|
الانتفاضة الشعبانية
لا أريد في هذا الفصل التحدّث عن الانتفاضة وتوابعها بل الاقتصار على ما
يتعلّق بجانبين الأول عن تأثيرها في الجماهير العراقية باختصار.
والجانب الثاني عن دور الأمام الصدر(رض).
اما الجانب الاول: فخلال عقد الثمانينات كاد اليأس يبلغ في الامة مبلغه
وخصوصاً بعد انتهاء الحرب مع ايران فقد كان هناك امل بان يسقط النظام خلال
الحرب وعندما قامت حرب الخليج الثانية تجدد الامل بالخلاص من هذا النظام ولكن
لم يكن يخطر في البال عموماً ان يحدث حدث اسلامي مهم في العراق وبعد ذلك حدثت
الانتفاضة التي اعادت الامل مرّة أخرى بتحقيق الحلم الاسلامي وكانت الانظار
تتجه صوب قيادة المجلس الأعلى للثورة الاسلامية في العراق ورأت الامة في هذه
القيادة المخلص بعد طول الانتظار وانتظرت الجماهير أي تحرك ولم يحدث شيء بل
تركت الجماهير عزلاء امام النظام الدموي ومع كل ذلك بقيت الامة على احترامها
لقيادة المجلس الأعلى حتى بروز حركة الامام الصدر التي استوعبت الامة بكافة
طبقاتها ومستوياتها وبدأت كفة الحكيم في التراجع امام تنامي شهيدنا الى ان
انتهت تقريباً شكلاً ومضموناً.
اما الجانب الثاني: وهو ما يتعلّق بشهيدنا(رض). فعندما انتفضت النجف وقاومت
بمساعدة المحافظات المقاربة لها كالسماوة والديوانية اللتين كانتا المساعد
الاكبر في صمود انتفاضة النجف الى ان دخل الجيش وكانت الفوضى حينها تعم
المدينة ولم تكن هناك قيادة محددة على مستوى علمائي مؤهلة او متصدية للامة
حتى تصدى الامام الصدر فاتجه الى منزل زعيم الحوزة في حينها المحقق الخوئي
وحدّث كلام بينها فاشتد السيد الشهيد في الكلام أخيراً وقال:
اما ان تتصدى للأمر أو تدعنا نتصدى له، انت المرجع وعليك تولي هذه المسؤولية.
وبعد ان حصل اليأس عنده اعتزم خوض المعركة بنفسه وان كان البعض يحاول أن
يقلّص او يحجم من دور الامام الصدر في هذه الانتفاضة ويقول: انه جيء به رغماً
عنه( وصاحب هذه الكلمة Aالسيد عمار أبو رغيف أحد طلبة السيد محمد باقر
الصدر والرجل ما أنفك يقلل من أهمية الامام الصدر ويقول أنه لم يثبت عنده
أجتهاده، ويستهزيء بآراءه وكلماته وقال: أنه لم يقرأ كتب الامام الصدر، ولكن
حتى لو قرأها ووجد أن السيد محمد الصدر أعلم من السيد محمد باقر الصدر فأنه
لن يقر بذلك. وهكذا الكثير من القدح). وهذا غير صحيح فشهود عيان ومن داخل
النجف ممن لهم دور في الانتفاضة. يحدّثوننا بأن الامام الصدر كان أول
المبادرين الى اصدار فتوى أو بيان شديد اللهجة بالجهاد وبالاشتراك مع السيد
السبزواري(قدس) ويحدّثني شاهد عيان ومن الثقات وفضلاء الحوزة انه شاهد الامام
الصدر خارجاً من مسجد ا لهندي وحوله مجموعة من الشباب المسلّحين واتجه الى
حضرة امير المؤمنين(ع) وارتقى على سطح ًالكيشوانيةً المقابلة لباب القبلة
وتجمع الناس حوله ليستمعوا له فألقى خطبة شديدة في الجهاد حتى أ لهب الحماس
عند الناس، وكان(رض) خلال تلك الايام يدوام على الحضور الى حضرة أمير
المؤمنين(ع) للصلاة في الظهر والمغرب، وقد كان يوجه الناس للعمل الصحيح ومنه
انه امر بأخراج الجرحى الى مكان آخر خارج الحرم بسبب الدماء التي كانت تنجس
أرض المرقد المطهر واخراج الدبابات والآليات منه.
