|
كتاب الصلاة ما وراء الفقه، ج1، ص: 209 فصل في أوقات الصلاة أوقات الصلاة اليومية، إمَّا أن يراد منه أوقات الوجوب، أو يراد به أوقات الفضيلة، التي هي أوقات الوجوب أيضا عند العامة، و عند بعض قدماء الخاصة و لو من باب الاحتياط. كما أنها تحديد لأوقات النوافل، بحيث تصبح بعد انقضائها من باب القضاء. و نحن ذاكرون فيما يلي أوقات الوجوب، و في ضمنها أوقات الفضيلة. مع الالتفات إلى أننا لا ينبغي أن نكرر هنا نصوص المسائل الفقهيّة الا بمقدار الضرورة، و أنَّ هدف الكتاب هو بحث ما وراء تلك المسائل، فيختص الجانب الأهم من هذا الفصل في الحديث عن كيفية التعرّف على الأوقات. مع شيء من التفاصيل الفقهيّة لكي لا يكون البحث مبتورا. و يقسم الكلام في الأوقات في جهات ثلاث، لأننا نتحدث حسب أوقات النهار، فنبدأ بصلاة الصبح، ثم وقت الظهرين ثم وقت العشائين. الجهة الأولى: وقت صلاة الفجر أو الصبح أو الغداة و هذه هي أسماؤها. يبدأ وقت صلاة الصبح عند أول الفجر الصادق. حيث قالوا: إنَّ الفجر فجران: أولهما في الزمان بالفجر الكاذب ثم بعده يأتي الفجر الصادق و هو أول وقت الصلاة. و الروايات ناطقة بذلك ننقل بعضها: كخبر علي بن مهزيار «1»: كتب أبو الحسن بن الحصين إلى أبي جعفر الثاني- عليه السَّلام-: جعلت فداك قد اختلف موالوك في صلاة الفجر، فمنهم من ما وراء الفقه، ج1، ص: 210 يصلي إذا طلع الفجر الأول المستطيل في السماء، و منهم من يصلِّي إذا اعترض في أسفل الأفق و استبان. و لست أعرف أفضل الوقتين فأصلِّي فيه. فإن رأيت أن تعلِّمني أفضل الوقتين، و تحده لي، و كيف أصنع مع القمر، و الفجر لا يتبين حتى يحمر و يصبح، و كيف أصنع مع الغيم، و ما حد ذلك في السفر و الحضر. فعلت إن شاء الله. فكتب بخطّه و قراءته: الفجر يرحمك الله تعالى هو الخيط الأبيض المعترض و ليس هو الخيط الأبيض صعدا. فلا تصل في سفر و لا حضر حتى تتبينه. فإن الله- تبارك و تعالى- لم يجعل خلقه في شبهة من هذا. فقال تعالى كُلُوا وَ اشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ. فالخيط الأبيض هو المعترض الذي يحرم به الأكل و الشرب في الصوم، و كذلك هو الذي يوجب الصلاة. و روي «1»: أنَّ وقت الغداة: إذا اعترض الفجر فأضاء حسنا. و أمَّا الفجر الذي يشبه ذنب السرحان فذاك الفجر الكاذب. و الفجر الصادق هو المعترض كالقباطي. و عن أبي بصير «2» ليث المرادي: سألت أبا عبد الله- عليه السَّلام- فقلت: متى يحرّم الطعام و الشراب على الصائم و تحل الصلاة صلاة الفجر. فقال: إذا اعترض الفجر فكان كالقبطية البيضاء. الحديث. و عن علي بن عطية «3» عن أبي عبد الله- عليه السَّلام- أنه قال: الصبح (الفجر) هو الذي إذا رأيته كان معترضا كأنه بياض نهر سوراء. و يمكن أن يفرق بين الفجرين الكاذب و الصادق ببعض الأمور: الأمر الأول: أنَّ الأفق الشرقي في نهاية الليل يظهر فيه نور خفيف، و لكنه طويل كذنب السرحان، و هو الذئب، فيكون متعاهدا مع الأفق «4». و هو ما وراء الفقه، ج1، ص: 211 الفجر الكاذب. ثم إنَّ هذا الضوء ينطفئ و يسود الظلام فترة من الزمن، قد تكون حوالي نصف ساعة، ثم ينبثق في نفس الأفق نور خفيف مواز للأفق «1» يشبه جريان النهر الأبيض. و إنما سمِّي صادقا لأنه هو الذي يدوم و يستمر بالاتِّساع، على حين يخبو الأول و يزول. و إذا اتَّسع الفجر قليلا شمل منطقة معتد بها من جهة السماء الشرقية، فصار كالقبطية البيضاء. و القباطي نوع من القماش كان يجلب من بلاط القبط. و هي مصر فهو يشبه قطعة بيضاء من القماش الأبيض مفتوحة في الأفق. و هذا التشبيه لطيف و محترم. الا أن فيه نقطتان ينبغي الالتفات إليهما: أولا: إنَّ بياض الفجر في الأفق و إن شبّه بالبياض الحقيقي، و لكنه على أيّ حال، من الناحية الواقعية، هو قلة في الظلام و ليس نورا متكاملا. فهو أشبه بزرقة السماء إلى أي شيء آخر. و لكنه في وسط سواد السماء بجميع أطرافها يراه الفرد و كأنه أبيض حقيقي. ثانيا: إنَّ الفجر إنما يصبح كالقطعة من القماش إذا انتشر في الأفق قليلا، و ذلك بعد بزوغه الحقيقي بحوالي عشر دقائق إلى ربع ساعة. و من ثم تعرف أنَّ تحديده ببياض النهر أقرب لوقت بزوغه حين يكون في أوله موازيا للأفق و مجاورا له. فهذا الفرق الأول بين الفجرين يحتوي على فارقين: أحدهما: إنَّ الفجر الكاذب طولي، و الفجر الصادق عرضي. ثانيهما: إنَّ الفجر الكاذب ينطفئ، و الفجر الصادق يتسع «2». ما وراء الفقه، ج1، ص: 212 الأمر الثاني: إنَّ الفجر الكاذب لا ينطفئ، بل يبقى موجودا إلى حين ظهور الفجر الصادق. إذن فالضوء يبقى في الأفق مستمرا. الا أنَّ الفجر الكاذب غير قابل للاتِّساع، فيبقى على حاله إلى أن يبزغ الفجر الصادق تحته، و يبدأ بالاتِّساع أو بالارتفاع. و الله سبحانه العالم بحقائق الأمور. و بناء على هذا الفرق لا يكون هناك أي مدة بين الفجرين. الا أنَّ التعرف على ضوء الفجر تحول دونه عدة حوائل بعضها مستمر من العهد السابق، و بعضها حديث في العصر المتأخر. اولا: يمنع رؤيته السحاب إذا حصل في جهة الشرق، كما أشير له في إحدى الروايات التي سمعناها. ثانياً: يمنع رؤيته ضوء القمر في العشر الوسطى من كل شهر. بل حتى في قسم من العشر الأواخر، حين يبزغ القمر في آخر الليل. و قد سمعناه من بعض الروايات أيضا. ثالثا: يمنع رؤيته البرد، و بمعنى أنَّ الناس في الشتاء يضطرون إلى الكمون تحت السقوف و لا يمكنهم التطلع إلى الأفق تحت السماء. رابعا: يمنع رؤيته الضباب الذي يكون متراكما أحيانا، بل دائما في كثير من البلدان في نصف الكرة الشمالي. فمثلا (لندن) مشهورة بأنها بلد الضباب. و غيرها. هذا من دون التحدث عن العوائق الفردية كالعمى و الإقعاد و غيره. و كل هذه الأمور من الموانع الدائمة في الدهر. خامسا: ضوء الكهرباء