|
الإستخارة عن الغير
جرت سيرة المتشرعة منذ زمن غير معروف , على الاستخارة
بالوكالة عن الغير . وقد ناقش فيه بعض العلماء وحاول بعضهم حل الإشكال . وقد
نقل عن السيد ابن طاووس إنه قال : إني ما وجدت حديثاً صريحاً : إن الانسان
يستخير لسواه . لكن وجدت أحاديث كثيرة تتضمن الحث على قضاء حوائج الإخوان
بالدعوات وسائر التوسلات حتى رأيت في الاخبار من فوائد الدعاء للإخوان ما لا
أحتاج الى ذكره الآن لظهوره بين الأعيان .
والاستخارة هي من جملة الحاجات ومن جملة الدعوات واستخارة الانسان لغيره
داخلة في عموم الاخبار الواردة بما ذكرنا . لأن الانسان إذا كلفه غيره من
الإخوان الاستخارة له فقد صارت الحاجة للذي يباشر الاستخارات , فيستخير لنفسه
أو للذي يكلفه الاستخارة , أما استخارته لنفسه بأنه هل المصلحة في القول لمن
يكلفه الاستخارة افعل أم لا ؟ وأما استخارته للذي يكلفه فهي الاستخارة في
الفعل أو الترك . وهذا مما يدخل تحت عموم الروايات بالاستخارات وبقضاء
الحاجات .
قال العلامة المجلسي ما ذكره السيد من جواز الاستخارة للغير لا يخلو عن قوة
للعمومات , لا سيما إذا قصد النائب لنفسه أن يقول للمستخير افعل أم لا . كما
أومأ إاليه السيد , وهو حيلة لدخولها تحت الأخبار الخاصة . لكن الأولى
والأحوط أن يستخير صاحب الحاجة لنفسه , لأنا لم نر خيراً ورد فيه التوكيل في
ذلك . ولو كان ذلك جائزاً او راجحاً لكان الأصحاب يلتمسون من الأئمة ذلك .
ولو كان ذلك لكان منقولاً في رواية . مع أن المضطر أولى بالاجابة ودعاؤه أقرب
الى الخلوص (1) .
ونعلق على هذه الكلمات بتعليقين :
التعليق الأول :
إن السيد ابن طاووس ذكره عدة مبررات للاستخارة :
أولاً : إنها من جملة قضاء الحاجات المستحبة للغير .
ثانياً : غنها من جملة أشكال الدعاء للخير .
(1) مفاتيح الجنان : ص 507 , وما بعدها .
ثالثاً : إن الحاجة تكون للفرد نفسه عندما يكلفه غيره بها .
رابعاً : أن يستخير لنفسه أن يقول للآخر : افعل أم لا . ولا يخفى أن عدداً من
هذه المبررات لا تخلو من مناقشة .
وإذا انحصر الأمر بين هذه الوجوه , فالوجه الأخير هو المتعين .
التعليق الثاني :
إنه يكفي في جواز الاستخارة عن الغير أدلة صحة الوكالة والتوكيل , وإن يد
الوكيل كيد الأصيل . وبها تصبح استخارة الوكيل هي استخارة الأصيل صاحب الحاجة
. وهذا واضح لا غبار عليه .
ومن هنا تصح الاستخارة بعناوين أخرى كالولاية للأب أو الجد للأب عن ابنه
وحفيده وكالوصاية للقاصرين الذين هو ولي عليهم .
ويكفي في ذلك ما يدل على صحة هذه العناوين شرعاً . كما هو مسطور في محله .
ومن هنا لا تجوز الاستخارة لمن لا يوجد تجاهه وكالة ولا ولاية ولا وصاية .
سواء كان طفلاً أم كبيراً . بل حق الأب مع ابنه الكبير والزوج مع الزوجة , إذ
لا توجد تلك العناوين بينهما , فضلاً عن غيرهما من الناس .
ومن هنا لا تصح الوكالة بالاستخارة من قبل من لا تصح عبارته بالتوكيل . كما
لو طلب منك الطفل أو المجنون أن تستخير له . ولم تكن عنه ولياً ولا وصياً .
في حين لا تحتاج الولاية والوصاية الى اضافة التوكيل سواء كانت عن طفل أو عن
مجنون أو سفيه في حدود ما يقول للولي أو الوصي التصرف فيه عن هؤلاء القاصرين
.
وأما الاستخارة عن الغير بالولاية العامة , فمما لا يمكن إثباتها بدليل معتد
به , وإن شملته بعض الإطلاقات . إلا أن الالتزام بهذه السعة مشكل .
|