كتب المولى المقدس :: صحيفة أنصار الإمام المهدي ع

            مقدمة العبادات

فقه العبادات

الفقرة (1)

للنية عدة معان يمكن أن تراد منها :
1- النية اللفظية : وهو ما ينطقه الإنسان عند إرادة الدخول في الصلاة أو بعض أفعال الحج  .

2- الإخطار الذهني : بمعنى تذكّر واستحضار مضمون النيّة اللفظيّة ، بدون نطقها.

3- القصد : هو أنك تعرف ماذا تفعل ، بحيث لو سئلت عنه أمكنك الجواب ، وهذا المعنى شامل لكل الفعال الإختيارية القصدية أو المتعمدة .

وبهذا المعنى قد يفسّر ما ورد من أن الأعمال بالنيات . أي بالقصود ، وكل عمل لا قصد فيه ، فهو خال من النية .

4- الهدف أو الإستهداف ، وهو ما يقصده الفرد في عمله كنتيجة نهائية ، فإن كان الهدف صالحاً قيل: إنّ نيته صالحة ، و إن كان الهدف سيئاً قيل إنّ نيته سيئة .

وبهذا المعنى ورد لكل امرىء ما نوى  أي ما يستهدف . فإن استهدف خيراً رأى خيراً وإن استهدف شراً رأى شراً، وعاد الوبال عليه .

5- الباطن أو المحتوى الداخلي للإنسان أو قل : النفس أو القلب، فمن كانت نفسه صافية وقلبه طاهراً فنيته حسنة، ومن كانت نفسه خبيثة و قلبه غليظاً فنيته سيئة .

وبهذا المعنى ورد : إنّ نية المؤمن خير من عمله ونية الفاسق شرّ من

 عمله . لأنّ العمل إنما يمثل المحتوى الداخلي للفرد . وهذا المحتوى أهم من العمل بطبيعة الحال .
 

صفحة (19)

   

  الفقرة (2)

صفاء النية وحسنها يمكن أن يفسر بعدة تفسيرات ، غير متنافية ، بمعنى انها يمكن أن تصدّق جميعاً :

1- أن يكون العمل خالياً من قصد الإضرار بالآخرين : وبالنتيجة من ظلم الآخرين ، لأن الإضرار بمن لا يستحق ظلماً واضح  .

2- أن يكون العمل خالياً من الإضرار بالنفس ، بحسب الواقع سواء عرف الفاعل ذلك أم غفل عنه.

فإن عدداً من أعمالنا يبدأ ضررها بنا قبل أن يصل إلى الآخرين ، ونحن قد لا نكون ملتفتين . فنكون ممن ( يحسبون أنهم يحسنون صنعاً ) ونكون كما قال جلّ جلاله : ( و ما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ) لأنّ النفس تحتاج إلى التربية و العناية ، فكل عمل موافق لذلك فهو ظلم للنفس .

3- أن يكون العمل خالياً من الهدف السيء ولو في المدى البعيد ،علم به الفرد أو لم يعلم . ولكنه إن كان عالماً ملتفتاً كان ظلمه أكبر . ومن هنا قال الشاعر :


إذا كنت لا تدري فتلك مصيبة             و إن كنت تدري فالمصيبة أعظم


فالخلو من مثل هذا الإستهداف ، شكل من أشكال خلوّ النيّة وحسنها ، بلا شك .

4- أن يكون العمل ناتجاً من قلب طاهر ونفس صافية ، ليكون ذا نية حسنة. وإلا لم يكن متصفاً بهذه الصفة ومن هنا نجد أنّ ذوي النفوس الشريرة ، تكون كل أعمالهم غير نقية ، وكل نيّاتهم غير حسنة . لأنها ناتجة من نفوسهم تلك .فهي تمثلها وتعكس شرّها بشكل أو آخر .


صفحة (
20)
 

5- أن يكون العمل خالياً وخالصاً من الطمع المتزايد بالدنيا ، وحاوياً على درجة من درجات القناعة .

فإن كان مستهدفاً للطمع المتزايد ، بالمال أو الجاه أو السمعة أو السيطرة ، بدون مصلحة عامة في ذلك ، كان عمله غير متصف بخلوص النيّة .

6- أن يكون العمل خالياً وخالصاً من الطمع بالدنيا عموماً ، وليس فقط بالشيء المتزايد منها ، كما في الوجه السابق .

وبذلك ينبغي الإقتصار على ضروريات الحياة و القناعة بها عن الباقي ، لتكون النيّة خالصة . و كل عمل زاد على ذلك ، فهو عن نيّة سيئة.

وهذه القناعة لا يمكن أن تحصل عبثاً ، وإنما تحصل لأجل الحصول على الجانب الآخر من الحياة ، بمعناها الأوسع، والأكبر ، وهو الجانب الأخروي .

7- ان يقصد الفرد بعمله تحصيل غفران الله سبحانه وتعالى لذنوبه و ستره لعيوبه .

8- أن يقصد الفرد بعمله تحصيل رضوان الله سبحانه وليس الغفران فقط ، كما في الوجه السابق . لوضوح أن درجة الرضوان أعلى من درجة الغفران .

وسيأتي عن قريب بعونه سبحانه ، معاني التقرب إلى الله سبحانه فيكون كل عمل قصد به أي معنى من معاني التقرب ، ذا نيّة خالصة ، وبخلافه يكون ذا نيّة مشوبة أو سيئة.
 

صفحة (21)

الفقرة (3)

الأعمال الحسنة والنافعة للنفس وللآخرين عموماً ، هي من العبادات المرضية لله سبحانه و تعالى ولكن إذا قصد منها ذلك أعني رضاء الله سبحانه و تعالى . فستكون أفضل . وأما بعض العمال ، فهي لا تصح إلا بقصد القربة ، وبدونها تكون باطلة . وهي ما تسمى فقهياً بالمعنى الأخص .

 

 الفقرة (4)

من الأدلة على أنّ الأعمال الحسنة كلّها عبادة مرضية للّه عزّ وجل ّ وإن لم يقصد بها القربة بإلتفات تفصيلي ، ما جاء بالقرآن من أن الله سنحانه و تعالى : يحبّ المتطهرين ويحب المتقين و يحب المحسنين و المقسطين وغير ذلك، ولم يقيّد أن يكون التطهير أوالقسط اوالإحسان بقصد قربي اوإلهي ملتفت إليه بوضوح كان العمل أفضل بلا إشكال .

 

 الفقرة (5)

قصد القربة التي اشترطها  الإسلام  في العبادات ، لا بدّ أن نستبعد منه قصد التقرّب المكاني أو الزماني أوالرتبي ، وكل أمر ثبت بالدليل القطعي بأنّ الله سبحانه يجلّ عن الإتصاف به . إذن فالقربة بهذه المعاني غير مقصودة لا محالة . وكل من قصدها فقصده باطل ، ومن ثم تكون عباداته باطلة لا محالة .

وإنما يبدأ قصد القربة بمعناه الصحيح ، من الجانب المعنوي لا محالة ، و يمكن انطباقه على عدة أمور ،ذكر أكثرها الفقهاء المتأخرون :

1- قصد الثواب الأخروي ، وهو أي درجة من درجات الجنة .

2- خوف العقاب الأخروي ، وهو أي درك من دركات جهنم .

3- قصد الشكر على نعم الله التي لا تحصى .

4- قصد التقرب المعنوي إليه سبحانه ، بالتكامل إلى المقامات العليا .

5- قصد امتثال أمره التشريعي في الكتاب والسنّة .

6- قصد تطبيق العبودية له سبحانه .

7- قصد الحصول على رضائه أو رضوانه جلّ جلاله .

   إلى غير ذلك من القصود الصالحة.
 

 صفحة (22)

 

 وهناك عدة أمور يمكن أن تكون تفسيراً لقصد القربة ولكن بشكل  صحة العبادة بها . بل لا إشكال من فساد العبادة إن قصد بعضها، بالرغم من أن بعضها أو الكثير منها ، هي مقاصد صحيحة بأنفسها ، ولكن لا ينبغي أن تكون دخيلة في العبادات بالمعنى الأخص  . فمن ذلك ما يلي :
1- قصد المصلحة الإجتماعية العامة ، كما فسّره به بعض أساتذتنا ، ولعلنا نوضح ذلك بعد هذا بعونه سبحانه .

2- قصد غفران الذنوب وستر العيوب .

3- قصد الحصول على الثواب الدنيوي كسعة الرزق وإطالة العمر .

4- قصد الحصول على الثواب المعنوي في الدنيا ، كصفاء النية ونور الوجه ، وحسن ظنّ الآخرين بالفرد .

5- قصد دفع واجتناب البلاء الدنيوي الذي ينزل أو يحصل عادة ، كعقاب مؤقت على الذنوب .

6- قصد دفع واجتناب البلاء المعنوي في الدنيا ، كسوء السريرة وظلام القلب أوالوجه أو سوء ظنّ الاخرين به .

7-  قصد الشكر على نعمة معينة، فإنها تكون عندئذ ( صلاة شكر ) لا (صلاة ظهر ).
8- قصد الشكر على نعمة معينة ، كشفاء مرض أو عودة مسافر أو غيرها .

9- قصد الحصول على أثر دنيوي معين ، كالرياضة في الصلاة والتنزه في الحج وتنظيم الجهاز الهضمي في الصوم.

إلى غير ذلك من المقاصد . وأغلبها بل كلّها مناف مع قصد القربة الصحيح للعبادات بالمعنى الأخص .
 

صفحة (23)

 
 
الفقرة (6)

دلّت الاية الكريمة الآتية و غيرها ، على أنّ من قصد بعبادته هدفاً معيناً ، حصل عليه، ولم يكن مستحقاً لما فوقه. فلو قصد من عبادته سعة الرزق ، اتسع رزقه ، ولم يكن له ثواب في الآخرة . ومن قصد من تأليف كتابه السمعة، حصل عليها ولم يكن له الثواب الأخروي ، وهكذا . لأنه يقال له في يوم القيامة : إنكم ( أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها ) .

