كتاب الجهاد
 

الفقرة (1)

 

تحتوي فكرة الجهاد على محاولة دفع الصعوبة بصعوبة ضدها . فإذا لم تكن صعوبة في أحد الطرفين أو كليهما لم يكن جهاداً . كما لو كان دفع الشر سهلاً ، أو كان الشر المدفوع بسيطاً . كما أن المفروض أن يكون الشر المدفوع أو الذي يراد دفعه ، أن يراه الطرف شراً وأن يراه صعباً . سواء كان مصيباً في وجهة نظره أم مخطئاً. فلو لم يكن شراً لم يكن عمله ضده جهاداً . كما لو لم يكن يراه صعباً ، كما لو كان صابراً عليه أو متماهلاً في دفعه ، لم يكن جهاداً .

 

فالمهم هو محاولة دفع الصعوبة بصعوبة مع حسبان الصعوبة المقابلة شراً .

وإن كان الفرد مخطئاً في نظره . ومن ذلك ما ورد : اللهم العن العصابة التي جاهدت الحسين وشايعت وبايعت على قتله . لأن وجود الحسين عليه السلام ، كان صعباً على أعدائه ، وربما حسبوه شراً عليهم ، لأنه يحاول فضحهم وإزالة ملكهم .

 

إلاَّ أن المهم في كتاب الجهاد هو أن يكون الطرف الآخر شراً وباطلاً حقيقة . أي من وجهة النظر الدينية والإلهية . ومن هنا يمكن تعريفه بأنه : محاولة دفع الشر الصعب بصعوبة .

 

ولم يؤخذ في هذه المحاولة أن تنجح وإن كان نجاحها هو الغالب ، بل يعتبر الفرد مجاهداً وإن فشل . كما لم يؤخذ في الشر المدفوع أو المكروه ، نوع معين من الشر . ومن هنا أمكن تقسيمه إلى أقسام عديدة ، يعتبر السعي لدفعها بأي أنواعها جهاداً مطلوباً في الشريعة والعرف .

 

أولاً : الكفار، لأجل إدخالهم في الإسلام أو تحت سيطرة الإسلام .

ثانياً: الكفار، لأجل دفع شرهم عند الهجوم على المجتمع المسلم ، والخوف على بيضة الإسلام ، كما  يعبرون.

 

صفحة (175)

 

 ثالثاً :المسلمون المحاربون للحق ، وهم البغاة المذكورون في قوله تعالى : ﴿فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله﴾ .

 رابعاً : الفقر . ودفعه لأجل التوسعة على العيال جهاد .

 خامساً : الشيطان . فإن محاولة دفع كيده ووسوسته جهاد .

 سادساً : النفس الأمارة بالسوء . فإن محاولة كبحها وقمعها وكبت سيطرتها ، جهاد . بل هو أعظم الجهاد .

 وفي الرواية إنه الجهاد الأكبر . وإن الشجاع من قدر على كبح نفسه .

 سابعاً : حاجة المحتاجين في المجتمع . فإن السعي لقضائها وإنجاحها ، جهاد ، على أن لا يختص بواحد بل 

 يكون الفرد متصدياً للمجتمع ككل . فيكون مجاهداً .

 ثامناً : الجهاد لدفع مظالم المظلومين أينما كانوا ، ومهما كانت ظلامتهم .

 وبأي أسلوب مشروع تمت محاولة دفعه .

 تاسعاً : الجهاد للدفاع النظري عن الدين وصد شبهات الكفار والملحدين .

 وتنوير من كان متصفاً منهم وهدايته إلى الصراط المستقيم .

 عاشراً : الجهاد في تحمل المصاعب بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في داخل المجتمع المسلم وتركيز 

  طاعة الله سبحانه وتقليل العصيان فيه .

 وقد نستطيع أن نجد موارد أخرى للجهاد ، لا حاجة الآن إلى استقصائها .

 

الفقرة (2)

 

وقد ورد معنى الجهاد في القرآن الكريم بكثير من هذه المعاني التي ذكرناها .

فالجهاد ضد الحق مشار إليه في قوله تعالى: ﴿وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما﴾. وجهاد النفس الأمارة بالسوء مشار إليه في عدد من الآيات كقوله تعالى : ﴿والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا﴾ .

وقوله تعالى : ﴿ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه إن الله لغني عن العالمين﴾ .
 

صفحة (176)

 

وجهاد الكفار لأجل إدخالهم في سيطرة الإسلام في قوله تعالى : ﴿يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم﴾ . وجهادهم النظري لأجل دفع مكرهم وشبهاتهم . في قوله تعالى : ﴿فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهاداً كبيراً﴾ .والضمير في (به) يعود إلى القرآن الكريم . وفيه من العلوم الكافية لغنى البشرية ودفع كل شبهة .

 

وجهاد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونحوه مشار إليه في قوله تعالى : ﴿يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم﴾ .

 

وجهاد البغاة أشرنا إلى ذكره في القرآن الكريم .

وجهاد الشيطان ومدافعته وضرورة عصيانه مذكور في كثير من آيات القرآن الكريم . منها قوله تعالى : ﴿يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصياً ، يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان ولياً ﴾ .

 

وقوله تعالى : ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان . ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر . ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبداً﴾ . وقوله تعالى : ﴿استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون . إن الذين يحادون الله ورسوله أولئك في الأذلين . كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز ﴾ .

 

وأما الجهاد لسد حاجة المحتاجين سواء في عائلة الفرد أو المجتمع ، فيشمله قوله تعالى : ﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة. وكلاًًَّ وعد الله الحسنى وفضل الله المجاهدين على القاعدين اجراً عظيماً﴾ .بعد الالتفات إلى أن الجهاد بالأموال قد يكون منضماً إلى الجهاد بالنفوس وقد يكون منعزلاً عنه . كما أن فكرة الجهاد بالأموال تشمل الجهاد في بذله ، والجهاد في تحصيله لدى الضرورة إليه .

 

صفحة (177)

وأما الجهاد في سبيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فموجود في كثير من آيات القرآن الكريم . منها قوله تعالى: ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون﴾. وقوله تعالى : ﴿ ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الله وهم يسجدون . يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين﴾ . وقوله تعالى : ﴿ كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله . ولو آمن أهل الكتاب لكان خيراً لهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون .لن يضروكم إلاَّ أذى وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون﴾ .الأمر الذي يكشف أن الأمر  بالمعروف والنهي عن المنكر قد يصل إلى درجة القتال الفعلي والجهاد المقدس .

 

وأما الجهاد النظري للدفاع عن الدين وصد شبهات الكفار والملحدين .

فهذا هو من الأمر بالمعروف فتشمله نفس الآيات السابقة . مضافاً إلى قوله تعالى : ﴿فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون ﴾ .

 

الفقرة (3)

 

يحسن أن نتحدث فيما يلي عن بعض هذه الأنواع من الجهاد تفصيلاً . ومنها ، جهاد النفس ...

روي ما مضمونه : أنه حين رجع أصحاب الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ، من إحدى غزواته المهمة كبدر أو أحد ، قال لهم (صلى الله عليه وآله وسلم) : "رجعتم من الجهاد الأصغر وبقي عليكم الجهاد الأكبر" . قيل : وما الجهاد الأكبر يا رسول الله ؟ قال : "جهاد النفس" .

ومن هنا اصطلح المتشرعة على جهاد الأعداء بالجهاد الأصغر ، وعلى جهاد النفس بالجهاد الأكبر .

 

صفحة (178)

 

ولا شك أن هؤلاء الأصحاب قد اندهشوا من كلام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد مجاهدتهم الأعداء وتحملهم آلام الرماح والسيوف وانتصارهم على المئات والألوف . ومع ذلك فإنه (صلى الله عليه وآله وسلم) يسمي ذلك الجهاد بالجهاد الأصغر. ويكون شيء آخر أكبر منه وأهم هو الجهاد الأكبر. فماذا هو الأهم من الحرب الطاحنة والآلام المدمرة ؟ ومن هنا قالوا له بدهشة وذهول ، وما هو الجهاد الأكبر يا رسول الله . قال: جهاد النفس .

 

ويختلف جهاد النفس عن جهاد الغير بعدة نقاط منها :

1- إن العدو قد يموت بضربة أو ضربتين . في حين أن النفس لا تموت بعشرات الضربات .

2- إن العدو يمكن أن تفارقه ، فلا تراه ولا يراك . في حين لا تستطيع أن تفارق نفسك طرفة عين .

3- إن العدو قد تكون ضربته عليك خفيفة أو يمكن تجنبها والابتعاد عنها . وهذا غير ممكن بالنسبة إلى النفس

4- إن العدو ذو وجهة نظر معينة ورأي واحد أو عدد محدود من الآراء أو الاقتراحات ، في حين أن النفس تتدخل في كل شيء وتعطي رأيها في القليل والكثير .

5- إنك تحس أن العدو هو غيرك وأنه منافسك وأنه يريد بك الضرر . في حين لا تحس نفس الشئ لنفسك . بل هي أنت فآراء نفسك هي آراؤك ولا يمكن أن تكون مضرة لأن الفرد لا يريد الضرر لنفسه .

6- إن العدو قد اتخذ رأيه بروية وتفكير وتعقل . في حين أن النفس تصر على بعض الأمور لمجرد الهوى والشهوة . ومن هنا قيل : إن الشهوات لا عقل لها . بل تريد اشباع نفسها بكل صورة . ومن هنا تصدق الحكمة القائلة : عدو عاقل خير من صديق جاهل .

7- إن العدو يمكن أحياناً أو في كثير من الأحيان المكر به والخديعة له . في حين لا يمكن ذلك للنفس لأن الإنسان لا يمكر بنفسه . وإذا حصل منه ذلك فإن نفسه تفهمها ، لأنها حاضرة لديه .

8- إنك تشعر أنك تشمئز من عدوك ولا تحبه ، في حين تحب نفسك.

 

صفحة (179)

 

9- إن الفرد قد يمكنه التقصي عن آراء الآخرين والخلاص منها بعصيانها أو الابتعاد عنـها أو الهرب منها . في حين لا يتوفر ذلك بالنسبة إلى النفس .

10- إنك ترى أن آراء عدوك أياً كانت فهي باطلة ومزعجة ، ولا أقل أنك ترى آراء الآخرين قابلة للنقد والمناقشة في حين لا ترى في آراء نفسك أية مناقشة أو إزعاج لأنها آراؤك أو أنت مقتنع بها وواثق بصحتها وراكن إليها .
فهذه عشر مزايا للنفس عن الآخرين من أعداء وأصدقاء . ومن هنا لم يكن جهاد النفس مقنعاً للكثيرين ولا يؤمنون به إلاَّ القلة القليلة من البشر .

ومن هنا أيضاً لم يكن جهاد النفس ناجحاً ومنتجاً ، أو قل سريع النجاح والإنتاج . بل غالباً ما يفشل تماماً أو غالباً .

 

ومن هنا أيضاً ، كان جهاد النفس صعباً وفظيعاً . يكفي أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في الرواية اعتبره الأكبر ، في حين اعتبر المقارعة بالسيوف هو الأصغر والأهون والأخف .

 

ولا يبعد التمثيل في جهاد النفس بذلك التنين الخرافي ذي الرؤوس السبعة . فكلما قطعت منه رأساً نبتت فوراً له في محله سبعة رؤوس . ولن يموت ما لم تعرف مقتله ، يعني محل ضربته القاتلة التي لا قيام له بعدها . هذا إذا لم تفر منه وتكفَّ عن قتاله أو تضعف عن مبارزته ، أو يعضك عضة يدعك بها ثقيل الظهر قليل الوفر .

 

ومن هنا صح القول المسموع : أشجع الناس من جاهد نفسه . والقول : إن أعدى أعدائك نفسك التي بين جنبيك .

 

وعداوتها ليست قليلة ولا هينة ، لأنها لو أعطى الفرد لها الفرصة وأرخى لها الرسن فإنها توقعه في أضرار الدنيا والآخرة .

 

ويكفي في ذلك ما عرضناه من أن الشهوات لا عقل لها . إذن فالنفس لا عقل لها ، والنفس غير العقل في باطن الإنسان . إذن فهي تريد متطلباتها مهما ترتب على ذلك من أضرار في الدنيا أو في الآخرة ، ومن هنا ورد في الدعاء  في وصفه أثر النفس : إنها تشكل بي سبيل المهالك وتجعلني عندك أهون هالك .

 

صفحة (180)

الفقرة (4)

 

المفروض في الفرد إذا كان فاهماً لخير دنياه وآخرته . أن يحكم عقله في نفسه ، لا أن يحكم نفسه في عقله . فالبرغم من أنه من السهل والطيب في نظر الفرد أن يكون عقله عبداً لنفسه ومنفذاً لأغراضها ولذاتها ، إلاَّ أن المفروض في ذلك هو العكس .وهو أن يحكم عقله في نفسه ويكبح به شهواتها ولذاتها ، ويأخذ منها عبوديتها للعقل ، وإن أبت ذلك وتمردت عليه .

 

وبالأحرى فإن المفروض بالفرد أن يحكم المصلحة الواقعية لذاته وينجزها ، فإن وجد ذلك في أحكام عقله أخذ بها، وإن وجدها في أحكام مجتمعه تصرف طبقاً لها . وإن وجدها في أحكام دينه سار عليها . ومهما يكن من حال، فليس لنفسه فيها نصيب .

 

إلاَّ أن هناك فقرة صعبة لا يجب أو يجب أن لا يهملها الفرد . وهي ظاهرة موجودة في كل الأفراد إلاَّ من عصمه الله . وهو أن النفس يمكنها أن توهم الفرد أن حكمها هو حكم العقل ، فيجب الأخذ به . أو أن تأخذ بحكم العقل فعلاً، ولكنه قد يكون حكماً خاطئاً. أو أن تستخدم العقل لأجل تذليل مصاعب شهواتها وأهدافها الدنية، كمن يفكر ويخطط بعقله لأجل أن يسرق أو أن يزني أو أن يشرب الخمر .


وفي كل ذلك سيلبس الحكم ثوب كونه عقلياً ، ويتخذ بنظر صاحبه قدسية وأهمية . فيتحمس من أجله . في حين أنه قد يكون هاجس نفسه أو شيطانه .
وهذا غير مسألة التفات الفرد إلى أن الحكم يجب أن يعصى أن يكذب إذا لم يثبت أنه من العقل . أو إذا ثبت كونه من النفس
.فإن أغلب الأفراد لا يؤمنون بذلك ولا يلتفتون إليه، بل يجدون أغلب طموحاتهم ورغباتهم مشروعة وواجبة التنفيذ . ويعتبرونها حاجة ضرورية لا بد من السعي لإنجازها .

 

صفحة (181)

 

في حين أن الفرق بين حكم العقل وحكم النفس لا ينبغي أن يخفى . فإن النفس ليس لها حكام نظرية . وإنما هي الرغبة والشهوة والطمع . وأوضح أمثلته الجوع والعطش والغضب . فكما قد يستهدف الفرد شرب كأس من الماء قد يستهدف الشهرة أو سرقة بناية أو الاستماع إلى أغنية حلوة .

 

وأما ما قد يقال : من أن التخطيط لإنجاز ذلك ، هو من أحكام النفس .

فغير صحيح لأنه لإنما هو من أحكام العقل . وإلاَّ أنه حكم بذلك بصفته عبداً للنفس ومنفذاً لأغراضها . ومن هنا نسب إلى النفس مجازاً . لأن لها نحواً من التسبيب لها .

 

يكفي في ذلك الالتفات إلى أن ما يقال عادة من أن الحيوان لا عقل له إطلاقاً . قلنا إنه غير صحيح إطلاقاً بل له مقدار من العقل ما يزجي به حوائج نفسه ويحفظ به حياته .

 

ولو لم يكن له عقل إطلاقاً ، لما فهم كيفية تلافي جوعه وعطشه وشهوته الجنسية . ولما أدرك طعامه وشرابه ومنامه . في حين أننا نرى الحيوانات يتصرفون في مثل ذلك بشكل جيد نسبياً . وهذا علامة وجود العقل عندهم لا محالة . وإن لم يكن بطبيعة الحال ، كالعقل البشري ، ولو كانت الشهوة فيه وحدها لقتلته .

 

وعلى أي حال ، فقد حملنا بذلك ، فكرة كافية عن التفريق بين اتجاهات النفس واتجاهات العقل .

 

الفقرة (5)

 

وأنا أجد أن كل أنواع الجهاد الحق ، إنما تكون حقاً ومرضية لله سبحانه ، فيما إذا كانت مصداقاً وتطبيقاً لجهاد النفس ، فإن جهادها يورث القناعة بالواقع الشخصي والرضا بالقدر والقضاء .


فإذا حصل ذلك كان الفرد مقتنى بحاله الصعبة التي هو فيها والتي دخلها مرغماً أو محرجاً ، كالفقر أو الحرب أو المرض أو أية مصاعب أو بلايا في الدنيا . فيستطيع أن يقدم قناعته بصحة ذلك أمام الله سبحانه . فيكون على حق ، من زاوية توافق رضاه مع رضى الله سبحانه ، حيث اختار له هذا النوع من البلاء .

 

صفحة (182)

 

لا أنه يسخط ويتمرد على شيء يرضاه الله سبحانه في خلقه .

فإذا لم يحصل الرضا والتسليم ، كان الفرد في الباطل ، ولم ينفعه الجهاد والبلاء الذي هو فيه ، بل زاده شراً في الدنيا والآخرة . وإن كان الجهاد في نفسه حقاً .


ومن هنا يستطاع القول : بأن الجهاد الأصغر يعود في معناه إلى الجهاد الأكبر ، أو هو جزء منه ولو لم يكن جزءاً منه لم يفد العبد ثواباً إطلاقاً . ومن هنا ورد : لا فتنة أعلى من السيف . لأن مؤداه التضحية بالنفس كاملة لله سبحانه وتعالى . ومن المعلوم أن الرضا بذلك والتسليم له من أفضل العبادات ، بل هو أفضلها على الإطلاق ، سواء حصل فعلاً أم لا . ومن هنا قيل : والجود بالنفس أقصى غاية الجود .

