|
نداء الاستغاثة
بعد ان تأزم الامر مع النظام وهُدد الامام الصدر بالقتل وأعتقل عدد من ائمة
الجمعة والمضايقة المستمرة للصلاة بعث الامام لصدر بأحد ثقاته الى خارج
العراق ليقوم بألقاء الحجة الاخيرة على الامة الاسلامية في العالم وكان(رض)
يقول (اذا لم يدعموني اعلامياً فهذا معناه اعطاء الضوء الأخضر لصدام بقتلي)
وهذا ما حدث اذ بعد ان تم تبليغ كل الجهات الاسلامية بالكارثة القادمة سكت
الجميع منتظراً الحدث ويتحمل كل من وصله هذا النداء ولم يتحرك بمقدار ما
يستطيع دماء الشهداء من آل الصدر واتباعهم من ابناء هذا الشعب المظلوم وسيكون
حسابه عسيراً امام الله وامام التاريخ.
وكانت العلامة بين الامام الصدر وبين مبعوثه هي هتاف (نريد نريد نريد ـ فوراً
فوراً فوراً ـ يا الله يا الله يا الله) فأذا سمع بهذا ا لهتاف وهو في الخارج
بلغ ما يستطيع ابلاغه من حركة او حزب أو منظمة او دولة او اشخاص مهمين بأن
الامام الصدر في خطر وان العراق والاسلام في خطر.
ولا يمكن ان يخطر في ذهن احد ان الامام الصدر كان خائفاً من الموت بل هو الذي
اثبت انه الوريث الشرعي الوحيد في العصر الحديث لشجاعة أمير المؤمنين(ع)
وولده المعصومين(عليهم السلام).
ولكنه اراد ان يلقي الحجة الاخيرة كما ذكرت كما القاها على الحوزة والغجر في
خطبته الأخيرة ولكن الفارق بين هؤلاء ان عدداً من الغجر استجابوا له وتابوا
عن سلوكهم المنحرف بينما الباقون اصرّوا واستكبروا والغريب انني قد سمعت
بأذني أحدى وكالات الانباء الاسلامية وهي تقول بان الامام الصدر كان قد بعث
بنداء استغاثة الى الشيعة في العالم.
ولكنها اوردت النبأ بعد الشهادة بيوم أو يومين وهذا يعني بأن النداء قد قرع
اسماعهم فالويل لمن سمعه أو قرأه ولم ينصر هذا الثائر العظيم. وسيعلم الذين
ظلموا أي منقلبٍ ينقلبون وكان مضمون النداء أن الأمام الصدر سوف يقتل إن لم
تقم الجهات الاسلامية بدعمه أعلامياً. فوصل النداء الى كل الاطراف ولم يستجب
أحد. وقد صدر بيان من طلبة النجف في تلك الفترة وكان البيان بأسم جمع من
علماء الحوزة العلمية وهو مكوّن من قسمين القسم الأول:
بسم الله الرحمن الرحيم
هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كلّه ولو كره
الكافرون صدق الله العلي العظيم
أيّها المؤمنون في كل مكان...
ان ابناء شعبنا المظلوم في عراق المقدسات، وعلى راسهم الامام السيد محمد
الصدردام ظله يقفون الآن في وجه الطغاة على الرغم من المصائب العظيمة التي
يعانون منها، ولاجل ذلك فان الواجب الشرعي والوطني يفرض علينا التلاحم
والتكاتف من اجل رد كيد الكائدين ومكر الماكرين واليكم حوادث الاسابيع
الاخيرة حول صلاة الجمعة في عدد من المدن.
1 ـ توجه عدد من افواج الجيش ورجال الامن وعلى رأسهم المدعو محمد حمزة
الزبيدي عضو القيادة القطرية ورئيس تنظيم الفرات الاوسط توجه الى مسجد الكوفة
والذي تقام فيه صلاة الجمعة من قبل الامام السيد محمد الصدر ـ دام ظله ـ
وحاولوا منعه من اقامة الصلاة وشهروا اسلحتهم بوجه آلاف الناس وابى الامام
الصدر إلاّ ان تقام الصلاة وامر الناس بالثبات وعدم مغادرة المسجد وفعلاً
اصرّ الناس على البقاء رغم التهديد والتخويف، وارتقى الامام الصدر المنبر
والمسجد يضج با لهتافات والتدافع بين قوات الجيش والناس وخطب الناس وشجعهم
على مواصلة الصلاة في الاسابيع القادمة وفي كل مدن العراق، واتم صلاته بهم
بعزيمة تحكي عزيمة جده ابي الاحرار الامام الحسين(ع) فسقط مافي ايدي الطغاة
وفشل امرهم وغادر المدعو محمد حمزة الزبيدي المكان خائباً خاسراً.