و هو مانع حديث جاء مع الحضارة الأوروبية الحديثة. و جعل من المتعذر الاطلاع على الفجر الا نادرا. و لو تحدثنا عن الموانع على سطح الأرض لتزايد العدد، كالجبل الذي يكون إلى جهة الشرق في بعض البلدان. فإنَّ الفجر الذي هو (حجة) شرعية لو صحّ التعبير، إنما يقاس في الأفق المستقيم لا في الأفق الجبلي لو صحّ التعبير أيضا. و مع وجود الجبال، يكون التعرّف على الأفق متعذِّرا. و كذلك قد تكون هناك أشجار أو بيوت أو أي شيء آخر يمنع عن ما وراء الفقه، ج1، ص: 213 الاطلاع على الأفق، فيمنع من التعرّف على الفجر في أول حصوله، ممَّا يستوجب الانتظار حتى يظهر فوق هذا المستوي، و هو خلاف المفروض عند التحقيق. نعم، بالنسبة إلى الموانع الموقتة التي قد تحدث في بعض الليالي و تزول، كالسحاب، وضوء القمر، فإنه يمكن أن يقاس الفجر على الليالي السابقة بالساعة، فيزداد و ينقص بدقيقة أو دقيقة و نصف لكل ليلة حسب أي وقت في السنة. إذن، فالطريقة الاعتيادية المضمونة لمعرفة الفجر، هي رؤية ضوئه. ما لم تحصل بعض الموانع. و لكن يقول عدد من المؤذنين الثقات و بعض العلماء: إنه تهب عند الفجر ريح خفيفة ذات رائحة طيِّبة يعرفون بها بزوغه. و هو أمر لا تمنعه شيء من تلك الموانع على الإطلاق. و يستعلون على قولهم هذا بقوله تعالى وَ الصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ. فإنَّ الضوء بمجرده لا يحسن وصفه بالنفس. و إنما النفس من قسم الريح المتحركة الضعيفة نسبيّا. فكذلك الحال في الفجر. و كذلك بالنسبة إلى الرائحة الزكية. لأن النفس ينقل ما في الفم من الروائح إلى الخارج، و هي أحيانا قد تكون جيِّدة، كمن يعلك علكا و نحوه. فكذلك الحال في الفجر. فالآية الكريمة كالنص في ذلك. و إن ناقش بها (من لا يؤمن بها). و إليه يشير الشاعر، و هو ابن أحمد الكندي السّري في وصفه للفجر حين يقول «1»: و ركائب يخرجن من غلس الدجى مثل السهام مرقن منه مروقا و الفجر مصقول الرداء كأنه جلباب خود أشربته خلوقا و الخود: المرأة الحسنة الخلق الشابة، و الخلوق ضرب من الطيب المائع. فهو يمثل بياض الفجر بالجلباب، كما سمعنا تمثيلية في الروايات بالقباطي البيضاء. و يمثل ريحه الطيبة بالخلوق. ما وراء الفقه، ج1، ص: 214 و لأبي بكر الخالدي في وصف الجو و إدبار الليل و إقبال الفجر يقول «1»: و الجو يسحب من عليل هوائه ثوبا يجود بظلّه المترقرق حق رأينا الليل قوس ظهره هرما و أثر فيه شيب المفرق و كأن ضوء الفجر في باقي الدجى سيف حادة من اللجين المحرق فهو يمثل ضوء الفجر بالشيب و ريحه الطيِّبة بالهواء العليل و حمرته التي تحدث بعد ذلك بالذهب: اللجين. و محل الشاهد من هذه الأشعار هو الاستشعار بأن نسمة الفجر أمر سائر بين عدد من الناس. و إن أنكره الآخرون. و قد يخطر في الذهن: أنَّ هذا لو كان أمرا واقعيّا، لذكر في الروايات، و حيث لم يذكر، إذن يدل على عدم واقعيته. و جوابه: أنَّ الأئمة المعصومين- عليهم السَّلام-، حوّلونا على الجهة الواقعية للفجر، أعني الفجر بالمعنى التكويني في خلقة الله سبحانه. و ليس ذلك الا الضوء. و كذلك فعل القرآن الكريم حين قال حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ. و هذه الجهة الواقعية كافية تماما لحسم الأمر. كل ما في الموضوع قد يكون لبعض الأشياء علامات عند وقوعها، فمن عرف علامة وقوع الفجر أمكنه العمل عليها. و الحجة الفقهية في ذلك هي الوقوف أو الاطمئنان بحصول الفجر عند حصول علامته. و هو ما يحصل فعلا عند من يتبيّنها. و الآن بقي علينا أن نعرف استمرار و نهاية وقت الصلاة، بعد أن عرفنا أول وقتها. فإن هذا الوقت يسمى ما بين الطلوعين، يعني طلوع الفجر و طلوع الشمس. و في بعض الروايات أنها ساعة ليست من الليل و لا من النهار. الا أنها من الناحية الفقهيّة المستفادة من السنة الشريفة أنها من النهار و ليست من الليل، لأن وجوب الصوم يبدأ من الفجر، و الصوم إنما يكون في النهار، و لا يجوز إلحاق أي جزء من الليل به. و في القرآن الكريم سمعنا وصفه بالصبح في قوله تعالى وَ الصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ. و لا يترتب أي أثر فقهي على أنها من ما وراء الفقه، ج1، ص: 215 الناحية العرفية هل هي ليل أو نهار؟ و المعروف بين الناس أن مدَّتها ساعة و نصف تماما على طول أيام السنة، الا أنَّ المطمأن به كذب هذه الشهرة. و أنَّ هذه الفترة تطول بطول الليل و تقصر بقصره. و تتراوح بحوالي ساعة و عشرين دقيقة إلى ساعة و خمس و أربعين دقيقة. و ضبط مدَّتها طيلة أيام السنة لم يتيسر إلى الآن مع الأسف، كما أنَّ نسبتها إلى الليل أو النهار لم يتيسر، و إن كان بحسب الظن أنها عشر مدة الليل «1». و الله العالم بحقائق الأمور. و بالطبع فإن هذا الحديث، حتى لو كان مضبوطا، فإنه إنما يصدق في خطوط العرض بحوالي المدارين إلى مسافة من جانبيهما. و أما في خط الاستواء و قريبا من القطبين، فيحتاج ذلك إلى إعادة نظر. و لا يتيسَّر لكاتب هذه الحروف ذلك مع شديد الأسف. و المهم الآن هو الانتباه إلى هذه المسألة، ثم يكون التحديد بيد الأجيال الآتية. و بعد مضي ساعة أو أكثر، يتزايد الضوء في السماء، و تبدأ الحمرة المشرقية في الوجود. فإن نفس المنطقة التي ظهر فيها الفجر، تكون الآن مكسوّة بحمرة في الأفق بحوالي ذراعين أو ثلاث، بحسب النظر. و لا تزول الا عند ما يقرب بزوغ الشمس، إذ تبدأ طلائع الضوء القوي الصادر من قرص الشمس تصعد فوق الأفق، فتتضائل الحمرة المشرقية حتى تزول. حتى يأتي وقت يحصل فيه الشروق. و هو من الناحية الفقهيّة: ظهور أوّل جزء من قرص الشمس فوق الأفق، و إن لم يظهر القرص كله، و إن لم ينتشر ضوؤها. و من المعروف الأكيد، أنَّ الشمس تشرق خافتة نسبيّا «2»، لأنهم قالوا: إنَّ وصول نورها إلى