 

وكما يمكن أن يهب الفرد نفسه لله عز وجل ، يمكن أن يهب بعض صفاته أيضاً ، كالصحة بتحمل المرض ، والغنى بتحمل الفقر ، والزواج بتحمل العزوبة . وغير ذلك الكثير . كل حسب حاله . على معنى الرضا والتسليم بتلك الحال التي اختارها الله تعالى له .

 

الفقرة (6)

 

والبلاء الذي يمكن للفرد أن يتحمله في الدنيا ، إما اضطراريّ وإما اختياريّ . وكلاهما ينقسم إلى قسمين : فالاضطراري ينقسم إلى ما يتسبب من المؤثرات الخارجية القهرية كالمرض أو الجرح أو الرض نتيجة السقوط مثلاً ... وإلى ما يتسبب من فعل الآخرين . وهو في الغالب البلاء الأصعب والأهم ، فإن البشر يؤذي بعضهم البعض لا محالة . ما دامت أنفسهم أمارة بالسوء فعلاً . ومن هنا نسمع بعضنا يدعو لبعض : كفاك الله شر ابن آدم . فلو استجاب الله هذا الدعاء زال حوالي تسعين بالمئة من مصاعب الدنيا .

وعلى أي حال ، فكلا النوعين من البلاء ، يحب أمام الله سبحانه أن يواجهه الفرد بالرضا والتسليم .

وينقسم البلاء الاختياري إلى قسمين أيضاً : من حيث إنه مرة يفيد الآخرين وتارة لا يفيد به إلاَّ نفسه .

 

صفحة (183)

فإفادة الآخرين بالأمر المعروف والنهي عن المنكر ، وبالحرب الجهادية عند حصول مشروعيتها ، وبذل المال في سبيل المصالح الخاصة للآخرين كالتزويج أو المصالح العامة لهم كبناء مستشفى أو مسجد . فإذا أدى الفرد مثل هذه التضحيات راضياً لله عز وجل ، كان سعيداً وشهيداً في الدنيا والآخرة .

 

وإفادة النفس تكون بما يسمى بالرياضات الروحية التي يتكفلها الإنسان لنفسه كالجوع والعطش والسهر . والناس في ذلك مختلفون ، فمنهم من يتحمل الريضات الشديدة ، ومنهم من يعجز عن الضعيفة . وكلها تنتج التكامل الروحي والسمو في عالم المعنى . وأحياناً تنتج آثاراً وضعية غريبة وصفات لصاحبها غير معهودة . وكل ذلك يكون بقهر النفس وإرغامها بالمصاعب .

 

فإن قلت : كيف يجتمع قهر النفس وإفادة النفس . قلنا : نعم ، النفس تستفيد من قهرها . كما قيل :

        اقتلوني يا فـــتــــاتي               إن في قــتلي  حــيـــاتي
 

أن نقول : إن ما يقهر ويكبت إنما هو درجة متدنية من النفس ، لكي تحصل الفوائد الجمة في درجة عالية منها.  

الفقرة (7)

 
بقي أن نشير إلى أن تحمل البلاء الاختياري ، قد يكون سبباً غالباً لدفع البلاء الاضطراري .

فإن الدنيا دار بلاء ، ولا يستفيد الفرد في الآخرة إلاَّ من مزيد البلاء في الدنيا . فإن لم يكن الفرد مدركاً لأهمية البلاء الاختياري ولزومه له ، بل كان سادراً في دنياه لاهياً عن أخراه ، أتاه البلاء الاضطراري قهراً عليه . من أجل أن يعي واقعه وأن يلتفت إلى خالقه . وهذا هو النوع الأغلب من البلاء .

باعتبار أن أكثر البشر من هذا النوع  الذي يكون مستحقاً له .

 

صفحة (184)

 

وأما إذا اختار الفرد لنفسه البلاء الاختياري ، بأي واحد من قسميه أو بكلا قسميه ، فقد حصل سبب الثواب والتكامل ، فلا تبقى هناك حاجة لحصول البلاء الاضطراري . فيدفعه الله تعالى عنه . ومن هنا ورد بالمضمون: من أعرض عن الدنيا أتته الدنيا وهي راغمة . ولا يجمع الله سبحانه على الفرد ، البلاءين الاضطراري والاختياري ، إلاَّ نادراً ، حين يراه متحملاً صابراً من ناحية ، ومستحقاً لمزيد الثواب من ناحية ثانية .


وإذا حصلت درجة من الضيق من البلاء الاضطراري أمكن التخفيف من البلاء الاختياري . لكي لا تجزع النفس فيرتفع الرضا والتسليم ويسقط الثواب . ومن هنا ورد عن بعض الأئمة سلام الله عليهم : أنه كان إذا اشتد به الحال قلل من النوافل .

 

الفقرة (8)

 

عرفنا أن البلاء الاختياري أو الجهاد الاختياري قسمان : اجتماعي وفردي .

وكلاهما موجب للتكامل والثواب ، ما دام الإخلاص في النية حاصلاً .

ومعنى ذلك أن الفرد يستطيع أن ينال من كلا القسمين ليتكامل بكلا السببين .

 

غير أن هنا إشكالاً على الجهاد الاختياري الاجتماعي . من حيث إن الجهاد الفردي خير منه ، لأنه يتضمن العزلة والابتعاد عن الناس قليلاً أو كثيراً ، ومن ثم يستطيع الفرد بذلك أن يكفي كثيراً من المصاعب الدنيوية والمعنوية الناتجة عن الاختلاط بالمجتمع . على حين لا تكون إفادة الآخرين إلاَّ بالاتصال بهم ، وإن لزم من ذلك بعض المضاعفات . فأي من هذين النوعين يجب أن يتخذه الفرد ، ليكون مرضياً لله عز وجل .

 

ولذلك عدة أجوبة محتملة نذكر منها:

الأول : أن يختار الجهاد الاجتماعي ، لأنه يتضمن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامة الشعائر الدينية ونحو ذلك . مما هو مطلوب وجوباً أو استحباباً في الشريعة في حين أن الجهاد الفردي بالجوع والعطش مما لم يثبت فيه ذلك .

 

صفحة (185)

 

إلاَّ أن هذا الوجه غير تام لأكثر من جواب واحد :

أولاً : إن الفرد لا يمكنه أن ينفع المجتمع نفعاً صحيحاً ما لم يكن هو متكاملاً . فإن الفائدة التي يؤديها الناقص ناقصة لا محالة . بخلاف الفائدة التي يؤديها الكامل . كما قال الشاعر :

 

      يا أيهـا الرجــل المعلـم غيــره                   هـلا لنفسك كان ذا التعليـم

      تصف الدواء لذي السقام وذي الضنى                    كيــما يصح به وأنت سقيم

      ابدأ بنفسك فانهها عن غيّــهـــا                    فـإذا انتهت عنه فأنت حكيم

 
فإذا لم يتكامل بالجهاد الفردي ، لم يكن الجهاد الاجتماعي منه متكاملاً ومقبولاً .

 

ثانياً:إن ما زعمه السائل من عدم ثبوت الدليل على رجحان الجهاد الفردي ، قصور في القول . لوضوح أن الزهد مطلوب في الشريعة أكيدا ً.

والتكامل الروحي والعقلي مطلوب أيضاً ، فكلما كان سبباً لذلك كان مطلوباً أيضاً . والجهاد الفردي مع الإخلاص في النية سبب لذلك بلا شك .

 

الثاني: أن يختار الجهاد الفردي ويدع الجهاد الاجتماعي تماماً . وهذا ما عليه حال العباد والزهاد والصوفية بمختلف مذاهبهم وعقائدهم . بعنوان ما أشرنا إليه من أن تقويم النفس خير من تقويم الغير . وأن تحصيل التكامل المعنوي أولى من تحصيل التكامل الاجتماعي . وأن العمل الاجتماعي فيه مظنة الرياء وحب الدنيا ونحو ذلك ، في حين لا يكون ذلك في الاعتزال موجوداً .

 

وهذا ليس صحيحاً على إطلاقه ، بل قد يكون- في الغالب – ناتجاً عن قلة الشعور بالمسؤولية الدينية ، بوجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقضاء حاجة المحتاجين ، التي كثيراً ما تكون واجبة شرعاً . فهل يترك الواجب الشرعي في سبيل إنجاز شيء مستحب ؟

 

الثالث : أن يختار الفرد العمل بكلا النوعين ، حسب ما يشعر وجداناً في كونه أرضى الله عز وجل . وهذا أمر يختلف بين الأفراد جداً . وليس له ضابط معين سوى الشعور بكونه أرضى الله عز وجل .

 

صفحة (186)

وما يقال عادة : من أن الجهاد الاجتماعي يستلزم الاختلاط بالأفراد ، وهذا الاختلاط يورث تشوش النفس ، ومن ثم وقوف التكامل . ونحو ذلك من التسويلات .

 

فجوابه لأكثر من وجه واحد :

أولاً : إن كلاً منهما عبادة مطلوبة لله عز وجل إجمالاً ، وأي منهما جاء به الفرد مع إخلاص النية ، كان مقبولاً وسبباً للتكامل .

ومعنى إخلاص النية في الجهاد الاجتماعي : أن الفرد يستغني في عمله ذاك عن نوايا الرياء والعجب وحب الدنيا ونحو ذلك .

ثانياً : إن كلا النحوين من الجهاد : الفردي والاجتماعي له درجة من الصعوبة . وكلما كان الجهاد أصعب كان أرضى لله عز وجل . كما قيل أفضل الأعمال أحمزها .

 

ومن المعلوم في الأعم الأغلب أن الجهاد الاجتماعي أصعب من الجهاد الفردي ، في الحاضر والمستقبل أما في الحاضر ففيما قد يراه الفرد من الآخرين من ردود فعل سيئة تجاهه قلّت أو كثرت . وأما في المستقبل فللمخاوف مما قد يحصل من مضاعفات سيئة دنيوياً وبلاء ضده . فإذا وضع في فكره تحمل ذلك . كان مجاهداً بالجهادين معاً : الأصغر والأكبر . ومستفيداً للمقامات المعنوية لا محالة .

 

الفقرة (9)

 

ومما لا ينبغي إهماله الالتفات إلى أن ما سميناه بالجهاد الفردي أو السلوك المعنوي الروحي ، مما يلتزم به عدد من الناس من مختلف الأديان والمذاهب .

وقد نرى أنه ناجح ومنتج للجميع ، ولا يخص ديناً دون دين ولا مذهباً دون مذهب . في حين أن المفروض اختصاصه بالعقيدة الحقة فكيف حصل ذلك ؟

صفحة (
187)

 

وجوابه من وجوه نذكر منها :

الوجه الأول : إن ما قيل في السؤال صحيح أكيداً ، إلاَّ أن الدرجة المعنوية أو الروحية التي يصل إليها الفرد تختلف لأسباب عديدة منها ما هو داخل تحت سيطرة الفرد وقدرته كإداراكاته وطلبه ، ومنها ما هو خارج منها كتأثير الآخرين ضده بما يعلمون وبما لا يعلمون ، وكتأثير الحكمة المطلقة في حرمانه من بعض النتائج .

فإذا اقتضت كل تلك الأسباب وصوله إلى درجة معينة ، وصل إليها ، وإن لم تقتض ذلك حرم منها .

 

ومن المعلوم أن اختلاف الإدراك والأديان ، يقتضي اختلاف الأهداف المطلوبة للفرد في جهاده الفردي . فإذا أوصله جهاده إلى أية مرتبة ، فقد أصبح محروماً من المرتبة التي فوقها . لأنه لم يلتفت إليها ولم يطلب الوصول إليها . لأن مستوى إدراكه هو ذلك .

 

الوجه الثاني : إننا نعلم أن الأهداف العليا المعنوية الحقانية ، لا تنال إلاَّ بالولاية الحقانية . وأما بدونها فلا ، بل يبقى الفرد متردداً في المقامات الأدنى منها ، تخيل نفسه مرتفعاً وواصلاً . فهو متوهم وخاطئ لا محالة .

 

الوجه الثالث : إن هناك ما يسمى بالعوالم الوسطى أو البرزخية وتسمى قوانينها بالقوانين الوسطى . ومن أوضح أمثلتها المعروفة السحر بأنواعه والبارسايكولوجي بأنواعه . ولكنها مع ذلك فهي متدنية عن الأهداف الروحية الحقانية .

 

ومن هنا تتصف بعدة صفات :

أولاً : إنما لا تعتبر وصولاً إلى أي هدف حق .

ثانياً : إن طلبها لا يختلف عن طلب الدنيا كثيراً ، بل هو انشغال بالمخلوق عن الخالق .

ثالثاً : إنها تحصل لأي دين ولأي مذهب . مع العلم أن الدين الحق واحد لا يتعدد . فيكف تحصل لدى من يكون باطلاً في دينه ، إلاَّ كونها متدنية . وأما الهدف الأعلى فلا يحصل إلاَّ بالحق .

 

صفحة (188)


رابعاً : إن هذا السير الفكري ينتج أن للكون أو الوجود بالمعنى العام ثلاثة مستويات من القوانين .

   المستوى الأول : القوانين الطبيعية المعهودة للكون المادي .

   المستوى الثاني : القوانين الوسطى للعوالم الوسطى .

   المستوى الثالث : القوانين العليا للعالم الأعلى .

 

فمن المستوى الأول ينتج التبريد في الصيف والتدفئة في الشتاء مثلاً . ومن المستوى الثاني تنتج نتائج السحر والشعبذة والباراسايكولوجي . ومن المستوى الثالث : تنتج المعجزت والكرامات .

 

ومن هنا قلنا في مناسبات سابقة إن من أهم الاختلافات بين نتائح السحر ونتائج المعاجز ، هو القوانين الصادرة منها . فبينما يكون السحر ناتجاً عن القوانين الوسطى تكون المعجزة ناتجة عن القوانين العليا .

 

ولكن نقطة صعوبة ذلك ، هو عدم إمكان التمييز بين هذين الشكلين من القوانين بالنسبة إلى الأفراد الاعتياديين. فإنه مما لا ينالها إلاَّ ذو حظ عظيم ، من خاصة الخلق .

 

خامساً : إن نتائج القوانين الوسطى ، لا تكون دليلاً على أحقية المذهب أو الدين للفرد الذي يعملها ويعاملها . لأنها تنتج من مختلف المذاهب والأديان . مع أن الحق واحد عقلاً وإجماعاً .

 

وبخلاف نتائج القوانين العليا ، فإنها تدل على صحة معتقدات أصحابها ومدعياتهم ، ومن هنا كانت المعجزات دليلاً على صدق النبوة ، لأن الأنبياء يكونون على هذا المستوى العالي لا محالة . ولا يمكن أن تصدر عنهم ولا عن أي فرد إذا كان كاذباً أو سقيماً في سلوكه أو عقيدته .

   

صفحة (189)

الفقرة (10)
 

 من قول سيد الخلفاء وأمير المؤمنين بالدنيا وما فيها .

انظروا إلى الدنيا نظر الزاهدين فيها الصادفين عنها . فإنها والله ، عما قليل تزيل الشاوي الساكن وتفجع المترف الآمن . لا يرجع ما تولى منها فأدبر ، ولا يدري ما هو آت فينتظر . سرورها مشوب بالحزن وجلد الرجال فيها إلى الضعف والوهن . فلا يغرنكم كثرة ما يعجبكم فيها لقلة ما يصحبكم منها .

 

رحم الله أمرأ فاعتبر ، واعتبر فأبصر . فكأن ما هو كائن من الدنيا عما قليل لم يكن . وكأن ما هو كائن من الآخرة عما قليل لم يزل . وكل معدود منقوص وكل متوقع آت وكل آت قريب دان .

 

ومن خطبة له في ذلك أيضاً :

أما بعد، فإني أحذركم الدنيا ، فإنها حلوة خضرة حفت بالمكاره وتحببت بالعاجلة وراقت بالقليل ، وتحلت بالآمال وتزينت بالغرور.لا تدوم حيرتها ولا تؤمن فجعتها .غزارة ضرارة ، حائلة زائلة ، نافذة بائدة ، أكالة غوالة .

 

لا تعدو – إذا تناهت إلى أهل الرغبة فيها والرضاء بها – أن تكون كما قال الله تعالى سبحانه ﴿كما أنزلناه من السماء، فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيماً تذروه الرياح ، وكان الله على كل شيء مقتدراً﴾ لم يكن امرؤ منها في حيرة إلاَّ أعقبته بعدها عبرة . ولم يلق في سرائها بطناً إلاَّ منحته من ضرائها ظهراً . ولم تطله فيها ديمة رخاء إلاَّ هتنت عليه مزنة بلاء وحيرة إذا أصبحت له منتصرة أن تمسي له متنكرة وإن جانب منها اعذوذب واحلولى ، أمر منها جانب فأوبى .

 

لا ينال امرؤ من غضارتها رغباً ، إلاَّأرهقته من نوائبها تعباً . ولا يمسي منها في جناح آمن إلاَّ أصبح في قوادم خوف .

 

غرارة غرور ما فيها . فانية فان من عليها . لا خير في شيء من أزوادها إلاَّ التقوى . من أقل منها استكثر فيما يؤمنه ومن استكثر منها مما يوبقه وزال عما قليل عنه . كم واثق بها فجعته وذي طمأنينة إليها صرعته . وذي أبهة قد جعلته حقيراً . وذي نخوة قد ردته ذليلاً . سلطانها دول وعيشها رنق وعذبها أجاج وحلولها صبر وعذاؤها سمام وأسبابها رمام . حيّها بعرض موت وصحيحها بعرض سقم . ملكها مسلوب وعزيزها مغلوب وموفورها منكوب وجارها محروب .

 

صفحة (190)


ألستم في مساكن من كان قبلكم أطول أعماراً وأبقى آثاراً وأبعد آمالاً وأعد عديداً وأكثف جنوداً . تعبدوا للدنيا أي تعبد وأثاروها أي إيثار . ثم طعنوا عنها بغير زاد مبلغ ولا ظهر قاطع . فهل بلغكم أن الدنيا سخت لهم نفساً بفدية أو أعانتهم بمعونة أو أحسنت لهم صحبة ؟

 

بل أرهقتهم بالقوادح وأوهنتهم بالقوارع وضعضعتهم بالنوائب ، وعفرتهم للمناخر ووطأتهم بالمناسم . وأعانت عليهم ريب المنون .

 

فقد رأيتم تنكرها لمن دان لها ، وآثرها وأخلد لها ، حتى ضعفوا عنها لفراق الأبد ، وهل زودتهم إلاَّ السغب أو أحلتهم إلاَّ الضنك أو نورت لهم إلاَّ الظلمة أو أعقبتهم إلاَّ الندامة أفهذه تؤثرون أم إليها تطمئنون أم عليها تحرصون .

 

فبئست الدار لمن لم يتهمها ولم يكن فيها على وجل منها . فاعلموا – وأنتم تعلمون – بأنكم تاركوها وطاعنون عنها . واتعظوا فيها بالذين قالوا : ﴿من أشد منا قوة﴾ حملوا إلى قبورهم فلا يدعون ركباناً وأنزلوا الأجداث فلا يدعون ضيفاناً . وجعل لهم من الصفيح أجنان ومن التراب أكفان ومن الرفات جيران .

إلى آخر الخطبة .

 

ومن خطبة أخرى له عليه السلام في ذلك .

يدعي بزعمه أنه يرجو الله . كذب والعظيم . ما باله لا يتبين رجاؤه في عمله . فكل من رجا عرف رجاؤه في عمله . وكل رجاء إلاَّ رجاء الله فإنه مدخول . وكل خوف محقق إلاَّ خوف الله فإنه معلول . يرجو الله في الكبير ويرجو العباد في الصغير . فيعطي العبد ما لا يعطي الرب .

 

فما بال الله جل ثناؤه يقصر به عما يصنع لعباده .أتخاف أن تكون في رجائك له كاذباً ، أو تكون لا تراه للرجاء موضعاً . وكذلك إن هو خاف عبداً من عبيده ، أعطاه من خوفه ما لا يعطي ربه ، فجعل خوفه من العباد نقداً ، وخوفه من خالقهم ضماراً وفقداً .

 

صفحة (191)

 

وكذلك من عظمت الدنيا في عينه ، وكبر موقعها في قلبه ، آثرها على الله تعالى ، فانقطـع إليها وصار عبداً لها .

ولقد كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) . كاف لك في الأسوة ، ودليل لك على ذم الدنيا وعيبها ، وكثرة مخازيها ومساويها ، إذ قبضت عنه أطرافها ووطئت لغيره أكنافها . وفطم عن رضاعها وزوي على زخارفها .

إلى أن قال عليه الصلاة والسلام :

فلينظر ناظر بعقله أكرم الله محمداً بذلك أم أهانه ، فإن قال : أهانه ، فقد كذب والعظيم ، وإن قال أكرمه فليعلم أنا الله قد أهان غيره حيث بسط الدنيا له وزواها عن أقرب الناس منه .

فتأسى متأس بنبيه ، واقتفى أثره وولج مولجه . وإلاَّ فلا يأمن الهلكة . فإن الله جعل محمداً (صلى الله عليه وآله وسلم) علماً للساعة ومبشراً بالجنة حجراً على حجر حتى مضى لسبيله ، وأجاب داعي ربه .

فما أعظم منة الله عندنا ، حين أنعم علينا به سلفاً نتبعه ، وقائداً نطأ عقبه .

ولقد رقعت مدرعتي حتى استحييت من راقعها . ولقد قال لي قائل : ألا تنبذها . فقلت : اغرب عني . فعند الصباح يحمد القوم السرى .

 الفقرة (11)

 

ومن خطبة له عليه السلام في وصف المؤمنين :

روى أن صاحباً لأمير المؤمنين عليه السلام ، يقال له همام ، كان رجلاً عابداً ، فقال : يا أمير المؤمنين صف لي المتقين حتى كأني أنظر إليهم . فتثاقل عليه السلام من جوابه . ثم قال : يا همام اتق الله وأحسن فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون .

 

صفحة (192)

فلم يقنع همام بهذا القول حتى عزم عليه . فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ثم قال :

أما بعد فإن الله سبحانه وتعالى ، خلق الخلق حين حين خلقهم غنياً عن طاعتهم ، آمناً من معصيتهم ، لأنه لا تضره معصية من عصاه من عصاه ولا تنفعه طاعة من أطاعه . فقسم بينهم معيشتهم ووضعهم في الدنيا مواضعهم .

 

فالمتقون هم أهل الفضائل . منطقهم الصواب وملبسهم الاقتصاد ومشيهم التواضع . غمضوا أبصارهم عما حرم الله عليهم، ووقفوا أسماعهم على العلم النافع لهم.نزلت أنفسهم منهم في البلاء كالتي نزلت في الرخاء . ولولا الأجل الذي كتب لهم لم تستقر أرواحهم في أجسادهم طرفة عين شوقاً إلى الثواب وخوفاً من العقاب .

 

عظم الخالق في أنفسهم ، فصغر ما دونه في أعينهم . فهم والجنة كمن قد رآها فهم فيها منعمون . وهم والنار كمن قد رآها فهم فيها معذبون . قلوبهم محزونة وشرورهم مأمونة ، وأجسادهم نحيفة وحاجاتهم خفيفة وأنفسهم عفيفة . صبروا أياماً قصيرة أعقبتهم راحة طويلة .

 

تجارة مربحة ، يسرها لهم ربهم . أرادتهم الدنيا فلم يريدوها وأسرتهم ففدوا أنفسهم منها . أما الليل فصافون أقدامهم تالين لأجزاء القرآن يرتلونه ترتيلاً .

يحزنون به أنفسهم ، ويستثيرون به دواء دائهم . فإذا مروا بآية فيها تشويق ركنوا إليها طمعاً وتطلعت نفوسهم إليها شوقاً ، وظنوا أنها نصب أعينهم .


وإذا مروا بآية فيها تخويف ، أصغوا إليها مسامع قلوبهم ، وظنوا أن زفير جهنم وشهيقها في أصول آذانهم . فهم حانون على أوساطهم مفترشون لجباههم وأكفهم وركبهم وأطراف أقدامهم . يطلبون إلى الله تعالى في فكاك رقابهم .

 

وأما النهار فحلماء علماء أبرار أتقياء ، قد براهم الخوف بري القداح . ينظر إليهم الناظر فيحسبهم مرضى وما بالقوم من مرض . ويقول : قد خولطوا ولقد خالطهم أمر عظيم .

 

صفحة (193)

 

لا يرضون من أعمالهم القليل ، ولا ييستكثرون الكثير . فهم لأنفسهم متهمون ، ومن أعمالهم مشفقون . إذا زكي أحدهم خاف مما يقال له ، فيقول :

أنا أعلم بنفسي من غيري وربي أعلم بي من نفسي . اللهم لا تؤاخذني بما يقولون واجعلني أفضل مما يظنون واغفر لي ما لا يعلمون .

فمن علامة أحدهم : أنك ترى له قوة في دين وحزماً في لين وايماناً في يقين . وحرصاً في علم وعلماً في حلم وقصداً في غنى وخشوعاً في عبادة، وتحملاً في فاقة وصبراً في شدة وطلباً في حلال ونشاطاً في هدى وتحرجاً عن طمع . يعمل الأعمال الصالحة وهو على وجل ، يمسي وهمه الشكر ويصبح وهمه الذكر . يبيت حذراً ، ويصبح فرحاً . حذراً لما حذر من الغفلة وفرحاً بما أصاب من الفضل والرحمة .

إن استصعبت عليه نفسه فيما تكره ،لم يعطها سؤلها فيما تحب . قرة عينه فيما لا يزول وزهادته فيما لا يبقى. يمزج الحلم بالعلم والقول بالعمل .تراه قريباً أمله قليلاً زلله ، خاشعاً قلبه قانعة نفسه . منذوراً أكله سهلاً أمره، حريزاً دينه ، مميتة شهوته مكظوظاً غيظه الخير منه مأمول والشر منه مأمون .

 

إن كان في الغافلين كتب من الذاكرين . وإن كان في الذاكرين لم يكتب من الغافلين .

يعفو عمن ظلمه ويعطي من حرمه ويصل من قطعه . بعيداً فحشه ليناً قوله غائباً منكره حاضراً معروفه ، مقبلاً خيره ، مدبراً شره . في الزلازل وفي المكاره صبور ، وفي الرضاء شكور. لا يحيف على من يبغض ولا يأثم فيمن يحب .

 

يعترف بالحق قبل أن يشهد عليه ، لا يضيع ما استحفظ ولا ينسى ما ذكر ولا يتأثر بالألقاب ، ولا يضار بالجار ولا يشمت بالمصائب ولا يدخل في الباطل ، ولا يخرج من الحق . إن صمت لم يغمه صمته وإن ضحك لم يعل صوته . وإن بغي عليه صبر حتى يكون الله هو الذي ينتقم له .

 

نفسه منه في عناء والناس منه في راحة . أتعب نفسه لآخرته ، وأراح الناس من نفسه . بعده عمن تباعد منه زهد ونزاهة . ودنوه ممن دنا منه لين ورحمة .
 

صفحة (194)


ليس تباعده بكبر وعظمة ولا دنوه بمكر وخديعة .

قال : فصعق همام صعقة كانت نفسه فيها .

فقال أمير المؤمنين عليه السلام : أما والله لقد كنت أخافها عليه ثم قال : أهكذا تصنع المواعظ البالغة بأهلها .

فقال له قائل : فما بالك يا أمير المؤمنين . فقال : ويحك إن لكل أجل وقتاً لا يعدوه وسبباً لا يتجاوزه . فمهلاً لا تعد لمثلها . فإنما نفث الشيطان على لسان .

 

الفقرة (12)


ومن زهده عليه السلام أنه كان يكسر قرص الشعير بركبته ويأكله ، لشدة جفافه . كما أن المروي أنه دعا ابنته بجلب الطعام فأتته بخبز الشعير مع ملح وخل ، فزجرها وقال لها : أتقبلين أن يطول وقوف أبيك يوم القيامة . وأمرها أن تحمل أحد الإدامين فحملت الخل واكتفى بإدام الملح .

ولنا به كما لنا برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أسوة حسنة .

 

غير أن بعض الإشكالات المشورة التي قد تتوجه إلى اللزوم الأخلاقي في الالتزام بهذه المراتب من الزهد .

أود إيراد بعضها مع ما أمكن من مناقشتها :

الإشكال الأول : إن أمير المؤمنين نفسه عليه السلام رفع عنا هذا الثقل بمثل قوله : ألا وإنكم لا تقدرون على ذلك . ولكن أعينوني بورع واجتهاد وعفة وسداد . أقول : فإذا كنا لا نقدر على ذلك فكيف يكون المطلوب منا ما لا نقدر عليه ، وهل هذا إلاَّ من طلب المحال .

وجوابه من عدة وجوه :

أولاً: إنه ثبت بالتأكيد أن زهد أمير المؤمنين عليه السلام وعبادته، مما لا يطيقها أحد ، حتى أبناؤه المعصومين عليهم السلام فضلاً عن غيرهم .

 

صفحة (195)

ولذا ورد عن الإمام زين العابدين عليه السلام وهو من أشهر الزاهدين العابدين قوله : ومن الذي يقدر على عبادة علي بن أبي طالب ؟

إلاّ أن هذا لا ينافي صحة السير في هذا الطريق ومطلوبيته ورجحانه من كل فرد بمقدار ما أمكنه وتيسر له . ولو بالتدريج البطيء والتمرين المستمر .

 

ثانياً : إن كل ما قيل في الإشكال عن حال أمير المؤمنين يقال عن حال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فإن عبادته وزهده مما لا يطيقها أحد .

فإنها لا تقصر عن عبادة أمير المؤمنين وزهده . ولكن مع ذلك نص القرآن بوجوب الأسوة الحسنة برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) . فإذا تمّ الإشكال ، كان هذا الأمر القرآني خاطئاً ، وحاشاه ، لأنه من الأمر بالمستحيل .

 

ثالثاً : إن هؤلاء المعصومين سلام الله عليهم تزهدوا ، وهم في غنى عن الزهد . لأن الزهد يطلب من أجل تطهير النفس والتكامل بها في الدرجات العلا . وهم سلام الله عليهم متصفون بذلك . فلا حاجة لهم إلى مقدماته وهو الزهد .

 

في حين أن الآخرين جميعاً في حاجة إلى التكامل لأنهم ناقصون ومتدنو الدرجات والكمالات فهم في حاجة إلى مقدماته وهو الزهد . فإذا كان من الراجح اتخاذ مسلك الزهد لمن لا يحتاجه أدباً أمام الله سبحانه وتعالى .

فكيف الحال بمن يحتاجه وليس له باب للتكامل إلاَّ به .

 

رابعاً : أنه سلام الله عليه حين قال : إلاَّ أنكم لا تقدرون على ذلك . قال أيضاً : ولكن أعينوني بورع واجتهاد وعفة وسداد . فهل أننا حين أيسنا من زهده وتركنا الزهد ، أعناه على أنفسنا بهذه الأمور . وهل عرفنا معنى هذه الأمور ، ومرمى كلامه سلام الله عليه ، وطبقناه على أنفسنا ، أسفاً للإشكالات الواهية والنفوس الخاوية .

 

الفقرة (13)

 

الإشكال الثاني : إن أمير المؤمنين عليه السلام كان يتخذ مسلك الزهد بصفته أميراً للمؤمنين أو رئيساً للدولة أو متصرفاً في المجتمع وليس بصفته مسلماً اعتيادياً ، ليكون من الراجح اتخاذ نفس لسائر المسلمين .

 

صفحة (196)

 

والشاهد على ذلك أنه يقول ، فيما يقول أيضاً : فكيف أرضى أن يقال :

أمير المؤمنين ولا أشاركهم مكاره الدهر وخشونة العيش .

 

وجواب ذلك من وجوه :

الوجه الأول : إنه لا شك أن منصب الإمارة والرئاسة على المجتمع أولى بكثير من الأفراد الاعتياديين ، بذلك ، وهذه الدرجة من الأولوية الأخلاقية كان يشعر بها سلام الله عليه . ومن هنا عبّر عنها في هذه الفقرة من كلامه . وهو لا ينافي وجود الرجحان الكامل بالنسبة لغيره أيضاً . كل ما في الأمر أنه رجحان أقل من تلك المرتبة العظيمة .

 

الوجه الثاني : إننا يمكن أن نتحدى أي أحد في أن يورد لنا أي دليل على أن الزهد ساقط تماماً عن غير منصب الرئاسة والإمارة . وهذه العبارة التي سمعناها عنه عليه السلام ، لا تدل على نفيه عن غيره ، وإن دلت على أهميتها بالنسبة إليه .

 

الوجه الثالث : إن الدليل موجود على لزوم المواساة أخلاقياً بين كل الناس . ولا يختص بمنصب معين . وذلك كقوله في بعض الأدعية : اللهم ارزقني مواساة من قترت عليه من رزقك بما وسعت عليّ من فضلك وأحييتني تحت ظلك. ومن الواضح أن مواساة الفقير تكون بعدم الزيادة على مستوى حياته من المأكل والملبس والمسكن. وإن كان الفرد متمكناً منا .

 

الوجه الرابع : إنه لو تمّ قول المستشكل للزم الفتوى فقهياً بوجوب الزهد على من يتولى رئاسة المجتمع ، كالملك أو رئيس القبيلة أو المرجع الديني أو رئيس الجمهورية وأضرابهم ، في حين لا يفتي أحد بذلك إجماعاً .

ونماذج المتدينين الذين أصبحوا في مثل هذه المناصب موجودة – ولو قليلاً – على مدى التاريخ . ولم ينقل عنهم أنهم التزموا بالزهد الواجب .

 

وهذا معناه أن الفقهاء فهموا فعلاً من الشريعة عدم وجوب الزهد على مثل هذه المناصب . إذن فالأمر يكون شاملاً حتى لأمير المؤمنين عليه السلام ، يعني أن الزهد لم يكن واجباً عليه بهذه الصفة كما زعم المستشكل .

 

صفحة (197)

 

الإشكال الثالث : إن الموارد في الجزيرة العربية في صدر الإسلام كانت ضعيفة والزراعة والصناعة والتجارة قليلة ومتدنية. ومن هنا كان الناس يكتفون بالقليل من المأكل والملبس والمسكن ، لأنهم لم يكونوا يستطيعون أكثر من ذلك. وكان مسلك الزهد مبنياً على ذلك . يعني كونه تجاوباً مع الظروف المعيشية . وإلاّ لو كان الأمر مختلفاً لما كان زهد الزاهدين موجوداً .

 

ويدل على ضعف الموارد ما ورد عن عائشة : إننا ما شبعنا من التمر حتى فتح الله خبير . وفي الرواية عن بعض الأئمة المتأخرين عن تلك الحقبة ، حين يسأل عن حسن لباسه مع تقشف أمير المؤمنين (ع) ، فيجيب بما مضمونه : أنه كانت الظروف الاقتصادية صعبة . وأما اليوم فقد أرسلت السماء عزاليها .

يعني أمطرت وأنتجت زراعة كافية . إذن فلا حاجة إلى الزهد .

 

أقول : أما ما أشرنا إليه من ترك الزهد في العصر المتأخر عن صدر الإسلام . فهذا ما سنجيب عليه في الإشكال الآتي . ولكن نجيب الآن عن الإشكال الحالي . من كون الزهد في صدر الإسلام ناشئاً عن الظروف الصعبة اقتصادياً ، ليس إلاَّ .

 

وجوابه من وجوه :

أولاً : إن الظروف لم تكن صعبة إلى هذه الدرجة ، وكانت التجارة السنوية بين مكة والشام ومكة واليمن ناجحة ورابحة (رحلة الشتاء والصيف) ، وكان هناك عدد من المتمولين الأثرياء في عصر الجاهلية وصدر الإسلام .

 

ثانياً : إن المعصومين سلام الله عليهم كانوا يستطيعون أن يكونوا من المتمولين دنيوياً لو أرادوا ذلك . ولكنهم رفضوه عن قناعة وعمد . وقد سمع الجميع ما في الرواية من أن قريش قد عرضت على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن تجعله ملكاً على المنطقة وأن تمكنه من الأموال والنفوس بشرط أن يتنازل عن دعوته فأبى قائلاً: "والله لو وضعت الشمس في يميني والقمر في شمالي على أن أترك هذا الأمر ما تركته أو أموت دونه" . وكان في مستطاعه القبول منهم على أي حال .