2 ـ اعتقال (العلامة الشيخ أوس الخفاجي) امام جمعة الناصرية في منتصف شهر
رمضان، وظل المصلّون ينتظرون وصوله للصلاة، وبعد ان وصل لهم الخبر قام القاضي
الجعفري لمدينة الناصرية (العلامة الشيخ اسعد الناصري) يهتف بالناس احتجاجاً
على اعتقال (العلامة الشيخ الخفاجي) والاف المصلّين يهتفون معه ثم صلّوا
الظهر وتوجهوا الى مديرية امن الناصرية والتي تبعد عن مركز المدينة بما يقارب
ستة كيلو مترات رجالاً ونساء با لهتافات
وا لهوسات، فاحاط بهم رجال الامن والحزب على جانبي الطريق وبدأوا باطلاق
العيارات النارية الى الأعلى، ولم يبال الناس بذلك بل زاد حماسهم واصرارهم
للوصول الى دائرة الامن، وعندها تغير اتجاه الرمي الى الاسفل بالقرب من اقدام
الناس، ومع ذلك لم يكترثوا بذلك بل اخذت النساء تنادي وجهوا بنادقكم الى
صدورنا ياظلمة، حتى وصلوا امام مديرية الامن واخذوا يهتفون فقامت السلطات
بالرمي فوق رؤوسهم (بالدوشكات الاحادية) ولم يتفرق الناس حتى صلى الجميع امام
مديرية الامن صلاة العصر.
وقد اعتقل(العلامة الشيخ الناصري) القاضي الجعفري، فضج الناس من جديد فقامت
السلطات برمي المصلّين بالقنابل المسيلة للدموع فتفرق الناس.
كما اعتقلت السلطات جميع اعضاء مكتب الامام الصدر ـ دام ظله ـ في الناصرية
وعلى رأسهم مدير المكتب (العلامة السيد عقيل الموسوي) و(العلامة الشيخ احمد
شـمخي)، كما اعتقلت مجاميع من المصلّين وانقطعت الصلاة في مدينة الناصرية.
3 ـ وفي جمعة الكوت حاولت السلطات منع امامها(العلامة السيد كاظم الصافي) من
اقامة الجمعة لانه رفض الدعاء للنظام في خطبة الجمعة، ولكن آلاف المؤمنين
تصدّوا لرجال الامن وأصروا على اقامة الصلاة با لهتافات المنددة بذلك وفعلاً
اقيمت الصلاة.
4 ـ وفي جمعة (البياع ـ بغداد) مُنع (العلامة الشيخ مؤيد الخزرجي) من الصلاة
لعدم دعاءه للنظام.
5 ـ وفي جمعة (حي أور ـ بغداد) منعت السلطات المصلّين من اقامة الصلاة واغلقت
المسجد واحاطته بالمدرعات وحصلت اشتباكات كبيرة، وكان ضحيتها تسعة شهداء.
6 ـ اعتقال (العلامة الشيخ عدنان الشحماني) احد خطباء الجمعة وقاضي في احدى
المحاكم الجعفرية مع مجموعة من طلبة العلوم الدينية بطريقة وحشية.
7 ـ وفي مدينة العمارة قامت السلطات بغلق مكتب سماحة الامام الصدر ـ دام ظله
وقد اعتقل( العلامة الشيخ حسين المحمداوي والعلامة القاضي الشيخ نديم الساعدي)
وباقي اعضاء المكتب وقد قامت العشائر والوجهاء بموقف مشرّف بالضغط على
السلطات المعينة والاصرار على ذلك حتى تم الافراج عن (العلامة الشيخ حسين
المحمداوي).