الأرض يستدعي ثمان دقائق. و بعد مضي هذه الدقائق يبدأ القرص باللمعان. من دون أن يكون نوره قد انتشر كثيرا. و يحتاج هذا الانتشار إلى حوالي ربع ساعة أو أكثر، تكون الشمس خلالها قد صعدت فوق الأفق بمقدار ذراع، في النظر، أو أكثر. ما وراء الفقه، ج1، ص: 216 و أوَّل وقت ظهر و الحمرة المشرقية التي سمعنا عنها. هو فقهيّا آخر وقت فضيلة صلاة الصبح، و آخر وقت نافلته. بمعنى أنه لو صلّى الفرد الفريضة عندئذ كانت ضئيلة الثواب و لو صلّى النافلة كان اللازم أن ينويها قضاء، و لا أقل من نية الرجاء احتياطا. فهذا هو الحديث عن وقت صلاة الصبح. الجهة الثانية: في وقت صلاة الظهر و صلاة العصر: قال الفقهاء: إنَّه إذا زالت الشمس، فقد دخل وقت كلتا هاتين الصلاتين، و لكن تختص الظهر من أول الوقت بمقدار أدائها، و هو أربع ركعات مع مقدماتها الواجبة، أو بدونها. كما تختص العصر من آخر الوقت بمقدار أدائها. و سيأتي تحديد آخره. و معنى الزوال: عبور الشمس عن دائرة نصف النهار. و هي دائرة وهمية تقطع الأرض نصفين من الشمال إلى الجنوب. فإذا عبرت الشمس هذه الدائرة تكون قد زالت أي زالت عن نصف النهار بالضبط و توجهت لتوّها نحو الغرب. و المفروض أنَّ عبور الشمس عن تلك الدائرة يتم في النصف من الوقت بين بزوغ الشمس و غروبها، يعني في نصف النهار تماما. و بتعبير آخر أدق: أنَّ الزوال يتم بعد نصف النهار بعدة ثوان. فإنَّ الشمس حين تكون في الوسط تماما «1» فهي إذن تكون في نصف النهار تماما. و حين تتجه نحو الغرب قليلا «2» يكون الزوال قد حصل. ما وراء الفقه، ج1، ص: 217 الا أنه تبقى هناك بعض الأسئلة: أولا: إنَّ الفقهاء و غيرهم، قالوا: إنَّ دائرة نصف النهار تقطع الأرض نصفين من الشمال إلى الجنوب. و لكن يبقى السؤال عن محل رأس الخط الوهمي بالضبط في الشمال و كذلك في الجنوب. هل هو الشمال الجغرافي أي القطب الشمالي الاعتيادي. أو هو الشمال المغناطيسي. أو هو نقطة أخرى في الشمال غيرهما؟ ثانيا: هل أنَّ الزوال يتحقق قبل خروج القرص كله من دائرة نصف النهار. يعني بمجرد أن يتزحزح مركزه نحو الغرب و لو قليلا. أو أنَّ الزوال لا يتحقّق الا بخروج القرص كله عن دائرة نصف النهار. ثالثا: إنَّ المفروض بدويّا أنّ خط دائرة نصف النهار، يقاطع خط مسير الشمس من الشرق إلى الغرب بزاوية قائمة متكاملة. فهل هذا صحيح، أو أنَّ هناك اختلافا بمقدار ما؟ رابعا: إنّ المفروض أنّ الزوال يحصل في نصف النهار أو بعده بثوان تحديدا. فهل هذا صحيح، و هل هناك من الموانع ما يحول دون ذلك؟ و نجيب عن كلّ سؤال في ناحية من الكلام: الناحية الأولى: في الكلام عن رأس الخط الوهمي لدائرة نصف النهار و قد أعطى الفقهاء رأيهم الإجمالي و لم يحدِّدوا شيئا معيَّنا. فقد أوكلوا الأمر إلى الفهم العرفي الاعتيادي. فإنَّ كل فرد يحمل فكرة عن الشمال و الجنوب. و هذا يكفي. و يكون تحديد دائرة نصف النهار على هذا الفهم الإجمالي. و هذا التِّجاه في الفهم له نقطة ضعف و نقطة قوة: نقطة الضعف: أنَّه من الواضح أنَّ استقامة و اتجاه دائرة نصف النهار سوف يختلف باختلاف رأسيها الشمالي و الجنوبي، إلى عدَّة درجات، الأمر الذي يفتقر إلى الدقة الرياضية. و يترتب على ذلك عدم إمكان التعرّف على لحظة الزوال بالمعنى الحقيقي. نعم، في بعض مناطق العالم تتحد الدائرة من كلا القطبين الجغرافي و المغناطيسي. كالخط الطولي الرقم 100 و الذي ما وراء الفقه، ج1، ص: 218 يوجد عليه القطب المغناطيسي. فإنّ الدائرة ستمر على كلا القطبين في نفس الوقت. و كذلك في بعض مناطق خط الاستواء. حيث تتقاطع الدائرتان. فيكون هذا التقاطع هو دائرة نصف النهار لتلك المنطقة «1»، غير أنَّ الإشكال و الصعوبة تبقى في أغلب مناطق العالم. نقطة القوة: إننا لا نحتاج إلى دقة بهذا المقدار المفروض لأكثر من سبب. السبب الأول: إنّ نقطة القطب الجغرافي، و كذلك نقطة القطب المغناطيسي، غير محدد بالضبط، بل هي عامَّة أو قل: مستهلكة في مسافة كبيرة قد تصل إلى عدة كيلومترات مربعة. و إذا استطعنا أن نحصرها في كيلومتر مربع واحد، فقد عملنا عملا عظيما. و على كل تقدير فرأس الخط الوهمي، لا يمكن أن يكون له مبدأ محدّد بالمعنى الرياضي المتكامل. و هذا واقع كأنه لا فكاك منه. السبب الثاني: إنَّ الفقه، كما لا يخفى على ممارسيه، مبني على الفهم العرفي، و العرف يتجه عادة إلى شيء من التسامح و عدم الدقة في النظر. و معنى ذلك أنَّ هذا المقدار من النظر العرفي يكفي فقهيّا لتحديد دائرة نصف النهار. و هذا هو السبب الذي حدا بالفقهاء أن يجملوا في كلماتهم و لم يحددوا تحديدا كاملا. و سنرى فيما يأتي، فيما ورد من الروايات التي تعطى طريقة التعرّف على الوقت، و بخاصة الزوال: أنها تعطي تحديدا أو علامات تقريبية أقرب إلى الفهم العرفي من أيّ شيء آخر. الأمر الذي يجعل موقف الفقهاء مبررا بحجة شرعية متكاملة. و لكنهم على أيّ حال سوف يخسرون الدقة في تحديد ما وراء الفقه، ج1، ص: 219 وقت الزوال. و من زاوية الشارع المقدس، فإنه يتوقع من المكلفين أن يحتاطوا بالانتظار قليلا، حتى يتأكدوا من دخول الوقت. فإن مضي الزمان كفيل بذلك كما هو واضح. و نحن هنا، و إن كنّا نؤمن بأنَّ الحجة الشرعية، قائمة على هذا المقدار من التسامح، الا أننا نحاول جهد الإمكان زيادة التحديد. بمعونة الله سبحانه، إلى حد لا تحول دونه الا عدم العصمة، كما يعبرون. فنحن الآن نجمع بين مسلكي التسامح و الدقة. فإن لم نستطع الحصول على الدقة أحيانا، فلا نكون مقصرين: لأننا- أولا- قد أوفينا ما في ضميرنا من الحاجة و إن لم ننجح. و لأننا- ثانيا- نعتقد بكفاية التسامح العرفي. إذن، فمن زاوية الدقة يعود السؤال: هل أن دائرة نصف النهار، تبدأ من القطب الجغرافي أو المغناطيسي أو غيرهما. بعد أخذ ما قلناه في السبب الأول من نقطة القوة السابقة، و التي لا يمكن تلافيه بأيِّ حال. و كل ما نستطيع أن نعرضه من الجواب الآن، في ضيق الإمكانيات الفردية التي نملكها: أننا جرَّبنا في منطقتنا من جنوب العراق. فوجدنا أنَّ دائرة نصف النهار أقرب تماما إلى الشمال المغناطيسي منها إلى الشمال الجغرافي، بل هي من الجانب الآخر عن الشمال الجغرافي، بشكل تكون أبعد عن الشمال الجغرافي. توضيحه: أنه بعد تحديد خطي الشمالين الجغرافي و المغناطيسي يكون الشمال الجغرافي إلى اليمين و الشمال الآخر إلى اليسار. و يكون الفرق بينهما عشر درجات بالضبط. هذا مع اتجاه الفرد بوجهه إلى الشمال. و أمَّا دائرة نصف النهار فهي إلى يسار الخط المغناطيسي. بدرجة أو نصف درجة، في حين أننا عرفنا أنَّ الخط الجغرافي على يمين المغناطيسي بعشر درجات «1». ما وراء الفقه، ج1، ص: 220 و هذا يعود بعد تحديد الشمالين إلى علامات الزوال التي سوف نأتي على ذكرها فإنها تتحقّق في هذه المنطقة، فمثلا: إنّ الظل يبلغ نهاية قصره و بدء ارتفاعه عند هذه النقطة و يكون عند وصوله إلى الخط الجغرافي قد طال بشكل ملحوظ. الأمر الذي يعين أنَّ دائرة نصف النهار تحدّد بالخط المغناطيسي تقريبا و ليس الجغرافي. إذا وصل ظل الشاخص الدقيق على الخط المغناطيسي فقد عبرت الشمس دائرة نصف النهار بحوالي درجة، و هذا يكفي تماما لحصول الزوال. و سيأتي في علامات الزوال إيضاحات أخرى حول ذلك. الا أنَّ هذا بالطبع لعله خاص بالمنطقة التي تمَّ فيها القياس، و ليس في الإمكان القياس في كل بلدان العالم. كما أننا لا يمكن أن نتوصل إليه بالحساب الرياضي التجريدي، لانعدام المصادر المتكفلة لهذا الحساب. و الله سبحانه ولي التوفيق. الناحية الثانية: في الجواب على السؤال الثاني: متى يحصل الزوال، هل بزحزحة الشمس عن دائرة نصف النهار أو بخروج القرص كله «1».، الظاهر هو الأول. لأنه يكفي أن تتجه الشمس نحو الغرب، و لو قليلا جدّا. فإن هذا القليل الذي نتحدث عنه ليس قليلا في السماء بل يساوي عدة كيلو مترات فوق قرص الشمس. و ليس من الضروري أن يخرج القرص كله عن دائرة نصف النهار. الا أنَّ هذا الفرق لا يكاد يظهر له أثر عملي. فإننا عرفنا أننا نبحث عن نصف الدرجة، هنا على سطح الأرض و نكتفي به في ما وراء الفقه، ج1، ص: 221 حصول الزوال. و من الواضح، أنَّ نصف الدرجة هذه لا تعني فقط زحزحة مركز الشمس عن دائرة نصف النهار، بل ابتعاد القرص كاملا عن هذه الدائرة مسافة كبيرة نسبيّا في السماء. نعم، لو استطاع أحد أن يضبط هذا الفرق، اكتفينا معه نظريّا، بالوجه الأول، و هو زحزحة المركز. الناحية الثالثة: حول السؤال الثالث: هل أن دائرة نصف النهار تقاطع خط مسير الشمس من الشرق إلى الغرب إلى الشرق تماما. أو لا؟ جواب ذلك يتوقف على الالتفات إلى عدَّة أمور: الأمر الأول: لو كانت دائرة نصف النهار تبدأ من الشمال الجغرافي، و كانت الشمس تسير بشكل مواز لخطوط العرض. لرسمت زاوية قائمة معها. لأنَّ دائرة نصف النهار عندئذ كأنها أحد خطوط الطول أو هي خط طول ذلك البلد الذي نتحدث عنه، أي بلد كان. و لو حسبنا انقساماته إلى دقائق و ثوان. و معه فتكون الزاوية بين مسير الشمس و الدائرة، هي نفسها الزاوية بين خط طول و خط عرض البلد. أيَّا كانت. الأمر الثاني: إنّ الأمر ليس كما قلنا في الأمر الأول و خاصة بعد أن رجحنا أنَّ دائرة نصف النهار تبدأ من الشمال المغناطيسي، بل أبعد منه بقليل عن الشمال الجغرافي. الأمر الثالث: إنَّ الشمس لا تسير موازية لخطوط العرض، على الإطلاق و إن كان يبدو لبدو النظر ذلك. بل هي تسير بخط حلزوني تصعد مرة إلى المدار الشمالي (مدار السرطان) ثم تنزل بخط حلزوني إلى المدار الجنوبي (مدار الجدي). و هذا الخط الحلزوني غير مواز لخطوط العرض و لا لخط الاستواء- و هو أحد خطوط العرض المتوازية- و إنما يرسم معها تقاطع ذا زاويتين حادتين جدا عند الشرق و الغرب. و منفرجتين جدّا عند الشمال و الجنوب. و المداران الشمالي و الجنوبي، ليسا من خطوط العرض، بل هما خط مسير ما وراء الفقه، ج1، ص: 222 و هذا مخطط لإيضاح الفكرة 1- مركز الكرة الأرضية المائل. 2- الدائرة القطبية. 3- المدار الشمالي: مدار السرطان و منه يظهر التقاء طرفي المدار عند مسير الشمس. 4- 5- خطان يمثلان مع كثير من الخطوط مسير الشمس الحلزوني: 6- خط الاستواء و منه تظهر الزاويتين الحادتين له مع مسير الشمس. 7- 8- خطان من خطوط مسير الشمس الحلزوني. 9- المدار الجنوبي: مدار الجدي. و منه يظهر التقاء طرفيه أيضا. 10- 11- 12- خطوط من مسير الشمس. 13- الدائرة القطبية الجنوبية. 14- القطب الجنوبي الجغرافي. ما وراء الفقه، ج1، ص: 223 الشمس عند بلوغها إلى غاية الارتفاع و الانخفاض، نتيجة لوجودها تجاه الشمس بشكل معين ناتج من انحراف قطرها. إذن، فلمداران، يعني أيّا منهما كان ليس دائرة متكاملة بالدقة، يعني لا يلتقي طرفاه، بل تبدأ الشمس في نهاية أطرافها بالدوران حوله بالخروج عنه. فيلتقي طرفا الخطين عند دخول الشمس فيه و خروجها عنه. و يشكل أيضا زاويتين حادتين عند الشرق و الغرب و منفرجتين عند الشمال و الجنوب. و بعد ملاحظة ذلك كله نستطيع أن نلتفت إلى أنَّ خط مسير الشمس لا يقاطع دائرة نصف النهار بالدقة، و إن كان مقاطعا لها بالتسامح العرفي. بل لا يكون- بالدقة- في زاوية موحّدة و مضبوطة في كل البلدان على خط عرض واحد، بل و لا في بلد واحد على طول السنة كما هو معلوم. و هذا أمر نظري. ليس له أثر فقهيّ عملي. ملحوظة: أننا لو لاحظنا دوران الأرض حول الشمس فقط في مدة سنة. فإن مسير الشمس يشكّل خطّا حلزونيّا واحدا بين المدارين: و يظهر في المخطط التالي: أو هكذا للإيضاح أكثر. و لكننا إذا لاحظنا الأرض حال دورانها حول نفسها وجدنا