 

صفحة (198)

وأما أمير المؤمنين عليه السلام فيقول في بعض خطبه : لو شئت لاهتديت إلى نسائج هذا القز ومصفى هذا العسل . وهذا كاف في العبرة لنا أجمعين .

 

ثالثاً : إن زهدهم سلام الله عليهم كان أكثر من ظروفهم مهما كانت صعبة . ولو كانوا تبعاً للظروف لما فعلوا ذلك بكل تأكيد .

فمن ذلك ما سمعناه عن رسول الله (صلى الله علي وآله وسلم) أنه كان يأمر زوجته بإماطة القاش الذي عليه التصاوير لأنه يذكره بالدنيا . وما سمعناه عن أمير المؤمنين من أنه أمر ابننته بحمل أحد الادامين الموجودين مع قرص الشعير . وما سمعناه عنه عليه السلام : ولقد رقعت مدرعتي حتى استحييت من راقعها . وقد كان في مستطاعه أن يجددها . ولذا يقول بعد ذلك : ولقد قيل لي : هلا نبذتها . فقلت : اغرب عني فعند الصباح يحمد القوم السرى . يعني عند رؤية الثواب والمنازل العالية في الآخرة .

 

رابعاً : إنه يصادف خلال الأجيال أن يمر بعض المجتمعات المسلمة في أزمات اقتصادية وفقر ومصاعب . فهل سوف يقنع الناس بالقليل ويتخذون مسلك الزهد عن قناعة وفهم ؟ بل سوف لن نسمع منهم إلاَّ الاستغاثة والاعتراض على القضاء والقدر ولعن الظروف القاسية ، ولن نرى منهم إلاَّ الاشمئزاز وقلة الصبر على البلاء.

 

فإن قلت : فإن الناس في الجزيرة العربية في صدر الإسلام كانوا متعودين على التقشف ، ولم يكن يخطر في بالهم غير ذلك ، لكي نسمع منهم الاعتراض والتمرد كما سمعناه من غيرهم .

 

قلنا : كلا . فإن صورة الترف والثروة كانت معروفة لهم جميعاً ، وكان في مجتمعهم من هو ثري يعيش بالبذخ والإسراف . فضلاً عن الأخبار التي تردهم عن دول الأكاسرة والقياصرة وما فيها من رفاه وحضارة .

 

إذن ، كان هناك مجال واسع للاعتراض وقلة الصبر في ذلك المجتمع ، مع أنهم لم ينقل عنهم شيء من ذلك ولو بخبر ضعيف .

 

صفحة (199)

 

الفقرة (14)

 

الإشكال الرابع : ما أشرنا إليه من أن الزهد إن كان خاصاً ببعض المعصومين عليهم السلام ولم يكن عاماً للجميع . فلقد كان عدد منهم كالإمام الحسن المجتبى والإمام الباقر والإمام الصادق عليهم السلام يلبسون اللباس الفاخر ويأكلون الطعام الفاخر ، وينصحون الآخرين بذلك . فإذا سألوهم عن ذلك قالوا : إن زهد المتقدمين كان لصعوبة الزمان .

 

فإذا كان لنا بالمعصومين عليهم السلام أسوة حسنة . فنحن نكون بالخيار بين الزهد وعدمه ، لأن بعضهم كان هكذا وبعضهم كان هكذا .

بل ينبغي لنا أن نتبع جانب الأغلب ، لأن أغلبهم لم يكونوا من الزاهدين المتقشفين .

 

وجواب ذلك من وجوه :

أولاً : إنه لا دليل على كون طعامهم ولباسهم فاخراً ن بالمعنى الدنيوي ، وإن كان أفضل من بعض الجهات من صدر الإسلام .

ثانياً : إن المصلحة العامة الظاهرية كانت تقتضي ذلك . باعتبار كون المجتمع في ذلك الحين كان قد اعتاد على أنواع اللباس والرياش ، وخاصة للمشاهير والرؤساء ، وكان يعد الشخص المخالف لمثل هذه الحال ذليلاً ومحتقراً .

 

ولا شك أن الأئمة المعصومين سلام الله عليهم ، كانوا مشاهير ورؤساء في المجتمع في الجملة ، وإن لم تكن لهم الرئاسة الفعلية ، فكانت المصلحة العامة تقتضي تجاوبهم مع هذا المسلك ، وعدم إعطاء الأعداء مغمزاً ونقطة ضعف يدخل منها النقد والتجريح .

ثالثاً : ما ورد من أن الإمام سلام الله عليه ، بينما كان يلبس اللباس الفاخر ظاهراً كان يلبس تحته لباساً صوفياً مؤلماً لجلده ، بينما يفعل بعض الزاهدين بالعكس . فهو يلبس الصوف والمسوح ظاهراً ويلبس تحته قماشاً رقيقاً يقي جلده من الألم .


صفحة (
200)

 

وإذا جمعنا بين الوجهين الآخرين اتضح المطلب بجلاء. وأصبح ما ورد في الرواية مفهوماً تماماً حين يقول (ع): هذا لكم وهذا لنفسي . أقول : يعني هذا للناس وهو اللباس الفاخر ، وهذا الله وهو اللباس المؤلم الداخلي.

 

وهذا كله ينتج : أن كل المعصومين سلام الله عليهم زهاد عباد . ولكن بعضهم زهدهم ظاهر كمن كان منهم في صدر الإسلام ، وبعضهم زهدهم خفي . إذن ينسد وينقطع ما قلناه في الإشكال من أننا نتبع الأغلب ونترك الزهد . بل ينتج أن المتعين هو طريق الزهد لأن جميعهم متسالمون عليه بشكل وآخر .

الإشكال الخامس : أنه ورد في بعض الروايات ما قد يستفاد منه النهي عن الزهد .

وذلك في روايتين :

الأولى : بما مؤداه أنه جيء إلى الإمام عليه السلام بشخص متزهد يأكل الخشب ويلبس الخشن . فزجره وعنفه وقال له : إن الله تعالى غني عن زهدك ، وإن حالك إنما هو من الشيطان .

الثانية : ما ورد بما مؤداه أن شخصاً يقول للإمام عليه السلام : إني أصبحت أفضل الفقر على الغنى والمرض على الصحة والموت على الحياة . فأجاب الإمام عليه السلام : أما أنا فأفضل ما اختاره الله تعالى لي من هذه الأحوال .

فإن دلت هذه الروايات على شيء ، فإنما تدل على نفي الزهد وإبعاد الناس عنه وعدم التفكير بنتائجه ، كتفضيل الفقر على الغنى ونحو ذلك .

وجواب ذلك من وجوه :

الوجه الأول: إن هناك أشخاصاً قد تتصاعد عندهم الرغبة في الزهد أكثر من تحملهم وطاقتهم وصبرهم . فيتخذون مسلكاً صعباً على أنفسهم ويحملون أنفسهم ما لا يطيعون . وهذا معنى خاطئ لأن فيه مضاعفات محتملة بل أكيدة ،غير محمودة . بل لا بد أن يكون الزهد تدريجياً وتحت إشراف وبحذاقة وفهم . ولا يكون بتسيب ولا بتسامح ، لكي ينتج نتائجه المفضلة .

 
صفحة (
201)

وعندئذ أمكن أن نقول : إن مثل هذا الشخص الذي زجره الإمام عن الزهد ، لم يكن قادراً على تحمله أو لم يكن مناسباً له أو كان قد خطى فيه خطوات صعبة . فلم يكن من الإمام عليه السلام إلاَّ أن زجره عن مسلكه مع عدم إمكان تفهيمه الفرق الذي أشرنا إليه ، باعتبار قانون : كلم الناس على قدر عقولهم . وإذا بقي على مسلكه فسوف يؤول إلى الفساد بدل أن يصير إلى الصلاح . فكان خيراً له تبديل حاله وتغيير مسلكه . ولا أقل من الاحتمال المبطل للاستدلال .

 

الوجه الثاني: إن الإمام عليه السلام . لو أقر هذا المتزهد ومدحه لفتح باباً في الدين أراده الأئمة مغلقاً . بمعنى أنه لو أقره على مسلكه لفتح للآخرين باب السير عليه والاتخاذ له ، ولأصبح كثير من أفراد المجتمع من الزاهدين .

وهذا ليس فيه مصلحة ، كما عهدنا قبل قليل بأن الأئمة عليهم السلام أرادوا دائماً إغلاق بابه . وذلك لعدة مصالح منها :

أولاً: إن الزهد ينتج نتائج جيدة في عالم التكامل العقلي والروحي . تلك النتائج التي ينبغي أن تختص بالأفراد والأفذاذ المستحقين لها . ولا تتوزع بين الناس من الفسقة والمنحرفين وغيرهم .

ثانياً: إن هذا الباب لو فتح للناس ، لأصبح المجتمع في تسيب من هذه الناحية ، فقد يحملون على أنفسهم ما لا يطيقون ، فتحصل نتائج غير محمودة كما أشرنا .

ثالثاً: إنه مع زيادة الزهاد في المجتمع تنسد أبواب الحاجات الاجتماعية والفردية في المجتمع . باعتبار قلة العاملين وقلة المنتجين . وهذا حال لا يريده الله سبحانه لعباده . بل يريد أن تكون عجلة المجتمع سائرة ودائرة بشكل طبيعي ومتصاعد نحو الرفاه والأفضل دائماً . بحسب ظاهر الحياة الدنيا .


الوجه الثالث : إن الإمام عليه السلام علم أنه لو أجاز حال هذا الرجل ومدحه لحصل له العجب في نفسه ، والعجب مضر جداً بالمستوى الروحي المطلوب للفرد . فزجره من أجل أن يذله في باطن نفسه ، فيكون بذلك أقرب إلى الله تعالى .


صفحة (
202)

الوجه الرابع : إنه بالإمكان أن يقال أيضاً : إن هذا الرجل كان قد حصل له العجب بحاله فعلاً ، فأراد الإمام عليه السلام أن يذله من أجل الفائدة التي عرفناها . ورفع تصور العجب من نفسه .

ولا ينبغي إهمال الالتفات إلى إمكان ضم هذه الوجوه بعضها إلى بعض لتنتج نفس النتيجة . كما لا يخفى على القارئ اللبيب .

وأما الخبر الآخر الذي ذكرناه ومضمونه أن الفرد ينبغي أن يرضى بما يرضاه الله له من الحال ، كالمرض والصحة أو الفقر والغنى . لا أنه يفضل الفقر على الغنى والمرض على الصحة .

فجوابه من وجوه :

أولاً: إن الإمام عليه السلام لم ينهه عن اعتقاده ، وإنما ذكر له الاعتقاد الأفضل وهو لا يتضمن الزجر عن الاعتقاد الذي ذكره السائل .

ثانياً: ما قاله بعض أهل المعرفة من أن السائل ذكر له مقاماً معيناً فذكر له الإمام مقاماً آخر وكلاهما قد يكون مناسباً مع الحال الذي يمر به الفرد . فمقام السائل هو التفويض ومقام الإمام هو الرضا ، أو مقام الإمام هو الرضا ومقام السائل هو التسليم ونحو ذلك .

ثالثاً: إن الإمام وجد مصلحة في تغيير حال السائل وإظهار نهيه عنه ، بعد التنزل عن الوجهين الأولين . لأنه كان غير مناسب مع مستواه النفسي والروحي ، وإنما كان المناسب له هو ما ذكره الإمام عليه السلام .

 

الفقرة (15)

 

المفهوم ما بين الناس أن أحسن موقف يمكن أن يتخذه الفرد مع استعمال ذكائه ورشده وإعمال تفكيره وعقله تجاه مختلف الحوادث والمصاعب التي تمر بالفرد باستمرار ، هو الاعتداد بالنفس وقوة الإرادة والبت بالأمور بحزم وقوة والاعتماد على النفس في القليل والكثير . فإنه خير من الاعتماد  على الغير ، وبذل الحاجة أمامه ، والتذلل تجاهه .


صفحة (
203)

 

أقول : إن هذا الموقف بالرغم من كونه مفروغاً من صحته اجتماعياً وعقلانياً واقتصادياً ، وهو معنى لا يخلو من أهمية واحترام . إلاَّ أنه مع ذلك ، لا يخلو من مناقشة بحيث قد يبدو في النتيجة سقوطه عن الاعتبار تماماً، كما سيظهر ، ذلك .

 

أولاً : إنه مناف لمعنى التوكل على الله سبحانه . فضلاً عن تمحيض التوكل به تعالى . لأن معناه أنه يتوكل على نفسه لا على ربه. ﴿ومن يتوكل على الله فهو حسبه﴾ وأما من أوكل الأمر إلى نفسه ، أوكله الله إلى نفسه ، فيفشل لا محالة ، ولا أقل أنه يكون بين احتمالي النجاح والفشل . بخلاف ما لو شعر بالتوكل الحقيقي واستعان بالله سبحانه فإن الله يعينه لا محالة .

 

ثانياً : إن الاعتماد على النفس من الشرك الخفي ، بصفته نظراً إلى الأسباب دون مسببها . فإن من الأسباب في نظر الفرد هو إنجازه الخاص وكد يمينه وعرق جبينه .

ومن هنا ورد عن امتثال هؤلاء من الناس. أن الفرد منهم يقول ﴿إنما أوتيته على علم عندي﴾ يفتخر بذلك ويتمدح . وكل ذلك من الشرك الخفي المنهي عنه أخلاقياً ومتشرعياً . لأن النظر الحقيقي إنما هو إلى مسبب الأسباب لا إلى الأسباب نفسها .

 

ثالثاً : إننا يمكن أن نحسب حساب نسبة النجاح في أعمال الفرد الذي يكون على هذا المستوى ، فقد نجدها بسيطة ، يتخللها أشكال من الفشل والمصاعب ومعاكسات الآخرين والأمراض وغيرها . إلى حد أننا لو نظرنا إلى مجموع المجتمع ، لوجدناها تنقص عن خمسين بالمئة بكثير . بل لعلها لا تزيد على نسبة عشرة إلى خمسة عشر بالمئة . من مجموع الجهود لأفراد المجتمع .

ومعنى ذلك أن نسبة الفشل والخسران تتراوح بين خمسة وثمانين إلى تسعين بالمئة . وهي نسبة مؤسفة جداً. فماذا أنتج الاعتماد على النفس وقوة الإرادة إلاَّ الفشل .


صفحة (
204)

بل لو سرنا على هذا الخط أمكننا اعتبار هذه النسبة من الفشل موجبة للاطمئنان بحصوله . ولا أقل من الظن الراجح جداً به . ومعنى ذلك بوضوح أن اعتماد الفرد على نفسه موجب لاطمئنانه بفشله سلفاً قبل الدخول في عمله . بغض النظر عن بعض القرائن التي قد تحصل أحياناً . فتوجب الوثوق بالنجاح . وهي غير حاصلة على أية حال .

 

غير أن الفرد الاعتيادي حين لا يجد بديلاً مفهوماً عن الاعتماد على نفسه وتحكيم إرادته ، فإنه يركزها بنفسه ويستعملها في حياته . غير أن الله سبحانه علمنا في كتابه الكريم وأعطانا البديل بكثير من آياته ، كقـوله تعالى : ﴿ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدراً﴾ ... ونحو ذلك . وإذا كان الله سبحانه معيناً للفرد مسدداً له كان النجاح مضموناً ، ما لم تقتض الحكمة خلافه .

 

وقد يستشكل في هذا الصدد ، فيقال : إن الأسباب إذا سقطت سقط العمل . لأن العمل بالمفهوم المتشرعي هو سبب الثواب وسبب العقاب . فإذا سقطت الأسباب لم يبق أي معنى للعمل ولا للثواب ولا للعقاب . مع أن الشريعة قد نصت على ذلك بك تأكيد ، بل إنه من ضروريات الدين . فإذا صحت الأسباب في العمل الديني ، صحت في غيرها من الأسباب ، وأمكن الاعتماد على النفس .

 

وجواب ذلك ، من وجوه :

الوجه الأول : إن ظاهر الشريعة على ذلك تأكيد ، إلاّ أنه في الحقيقة خطاب لأهل الظاهر ، وهم هذه الطبقة من البشر التي تتمسك بالأسباب وتنظر إلى الأعمال . وذلك لتنظيم حالهم وعدم إمكان إهمالهم .

 

الوجه الثاني : إن الأخلاقيين قالوا : إن الخطوة الأولى من العبد والباقي من الله سبحانه . وهذا صحيح . لأن العبد في خطوته الأولى لا زال أحد الأفراد الاعتياديين الذين ينظرون إلى إرادتهم وأعمالهم . بخلاف ما لو تطور في التكامل ، وأدرك حقيقة التوكل .


صفحة (
205)

 

الوجه الثالث : إن إدراك حقيقة التوكل لا يعني بحال انغلاق العمل وسقوطه ، فإن هذا من تسويل الشيطان الذي يجب عصيانه ومعاداته . كل ما في الأمر أنه بدل أن ينسب الطاعة إلى نفسه فإنه ينسبها إلى توفيق ربه وحسن عنايته بعبده . كما أنه بدلاً عن أن ينسب عصيانه إلى نفسه ، فإنه ينسبه إلى كون الله سبحانه قد أوكله إلى نفسه ، وعامله بعدله ، فضعف عن تحمل البلاء ، واختار لنفسه سوء التصرف

 

وعلى أي حال ، فمع الإيكال إلى النفس لا تصدر الطاعة ، ومع حسن التسديد لا تصدر المعصية . ولا ربط لهذا الأمر بالقول بالجبر الذي نفاه الله سبحانه في كتابه الكريم بقوله : ﴿لا إكراه في الدين﴾ . ودل الدليل العقلي على بطلانه .
 

الوجه الرابع : إن الجهة الساقطة في الأسباب حقيقة ، هي تصور فاعليتها وتأثيرها الحتمي بغض النظر عن إرادة الله ومشيئته أو مع إهمال هذه الجهة وتناسيها .

وأما لو لاحظ الفرد ارتباط الأسباب بالإرادة الإلهية ، فلا بأس ، فإنه تعالى مسبب الأسباب . وفي الدعاء يقول : سقطت الأسباب إلاَّ سبب متصل بسببك . وفي القرآن الكريم ذكر كثيراً من الأسباب وأمضاها . إلاَّ أنه ربطها بقدرة الله سبحانه . ومن هنا يكون السبب أمراً ظاهراً . والفاعل الحقيقي إنما هو المسبب جل جلاله .  

