|
شرائط الإستخارة
اعني بغض النظر عن شرائط الدعاء , أو بعد افتراض
تحققها ز إلا أن للاستخارة نفسها شرائط معينة لابد من فحصها وإقامة الدليل
عليها . وما قاله المتشرعة من الشرائط المحتملة للاستخارة ما يلي :
الشرط الأول :
أن يكون الفرد فاعل الاستخارة مجازاًيعني لديه إجازة مسبقة من شخص آخر بجواز
ممارسته للاستخارة فإن لم يكن مجازاً كانت إستخارته باطلة على أي حال .
قالوا : والمجيز للاستخارة أما أن يكون هو فرد له إجازة مسبقة ممن قبله . أو
يكون هو مرجع التقليد . وأما أن يكون هو الوالد .
نتكلم الآن عن أمرين , أحدهما : في صحة هذا الشرط في نفسه وهل أن الاستخارة
متوقفة على الإجازة أم لا . وثانيهما : لو صحت الإجازة , فما هي شرائط المجيز
.
الأمر الأول :
في توقف الاستخارة على الاجازة . ولعل الأمر الرئيسي أو الوحيد الذي يمكن
الاستدلال به لهذا الغرض , هو ما ورد في الوايات السابقة وغيرها من قبيل قوله
: استخار أو يستخير . وهي ظاهرة في أن الإمام ( عليه السلام ) يجيز السامع
بالاستخارة فتكون كقولنا : يروي عني يعني أجيزه في الرواية أو يبيع عني يعني
أجيزه أو أوكله في البيع وهكذا . ومثل هذا التعبير موجود في عدد من روايات
الاستخارة كما هو غير خفي على المتتبع .
إلا أن هذا الوجه لا يتم لوجود مستويين على الأقل في جوابه :
المستوى الأول :
إن هذا الفهم إنما يكون متعيناً إذا انحصر ظهوره فيه . وأما مع عدد الانحصار
فضلاً عن ظهوره بمعنى آخر كما سنذكر فسوف لن يكون هذا الظهور حجة .
واذا تعمقنا في فهم العبارة أعني قوله : استخار أو يستخير إذا عرضت عليه مهمة
, فسنجد لها عدة معان محتملة :
أولاً : الإجازة في الرواية كما ذكرنا في الوجه .
ثانياً : حجية الاستخارة , بمعنى أنها منتجة وصحيحة أمام الله سبحانه وتعالى
.
ثالثاً : الجواز الشرعي للاستخارة أو الاستحباب الشرعي لها وإنها ليست ممنوعة
أو محرمة .
فاذا تمت لدينا هذه المعاني كان هناك ما يكفي لنفي المعنى الاول لصالح
المعنيين الآخرين .
أولاً : إن إجازة الاستخارة معنى متخر موضوعاً عن جوازها وحجيتها لوضوح أنه
لولا الجواز والحجية لما جازت الاجازة أصلاً . ومن الواضح أن الأخذ بالمعنى
الأسبق رتبة والمتقدم موضوعاً أوللا من الأخذ بالمعنى المتأخر . وخاصة في صدر
الاسلام حينما يكون الأئمة ( عليهم السلام ) بصدد تعليم الأحكام للناس بما
فيها أحكام الاستخارة وهذا معنى يبتعد بنا عن معنى الإجازة .
ثانياً : إن الثابت في علم الأصول أن ظاهر كلام الإمام ( عليه السلام ) هو
التشريع لا غيره وإن كان يحتمل فيه شيء آخر كسرد التاريخ أو الحكم بالولاية
أو الإجازة أو التقية فإنما يحمل الكلام على مثل ذلك مع وجود القرينة الخاصة
عليه وبدونها يكون الحمل على التشريع هو الأولى . إذن , فلا يمكن أن نفهم من
الأخبار معنى الإجازة .
المستوى الثاني :
إن عدداً من الأخبار واضح جداً في عموم الحكم بعموم الاستخارة لكل مؤمن بل
لكل مسلم كالذي سمعناه في خبر عمرو بن حريث عن أبي عبد الله ( عليه السلام )
وفيه : ( فوالله ما استخار الله مسلم إلا خار الله له البتة , وفي خبر آخر
سمعناه : (( من استخار الله راضياً بما صنع خار الله له حتماً )), وفي خبر
آخر أيضاً كما سمعنا : (( من دخل في أمر بغير استخارة ثم ابتلي لم يؤجر )),
وفي خبر آخر عن المفضل(1) قال : سمعت أبا عبد الله ( عليه السلام )) يقول :
(( ما استخار الله عبد مؤمن إلا خار له وإن وقع ما يكره )) .