وحتى اشتهرت وانتشرت فتواه بالجهاد والصقت على الحيطان في ارجاء النجف. وكان
الناس متفاعلين معه بشدة لكونه من آل الصدر إذ أن محور الانتفاضة هو اسم
السيد الشهيد محمد باقر الصدر(قدس) وا لهتافات بأسمه في كل مكان(وقد حمله
الناس على الاكتاف من النفق وحتى الحضرة المطهرة .
وهذا غير محبذ عند الحوزة كما هو واضح لذلك استبعدوا الأمام الصدر من اللجنة
التي تشكلت لقيادة الانتفاضة وادارة شؤون المدينة. واستبعاد الأمام الصدر ليس
وليد اليوم كما يعبّرون فقد وضحنا سابقاً مدى كراهة المسلك التقليدي لاهل هذا
البيت وخصوصاً شهيدنا الذي يعتبر الوريث الوحيد في النجف الاشرف لابن عمه
السيد الشهيد وعدم ذوبان شهيدنا في بوتقة هذا المسلك.
ورغم ابعاده عن هذه اللجنة فانه عملياً بقي المحور الذي ألتفت حوله الجماهير،
وحينما قام الجيش بالقصف العشوائي على المدينة واقترب من اقتحامها جاءت
مجموعة الى الامام الصدر وعرضوا عليه ان يخرجوه من النجف والتوجه الى خارج
العراق ًالى ايرانً فأجابهم: (رض) أبعد هذه الشيبة أفارق أمير المؤمنين(ع)
ورفض الخروج.
وبعد دخول الجيش الى المدينة المقدسة كان الامام الشهيد مع عائلته }عدا السيد
مصطفى الصدر(وقد حمله الناس على الاكتاف من النفق وحتى الحضرة المطهرة ).
في جامعة النجف مع اكثر من خمسين نفساً كعائلة السيد كلانتر ويحضرني من اسماء
الموجودين هناك في ذلك اليوم الشيخ علي خائفي والسيد عدنان العلوي والشيخ
محمد الجواهري والشيخ حسن القسام والشيخ علي البهادلي مع نساء واطفال. وبقوا
في سرداب الجامعة مدة ثلاثة أيام والجيش لا يعلم بوجودهم في السرداب الى أن
اصرّ الامام الصدر على الخروج مهما كلّف الأمر... فعارضه جماعة من الموجودين
وبعد ذلك ارسلوا احد خدم الجامعة إلى الجيش المحتل للجامعة وعاد ليخبرهم
بالخروج فخرجوا.
ويحدّثني عدد من الحضور انهم عندما رأوا الامام الصدر ذهلوا منه وركّزوا عليه
وأراد أحد الضباط أن يكشف عن وجه احدى العلويات فقال له شهيدنا منتهراً:
سافل.
بعد ذلك اتجهوا بهم الى مديرية أمن النجف والتي كانت ما تزال بيد الثوار
فأتخذهم الجيش درعاً بشرياً وكانت الاطلاقات النارية تمر بقربهم فخافوا فقال
لهم الأمام الصدر: كونوا ورائي ولا تخافوا. بعد ذلك بقليل جاءت اليهم سيارة
بسرعة مذهلة وهي من نوع ًجيبً مكشوفة وفيها السائق ومعه جندي على مدفع رشاش
وعلى بعد مسافة منهم انقلبت السيارة وقتل من بها نتيجة الحادث، وعندما وصلوا
الى المديرية والتي كانت محتلة بالكامل من قبل الجيش أطلقوا النساء والاطفال
قبل وصو لهم وقيّدوا الأمام الصدر ومن معه وصدروا حكماً باعدامه، وبعد ان
وضعوا غطاءً على عيني كل واحد منهم وتهيئوا لرميهم بالرصاص تراجعوا! من دون
أن يعلم احد ما هو السبب في تراجعهم.
وبعد ذلك نقلوهم الى قرب ملعب النجف وهناك جاء ضابط كبير يتصفح الوجوه فوقف
عند الأمام الصدر وقال له:
نطالب بدمك يا صدر... ها؟
فأجابه(رض): ما ذنبي ان خلقني الله من آل الصدر.
