعث الله محمداً (ص) رده الى الموضع الذي وضعه فيه ابراهيم (ع) فما زال
فيه حتى قبض رسول الله (ص). وفي زمن ابي بكر واول ولاية عمر. ثم قال عمر: قد
ازدحم الناس على هذا المقام فايكم يعرف موضعه في الجاهلية. فقال له رجل: انا
اخذت قدره بقدر. قال: والقدر عندك. قال: نعم. قال: فأت به فجاء به. فأمر
بالمقام الى الموضع الذي فيه الساعة.
ويبدو من هذه الرواية ان ابراهيم عليه السلام كان يفضل الوقوف على هذا الحجر،
وانه كان ينقله حيث شاء فان التعبير عن هذا الحجر بانه هو الحجر الذي كان
يقوم عليه عند بناء البيت. يتضمن مجازاً في الكلام يبدو مما اشرنا اليه. لان
البناء يحتاج الى التنقل حول البناء. لا انه يبقى في محل واحد واقفاً على
الحجر.
ولكنه عليه السلام اذا كان ينقل الحجر تحت قدميه حيث وقف للبناء ارتفع هذا
الاشكال. ولعله كان رقيقاً نسبياً بحيث اثرت فيه قدماه لكثرة الوقوف عليه.
واختياره هذا الحجر للنداء بالناس دليل على قدسية هذا الحجر في الجملة.
وبالنسبة الينا فالامر مسلّم لان مجرد انتسابه الى هذا النبي العظيم سلام
الله عليه واهتمامه به، ووقوفه عليه، يكفي سبباً لتقديسه بلا اشكال.
وقد اشرنا قبل فترة انه من الناحية المنطقية فان مقام ابراهيم الحقيقي هو
المكان الذي بني فيه البيت. وهو امر يستحيل عادة نقله وانما استطاع الناس نقل
الحجر في الظاهر. كما ان الزعم ان ابراهيم عليه السلام كان يقف في محل الحجر
الحالي ويبني الكعبة عن بعد، امر سخيف وغير محتمل.
وقلنا ايضا انه من الناحية الفقهية، فان في وجوده بهذا المحل، حجية كافية،
لاقرار المعصومين عليهم السلام له ولكن روى انه اذا ظهر القائم عليه السلام
ارجعه الى محله الاول بجوار البيت.
والحجر الان محاط بقية قائمة على اربعة اعمدة تحيط بها مقصورة نحاسية مربعة
الشكل( ) . وبجانبه سقيفة صغيرة يصلي بها الناس ركعتي الطواف.
والحجر مغشى بالفضة وارتفاعه ثلاثة اشبار وسعته شبران. واثر القدمين والاصابع
واضحتان فيه. وهو احد الاثار الباقية من زمن ابراهيم سلام الله عليه الى
العصر الحاضر.
ونقل الحجر عن موقعه الاصلي بسبب ازدحام الناس في المطاف عليه وعرقلة عمل
الطائفين، وان كان معقولاً جداً. الا انه خلاف السنة المأثورة من زمن ابراهيم
عليه السلام نفسه وفي عصر نبينا صلى الله عليه وآله، وفعل المعصوم واقراره
سنة وحجة.
وذكرنا ان موقعه الاصلي قرب البيت كان هو (بالمعجن) في الضلع الشرقي من
الكعبة وهو الذي فيه الباب. ويقع على يمين الداخل. فحين حصل فيه النقل
والتأخير، نقل بخط مستقيم بالنسبة الى الكعبة، موضع خارج المطاف. فهو ايضا
على يمني المتوجه الى باب الكعبة من ذلك المكان وايضا امام الضلع الشرقي
منها.
المنبر
يقع منبر المسجد الحرام شرقي الكعبة شمال مقام ابراهيم ويرجع تاريخ عمارته
الى عصر السلطان سليمان خان العثماني سنة 966. وهو مصنوع من الحجر المرمر
البراق الناصع البياض ويحتوي على ثلاث عشرة درجة وعلى علوه اربع اسطوانات من
المرمر فوقها مستطيلة من الخشب القوي مصفحة بالواح من الفضة مطلية بالذهب.
ويبلغ ارتفاع المنبر من صحن المطاف نحو اثني عشر متراً.
مكة المكرمة وتوابعها
عودة
|