ومن هنا ، فقد يكون من الأرجح للفرد المؤمن أن يدع مقدار ثوابه على عمله الصالح ،موكولاً إلى رحمة الله سبحانه وتعالى التي وسعت كلّ شيء والتي لا نهاية لكرمه سبحانه ولا مانع لعطائه.

 

 الفقرة (7)
هناك الكثير من الأدعية والأحراز ، وردت للحصول على نتائج دنيوية ،كشفاء مريض أو إطلاق أسير أو سعة الرزق أو طول عمر . فهل تكون هذه الأمور من العبادات بصفتها ذكراًلله و استجارة به ، أو لا تكون ، باعتبار كون الهدف منها دنيوياً خالصاً ؟

يمكن أن يقال في الجواب عدة أمور :

الأمر الأول : أننا نسلّم ، طبقاً لما عرفناه في الفقرة السابقة ، وفهمناه من الآية الكريمة ، من تحديد العطاء بمقدار القصد ، فإن كان القصد دنيوياً لم يعط الفرد من العطاء الأخروي شيئاً ، و المفروض أن القصد هنا دنيوي ، فإن كان الدعاء مستجاباً حصل المطلوب ، ولم يستحق الفرد شيئاً في الآخرة .
 

صفحة (24)

الأمر الثاني : إنّ النتائج الجيّدة من الأدعية و الأذكار غير منحصرة بواحد ؛ بل قد تتعدد جوانبها ، وتكون كلها ذات فوائد للفرد .

فإن كان الثواب الأخروي قد فات ، بحصول النتيجة الدنيوية ، فليس معناه  انحصار الفائدة بتلك النتيجة ، وإنما يمكن للأدعية والأحراز أن تكون لها نتائج أخرى من حيث كونها ذكراً لله سبحانه وتوكلاً عليه وتوسلا ًبه , تنتج فوائد نفسية و تربوية عديدة .

الأمر الثالث : إنه يمكن القول بأنّ الأدعية والأحراز إنما وجدت لأجل التغيير النفسي ، مقدمة لحصول الحاجة . وذلك لأنّ الأسباب الطبيعية، مهما كانت مهمة ، فإنّ التفاعل الحقيقي هو سبب الأسباب جلّ جلاله . ولا يكون أي شيء إلا بمشيئته و إرادته . ولا تقضى الحاجات إلا بذلك . و هذا ما تريد الأحراز والأذكار الإيحاء به و التأكيد عليه ، حتى يحصل من الفرد التغيير النفسي ، أعني الإنقطاع بالطمع والحاجة إلى الله عزّ وجلّ والإنصراف عن الأسباب ، وإذا حصل الإنقطاع حصلت الإستجابة كما هو الموعود به والمجرب من قبل الداعين و المتوسلين .
                    

    الفقرة (8)

كماأنّ لظاهر الإنسان عبادته و معاصيه أمام الله سبحانه و تعالى ، فكذلك المحتوى الداخلي للفرد له طاعاته ومعاصيه ، بل هي أهم من الطاعات والمعاصي الظاهرية ، كما سنعرف .

فالطاعات الظاهرية هي إطاعة الأوامر والمرجحات الشرعية الظاهرية كالصلاة والصوم و الصدقة . وغيرها كثير .

والمعاصي الظاهرية هي عصيان تلك الأوامر والنواهي ، كشرب الخمر والكذب والغيبة و الزنى .

والطاعات الداخلية أو الباطنية  ، هي ما يخصّ العمل النفسي أو القلبي للإنسان ، وليس له أثر مباشر على الجسد ، كالإخلاص والصبر والتوكل والتوحيد وغيرها .
 

صفحة (25)

 

والمعاصي الداخلية ما يقابل ذلك كالحسد والجشع والرغبة في الحرام وغير ذلك .

وإذا عرفنا أنّ في العبادات الظاهرية ، تنتج من الفرد كفرد ذي نفس وقلب وعقل ،أي انها ناتجة من المحتوى الداخلي للإنسان .فقد أصبح المحتوى الداخلي سبباً والعمل الظاهري مسبباً .


ولا محالة فإنّ العمل الظاهري يتحدد ويتأقلم بإقليم المحتوى الداخلي للفرد، كالحرارة تزيد عند زيادة النار وتضعف عند قلّتها . فكذلك الصلاة مثلاً ،قد تصدر بإخلاص كبير وقد تصدر بإخلاص قليل ، كما قد تصدر بخشوع كثير وقد توجد بخشوع قليل. وهكذا.

إذن ، فالجزء الأهم و الأوكد من العمل سواء على مستوى الطاعات أو على مستوى المعاصي ، إنما هو العمل في المحتوى الداخلي للإنسان. والعمل الظاهري ، مهما رأيناه لطيفاً ومحترماً ، فإنما يتحدد بالباطن .

ومن هنا ورد : أنّ الله سبحانه لا ينظر إلى صوركم بل ينظر إلى قلوبكم . وورد قوله تعالى :"ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو الدّ الخصام " . إلى غير ذلك من النصوص .

 

   الفقرة (9)

من جملة الطاعات القلبية الداخلية : التوحيد ، بل هو أعظم الطاعات على الإطلاق . ويقابله الشرك وهو أعظم المعاصي على الإطلاق . ومن هنا ورد في بعض الدعية : ربّ إني اطعتك في أحبّ الأشياء إليك وهو التوحيد ، ولم أعصك في أبغض الأشياء إليك وهو الشرك .
 

صفحة (26)

وللتوحيد مراتب عديدة ،يتلقى  الإنسان منها بمقدار ما يستحق أو يتحمل ، ويقابله الشرك .

وأهم تقسيم جامع لدرجات التوحيد ، هو تقسيمها الرباعي المشهور:

1-التوحيد الساذج : وهو الذي يؤمن به عموم الناس ، وهو نفي الشريك المماثل لذاته سبحانه في الذات والصفات، فإنه لا يشبهه شيء .

 ومن هنا يكون الخلق والرزق والقدرة وغيرها منحصرة به ، ومعه تكون أهلية العبادة منحصرة به . فلا تجوز العبادة لغيره كائناً من كان .

 

2- التوحيد  في الأفعال ، ومؤداه أنه لا فاعل حقيقياً إلا الله سبحانه . وله التأثير الحقيقي في خلقه دون أي شيء آخر . والاسباب كلها ترجع إليه .

سواء كان ذلك على المستوى الطبيعي ، أوعلى المستوى الإختياري ، فهو الذي يوجد النار و يوجد حرارتها . وهو الذي يوجد الماء و يوجد برودته و هو الذي  يزجي سحابة ثم يوجد البرق أو المطر ، و هكذا .

وكذلك على المستوى الإختياري ، أعني ما يفعله أفراد الناس من خير و شرّ تجاه الآخرين .

فيما وصلك من أي من الخلق ، من أي أنحاء التأثير ، فإنما بقضاء الله و قدره. ولم يكن ذاك قادراً على التأثير لولا قدرة الله سبحانه .

3- التوحيد في الصفات ، ومؤداه أنّ كلّ صفات المخلوقين إنما هي ظلال صفاته و ناشئة منها و مسببة عنها . فعطاء أي شخص إنما هو عطاء الله سبحانه ، ورحمته من رحمته وكرمه من كرمه وغضبه من غضبه وانتقامه من انتقامه ومكره من مكره إلى غير ذلك كثير .

وفوقه عن السابق : أنّ النظر هناك كان إلى الأعمال الناجزة ، وهنا إلى الصفات الباطنة . فصفة الرحمة والكرم أو الغضب والإنتقام إنما هي ظلال من صفات الرّب العظيم جلّ جلاله .

4- التوحيد في الذات . ومؤداه أن الوجود كلّه راجع إلى فيض وجود الله سبحانه ومن أنواره ومن ظلاله ومن آثار رحمته . فالله سبحانه " بديع السماوات و الأرض " و"هو الله في السماوات و الأرض " إلى غير ذلك من الآيات الكريمات .


صفحة (
27)

 الفقرة (10)

فهذه من مراتب التوحيد الربع الرئيسية ،و يقابلها ( الشرك) في كل مرتبة منها . وهو يعني اعتقاد أو توهم الإستقلال عن الله سبحانه و تعالى أعاذنا الله من كل سوء و ضلال .

فالشرك في الذات ، هو الإعتقاد بوجود شيء مستقل بوجوده و ذاته عن الله سبحانه . أو أنّ كلّ الوجود هو كذلك،  بمعنى وآخر .

والشرك في الصفات هو الإعتقاد بوجود صفة مستقلة عن صفاته . كما أنّ الشرك في الأفعال هو الإعتقاد بتأثير مستقل عن تسبيبه .

وهذه الأنواع من الشرك تسمى الشرك الخفي ، لأنه غالباً ، لا يكون ملتفتاً إليه ولا معتمداً من قبل الأفراد العاديين.

ويقابل النوع الأول من التوحيد :الشرك الجلي وهو على أنواع :

أولا :  التعطيل ، وهو الإعتقاد  بعدم وجود أي خالق لهذا الكون الموجود .

ثانياً: الإعتقاد بوجود خالق غير الله سبحانه و تعالى .

ثالثاً : الإعتقاد بوجود إلهين .

رابعاً : الإعتقاد بوجود عدد من الآلهة .

خامساً : الإعتقاد بتعدد الذات الإلهية أو الصفات ، بما في ذلك الإيمان بالأب و البن و الروح القدس ، التي تعود في نظرهم إلى تقسيم الذات الإلهية ، ومن ذلك القول بقدم الصفات الثمانية بإزاء قدم الذات  منذ الأزل .

سادساً : الشرك في العبادة ، ومؤداه : الإعتقاد بوجود معبود غير الله سبحانه يستحق العبادة . و قد كان البشر من يعبد بعض الأجرام السماوية  أو بعض الحيوانات .