 

الفقرة (16)

 

ومما قد يخطر في البال بهذا الصدد : شبهة إجمال الهدف المعنوي الذي ينبغي أن يستهدفه الفرد في حياته ، بخلاف الأهداف الظاهرية الدنيوية والدينية ، فإنها واضحة وممكنة ومفهومة من ناحية أسبابها ونتائجها .

فإذا التفتنا إلى أن الفرد، لا يمكنه عادة أن يستهدف الهدف المجمل والغامض. وإنما يستهدف فقط الهدف الواضح . إذن فلماذا نقول بلزوم السير المعنوي مع إجمال هدفه ؟

وجواب ذلك من عدة وجوه :
الوجه الول : إن هذا الهدف وإن كان مجملاً في بعض الأذهان ، إلاَّ أن القرآن الكريم قد بينه بوضوح وذلك في قوله تعالى : ﴿وما خلقت الجن والإنس إلاَّ ليعبدون﴾ . وقوله تعالى : ﴿فطرة الله التي فطر الناس عليها . لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيّم﴾ .


صفحة (
206)

 

ففطرة الله المركوزة في النفس هي النور الحق والدين القيّم . وهي التي تكون سبباً للعبادة الحقيقية التي استهدفها الله تعالى في عباده ، وجعل سببها مركوزاً في النفوس ، وهو الفطرة .

 

الوجه الثاني : إنه لا بأس أن يكون الهدف مجملاً ، ومع ذلك فإن الفرد يستهدفه ما دام كونه حقاً وصحيحاً ، وهو موجود في عالم الله سبحانه وإن كان الفرد جاهلاً به . إذن ، يمكنه أن يستهدف ذلك الهدف الذي يعلمه الله سبحانه والذي ذخره لعباده الصالحين .

 

الوجه الثالث : إنه يمكن القول : إن الهدف غير موجود بتاتاً لأن الهدف معناه التوقف عنده مهماً كان بعيداً ومهماً . في حين أن الكمال لا متناهي الدرجات ، وكلما وصل الفرد إلى أي مرتبة استحق المرتبة التي بعدها ، وهكذا إلى ما لا نهاية .

إذن، فالهدف هو الاستمرار بالتكامل بعون الله سبحانه وليس هناك منطقة تصل إليها ولا تتعداها لتصلح أن تكون هدفاً عرفياً أو واضحاً . ومن هنا جاء غموض الهدف المعنوي لأنه غير موجود بالمرة .

 

فإن قلت : فأين قوله تعالى : ﴿ليعبدون﴾ ، وهل هو إلاََ تعبير عن هدف معين .

 

قلنا أولاً : إن هذا لأجل خطاب المتدنين الذين لا بد أن يشعروا بوجود الهدف . ولا يمكنهم أن يسيروا بدونه .

ثانياً : إن العبادة على مراتب لا متناهية ، تسير مع الفرد في سيره التكاملي مهما تصاعد . فهي تعبير عن خط طويل ، وليس عن نقطة معينة لتكون تلك هي الهدف .

صفحة (
207)

الوجه الرابع : في جواب السؤال الرئيسي .

إن الفرد الاعتيادي يمكنه أن يجعل صفاء القلب وطيبة النفس هدفاً لسلوكه في الحياة . وهذا هدف واضح وصحيح ومطلوب لكل المنصفين والإنسانيين .

فإذا حصل له ذلك ، فصفا قلبه وطابت نفسه ، أدرك عندئذ الهدف الحقيقي الذي يلي هذه المرحلة . وليس لا بد أن يعرف الهدف الحقيقي من أول الأمر .

ومن الإشكالات المهمة التي يمكن أن تعرض بهذا الصدد : أن المستشكل يقول : إنه كما أن الهدف – كما ذكرنا- مجمل وغامض في أذهان الناس – كذلك مقدماته وطرق الوصول إليه أيضاً مجملة وغامضة في الأذهان . ولئن عرفنا قبل قليل وجه الدفاع عن إجمال الهدف ، فإننا لم نعرف لحد الآن وجه الدفاع والجواب عن إجمال الطريق .

 

وإذا كان الطريق مجملاً تعذر سلوكه وتشوش حاله ، ومن ثم فسوف لن يكون سيره منتجاً للهدف .

 

ويكفينا دلالة على غموض المقدمات كون الناس المتخذين لمثل هذه الأمور ، ليسوا على شكالة واحدة في تصرفاتهم وأفهامهم واعتقاداتهم . بل هم على أشكال مختلفة وطرق متباينة ، فأي منها يمكن أن يأخذه الفرد إذا التفت إلى حاله ، وقد رضا ربه ؟ إنه سوف يقع في حيرة من هذه الناحية .

 

وجواب ذلك من وجوه :

الوجه الأول : إنه يمكن القول بأن أي أسلوب من هذه الأساليب التي نجد الآخرين يتخذونها كافية في التقديم للهدف . ما دام حاصلاً عن إخلاص وحسن نية على ما هو المفروض . ويؤيد ذلك ما ورد في الحكمة : إن الطرق إلى الله عدد أنفاس الخلائق . وكلها توصل إلى نتيجة واحدة .

 

الوجه الثاني : إنه يمكن القول: بأن المحصل العام من مجموع الطرق والأساليب هو الصحيح ، وإن كان كل أسلوب بعينه قد يكون قابلاً للمناقشة .

فإن كان طريق الفرد محتوياً على المحصل العام ، كان كافياً في صحته ولو بشكل نسبي أو بشكل قابل للتحرك به نحو الهدف .


صفحة (208)

 

الوجه الثالث: إنه لو أريد الضبط الكامل أو المتكامل ، فلا بد من السير تحت إشراف عارف وموجه . ولا يمكن أن يكون بدونه . لأنه ينتج تبذر الجهد والوقت وتعذر الحصول على الهدف .

والمفروض بالموجه والمرشد أن يكون بمنزلة الطبيب ، يعرف الداء ويعرف الدواء . وإلاَّ لم يصلح أن يكون مرشداً البتة .

 

والحاجة إلى المرشد أو الشيخ ضرورية . حتى قيل في الحكمة المتداولة : من لا شيخ له فشيخه الشيطان . ولعلنا نعرض لهذه العبارة في مستقبل البحث .

الوجه الرابع : إنه ينبغي التسليم أن التقدم نحو التكامل يحتاج إلى رحمة تسديد من الله سبحانه . وإلاّ لم يحصل إطلاقاً .

 

وهذا كما هو مجرب للأفراد ، وارد في السنة الشريفة ، فمن ذلك قولهم عليهم السلام : لا ينجي إلاّ عمل معه رحمة . ومعناه أن العمل بدون الرحمة فاشل ، والرحمة هنا بمعنى التسديد والإعانة الإلهية . وكلنا نقول أعانك الله على مصاعب الدهر . أو كان الله في عونك . فهل نقصد معنى ذلك حقيقة ؟

 

ومن ذلك ما ورد في المناجاة : إلهي ترددي في الآثار يوجب بعد المزار فاجمعني عليك بخدمة توصلني إليك .

إلى أن يقول : منك أطلب الوصول إليك ، وبك استدل عليك ، فاهدني بنورك إليك وأقمني بصدق العبودية بين يديك . إلهي علمني من علمك المخزون وصني بسترك المصون . إليه حققني بحقائق أهل القرب واسلك بي مسلك أهل الجذب . إليه أغنني بتدبيرك لي عن تدبيري وباختيارك عن اختياري . إلى آخر ما قال .

 

وهو واضح في إيكال الأمر الأمر إلى الله سبحانه ، وتعذر العمل بدون رحمته .

كل ما في الأمر أن الله تعالى يريد أن يرى في نفس الفرد النية المخلصة والهمة القوية والنفس الطاهرة ، لكي يفتح له أبواب ملكوته .


صفحة (
209) 

الفقرة (17)

 

ومن الإشكالات المهمة بهذا الصدد : أن حب التكامل من الأنانية وحب الذات . فإذا كان الفرد لا ينبغي له ذلك ، إذن فلا ينبغي له أن يتكامل . ولا فرق عملياً في الأنانية بين طلب المال وطلب العمل أو قل بين طلب الدنيا وطلب الآخرة . فإن كل ذلك من حب الذات .

 

وهذا معنى سمعته من بعض أعداء الله سبحانه ، كإشكال موجه إلى هذا الطريق . كما سمعته من بعض الملتفتين ، كإشكال يوجب الحيرة في أنه هل يقصد بسلوكه هذا را الله سبحانه أم رضا نفسه . فيكون عمله مشركاً بدل أن يكون حقاً .

 

وجواب ذلك من وجوه :

الوجه الأول : ما ذكره أهل المعرفة من أن طريق التكامل الحق هو طريق كل الأنبياء والأولياء والصالحين ، وهم لا شك على حق في ذلك ، فإذا سلكه الفرد أمكنه الاطمئنان إليه. لأنه لا يمكن أن يكون كل هؤلاء العظماء على خطأ .

 

الوجه الثاني : إن حب التكامل أمر خلقي جبل في ذلك كل الخلق بما فيهم البشر . وليس خاصاً بواحد دون آخر. ومن هنا كان السير عليه والتجاوب مع طبيعياً وصحيحاً . بل هو التجاوب مع الخلقة الكاملة والنور الإلهي المركوز في باطن النفس . ولا شك في صحته .


الوجه الثالث : إن الهدف لو كان محدوداً أو خاصاً لكان من حب الذات والأنانية ، مهما كان مهماً وعظيماً . إلاَّ أننا ذكرنا أن التكامل لا متناهي الدرجات . وبذل النفس للتعب المتواصل اللامتناهي لا يمكن أن يكون من حب النفس ، لأن النفس تحت الاستقرار والراحة وتكره التعب المستمر ، ولو في سبيل الوصول إلى الأفضل .


صفحة (
210)

الوجه الرابع : إن الهدف لو كان محدوداً أو خاصاً – كما قلنا - . لكان استهدافه من الأنانية ، إلاّ أنه غير محدود . بمعنى أن مقصود الفرد هو الوصول إلى الحق المطلق والنور الإلهي الشامل واللامتناهي . لا يريد بذلك جزاءً ولا شكوراً . ومن هنا ورد في الحكمة : إن الآخرة حرام على أهل الدنيا والدنيا حرام على أهل الآخرة . والدنيا والآخرة حرام على أهل الله .

وإذا شعر الفرد بحرمة الدنيا والآخرة عليه ، إذن فهو لا يحتمل أنه أطاع نفسه أو أنه تجنب رضا ربه .

 

الوجه الخامس : أن الفرد لو كان سالكاً مسلك التكامل لأجل أنانيته وحب ذاته لكان ملعوناً ومغبوناً ، وكذلك لو سلكه لأجل الشهرة به أو الحصول على بعض المغانم .

 

وإنما أريد التكامل لنفسي لأن الله سبحانه يريده لي . كما قال الله تعالى : ﴿تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة﴾ وقوله : ﴿والله يدعو إلى دار السلام﴾ . وإذا سرت في الطريق الذي يريده الله تعالى لي ، فلا يحتمل أن أكون قد اتبعت أنانيتي ورغباتي .

 

فحسبي أن أقول لربي : إني قد جئتك لأنك تريدني لا لأني أريدك . فلئن كان في إرادتي له – مهما كانت حقاً – نوعاً من الأنانية . فليس من إرادته لي وطاعتي له من هذه الناحية أية شائبة .

 

مضافاً إلى بيانات أخرى من القرآن الكريم تدل على أن الله سبحانه يريد لنا كل خير . كقوله تعالى : ﴿يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم﴾.وقوله سبحانه:﴿والله يريد أن يتوب عليكم﴾. وقوله تعالى:﴿يريد الله ان يخفف عنكم﴾. وقوله تعالى : ﴿ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم﴾. وقوله عز من قائل : ﴿ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين﴾ . إلى آخر ما قال .


صفحة (
211)

الفقرة (18)

 

مما قد يخطر على البال من وجه الإشكال : أن هناك إهمالاً وإجمالاً بل تهافتاً وتناقضاً بين اتجاهين للتكامل . لا نعلم أن أياً منهما هو الصحيح .

وذلك : أن هنا نحوين من أساليب التكامل يبدو من كلمات أهل المعرفة أنهما صحيحان :

النحو الأول : التكامل الخلقي أو التكويني الذي فطرت عليه الخلائق .

فكلها جملة وتفصيلاً متجهة نحو الكمال . وهذا معنى لا يحتاج إلى تربية وتوجيه ، كما هو معلوم . بل هو موجه بعناية من قبل الله سبحانه فقط .
النحو الثاني : التكامل التربوي المتعمد والمكرس بإرادة وهمة . وهنا قالوا بالحاجة إلى وجود المربي والموجه وهو الشيخ أو الأستاذ . وقالوا : بأن من لا شيخ له فشيخه الشيطان .

فهنا يقول المستشكل إننا يمكن أن نتخذ أحد موقفين كلاهما ليس في مصلحة هذا الكلام من قبل أهل المعرفة :

الموقف الأول : أن ندع التربية المتعمدة تسير على وتيرة التكامل التكويني .

لأن الفرد تكويناً هو متجه نحو الكمال لا محالة ، فأي حاجة له إلى تربية خاصة ؟

 

الموقف الثاني : إننا بعد أن عرفنا أن التربية التكوينية ، تقع تحت الإشراف المباشر لله سبحانه وتعالى إذن فشيخها وأستاذها هو الله سبحانه . فمن الممكن أن يكون الحال في التربية المتعمدة أيضاً ذلك . فلا يكون : من لا شيخ له فشيخه الشيطان . بل : من لا شيخ له فشيخه الله سبحانه . كما يميل البعض إلى الاعتقاد به .

 

وجواب ذلك : أن كلا هذين الموقفين قابلان للمناقشة :

أما الموقف الأول : فبعد الالتفات إلى نكتة أو فكرة معينة ، وهي أن التكامل التكويني الذي سنّه الله في خلقه بطيء في سيره شديد البطء جداً ، قد لا تكفيه آلاف السنين بل ملايينها . وبالتالي لا يكفيه العمر البشري أكيداً.

 

في حين أن التربية المتعمدة : يكون المفروض فيها التسارع في التربية والتكامل والحصول على النتائج في أقصر زمان ممكن . وهذا لا يكون إلاّ بسبب ، ما دام الفرد موجوداً في الحياة الدنيا . وذلك يكون بعنايته بنفسه أولاً ، والالتفات إلى حاله ومعرفة دائه ودوائه . ويكون بعناية غيره به ، وهو معنى التكامل على يد مشرف معين أو شيخ محدد .


صفحة (
212) 

 

أما إذا بقي تكامل الفرد طبقاً للتكامل التكويني العام . فسيبقى واقعاً طيلة أيام حياته ، أي منقطعاً عن التكامل ، بل سيكون متسافلاً حتماً . لأن المتوقع من براعة الإنسان طلب التكامل السريع ، فإذا لم يفعل فقد أهمل ، ومن ثم قد تسافل .

 

وأما الموقف الثاني : فإن الذي ثبت كما قلنا ، هو أن الإشراف الحقيقي على التكامل التكويني العام مختص بالله سبحانه . ولكننا بعد أن قلنا إن اقتصار الفرد على ذلك سوف يوجب تسافله وضرره ، ولن يوجب نفعه بحال . إذن فمشيخة الله سبحانه وتعليمه للفرد بهذا المعنى لن يوجب نفعه بحال .

 

وإنما المتوقع من الفرد كما قلنا أيضاً هو اتخاذ التكامل المتسارع . وهذا منحصر سببه بالشيخ والموجه . ما عدا بعض الألطاف التي يتفضل بها الله سبحانه حسب نعمته ورحمته . إلاَّ أن هذه الألطاف بالنسبة إلى المراتب المتدنية من التكامل أو قل : للمبتدئين ، لا تكون كافية في التسبيب إلى الاستمرار .

وإنما المطلوب هو السبب الآخر ، وهو الكفيل والموجه والمرشد .

 

الفقرة (19)

 

ينبغي أن ندخل الآن بالتدريج إلى قضايا الجهاد الأصغر ، وهو محاربة العدو الكافر أو الفاسق ورد مكائده ، بأي مستوى من المستويات .

 

وأول حقيقة يمكن أن نعرضها أو نواجهها في هذا الصدد . هو مضمون ما ورد من أن الجهاد باب فتحه الله لأوليائه أو لخاصة أوليائه . وليس هو باب عام للناس يدخله كل داخل ، وإن كان نظرياً كذلك . إلاَّ أنه من الناحية العملية لن يوفق إليه شخص إلاَّ إذا كان من الخاصة أو من الأولياء . ولا أقل أنه مؤهل لذلك ، بحيث يكون بينل الشهادة نفسها بالغاً تلك الدرجة .

 

وهذا هو ظاهر القرآن الكريم أيضاً . كقوله تعالى : ﴿يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم﴾ . إلى أن يقول : ﴿من يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون﴾ .

صفحة (
213)

وقوله تعالى : ﴿والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك هم المؤمنون حقاً ، لهم مغفرة ورزق كريم﴾ . وقوله تعالى : ﴿الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله وأولئك هم الفائزون﴾ .

 

لا أقل – أيضاً – إن هذا الباب مفتوح ، مما يمكن أن يستفيد منه هؤلاء ، في النيل من درجات الآخرة ، أكثر من غيرهم بكثير ، لأنهم سبيدؤون هذا الطريق من أواخره ، في حين يبدؤه الآخرون من نقطة الصفر .

 

بل لن ينال لذة الجهاد إلاَّ هؤلاء بصفته الطريق الأمثل إلى الله ورضوانه وثوابه، والبلاء الأصعب – من الناحية الدنيوية – الذي يمكن به الوصول إلى تلك النتائج . والبلاء لدى هؤلاء : محبوب ومطلوب ، حباً للمقدمة بحب هدفها ونتائجها .

 

ولن يكون بدرجة الإخلاص الكامل والهمة الكاملة في هذا الجهاد إلاَّ أمثال هؤلاء الذين لا تأخذهم في الله لومة لائم ، كما قالت الآية ، ولا يخافون لومة لائم . فإن المجاهدين على مستويات متعددة وإن اجتمعوا على صعيد واحد . يردون مورداً واحداً ، ويصدرون أشتاتاً ، ويحشر كل منهم حسب نيته .

