|
أنواع الإستخارة
للاستخارة أنواع رئيسية ثلاثة , هي : الاستخارة بالحصى
والاستخارة بالقرآن والاستخارة ذات الرقاع .
نتكلم الآن بإختصار عن هذه الأنواع وطرق إنتاجها . ثم نتكلم عما إذا كان يمكن
الاستخارة بأي أسلوب آخر . وليس كلامنا عن ذلك مفصلاً : بحيث يقتضي تعليم
القاريء إيجاد الاستخارة , فإن هذا مما ينبغي أن يرجع فيه الى مظانه . وليس
الآن محل شرحه . وكل هذه الأنواع الثلاثة واردة في الروايات :
أما الاستخارة بالحصى فقد وردت بطريق صحيح عن صاحب الأمر ( عليه السلام )(1)
. وفي نهايتها يقول : (( ثم تقبض على قطعة من السبحة تضمر حاجة فإن كان عدد
القطعة زوجاً فهو إفعل وإن كان فرداً لا تفعل . وبالعكس )) .
فيمكن أن يقاس عرفاً على الحصى حبات السبحة كما هو منصوص في الرواية أو أي
شيء آخر كحب الباقلاء أو الحمص أو الصجم أو الدعبل . مع توفر القصد الجدي
وعدم الاستهزاء .
وهنا ينبغي أن نعرض أمرا لا ينبغي أن نعرض عنه . وهو التساؤل عما إذا كان
التحديد بإنتاج الخيرة بالزوج والفرد حدياً ومتعيناً . أم أن هناك أسلوباً أو
أساليب أخرى لذلك ؟ فمثلاً أن بعضهم يسحب أو يعد ثلاثة ثلاثة وبعضهم أربعة
أربعة وبعضهم ستة ستة . فما هو الدليل الشافي على مثل ذلك مع أن المنصوص في
الرواية الصحيحة هو الفرد والزوج فقط .
والذي أراه تبعاً لعدد من المتشرعة ذوي المستوى العالي , إن طريقة إنتاج
الاستخارة أو أن أي عدد منها يحمل معنى كذا أو كذا , أن هذا تابع لقصد الفاعل
نفسه بينه وبين ربه .
وأهم دليل على ذلك أمران :
الأمر الأول :
قوله في الصحيحة السابقة : وبالعكس . يعني إذا خرجت زوجاً فمعناه إفعل وإذا
خرجت فرداً فمعناه لا تفعل . وليس إختيار أحد الوجهين متعيناً في الرواية
وليس فيها ذكر الوجه الذي يتعين فيه غير قصد الفاعل .
فإذا أمكن صحة هذا القصد في هذين الاحتمالين , أمكن في غيرهما . إذ المدار
عرفاً عندئذ ليس إلا قصد المكلف الفاعل .
الأمر الثاني :
علم الله سبحانه بالسرائر والظواهر , وقدرته على التقدير بأي شيء , حتى مما
يقترحه الفاعل نفسه . والإشكال على ذلك إنما ينبع من مصداقية قوله تعالى : بل
حسبوا أن الله لا يعلم كثيراً مما يعلمون .
فإذا كان الله عالماً قادراً كريماً فلا مانع من أن ينفذ قصدي وقد إشترطت في
قصدي أمراً معين . فيكون إنتاج الاستخارة عليه .
وأولى من هذين الأمرين الجمع بينهما في وجه متكامل . كما هو معلوم لمن يفكر .
وأما الاستخارة بالقرآن الكريم فقد وردت في رواية عن اليسع القمي (2) قال :
قلت لأبي عبد الله ( عليه السلام ) : أريد الشيء وأستخير الله فيه فلا يوفق
فيه الرأي ( إلى أن قال ) فقال ( عليه السلام ) : (( إفتتح المصحف فأنظر الى
أول ما ترى فخذ به إن شاء الله )) .
والاستدلال بهذه الرواية يحتوي على عدد من الاشكالات نذكر أهمها مع محاولة
الجواب عليها .
الإشكال الأول :
ضعف سندها فلا تكون حجة .