صفحة (28)


سابعاً : شرك الطاعة ، وهو الإعتقاد بلزوم طاعة مستقلة عن طاعة الله عزّ و جلّ ، أو بتعبير آخر : طاعة غير الله و غير من أمر الله سبحانه  بطاعته .
ومن ذلك عبادة الطواغيت و الظالمين و الشياطين . بمعنى طاعتهم في عصيان الله عزّ وجلّ ، أو قل ، تفضيل طاعتهم على طاعة الله سبحانه .

ومن هنا ورد عن الشياطين في القرآن الكريم :  " و إن أطعتموهم إنكم لمشركون " .

وكذلك قوله تعالى : " اتخذوا أحبارهم و رهبانهم أرباباً من دون الله " . حيث ورد في تفسيرها أنهم أطاعوهم  في عصيانه سبحانه.

وكذلك عبادة الشيطان أي طاعته قال الله سبحانه : " ألم اعهد إليكم يا بني آدم ألا تعبدوا الشيطان" .

وعبادة الطواغيت قال سبحانه : " وما تعبدون من دون الله إلا أسماء سميتموها أنتم وآبائكم ما أنزل الله بها من سلطان " .

وكذلك عبادة الهوى و الشهوة أي السير على طبق متطلباتها .

قال الله سبحانه : "  أفرأيت من اتخذ الهه هواه و اضلّه الله على علم  "  و قال " و اتبع هواه  " .

وهذا النوع و إن اعتبرناه من ( الشرك الجلي ) . إلا أنه يمكن القول : بأنّ الدائم و الملتزم منه وما يصدر عن قناعة و اعتقاد ، هو فعلاً من أقسام الشرك الجلي ، و أما مع الإلتزام اعتقاداً بطاعة الله ، ولكن قد ينزلق الفرد لطاعة غيره ، فهذا من أقسام الشرك الخفي بطبيعة الحال .

 

   الفقرة (11)

قد يقع السؤال حول قوله تعالى : " إنّ الله لا يغفر أن يشرك به " . من حيث انّ اليقين قائم بأن التوبة مقبولة والدخول إلى سبيل الحق صحيح .

 

صفحة (29)

 

يكفينا من ذلك مضافاً إلى أدّلة التوبة المبثوثة في الكتاب والسنّة وهي كثيرة ، يكفينا بعد ذلك  سيرة النبيّ ( صلى الله عليه و سلم ) في قبول إسلام المشركين من قريش . فإنّ منهم من أسلم وحسن إسلامه ، وقد ورد : إنّ الإسلام يجب ما قبله .

إذن ، فدخول هؤلاء في الإسلام مقبول بلا إشكال .وهذا يدل على غفران ذنوبهم السابقة التي كانت في زمن الشرك. فكيف ورد في الآية الكريمة : " إنّ الله لا يغفر أن يشرك به " .

ويمكن الجواب عن ذلك بوجوه ، نذكر منها ما يلي :

الوجه الأول : إنّ هذا خاص بصورة الموت على الشرك ،فمن مات مشركاً حشر على مات عليه ولم يغفر له الله سبحانه شركه .

الوجه الثاني : أن نفهم من الغفران في قوله : لا يغفر ... درجة عالية من المغفرة مساوقة للرضوان ونحوه ، فيكون المعنى : إنّ الله يغفر للمشرك مع التوبة ، بدرجة قليلة من المغفرة 

و لكنه لا يغفر له بدرجة عالية تبلّغه إلى درجة الرضوان .

وهذا يشبه ما فهمه مشهور الإمامية من قوله تعالى :" لا ينال عهدي الظالمين " من أنّ من كان ظالماً ولو زماناً قليلاً في حياته ، فإنه لا ينال عهد الله سبحانه ، ولو مع حصول التوبة . لأنّ الظلم خلال الحياة يجعل القلب والنفس بحالة متدنية بحيث لا تستحق نجاز الوعد من الله سبحانه .

فكذلك القول في الشرك ،فإن من أشرك بالله ولو قليلاً من الزمن ، فإنه يجعل قلبه و نفسه في درجة متدنية بحيث لا يستحق درجة الرضوان .

الوجه الثالث : ان نفهم من الاية الكريمة معنى حثيثاً أو نسبياً .فيكون المعنى: إنّ الله لا يغفر ان يشرك به ، ما دام الفرد مشركاً ، أوما دام غير تائب .

وهناك بعض الوجوه و التدقيقات في الآية الكريمة وسياقها ، لا حاجة  إلى الدخول في تفاصيلها .


صفحة (30)

 الفقرة (12)

 

ما يقوله علماء الأخلاق من أن الفضيلة وسط بين رذيلتين . فالكرم وسط بين البخل و التبذير ، و الشجاعة وسط بين الجبن والتهور.... وإن كان له وجه لطيف في الذوق على مستوى علم الأخلاق . إلا أنه مع ذلك قابل للمناقشة من عدة وجوه :

الوجه الأول : إنّ هذا التقسيم مبني على أن الفضيلة إن قلت عن حدّها و اعتدالها ، أصبحت رذيلة ، وكذلك إن زادت زيادة مفرطة . فالبخل قلة في العطاء والتبذير زيادة فيه و كلاهما غير محمود . وإنما الجيد الوسط وهو الكرم .

إلا أننا لو استقرأنا الصفات الحسنة لم نجدها كذلك . بل بعضها لا تحل به الزيادة كالإيمان و الصبر واليقين و الشكر والعافية وكثير غيرها ، لا يزيد تضاعفها إلاّحسناً ، ولا تتصف بالنقص بأي حال .

كما أنّ بعض الصفات  لا يضرها النقص .  كلّ ما في الأمر أنه اقل حسناً ، لا أنه ينقلب إلى رذيلة و سيئة . كالصدقة فإنّ قليلها و كثيرها محمود ، وكذلك  الرحمة و الموعظة و الإتقان و غير ذلك كثير .


الوجه الثاني : إنّ السلسلة الثلاثيّة في الصفات التي ذكروها ، كالجبن و الشجاعة و التهور وكذلك البخل والكرم والتبذير و غيرها ، قد لا تكون هذه الثلاثة منظورة من زاوية واحدة . ومن هنا لا تكون داخلة في معنى مشترك يكون قليله و كثيره مبغوضاً ووسطه محموداً .

فالجبن وإن كان هو عدم الشجاعة ، إلا أنّ التهور ليس هو الزيادة فيها ، كما أنّ البخل وإن كان هو عدم الكرم ، الا أن التبذير ليس هو الزيادة فيه .

فإن الجبن و الشجاعة يشتركان في مواجهة الأعداء من البشر ، و لكن التهور غير مرتبط بذلك بل هو إلقاء النفس في أية صعوبة شديدة ، سواء كانت طبيعية كالنار أوحيوانية كالمسبعة أو بشرية كالأعداء.
 

صفحة (31)

 

كما أنّ البخل والكرم يشتركان في مواجهة الآخرين بالعطاء . إلا أنّ التبذير لا يرتبط بالآخرين أصلاً ، بل هو زيادة الصرف  المالي على النفس و هكذا.

الوجه الثالث : إننا نتصور لكل من هذه الأمور زيادة و نقيصة ، ومع ذلك لا يؤول زيادة أحدهما أو نقصه إلى المفهوم الآخر .

فنحن نتصور زيادة الجبن و قلّته وزيادة الشجاعة و قلّتها وزيادة التهور وقلّته . إلا أنه من الواضح : أنّ قلّة الجبن ليس شجاعة ،  كما أن قلة التهور ليس شجاعة ، كما أنّ زيادة الشجاعة ليست تهوراً . وقس على ذلك. ولو كان الأمر ، كما قال الأخلاقيون ، يلزم من ترتيبهم ذاك ما قلناه ، وليس كذلك .

الوجه الرابع : وهو الذي ينبغي أن يكون حاسماً في هذا الصدد ، و حاصله : أنّ العقل يقيس التصرف الإنساني إلى أهدافه من حيث كونها حقاً أو باطلاً . فإن كان حقاً ، أعطاها صفة حسنة و إن كان باطلاً أعطاها صفة سيئة .

فمثلاً : يرى العقل السلبية و قلة المبالاة تجاه هدف معيّن ، فإن كان ذاك الهدف حقاً أسماه جبناً ، وإن كان باطلاً أسماه حذراً واحتراساً.
و كذلك الحال في جانب العطاء ، فقد يرى العقل عدم العطاء أو قلّته ، فإن كان هدفه باطلاً أسماه بخلاً و إن كان حقاً أسماه صوناً ورشداً . كما قد يرى الغقل كثرة العطاء المتزايد ، فإن كان الباطل أسماه تبذيراً و خرقاً ، وإن كان بالحق أسماه كرماً و إسباغاً ، إلى غير ذلك .

صفحة (32)
 

ومن هنا نرى الصفة تتحدد بمقدار قيمة الهدف . فإن اختلف اثنان في تقييمه ، أمكن أن يكون للفعل الواحد في نظرهما اسمان مختلفان ناشئان من قيمتين مختلفتين . فهذا في نظره شجاعة و ذاك في نظره تهور . وهذا في نظره كرم ، وذاك في نظره تبذير ، إلى آخره .

والميزان في تقييم الأهداف لدينا كمتدينين إنما هو في  المسار الديني أو الإتجاه الإسلامي . فما حسّنه الدين فهو الحسن و ما قبحه فهو الرديء .

فمثلاً ، يمكن أن نعرف بالبرهان الديني ، على أن عمل الإمام الحسن (عليه السلام ) في صلحه مع معاوية ليس (جبناً) وعمل الإمام الحسين (عليه السلام) في حربه مع يزيد ليس (  تهوراً )، مع أنه يمكن أن يكون بفهم دنيوي وغير ديني ، متصفاً بتلك الصفات ، أعاننا الله من الزلل و الخطل .