 
فإنهم – بلا شك – على مستويات متعددة لا أقل من أربعة :

المستوى الأول : مستوى الخارجين إلى الجهاد بالدفع الدنيوي ، خوفاً أو طمعاً أو إحراجاً ، أو نحو ذلك . بحيث ربما يستغيثون في باطن أنفسهم من وضع الجهاد المؤلم والوخيم ، والموجب للعوق أو الموت أو التعذيب .

 

المستوى الثاني : مستوى الخارجين إلى الجهاد لنيل الثواب في الجنان ، ﴿يرجون تجارة لن تبور﴾  باعتبار أن الجنة تحت ظلال السيوف . فهم يريدون معانقة الحور العين . ويفدون من أجلهن أنفسهم . وذلك كقول بعضهم: عما قليل نعانق الحور العين ، وقول آخر : أطأ بعرجتي هذه الجنة .

صفحة (
214)

 

المستوى الثالث : مستوى الخارجين إلى الجهاد للمصلحة العامة الدينية ، من إعلاء كلمة الدين والتوحيد . وتطبيق حكم الله سبحانه وشريعته وانتشار سلطان المتدينين ونحو ذلك من الأهداف الدينية الموجودة في هذه الحياة الدنيا .

 

المستوى الرابع : مستوى الخارجين إلى الجهاد لأجل حب الله وحب رسوله ، والوصول إلى الأهداف الحقيقية الروحية عند الله عز وجل .

والمستوى الأول باطل ، وفي الروايات ما يدل عليه ، ومن يموت بهذا الشكل فليس بشهيد . ولكن المستويات الثلاثة الأخرى كلها حق في الجملة ، وإن كانت مختلفة في الدرجات والإدراكات والنتائج . ومن الواضح أن الفرد كلما كان أعلى هدفاً كان أعلى همة وكلما كان أعلى همة كان أكثر إخلاصاً وكلما كان أكثر إخلاصاً كان أسرع وصولاً وأقرب إلى الله سبحانه درجة .

 

ويمكن ملاحظة بعض المقارنات البسيطة بين هذه المستويات الثلاثة . فلو قارنا المستوى الثاني بالمستوى الثالث ، نجد أن الثاني هو ممن يهتم بمصلحة نفسه ولا شعور له بمصلحة الآخرين . في حين نجد أن الثالث له الشعور الكامل بالآخرين ومصالحهم ، ولو استلزم ذلك الموت . فهو يفديهم بنفسه ويقدم ضرره على أضرارهم . في حين نشعر أن الثاني لولا أمله بالحصول على الجنة لما قدم أية تضحية .

 

ولو قارنا بين المستوى الثاني والرابع ، كفانا أن نلتفت إلى الفرق بين حب الجنان والحور العين الموجود في المستوى الثاني وحب الله ورسوله الموجود في المستوى الرابع . فأيهما الأفضل حقيقة ؟ والأكثر وعياً وإدراكاً لحقيقة الدنيا والآخرة .

 

ولو قارنا بين المستوى الثالث والرابع وجدنا الثالث مخلوطاً بحب الدنيا وإن كانت دينية وحب التوسع والرئاسة والمال غالباً ، في حين يكون له تسليم كامل بما يحب الله ورسوله وبما يأمر به الله ورسوله . فإن أتته الدنيا كانت هي دنيا الله ورسوله وليست دنياه . وإن فاتت عنه فقد خسر الآخرون المغنم الدنيوي ، وفاز هو بالمغنم الأخروي .

صفحة (
215) 

 

الفقرة (20)
 

الجهاد الأصغر بالرغم من كونه منتجاً للانتصار والغلبة ، على ما هو المفروض . فإنه لا يحتمل ولا يمكن أن يكون ناشئاً من حب الدنيا أو حب السلطة والشهرة والمال . وكل من سار في طريق حب الدنيا فجهاده غير مقدس وغير مشروع بكل تأكيد . وإن كان اسمه في الدين. وكل ما يحصل عليه من ذلك فإنه بمنزلة الاستدراج لكي يتحمل مسؤوليته الكاملة يوم القيامة .


وإنما الفرد المخلص في نيته وإيمانه ، لا يمكن أن يكون كذلك لعدة أسباب :

أولاً: إن الدافع الحقيقي للجهاد إنما هو التكليف الشرعي، وهو أمر الله سبحانه وتعالى بذلك . وليس شيئاً آخر. فلو لم يأمر الله تعالى به لتركه .

وهذا يكفـي دليلاً على أن حب الدنيا بمعزل عن قلبه . أو أنه – على الأقل – ليس هو الدافع الأصلي أو الأكبر له .

 

ثانياً: إن الجهاد مظنة الخطر بكل تاكيد ، على النفس والنفيس. فالفرد حينما يشارك فيه فإنه يضع نفسه موضع الموت والفقر والعوق وغير ذلك كثير . فهل يمكن أن يكون مثل هذا الفرد طالباً للدنيا ، وهل يمكن أن ينال الدنيا مع حصول هذه الأمور .

 

نعم، الانتصار محتمل ، إلاَّ أن الفرار والخذلان أيضاً محتمل . وإنما ساحة القتال كرقعة الشطرنج لا نعلم سابقها من لاحقها . أو كموج البحر لا نعلم ما الذي يعلو منه من الذي ينخفض . فإلقاء النفس في معمعة القتال من الصعب جداً أن يكون بقصد الحصول على الدنيا . ما لم يكن احتمال الانتصار عالياً جداً وهو ما يحدث أحياناً ، وليس أمراً غالباً .


صفحة (
216)

فإن قلت : فإن الفرد الجندي المحارب ، يخرج إلى القتال مرغماً كما في الجيوش المعاصرة ، قلنا : كلا . فإن هذا على خلاف ديدن القادة الإسلاميين في صدر الإسلام . فإن النفير حين يحدث ، يخرج من يستطيع إلى الجهاد بإرادته وقناعته لا الجبر والإكراه . نعم ، هو مجبور تشريعاً ، أي يحرم عليه التخلف . كما يحرم عليه ترك الصلاة . وأما أنه مجبور دنيوياً فلا . وعلى هذا الغرار كان جمع الجيوش إلى حد تأسيس الجيوش الحديثة قبل حوالي قرن من الآن لا أكثر ، بكل تأكيد .


ثالثاً : إن الجهاد المقدس في الدين . إنما هو لأجل مصلحة العدو حقيقية ، وليس من أجل الحقد عليه والانتقام منه . ولذا تكون ظاهرة الأبوة والأخوة هي المسيطرة على قلوب الجيش المؤمن . مهما كان الاتجاه العاطفي عند الجيش المعادي . ولذا ورد أن الإمام الحسين عليه السلام في عرصة الطف بكى على الجيش المعادي له ، لاقترافهم هذه الجريمة بحقه ، وبالتالي بحق ربهم وظلمهم لأنفسهم .

 

فإن المقصود الأساسي من الجهاد هو حب البشرية وإدخال البلاد الأخرى في العدل والرفاه وإخراجها من الظلمات إلى النور ، وهداية المجتمع إلى الصراط المستقيم . وهذا كان مقصود رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأمير المؤمنين (ع) في حروبهم التي خاضوها .

فإن قلت : فإن الله تعالى يقولم : ﴿يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم﴾ . ويقول جل جلاله ﴿ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله﴾ . وهذا ينافي ما قلت من ابتناء الدين على الأبوة والرحمة والعطف .

 

قلنا : لا منافاة بينهما . فإن الأبوة والعطف والهداية هي الهدف الأهم أو الأبعد . وهذا قد يستدعي مقدمات شديدة الصعوبة أو عظيمة القسوة . بما فيها استئصال كل المعاندين والمنافقين والماكرين في دين الله . فإن هؤلاء بمنزلة الجراثيم في المجتمع فيجب إزالتهم قبل توقع استتباب العدل . لأنهم ما داموا أحياء فلن يكون المجتمع عادلاً . إذن ، ينبغي القسوة معهم مهما أمكن .

وبتعبير آخر : إن الأصل الحقيقي والأساسي هو الأخوة والرحمة ، عدا من كان قاسياً ضد الإيمان والإسلام . فيجب مقابلة القسوة بالقسوة ، الأساسي سارياً على سائر المجتمع .

 
صفحة (
217)

الفقرة (21)

 

ومن هنا ، بل من مجموع التعاليم الدينية نعرف ، أن المقولة التي قالها (كارل ماركس) مؤسس الفلسفة الشيوعية ، من أن (الدين أفيون الشعوب) ليس بصحيح تماماً .


فإن الأفيون مخدر والدين لا يمكن أن يكون مخدراً باعتبار عدة أمور :

أولاً : إيجاده للعاطفة التي سمعنا عنها . وهي نشر العدل والرحمة في أمم الأرض كلها ، لكي تمتلىء الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً .

ثانياً : إيجاده للعاطفة المضادة للظلم والظالمين ، سواء في المجتمع الذي يعيش فيه الفرد أو المجتمعات الأخرى.

ثالثاً : الأحكام المضادة للظلم من واجبات ومحرمات ، وعدم جواز الاعتداء على الآخرين وغمط حقوقهم ﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تتقون﴾ .

رابعاً : إننا لو فرضنا غض النظر عن ذلك كله ، فإن الدين لا يستطيع أن يكبت عواطف الإحساس بالظلم والقهر في قلوب الشعوب . فإن هذا مما يحصل بكل تأكيد ، ولا يستطيع أي فاعل أو جاعل أن يغيره .

 

وإنما في الحقيقة أننا وجدنا كلاً من المذهبين الشيوعي والرأسمالي قد خافوا من وثبة المظلومين وتحرر الشعوب . فاتخذوا الإجراءات المضادة لذلك .

 

أما الشيوعية والدول الراديكالية ،فقد اتخذت أسلوب القمع والتنكيل والتخويف بإزاء ذلك .وأما الدول الرأسمالية، فقد ألهت شعوبها والشعوب الأخرى بالمال والمشاكل الاقتصادية وبالبرامج الرياضية والخلاعية وغير ذلك .

مما أدّى أن لا يحس الشعوب بمشاكلهم الواقعية وآلامهم الأساسية . وهم – ومع ذلك – غير فارغين من الاغتشاش والاحتجاج في كل بقاع العالم .

وليس في الدين المقدس الحق ، شيء من هذا القبيل ، فإن كل ما فعلوه هو محرم في الدين وممنوع في شريعة سيد المرسلين ، ولا سبيل إلى مشروعية إيجاده .

صفحة (
218)

نعم يوجد في بعض الاتجاهات الاسلامية ما يخالف ذلك، فقد ورد في صحيح مسلم ما يدل على وجوب طاعة الحاكم وان كان ظالماً ووجوب المحافظة على كمه والخضوع له وان كان فاسقاً . وفي بعض الأخبار هناك (( لا ، ما قاموا الصلاة )) أي ما دامو على ظاهر الاسلام. وفي بعضها وجوب الطاعة ((حتى لو ضرب ظهرك أو أخذ مالك )) ونحو ذلك. وسياقها يدل على أنه حتى لو فعل ذلك عن طريق الظلم والاعتداء . فأنه يجب طاعته والحفاظ عليه .

 

 وهذا اتجاه شاذ في الدين ، ورواياته ضعيفة ، وهو ناشئ من فهم معين لقوله تعالى : ﴿ أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الامر منكم ﴾ . على أن المراد من أولي الامر كل حاكم مسلم مهما كانت صفاته وعمله . ألا أننا لو سلمناه ، فلا أقل من تقييده بأن يكون عادلاُ في نفسه وفي أفعاله . فاذا خرج من العدالة لم يجز قبول ولايته.

ولعل ماركس قد أعتمد على مثل هذه الاتجاهات المنسوبة الى الدين ، في الطعن في الدين ، والدين منها براء .

 

كما قد يفهم البعض أن في الدين اتجاها اخر مناف لهذا المعنى الذي قلناه ، متمثلاً باتجاه التصوف . وهو اتجاه كثير السريان في المجتمع المسلم بمختلف طبقاته وذاهبه . ومن المعلوم أن التصوف يؤدي الى الابتعاد عن الناس ومحاولةالتسليم بالواقع ، على ما هو عليه والصبر في تحمل البلاء وعدم لزوم دفعه . وكذلك اخراج حب الدنيا من القلب ... مما يلزم عدم الاهتمام بشأن نفسه وشأن الاخرين بما فيهم من عدل أو ظلم.

 

ولهذا لم يعارض (الغرب) وجود التصوف والطرق الصوفية في المجتع المسلم . لأن وجودها لا ينافي مصالحه، بل هي بالتأكيد في مصلحته لأنها تبعد الناس من التفكير في مظالمه وفضائحه.

 

بل الامر اكثر من ذلك ، فقد كانت من الوصايا الاساسية الصادرة من الغرب في الجيل السابق ، هو حث الناس على تعلم وصايا (ابن عربي) ونصائحه والسير طبقاً لمنهجه. وليس ذلك مع ابن عربي أو لأجل حسن الظن به، وأنما لأجل ذلك ذريعة لابعاد الناس عن الاهتمام بأمور الدنيا ، الامر الذي يوفر لهم الفرصة لكي ينفذوا مصالحهم بحرية تامة.

 

صفحة (219)

 

ومن الناحية العلمية فاننا نرى أن أصحاب الطرق الصوفية كذلك ، ليس لهم تدخل في الحكم و لا في السياسة ولا في العدل والظلم الاجتماعيين . وهذا هو المقصود الاساسي للغرب المستعمر بكل تأكيد .


ولعل هذه الفكرة هي التي كانت أوضح في ذهن (ماركس) حين قال قولته المشهورة التي سمعناها . والامر بكل تأكيد ، اذا كان الدين مقتصراً على هذا الاتجاه وخاصاً به .

 

وجواب ذلك في عدة نقاط :

 

النقطة الاولى : ان اتجاه التصوف ليس هو اتجاه الوحيد في الدين ، كما انه لا يعتبر صحيحاً عند الكثير من المسلمين والمؤمنين والمخلصين.

ويكفينا في ذلك أن نسمع منهم الحث على أشاعة واعلان تعاليم ان عربي وحث الناس عليها ، مما نفهم أن الناس بعيدون عن هذا الاتجاه وغير فاهمين له وغير متبعين له. بل ان اغلبهم جاهلون له تماماً ،وهم الاعم الاغلب ، في المجتمع المسلم بكل تأكيد . اذن فرد الفعل المفهوم والمتوقع من الصوفية تجاه الظلم والمصاعب والبلاء ، غير متوقع من غالبية الناس .

 

النقطة الثانية : ان في الدين أحكاماً منافية لمثل هذه الاتجاهات الصوفية كوجوب العدل وتفاصيله وحرمة الظلم وتفاصيله . مما هو معلوم من محله.

 

النقطة الثالثة : ان الاتجاه الصوفي ان كان يربي الانانية في النفس وعدم الاهتمام بالمسلمين فهو مما يخالف الدين ويعصي شريعة سيد المرسلين . من حيث ما يدعي الاتصال به والطاعة له.
 

وأما اذا كان يربى الاخلاص لله سبحانه ولرسوله ولتعاليمه ، فالامر ليس كذلك بكل تأكيد . بل يجب عليه أن يضع كل تعليم في موضعه ويطبق كل حكم في موضعه . واذا كان الامر كذلك ، اختلف الامر تماماً عما يعتقده أصحاب تلك الاتجاهات الصوفية.

 

صفحة (220)

الفقرة (22)

 

 يوجد على فكرة الجهاد المقدس في الاسلام اشكال معتمد به نسبياً قلما يلتفت اليه الناس . أود الان أن أواجهه بقوة قلب وثقة بالرب . بأن نذكره ونناقشه .

وحاصله متكون من مقدمتين :

 

المقدمة الاولى : انه يجب قتل المشرك مهما كان دينه ومذهبه . ولا يمكن أقراره على دينه وطقوسه بحال من الاحوال . ولعل هذا من واضحات الفقه ، واجماع علماء المسلمين عليه .

 

وهذا من النقاط الاساسية التي يختلف فيها المشرك عن الكتابي . فبينما نرى أن التعاليم الدينيةفي الاسلام ، تحفظ للكتابي حياته وامواله وعائلته،وتقره على تعاليم دينه ، وتعتبره (ذمياً) يعني في ذمتها المحافظة عليه . فان كل ذلك غير موجود بالنسبة الى المشرك ، ولا يمكن أن يكون (ذمياً) بحال .

 

المقدمة الثانية : ان عدد المشركين على وجه الكرة الارضي ، الان وفي أكثر الاجيال المنظورة في الماضي وفي المستقبل ، عدد كبير جداً . بل لعله يمثل أكثر من نصف البشرية ، أو الأكثرية فيها .

 

اذن ، نعلم من هاتين المقدمتين ، أن الدين الاسلامي أجاز قتل أكثرية البشرية ولم يحفظ لهم حقوقهم في الحياة والعيش الرغيد . وأن ذلك يؤدي حتماً الى وجوب قتل الملايين وابادة شعوب بكاملها ما داموا مشركين .

 

وجوب ذلك ، يكون في عدة نقاط :

 

النقطة الاولى : أنه لم يرد في الدين وجوب المبادرة الى قتال المشركين أو قتلهم .بل ذلك غير جائز حتى تعرض عليهم تعاليم الاسلام وهداه ومحاسنه . وينبغي أن ينتظر فيهم مدة كافية حول ذلك . فأن اهتدوا وأسلموا فهو المطلوب . والأ كانوا معاندين يستقون القتل.

 

النقطة الثانية : أنه لم يرد في الدين وجوب المبادرة الى قتال المشركين أو قتلهم . ما لم يبدؤوا هم بالقتال . فإن بدأوا كانوا محاربين فعلاً ، وكان مقتضى ذلك وجوب الدفاع حتى وإن لزم من ذلك إبادتهم جميعاً .

 

صفحة (221)

وهذا لا يعني أن الشعوب الآمنة والبلدان الهادئة للمشركين ، يجب المبادرة إليها وقتل أهلها جملة وتفصيلاً . فإن هذا لم يحدث فيما سبق ولم يقره تشريع ديني.

 

النقطة الثالثة: إن الحكم الأصلي في الشريعة للتخصيص أو التقييد بمقتضى الولاية العامة في كل عصر للفقيه أو للقائد . فهو يرى مقتضى المصلحة من جميع الجهات ، قبل أن ينفذ الحكم المشار إاليه في السؤال . مع العلم أنه قلما تقتضي المصلحة ذلك في المستقبل المنظور .