الشمس ترسم خطوطا حلزونية كثيرة على عدد أيَّام السنة أو عدد دوران الأرض حول نفسها. و بتعبير آخر: أنَّ نفس ذاك الخط الحلزوني الواحد ينتشر على وجه الأرض بحساب دقيق لا محال الآن إلى تحديده و استيعابه. ما وراء الفقه، ج1، ص: 224 و لعل المخطط التالي يوضح ذلك، على أن نفهم كل خط من خطوط ضوء الشمس قد سقط على الأرض في يوم غير اليوم الذي سقط فيه الآخر. لتتضح الصورة ذهنيّا أكثر: الناحية الرابعة: في الجواب عن السؤال الرابع: هل أن الزوال يحصل في نصف النهار، أو بعده بثوان. أو أنه يختلف عنه. و بتعبير آخر، أنَّ التحديدين: الزماني و المكاني للزوال يختلفان. فبالرغم من أنَّ التحديد المكاني هو في النصف، لأن دائرة نصف النهار هي في النصف تماما من حيث المكان الا أنَّ الزمان قد يختلف عن ذلك. و أثر ذلك فقهيّا، موجود. و هو أننا إذا أثبتنا أنَّ الزوال يقع في نصف النهار تقريبا، ما عدا عدة ثواني. أمكن أن نحسب وقت الشروق و وقت الغروب بالساعات و الدقائق و نقسمها نصفين، فيكون النصف هو وقت الزوال. و جواب السؤال يقتضي ملاحظة عدة أمور: الأمر الأول: ملاحظة ما قلناه في جواب السؤال الثاني: من أنَّ الزوال يحصل بزحزحة مركز الشمس عن دائرة نصف النهار، لا بخروج القرص كله. و من الواضح أنَّ الوقت يختلف بين هذين الافتراضين. و لكننا عرفنا فيما سبق أنَّ هذه الدقة لا تكاد تكون عملية أو ممكنة. الأمر الثاني: ملاحظة معنى الشروق و الغروب. فإننا لو اعتبرنا رياضيّا: أنَّ الشروق يكون عند حصول مركز الشمس مع الأفق المستقيم الشرقي. و الغروب يكون عند حصول مركزها عند الأفق ما وراء الفقه، ج1، ص: 225 المستقيم الغربي «1». إذن فمن المنطقي أن نقول: إنَّ الوقت هو النصف تماما. و لكننا عرفنا أنَّ الشروق يعني خروج أول جزء من القرص فوق الأفق «2». و الغروب هو نزول آخر جزء منه تحت الأفق «3». إذن، فالمدة تمتد أكثر بمقدار ما من جانبي الشروق و الغروب. و لكن، بغض النظر عمَّا سوف نسمعه في الأمر الثالث، فإنه من المفروض أن زمان ظهور نصف القرص الأعلى على الأفق شرقا يساويه مقدار اختفاء نصف القرص الأسفل تحت الأفق. و من الملاحظ أن نفس النصف الذي يبدأ بالشروق هو نفسه الذي يبدأ بالغروب. الأمر الثالث: إنَّ المفروض مؤكدا في العلم الحديث أنَّ سرعة دوران الأرض حول نفسها هي نفسها باستمرار و إلى الأبد. كما أنَّ سرعة دورانها حول الشمس هي نفسها و إلى الأبد. فلو كان الأمر كذلك، لتم المطلوب. فيكون الزمان الأوسط هو زمان الزوال. و هو أمر مظنون إلى درجة يمكن الوثوق بها فقهيّا، الا أنَّ في النفس منها شيء، مما لا حاجة إلى تفصيله. و يكفي الآن أن نسمع قوله تعالى: إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا. فلو كانت السرعة مختلفة دائما أو أحيانا، بأسلوب محدّد أو بأسلوب لا ما وراء الفقه، ج1، ص: 226 نستطيع تحديده. إذن لا يكون نصف الوقت هو وقت الزوال. غير أننا قلنا إنه بالرغم من ذلك، فإن الحجة الشرعية بخلافه. فالمحصل أنه يمكن فقهيّا القول: بأنَّ نصف الوقت هو وقت الزوال. أساليب تحديد الزوال: يمكن تحديد حصول الزوال بعدة أساليب، نذكر أهمها: الأسلوب الأول: تنصيف الوقت بالساعات و الدقائق بين وقت الطلوع و وقت الغروب. كما أشرنا إليه قبل قليل و قلنا إن الحجة الشرعية الفقهيّة قائمة عليه. لا يفرق في ذلك بين التوقيتات المختلفة للوقت. أعني الساعة الزوالية و الساعة الغروبية و الصيفية و غيرها إن وجدت. الأسلوب الثاني: جعل الشمس على الحاجب الأيمن. و طريقته: أن يستقبل الفرد الجنوب، و ينتبه إلى الشمس التي هي فوق رأسه بالتقريب. فإن حصلت في نصف النهار كانت فوق أنفه، و هو الوسط. فإن تحركت قليلا إلى جانب الغرب، و هو جانب يمينه فقد أصبحت فوق حاجبه الأيمن، فذلك هو الزوال. و معه يكون من المفهوم أنه لا حاجة إلى أن تتوسط حاجبه الأيمن بل يكفي أن تكون عليه في الجملة. فلو دخلت في أول جزء منه الذي يلي الأنف كان ذلك كافيا في تحقّق الزوال. و لا حاجة إلى البقاء تحت الشمس و ترقّب حركتها، بل يكفي التأكد من وجودها فوق الحاجب إجمالا و لو لأول مرة. كما لو كان هذا الفحص قد حصل عند الزوال أو بعده بقليل. و قد وردت في ذلك رواية «1» عن رسول الله- صلَّى الله عليه و آله- قال: أتاني جبرئيل فأراني وقت الظهر حين زالت الشمس، فكانت على حاجبه الأيمن. و ينبغي في هذه العلامة ملاحظة أمرين: الأمر الأول: إنها ليست دقيقة رياضيّا، بل هي عرفية مجعولة لسائر ما وراء الفقه، ج1، ص: 227 الناس. و لعل الشمس لا تكون على طرف الحاجب الأيمن الا بعد زوالها بخمس دقائق أو نحوه. الأمر الثاني: إنها علامة غير عامة للعالم كله. بل خاصة ببعض الأماكن. و قد قال عدد من الفقهاء: إنها علامة مخصوصة بمن كانت قبلته نقطة الجنوب أو قريبة منها. و قيده بعضهم بمن يستقبل القبلة و آخر بقبلة العراق. و كله ليس بشيء. و إنما ذلك تبع لمحل وجود الشمس و المنطقة التي يكون الفرد فيها. فمثلا إذا كانت الشمس في المدار الشمالي، كانت هذه العلامة صادقة لمن كان على هذا المدار و شماله إلى القطب الجغرافي. و غير صادقة بالنسبة إلى من يكون في جنوبه. بل أولئك عليهم أن يقبلوا الاتجاه، فيتجهون بوجوههم إلى الشمال ليواجهوا قرص الشمس فيكون الغرب على يسارهم لا على يمينهم. فإذا مالت الشمس إلى جهة يسارهم فكانت على حاجبهم الأيسر، كان الزوال قد تحقَّق. و أمَّا إذا كانت الشمس على المدار الجنوبي، صدقت العلامة، لمن كان في هذا المدار و من كان في جنوبه إلى القطب الجغرافي الجنوبي. و لم تصدق في شماله و احتاج من يكون في الشمال إلى التوجّه إلى الجنوب، على عكس ما قلنا في المدار الشمالي. و هذا ينتج أنَّ من يكون على المدار الشمالي أو في شماله تصدق عليه هذه