  الفقرة (13)

من أهم العيوب التي ذكرها الفقهاء للعبادة : الرياء ، وهو موجب لبطلانها في أكثر صوره ، كما سيأتي ، ويقابله الإخلاص .

والفرق بينهما حسب فهمي ، هو في إعطاء الأهمية أو الإهتمام بأحد أمرين لا ثالث لهما : إما الله وإما غيره ، من حيث استهداف الإطلاع و الرضا وزوال العائبة و النقمة . فإن كان ذلك كله خاصاً بالله في نظر الفرد فهو الإخلاص ، وإن كان مشتركاً بينه وبين غيره فهو الرياء , فضلاً عما إذا كان خاصاً بغيره .

ومن هنا نفهم أن الإهتمام بالله فقط ، من حيث اطلاعه على العمل و رضاه عنه و اندفاع نقمته و غضبه ، مع اسقاط غيره عن الأهمية ،  هو الإخلاص .

وإن كان الإهتمام بالاطلاع والرضا واندفاع النقمة خاصاً بالآخرين، مع إسقاط الله عن الأهمية في نظر الفرد ، والعياذ بالله ، فهذا هو أعظم درجات الرياء . وبه يكون العمل لغير الله تماماً .

صفحة (33)

وقد يكون الإهتمام موزعاً بين الله و خلقه .إذ يود الفرد أن يراه الله والناس متعبداً أو محسناً أو عالماً ، وغير ذلك. فهذا أيضاً من الرياء .

وبهذا ورد أن الرياء من الشرك ، لأنه يحتوي على الإشتراك في اهتمام الفرد بين الله و خلقه . مع أنه يجب عليه أن يبدله بالإخلاص والتمحّض بالإهتمام بالهدف الإلهي الخالص .

وقد ورد في هذا الصدد عن الله سبحانه ما مؤداه : إني أفضل الشريكين ، فمن عمل لي ولغيري ، أوكلته لغيري . وهذا معناه أنه لا يمكن أن ينال القبول إلا العمل المخلص تماماً . فإن كان فيه شائبة الغير كان بمنزلة من عمل العمل كلّه للغير .

كما ورد في هذا الصدد : خذ جزاءك ممن عملت له . فإن كان الفرد عمل لله مخلصاً ، فجزاؤه على الله سبحانه ، وإن كان عمل لغيره فجزاؤه على ذلك الغير . وبالطبع فإنه سوف لن ينال منه شيئاً .

وكذلك لو عمل بالإهتمام المشترك بين الله و خلقه ، فإنه يكون جزاؤه على الطرف الآخر ، و لو كان معطياً شيئاً . وذلك : أولاً : لما سمعناه من أنه (من عمل لغيري أوكلته إليه ) وثانياً : لما عرفناه فيما سبق : من أن من عمل عبادة أوحسنة لهدف دنيوي أعطي ذلك الهدف ، ولم يكن مستحقاً في الآخرة لأي ثواب .

ولايفوتنا هنا أن نلتفت إلى أن أغلب أشكال الرياء بالمعنى الذي عرفناه هو من الشرك الخفي ، لا الجلي ، لأنه ليس من الشرك في العبادة ، وإنما هومن الشرك في الطاعة ، وقد عرفنا فيما سبق أنه من الشرك الخفي ، ما لم يكن مستمراً وحاصلاً عن قناعة والتزام . فلا يبعد عندئذ أن يكون من الشرك الجلي لا محالة .
 

صفحة (34)

 

 الفقرة (14)

نأتي الآن إلى مراتب الرياء ، لنرى أياً منها يكون سبباً لبطلان العبادة وأياً منها لا يكون .وما أثره في العبادة بالمعنى الأخص وما أثره في العبادة بالمعنى الأعم.

وانقسامه يمكن أن يكون من ناحيتين :

الناحية الأولى : من حيث الداعي النفسي . من حيث أن يكون كثيراً تجاه الله سبحانه تارة أو كثيراً تجاه غيره أخرى .وهذا هو الذي درج عليه الفقهاء في التقسيم الآتي الذي سنسمعه .

الناحية الثانية : من حيث الداعي الخارجي ، أعني خارج الذات .

فإنه تارة يكون هو الله سبحانه وتارة أخرى غيره ،وهذا الغير قد يكون هو الأسباب الطبيعية ، وقد يكون هو النفس، وقد يكون هو الناس أو المجتمع وقد يكون هو المخلوقات الأخرى كالملائكة والجن .

والفقهاء في هذه الناحية خصّوا الرياء بما كان طرفه الناسن ولم يسمّوا الأقسام الأخرى رياء. غير أنّ الكلام فقهياً على غرار واحد فيهما ، وليس الكلام في اصطلاح الرياء بالتعيين .

أما التقسيم من الناحية الأولى : فقد يكون الداعي النفسي تاماً لغير الله كله ، وقد يكون الداعي على الأرجح وقد يكون هو الداعي المساوي وقد يكون هو الداعي المرجوح . وقد يكون دون ذلك .

فهذه خمسة أقسام  في الناحية الأولى وقد رأينا أن الأقسام في الناحية الثانية أربعة ، فتكون الأقسام جملة عشرين.

و لا حاجة لاستيعابها هنا إلا أننا نذكر لها أهم الأمثلة إيضاحاً للقارىء .

فإشتراك الأسباب الطبيعية في العبادة ،كالحصول على الإرتياح النفسي أوالتبريد لدى الحرّأو التدفئة لدى البرد، أوالحصول على سعة المال أوطول العمركنتيجة لهذه العبادة وغير ذلك . وهذه الدواعي قد تكون هي الأكثر أهمية خلال العمل وقد تكون هي الأقل ، كما عرفنا من التقسيم في الناحية الثانية .

صفحة (35)
 

واشتراك النفس في العبادة ، يعني استهداف نموّ أوزيادة بعض صفاتها ، كالعلم والشجاعة و الصفاء أو القدرة على الخوارق أوحتى طول العمر أو قوة البصر أو قوّة  الذاكرة ونحو ذلك .

وهذه الصفات إما أن تكون اخروية ، كصفاء القلب والتكامل المعنوي وزيادة الخشوع والتواضع و غيرها . وإما ان تكون دنيوية كعدد من الأمثلة السابقة.

فإن كانت أخروية فلا إشكال في صحتها وعدم إبطالها للعبادة ، و إنما يبدأ ( الشرك الخفي) من حيث استهداف أمور دنيوية في ذلك .فقد يكون داعيها هو الأهم وقد يكون هو المساوي وقد يكون هو الأضعف كما عرفناه في التقسيم السابق .

وأما اشتراك الناس فس العبادة ، فهذا لا يختلف فيه بين الفرد والجماعة والمجتمع . كما لا يختلف فيه بين القصود اليئة كالخداع والصالحة كالتعليم . فإنها جميعاً مخلّة بالعبادة ، فيما إذا كانت هي الداعي الأهم أوالمساوي  كما سنعرف .

وأما اشتراك المخلوقات الأخرى  في العبادة ،ممن قد يعتقد الفرد بأنهم يرون ويسمعون ، فيؤدي العبادة من أجل تحصيل رضاهم و الزلفى لديهم . كالملائكة والجن ، واحداً كانوا أو متعددين ، فهو أيضاً يضر بالعبادة و يبطلها على تقدير كون الداعي لها هو الأهم أو المساوي .

ومن ناحية قوة الداعي في صحة العبادة و إبطاله، فقد قال مشهور الفقهاء : إن المهم في صحة العبادة هو صدورها و انجازها بالداعي الإلهي أو الطاعة الصحيحة ، بحيث كان هو السبب لها وجوداً أوعدماً سواء انضمّ إليها شيء آخر أم لا .

وبهذا نعرف أنّ الأقسام السابقة مبطلة للعبادة لأنها مما لا يتوفر فيها هذا الشرط : وهي ما إذا كانت العبادة لغير الله محضاً من الأسباب الطبيعية أو الناس أو غيرها . وكذلك ما إذا كان الداعي الإلهي موجوداً ولكن كان

الداعي الآخر أقوى منه .


صفحة (36)

وكذلك لو كان الداعيان متساويين ، لأن هذا يعني اشتراكهما في إيجاد العمل ، بحيث لو كان احدهما وحده بما فيها الداعي الإلهي ، لم يكن سبباً كافيا ًلوجود العبادة . وهذا معناه عدم توفر الشرط الأساسي لصحة العبادة الذي ذكرناه.

وكذلك الحال لو كان الداعي الآخر أضغف ، إلا أن الداعي الإلهي وحده لم يكن مؤثراً كافيا.

وأما ما دون ذلك من التاثيرات التي تعني كفاية الداعي الإلهي في وجود العبادة و فالعبادة صحيحة سواء انضمّ اليها داع ضعيف أوضعيف جداً أوكان لمجرد السرور برؤية الاخرين ، أومجرد تحصيل الراحة ضمناً من السبب الطبيعي مثلاً وهكذا .

هذا ، ولكن لا إشكال انّ كل القصود أوالنوايا مهما كانت ضعيفة فإنها وإن صححت العبادة فقهياً ، إلا أنها لا محالة من ( الشرك الخفي ) و مخلّة بالإخلاص الكامل ، و ناقصة من ناحية القيمة الخلاقية بلا إشكال .

بقي أن نشير إلى أن كلّ هذه الأقسام و إن اشتركت في النظريات الفقهية العامة، إلا أنها جميعاً لا ينطبق عليها مفهوم الرياء ،بل ينطبق على بعضها خاصة ، فهو لا ينطبق :

أولاً : على ما كان الداعي الآخر من الأسباب الطبيعية باعتبار أن الرياء من الرؤية ، يعني الأهتمام برؤية الآخرين. وهذا العنصر غير متوفر في هذا القسم .

ثانياً: ما إذا كان الداعي هو تربية النفس تربية اخروية ، لنفس السبب السابق ، مع ما عرفناه من كونه سبباً مشروعاً غير مبطل للعبادة .

