|
الدليل على الاستخارة
يمكن الاستدلال على ذلك بعدة وجوه :
الوجه الأول :
وهو ذو جانب نظري بأن نقول : إن الله لا يغش من استنصحه .
فإننا من حيث كوننا مسلمين نعتقد بالضرورة ان الله سبحانه وتعالى هو الكمال
المطلق لا قصور في علمه ولا في إرادته ولا في قدرته ولا في كرمه وليس هناك
مصلحة شخصية تعود اليه بتفويت طلب الطالبين ودعاء الداعين مضافاً الى قوله
تعالى : ﴿ ادعوني استجب لكم ﴾ وهو وعد صريح في الاستجابة للداعين إذا تم منهم
الدعاء والله سبحانه لا يخلف الميعاد .
فإذا علمنا الى جنب ذلك ان الاستخارة انما هي من قبيل الدعاء الى الله سبحانه
وتعالى بان يعطي النصيحة والمشورة في ما هو متحير فيه , اذن فهذا الدعاء يمكن
ان يجاب بل يتعين الجواب اذا صح الاخلاص والتوجه ومن هنا صدق قولنا : ان الله
لا يغش من استنصحه لان نتيجة الاستخارة بعد صدق الدعاء إن كانت باطلة فلا
تخلو من احد أمور كلها باطلة لأنها تكون إما عن قصور في علمه سبحانه أو في
قدرته أو في كرمه أو لوجود مصلحة شخصية له وكل ذلك باطل . إذن , فيتعين
استجابة الدعاء وإعطاء النصيحة الواقعية للعبد الداعي .
الوجه الثاني :
سيرة المتشرعة الجارية منذعصور سالفة والى العصر الحاضر على استعمال
الاستخارة في مهام الامور والسيرة حجة . إذن جواز الاستخارة ثابت .
فإن قيل : إن هذه السيرة قد تكون متأخرة عن عصر المعصومين ( عليهم السلام ) ,
فلا تكون حجة ولا أقل من إحتمال ذلك لأن السيرة إنما تكون حجة بعد إحراز
وجودها في زمنهم ( عليهم السلام ) .
وجوابه : إن هذه السيرة كانت موجودة في زمنهم قطعاً وذلك لتقريبين :
التقريب الأول :
الأخبار الآتية المستفيضة بل المتواترة على صدق الاستخارة وصحتها وكلها واردة
عن المعصومين ( عليهم السلام ) بل أشرنا الى أن هناك ما يدل على أن رسول الله
( ص ) كان ينصح بها ويهدي بها .
التقريب الثاني :
إننا لو تنزلنا جدلاً عن الوجه الاول كفانا الاصل العلمي في اثبات وجود
السيرة في زمنهم عليهم السلام لأن الشك في وجودها يومئذ وإن كان موضوعاً
لأصالة العدم إلا أنه مع وجودها الآن يمكن إثبات وجودها يومئذ بالاستصحاب
وهذا يكفي ويكون الأخذ به مقدماً على الأخذ بأصالة العدم كما هو محقق في محله
.
الوجه الثالث :
للاستدلال على صحة الاستخارة . التجربة الشخصية حيث دلتنا الحياة العملية كما
دلت الكثيرين على أن طاعة مضمون الخيرة يؤدي الى الخير فعلاً وعصيانه يؤدي
الى الندامة والسوء بل أحياناً يبدو الأمر وكأنه مستغرب أو كأنه شكل من أشكال
الغيب حتى كتب بعضهم كتاباً يحاول الاستدلال فيه على وجود الله سبحانه وتعالى
بصدق الخيرة مع سرد عدد كبير من الحوادث التي صدقت فيها وكانت محل تعجب
وإعجاب .
وقد يخطر في الذهن أن هذا الوجه أنما يتم فيما إذا كان صدق الاستخارة مائة
بالمائة أو لا أقل أن يكون أكثر من تسعين بالمائة وأما حين نرى موارد التخلف
في الواقع , فهذا الوجه سيكون باطلاً بمعنى أنه ليست هناك تجربة في صدق
الخيرة وإنما ذلك نتيجة للصدفة ليس إلا .
بل قد يزعم زاعم أن مولود التخلف أكثر من مولود الصدق . ومعه يزداد الطين بلة
وتكون التجربة على نفي صدق الاستخارة أدل .
