مقدمة مقدمة المؤلف كلمة لا بد منها نشوء العبقرية ما بعد الصدر الانتفاضة الشعبانية التصدي مع الوكلاء::التدرج في المواجهة الجمعة وائمة الجمعة مقتل الشيخين::فتنة السالكين حسن الكوفي::ثعلب الصحراء نداء الاستغاثة::ليلة الدم ما بعد الشهادة كرامات::متفرقات الامام الصدر مع فضل الله اسماء ومواقف

ما بعد الصدر(قدس)
بعد استشهاد السيد محمد باقر الصدر(قدس) فرض على شهيدنا ما يشابه الاقامة الجبرية من جهتين:
الأولى من جهة النظام ولو انهم لم يقولوا ذلك بصراحة إلاّ ان مراقبة البيت مستمرة. وكان بالقرب من بيته محل وقد جعل منه ازلام النظام وكراً للمراقبة ليلاً ونهاراً فكان من النادر أن يصل اليهم احد وكان شهيدنا اذا خرج من منزله لا يسلّم عليه احد خوفاً من النظام لذلك بقي في منزله حوالي عشر سنوات لا يخرج إلاّ للتسوق أو استلام الراتب من مكتب الخوئي وكان الراتب لا يسد رمق العائلة لمدة وجيزة لذلك مرّت بهذه العائلة الكريمة أيام عسيرة ومع ذلك فان الامام الصدر لم يرضخ للحوزة ولم يرضخ للنظام كما فعل غيره ولا بكلمة واحدة، وقد اعلن في هذه الفترة تصديه للمرجعية لعدد من الناس، وهم الخواص لذلك كان السيد مهدي الصدر(رحمه الله) أول وكيل للامام الصدر(رض) وذلك سنة 1981م، وقد راجعه عدد من الفضلاء سنة 1982وقلّدوه وكان السبب في ذلك ان هؤلاء الفضلاء رأوا تصرفات مخالفة للشريعة وتخل بالعدالة في مكتب زعيم الحوزة لذلك التجاءوا الى الأمام الصدر وأعلنوا تقليدهم له ولكن كان تقليداً بدائياً اذا لم تكن توجد رسالة عملية لذلك قام بكتابة تعلقية على منهاج الصالحين وقد كتبها بيده السيد حسين الكظماوي (الصدر) في تلك الفترة ايام كان السيد حسين الكظماوي الصدر من المتحمسين للأمام الصدر(رض).
ومع ذلك فان الحقوق الشرعية لم تكن على مستوى بحيث يتاح له التوسع وكان السيد حسين الصدر في تلك الفترة العصيبة وكيلاً عن السيد محمد الصدر ويؤكّد على ضرورة الخروج للصلاة وكان يجلّه لدرجة انه حاول مراراً تقبيل يد شهيدنا، ولكن الافتراق حصل بسبب الخلاف بينهما حول طريقة التصدي للمرجعيّة فحسين الصدر كان يقترح على شهيدنا الابتداء التقليدي لطرح مرجعيته وهو القاء البحث الخارج وجمع دعاة وبعد ذلك يطرح نفسه مرجعاً للتقليد بينما كان شهيدنا يرى خلاف ذلك، وانسحب حسين الصدر بعد ذلك من دعوته للامام الصدر فكان مثلاً يوصل مبلغاً كبيراً من الحقوق الشرعية للسيد السبزواري ومبلغاً أقل منه للسيستاني ومبلغاً أقل من الاثنين للامام الصدر وبعد أن واجهه شهيدنا بمسألة الاجتهاد }وكان حسين الصدر وما يزال يدّعي الاجتهاد{ حصلت المقاطعة ذلك ان السيد الشهيد عنفه يوماً امام الملأ حول مدّعاه وأخيراً صرّح بأن حسين الصدر لا يصلح لتدريس اللمعة بصورة متكاملة.
