|
الاعتراضات على الاستخارة
إن ما يمكن أن يورد من الإشكالات على صدق الاستخارة
وصحتها وجوه عديدة ناشئة من مناشيء مختلفة .
فمثلاً يحتاج الاستدلال على صحة الاستخارة الى الاستدلال على صحة العقيدة
الاسلامية فبدون ذلك يصعب الاستدلال عليها سواء كان المنحى الذي يسير عليه
الفرد مادياً أو من بعض الأديان السماوية . فما نذكره من الوجوه الآتية مبني
على صدق العقيدة الاسلامية كما هو مبرهن عليه في الفلسفة وعلم الكلام .
ويمكن أن نورد في هذا الصدد عدة وجوه :
الوجه الأول :
ما ذكره بعض اساتذتنا من أننا لا نحتمل حصول سبب مما وراء الطبيعة يتدخل في
نتيجة الخيرة . أقول : وهذا معناه ان نتيجة الخيرة متوقفة على حصول معجزة في
أن تأخذ يدك فرداً من عدد الحصى أو زوجاً . فإن لن نتحمل حصول المعجزة كما لم
يكن هو ( قدس سره ) يحتمله , وكان الأمر طبيعياً تماماً , إذن , فالأمر موكول
الى مجرد الصدفة وليس فيه تدخل الهي . وهذا ينتج بطلان الاستخارة على الاطلاق
.
وجواب ذلك : إننا لا نحتمل فقط حصول المعجزة أو التدخل الإلهي في الانتاج بل
نعلم به . وذلك لأحد وجهين على الأقل .
الوجه الاول :
إن هذا الإشكال أفضل ما يقال فيه أنه ناتج عن حال تعبر عنه الآية الكريمة ﴿
بل حسبوا أن الله لا يعلم كثيراً مما يعملون ﴾ . لأننا إذا علمنا ـ كما قلنا
في الوجه الأول من الاستدلال على صدق الاستخارة ـ : بأن الله سبحانه وتعالى
لا نقص في علمه ولا في قدرته ولا في كرمه مضافاً الى ما دل عليه القرآن
والبرهان من علمه بالسرائر والضمائر وقدرته على كل شيء وإنه لا يخلف الميعاد
بما في ذلك الوعد بإجابة الدعاء . إذن , تكون هذه الأفكار بمجموعها دليلاً
كافياً على صحة التدخل الإلهي لإنتاج الاستخارة .
الوجه الثاني :
دلالة الاخبار على ذلك وهي وإن لم تدل بصراحة على مفهوم المعجزة أو التدخل
الإلهي . إلا إننا يمكن أن نفهم من ذلك بعد تقديم أمرين :
الأمر الأول :
ما سبق أن سمعناه من أساليب إنتاج الاستخارة كعد الفرد أو الزوج أو الأخذ بما
وقع في القلب وغير ذلك مما سيأتي تفصيله .
الأمر الثاني :
أن انتاج الاستخارة هذا يتوقف فعلاً على نفي الصدفة وإثبات التدخل الإلهي .
إذ مع الصدفة أو إيكال الأمر الى القوانين الطبيعية القسرية كما يؤمن بها
الماديون , لا يكون للخيرة أية نتيجة .
إذن فهذه الأخبار وهي مستفيضة كما عرفنا تنقل لنا عن المعصومين ( سلام الله
عليهم ) التعهد بصدق الخيرة من ثم التعهد بوجود التدخل الإلهي الذي تتوقف
عليه .
وقد يخطر في الذهن إن الله تعالى أوكل الأمور الى أسبابها فهي لا توجد دائماً
بمعجزة أو بتدخل إلهي مباشر بما في ذلك الأساليب المنتجة للاستخارة .
وجواب ذلك : إنه ثبت الفلسفة وعلم الكلام إنه لا تنافي بين عمل الاسباب وعمل
المسبب سبحانه وتعالى وليس هنا محل تفصيله . إذن , فنفي التدخل الإلهي في أي
شيء لا وجه له وخاصة بالأمور التي يتوقف صدقها عليه فتكون أولى بالتدخل .
====================
(1) المصدر : باب 7 : حديث 5 .
(2) المصدر : باب 5 : حديث 11 .