العلامة دائماً. و من يكون على المدار الجنوبي أو جنوبه يحتاج الى عكسها المشار إليه دائما. و من يكون بين المدارين يحتاج الى تعيين موقع الشمس منه. هل هي في شمال بلاده أو في جنوبها، و على أىِّ حال يتم بالاتجاه إلى قرص الشمس أينما كان. فإن كان الوجه إلى الجنوب كانت العلامة صادقة، و إن كان الوجه إلى الشمال كان عكسها صدقا. الأسلوب الثالث: لمعرفة الزوال: زيادة الظل بعد نقصه أو ظهوره بعد انعدامه. و قد وردت في ذلك بعض الأخبار ما وراء الفقه، ج1، ص: 228 منها: عن سماعة «1» قال: قلت لأبي عبد الله- عليه السَّلام-: جعلت فداك متى وقت الصلاة. إلى أن قال: فأخذ العود فنصبه حيال الشمس. ثم قال: إنَّ الشمس إذا طلعت كان الفيء طويلا، ثم لا يزال ينقص حتى تزول. فإذ زالت زادت. فإذا استنبت فيه الزيادة فصل الظهر. الحديث. و عن علي بن أبي حمزة «2» قال: ذكر عند أبي عبد الله- عليه السَّلام- زوال الشمس. قال: فقال: تأخذون عودا طوله ثلاثة أشبار و إن زاد فهو أبين. فيقام: فما دام ترى الظل ينقص فلم تزل. فإذا زاد الظل بعد النقصان فقد زالت. أقول: إذا نصب أي شيء في أرض مسطحة أو صحراوية و نحوها، كالعود أو جسم إنسان أو ما يشابه في نسبة العرض إلى الارتفاع «3». على أن يكون النصب مستقيما تماما. فإذا بدأ ضوء الشمس الانتشار عند الشروق أصبح لهذا الجسم، و يسمى فقهيّا: الشاخص، مأخوذا من لفظ شخص الإنسان. كان له ظل طويل إلى جهة الغرب «4». و قد نعرف نظريّا أنه لا متناهي أو أنه يتجاوز منطقة الأفق الغربي على الأقل. و كلّما تصاعدت الشمس تقاصر الظل. فإذا حصلت الشمس منذ نصف النهار انقطع التقاصر و النقص، فإذا بدأت الشمس بالمسير نحو الغرب، مهما كان قليلا، الذي هو معنى الزوال. بدأ الظل بالاستطالة إلى الجهة المعاكسة أعني إلى الشرق. ثم لا يزال يطول كلّما مشت الشمس نحو الغرب إلى أن يحصل له. ظل طويل يتجاوز الأفق. ثم يحصل الغروب. و هذه العلامة بهذا المقدار من الفهم، قابلة للتطبيق، شمال المدار ما وراء الفقه، ج1، ص: 229 الشمالي و جنوب المدار الجنوبي. بدون فرق فقهي. و إن كان من الناحية العملية أنَّ الظل القصير الذي يحصل عند منتصف النهار يكون في الشمال متجها إلى الشمال و في الجنوب متجها إلى الجنوب. الا أنَّ هذا لا يضر بالعلامة فقهيّا. و أمَّا من يكون بلده على المدارين أو بينهما، فتحتاج هذه العلامة إلى شيء من التدقيق. لأن منطقة المدارين بالذات تكون الشمس مسامتة للرأس تماما في السنة مرة واحدة. و المناطق التي بينهما تكون الشمس مسامتة للرأس مرتين في العام. مرة عند صعودها إلى المدار الشمالي و أخرى عند نزولها إلى المدار الجنوبي. فإذا أصبحت الشمس مسامتة للرأس تماما انعدم الظل وقت نصف النهار. فتكون هذه العلامة هكذا: أنَّ الظل من جهة الغرب يستمر في النقصان حتى ينعدم. ثم حين تتجه الشمس نحو الغرب يوجد ظل قليل متجها نحو الشرق. فأول أوقات وجود الظل هو الزوال. ثم يستمر الظل في الاستطالة. و لكن هذا يكون في تلك البلدان في اليوم أو اليومين اللذين ينعدم فيهما الظل. أو إذا توسعنا بالتسامح العرفي، استطعنا أن نقول: إنَّ الأمر كذلك بيومين قبله و بيومين بعده. و أمَّا في غير تلك الأيام فالظل لا ينعدم. فنعود إلى كون العلامة هي زيادة الظل بعد نقصه. لا أنها وجوده بعد انعدامه. و الفكرة على أيِّ حال واحدة، و هي: أولا: وصول الظل إلى أقصى قلّته و تقلصه، سواء بقي منه شيء أو انعدم. و ثانيا، أنه يبدأ الاستطالة من جديد. و لا يخفى أنه في الوقت الذي يبقى من الظل شيء، نستطيع به أن نعرف منطقة وجود دائرة نصف النهار «1»، لو صحّ التعبير. لأنه إن بلغ الظل ما وراء الفقه، ج1، ص: 230 أقصى تقلّصه كان ذلك هو المطلوب. يعني قبل أن يبدأ بالزيادة و لو ثانية واحدة. و هذا، أعني عدم انعدام الظل يمكن أن يتحقّق في كل مناطق العالم. أمَّا خارج المدارين ففي كل أيام السنة، و أمَّا في داخلهما ففي الأيام التي لا تتعامد الشمس فيها أو تكون مسامتة للرأس. و هي أغلب أيام السنة. و هذا هو الذي طبقناه في الناحية الأولى من أول هذا الفصل حيث قلنا إنَّ دائرة نصف النهار تقع إلى يسار الخط المتّجه إلى الشمال المغناطيسي، فراجع. الأسلوب الرابع: لمعرفة الزوال: الدائرة الهندية. قال في المستمسك «1»: و كيفيتها: أن تساوي موضعا من الأرض بحيث لا يكون فيه انخفاض و ارتفاع و تدير عليه دائرة. بأي بعد. و تنصب على مركزها مخروطا محدّد الرأس يكون طوله قدر ربع قطر الدائرة تقريبا نصبا مستقيما. بحيث يحدث عن جوانبه أربع زوايا قوائم متساوية. و علامة استقامته أن يقدر ما بين رأس المقياس و محيط الدائرة من ثلاثة مواضع. فإن تساوت الأبعاد فهو عمود. فإذا طلعت الشمس و حدث لذلك المقياس ظلّ إلى جهة المغرب، تنتظر حتى ينقص الظل و يصل طرفه إلى محيط الدائرة، للدخول فيه، فتعلم عليه علامة. ثم تنتظر خروجه بعد الزوال، فإذا وصل إلى محيط الدائرة من جهة المشرق تعلّم عليه علامة أخرى، ثم تصل ما بين العلامتين بخط مستقيم ثم تنصّف ذلك الخط. ثم تصل ما بين مركز الدائرة و منتصف ذلك الخط بخط آخر، فهو خط نصف النهار. فإذا أردت معرفة الزوال في غير يوم العمل، تنظر إلى ظل المقياس، فمتى وصل إلى هذا الخط كانت الشمس في وسط السماء. فإذا مال رأس الخط إلى جهة الشرق. فقد زالت. ما وراء الفقه، ج1، ص: 231 و هذا مخطط توضيحي للدائرة الهندية: 1- نقطة انطباق الظل الشرقي على محيط الدائرة. 2- الظل الشرقي. 3- مركز الدائرة و هو محل المخروط. 4- الظل الغربي. 5- نقطة انطباق الظل الغربي على محيط الدائرة. 6- نقطة الوسط في الخط. 7- الخط الواصل بين النقطتين. 