ثالثاً : ما إذا كان الداعي هو تربية النفس تربية دنيوية ، فهو غير مشروع ومبطل للعبادة ، إلا انه لا يحتوي على الإهتمام برؤية الاخرين .بل مما يخص النفس لا غيرها .

 

صفحة (37)

وأما رؤية المخلوقات الأخرى كالجن ،فقد أسقطه الفقهاء عن التعرض له ، إلا أنه لو حصل لدى الفرد فهو من الرياء ، باعتبار اعتقاد الفرد  بوجود ذوات عاقلة مدركة خارج ذاته ،وهو يهتم بنظرها إليه وتعرفها على عبادته.
لا يختلف في ذلك  البشر عن غيرهم .

 

  الفقرة (15)

قسّم الفقهاء الرياء إلى تقسيمين آخرين من ناحيتين :

الناحية الأولى : من حيث كونه في كلّ العبادة أو جزئها الواجب أو المستحب أو هيئتها الواجبة أو المستحبة .

والظاهر أن الرياء المبطل للعبادة بمجموعها ، مبطل لها لو وقع في جزئها الواجب أوجزء جزئها ، ولو حرفاً أو حركة واجبة بخلاف ما لو وقع في المستحب ، سواء كان جزءاً كزيادة الذكر في الركوع أو هيئة كإظهار الخشوع.
 

نعم، لو كان مصداق الرياء هو مصداق الواجب ، كقراءة السور الطويلة بدل الصغيرة . مع أن أصل قراءة السور لداعٍ إلهي إلا أن طولها لداعٍ ريائي . وأما قصد أصل السورة ، فإن كان منطبقاً على نفس  السورة ، إذن فهما مصداق واحد لقصدين مختلفين تامين ،وهو محل لإشكال في الصحة فقهياً، وإن قال بعضهم بصحته . وإن كان منطبقاً على غيرها ، فهو مما ليس له وجود.

الناحية الثانية : إنّ الرياء كما قد يكون حراماً أو مرجوحاً ،قد يكون راجحاً بل واجباً . كرجحان التجمّل أمام الإخوان ومرجوحية إذلال الفرد في ً نفسه . ونحوها . من حيث انها جميعاً على معنى إراءة الناس فعلاً أوتركاً، فيكون مندرجاً في الرياء بمعناه الواسع .

 

صفحة (38)

 

إلا أنّ هذا التفكير يحتاج إلى خطوة أخرى . فمثلاً : إنّ التجمل أمام الآخرين وإن وجد لأجل الرؤية ، ولكنه بالحقيقة ليس بداعيها بل بداعي الإستحباب الشرعي . ومن هنا يمكن القول أنه ليس برياء ، لأنّ الرياء هو الإراءة  للآخرين  منفصلاً عن الشرعية وعن القصد الإلهي . وهذا المورد ليس كذلك على المفروض .

ومن الواضح أن قصد التجمّل للآخرين إن كان بداعي دنيوي ، لم يكن راجحاً شرعاً بلا إشكال . بل كان من
( الشرك الخفي ) بلا ريب .

ونحوه تجنب إذلال النفس أو إكرام الضيف أو إقامة المآتم في وفيات المعصومين عليهم السلام وقضاء حاجة المحتاجين أوكثر غيرها مما يتصل بحياة الفرد مع الاخرين . فإنها إن كانت للآخرين بطلت ، وإن كانت لله سبحانه صحّت . بمعنى أنها إنما تصح مع توفر الإخلاص الحقيقي في إنجازها .

 

  الفقرة (16)

بعد الحديث عن الرياء ، يحسن بنا أن نحمل فكرة واضحة عن مقابله وهو الإخلاص .

وحسب فهمي ، فإنّ الإخلاص له مرتبتان مهمتان ، تحتوي كل مرتبة على عدة درجات :

المرتبة الأولى : الإخلاص  المقابل للرياء أو قل هو عدم الرياء أو خلاص القلب و النفس منه ، و هي مرتبة مهمة و ظاهرة ، إن حصلت تجعل الفرد مستحقاً للمرتبة التي بعدها.

المرتبة الثانية : الإخلاص لله سبحانه بالمعنى العالي الذي يفهمه ذووه .وهو الذي يحصل في المراتب العليا من الكمال ،فإن كل مرتبة لا محالة موافقة ومساوقة مع درجة الإخلاص أكثر من المرتبة التي قبلها وهكذا.

 

صفحة (39)

أما الحديث عن تعريفه و أقسامه ، فهو خارج عن طوق هذا الكتاب .

والإخلاص في مرتبته الأولى ، ينقسم بانقسامات الرياء الذي يقابله والتي عرفناها فيما سبق . فكلما زال شيء من الرياء عن القلب ، حصل فيه الإخلاص من تلك الجهة .

وقد عرفنا فيما سبق ان الرياء بالمعنى العام ، يشمل كل الدواعي غير الإلهية التي تتدخل في العمل ،حتى ما كان منها لا يسمى رياء في اللغة أو العرف . كالأسباب الطبيعية ، والمقاصد الذاتية .وعليه ، فخلو القلب من امثلة هذه المقاصد أيضاً يكون من الإخلاص بطبيعة الحال. وإن لم يقابل الرياء بالمعنى اللغوي والعرفي .

فيكون الإخلاص ، هو خلو القلب والنفس عند العمل ، من كل مقصد سوى المقصد الإلهي ،و تحصيل رضاء الله سبحانه ، وهذه من الدرجات الأهم  للمرتبة الأولى التي عرفناها من الإخلاص ، فما ظنك بالمرتبة الثانية  منه  ؟

   الفقرة (17)

ومن جملة العيوب التي ذكرها الفقهاء للعبادة :العجب .

وهذه الصفة لها انقسامات عديدة من عدة جهات :

الجهة الأولى : جهة المتعلق أي ما يتعلق به العجب ويتصف به من الأمور : وهو على ثلاثة قسام :

القسم الأول : الذات . وهذا الإعجاب بالنفس بغضّ النظر عن جهاتها الخارجية ، بما فيها من صفات داخلية كالعلم و الشجاعة و الكرم .

ومن ذلك الإعجاب بما ينطبق على الذات كالعشيرة أوالعنصر أوالبلد أو غيرها من الأمور ، فيحصل الإعجاب بالنفس بصفتها واحداً منها .

القسم الثاني: الصفات أو الخصائص الدنيوية ، كالمال الفاره و السيارة الفخمة و السلطة الواسعة و الأمر المطاع والثياب الفاخرة ، وغير ذلك كثير .
 

صفحة (40)
 

القسم الثالث : الصفات أوالخصائص الأخروية، كالأعمال الصالحة، ونور الوجه وطيبة القلب ، وتكرار الحج والإلتزام بصلاة الليّل أوغسل الجمعة أو قضاء حاجة المحتاجين من الأقارب أو الأباعد ... أوغير ذلك . فيحصل للفرد العجب الإعجاب بصفته متصفاً بمثل ذلك أو فاعلاً له .

الجهةالثانية : في درجات العجب نفسه ، وهي ثلاث أيضاً .

الدرجة الأولى : والأعلى ، وهو أن يشعر الفرد بأهمية صفته أوعمله ، بمقدور معلوم ، وإن لم يصل إلى درجة الزهو .

وإنما يعتقد بإنه يقيّم صفته بالمقدار الماسب مع القوانين الطبيعية ، والإجتماعية . ويقيّم عمله بالمقدار المناسب مع ما وعد الله عليها من الثواب في الكتاب و السّنة .

الدرجة الثالثة : أن يشعر بوجود صفته اوعمله ،بغض النظر عن التوفيق الإلهي والرحمة الإلهية والإرادة الإلهية . وأن كل ّهذه النتائج منه وليس لله سبحانه فيها تدّخل .وهذا من مصاديق قوله تعالى:" إنما اوتيته على علم عندي"

الجهة الثالثة : في من يحصل العجب عليه أو ضدّه ، ولو صحّ التعبير. كالقول : بانه يزهو عليّ أو يتفاخر ،غير اننا ننظر العجب بأحد انقساماته السابقة، ونتساءل عمن يحصل ضدّه .

وفي عدة احتمالات اوضحها أربعة:

أولاً : الله  سبحانه و تعالى . فإنّ بعض درجات العجب قد تحصل حتى تجاهه ، تعالى عما يقول الظالمون علواً كبيراً.

ثانياً : المعصومون و الأولياء .

ثالثاً : مشاهير أهل الدنيا أو البارزون فيهم ، لصفة من الصفات، فيدّعي الفرد أنه خير منهم بتلك الصفة أوبكل صفة.

صفحة (41)
 

رابعاً : أراذل الناس دنيوياً تارةً و أخروياً أخرى . إذ يرىالغني أنه خير من أراذل الدنيا بطبيعة الحال . ويرى العابد أنه خير من أراذل الاخرة ، أعني الفساق والفجّار وأضرابهم.

فإذا تمّت لدينا هذه الإنقسامات الثلاثة أصبحت لنا أقسام العجب ستة وثلاثون ناتجة من ضرب الأقسام بعضها ببعض 3×3×4=36.

ونحن هنا لا يسعنا أن نتحدث عن الأقسام كلّها ، لما فيها من طول الحديث ، وفيها ما يصعب استيعابه على القارىء العادي ، بل نوكله إلى القارىء اللبيب وإنما نذكر فقط فيما يلي بعض نماذجه . وقد يتضح الرأي في أكثر الباقي من الحديث حول ذلك  .

النموذج الأول : المتمول الذي يزهو على الآخرين بثروته فهذا يكون مشمولاً لقوله تعالى:" أذهبتم طيّباتكم في حياتكم الدنياو استمتعتم بها " فلا يكون في الآخرة حسن الثواب .

و كذلك قوله تعالى :"وإنما أوتيته على علم عندي" ، وإنما هو رزق أتاه من الله عزّ و جل ّ، إن كان مالاً حلالاً .