8 ـ وفي مدينة (الشعب ـ بغداد) منعت السلطات الصلاة وسيطرت على المسجد واعطته
للوهابيين فثار غضب الناس وتحدوا السلطات واعادوا الصلاة فيه، واشتد الصراع
حول التولي على المسجد الى ان وصل الامر الى مرافعة قضائية وبحمد الله ربحت
الشيعة القضية، ولكن مديرية الاوقاف وضعت يدها عليه وعينت اماماً من قبلها،
مما اثار غضب الناس من جديد وكان امام الجمعة المعيّن هو (العلامة الشيخ علي
الكعبي) وتجمع الناس للصلاة ومنعت السلطات اقامتها إلاّ بالامام المعيّن من
قبلها فقام (العلامة الشيخ علي الكعبي) معلناً امام الناس بأن هذا الشيخ موظف
من قبل الدولة ولا تصح الصلاة خلفه فثار الناس واشتبكوا مع السلطات، واستشهد
في تلك الواقعة عشرة شهداء ووقع عدد كبير من الجرحى، واعتقلوا مجاميع من
المصلّين، فأمر سماحة الامام السيد محمد الصدر ـ دام ظله ـ بايقاف الصلاة
هناك الى وقت آخر.
9 ـ في شهر شعبان امر سماحة الامام السيد محمد الصدر ـ دام ظله ـ (العلامة
السيد علي الشوكي) باقامة الجمعة في حسينة (مدينة الشعب بغداد) فمنعته
السلطات وغلقت ابواب الحسينية، فصلّى بالناس في الشارع لعدة اسابيع.
10 ـ وفي باقي المدن تقوم السلطات بقطع الطرق المؤدية الى صلوات الجمعة
بتوزيع رجالاتها في الشوارع المؤدية الى المساجد، مع قطع الكهرباء، ولكن
المصلّين يجلبون معهم المولدات الكهربائية ومكبرات الصوت المتنقلة ويقيمون
صلاة الجمعة على الرغم من كل ذلك.
فنصر الله المؤمنين وحفظ سيدنا الامام الصدر ـ دام ظله ـ من كل سوء
(وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين)
جمع من علماء الحوزة العلمية
10 شوال 1419هـ
القسم الثاني
بسم الله الرحمن الرحيم
والذين ان مكناهم في الارض اقاموا الصلاة واتوا الزكاة وأمروا بالمعروف
ونهوا على المنكر صدق الله العلي العظيم.
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على المصطفى محمد وعلى آله الطيبين
الطاهرين.
أيّها المؤمنون الكرام.
ان العالم الاسلامي يمر اليوم باحلك الظروف واشد الصعاب وذلك بتكالب دول
الاستكبار العالمي عليه من جميع الجهات ولم يدخروا جهداً في سبيل اطفاء نور
الله في ارضه ويأبى الله إلاّ ان يتم نوره ولو كره الكافرون، وما يحصل في ارض
العراق الحبيب هو صورة واضحة المعالم الدنيئة عليه لاذلال هذا الشعب الحي
واشغاله عن قضاياه المصيرية وذلك بالتجويع تارة وبتسليط الطغاة عليه تارة
أخرى، وقد تصدى احد اعلام الاسلام (المرجع الديني الكبير الامام السيد محمد
الصدر) ـ دام ظله ـ لمواجهة هذه المؤامرة وردّها على اعقابها وقد التف حوله
شعبنا المظلوم رجالاً ونساءاً من كافة الطبقات، فسعى بهم هذا السيد الجليل
الى الصدارة في الدفاع عن هذه الامة والذود عنها واعادة تاريخها المجيد بعد
ان جثم الطغاة على صدرها لسنين طوال، وكان من عظيم انجاز سيدنا المعظم ان
اوجد صلاة الجمعة في كل المدن والقرى والارياف من جنوب العراق الى شـماله،
وقد عانى هو وخطباء الجُمع ما عانوا من المضايقة والتشديد وانتهاك الحرمة، بل
واعتقال عدد كبير من ائمة الجمعة، وعلى الرغم من هذه الصعاب ابى السيد ـ حفظه
الله ـ إلاّ أن تدوم صلاة الجمعة ولو كلّفه ذلك حياته الشريفة وفعلاً أستمد
هذا العمل الرباني بمشيئة الله وحوله وقوته، وبعزم واصرار من قبل ملايين
المؤمنين ممن نذروا انفسهم للحق والدين، وفي نفس الوقت انشأ الامام الصدر ـ
دام ظله ـ المحكمة الشرعية الجعفرية في كافة المدن العراقية ورشّح لهذه
المحكمة عدداً من الفضلاء كقضاة شرعيين في جميع المدن حتى يكون الاحتكام الى
الشرع المقدس لا الى الطغاة وكانت معركة المحكمة الجعفرية في العراق على
اشدها وقد دفعت الحوزة الشريفة الثمن باهضاً من اجل استمرارها والمحافظة
عليها وفعلاً شاء الله جلّ اسمه ان يستمر هذا المشروع الرباني بعد ان ساور
النفوس الشك في ذلك.