ومن الواضح أن هذه الروايات تشمل كل مؤمن ومسلم وليست خاصة بمن حصل على
الإجازة .
غير أنهم قالوا : إن الاحتياط سبيل النجاة ولا شك أن الخيرة قد تكون لأمور
مهمة تتعلق بالنفوس والأموال أو المصالح العامة ونحوها . ومن هنا كان الأنسب
بنحو الاحتياط الاستحبابي الحصول على الاجازة قبل ممارسة الاستخارة والوجه
الفقهي لهذا الاحتياط هو ما ذكرناه من احتمال ان يكون المراد من بعض الروايات
أعطاه الاجازة وإن كان هذا احتمالاً مرجواً على أي حال .
الأمر الثاني :
من الحديث عن الشرط الأول للاستخارة وهو الاجازة , أن نتحدث الآن من شرائط
المجيز لو صحت الاجازة .
ونحن نرى أن أول من بدأ بإعطاء الاجازة لو تم الوجه السابق هم الأئمة
المعصومون ( سلام الله عليهم ) فينبغي أن نلتفت الى أنهم ( عليهم السلام )
بأي صفة من صفاتهم أعطوا هذه الاجازة , إذ لو كانزا قع أعطوها بصفات خاصة بهم
كالعصمة , لما أمكن تسلسل الاجازة بعد ذلك , لأننا عندئذ نكون قد اشترطنا
العصمة فيمن يعطي اجازة الاستخارة وليس أحد من المسلمين أو المؤمنين بمعصوم
فتنقطع سلسلة الاجازة . في حين ان المفروض فقهياً وتشريعياً استمرارها
وتسلسلها بين الناس جيل بعد جيل .
وبالطبع فإن أرجح الاحتمالات الكثيرة في صفة الامام المجيز هو أن يكون مجيزاً
بصفته ولي الأمر , لا بصفته معصوماً أو مشرعاً أو مؤمناً أو غير ذلك فإن صفة
الولاية كافية وظاهرة في ذلك .
إذن و نستنتج من ذلك كفاية أن يكون المجيز ولياً للأمر وهذا هو الذي يرجح
المحتملات السابقة وهو وجوب أخذ الاجازة من مرجع التقليد الديني يعني بصفته
ولياً للأمر .
واما أخذ الاجازة ممن له الاجازة . فهو وإن لم يكن مذكوراً في الروايات على
الاطلاق , إلا أنه يمكن أن يكون مشمولاً لحكم عام يفهم من عدة موارد كإجازة
الرواية وإجازة الولاية على الوقف وإجازة للشيخة وغيرها من الإجازات
المتسلسلة بين الأجيال . فتكون إجازة الاستخارة ممكنة التسلسل بين الأجيال
يعطيها الفرد المجاز لغيره على أن يتوخى فيه صفة الوثاقة والتقوى ويأخذ من
هذه الناحية جانب الاحتياط .
هذا . وأما أن يكون المجيز هو الوالد مع فقدانه للصفات السابقة فهو مما لا
أصل له .
الشرط الثاني:
من شرائط الاستخارة أن يكون الأمر المنفي الذي تقع عليه الاستخارة محل حيرة
وتردد عند الفرد . وقالوا في هذا الصدد أن كل ما له مرجح في الدين أو الدنيا
فهو مما لا يستخار عليه وإنما تصح فقط فيما لا مرجح فيه على الاطلاق وهو معنى
الحيرة والتردد .
(1) المصدر : باب 7 : حديث 10 .
وهذا المعنى هو الظاهر من بعض الأخبار كقوله في رواية إسحاق ابن عمار(1) عن
أبي عبد الله ( عليه السلام ) قال : قلت له ربما أردت الأمر بفرق مني فريقان
أحدهما يأمرني والآخر ينهاني , الحديث .
وفي رواية هارون بن خارجة(2) عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) قال : (( إذا
أراد أحدكم أمراً فلا يشاور فيه أحداً من الناس حتى يهدأ فيشاور الله تبارك
وتعالى )) قال قلت جعلت فداك ومشاورة الله ؟ قال : (( تبدأ فتستخير الله فيه
ثم تشاور فيه )) .
وفي بعض الأخبار ان الفرد يأتي الى الإمام ( عليه السلام ) فيسأله عما يريد
أن يفعل وهو واضح الحيرة فيه فيعلمه الإمام الاستخارة . كرواية علي بن أسباط
(3) قال : قلت : لأبي الحسن الرضا ( عليه السلام ) : جعلت فداك ما ترى آخذ
براً أو بحراً فإن طريقنا مخوف شديد الخطر , الحديث .