8- الخط بين منتصف الخط الواصل و مركز الدائرة و هو الذي يعرف به الزوال. و لنا على هذه الطريقة بعض الملاحظات: أولا: لا يجب أن يكون الشاخص مخروطيا، بل يمكن أن يكون عموديّا أسطوانيّا رفيعا. بل هو أفضل من ناحية ضبط ظلّه على طوله في حين يكون ظلّ قاعدة المخروط عريضا. ثانيا: إنَّ هذه العلامة إنَّما تصدق في أوقات و أماكن عدم انعدام الظل. و أمَّا مع انعدامه فلا معنى لاستعمالها. الا أنَّ الذي يهون الخطب أنَّ انعدام الظل لا يكون الا في أيام يسيرة جدا في العام. ثالثا: إنَّ جاعل هذه الدائرة يفترض أن منتصف الخط لا يمر بمركز الدائرة كما لاحظنا المخطط في السابق. و هذا إنما يحدث في غير صورة انعدام الظل. رابعا: إنَّ الخط المتّجه إلى الشمال الذي ينبغي رسمه ما بين المركز و منتصف الخط، ينبغي أيضا إطالته إلى محيط الدائرة ليكون أوضح بالتعيين و التحديد، بشكل أكيد «1». خامسا: إنَّ جاعل هذه الدائرة يفترض مرور الظل على هذا الخط المتجه إلى الشمال. و هذا إنما يحصل مع وجوده لا في صورة انعدامه. و لذا قلنا بأنها علامة عاطلة مع انعدام الظل. ما وراء الفقه، ج1، ص: 232 سادسا: إنَّ جاعل هذه الدائرة، يفترض جعلها في النصف الشمالي من الكرة الأرضية. غير أنها بنفسها يمكن جعلها في النصف الجنوبي. غير أنَّ الخط الذي يرسم بين نقطتي الشرق و الغرب لن يكون مارّا بشمال المركز، بل يكون مارّا بجنوبه، و هذا لا يفرق في دلالة هذه العلامة. سابعا: بعد رسم الخط ما بين نقطتي الشرق و الغرب يمكن استعمال أداة الهندسة البسيطة (المنقلة) لرسم خط متعامد على هذا الخط، يكون هو خط دائرة نصف النهار. و يستغني به عن الخط الذي اقترحه الجاعل بين نصف هذا الخط و مركز الدائرة «1». و في هذا الذي قلنا، عدة نقاط من القوة. النقطة الأولى: أن هذا الخط المتعامد لا يجب أن يكون في وسط ذلك الخط، بل يمكن أن يكون في أيّ أجزائه حتى لو كان في طرفه، و إنما المهم أن يرسم معه زاوية قائمة. كما لا يجب أن يكون متجها من الخط الأول إلى الشمال، بل يمكن أن يكون متجها منه إلى الجنوب. النقطة الثانية: إنه إذا فرض مرور الخط المرسوم بين الشرق و الغرب على مركز الدائرة نفسه «2»، كما لو كان عمل هذه الدائرة في يوم انعدام الظل، عندئذ لا مجال للخط الذي اقترحه الجاعل و يتعين العمل بالخط الذي اقترحناه. ما وراء الفقه، ج1، ص: 233 النقطة الثالثة: إنَّ الخط الذي اقترحه الجاعل، لا يكون الا قصيرا غالبا. و أمَّا الخط الذي اقترحناه، فيمكن أن يكون طويلا بالمقدار الذي يريده الفرد المستفيد من الدائرة. ثامنا: إنَّ المهم في معرفة الزوال هو هذا الخط الأخير الممتد بين الشمال و الجنوب. إمَّا بالشكل الذي اقترحه الجاعل أو بالشكل الذي اقترحناه. فإذا حصل أن انمحت الدائرة و انمحى الخط المتجه بين الشرق و الغرب. كان بقاء الخط المشار إليه كافيا. تاسعا: إنَّه من الضروري أن تكون هذه الدائرة، و بالتالى هذا الخط المهم المشار إليه، مرسوما على مكان ثابت، و ليس على مثل الورقة القابلة للنقل. إذ لو تحركت بعد أن تمّ عملها و لو قليلا، فشل العمل بالمرة و لا يمكن إرجاعه الا بعمل جديد. عاشرا: إنَّ هذا العمل على تطبيق الخط المتجه إلى الشمال الجغرافي أو إلى الشمال المغناطيسي. و لكن إذا أردنا أن نعرف الفرق بين أحدهما و دائرة نصف النهار، كان من الضروري رسمهما من مركز واحد. مع رسم خط دائرة نصف النهار، و قياس الفرق بينهما بالدرجات. ثم قال في المستمسك بعد البيان الذي سمعناه قبل قليل، مباشرة، قال: و أسهل من هذا الطريق طريق آخر: و هو أن ينصب مقياسا في الأرض بعد تسويتها. فإذا طلعت الشمس وحدت له ظل، رسم خطا على ذلك الظل إلى جهة المغرب مبدأه من قاعدة المقياس، ثم ينتظر إلى حين الغروب فيرسم خطّا على ظله إلى جهة المشرق مبدأه من قاعدته أيضا. فإن كان الخطان خطّا واحدا مستقيما- كما في يومي الاعتدالين، نصف ذلك الخط بخط مستقيم على نحو تحدث من تنصيفه زوايا «1». و إن كان الخطان خطين متقاطعين- كما في اليومين المذكورين- فلا ما وراء الفقه، ج1، ص: 234 بدّ أن يحدث من تقاطعهما زاوية، فلينصّفها بخط آخر نصفين متساويين «1». و هذا الخط المنصّف في الصورتين هو خط نصف النهار. فإذا مال ظلّ الشاخص عنه إلى المشرق فقد زالت الشمس. و لا يعتبر في صحته أن يكون رسم الخط المنطبق على الظل عند الطلوع و الغروب. بل يكفي أن يكون الرسم في زمانين متساويي النسبة إلى الطلوع و الغروب في القرب و البعد. و لنا على هذه الطريقة عدَّة ملاحظات: أولا: إن الشمس عند ما تشرق لا ترسم ظلا للأشياء، الا بعد فترة مهمة من طلوعها. على حين أنه من جهة الغرب يبقى الظل إلى دخول بعض القرص تحت الأفق. إذن فالزمانين لملاحظة الظلّين غير متساويين. و هذه تعتبر نقطة ضعف رئيسية في هذا العمل، و كذلك تجاه العمل السابق. لوضوح أنَّ الظل لا يصل إلى محيط الدائرة هناك في أي الاتجاهين الشرقي أو الغربي، الا و الظل في أوضح أشكاله. نعم، يمكن تلافي ذلك بما قاله أخيرا بقوله: بل يكفي أن يكون الرسم في زمانين متساويي النسبة إلى الطلوع و الغروب. أقول: مثلا بعد الشروق بساعتين و قبل الغروب بساعتين مع ملاحظة ما قلناه في الأمر الثاني من الناحية الرابعة التي سبقت في أول هذا الفصل. ثانيا: يمكن أن نضيف ما يلي: و هو أنه بعد أن يرسم الخطين للظلين، و يكونان على غير استقامة واحدة. فيحسب مسافة معينة من المركز على كلا الخطين، كأن يأخذ عشر سنتيمترات مثلا. فيضع نقطتين على الخطين. ثم يخط ما بين النقطتين خطّا يتَّجه ما بين الشرق و الغرب. «2» ثم يرسم خطّا متعامدا على هذا الخط، يكون هو خط دائرة نصف النهار «3». ما وراء الفقه، ج1، ص: 235 كما يستطيع أن ينصّف هذا الخط المتّجه بين الشرق و الغرب بنقطة، ثم يرسم خطّا بين المركز و بين هذه النقطة، و لو أراد أن يمتد أكثر أمكنه ذلك «1». فهذا الخط الأخير يتّجه ما