الوجه الثاني :
من وجوه الإشكال على نتيجة الاستخارة : ما سبق أن أشرنا اليه من عدم صدقها
الدائم بالتجربة بل لعل التجربة دالة على عدم صدقها . هذا والمعنى لا ينبغي
أن يعود الى المناقشة في الحكمة الإلهية بعد أن كنا نثبتها بالبرهان كمسلمين
. وإنما ينبغي أن يعود هذا الإشكال الى المناقشة في الاستخارة نفسها وعدم صحة
دليلها .
والجواب عن ذلك يمكن ان يتم على عدة مستويات :
المستوى الأول :
عدم توفر الدعاء أو عدم صدقه عند الفاعل الاستخارة . فإننا قلنا إنها إنما هي
دعاء لله عز وجل في ان يختار لعبده الطريق الأفضل أو الفعل الأولى من غيره .
إذن , فيجب أن تكون الاستجارة مما يصدق عليها إنها دعاء وليست مجرد لقلقة
لسان يقولها الانسان .فإن هذا الكلام الذي نسميه دعاء غلا تحت شروط معينة
نفسية وخارجية ولفظية , وبدونه يخرج عن كونه دعاء بطبيعة الحال وإن كان ظاهر
الكلام في اللغة هو ذلك . وقد شرحت هذه الشروط في السنة الشريفة وليس هذا
البحث محل سردها . غير أن الذي أعتقده بإختصار إن الدعاء إنما يحصل ويصدق ,
فيما إذا حصل الطلب بإخلاص وتوجه , فهذه ثلاث عناصر :
العنصر الأول : الطلب . يعني أن يريد العبد من ربه شيئاً من الأشياء . وهذا
يتوفر لدى العبد مع شيء من حسن الإيمان .
العنصر الثاني : التوجه , بمعنى أن يدرك العبد أنه يخاطب الخالق سبحانه وأنه
أسمع السامعين وأبصر الناظرين . لا إن ذلك الداعي يتكلم في الفضاء كلاماً لا
يعلم أين يوجهه .
والتوجه الأهم إنما هو بالقلب , وهو أن يدرك أنه يتكلم بين يدي الخالق العظيم
سبحانه .
العنصر الثالث : الإخلاص في النية . وهو خلوها من الشك والإفتراض , وسواء كان
من قبيل الشك في الخالق والعياذ بالله , أو الشك في حكمته أو الاعتراض على
القضاء والقدر أو حسبان الفرد نفسه بريئاً من الذنوب والعيوب والأخطاء , حيث
يقول : ماذا فعلت لكي أستحق مثل هذه العقوبة ؟ وهكذا .
فإذا إكتسب الكلام الذي نسميه دعاء بعض هذه الصفات الدنيئة لم يكن دعاء وإذا
لم يكن دعاء يخرج من الوعد الإلهي بالإجابة ﴿ ادعوني استجب لكم ﴾ لأن العبد
عندئذ لم يدع حقيقة وإن كان قد دعا ظاهراً . فالدعاء لم يحصل فالإجابة لا
تحصل . وهذه قاعدة عامة لكل دعاء بما فيه دعاء الاستخارة .
المستوى الثاني :
إن الدعاء إذا حصل بحصول التوجه والإخلاص فإن الوعد بالإجابة قطعي في الآية
الكريمة . إلا أنها مع ذلك لا تخلو من إطلاق قابل للتقييد . فهي لم تشر الى
المكان الذي يجاب فيه الدعاء ولا الزمان فقد تكون الاستجابة بعد عدة سنوات
مثلاً في مكان آخر أو نحو ذلك .
كما أن الآية الكريمة لم تشر الى صورة التعارض أو التزاحم وذلك يتصور في عدة
موارد تكون الاستجابة فيها متعذرة تقريباً أو تحقيقاً , إلا أن يشاء ربي
شيئاً , فمن ذلك :
أولاً :حصول الضرر على الفرد باستجابة دعائه , وهو يحسب أنه يدعو لمصلحة نفسه
.
ثانياً : حصول الضرر على آخرين باستجابة هذا الدعاء .
ثالثاً : تعارض الدعائين كما لو كان اثنان أحدهما يدعو بضد ما يدعو به الآخر
. وفي المثل أو القصة المشهورة : أن صاحب البستان يدعو بنزول المطر , والحرفي
الذي يصنع الخزف يدعو بعدم نزوله . وهكذا .