هذا , وقد يجاب عن ذلك بأن المفهوم من عامة الروايات هو اهمية الأمر المطلوب
وليس وجود الحيرة فيه . فعن جابر(4) عن أبي جعفر ( عليه السلام ) قال : ((
كان علي بن الحسين ( عليه السلام ) إذا هم بأمر حج وعمرة أو بيع أو شراء أو
عتق تطهر ثم صلى ركعتي الاستخارة )) . الحديث .
وكذلك يفهم ذلك من مثل رواية شهاب بن عبد ربه (5) عن أبي عبد الله ( عليه
السلام ) قال : (( كان أبي إذا اراد الاستخارة في أمر توضأ وصلى ركعتين )) .
الحديث .
وكذلك صحيحة زرارة (6) قال : قلت لأبي جعفر ( عليه السلام ) إذا أردت أمراً
وأردت الاستخارة كيف أقول ؟ الحديث .
وهذا الأمر المشار اليه في الروايتين وغيرهما يحمل عرفاً وعادة على الأمر
المهم للفرد وليس على الأمر المحير .
غير أنه يمكن حمله أيضاً على معنى الحيرة لأن الأمر المهم يكون غالباً محيراً
اصاحبه فتكون أمثال هذه الروايات دالة على اشتراط وجود الحيرة في موضوع
الاستخارة .
ومعه فما كان فيه مرجح إلزامي في الشريعة كالواجبات والمحرمات لم تجز
الاستخارة عليه قطعاً . وكذلك ما له مرجح إلزامي دنيوي كالاضطرار والإكراه
ويلحق به ما كان له مرجح شرعي غير إلزامي كالمستحبات والمكروهات فإنه لا معنى
لإيجاد الاستخارة لها .
يبقى بعد ذلك ثلاث مستويات من الأمور لا يبعد فيها جواز الاستخارة .
المستوى الأول :
ما كان محكوماً بالإباحة شرعاً سواء منها الإباحة الإقتضائية أو اللاإقتضائية
.
المستوى الثاني :
ما لم يكن له مرجح دنيوي أو كان مرجحه ضعيفة جداً .
المستوى الثالث :
ما كان مورداً للتزاحم بين المصالح وإن كان مهماً , كما لو كان في فعل شيء
مصلحة وفي تركه مصلحة أخرى . وقد يصبح الفرد في هذا الموقف متحيراً لتصح له
الاستخارة .
بقي من الحديث في نهاية هذا الشرط الثاني أن نشير الى أن عدد من الأمور
الحياتية التافهة مما لا يمكن عليها الاستخارة قطعاً كشربة من ماء أو
المطالعة في كتاب في أوقات الفراغ .
بل الأمر أكثر من ذلك إذ قد يستفاد من الروايات السابقة وغيرها , ان موضوع
الاستخارة يجب أن يكون ذو درجة من الأهمية لا أن يكون تافهاً فإن تلك الأهمية
هي الموجبة للحيرة , وأما الأمور التافهة فهي قد تكون سبباً للحيرة أيضاً إلا
أنها حيرة تافهة بطبيعة الحال بحيث تكون ملحقة بالعدم عرفاً وعقلائياً فلا
تصح أن تكون موضوعاً للاستخارة .
الشرط الثالث :
أن لا تكون الاستخارة قد تمت عليه أو حصلت فيه . وهذا معناه المنع عن تكرار
الاستخارة على موضوع واحد . لأن الاستخارة بعد أن تكون منتجة بالتسديد الإلهي
في ترجيح الفعل أو الترك لا يكون هناك معنى معقول للسؤال مرة ثانية عما ينبغي
أن يفعله الفرد !
ـ
(1) المصدر : باب 1 : حديث 6 .
(2) المصدر : باب 5 : حديث 2 .
(3) المصدر : باب 1 : حديث 5 .
(4) المصدر : باب 1 ك حديث 3 .
(5) المصدر : باب 1 : حديث 8 .
(6) المصدر : حديث 11 .
ومثاله فيما إذا سألت شخصاً ثقة عن أن هذا أبيض أو أسود فقال لك : أبيض . فهل
يصح منك السؤال منه مرة ثانية : هل هذا أبيض أو أسود ؟
وهذا معناه بطلان الاستخارة الثانية وما بعدها على نفس الموضوع ولزوم الأخذ
بالاستخارة الأولى فقط .
نعم . إذا تغير الموضوع ولو كان حول نفس الأمر الأساسي بحيث تعد الخيرة عليه
عرفاً وعقلائياً خيرة على أمر جديد وموضوع ثان عندئذ يكون للخيرة مجال صحيح .
|