نعود الى تلك الايام العصيبة كان شهيدنا يضطر أحياناً للمسير على قدميه من البيت الى الحضرة المطهرة وخلال هذه المدة كتب رسالته المختصرة الصراط القويم واعطاها للشيخ شريف آل كاشف الغطاء وذلك ليتوسط عند معارفه للموافقة على طبعها فعاد الشيخ شريف بعد مدة وقال: رفضوا طبعها بحجة ان فيها تشريع زواج المتعة، والثانية الشهادة الثالثة في }الاذان والاقامة{ بالولاية لأمير المؤمنين(ع)
المهم ان شهيدنا كان يشعر بعظم المسؤولية الملقاة على عاتقه لهداية الامة واخراجها من الظلام الذي كانت تعيش فيه ولما يراه من انحراف المؤسسة الحوزوية أذ كان اول المتضررين بسببها وكان يمكنه بسهولة تامة التعايش معهم وتكون حالته المادية والاعلامية جديدة، ولكن ذلك يحدث على حساب الاسلام، فقرر المثابرة والمواجهة معهم حتى آخر نفس ولم يختبىء في بيته كما يحاول البعض ان يصوّر حاله بل كان يداوم الحضور في مجالسهم ولكنه يناقش قدر الامكان ويرد ما يستطيع رده من مظالم، ويروي شهيدنا حادثة خطيرة في بابها يقول(رض):
دخلت يوماً على الخوئي وكان عنده كبار طلبته كالسيستاني، والشيخ الفياض والشيخ البروجردي والسيد عز الدين آل بحر العلوم والشيخ الغروي والخلخالي وغيرهم فلما رآني الخوئي قال:
بجانبي سيد محمد، فجلست بجانبه وبعد سؤال عن الصحة والأحوال جاء أحد الاشخاص ومعه قضية طلاق فقال الخوئي: نعم نجري الصيغة فرفع رأسه ونظر حوله ثم أطرق برأسه. عندها علمت انه سوف تقع مشكلة على رأسي فقلت:
بأذنك، وقمت فقال: اجلس سيد محمد. ثم اجرى صيغة الطلاق وقال تفضل سيد محمد عندها قمت وخرجت وفي اثناء الخروج نظرت الى الجالسين من طلبة الخوئي فاذا هم ينظرون الي بحقد واحتقار.
ودلالة ذلك دلالة مهمة وخطيرة فهذه الرواية تصرّح ان الخوئي لم ير في الجالسين واحداً منهم يصلح ان يكون شاهداً على طلاق بأستثناء شهيدنا.
وهذا اعتراف ضمني لشهيدنا من قبل اكبر عالم واقدمهم في النجف الاشرف}في نظر الحوزة التقليدية{ وقائد المسلك التقليدي.
وكذلك يقول: ذهبت يوماً الى الخوئي وذلك بعد ان اخذ السيستاني بالصلاة في مسجد الخضراء فجئت لادخل عليه فحاول محمد تقي الخوئي منعي فأصررت على الدخول عندها سلمت على الخوئي وجلست قلت بصوت يسمعه محمد تقي الخوئي: هل ترى ان السيد السيستاني هو الأعلم من بعدك؟ فقال بانفعال: أعلم؟ لا فقلت: هل أمرت السيستاني بالصلاة في مسجد الخضراء ليكون خلفكم هناك فقال بأنفعال أشد: انا؟ لا. فقمت لأخرج واذا بمحمد تقي ينظر اليّ نظرة حقد واحتقار.
لذلك فان المؤسسة الحاكمة في النجف أخذت بالاستعداد لمحمد الصدر. ويروي احد الاساتذة الافغان ان احدهم دفع مبلغ خمسة عشر مليون دينار في ذلك الوقت لقتل السيد محمد الصدر فأنجاه الله ولم يتم الأمر( والذي أراد قتله هو محمد تقي الخوئي لذلك كان الامام الصدر يقول: أراد أن يقتلني فقتله الله، أحترق والحمد لله. رواية مشهورة في النجف.).
وقد كان من ضمن الاشخاص الفضلاء، الذين وقفوا مع شهيدنا ايام المحنة الشيخ محمد اليعقوبي إذ التقى مع شهيدنا حوالي سنة 1985وتطورت العلاقة بينهما. وكان السيد محمد كلانتر من المساندين والمؤيّدين لشهيدنا وكان يحثه على التصدي بأستمرار، ولكن بالطريقة التقليدية وقد طلب منه ان يكتب تعليقة على }وسيلة النجاة{ فرفض(رض) وكان يرمي الى ما هو خارج نطاق المعهود ويرفض تقليد الآخرين وكان يؤكد على عربيته ولكن داخل اطار الاسلام هذه العربية التي سحقت تحت الاقدام حتى صارت ذيلاً تابعاً أبداً لذلك فهو عند حضوره لبعض الدروس في اللغة الفارسية كان يصرّ على التقرير بالعربية فلماذا لا يكون الدرس بالعربية! وهي لغة القرآن ولغة الفقه ولغة آل محمد(ص) المهم ان اللغة العربية هي المحور ومن تعلّمها كفته عما سواها ولم يكن شهيدنا متمسكاً بعروبته للا شيء بل هو ابن القرآن والاسلام ولكن رأى بأم عينيه الأساليب المعهوده لسحق العرب وامتهانهم وقد جاءه أحدهم فكلّمه بالفارسية وهو لا يعرفه فقال له شهيدنا: ألست عربياً؟
قال: نعم.