فقال الضابط ساخراً من لهجة الأمام الصدر حيث تكلّم بالفصحى: ما ذنبي ان
خلقني الله من آل الصدر. بطريقة هازئة فأجابه شهيدنا:
ماتريدون؟ كلكم تريدون ان تكونوا صداماً. لعنة الله عليكم.
فجن جنون الضابط وسحب مسدسه ليطلق النار على شهيدنا فأرتمى السيد كلانتر على
شهيدنا واحتضنه كأن لسان حاله يقول اقتلوني معه. وبعد ذلك ارادوا اعدام
الأمام الصدر واوثقوه كما فعلوا في مديرية الامن ولكنهم تراجعوا كالمرّة
السابقة.
وفي هذا اليوم قبل هذين الحادثتين انهالوا عليهم ضرباً با لهراوات
البلاستيكية ما عدا السيد كلانتر(رحمه الله) وكان الأمام الصدر حينها
واقفاً.. فبينما الآخرون يتدحرجون على الارض من ألم الضرب نجد ان شهيدنا
اجتمع عليه حوالي خسمة من الجلاوزة وهم يضربونه بقسوة وهو(رض) واقف ثابت لا
يتحرّك ولا يتفوه بكلمة تأوه واحدة حتى أرتوت الكلاب من الضرب، وبعد ذلك
ارادوا نقلهم الى مكان آخر وعندما ركبوا عمد احدهم الى الأمام الصدر وضربه
على رأسه فأطار عمامته من على رأسه فدفعه شهيدنا في صدره وتمشى بثبات ووضع
عمامته على رأسه وذهل الحاضرون من قوة قلبه هذه القوة التي لم يكن أحد يعرفها
عنه ليس لانها غير موجودة بل لانها غير ظاهرة.
المهم انهم نقلوهم بسيارة نوع }مرسيدس{ ثمانية عشر راكباً وسيارات أخرى معهم
وبعد ان وصلوا الى بغداد واتجهوا بهم الى مجزرة الرضوانية المرعبة حيث شاهدوا
في ساحة هذا المعتقل مشهداً مرعباً حيث العشرات بل المئات يعذّبون على جذوع
الاشجار وعلى الارض والجثث تملأ المكان ثم اتجهوا بهم صوب أحد المعتقلات وبعد
ذلك جروهم الى التحقيق الواحد تلو الآخر، وكان المحقق معهم حسب الراوي المجرم
}صدام كامل{ وعندما وصلت النوبة الى الأمام الصدر تأخر في التحقيق حتى ظنّ
الآخرون انه قد قتل وبعد ذلك الوقت عاد فسأله بعضهم عن التحقيق فقال: ذلك
شأني.
ولكن بعد سنوات سئل عما قيل له في التحقيق فقال: قالوا لي كيف افتيت بالجهاد؟
فأجبت: أفتيت تحت تهديد السلاح. ثم علق قائلاً: نعم لقد افتيت بالجهاد تحت
تهديد سلاح البعث الكافر فهو مسلّط علينا.
وخلال فترة الاعتقال التي استمرت ثلاثة عشر يوماً حدثت بعض المفارقات ففي
احدى المرات ونتيجة لعدم وجود الماء الكافي تناقشوا حول التيمم فقال: اني
أخالف المشهور في كيفية التيمم. إذ انه(رض) يرى ان تتشابك اصابع اليدين
فعارضه عدد من الموجودين الذين هم من اتباع المسلك التقليدي ووصل الامر انهم
هددوا الأمام الصدر انهم اذا خرجوا فأنهم سوف يفعلون ويفعلون.
وفي احدى المرّات قام عدد منهم بعمل اوراد وهذه الاوراد وحسب رأيهم سوف تعجل
في اطلاق سراحهم وجعلوا لكل واحد ورداً فعرضوا الأمر على الأمام الصدر فقال:
علمه بحالي يغني عن سؤالي. فأمر اولاده بالنوم وجعل عمامته تحت رأسه الشريف
ونام.
وبعد مضي عشرة أيام على الاعتقال جاءوا الى المعتقل بعدد من الشخصيات
الحوزويّة كالسيستاني والخلخالي وآخرين وبقوا في الاعتقال ثلاثة أيام بينما
شهيدنا والباقون الذين اعتقلوا في الجامعة بقوا ثلاثة عشر يوماً كما ذكرت
آنفاً.