إلا أن هذا لا يضر بصحة الاستخارة بالقرآن الكريم , لعدم إنحصاره عليه بهذه
الرواية . بل هناك أدلة أخرى نذكر أهمها :
(1) المصدر : باب 8 : حديث 1 .
(2) الوسائل ج4 : أبواب قراءة القرآن في غير الصلاة : باب 38 : حديث 1 .
أولاً : السيرة المتشرعية المستمرة على الاستخارة بالقرآن الكريم من زمن
المعصومين ( عليهم السلام ) الى زماننا الحاضر .
ثانياً : ما قلناه : من أن الاستخارة يمكن أن تكون بأي قصد قصده الفاعل .
وأولى الموضوعات التي يمكن عمل الاستخارة فيها هو القرآن الكريم .
ثالثاً : ما دل من الآيات الشريفة على أن القرآن الكريم يحتوي على كل شيء
كقوله تعالى : ﴿ ما فرطنا في الكتاب من شيء ﴾ . فإنها تدل ضمناً على أن حل
هذه المشكلة موجود في القرآن أيضاً . وطريقة فهمه أو استخراجه إنما يكون
عرفاً أو متشرعياً عن طريق الاستخارة .
الإشكال الثاني :
معارضة هذه الرواية مع خبر آخر قد يستفاد منه النهي عن الاستخارة بالقرآن .
وهو ما عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) ( 1 ) قال : (( لا تتفأل بالقرآن ))
. إذ قد نفهم منه النهي عن إيجاد الاستخارة .
والجواب عن ذلك من عدة وجوه :
أولاً : ضعف سند هذه الرواية . فإنها أضعف سنداً من السابقة فيكون الأخذ
بالأولى أولى .
ثانياً : إن التفأل غير الاستخارة , والأولى تثبت صحة الاستخارة والثانية
تنهى عن التفأل . فلا معارضة بينهما . فيبقى جواز الاستخارة بالقرآن سارياً .
ثالثاً : إنه قال : لا تتفأل بخطاب المفرد , ولم يقل لا تتفألوا للمسلمين
جميعاً . فلعل الخطاب لشخص معين أو لطبقة معينة أو لمستوى معين من الناس دون
عموم المسلمين .
رابعاً : إن السيرة لا شك منعقدة على الاستخارة بالقرآن الكريم كما سمعنا .
ومن هنا تكون السيرة نافية لصدق هذا الخبير المعارض فيسقط عن الحجية . وتكون
هي موافقة للخبر الدال على الجواز فيكون أولى بالعمل عليه .
الإشكال الثالث :
في الاستدلال برواية اليسع القمي :
في قوله فيها : أريد الشيء وأستخير الله فلا يوفق فيه الرأي . وهذا ـ إن صحت
الرواية ـ يدل على بعض الأمور :
أولاً : إن الاستخارة قد تفشل أحياناً .
ثانياً :غير موجودة .
ثالثاً :إن الاستخارة الثانية أو المكررة جائزة وليست باطلة , كما سبق أن
قلنا .
والمهم في دفع هذا الاشكال عدم اعتبار هذه الرواية سنداً ولكن بغض النظر عن
ذلك . فإن هذه الاشكالات الثلاث مندفعة أيضاً . أما ما قلناه ( أولاً ) ,
فإننا عرفنا فعلاً أن الاستخارة ليست دائماً ناجحة , وذلك في موارد عدم توفر
شرائط صحتها . فلعل هذا المورد الذي تحدث عنه الراوي من ذلك . ويكفي احتماله
لتصحيح مضمون الخبر .
وأما ما قلناه ( ثانياً ) , فهو أمر غير محتمل فقهياً , والسيرة القطعية
المتشرعية على خلافه . إذ لا يحتمل إشتراط صحة الاستخارة بالقرآن الكريم
بوجود خيرة سابقة على خلافه .
وأما ما قلناه ( ثالثاً ) : فهو إن كان محتملاً , فليس في كل أنواع الاستخارة
قطعاً , وإنما هو خاص بالاستخارة بالقرآن . نتيجة لأهميته والاحترام البالغ
العظيم له . إذ يمكن أن يقال : إن الاستخارة بالقرآن ممكنة ومشروعة , حتى لو
كانت هي الاستخارة الثانية . فمن استخار الله على أمره بغير القرآن الكريم
أمكنه أن يستخير بالقرآن أيضاً . وأما إذا كانت كلتا الاستخارتين بغير القرآن
الكريم أو كانتا به معاً , فلا مشروعية للثانية ما لم يتغير الموضوع كما سبق
أن قلنا .