قال: فلماذا تتكلّم بالفارسية اذن. فصمت الآخر.
كان يؤكد على رفع عقدة الحقارة في النفس فلماذا يكون الآخرون افضل منّا؟ ولماذا لهم الامتيازات التي يرتفعون بها ليسحقونا؟ ان الاهلية بالعلم ولكن بشرط التقوى وعدم وجود طبقة أفضل من أخرى بأصل الخلقة ان صح التعبير ولكن الواقع كما كان يراه}(رض) اذ دخلت الى الاسلام الكثير من }الحمقات{ والخرافات التي ما انزل الله بها من سلطان كتقبيل اليد والمخاطبة بصيغة الجمع والتكبر على العوام والاحتفال بالنوروز، والحوزة كانت تعلم قبل غيرها ان هذه امور دخيلة وقد صرّح بذلك الشيخ المظفر(قدس) في الجزء الثاني من اصول الفقه في بحث السيرة ناسباً الكلام الى الشيخ الانصاري ولكن العلم بشيء في جهة والتطبيق بالجهة المخالفة ولم تعرف الحوزة مرجعاً قبل شهيدنا طبّق الاحكام والاخلاق الشرعية كما هي مطلوبة من قبل الشارع المقدس. فالزهد مجرّد اقاويل وكلمات مسطورة في الكتب وواقع الحال بعيد غاية البعد عن ذلك فرجال الدين يعيشون حالة الرفاهية والغنى وكل ذلك من أموال الشيعة والفقراء ويوجد والحمد لله من المستحقين لتلك الأموال ما لا يحصون ففي الوقت الذي تمتلك فيه جلّ الاسر العلمية من الاموال والاملاك والمزارع الشي الكثير نجد ان باقي الناس يعيشون أسوأ الاحوال مع ذلك فهم يكدحون ويأتون بالاموال لارضاء الحوزة ولا ينالون سوى التحقير من قبل الحواشي وهذا طبعاً لا يبرىء ساحة المتصدين إذ ان هؤلاء الحواشي موظفون ومنصّبون من قبلهم وعدم متابعة حا لهم وتصرفاتهم يجعلهم مسؤولين امام الله عن كل مظلمة تقع بسبب هؤلاء.
كان الامام الصدر يعقد مجلساً للتعزية في بيته في الحنانة وذلك في فترة مابين الحربين وكان يحضره عدد من الفضلاء الذين يشهدون له بالفضل والعلم والتقوى، ولكنهم انفضوا بعد ذلك لما رأوا ان الامام الصدر دخل في حرب مع الحوزة خشية على مصالحهم وكانت أكبر مشكلات محمد الصدر انه يعامل الناس على مستوى واحد ولا فضل لعربي على اعجمي إلا بالتقوى لذلك فان فضلاء الحوزة تركوه وحاربوه فمثلاً عندما يدخل عليه أحد الفضلاء فشأنه شأن الآخرين والفضلاء قد تعوّدوا أن يقوم لهم الجالسون وان يشيعهم صاحب المجلس الى باب الدار وأحياناً يقدّم الخادم الحذاء امامهم، وهداياهم تصل اليهم كلاً بحسبه، اما عند الأمام الصدر فهذا لم يكن، فكان يواجه الآخرين بما فيهم بلا مجاملة ولا يأبه بالنتائج وعندما قيل له ان الفضلاء يحاربونك قال: انهم يحفرون قبورهم بايديهم.
فأية حوزة هذه... ليس فيها تقبيل ايادي وليس فيها تفضلتم وتكرمتم وتشرّفتم.
انها حوزة علي بن ابي طالب(ع) وهي لا تنفع في هذه الأيام.
انها حوزة ومرجعية الأمام الصدر.