وفي الختام ندعوا المولى العزيز ان يحفظ سيّدنا الامام الصدر من كل كيد وسوء
وان ينصر شعبنا المظلوم ويفرّج عنه هذه الغمة انه سميع مجيب.
وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين
وهذان البيانان لا يخلوان من أخطاء وأشتباه في بعض المعلومات الواردة فيهما،
إلا أنهما صدرا في وقت حرج وكانا يكفيان في دعم الامام الصدر فيما لو تجاوبت
معهما الجهات المختلفة.
ولكن ذلك لم يحصل.
ليلة الدم
قام النظام قبل حوالي ثلاثة أشهر من يوم الجريمة بتبديل أمين العاصمة في
بغداد، وقد يكون هذا الأمر ليس بذي أهمية أبتداءً، ولكن حسب معلومات أكيدة تم
تأكيدها أكثر بعد الاستشهاد أن هذا الرجل مهندس من أهالي تكريت، وقد قام
بحملة ضد الباعة المتجولين، ونظف شوارع العاصمة منهم حسب تعبيرهم، وقام
بأزالة الاكشاك المرخصة وغير المرخصة، وأعتنى بالحدائق والجزر الوسطية، وقد
رأيت بنفسي في مدينة بغداد الجديدة حي المشتل أن الجزر الوسطية قد شكلوا فيها
أشكال هندسية جميلة، ولكنها كانت على هيئة نجمة سداسيه كنجمة إسرائيل ـ فلفت
الأمر نظري إذ مالذي يدعو النظام الى حملة ضد الناس، وهم في وضع الحصار الذي
أنهكهم فلا يوجد عاقل يفعل مثل هذا الأمر، ولكني بعد ذلك، وحسب مصادر مطلعة
علمت أن أزالة العربات والاكشاك من الأماكن المزدحمة جاء خشية من حدوث حرب
شوارع فتستغل هذه العربات والاكشاك كسواتر أو تسد بها الشوارع.
وفي نفس الوقت تقريباً تأكدت من أحد العاملين في التصنيع العسكري، أن النظام
أمر أحد المصانع الرئيسية في التصنيع، أن تهيء في اسرع وقت مائة وخمسين ألف
تابوت. فشعرت حينها بوجود خطر أكيد على حياة الامام الصدر فأوصلت الخبر أليه
عن طريق أحد الثقات.
وبعد ذلك أخذت الأحداث تتسارع، وتتأزم بشكل ملحوظ، فبالأضافة الى حدوث العديد
من المصادمات بين أئمة ومصلي الجمعة من جهة وبين أجهزة النظام من جهة أخرى
كما حدث في الناصرية، وكذلك في النعمانية، وقلعة سكر، والحي، والبصرة،
وغيرها.
فقد تصاعد الموقف في الحوزة بشكل غريب فقد أعترت المتصدين وأتباعهم في
المدارس حالة هستيرية غريبة، وقد وصل الأمر الى التضارب بالأحذيه في أحدى
المدارس، وكانت تصريحات مكاتب السيستاني ومحمد سعيد الحكيم وغيرهما تشتد ضد
الأمام الصدر وضد صلاة الجمعة.
وبعد مطالبة الامام الصدر بأطلاق سراح المعتقلين في الاسبوعين الأخيرين، شاع
في كافة الأوساط أن رأس النظام قد أتصل بالأمام الشهيد، وأمره بسحب كلامه
علانية، وأن يعلن في الجمعة الأخيرة عن إلغاء صلاة الجمعة، فرفض، وفي الجمعة
الأخيرة الموافقة 3من شهر ذي القعدة 1419هـ والموافقة 19 / 2 / 1999م تم
ايعاز الأوامر بتنفيذ الجريمة بعد الساعة التاسعة ليلاً.