وجواب ذلك : إننا ينبغي أن ننتظر الآن عدة صفحات من هذا البحث لكي نتكلم عن
الاسباب الحقيقية لتخلف الخيرة وكذبها فاذا تمت ارتفع موضوع هذا السؤال ولا
يفرق عندئذ بين أن تكون موارد التخلف كثيرة أو قليلة وسنجد أن أنه لا يوجد
أية موارد للتخلف أذا ارتفعت اسبابه . إذن , فيمكن ان ندعي سلفاً ان صدق
الاستخارة يكاد أن يكون مائة بالمائة محيلين التفصيل الى مستقبل هذا البحث .
الوجه الرابع :
الأخبار الدالة على الحث على الالتزام بهذا المسلك والواردة من قبل المعصومين
( عليهم السلام ) وهي بمجموعها كما قلنا مستفيضة بل متواترة , ومن هذه
الناحية لا يهم في صدق هذا الوجه من الاستدلال على الاستخارة وجود بعض
المناقشات في مسانيدها أو مداليلها ونذكر الآن أوضح ما يمكن أن يقع كمصداق
لهذا الوجه من الروايات .
فعن عمرو بن الحريث (1) قال : قال أبو عبد الله ( عليه السلام ) : (( صل
ركعتين وإستخر الله فوالله ما إستخار الله مسلم إلا خار له البتة )) .
وعن هارون بن خارجة (2) عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) قال : (( من إستخار
الله راضياً بما صنع خار له حتماً )) .
وعن أبي عبد الله ( عليه السلام ) (3) قال: (( كنا نتعلم الاستخارة كما نتعلم
السورة من القرآن )). ثم قال : (( ما أبالي إذا استخرت على أي جنبي ونعمت ))
.
وعنه ( عليه السلام )(4) أنه قال : (( كان أبي إذا أراد الاستخارة في أمر
توضأ وصلى ركعتين وإن كانت الخادمة لتكلمه فيقول : سبحان الله . لا يتكلم حتى
يفرغ )) .
وعنه ( عليه السلام )(5) أنه قال : (( ما استخار الله عبد سبعين مرة بهذه
الاستخارة إلا رماه الله بالخيرة )), الحديث .
وعنه ( عليه السلام ) قال : (( إذا أراد احدكم أمراً فلا يشاور فيه أحداً من
الناس حتى يبدأ فيشاور الله تبارك وتعالى )) وقال : قلت : جعلت فداك وما
مشاورة الله ؟ قال : (( تبدأ فتستخير الله فيه أولاً , الحديث )).
الى غير ذلك من الاخبار الواضحة في مضمونها على المطلوب وهو مشرعية الاستخارة
وصحتها .
بل الامر أكثر من ذلك فقد وردت الكثير من الاخبار في النهي عن مخالفة
الاستخارة وعصيانها , مضافاً الى عدم الدخول في أمور مهمة من دون إيجاد
الاستخارة وكلها معان تدعم المطلوب نفسه . نذكر لذلك بعض الامثلة من الاخبار
:
(1) الوسائل ج5 كتاب الصلاة : أبواب صلاة الاستخارة : باب 1 : حديث 1 .
(2) المصدر : حديث 2 .
(3) المصدر : حديث 10 .
(4) المصدر : حديث 8 .
(5) المصدر : باب 5 : حديث 3 .
فعن محمد بن مضاب(1) قال : قال ابو عبد الله ( عليه السلام ): (( من دخل
أمراً بغير استخارة ثم ابتلي لم يؤجر )) .
وعنه ( عليه السلام )(2) قال : (( قال الله عز وجل : من شقاء عبدي أن يعمل
الأعمال فلا يستخيرني )) .
وعن بعض أصحابه(3) قال : قلت لأبي عبد الله ( عليه السلام ) : من أكرم الخلق
على الله ؟ قال : ((أكثرهم ذكراً لله وأعلمهم بطاعته )) . قلت : من أبغض
الخلق الى الله ؟ قال : ((من يتهم الله )) . فقلت : وأحد يتهم الله ؟ قال :
(( نعم . من استخار الله فجاءته الخيرة بما يكره فسخط لذلك , فذلك الذي يتهم
الله )).
الى غير ذلك من الاخبار .
ولا يرد عليها بعد كل الذي قلناه إلا وجه واحد من المناقشة , وهو احتمال أن
يراد من الاستخارة في هذه الاخبار المعنى الأول الذي ذكرناه سابقاً لها , وهو
الدعاء في طلب الخير وحصوله بغض النظر عن الجهة التشريعية التي ذكرناها في
الوجه الثاني .