وبعد اكتمال هذه المدة أخرجوهم واعطوا لجماعة الجامعة كتاب اطلاق سراح وآخر
باستلام جامعة النجف، بينما أعطوا السيستاني ورفاقه كتاب اطلاق سراح واذن
بدخول مدينة النجف ونقلوهم سوية في سيارة نوع ًريمً وعندما وصلوا الى جسر
الكوفة أوقفتهم سيطرة للحرس الخاص، وكان في السيارة ضابط كبير في القصر أو
الحرس الخاص وعندما صعد الى السيارة ضابط السيطرة رأى كتاب الجامعة والكتب
الأخرى فقال: هؤلاء ويعني السيستاني ورفاقه يدخلون الى المدينة لوجود اذن
بالدخول اما هؤلاء يعني الأمام الصدر وكلانتر وباقي أفراد الجامعة فلا يدخلون
الى النجف لأنهم لا يملكون كتاباً بالدخول فحدثت مشادة كلامية بين الضابطين
عندها قام السيستاني وقال: أنا عليّ بجماعتي ولا شأن لي بالآخرين! فوقف
الجميع مذهولين حتى الضابطان عندها أذن ضابط السيطرة للجميع بالدخول، بعد ذلك
باتوا في أحد الاماكن في نفس السيارة وأطلقوهم مجموعة بعد أخرى.
بعد ذلك كان الأمام الصدر يواظب على الخروج مرتدياً كامل زيه الحوزوي وكان
الوحيد في النجف يمشي بعمامته في الشارع بينما كل معمم في النجف كان اما لا
يخرج من بيته واما يضع غطاءً على رأسه بدل العمامة اذا اراد الخروج ومن ذلك
الشيخ محمد اسحق الفياض والشيخ كاظمي من حاشية الخوئي وقد روى هذه الرواية
الأمام الصدر بنفسه(رض) يقول: انه في احدى المرات ذهبت لأتسوّق فشاهدني احدهم
فقال: إلى الآن لم نخلّص من العمائم.
وهكذا بقي الحال الى أن استقرت الاوضاع مرة أخرى
وخلاصة ما نستفيده من انتفاضة النجف وفق هذه الاحداث ان الحوزة لم تكن على
مستوى المسؤولية بل ان حب الحياة كان هو الغالب... وعندما رأت الحوزة ان
الجماهير التفت حول احد الد خصومها وهو شهيدنا اضطرت الى تشكيل لجنة وهذه
اللجنة لم تكن أهلاً لهذه المسؤولية بل معروف عن الكثير منهم انهم ليسوا من
اهل الجهاد أو التقوى بل ان حب الترأس هو الذي يدفعهم طمعاً في مستقبل زاهر
وملك دنيوي رخيص وكانت الانتفاضة هي الحدث الاهم الذي ابرز طاقات شهيدنا وقوة
قلبه وأهليته للقيادة ومع كل ذلك بقي الأمام الصدر عند الامة مجهولاً والسبب
هو الاعلام القذر والتعتيم على دوره وشخصيته فمن النادر عند باقي الجماهير
اذا ما استثنينا الذين عاصروا انتفاضة النجف ان نجد احداً يعلم بدور السيد
الشهيد في الانتفاضة والى يومنا هذا.
بينما هناك عدد من تجار العمامة صعد نجمهم وصاروا هم القادة والعظماء وهكذا
هو الحال منذ قرون فمن ذا يعرف دور الخالصي في ثورة العشرين وما بعدها ومن ذا
يعرف دور السيد مهدي الحيدري أو دور الشيخ محمد الخالصي نجل الشيخ مهدي
الخالصي في العراق وايران ما قبل الثورة فالشيخ الخالصي هو الذي قاد الجماهير
ودخلوا الى المبنى الحكومي حيث كان الشاه موجوداً وداسوه بالأحذيه، ولكن من
يعلم ذلك؟؟؟
ولكن ارادة السماء فوق الكل يريدون أن يطفئوا نور الله بافواههم ويأبى الله
إلاّ أن يتم نوره ولو كره الكافرون
|