والجدير بالذكر أن خطة الأغتيال كانت من تخطيط أحد ضباط مديرية الأمن العام
وهو المدعو (حجي عزيز)، وهو مسؤول الشعبة الخامسة في المديرية وهي خاصة بشؤون
الحوزة.
وفي صباح هذا اليوم كان المصور يرافق السيد بشكل لم يسبق حدوثه، فقد رافقه في
صلاة الجمعة، وبعد ذلك الى المنزل، ثم الى ضريح امير المؤمنين(ع) حيث تم
تصوير صلاة المغرب وبعد ذلك الى المكتب وعند خروج الأمام الصدر من المكتب وهو
يريد الذهاب الى البيت، حيث وجود الكمين يروى أن المصور أراد أن يركب معه
فمنعه وقال: الى هنا يكفي.
وكان الامام الصدر عندما أنتهى من صلاة الجمعة في هذا اليوم وخرج من المسجد،
عندما وصل الى سلم الباب سقط على وجهه، فألتفت بشكل غريب وهو يبتسم وينظر في
الفراغ تجاه المحراب.
بعد أن خرج(رض) من المكتب حوالي التاسعة ليلاً، ونزل من الدرجات التي تقابل
باب القبلة فتحوا له باب السيارة فوقف يناجي امير المؤمنين(ع)، وكان قبل ذلك
لا يفعل هذا بل يسلم على الأمام من فوق الدرجات ولا يطيل ثم ألتفت الى الطلبة
وأبتسم على خلاف المعتاد(رض) وهزَّ رأسه وأطال الوقوف وكان نادراً ما يفعل
ذلك.
ثم إلتفت قبل صعوده بأتجاه شارع الصادق(ع) وأخذ ينظر في الفراغ ثم ألتفت الى
جهة صافي صفا وفعل مثل الاول، وكان السيد مصطفى قد صعد ونزل مرتين. وكان
السائق السيد مؤمل.
ثم سارت سيارتهم بأتجاه ساحة (ثورة العشرين).
وقد تحدث أحد الطلبة أنه مر في سيارة ومعه بعض الركاب في نفس الشارع الذي
حدثت فيه الجريمة، ولكن من الجهة المعاكسة فأستوقفتهم سيارة (أولدزموبيل)
ونزل منها مسلحون فنظروا في داخل السيارة، ثم سمحوا لهم بالمرور، وبعد مسافة
أستوقفتهم سيارة أخرى قد اعترضت الطريق، ومن نفس الموديل ففعلوا مثل الاول.
فيكون الشارع الذي يرتقبون مرور سيارة السيد فيه قد طوق تماماً.
وهذا الشارع يقع بالقرب من دائرة البريد، وبقرب البريد تقع بناية الأوقاف،
وبالقرب من هذه الأخيرة تقع (جامعة الصدر الدينية) الفرع الثاني (مدرسة
البغدادي سابقاً).
وبعد أن تجاوزت سيارة الامام الصدر ساحة ثورة العشرين، ودخلت في هذا الشارع
كان الكمين مستحكماً إذ أن الشارع كان مظلماً طيلة أيام السنة لعدم وجود
مصابيح فيه، ويوجد في هذا الشارع بناية قديمة تخص دائرة الجوازات قد أستغلت
لتكون غرفة العمليات، وأخفاء مجموعة من المسلحين للطواريء.
وعندما وصلت السيارة الى الكمين الأول خرج من الظلام أحد القناصين ووجه سلاحه
الى السيد مؤمل (السائق) فأستدار بكل سرعة السيارة، ولكن الأطلاقة كانت أسرع
فأصابت جبهة السيد مؤمل فأرتطمت السيارة بشجرة على الرصيف.