النموذج الثاني : العالم الذي يزهو على الآخرين بعلمه فيكون مشمولاً لقوله عليه السلام : (العلم نور يقذفه الله في قلب من يشاء ) . وقوله تعالى :" و يعلمكم الله" . إذن فالعلم أياً كان فهو من هبات الله عز وجل بحسن التوفيق، ولم يكن الفرد بأي حال مستقلاً فيه .

النموذج الثالث : المتعبد الذي يزهو على الآخر بعبادته .

والعادة إنما تكون بتوفيق الله عزّ و جلّ " ما أصابك من حسنة فمن الله " لى انّ الله عز وجل لا يعبد حق عبادته، ولا يجوز للمتعبّد أن يخرج عن حد التقصير والشعور بالتضاؤل أمام حق طاعة الله وعظمته ، كما نصّت على ذلك الأخبار .

صفحة (42)

المطلوب حقيقة . واما إنكار الذات تجاه المخلوق ، كما مثّلنا لمجرد الشعور بأهمية الاخر ، فهو من الضعة الذاتية أولاً والشرك الخفي ثانياً .

الجهة الثانية : فيما يحصل نكران الذات به وهو أمور :

الأمر الأول :الذات نفسها . و مفهوم نكران الذات يعني ذلك لغة وحقيقة ، وهو الشعور بتفاهتها أو زواله اتجاه من يشعر بأهميته و عظمته ممن عرفناه في الجهة الأولى .

الأمر الثاني : الصفات . كالعلم والكرم و الشجاعة وغيرها ، حيث يشعر الفرد بتفاهتها أو انعدامها تجاه الصفة المهمة لدى الغير ، كعلم العلماء أو شجاعة الشجعان أوعظمة الله سبحانه وهو الأهم.

الأمر الثالث : الأعمال .فإن الفرد إما أن يشعر بتفاهة عمله تجاه عمل الاخرين ، أو يشعر بعمق ذنبه ،أويشعر بتفاهة عمله تجاه استحقاق الغير ، من الشكر على النعمة ونحوه .و هذا هو الموقف الأحسن تجاه الله سبحانه.

الجهة الثالثة: في اقسام نكران الذات من حيث الدرجات :

الدرجة الأولى :الشعور بقلة الأهمية .

الدرجة الثانية : الشعور بزوال الأهمية وعدمها إطلاقاً .

الدرجة الثالثة : الفناء في الغير فناء كاملاً ، بحيث لا يكون له وجود استقلالي بالمرة . وهذا هو الموقف الذي يراه العارفون تجاه الله سبحانه و تعالى .

فغذا عرفنا هذه الإنقسامات لنكران الذات كانت الإحتمالات 3×3×2=18 احتمالاً ، ونذكر فما يلي بعض النماذج منها كأمثلة ،  وقد عرفنا أنه ليس كل أنواع نكران الذات ذا فضل حقيقي اومنتج لنتيجة أخروية ،إلا ما كان تجاه الله سبحانه وأولياءه .

النموذج الأول : الشعور بتفاهة الحال والمال ،في حالة الفقير الذي لا أمل له بالمستقبل ، تجاه ذوي المال و النفوذ.
 

صفحة (43)

النموذج الثاني : الشعور بتفاهة الحال والضعة تجاه السلطان وذوي السلطة في المجتمع . وخاصة إذا كانت تحت تصرفه الفعلي كالعامل لديه أو المحجوز في سجونه .

النموذج الثالث : الشعور بتفاهة الإيمان والعمل الصالح تجاه الإيمان ،والعمل الصالح الذي يتصف به  المعصومون سلام الله عليهم .

النموذج الرابع : العور بتفاهة العمل الصالح ،تجاه الله سبحانه ، بما له من استحقاق كبير لشكر النعمة  ودفع النقمة والبدء بالعطاء و غير ذلك .

النموذج الخامس: الشعور بالفناء التام تجاه عظمة الله سبحانه وتعالى،من حيث العمل ومن حيث الذات والصفات كلها.

 
 الفقرة (19)

العجب ليس هوالتكبر ، و نكران الذات ليس هو التواضع ، وإن تشابها من بعض  الجهات .

فإن العجب ونكران الذات ،جهتان متضادتان ، يعودان إلى الإتصاف الحقيقي للنفس ولو باعتقاد صاحبها على الأقل، في حين أن التكبر والتواضع ، جهتان متضادتان يعودان إلى إظهار الفرد تجاه الآخرين .

فمن هنا قد تجتمع صفات من هذين الإنقسامين ، تبدو متضادة في بادىء النظر : كالعجب حين يجتمع مع التواضع. ونكران الذات إذ يجتمع التكبر ولا تنافي بينهما .

أما اجتماع العجب مع التواضع فإن الفرد قد يكون بحسب اتصافه الحقيقي معجباً بنفسه أو بصفاته .ولكنه قديرى مصلحة للتواضع أحياناً .

كما ان منكر الذات قد يرى مصلحة للتكبر أحياناً ، ولو من باب ما ورد : أن التكبر على المتكبر عبادة .

وفي مثل ذلك يكون الموقف الحقيقي أخلاقياً أمام الله سبحانه في العجب ونكران الذات لا في التواضع والتكبر .لأن المفروض أن ذينك صفتان راسختان وهاتين صفتان طارئتان .وما هو راسخ أهم في التقييم من الطارىء . وأما التكبر الناتج من العجب أو المقترن معه ، وكذلك التواضع الناتج من نكران الذات أو المقترن معه ، فحساب الفرع هو حساب الأصل .و قيمتهما سيان تقريباً .
 

صفحة (44)

 

ولا يخفى انه في مثل ذلك يكون التكبر والتواضع صفة راسخة، لأنهما ناتجان من صفة راسخة منسجمة معهما . بخلاف ما قلناه من التواضع مع العجب او التكبر مع النكران .فإنهما صفتان متضادتان من الصعب ان تدوما طويلاً.

هذا وينبغي أن نلتفت إلى أنه ، ليس كل عجب مذموماً وإن كان ذلك هو الصفة الغالبة لكثر أقسامه التي عرفناها . فلو كان العجب موجوداً مع الإعتراف بفضل الله سبحانه في إيجاد الصفة المحببة لم يكن  مذموماً .

وإن كنت أعتقد أنه ليس في العجب ما له قيمة أخلاقية حقيقية ، أو يكون المؤثر في السير  في مدارج الكمال  .

وليس كل تكبر مذموماً أيضاً ، وإن كان هو الصفة الغالبة لأكثر أقسامه ،فإن منه ما هو محمود كالتكبر على المتكبر .

كما أنه ليس كل نكران للذات محمود، وإن كانت هي صفته الغالبة ،فإن حصوله تجاه المخلوقين ، وخاصة في الصفات الدنيوية كالمال أو الجمال أو الجاه ، مذموم أخلاقياً بطبيعة الحال .

كما أنه ليس كل تواضع محموداً أيضاً، وإن كان هو صفته الغالبة . إلا أن اي تواضع ناتج من نكران الذات المذموم الذي عرفناه ، فهو مذموم بدوره ، ولذا كان التكبر على المتكبر عبادة و بمعنى ان التواضع له مذموم . أو أنه من الشرك الخفي ، ما لم تكن مصلحة ثانوية به ، عامة أوخاصة كبعض اشكال التقية .
 

صفحة (46)

  الفقرة (20)
وينبغي أن نلتفت إلى ان صفتي العجب ونكران الذات ، وصفتي التكبر والتواضع التي تحدثناعنها .انما هي بالنسبة إلى صفات المخلوقين، تجاه الخالق أوتجاه المخلوقين ، كما سبق : أما صفات الخالق نفسه ، فهذا الكتاب ليس مورده ، لأنه يتحدث عن علمي الفقه و الأخلاق ، و كلاهما من حيث المسؤولية خاصان بالخلق لا يشملان الخالق. وإن كان الخالق هو الذي شرعهما و قدرهما جل جلاله .

صفحة (47)

 

وإنما نشير مختصراً : إلى أنه سبحانه لا يوصف بالعجب ، لما توحيه هذه الصفة من كونها غير حقيقية ، في حين أن صفات الله سبحانه هي الكمال الحقيقي ، وله الكبرياء الواقعية والعظمة ،مع استغنائه جلّ جلاله عن هذه الصفة البسيطة وهي :  العجب .

كما أنه جلّ جلاله ، لا يوصف بنكران الذات .فإن هذه الصفة تحتوي عل اعتراف صاحبها بالنقص الحقيقي ، و الله تعالى لانقص فيه ، بل هو الكمال المطلق.

كنا انه جل وعلا لا يوصف بالتواضع . لأن التواضع ، إما أن ينتج من صفة نقص في صاحبه ويتضمن اعترافاً بها، كنكران الذات ، وإما أن ينتج لمصلحة للفرد تعود بالنفع عليه ، كما لو كان معجباً بذاته إلا أنه متواضع ظاهراً لأجل المصلحة . وكلا الأمرين ، أعني : النقص الحقيقي والمصلحة ، إنما موردهما المخلوق، دون الخالق .

واما صفة التكبر ، فيوصف بها الخالق سبحانه . وقد عرفنا التكبر انه إظهار للعظمة. وهو سبحانه الوحيد من الموجودات كلها المستحق لهذه الصفة ، لأن عظمته واقعية وحقيقية ، فإظهارها ليس بمذموم، بل هو محمود من أجل مصلحة تعود  إلى تربية الخلق وتكاملهم . فالتكبر مذموم غالباً إلا منه سبحانه. والتواضع محمود غالباً إلامنه جلّ جلاله.

                

    الفقرة (21)

لئن كان العجب صفة مذمومة ، فإنّ العبادة مع وجوده تقع مذمومة أيضاً أخلاقياً ، وإن لم تكن باطلة فقهياً . أو قل هوما يسمّى بقلّة الثواب ، أو لا ثواب عليها على الإطلاق . و خاصة إذا اقترن العجب بالذات  إلى العجب بالعبادة نفسها ، وأيّاً منهما اقترن بالعبادة كان مذموماً .

