كتب المولى المقدس :: صحيفة أنصار الإمام المهدي ع

بسم الله الرحمن الرحيم

كتاب الاستخارة

تأليف

السيد الشهيد السعيد

محمد محمد صادق الصدر

( قدس سره الشريف )

معنى الاستخارة

قال ابن منظور(1) : الاستخارة طلب الخير في الشيء وهو إستفعال منه . وفي الحديث كان رسول الله ( ص ) يعلمنا الاستخارة في كل شيء . وخار الله لك أي إعطاك ما هو خير لك والخيرة بسكون الياء : الاسم من ذلك ومن دعاء الاستخارة أي اللهم خر لي أي إختر أصلح الأمرين وإجعل لي الخيرة فيه وإستخار الله طلب من الخيرة ( بفتح الياء ) . والخيرة ( بسكون الياء ) : الاسم من قولك : خار الله لك في هذا الأمر . ويقال : إستخر الله يخر لك . والله يخير للعبد إذا أستخار .

أقول : والإستخارة عادة جرى عليها المتشرعة في الاسلام منذ صدر الاسلام الى العصر الحاضر وسنسمع بعض النصوص الواردة في ذلك , الدالة على ثبوت ذلك من زمن الأئمة المعصومين ( عليهم السلام ) بل من زمن رسول الله ( ص ) .والإستخارة كمفهوم يمكن أن يراد به أحد ثلاثة أمور :

الأمر الأول:

ما أشار إليه إبن منظور وهو طلب الخير , فإذا إستخرت الله سبحانه فقد طلبت منه الخير . يعني دعوته لكي يختار لك جل جلاله في مجريات حياتك وفي قضائه وقدره ما هو خير لك وأولى . ويدفع عنك السوء والشر والعدوان .وهذا المعنى وإن كان صحيحاً تماماً , إلا أنه لا ريب له بالمعنى الذي نتكلم فيه الذي عقدنا له هذا الفصل . الأمر الثاني:

طلب الخيرة ( بفتح الياء ) من الله سبحانه وتعالى على ان يدلك على ما هو الأصلح لك في المستقبل المنظور من حياتك هل الأفضل أن تفعل أو الأفضل أن تترك .

فهو معنى يحتوي على طلب الخير من الله سبحانه , إلا أنه يحتوي في نفس الوقت على جهة تشريعية : إفعل أو أترك بحسب الهداية الالهية الموجودة في إسلوب الإستخارة . فهي في الحقيقة سؤال من الله سبحانه عما ينبغي أن يفعله الفرد أو يتركه . ويكون الجواب من الله سبحانه تشريعياً بمعنى أنه : يجوز لك أن تفعل أو يجب عليك أن تفعل أو يجوز لك أن تترك أو يجب عليك .

الأمر الثالث من معاني الخيرة :

طلب الخير بمعنى محاولة التوصل الى معرفة : أن الله سبحانه ماذا أراد لي أو لنا في المستقبل المنظور من حوادث ومجريات . هل هي حوادث خير أو هي حوادث شر وسوء . من دون أن تكون له صفة تشريعية .

وهذا المعنى يحتوي على محاولة التعرف بالهداية الالهية على المستقبل أو على ( الغيب ) الذي لم يحصل الى الآن .

وهذا هوالمعنى الذي يعتقده الكثيرون من عامة الناس في معنى الإستخارة وأنها منتجة الكشف عن المستقبل. وسنناقشه بعد ذلك . وهو وإن لم يكن بمعنى الخيرة التي نحن بصددها إلا أن للناس فيه عادة , وهو مرتبط بها في أذهانهم , فيحسن جداً التعرض له .

تكوينها النظري

وتحتاج الاستخارة الى الايمان بما نستطيع ان نسميه بالتكوين النظري لها , اذ بدونه تكون الطريقة لاغية وغير منتجة حتماً . وأول فقرات هذا التكوين هو الايمان بالله عز وجل ذي القدرة الواسعة والعلم الواسع والرحمة الواسعة بحيث يعلم بحاجة ذي الحاجة وبطلبه الاختيار , وبوجه المصلحة فيما يجهله العبد . وهو قادر سبحانه على اجابة طلبه وتعريفه وجه المصلحة عن طريق ما اشترطه العبد من طريق معين , كإمساك عدد فرد أو زوج من الحبات أو الحصى على ما سيأتي . وهو تعالى رحيم كريم لا يغش من استنصحه ولا يكذب على من يسأله سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علواً كبيراً.

والفقرة الاخرى المهمة في صحة الاستخارة وجود الدليل على صحتها , دليلاً معتبراً يركن اليه القلب وتطمئن اليه النفس . وهذا ما سنبحثه في عنوان مستقل .