فأسرعت مجموعة الكمين الى السيارة، وأمطرتها بالرصاص، وكان السيد مصطفى
جالساً خلف أبيه وعندما أُطلق الرصاص أرتمى عليه ليحميه من الرصاص، فقطعت
أصابع كفه اليمنى وجزء من باقي الكف، وأصيب بأطلاقتين تحت الأضلاع. أما
أصابات الامام الصدر فكانت واحدة في كتفه، وأخرى في فخذه، والقاتلة قد أخترقت
جبهته، وخرجت من خلف رأسه ًويروى أن هذه الأطلاقة الأخيرة كانت في
المستشفى.اي أن الامام الصدر كان حياً الى وقت نقله الى المستشفى، وكذلك كان
السيد مصطفى أذ عندما دخل عليه الشيخ محمد النعماني شاهده حياً ولكن للحظات
ثم فارق الحياة.
وكان في مكان الجريمة بالأضافة الى السيارتين سيارة مظللة وحسب أغلب المصادر
أن قصي نجل الطاغية كان موجوداً فيها يراقب العملية بنفسه، وكذلك سيارة
إسعاف، وحسب مصادر موثقة فأن أسماء الذين شاركوا في العملية قد تم كشفها، وهم
من مدراء الأمن ومن كافة أنحاء العراق، ومنهم ًالمقدم سعد الذي كان مدير
أمن صدام ثم انتقل الى مديرية أمن الناصرية وبعد مقتل مقدم فلاح مدير أمن
صدام أعيد الى الثورة.
وكذلك مقدم ًطالب الفياضً الذي كان مدير أمن قضاء الحي، وقد نقل الى النجف
قبل الحادث بحوالي شهر ونصف بمنصب معاون مدير النجف السياسي.
وكان من ضمن الموجودين نقيب طبيب وغيرهم.
وبعد مدة وجيزه تجمع عدد كبير من الطلبة أذ أن الخبر قد شاع بسرعة، وبما أن
اليوم كان يوم المحافظة فقد كان أنتشار قوات الطوارىء في المحافظة أمراً
معتاداً سنوياً، لذلك تم أختيار هذا اليوم لتكون ا لهدية التي تقدمها
المحافظة في هذا اليوم هو رأس الامام الصدر.
ولم يسمحوا لأحد بالدخول إلا الشيخ النعماني كما أسلفت، وبعد منتصف الليل طلب
الطلبة أن يدفنوا الأمام الصدر وولديه فرفضوا إلا أن يحضر أحد العلماء
ليسلموهم، فذهب عدد من الطلبة الى السيد محمد كلانتر فأعتذر بأنه مريض لا
يستطيع الخروج، فتوجهوا الى منزل السيد علي البغدادي فتعلل بأنه لا يستطيع أن
يترك المنزل في هذا الوقت لأنه يخاف على أطفاله. فتوجهوا الى منزل السيد حسين
بحر العلوم فأعتذر بأنه مريض ـ فذهبوا أخيراً الى مكتب ومنزل السيستاني فخرج
الخادم وقال إن السيد نائم، فقالوا أيقظه وقل له إن السيد محمد الصدر قد قتل.
فدخل ثم خرج، وقال إن السيد نائم ولا أستطيع إيقاظه، فألحوا عليه فدخل فمكث
قليلاً وخرج قائلاً. إن السيد نائم فيأسوا.
ورجعوا الى المستشفى وفي حوالي الساعة الثالثة بعد منتصف الليل سلموا الشهداء
الى الطلبة الموجودين فأتجهوا الى مغتسل ًبئر عليويً ليغسلوهم.
وقد وصف أحد اللذين كانوا في المغتسل أن السيدين مصطفى ومؤمل كان وضع أبدانهم
كباقي الموتى أما الأمام الصدر فكان بدنه طرياً لم يتشنج وكان كالنائم(رض).
وكان مدير أمن النجف معهم في المغتسل فقال هازئاً: لماذا تغسلونه أليس
شهيداً؟!.
وكانت المقبرة حينها قد أكتظت برجال أمن النظام.
وقد صلى على أجساد الشهداء الشيخ محمد اليعقوبي وتولى الدفن بعض أئمة الجمعة
أحدهم الشيخ الشهيد علي الكعبي، وقد فقد ختمه الشريف وكذلك (العصا) التي كان
يتوكأ عليها.
وهناك تفاصيل أخرى سوف تذكر في الوقت المناسب أذا بقيت الحياة وإذا لم تبق
فهناك من سوف يكمل بأذن الله.
|