ولئن كان التواضع ونكران الذات صفة محمودة لنفسه ، فإنّ العبادة تكون محمودة معه أكثر مما هي عليه بصفتها العباديّة . وخاصة إذا اقترن التواضع في الذات على التواضع بالعبادة نفسها ، وعدم الشعور بأهميتها تجاه الله سبحانه وتعالى . وهذا المعنى مما يزيد الخشوع و الخضوع والتضرع للفرد في عباداته المستحبة والواجبة ، معاً . بخلاف العجب فإنه يكون سبباً أكيداً لقلة أو سلب هذه الصفات المهمة .

وأما من حيث المحتوى الداخلي للإنسان ،فلا شكّ أن العجب سبب للغلظة و القسوة و الظلمانية في القلب والنفس . بخلاف التواضع ، فإنه سبب للرقة و النورانية في القلب و النفس.

والعكس أيضاً صحيح ، فإن الرقة سبب للتواضع ، كما أنّ القسوة سبب للعجب ، وليس في هذا التقابل في السببية محذور الدور ، باعتبار تعدد المراتب المتصاعدة في كلا الإتجاهين .

                           

 الفقرة (22)

من جملة الأمور المستحسنة و المطلوبة في العبادة : الخشوع . وهو لغة الضراعة و حقيقته :حالة نفسية أو قلبية توجد في الذليل تجاه العظيم نتيجة شعوره بالذلة و التصاغر أمامه . وهذا معنى عام ، غير انً المتعارف لدى المتشرعة هو اختصاصه بالعلاقة مع الله سبحانه و تعالى . وهو الخشوع الحق و غيره باطل .

صفحة (48)

وهو قد يكون في العبادة بالمعنى  الأخص كالصلاة . قال الله عزّ و جلّ:" الذين هم في صلاتهم خاشعون " . وقد يكون في العبادة بالمعنى الأعم .أعني كل عمل صالح . قال عزّ وجلّ: " و خشعت الصوات للرحمن فلا تسمع إلا همساً"

وقد يكون الخشوع في كل احوال المؤمن أو في غالب اوقاته. قال الله عزّ و جل عن الزمرة الصالحة من عباده : " وكانوا لنا خاشعين" وقد يكون الخشوع عند النظر إلى العقوبة ، لما فيها من التذلل أمام المعاقب ، وأهم ذلك يكون للكفار عند نار جهنم . قال الله سبحانه :" خاشعةً ابصارهم ترهقهم ذلة ، ذلك اليوم الذي كانوا يوعدون " . و قال في الدعاء : اللهم ارزقني خشوع الإيمان قبل خشوع الذل في النار " .

والخشوع ليس حالة جسدية . وإن كانت قد تدل حالة الجسدعليه إلا أن حالة الجسد قد تخلو من الإخلاص ،والعياذ بالله . وأما الحالة القلبية ،أوالخشوع حين  يكون قلبياً ، فلا يكون إلا مخلصاً لتعذر اطلاع الآخرين عليه، فلا يمكن أن يحمل الرياء إطلاقاً . فإن خشعت معه الجوارح أو الجسد ، كان خشوعاً مخلصاً أيضاً . وإلا أمكن الإكتفاء بالخشوع القلبي .

ومن هنا قلنا : إن الخشوع قابل للإستمرار أو التكرار كثيراً ، في كل عمل صالح ،لأن خشوع الجسد مؤقت بطبيعة تكوينه ، ومن الصعب جداً أن يستمر ، ما دام الفرد مسؤولاً عن حياته الدنيا ، وأما خشوع القلب فهو قابل للتكرار والإستمرار ، مع حسن التوفيق الإلهي .

خذ إليك مثلاً : عبد ذليل في قصر جليل ،فهو يشعر بالخشوع دائماً كلما تجول في أنحاء القصر و تذكر صاحبه . وهذا الإلتفات كثيراً ما يحصل عادة ، لوجوده بين يدي صاحب القصر ، وكل ما في القصر يدل على أهميته و عظمته.


صفحة (49)

هل المطلوب كثرة العبادة أو قلّتها ؟

قد  يقول قائل : بل المطلوب كثرتها لأن فيها زيادة في التقرب والخشوع اتجاهه سبحانه.

وقد يجاب على ذلك أن ذلك مناف لأحوال الدنيا حتى الضروروية منها ، كالإكتساب للحاجات الضرورية . ومن هنا نرى المتعبدين و المتزهدين ؛ قد فاتت منهم كثير الحاجات أو أصبحوا في حال دنيوية بسيطة .

وهذا يجاب بعدة وجوه : الوجه الأول : الإلتزام بما اعتبره السائل محذوراً . و الإتجاه إلى تقليل مصالح الدنيا من أجل مصالح الآخرة .

الوجه الثاني : إن العبادة ليست فقط الصلاة و نحوها من العبادات الفردية .بل العبادة تشمل أكثر أحوال المؤمن . بما فيها قضاء حاجات الاخرين وزيارة المؤمنين و الحضور في صلواتهم ومناسباتهم وتشييع موتاهم وغير ذلك كثير . وهذا لا ينافي الحاجات الدنيوية الضرورية . لأن الكسب نفسه عبادة ، كما ثبت شرعاً .

الوجه الثالث : إن العبادة ليست هي فقط العبادة الظاهرية وبل هناك العبادة القلبية أو الباطنية كالذكر والخشوع والإخلاص والإيمان وغيرها . وهذا أمر لا يكاد يكون مرتبطاً بالسلوك الخارجي أياً كان ، فلا يلزم منه أي محذور.

الوجه الرابع : الإلتزام بالإتجاه الذي فرضه السائل ، وهو المنع من استمرار العبادة ، بالمعنى الظاهري أو الجسدي كالصلاة المستمرة او الدعاء الدائم. فإن هذا مما لم يلتزم به الأنبياء و الأولياء و المعصومون  سلام الله عليهم اجمعين . فكيف يمكن طلبه ممن سواهم .
 

صفحة (50)
 

وهنا ينبغي أن نلتفت إلى موارد رجحان التقليل من العبادة ، وحسب ما هو وارد ومطابق للقاعدة وليس تشهياً من قبل المتعبد أو اعتباطاً .

المورد الأول : مورد الملل ، فإن كثرة العبادة قد تكون مملة أحياناً ، و عندئذ فينبغي للفرد تركها حتى تنفتح الرغبة إليها مرة أخرى . ولا ينبغي إيقاع العبادة حال الملل فيها ، ووجود رد الفعل النفسي السيء تجاهها .

المورد الثاني : حين تبلغ العبادة اقصى التحمل  ، فإن الفرد لا يجوز له أن يحمل نفسه فوق طاقته ما أي عمل كان. فإن بلغت العبادة به غاية التحمل و كان الزائد خارجاً عن طاقته نفسياً ، لزم تركها بطبيعة الحال.

المورد الثالث : في مورد طيبة القلب و اخلاصه لله تعالى ورضائه بقدره . ومن هنا ورد في الحديث بمضمون :من رضي من الله بالقليل من الرزق رضي الله منه بالقليل من العبادة .
المورد الرابع: في حال استغناء الفرد المؤمن عن العبادة الظاهرية بالعبادة القلبية أو الباطنية ، ونعني بالعبادة الظاهرية : الصلاة والصيام و نحوهما ، وبالعبادة القلبية الذكر والرضا و الخشوع ونحوها . و هذا مرتبة اكثر من سابقتها في مدارج الكمال النفسي . ولا تكون إلا لأهلها ، وليس لأحد ان يدعيها زوراً .

المورد الخامس : عند منافاة العبادة مع الحاجات الضرورية أوشبه الضرورية للحياة . فإن هذه الحاجات تكون مقدمة على العبادة المستحبة والمتزايدة . ويكون الفرد معذوراً عنها أمام الله سبحانه . بغض النظر عما صرحت به الأدلة من كون السعي للمعاش بنفسه عبادة . إذن ، فسوف ينتقل الفرد من عبادة إلى عبادة .

المورد السادس : عند منافاة العبادة الشخصية كالصلاة و الصام المستحبين ، مع العبادة العامة كقضاء حاجات المحتاجين وزيارة المؤمنين والأمر بالمعروف وغير ذلك كثير ، فإنه مع التنافي أوالتزاحم بين الشكلين من العبادة، تكون العبادة العامة أولى بالإنجاز ، وأفضل عند الله عزّ و جل . وإذا أعرض عنها الفرد و اشتغل بالعبادة الشخصية او الفردية ، فقد خسر ما هو الأهم و الأفضل .
 

صفحة (51)

 

المورد السابع : تقليل العبادة عند نزول البلاء الدنيوي والمصاعب التي تمر بالفرد . فإن المنصوح به في الأدلة في مثل ذلك تقليل العبادة الفردية و النوافل المستكرة ، ريثما يزول البلاء وفيعود الفرد إلى حاله السابق ، مع حسن التوفيق .

وهناك موارد أخرى بجواز التقليل من العبادة أو رجحانه أحياناً ، لا حاجة للدخول في تفاصيلها .

وقد يخطر في الذهن : أنّ الأسباب السابقة و إنما تجعل قسماً من العبادة مرجوحاً ، وهو غير الموقوت منها ، وأما العبادة الموقوتة ، فإنها تبقى على أهميتها .

 

والعبادة الموقوتة ، هي المحددة بالوقت كصلاة الليل وغسل الجمعة و صوم النصف من شعبان وغيرها من المستحبات ، والعبادة غير الموقوتة هي العبادة غير المحددة بوقت وإنما يأتي بها العبد زيادة في الخشوع وطلباً للثواب . وقد ورد : الصلاة  خير موضوع من شاء استقل ومن شاء استكثر . ومراده - و الله أعلم - الصلاة غير الموقوتة . لأن الموقوت منها غير منوط بالمشيئة ظاهراً.

ومحل الشاهد هنا : أن الأسباب السابقة للتقليل من العبادة إنما تشمل غير الموقوت ، ولاتشمل  الموقوت .