 

النقطة الرابعة: إن الفقهاء قسموا الجاهل الى قاصر ومقتصر. فالمقصر هالذي يستطيع أن يتعلم ولم يتعلم.  والقاصر هو العاجز عن التعلم . والقاصر معذور فيما يجهله، بخلاف المقصر فإنه غير معذور ويستحق عقوبة الدنيا وآلاخرة.

 

بالتاكيد فإن كثيراً من هؤلاء الذين نعدهم مشركين ، قاصرون عن التوصل إلى الحق والايمان به ، فيكونون من هذه الجهة معذورين . وإذا كانوا معذورين لم يستحقوا القتل إلا بعد الايضاح والتنبيه والتعليم .


وهذه الصفة لا شك عامة لكثير من عمال المعامل ومزارعي الريف ، والموجودة مدنهم وقراهم في مناطق نائية يصعب الوصول إليها، ونحو ذلك. لا يختلف في ذلك وجود أمثال هذه الطبقات في الصين أو الهند أو استراليا أو غيرها .

 

وعلى أي حال ، فلا يحتمل أن يحكم الدين المدس العادل ، وجوب قتل أمثال هؤلاء ، ما داموا على قصورهم وقلة ثقافتهم وتدني تفكيرهم .

إذن ، فما قاله السائل من أن الحكم الفعلي في الدين هو قتل الملايين ، مما لا أساس له من الصحة .

 

صفحة (222)

 

نعم ، لو تم تنبيه المشرك أو المشركين إلى الاسلام وتعليمه لكنه أستمر على غيه وعناده، فإنه يعتبر جرثومة سيئة في المجتمع ، يمكن استتباب العدل فيه ولا استقرار الامور به ، إلا بالتخلص من هذه الجرثومة وقطع شأفتها ، والتخلص من شرها ومن هنا كان الحكم بوجوب القتل صحيحاً وعادلاً تماماً .

 

الفقرة (23)

 

إنه قد يخطر في البال في الجهاد بأنه يقتضي الاكراه والاضطرار للدخول في الاسلام . بالنسبة إلى الشعوب المشركة الذين لا يقرون على أديانهم ، بل يدور أمرهم بين الدخول في الاسلام أو القتل والابادة . وليس حالهم أهل الكتاب الذين يمكن في الدين إقرارهم على دينهم وإقامة شعائره في الجملة ، وعدم إلزامهم بالدخول في الاسلام .


ومن الواضح أن المسأة أمام المشركين ستكون : إما الاسلام أو القتل. وليس هناك إكراه عرفي أو عقلاني أشد من القتل. فإن قيل لشخص أعطني ألف دينار أو أقتلك فإنه يدفع الألف لينجي نفسه . فكذلك الحال في الدين. ومن المعلوم أن الدخول في الدين بالاكراه لا أثر له لا شرعاً ولا عقلانياً، ولا ينتج الهداية ولا العدل ولا التكامل. فما الفائدة من ذلك .


ويمكن أن يجاب ذلك على عدة مستويات :

 

المستوى الاول: أن الفقهاء عموماً قالوا ، وقلنا أيضاً فيما سبق ، بضرورة عرض الاسلام قبل مناجزتهم القتال. وهذا لا يصدق الا بامرين :

أولهما: أن الاسلام يعرض بجميع تشريعاته المهمة ، أي بمحاسنه وعدله ولطفه ، بحيث يكون ذلك مما يفهمه أكثر الناس هناك .

ثانيهما: أن يمضي زمام كاف لأجل إمكان تحصيل هذه النتيجة . ولا يجوز تضييق الوقت عليهم وتهديدهم بمناجزة القتال في وقت سريع .

ومن المعلوم أن أكثر الشعوب الآن وفي المستقبل المنظور هم جاهلون بمفاهيم الاسلام وعدله ولطفه . وإنما هم مقلدون لآبائهم في تعصبهم لعبادة الاصنام وغيرها . فإذا اتضح لهم ذلك ، فالمظنون جداً جداً أنهم سيميلون إلى الاسلام ميلة واحدة ويدخلون فيه أفواجاً . وكفى الله المؤمنين القتال .

 

صفحة (223)
 

المستوى الثاني : إننا بعد أن نعلم أنه لا أثر للدخول بالجبر والاضطرار إلى الدين . وهذا ما أدركه الاسلام حين قال : ﴿ لا إكراه في الدين ﴾ . إذن فهذا مما لا يطلب منهم ، بل يقال لهم بصراحة ادخلوا في الدين الاسلامي عن رغبة وقناعة . ويشرح ذلك عن طريق الايضاح والدليل . إذن ستكون النتيجة هي نفس المطلوب شرعاً.

 

المستوى الثالث : لا يبعد القول في هذا المورد أن أي يكون مشرك دخل في الاسلام قبل إسلامه .لانسأله عندئذ هل أنت مجبور على إسلامك أو راغب به. بل نحمله على الصحة ونعامله معاملة المسلمين ، حتى لو كان في باطن نفسه مجبوراً . وهذا المعنى كما يعلم الواحد ، يعم المجتمع ككل .

 

والدين حينما خير المشركين بين الاسلام والقتل ، كان يعلم ذلك . ومعناه أن المشرك إذا أظهر كفي في حرمة قله وصون نفسه ومال عرضه. وإنما يفرق ذلك ، أعني جهة الجبر والاختبار ، في آخرته . فإن كان عن قناعة واختيار فاز في الاخرة بالثواب . وإن كان عن جبر وإكراه سقط ثوابه. ومن المعلوم أن الفقهاء في الفقه يحسبون حال نظام الدنيا في أمثال هذه المسائل، بغض النظر عن الاخرة.

 

المستوى الرابع :إن المجتمع إن كان قد دخل في الاسلام بالاكراه ، أو آمن به في أقل الجزئ ، لو صح التعبير، فيقبل منه إظهار أصول الدين ولا يكلف عملياً بفروعه ، أعني الصلاة والصوم ونحوها . يعني أن ذلك ليس له دخل في الجهاد. بحيث إنهم إذا لم يصلوا أو يصوموا وجب قتالهم . كلا بل يحرم ذلك ماداموا قد دخلوا في الاسلام والتزموا باصول الدين . كل ما في الامر أنهم سيكونون مسلمين فسقة . وهذا أمر له علاج آخر غير القتال .


المستوى الخامس: إن المجتمع وإن كان قد دخل في الاسلام بالاكراه ، ونحوه ، الا أنه لن يبقى على هذا الحال طويلاً بعد أن تستمر الهداية والتعليم . وسيبدأ أفراد المجتمع بالتدريج بالاقتناع بذلك والتحمس له . بعد زيادة الوضوح والتفصيل .

 

صفحة (224)

المستوى السادس : إن الهدف الاسلامي من الجهاد المقدس لبلاد المشركين أمران :

أحدهما : هداية المجتمع ، وهو هدف أساسي وأصيل لا محالة .
وثانيهما : بسط العدل الاسلامي والحكم الاسلامي على أكبر منطقة ممكنة في البشرية أو قل على ذلك المجتمع الذي ذهب إليه المسلمون أياً كان .

 

ومن المعلوم أنه على تقدير انتصار المسلمين ، فإنه الهداية محتملة الصول .إلا أن بسط العدل أكيد الحصول سواء دخلوا في الاسلام عن قناعة أو دخلوا عن أكراه أو لم يدخلوا فيه إطلاقاً . وسينبسط العدل عليهم بمقدار ما يناسب حالهم من الاحكام الشرعية . وهذا هو الهدف الاهم الاستراتيجي بطبيعة الحال.

 

الفقرة (24)

 

هناك إشكال آخر من ضمن أحكام الجهاد ، قد يلتفت أليه البعض : يحسن عرضه ومحاولة الجواب عليه والدفاع عنه . وهو جواز قتل الاسير مع العلم أنه لا شك في الذوق العالمي المعاصر ، أن ذلك من أشد الاجرام.

 

ويحسن في هذا الصدد قبل التصدي للجواب نقل أحكام ذلك من الناحية الفقهية من كتابنا (منهج الصالحين)لنكون على بينة من أمرنا قبل التصديق للتفاصيل ، حيث قلنا هناك(1) :

 

الأسارى : وهم إما ذكور أو إناث ،فإن كانوا إناثاً لم يجز قتلهن ولو كانت الحرب قائمة ، وإنما يملكن بالسبي ويقسمن تقسيم الغنيمة الذي سيأتي . وكذلك الحال في الذراري غير البالغين والشيوخ ... وإذا شكوا بحصول البلوغ كانت العلامة الفارقة هي الانبات . بمعنى أنبات الشعر الخشن على العانة . فمن لم يثبت بلوغه وجهلوا ذلك منه ألحق باذراري.

ـــــــــــــــ
أنظر : ج2 ص 327

 

صفحة (225)

 

وإذا كان الأسرى ذكوراً بالغين ، سواء كانوا تحت السلاح أم لا ، فمقتضى القاعدة هو وجوب قتلهم إلا إذا أسلموا ما دامت الحرب قائمة ، ولكن يمكن الخروج عن هذه القاعدة لعناوين ثانوية قد تقتضيها المصلحة العامة التي يراها الامام أو نائبه .

 

وإن تم أسرهم بعد انقضاء الحرب لم يجز قتلهم ، ما لم تكن هناك مصالح عامة ثانوية . وكان الامام مخيراً بين المن والفداء والاسترقاق .

 

 والمن هو إطلاق السراح مجاناً . والفداء هو إطلاقه مقابل مبالغ من المال .والاسترقاق هو اعتباره رقاً مملوكاً .وهو السبب الوحيد للاسترقاق في الاسلام . وهذا التخيير ثابت ضد الاسير ما لم يسلم . فإن أسلم بعد حكم الامام باحدهما وتطبيقه فلا إشكال . وإن أسلم بعد الحكم وقبل التطبيق فكذلك على الاظهر . وإ ن أسلم قبل الحكم فالاقوى وجوب إطلاقه مجاناً وسقوط الحكم في حقه . وإن كان هو مقتضى الاستصحاب . انتهى .

 

نعم نسب إلى بعض الفقهاء أنه جعل تخيير الامام بعد الحرب بأربعة أمور : المن والفداء والاسترقاق والقتل. بإدخال القتل زيادة على الاحتمالات الثلاث الاخرى . إلا أن مشهور المتأخرين ، بل المشهور عموماً لا يفتي به، واحتجا على هذا الحكم بأنه لا دليل عليه لا في كتاب ولا في سنة .ولا ملازمة بين جواز القتل خلال الحرب وجوازه بعده. وإذا لم يثبت جواز القتل حرم بطبيعة الحال .

 

ومن هنا يتضح أن المورد الوحيد لجواز قتل الاسير في الاسلام ، هو ما إذا كانت الحرب ق. بل قالوا عندئذ وقلنا بوجوب القتل خلالها ما لم توجد مصلحة ثانوية مهمة يراها الامام في الحفاظ على حياة الاسير أو الاسرى.


إذن ، فاقتل ، عموماً ، خلال الحرب واجب بعد الحرب حرام . في حين أن الرأي العام المعاصر على قبحه وعدم صحته حتى لو كانت الحرب قائمة.

 

وجواب ذلك على عدة مستويات :

المستوى الاول : المنع من قتل الاسرى ليس جهة عامة واعتقاداً سائداً بين كل أجيال العقلاء والبشر المتهم.
بل هم مختلفون في ذلك . ويكفي الشك

 

صفحة (226)

 

في ذلك لمنع قبحه ومنعه عقلانياً . إذن فمن يعلمه أو يأمر به لا يكون عمله شنيعاً كما يميل اليه السائل . فاذا عرفنا _مع ذلك _ وجود الحكمة والحق في التشريع الاسلامي ارتفع هذا الاشكال أساساً.

 

المستوى الثاني : أن هذا الاعتقاد بقبح قتل الاسرى ناشئ من أحد سببين كلاهما أوروبي أو غربي . وليس منشأ ديني إطلاقاً فهو إما يعتبر مادة من مواد إحدى الدول أو مادة من مواد نظام الامم المتحدة ونحو ذلك . ومعه لا يكون مسؤولاً من يكون تحت رعاية تلك الدولة أو من يعترف وينصاع للامم المتحدة ، ومن غيره . ومن المعلوم أن الدين الاسلامي في حل من ذلك .

 

وهو قد يكون مجرد إشاعة غربية ضد أعدائهم . عندما يريدون أن ينبزوهم بكل داهية ، فيقولون عنهم إنهم يقتلون الاسرى. في حين أن قتل الاسرى في دولهم نفسها وفي حروبهم فيما بينهم ، وخاصة فيما يسمى بالحربين العالميتين الاولى والثانية ، كان أمراً سائغاً ومستمراً ولا غبار عليه !؟

 

المستوى الثالث : إننا سمعنا قبل قليل أن نسبة معتداً بها من الاسرى لا يجوز قتلها إطلاقاً ، كالنساء والاطفال والشيوخ والعبيد وغيرهم . إذن فالقول حتى مع التنزل عن الاجوبة الاخرى _ بأن الاسلام يجيز قتل الاسرى عموماً ، افتئات باطل . وإنما هو على أقصى تقدير يجيز قتل البعض فقط .

 

المستوى الرابع : كذلك سمعنا أنه أنما يجوز قتلهم خلال كون الحرب قائمة دون ما بعدها ، فالقول بأن الدين يجيز ذلك مطلقاً أيضاً افتراء باطل.

 

المستوى الخامس : إننا سمعنا أيضاً قتل الأسير فيما إذا أسلم عن طواعية وقناعة مما لا يجوز . إذن فالقول بجواز قتل عموم الأسرى كاذب أيضاً.

 

المستوى السادس : إن حالة الحرب لا شك أنها صعبة من كثير من الجهات . ولا شك أن قتل الأسرى مما يخفف هذه الصعوبة من أكثر من جهة.

 

أولاً : لا حتمال أن يهرب الأسير أو تحصل خيانة أو رشوة في تهريبه . فيعود حاملاً سلاحه ضد المسلمين . ومن هنا يكون قتله قاطعاً لمثل هذا الاحتمال .
 

صفحة (227)

ثانياً : إن الأسير ما دام موجوداً فلا بد من قضاء حاجاته الضرورية من طعام وشراب ولباس وغيرها . وهو مما قد لا يتوفر في حالة الحرب .فيكون قتل الأسير توفيراً لكثير من هذه الجهود والأموال .

 

المستوى السابع : إننا وأن قلنا بوجوب قتل بعض الأسرى _كما سبق_ إلا أن هذا الوجوب طريقي وليس نفسياً كوجوب الصلاة والصوم . بل هو أهون من ذلك لو صح التعبير . ومن هنا قلنا بأن للحكم الشرعي أو الامام أن يفعل ما يرى فيه المصلحة من القتل أو عدمه . فيما إذا رأى أن الحفاظ على حياة البعض أو الكل هو الأفق بالمصلحة . ولعل من جملة المصالح هي موافقته الرأي العام ، في قبح قتل الاسرى والمنع عنه ، قطعاً لجانب التشنيع والدعاية المضادة .

الفقرة (25)

 

إن الأسير تجوز إفادته والاستفادة منه بل قد يجب ذلك .

أما إفادته فعلى عدة مستويات :

 

أولاً : وجوب حفظ حاجاته الضرورية من طعام وشراب ومسكن وملبس ودفء وغير ذلك, وعد جواز تعريضه إلى حوادث أو ظروف صعبة أو موجبة للموت أو للمرض .
 

ثانياً : إرشاده دينياً وعرض محاسن الإسلام عليه, وإلقاء المحاضرات على الأسير بتركيز .وقد سمعنا في هذه العصر من يقول عن الأسرى: إننا لا ينبغي أن نتصور عنهم أنهم خدموا الظالم فقط ؟بل هم بشر قبل كل شيء.

وهم بهذا الصفة يمكن أن يتلقوا أي علم أو اي حقيقة كانوا يجهلونها.
 

ثالثاً : إن قتل الفرد قد يكون إكراماً له إجمالاً أو أحياناً .وخاصة إذا كان معانداً وماكراً ,فإن الموت مفيد له من حيث كونه قاطعاً لذنوبه وساتراً لعيوبه.

 

صفحة (228)

 

وأما الإستفادة منه فبعدة أمور :

أولاً :وهو الأهم جعله طريقاً لهداية الآخرين :فإنه بعد أن يكون في الأسر قد اهتدى واطلع على بعض الحقائق من الكتاب والسنة ,فإنه إذا أطلق سراحه ورجع إلى أهله , فسيكون موقفه منهم موقف الهادي والمرشد , يعرفهم على ما عرفه ,ويقنعهم بما يريد.

وهذا هو المشار إليه بقوله تعالى: "وإن أحداً من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه .ذلك بانهم قوم لا يعلمون".

وهذه نتيجة حاصلة في الأسر او الإستجارة أو في الضيافة أو الجيرة أو بأي سبب آخر .

ثانياً: الإستفادة منه في بعض الصناعات اليدوية وغيرها.ولا يتعين ذلك عن طريق السخرة أو التسخير , أعني بدون أجور , بل لا يجوز .بل تكون هذه الإفادات بأجور يستفيد منها المساجين والأسراء بدورهم.

ثالثاً : إن الأسير ما دام مشركاً أمكنت الإستفادة منه في الحرب نفسها بعدة طرق معلومة .فإما أن يحارب مع جيش المسلمين لكي يراهم المشركون فيشفقوا عليهم , فلا يضربوهم . وبذلك يندفع بعض الشر عن المسلمين أيضاً , فهم يجعلون كالترس الواقي للمسلمين .

 

الفقرة ( 26)

 

يوجد في الغنائم التي يكسبها الجيش المسلم من الكفار إشكالان رئيسيان يحسن ذكرهما ومحاولة الجواب عنهما .نذكر أحدهما في هذه الفقرة من الكلام والأخرى في الفقرة التالية:

فالأول منهما : إنما لماذا يأخذ الجيش المسلم  أموال الشعب  المشترك .بل ينبغي بقاء أموالهم عندهم يستفيدون منها حياتياً خلال الحرب وبعد الحرب .

وربما كان في الأخذ منهم سبباً لإنتشار الأمراض فيهم أو المجاعة أو غير ذلك .