والإنصاف أن عدداً قليلاً من الاخبار يمكن أن نفهم منه ذلك فعلاً :
فعن مرازم(4) قال : قال أبو عبد الله ( عليه السلام ) : (( اذا أراد أحدكم
شيئاً فليصل ركعتين ثم ليحمد الله وليثن عليه ويصل على محمد وأهل بيته ويقول
: اللهم إن كان هذا الأمر خيراً لي في ديني ودنياي فيسره لي وقدره وإن كان
غير ذلك فاصرفه عني )) .
وهو واضح في الدعاء في صرف السوء من دون الجهة التشريعية إلا أن أكثرالاخبار
على خلاف ذلك تماماً . ويمكن الاستدلال على ارادتها للوجه الثاني بعدة وجوه :
الوجه الأول :
إنه يمكن أن يقال ان المفهوم من الاستخارة هو ذلك أعني الوجه الثاني دون
الأول وهذا واضح في أذهان المتشرعة بلا إشكال . كما أنه واضح من بعض الاخبار
ايضاً . الأمر الذي يدلنا على وجود ظهور كاف في هذا اللفظ ونحوه على ما هو
محا الكلام وهو ما عليه سيرة المتشرعة من الاستخارة المشهورة ذات المعنى
التشريعي .
فاذا ثبت ذلك أمكن جميع الاخبار التي تتحدث عن الاستخارة على هذا المعنى .
الوجه الثاني :
الاستدلال بالاخبار الدالة على الاستخارة بالرقاع فانها نص بالجهة التشريعية
أعني : إفعل ولا تفعل .
فمن ذلك ما عن هارون بن خارجة(5) عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) قال : ((
إذا أردت أمراً فخذ ست رقاع . الى أن يقول : فإن خرج ثلاث متواليات إفعل
فإفعل الأمر الذي تريده , وإن خرج ثلاث متواليات لا تفعل , فلا تفعله )),
الخبر .
وعنه ( عليه السلام )(6) : أنه قال لبعض أصحابه عن الأمر يمضي فيه ولا يجد
أحداً يشاوره فكيف يصنع ؟ قال : (( شاور ربك . الى أن يقول : فإن كان فيها
نعم فإفعل وإن كان فيها لا , لا تفعل . هكذا شاور ربك )).
الوجه الثالث :
ان عدداً لا يستهان به من الاخبار ذكرت الطريقة التي يمكن بها استخلاص
النتيجة من الاستخارة على وجوه مختلفة كما سيأتي . والمهم الآن أنها لو كان
المراد مجرد طلب الخير لما كان لهذه النتيجة معنى فتكون هذه الاخبار نصاً
بالمعنى الثاني وهو الاستخارة المشهورة .
ففي بعضها(7) يقول : ثم انظر أي شيء يقع في قلبك فإعمل به .
وفي حديث(8) آخر يقول : ثم انظر لجزم الأمرين لك فإفعله فإن الخيرة فيه إن
شاء الله .
وفي آخر يقول(9) : ثم نقبض على قطعة من السبحة تضمر حاجة فإن كان عدد القطعة
زوجاً فهو إفعل وإن كان فرداً لا تفعل وبالعكس . الى غير ذلك من الاخبار .
بقي أن نشير في نهاية هذه المجموعة من الاخبار الى ما أشرنا اليه من ورود بعض
الأخبار عن رسول الله ( ص ) فمن ذلك :
(1) المصدر : باب 7 : حديث 1 .
(2) المصدر : حديث 2 .
(3) المصدر : حديث 3 .
(4) المصدر : باب 1 : حديث 7 .
(5) المصدر : باب 2 : حديث 1 .
(6) المصدر : باب 2 : حديث 1 .
(7) المصدر : باب 1 : حديث 4 .
(8) المصدر : حديث 6 .
(9) المصدر : باب 8 : حديث 1 .
ما عن النوفلي(1) ( عليه السلام ) قال : قال رسول الله ( ص ) : (( من استخار
الله فليوتر )) .
وعن أمير المؤمنين ( عليه السلام )(2) قال : (( بعثني رسول الله ( ص ) الى
اليمن فقال وهو يوصيني : يا علي ما حار من استخار ولا ندم من استشار )) .
وقد سمعنا في أول هذا الفصل ما ذكره ابن منظور في لسان العرب من أن رسول الله
( ص ) كان يعلمنا الاستخارة في كل شيء . الى غير ذلك من الاخبار . |