والفرة التي لا بد منها هي السؤال الذي يسأله بعض أساتذتنا أحد طلابه : هل تعلل أن هناك سبب فوق الطبيعة ( ميتا فيزيقي ) يدخل الحبات في يدك ؟ فأجاب الطالب : لا . وكأن هذا ينتج ضعف في الدليل على الاستخارة لأنها ما دامت خاضعة لقوانين الطبيعة وغير مشمولة لما ورائها : إذن فهي لا تكشف بأي حال عن وجه المصلحة , أو قل : عن الهداية الالهية المطلوبة منها . ولا بد الى الاستخارة إذا كانت ولا بد للاستخارة إذا كانت منتجة أن تكون مشمولة بقوانين ما وراء الطبيعة , وهذا الكلام إن دل على شيء فإنما يدل على ضعف اليقين بالله عز وجل

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــتـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

( 1 ) لسان العرب .

وبأسمائه الحسنى وصفاته العليا ولا ينبغي أن يكون الكلام في الاستخارة مع الماديين وأضرابهم من أهل الدنيا الذين كانت الدنيا أقصى همهم ومبلغ علمهم ﴿ يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة غافلون ﴾.

ولا شك أن كل قوانين الكون , بما فيها قوانين الكون والقوتنين التي فوقها, كلها خاضعة لإرادة الله عز وجل . ونحن مهما تصورناها قوية وفعالة ومؤثرة , فإنما ذلك بمشيئة الله سبحانه وحسن تدبيره , وليس في الكون ما هو خارج عن إرادته وعلمه , ومتى أراد أن يمسك يد القانون عن التأثير كان له ذلك ﴿ وهو أهون عليه ﴾, لأن القانون إنما هو قائم به ودائم به , وليس له أي وجود وتأثير بدونه .

بل اننا لو غضضنا النظر المباشر عن ارادة الله عز وجل . وقصرنا على الاسباب لكانت النتيجة هي نفسها , لأننا قلنا في هذا الكتاب وفي غيره أن القوانين الطبيعية التي تبجح بها الماديون ليس لها أي وجود , وإنما هي أفكار ذهنية كلية , أو قل هي مفاهيم عقلية منتزعة من الواقع , إذن فموطنها الحقيقي هو الذهن وليس الخارج ويستحيل أن يؤثر ما هو ذهني بما هو خارجي .

وإنما الموجود في الخارج هو الأسباب الجزئية , وقد قال الفلاسفة والمناطقة : ان الكلي على كليته لا يوجد في الخارج وإنما الذي يوجد هو الجزئي أو قل : الجزئيات .

فالاسباب المؤثرة هي الاسباب الجزئية , يعني ان جزئيات الكون بعضها يؤثر في بعض . ولا فرق من حيث هذه الفكرة بين القوانين الدنيا أعني الطبيعية أو القوانين العليا أو الميتافيزيقية .

وإذا آمنّا أن هناك قوانين عليا أو قل : أسباب عليا مؤثرة . كما هو المفروض في المؤمن الحقيقي , وكما هو المبرهن عليه فلسفياً وعرفانياً , فإن تلك الأسباب شاملة التأثير للعالم الأدنى الطبيعي . وكل ما في الطبيعة من جزئيات خاضع لتلك الأسباب , وكل ما فيها من تأثيرات فهو ناتج في المدى القريب أو البعيد منها .

وإذا كان الامر كذلك أمكننا أن نفترض أن المؤمن إذا فعل الاستخارة , كان ذلك سبباً ( فوقياً ) للتأثير على مقدار الحبات , بحيث يطابق عددها ما هو المصلحة الواقعية , ويكون ذلك سبباً لعلمه بالواقع .

وهذا الافتراض ليس جزافياً , بل ناتج من اليقين بسعة قدرة الله وعلمه . كل ما في الامر أننا تارة نفترض أن قدرة الله تعالى قد أثرت بالطبيعة مباشرة . وأخرى نفترض أن قدرته أثرت بتحريك القانون الفوقي على الطبيعة . وثالثة نفترض أن السبب الفوقي بإختياره أصبح مؤثراً في الطبيعة وليس إختياره جزافياً وإنما نتيجة لتعاليم الهية موجودة عنده . ومهما كان من الصحيح أحد هذه الافتراضات فإن النتيجة تكون صحيحة لا محالة وحبات السبحة أو أي طريقة أخرى للخيرة تكون مطابقة للمصلحة الواقعية لا محالة . كل ما في الامر أننا نحتاج الى شيء من اليقين .