معرفة المستقبل


قلنا في أول هذا الفصل بأن من جملة معاني الاستخارة هو التعرف على ما يحصل في المستقبل , دون أن يكون له جهة تشريعية . وقلنا إن هذا هو الفهم العام لدى سواد الناس . ومن هنا كانت الحاجة الى مناقشته . وقد حصل الآن وقته .

إن استعمال الاستخارة في ذلك عموماً هو سبب للتعرف على جزء من ( علم الغيب ) لأن ما يحدث في المستقبل لا زال جزءاً من ( الغيب ) قبل حصوله وحضوره . ومن المعلوم إن التعرف على الغيب خاص بالله سبحانه ومن يشاء له ذلك من خاصته وليس عاماً بين البشر لا بأسلوب الاستخارة ولا بغيرها . ومن هنا كان التفأل والتطير وفتح الفال وغيرها من الاساليب الباطلة في الاسلام . إذن فالاستخارة لمعرفة المستقبل باطلة .

نعم يمكن أن يخص القرآن الكريم بهذه المزية , وهي إمكان معرفة المستقبل بالاستلهام من آياته الكريمة . لأنه لم يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها , و ﴿ ما فرطنا في الكتاب من شيء﴾ . إذن فهذا الذي نريد التعرف عليه موجود في القرآن الكريم كل ما في الأمر أننا يعوزنا الطريق الى استنتاجه ومعرفته .

وهذه الطريقة عموماً وجيهة إلا أنها خاصة بالقليل من الناس من ذوي الإيمان العالي وغير عامة لجميعهم . إذ نحتاج الى أمرين أساسيين لا وجود لها بدونهما :

الأمر الأول :

أسلوب الاستنتاج أو الدعاء أو الذكر الذي يقوله الفرد لكي يحصل على هذه النتيجة . وهذا غير موجود في الروايات وأي ذكر يقوله الفرد من نفسه لا دليل على حجيته في ذلك .

الأمر الثاني :

أن يفهم الفرد من آيات القرآن ما ينطبق على الموضوع الذي في ذهنه . وهذا يعني أنه يفهم أمراً غير المعنى الظاهر من ألفاظ القرآن . وهذا لا يكون دائماً بل ينحصر وجوده بحسن التوفيق الإلهي ودرجة من درجات التسديد . وهي لا تحصل لكل واحد .

بقي إشكالان حول هذه الفكرة لا بد من عرضهما ومحاولة الجواب عليهما :

الإشكال الأول :

أنه يمكن أن يقال: إن هناك دليل على نفي الاستخارة بالقرآن , وهي الرواية السابقة القائلة: لا تتفأل بالقرآن .

وقد سبق أن عرضنا ما يشبه هذا الإشكال بصفته معارضاً للرواية الدالة على جواز الاستخارة بالقرآن الكريم . وأجبنا عليه .

الإشكال الثاني :

إن الاستفادة المشار اليها قبل قليل من القرآن الكريم , بحيث يكون مطابقاً لمقصود المكلف .. هذه الاستفادة غالباً بل دائماً مخالفة لظهور ألفاظ القرآن الكريم , ومن المعلوم كما هو محقق في علم الأصول إن ظواهر القرآن حجة , وإن ما سواه ليس بحجة .

وجوابه : إن هذه الاستفادة إنما تكون حجة حين تكون ظاهرة من الألفاظ بحيث يكون للفظ أو الجملة ظهوران , أحدهما الظهور الأولي اللغوي . وثانيهما : ظهور الانطباق على المورد .

وهذان الظهوران غير متنافيان , وكلاهما مشمول لحجية أصالة الظهور مطلقاً والظهور القرآني خاصة .

وغنما قلنا في الإشكال: بأن الظهور الأولي ينفي أي فهم آخر, فيما إذا كان الظهور الأولي منافياً للفهم الآخر .

فيكون هو الحجة ودائماً لغيره . وأما إذا لم يكن بينهما تناف فلا مشاحة في حجية كلا الظهورين . وكون الظهور الثاني غير لغوي بل هو ( وجداني ) ـ لو صح التعبير ـ لا يضر بحجيته ,لأنه الآن ظاهر من اللفظ فعلاً , وحجية الظهور لا تعني ما هو اكثر من ذلك .