وهذا , أعني إعادة الاستخارة بالقرآن بعد الاستخارة بغيره , أمر محتمل لا
سبيل الى نفيه , وخاصة بعد أن نعرف أن الاستخارة بالقرآن ناطقة وبغيره صامتة
, فإن آيات القرآن الكريم غالباً تدل على مقصود الفرد وتنطبق عليه انطباقاً
واضحاً وعجيباً . وهذا معنى كونه ناطقاً , وهذه الصفة مما لا يتيسر وجودها في
الاستخارة بغيره بطبيعة الحال ومن المنطقي جداً أن يطمح الفرد بالاستخارة
الناطقة بعد الاستخارة الصامتة . والله العالم .
الإشكال الرابع :
على الاستدلال برواية اليسع .
قوله فيها : إفتتح المصحف فانظر الى أول ما ترى فيه فخذ به غن شاء الله
سبحانه .
وهذا يمكن أن يفسر بعدة وجوه أهمها إثنان :
(1) المصدر : حديث 2 .
الوجه الأول :
ما عليه سيرة أكثر المتشرعة من أنه ينظر الى أعلى الصفحة اليمنى من الصفحتين
اللتين يفتح بهما المصحف الشريف باعتباره أول ما يمكن قراءته منهما . فهو
مصداق لقوله : أول ما ترى فيه . فيقرأ الآية التي فيه ويعمل عليها .
الوجه الثاني :
إن المهم في ظاهر الرواية هو وقوع النظر على الآية عند فتح القرآن الكريم .
وهذا ما قد يحصل على الآية الأولى من الصفحة اليمنى , وقد يحصل في غيرها .
وهذا الوجه لا شك أقرب الى ظهور الرواية , فإن قلنا أن نتيجة الاستخارة نابعة
لقصد المكلف كما قلنا أمكن صحة كلا الوجهين حسب قصده. إلا أن المهم أن
الرواية تأمر بالوجه الثاني كما أن السيرة الغالبة على الوجه الأول .
وإذا كانت الاستخارة تابعة لقصد الفرد , فإن نتيجة الاستخارة بالقرآن يمكن أن
تكون على وجوه أخرى غير ما سبق نذكر وجهين منها , وبعد ضمهما الى الوجهين
السابقين تكون الوجوه أربعة :
الوجه الأول :
أخذ المقطع القرآني الكامل الموجود في أول الصفحة اليمنى , والعمل به الى
نهايته , وعدم الاقتصار على الآية أو الأثنتين الموجودتين في أول الصفحة , ما
لم يكن المقطع مقتصراً عليهما .
الوجه الثاني :
الأخذ بأهم آية في الصفحة اليمنى أو النصف الأعلى منها , ونعرف أهميتها من
قوة لهجتها أو كونها خلاصة عن المقطع القرآني كله , أو كونها موافقة لمقصود
الفرد .
بقي لنا من الحديث عن أنواع الاستخارة أمران :
الأمر الأول :
الاستخارة ذات الرقاع . وقد وردت فيها عدة روايات , حتى عقد لها صاحب ( وسائل
باباً كاملاً ) وتحمل كل رواية أسلوباً من طريقة الاستنتاج في هذا الصدد :
وكلها مشتركة باستعمال الرقاع وهو جمع رقعة وهو الورقة الصغيرة التي يكتب
عليها الفرد إفعل ولا تفعل . ومن هنا سميت بها .