إلا أن  ذلك غير صحيح ، لأن الأسباب  السابقة لها الإطلاق الكافي لكل الأقسام، ولها أيضاً التسبب الشرعي والمعقول للتقليل من العبادة ،وليس التقليل اعتباطاً حتى يختص بغير الموقوت .

نعم ، ظاهر هذه الأسباب خاص بالعبادة الظاهرية الفردية كالأمثلة السابقة . أما العبادة العامة أو الإجتماعية، وكذلك العبادة القلبية ، فلا تشملها .
 

صفحة (52)

والحق أن شمولها لها نادر ، ولكن مع افتراض شمول بعضها لحد هذين النوعين من العبادة ، فمن المرجح والمنطقي التقليل منها ايضاً .وإن كان التقليل منها أحياناً صعباً بل متعذراً ، مع كونها عادة مستمرة أو ملكة راسخة.

ولا يخفى ان عدداً من الأسباب السابقة ، لا مورد لها مع هذين النوعين الأخيرين من العبادة ،إلا أننا لا حاجة إلى الدخول في تفاصيلها ، بل نوكله إلى فطنة اللبيب ، و هو يستطيع أن يدركها بقليل من المقارنة و التفكير .

كما ينبغي الإلتفات إلى أن التقليل من العبادة اياً كانت ، لا يعني التقليل من أهميتها أو الحد من آثارها المعنوية . وإنما فقط ، لأجل أن المصلحة في تلك الموارد السابقة ، تقتضي التقليل منها عملياً . ولا شكّ أنه مع إمكان الجمع و عدم تعذره أو شدة صعوبته ، أعني الجمع بين العبادة و موارد تلك تلك الوجوه السبعة السابقة ، فهو افضل عند الله عز وجلّ . بشرط أن لا يحصل حيف أو نقص على الجانب الذي هو الفضل منهما عنده سبحانه و تعالى . ويتضح ذلك مع مقارنة الوجوه نفسها ونوكلها أيضاً على فطنة القارىء اللبيب.
 

   الفقرة ( 24)

التفكير في الخلق من الأمور التي حثّ عليها القرءان الكريم كثيراً ، وهو فقهياً من المستحبات المؤكدة و التي لها آثاراً وضيعة جليلة و محمودة ، و حيث لم يعزل له الفقهاء مكاناً في فقههم ، ناسب ذكره في مقدمة العبادات .

وقد حثّ عليه القرآن بأساليب  مختلفة عديدة عديدة نذكر منها :

أولاً : الحثّ على التفكر كقوله تعالى:" و يتفكرون في خلق السموات و الأرض ربنا ما خلقت هذا باطلاً " . وقد ورد قوله : " إنّ في ذلك لآيات لقوم يتفكرون "  خمس أو ست مرات في القرآن الكريم إلى غير ذلك من الآيات .

صفحة (53)

 

ثانياً : الحثّ على التفقه ، كقوله تعالى : " انظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون " . و غيرها  كثير .

ثالثاً : بعنوان الآيات ، وهي الآيات النفسية والآفاقية . يعني ما يكون داخل النفس وفي خارجها من العجائب . وقد ورد لفظ آية في القرآن اربعاً و ثمانين مرة و لفظ الآيات مئة و ثماني واربعين مرة .

رابعاً : الحث على النظر ، كقوله تعالى :" أو لم ينظروا في ملكوت السموات و الأرض "، وغيرها .

خامساً:  الحث على البصر والإبصار : . كقوله تعالى :" وفي الأرض آيات للموقنين ،و في انفسكم أفلا تبصرون" مع شجب التعامي وعدم استعمال البصر ( و لهم اعين لا بيصرون بها " وقوله :  " لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم اعين لا يبصرون بها " .

سادساً : الحث على استعمال العقل . قال سبحانه : " افلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها " ، وقد تكرر قوله : " إنّ في ذلك لآيات  لقوم يعقلون " ، وما في مضمونه القريب ، إلى ثماني مرات في القرآن الكريم .

كما شجب القرآن إهمال العقل و عدم استعماله في آيات عديدة  منها قوله تعالى : و " و يجعل الرجس على الذين لا يعقلون" .

سابعاً : الحث على استعمال اللب وهو العقل . وان يكون الفرد من ذوي الألباب . وقد ورد قوله : " أولوا الألباب " ست عشر ة مرة .منها قوله تعالى ،إن في خلق السماوات و الأرض واختلاف الليل و النهار لآيات لأولي الألباب".

ثامناً : ذكر الآيات الكونية واحدة واحدة . كنزول المطر و إنبات الزرع وخلق الحيوان و خلق الجنين والليل و النهار والرعد والبرق والحليب وانواع الفواكه والخضر ، و غير ذلك من آيات كثيرة لا مجال لإستقصائها .
 

صفحة (54)

 

تاسعاً : شجب الإعراض وهو عدم الإلتفات إلى الآيات الكونية والتهاون في امرها ، كقوله تعالى : " وكأين من آية في السماوات و الأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون " . وقد ورد لفظ ( معرضون ) و ( معرضين) تسع عشرة مرة  في القرآن الكريم.

عاشراً : الحث على المعرفة ، كقوله تعالى : " و قل الحمد لله سيريكم آياته فتعرفونها "  .

حادي عشر : الحث على استهداف اليقين ، أوحصوله لدى الفرد ،نتيجة للنظر و التفكر. كقوله تعالى :" كانوا بآياتنا يوقنون " وشجب حالة عدم اليقين كقوله تعالى : " بل لا يوقنون " . و قوله سبحانه : " و لا يستخفنك الذين لا يوقنون " .

ثاني عشر : الحث على السير في الأرض والتجول فيها لأجل حصول العبرة منها ، كقوله تعالى :" أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها " . وقوله سبحانه : " قل سيروا في الأرض ، فانظروا  كيف كان عاقبة المجرمين " . وقد تكرر هذا  المعنى في القرآن الكريم ، حوالي اربع عشرة مرة ، منها سبع مرات بصيغة الأمر: سيروا .

ثالث عشر : الحث على أخذ الإعتبار  او العبرة من الآيات الكونية : كقوله: "  فاعتبروا يا أولي الأبصار " .
وقوله : "  إنّ  لكم في الأنعام لعبرة " ، و غيرها .

رابع عشر: الإنذار بالعذاب لمن ترك التفكير و الإعتبار به . كقوله تعالى : "  والذين كذبوا بآياتنا يمسهم العذاب بما كانوا يفسقون " . وقوله :"  ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك فقنا عذاب النار " .

إلى غير ذلك من الأساليب ، إلى حد يمكن القول بأن الآيات الواردة بهذه المضامين ونحوها تستوعب اكثر القرآن الكريم .
 

صفحة (55)

حقيقة التفكر هو إجالة الفكرة في الذهن و محاولى الإستنتاج منها . إلا أن الذي يقتضيه الذوق العام ، هو أنّ ذلك وإن كان هو التطبيق المهم لمعنى التفكر أو التفكير ، إلا أنه لا ينحصر بذلك ، ومن هنا كان المعنى الذهني الواحد يسمى ( فكرة ) ، فحصول الفكرة ولو زماناً قليلاً هي نوع من التفكير .

ومعنى ذلك : أنّ الفكر هو حصول الفكرة أو الأفكار في زمن قليل أو طويل مع محاولة الإستنتاج منه أو عدم ذلك .

غير ان الشيء الذي يفرض نفسه تلقائياً  مع حصول التفكر في الكون هو حصول النتيجة ورغم كرهها صاحبها أو ابت نفسه عنها . وهي استنتاج عظمة الخالق سبحانه و عجيب تدبيره وواسع قدرته ورحمته جلّ جلاله ، في هذا الكون العجيب المترامي .

ونحن الآن وإن قلنا ان الفكرة تكون في  ( الذهن ) وكما هو المشهور أو المتعارف ، إلا أنّ ( الذهن ) لم يذكره القرآن الكريم إطلاقاً ، وإنما نسب التفكير إلى العقل تارة ( لقوم يعقلون )، وإلى اللب اخرى (ذوي الألباب) ، وإلى القلب ثالثة " لهم قلوب يعقلون بها " ، وإلى النفس رابعة " أو لم يتفكروا في انفسهم " وإلى الصدور خامسة ، كقوله تعالى :" قل إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه يعلمه الله " . وقوله : " يعلم خائنة العين و ما تخفي الصدور " .

ولا ينبغي ان نتكلم في تفسير هذا المعنى وهو حصول التفكير في القلب والصدر ، فإنّ له مجالاً في علوم اخرى كالتفسير  وعلم الكلام والفلسفة و علم النفس . ولسنا الآن بصدده .

وإنما الذي ينبغي أن نكون بصدده ، هو ما يمكن أن يكون هدفاً للتفكير أو التفكر . وهل كل أهدافه صالحة ؟ وأنّ ايّاً منها بالتحديد هو الذي حثّ عليه القرآن الكريم ؟
 

صفحة (56)

 

وأهم ما يمكن تصوره كأهداف للتفكير ، عدة أمور وقد يجتمع بعضها مع بعض وقد لا يجتمع .

الهدف الأول  : استنتاج أمر دنيوي محض كمن يفكر في حسابات تجارته أو المحاضرة التي يلقيها على الطلاب .

الهدف الثاني : استنتاج أمر دنيوي ذي نتيجة دينية ، كالتفكير في بناء مسجد ومقدماته و حساباته .

الهدف الثالث : استنتاج وجود الله عزّ و جل ّ . بعد الإلتفات  إلى دقة الترتيب والتدبير في هذا الكون ، وأنّ ذلك لا يكون إلا من قبل فاعل  عالم قدير .

الهدف الرابع : استنتاج حسن تدبير الله سبحانه للكون وواسع قدرته ورحمته ، بعد التسليم بوجوده .

وهذه هو الذي يستفاد من ظا