فهذا المستوى للدعاء أيضاً قاعدة عامة لا يخرج الدعاء في الاستخارة عن حيزه
لا محالة .
المستوى الثالث :
إن مصلحة الفرد في الحكمة الإلهية قد تكون في اضراره وإنزال بعض الشر عليه
لكي تحصل بعض النتائج المحمودة . ( مثاله المتعارض : التاجر حين يشتري
البضائع الكثيرة التي لا يعلم حصول ربحها أو يركب البحر أو الجو أو أي مخاطرة
من أجل الحصول على الربح في حين أن الموت أو تلف المال قد يأتيه في أي ساعة )
إذن فتقديم المقدمات , لأجل نيل النتائج الحسنة , أمر عرفي وعام بين الناس .
وكذلك الحال في الحكمة الإلهية , فان صنوف البلاء الشخصي والعام , إنما هو
لمصلحة الخلق سواء رضوا أو أبوا .وهذا أيضاً قانون عام في الحكمة لا تخرج
الاستخارة عنه . ومن هنا وردت هذه الرواية تحذر من هذه الجهة . وهو ما في
رواية إسحاق بن عمار(1) عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) قال : قلت له : ربما
أردت الأمر يفرق مني
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المصدر : باب 1 : حديث 6 .
فريقان : أحدهما يأمرني والآخر ينهاني . الى من يقول : (( ولتكن استخارتك في
عافية . فإنه ربما خير للرجل في قطع يده وموت ولده وذهاب ماله )).
وقوله : خير للرجل , يعني الأصلح له في الحكمة الإلهية فإن طلب هو الأصلح
أجيب بمثل ذلك , لكنه إن دعا بالعافية بمعنى العافية من البلاء , إنصرف عنه
البلاء وأجيب بما يناسب رغبته واتجاهه .
المستوى الرابع :
إن الاستخارة قد ترد أو تفشل من أجل عدم حصول شرائطها نفسها , وإن حصلت شرائط
الدعاء ونحو ذلك وسنعرف فيما يلي شرائط الاستخارة . فقد يكون الفرد فاقداً
لها أو أن تكون استخارته فاقدة لها فلا يكون لها أثر .
إذن , فمن مجموع هذه المستويات الأربعة يمكن أن نفهم , إنه وإن كان الكثير من
الاستخارات فاشلة : بل وإن كان الأكثر منها فاشلاً , غلا أن هذا لا يرتبط
بصدق دليلها وصحة سندها والركون الى تجربتها مع توفر شروطها فإن هذا لا يكون
إلا في الفرد الأصلح وهو الفرد الأقل , بطبيعة الحال .
الوجه الثالث :
من وجوه الإشكال على الاستخارة :
هو المناقشة في إسناد الوايات الدالة عليها . فإن أكثرها إن لم يكن جميعها
ضعيف السند . لا يوجد فيها المعتبر والصحيح إلا نادراً . فيكون الاعتماد
عليها ضعيفاً .
وجواب ذلك في تقريبين على أقل تقدير :
التقريب الأول :
إننا لم نقتصر في الوجوه الدالة على صحة الاستخارة على ما دل عليها من
الروايات , بل كان هناك وجوه أخرى كسيرة المتشرعة والتجربة وغير ذلك .
فإن لم يتم هذا الوجه فلا أقل من تمامية الوجوه الأخرى .
التقريب الثاني :
أن هذا الضعف المشار اليه في الغشكال يمكن أن يجبر بعدة وجوه :
أولاً : كثرة الروايات الى حد الاستفاضة أو التواتر , بحيث يحصل الاطمئنان
بصدقها , ومضمونها العام .
ثانياً : عمل المتشرعة بهذه الروايات عن طريق التزامهم بالاستخارة على طول
الأجيال فلو كانوا قد وجدوا أن هذه الروايات ليست بحجة لما فعلوا ذلك , وفيهم
الفقهاء والمفكرون والأخيار .
ثالثاً : وجود بعض الروايات مما يتم سنداً ودلالة , اي أنه حجة ومعتبر من
كلتا هاتين الناحيتين . ولا حاجة للقاريء الى تعيين ذلك , فليرجع الى مصادر
الحديث إن شاء .
|