وعمل مشهور المتشرعة على هذه الرواية في الاستخارة ذات الرقاع وهي رواية
هارون بن خارجة (1) عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) , قال : إذا أردت أمراً
فخذ ست رقاع فاكتب في ثلاث منها : بسم الله الرحمن الرحيم خيرة من الله
العزيز الحكيم لفلان بن فلانة إفعل . وفي ثلاث منها : بسم الله الرحمن الرحيم
خيرة من الله العزيز الحكيم لفلان بن فلانة لا تفعل . ثم ضعها تحت مصلاك . ثم
صل ركعتين . فإذا فرغت فاسجد سجدة وقل فيها مئة مرة : أستخير الله برحمته
خيرة في عافية . ثم استو جالساً وقل : اللهم خر لي في جميع أموري في يسر منك
وعافية . ثم اضرب بيدك الى الرقاع فشوشها واخرج واحدة , فإن خرجت ثلاث
متواليات إفعل , فإفعل الأمر الذي تريده . وغن خرجت ثلاث متواليات لا تفعل ,
فلا تفعله . وإن خرجت واحدة والأخرى لا تفعل فإخرج من الرقاع الى الخمس فانظر
أكثرها فاعمل به . ودع السادسة لا تحتاج اليها .
ولا يخفى أنه في هذا الخبر يعبر عن الفرد بأنه فلان بن فلانة ينسبه لأمه .
وهذا مخالف لظاهر القرآن الكريم حيث يقول ﴿ أدعوهم لآبائهم ذلك أقسط عند
الله﴾ , وكل خبر مخالف لكتاب الله سبحانه فهو مردود كما نطقت به الروايات وتم
تأسيسه في علم الأصول مضافاً الى أن النسبة الى الأم يتضمن بوضوح معنى
التشكيك بأبوة الأب . وهو أمر غير وارد بالنسبة الى الكثيرين من الشرفاء
والصالحين .
فالأولى في هذه الرواية أما المناقشة في سندها أو إيكال علمها الى أهلها .
الأمر الثاني :
أنه وردت روايات عديدة في باب الاستخارة تأمر بالأخذ بما يخطر في القلب بعد
قراءة بعض الأدعية . كقوله في رواية ابن فضال (2) : ثم انظر أي شيء يقع في
قلبك فاعمل به . ويقول في رواية اسحاق بن عمار (3) : ثم انظر أجزم الأمرين لك
فافعله فإن الخيرة فيه إن شاء الله تعالى . وفي رواية اخرى (4) يقول : ثم
تنظر ما يلهمك فافعله , فهو الذي أشار عليك به .
وهذا الاتجاه مبني على أن التوجه والدعاء بفتح القلب لتلقي العلم بالتسديد
الإلهي والإلهام . وهو غير بعيد إن دلت عليه رواية صحيحة , وخاصة في مستويات
الإيمان العالية .
ـــ
(1) المصدر : باب 2 : حديث 1 .
(2) المصدر : باب 1 : حديث 4 .
(3) المصدر : حديث 6 .
(4) المصدر : باب 4 : حديث 3 .
إلا أن الأمر مع ذلك لا يخلو فقهياً من إشكال لأمرين :
الأمر الأول :
إن الفرد الاعتيادي أعني المتوسط الإيمان , ومن هو دونه بل من هو فوقه أيضاً
, لا ينحصر ما يجده في قلبه إنه من الإلهام والتسديد , بل هناك الشيطان وهناك
النفس الأمارة وهناك الهوى وغيرها من العوامل التي تدع ما يقع في القلب أما
باطلاً صرفاً وأما مختلطاً لا يعلم الفرد حقه من باطله .
فإذا لم يتعين أنه من الإلهام لا يجوز العمل به . ما لم يحصل الاطمئنان على
ذلك .
الأمر الثاني :
إن مشهور علمائنا وسيرة المتشرعة منذ زمن غير قريب أعرضوا عن هذه الاستخارة
للسبب المشار اليه في الأمر الأول أو لغيره , فيكون إعراضهم سبباً كافياً
لإسقاط هذا الأسلوب من الاستخارة من الحجية أو جعله خلاف الاحتياط على أقل
تقدير .
هذا ولا شك أننا لم تتعرض الى كل تفاصيل الأفكار المتعلقة بالاستخارة , بل
تعرضنا الى الأهم منها , والتي تعتبر بمنزلة القاعدة الأساسية لها .
بقي علينا في نهاية المطاف التعرض لبعض الأمور التي وعدنا بذكرها قبل قليل ,
ولا بد من إنجاز الوعد فنذكر كلاً منها بعنوان مستقل .
|