بين الشمال و الجنوب، يكون هو خط دائرة نصف النهار. ثالثا: إنَّ بعض ما قلناه في التعليق على العمل السابق، ينطبق على هذا العمل أيضا. كالذي قلناه أولا و ثانيا و تاسعا و عاشرا. بل ربما كل النقاط فراجع. الأسلوب الخامس: لمعرفة الزوال: تركيز الضوء المثلث. فإنَّ الفرد بعد أن يحدّد خط دائرة نصف النهار بأحد الأساليب السابقة، يمكنه أن يستغني عن الشاخص بالضوء المثلث. و ذلك أنَّ العدسة المكبِّرة إذا وضعت تحت الشمس بميل معين، رسم مثلَّثا على الأرض حادّ الزاوية، يمكن تركيز حدة زاويته بتحريك الزجاجة، كما يمكن أن تكون الزاوية الحادة إلى الشمال تارة و إلى الجنوب أخرى حسب وضع العدسة و المهم هو تركيز الزاوية، دون اتجاهها. فإذا وضعنا العدسة فوق خط دائرة نصف النهار بحيث يمر الخط من مركزها، بأدنى مقدار ممكن. مع ميلان العدسة بحيث تكون إحدى حافَّتيها أقرب إلى الأرض، و يمكنها أن تحدث مثلَّثا. فإذا كان الوقت قبل الزوال بفترة لم يظهر المثلث، حتى تصعد الشمس و يقرب الزوال. و عندئذ يبدأ المثلث بالظهور. الا أن زاويته الحادة ليست على خط نصف النهار، بل إلى الغرب منه. ثم يستمر بالاقتراب حتى تصبح الزاوية الحادة فوق الخط تماما. فذاك هو نصف النهار «2»، فإذا تزحزح قليلا جدّا فذاك هو الزوال. ما وراء الفقه، ج1، ص: 236 و بحسب فهمي فإن هذه علامة عامة بكل الكرة الأرضية، كما في عدد من العلامات السابقة. و غير خاصة بمنطقة معينة. الأسلوب السادس: لتعيين الزوال: صياح الديكة نثبتها هنا لما ورد فيها من أخبار، و الا فمشهور الفقهاء قد أعرض عنها، بعنوان أنَّ الديك حيوان لا يحصل لنا أي احتمال لمطابقة عمله للواقع. و الحق معهم بحسب الظاهر، لكننا ينبغي أن نعترف بجهلنا بالقضايا الواقعية التي يعلمها الله و أولياؤه. ففي موثقة سماعة «1»، قال: سألت عن الصلاة بالليل و النهار إذا لم تر الشمس و القمر. فقال: تعرف هذه الطيور التي عندكم بالعراق و التي يقال لها الديكة؟ قال: نعم. قال: إذا ارتفعت أصواتها و تجاوبت فقد زالت الشمس. أو قال: فصلّ. و رواية الحسين بن المختار «2»: قال: قلت للصادق- عليه السَّلام-: إني مؤذن فإذا كان يوم غيم لم أعرف الوقت. فقال: إذا صاح الديك ثلاثة أصوات ولاء فقد زالت الشمس و دخل وقت الصلاة. و مثلهما بعض الروايات الأخرى. و يمكن تبرير هذه الخصيصة للديك بأحد أسلوبين: الأسلوب الأول: ما ورد في مدحه من الأخبار. ففي حديث المناهي «3». قال: نهى رسول الله- صلَّى الله عليه و آله- عن سبِّ الديك. و قال: إنَّه يوقظ للصلاة. قال الصدوق «4»: و قال الصادق- عليه السَّلام-: تعلموا من الديك خمس خصال: محافظته على أوقات الصلاة، و الغيرة و السخاء، و الشجاعة، و كثرة الطروقة. و بعض الأخبار الأخرى. ممَّا يدل على أن للديك صفات ما وراء الفقه، ج1، ص: 237 خصَّه الله تعالى بها، قد لا تعرفها عمليّا، و لا يبعد أننا إذا عاشرناه يمكننا الاطلاع على كثير منها. الأسلوب الثاني: ما ورد في العلم الحديث من أنَّ للديك إحساسا مجهولا لنا بالوقت. فقد حبسوا الديك في غرفة مظلمة دائمة الظلام. و مع ذلك كان الديك يصيح صيحته المعروفة في الأوقات المعتادة له. فكيف كان يتعرف على الوقت؟ و لا ينبغي أن يفوتنا أن الروايات لو تمَّت حجيّتها، لم تعط لصوت الديك حجيّة مطلقة في تحديد الوقت، و إنما هو خاص بما إذا تعذرت المعرفة من النواحي الأخرى، لبعض الموانع، كالسحاب المتراكم أو العجاج الكثيف. و من المحتمل أن للديوك عادة الصياح في كل وقت صلاة. و هذا أكيد في الفجر و راجع في غيره. كما أنه من المحتمل أن يكون لهم عادة الصياح في خصوص ما إذا كان الزوال مغمّا يعني فيه غيم. الا أن الذي يهوّن الخطب: أنَّ هذه الروايات و إن كان فيها الموثق، و هو حجة معتبرة، الا أنَّ الأصحاب أعرضوا عنه، الأمر الذي يسقطه من الحجية. فلا يمكن أن نقول بدلالة صياح الديك على الزوال من الناحية الفقهيَّة الظاهريَّة. فهذه ست أساليب لتعيين الزوال أكثرها أساسي و مهمّ، و هناك أساليب أخرى، لا بدّ من الإعراض عنها كراهة التطويل، يعرفها من يعرفها من الناس مع حسن التوفيق. أوقات الفضيلة بعد الزوال: بعد أن عرفنا أول وقت صلاة الظهر محدّدا بالزوال، علينا أن نعرف نهايته. و هذه النهاية لها معنيان: المعنى الأول: نهاية الوقت الذي تصبح به الصلاة قضاء، و يخرج وقتها بالمرة. فذلك هو الغروب الذي نتحدث عنه في جهة قادمة. المعنى الثاني: نهاية الوقت الذي تصبح به الصلاة ضعيفة الثواب. يعني نهاية وقت الفضيلة، حيث تكون مجزية و لكنها ليست مقبولة. فمثلا ما وراء الفقه، ج1، ص: 238 من الزوال إلى قدمين من الظل، على ما سوف نفسّره هو وقت فضيلة الظهر. و من القدمين إلى أربعة أقدام هو وقت فضيلة العصر. و هذا التحديد له عدة آثار فقهية: الأثر الأول: انتهاء وقت الفضيلة للفريضة. الأثر الثاني: انتهاء وقت النافلة بالمرة، بحيث لو صلّيت بعد ذلك، لكان اللازم فيها نية القضاء. و إن قرنت بالفريضة على الطريقة المشروعة. الأمر الثالث: ابتداء وقت الفريضة على ما هو ظاهر بعض الأخبار، و سوف نناقشه بعون الله سبحانه. الأثر الرابع: انتهاء وقت الفريضة، بحيث تصبح بعدها قضاء، كما بنى عليه كل العامة، و اعتبرها بعض علمائنا و لو من باب الاحتياط. فلو صلّى الفريضة عندئذ متأخرة، كان اللازم عليه في رأيهم أن ينويها رجاء مرددة بين الأداء و القضاء احتياطا. و على أي حال، فالصحيح هو وجود الأثرين الأولين دون الأخيرين، على ما سوف نقول. و نحن فيما يلي لا يمكننا أن نسرد الأخبار الواردة بهذا الصدد و هي كثيرة، و إنما نعطي من كل مجموعة نموذجا كافيا. و المجموعة تسمى باصطلاحهم (طائفة) فنحن نسير على ذلك، و نقول إنه يمكن تقسيم الروايات الواردة في المقام إلى عدّة طوائف:
|