وهو جانب ظالم في الإنسانية.

مضافاً إلى أمر آخر في هذا الصدد , وهو أن المسلمين إذا أخذوا منهم , فسوف يواجهون رد فعل نفسي واجتماعي هم في غنى عنه على أي حال .

 

صفحة (229)

 

فإن المطلوب أساساً هو هداية المجتمع المشترك ودخول شعبه في الإسلام .فإذا حصل الإنطباع لدى المشركين أن هؤلاء المسلمين غاضبون لإموالهم وسارقون لحاجاتهم , لم يفد عندئذ بهم النصح والإرشاد . وهو رد فعل يكون المسلمين في غنى عنه .وليس ذلك إلا بالإستغناء عن الأخذ منهم والعفاف عما في ايديهم .

وجواب ذلك يكون على عدو مستويات :

المستوى الأول: إنه لم يقل أحد من الفقهاء بوجوب الأخذ منهم .كل ما في الأمر أنه يجوز ذلك ولا يجب.

المستوى الثاني: أنه يمكن مع وجود المصلحة المذكورة في السؤال أو غيرها , المنع من الأخذ عنهم بأمر الحاكم الشرعي الواجب الطاعة.

المستوى الثالث: إن الحال في ذلك يباح بإجماع العقلاء .وكل من يحارب وينتصر , لا شك أنه يأخذ من الجيش المندحر ومن المجتمع المغلوب على امره أموراً كثيرة ,ويفرض عليه إرادته .ولم يناقش عن ذلك أحد. فهو مسلك عقلاني عام , أقره الدين الإسلامي أيضاً .وليس فيه قبح أو غضاضة .

المستوى الرابع : إننا لا ينبغي أن نتصور أن الأخذ سيكون من كل أحد . بل من المحاربين فقط .بل إن الأخذ من المحاربين بعد فشلهم بمنزلة الضروري .وإن لم يكن الأخذ من غيرهم بهذه المثابة .ومن هنا ورد : من قتل شخصاً فله سلبه ,وهذا يشمل أي فرد مشرك أو بيت أو بناية أو حيوان أو اراضي وغير ذلك , ما دامت تحت الحرب الفعلية ,ومن هنا قد يجتمع لدى لجيش المسلم مال كثير .

        

صفحة (230)

لفقرة (27)

 

الإشكال الآخر : حول الغنائم : إنها لماذا تقسم بين أفراد الجيش المحارب كما ذكر  الفقهاء في الفقه , للفارس سهمان وللراجل سهم واحد إلى غير ذلك من التفاصيل . بل ينبغي صرفه فيما هو الأهم من مصالح المسلمين كالصرف على الحرب نفسها  أو على المجتمع لدعم اقتصاده أو بعض مصالحه كالتعليم أو القضاء أو غيرها .

وجواب ذلك يكون على عدة مستويات :

 

 أولاً : إن أفراد الجيش المحارب والمعاون في الحرب . هم أولى الناس بالغنائم ,لأنهم أكثر الناس تأثيراً فعلياً في الإنتصار وإنتاج هذه النتيجة العظيمة ,وهي دخول بلاد المشركين ضمن بلاد المسلمين .وهم أكثر تعباً وأبعد همة وأكثر عملاً في ذلك بلا إشكال .

 

ثانياً: إن ذلك وإن كان ضرورياً في الشريعة , أعني التقسيم على الجيش المحارب .إلا أنه إذا كانت هناك مصلحة أهم ,وجب الصرف فيها , بما فيها الصرف على الحرب نفسها ,إنما يوزع الباقي بين المحاربين .

 

ثالثاً : إن ذلك ليس متعيناً على الإمام أو القائد بالضرورة , بل له الرأي في ذلك أيضاً .في منع التقسيم لبعض الأموال وصرفها على مصالح أخرى.

 

رابعاً : إن بعض الأموال خلال الحرب ستكون ملكاً شخصياً للمحاربين .

 

طبقاً لبعض القواعد , كقولهم : من قتل شخصاً فله سلبه وغيرها .وهذا ينتج أن الملكية المباشرة والغالبة إنما هي للجيش نفسه .ولن يكون اؤلئك الراقدون في منازلهم أو الهاربون من وجه الحرب من الأهمية ما للمحاربين والضاربين بأنفسهم في موارد الخطر.


 الفقرة (28)

 

إننا نسمع في الفقه كثيراً على المشهور بينهم : أن المشرك الذي  يدخل في أمان المسلمين إذا انتهى أمانه لم يجز قتله وإنما يجب إرجاعه آمناً إلى مأمنه وبلده. وهذا قد ينتج وجود أيد عديدة ومحاربين كثيرين ضد الإسلام والمسلمين بعد رجوعهم إلى محل أمانهم .ولذا قد يكون من الأحجى والأقرب إلى المصلحة قتلهم قبل ذلك . وخاصة اننا لا نتحدث عن اسير واحد , بل يكونون جماعة وأفراداً آخرين .

 

صفحة (231)

 

وجواب ذلك يكون على عدة مستويات :

 

أولا : إن ذلك بكل وضوح مراعاة للجانب الأخلاقي على الجانب المادي أو الدنيوي .والأخلاق هي أصل النبوة وعمادها , كما قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم ) " إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق " . فضلاً عن التفاصيل . وإذا تخلى الفرد عن الأخلاق فقد تخلى عن كل شيء في الحقيقة , بل قد تخلى عن ذاته نفسها.

 

ثانياً : إن هذا المعنى الأخلاقي سوف يدركه هؤلاء الراجعون إلى بلادهم من المسلمين لا محالة .وسوف يكون له بليغ الأثر في نفوسهم . مما يرجح عدم تصديهم لمحاربة المسلمين مرة أخرى .وذلك إما بعنوان أنهم عرفوا الجانب الأخلاقي في الدين , فاحترموه .وإما بعنوان : إن المجتمع المسلم أصبح ذا فضل مباشر على هؤلاء. فمن الواجب اجتماعياً وأخلاقياً حفظ هذا الحق لهم وعد مبادرتهم بالشر .

 

ثالثاً : إنه يمكن أن يقال فقهياً إن قتل المستأمن  وإن كان حراماً أكيداً . إلا أن إرجاعه إلى مأمنه غير واجب. بل هو على وجه الرخصة لا العزيمة .

ومعه فإذا خاف الطرف المسلم من دسائس هؤلاء المستأمنين وسوء تصرفهم لو رجعوا إلى بلادهم . لم يجز إرجاعهم ,فإذا كان الأمان قد انتهى زمانه أمكن حجزهم كأسرى , وبذلك يأمنون شرهم .

 

رابعاً : إن إرجاعه إلى بلاده ومأمنه لا يعني تسليطه على السلاح أو إعطاءه الفرصة للإتصال بأصحابه.وإنما يمكن قتله او محاربته لمجرد وصوله إلى بلده .لأننا عندئذ نكون قد طبقنا الحكم الشرعي بإيصاله .وبذلك برأت الذمة منه بوجوب المحافظة على حياته فجاز قتله.

 

خامساً : إنه يمكن القول فقهياً وشرعياً , إن وجوب المحافظة على المستأمن وإن كان هو القاعدة العامة,إلا أنه كما يقال :ما عام إلا وقد خصّ .فإذا اقتضت الضرورة القصوى اجتماعياً أو دينياً , او غير ذلك قتله جاز قتله , بل وجب .

 

صفحة (232)

 

سادساً : إن هذا المستأمن أو الجماعة المستأمنة, كما أنهم في ذمة اإسلام , يجب الحفاظ عليهم ,كذلك أن المسلمين في ذمتهم بمعنى وآخر. فلا يجوز مقابلة فضلهم فضلهم بالعداء .بمعنى ان يكيدوا لهم وهم في اسرهم وأمانهم .فإن حصل منهم شيء من ذلك , فقد سقط الأمان وجاز القتل.

 

                                              الفقرة (29)

 

إنه من الثابت أن كل ميت مسلم يجب تغسيله وتكفينه , ما عدا الشهيد المقتول في المعركة ,فإنه لا يغسل ولا يكفن بل يصلى عليه ويدفن بثيابه .فهل من حقنا الآن ان نسأل  عن وجه الحكمة في هذا الحكم ؟

بحسب ما ندركه من الأمور والله اعلم بما ينزل .أن الحكمة يمكن بيانها في عدو أمور :

 

الأمر الأول : اختصاص الشهيد بأهمية أكثر من غيره , باعتبار عمله القيم الذي قام به ,ولا يبدو لنا أفضل من هذه الطريقة التي تخص جسمه وثيابه نفسها .فهو – حسب هذا الوجه – أسلوب إعلامي إبراز أهمية الشهيد .

الأمر الثاني : إن كل أجزائه التي لاقت الشهادة – لو صح التعبير- أو كانت في حال الشهادة, ينبغي المحافظة عليها , وتسليمها إلى التراب ومن ثم كأنها تسلم إلى الآخرة بتمامها .

ومن المعلوم أن جثمانه إذا غسل ذهب دمه الذي يجلل جسمه ,وإذا كفن نزعت عنه ثيابه ,وكل ذلك ينافي ما ذكرناه.

الأمر الثالث :إن الشهادة أصبحت سبباً مباشراً وأصيلاً لطهارة الشهيد من جميع الجهات , فلا يحتمل أن يكون هو نجساً بأي حال , ولا دمه ولا ثيابه.

بل كل ذلك منه طاهر مطهر .باعتبار الجانب المعنوي الجليل الذي اكتسبه بالشهادة .ومعه لا حاجة إلى غسله من الدم والعرق ,كما لا حاجة إلى نزع ثيابه , بل إن ثيابه قد تكون معنوياً , أطهر من أي كفن يمكن أن يحصل عليه.

الأمر الرابع : أنه صبر على أمرعظيم وكل من صبر على امر عظيم كان كذلك , يعني محكوم بمثل هذا الحكم من ترك التغسيل و التكفين.

 

صفحة (233)

حيث روي أن شخصاً ما جاء إلى أمير المؤمنين عليه السلام , فاعترف أمامه بالزنى وطلب منه التطهير وإقامة الحد .فأقام عليه السلام الحد , بأن دفنه في حفيرة إلى وسطه ثم ضربه الناس بالحجارة إلى أن مات. والمفهوم من سياق الرواية انه مات  صابراً محتسباً .وبعد أن مات أخرجه من الحفرة وصلى عليه ودفنه .فقيل له : إنه قد ترك تغسيله وتكفينه .فقال :إنه صبر على أمر عظيم .

وهذه الرواية تعطي فاعدة عامة وهي ان كل من صبر على إطاعة الله ورضاه إلى الموت احتساباً وإخلاصاً, فهو ممن ينبغي ترك تغسيله وتكفينه ,ولا شك أن الشهيد كذلك. غير أن الرواية غير معتبرة السند .ومن هنا لم يفت الفقهاء بمضمونها .

ولكنها على أي حال , يمكن أن تعطينا فكرة كافية عن وجه الحكمة في ذلك.

 
  
الفقرة (30)

 

لاشك أن المرتكز لدى الفقهاء عموماً , أن الجيش المسلم المجاهد بالجهاد المقدس منصر دائماً , لا يمكن أن يندحر بأي حال ,أو أن يفشل في جهاده بأي حال.

 

ولعل أول دليل على ذلك  هو أنهم لا يذكرون في كتبهم حين يتعرضون لأحكام الجهاد وتفاصيله, لا يذكرون أية مسألة تتضمن احتمال ذلك بقليل ولا بكثير .

فلماذا كان ذلك؟ وكيف يصح لهم ذلك؟ مع أننا نرى الحروب دائماً كموج البحر قابلة للزيادة والنقصان والإنتصار والخسران .وإنما يتقدم الجيش بقوة سلاحه وزيادته على عدوه عدداً وعدة ,فإذا لم يكن الجيش المسلم كذلك باء بالفشل لا محالة.

 

صفحة (234)

 

وجواب ذلك يمكن أن يكون على عدة مستويات :

المستوى الأول: إنه في الإمكان القول: إن الجهاد المشروع حقيقة في الدين , لا يكون بين يدي الإمام المعصوم ولم ولن يكون مع غيره .وذلك على احد وجهين , يمكن إلتزام أحدهما في الفقه :

الوجه الأول: أن نقول في الفقه , بعدم مشروعية  الجهاد إلا بين يدي الإمام المعصوم فإذا لم يكن القائد او الآمر به معصوماًُ . لم يكن الجهاد مشروعاً بل كان عملاً اعتدائياً محرماً.

الوجه الثاني: إننا إذا لم نقل في الفقه بذلك وعممنا الجواز إلى غير المعصوم , فإنه يمكن القول :إن الله تعالى لا يوفر موضوع الجهاد المقدس وشرائطه الشرعية , تلقائياً بين البشر , إلا في زمان يكون فيه الإمام المعصوم موجوداً .ومن ثم سيكون الجهاد بقيادته أيضاً .ولن يكون غيره قادراً عليه وإن جاز له نظرياً.

 

فإذا تعين أن يكون القائد هو المعصوم عليه السلام , اندفع ذلك الإشكال .لأن قيادة المعصوم وتعاليمه ,مسددة من قبل الله تعالى .ولا يمكن أن نتصورها فاشلة أو مندحرة , بل الأمر أكثر من ذلك .فإن أعماله وتطبيقه الفعلي للجهاد مسدد أيضاً ومنصور بإذن الله تعالى.


المستوى الثاني : إن الجهاد ضمن تحقق موضوعه وشروطه , إذا صادف قلوباً مخلصة ونفوساً طاهرة , فإنه سينتصر لا محالة , إلا أنه من النادر وجود أمثال هؤلاء المخلصين الكاملين ,ولكن لو فرضنا وجودهم بعدد كاف, فسيكون الجيش منصراً لا محالة
مهما كان الثمن .ومنه قول بعضهم مما نقله القرآن الكريم :" كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين ".

وقوله تعالى :"وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله  وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين  وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبهم وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين" .


فالمهم أن يكونوا ربيين أي إلهيين منسوبين إلى الرب سبحانه وتعالى , وهؤلاء لا يكونون إلا صابرين ومحتملين لكل أنواع الأذى في سبيل الله سبحانه ,وناصرين لله سبحانه , وقد وعد الله بنصره ممن ينصره .قال تعالى: " إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم " .ومن ثم فهم منتصرون على أي حال.

 

صفحة (235)

 

المستوى الثالث: إن الجهاد المقدس الحق ,موضوع تحت عناية الله تعالى ومحروس بعينه التي لاتنام , ولذا فهو ينصره بالملائكة ,كما قال تعالى :" إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة ألآف من الملائكة منزلين .بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة ألآف من الملائكة مسومين .وما جعله ألله إلا بشرى ولتطمئن قلوبكم به وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم , ليقطع طرفاً من الذين كفروا أو يكبتهم فينقلبوا خائبين" .
كما أن هناك أساليب أخرى من العناية بالمحاربين أشار إليها القرآن الكريم ،كإلقاء الرعب في قلوب الكفار وإنزال السكينة في قلوب المؤمنين ورؤية الجيش المعادي قليلاً.

بل قد يصل الحال , إلى ما هو أكثر من ذلك , بإعمال المعجزة إذا لزم الأمر ,وتوقف عليها وجود الحق, كتوقف الأسلحة عن القتال أو هلاك بعض الظالمين وغير ذلك.

المستوى الرابع :إن الجهاد المقدس, يكون ضد الكفار والمشركين .وهذا الصنف من الناس وإن كثروا, وظهروا للآخرين بالعدد والعدة والقوة والشدة ,إلا أن قلوبهم خاوية ونفوسهم ساقطة.

وأوضح دليل على ذلك : أنهم أهل دنيا وطالبون لنتائج الدنيا ,فإذا وضعوا في جبهة الحرب ورأوا الموت رأي العين, انهارت عزائمهم وخاب ظنهم وفألهم وتأسفوا على دنياهم وعلى اهدافهم المقطوعة . بخلاف اهل الحق, فإن هدفهم إرضاء الله تعالى وثوابه وحسن النجاة في الآخرة .وليس همهم الدنيا بما فيها وبمن فيها ,وهم مقبلون على الموت بقلوب صابرة ونيات صادقة .

كما قال الله تعالى :" ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين .إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله " وقال تعالى :" إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون ".

 

صفحة (236)

وقال سبحانه :" لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله ذلك بأنهم قوم لا يفقهون .لا يقاتلونكم جميعاً إلا في قرى محصنة أو من وراء جدر بأسهم بينهم شديد تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى ذلك بأنهم قوم لا يعقلون .كمثل الذين من قبلهم ذاقوا وبال أمرهم ولهم عذاب أليم ".

وقال تعالى :" وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو فاحذرهم."

وإذا كانوا كأنهم خشب مسندة وجبناء لأنهم لا يقاتلونكم جميعاً إلا في قرى محصنة أو من  وراء جدر " ولو كانو شجعاناً لقاتلوا وجهاً لوجه ,وإذا كان "بأسهم بينهم شديد" , لأنهم مختلفون على أمور دنياهم ومتناصرون على مصالحهم الشخصية ,إذن فلا أمل من انتصارهم  وكل الأمل منحصر بانتصار الجيش الإلهي المسلم.

المستوى الخامس: الإتصال بالله سيحانه في عالم الروح وباطن النفس .والله تعالى لا يخيب عبده إذا كان على هذا المستوى وذلك في عدة أمور .

الأمر الأول: حسن الظن بالله تعالى ,وأنه سيكتب لهم النصر والله تعالى عند حسن ظن عبده كما ورد .

الأمر الثاني : حسن التوكل على الله سبحانه ,ومن توكل على الله فهو حسبه ,وإذا كان الله حسب عبده أعطاه ما يريد .

الأمر الثالث: حسن الذكر لله عز وجل .وهو جل ذاكر الذاكرين كما في الدعاء ,وكما ينص عليه القرآن الكريم :" فاذكروني أذكركم " .وإذا ذكر الله عبده آتاه ما يريد.

الأمر الرابع : البراءة من الحول والقوة ,وإيكال كل ذلك إلى مسبب الأسباب ,وذلك بمنطق الحكمة التي تقول: لا حول ولا قوة إلا بالله.

 

صفحة (237)

 

المستوى السادس: حسن التخطيط من قبل قيادة دقيقة رشيدة .فهم لا يبؤون الحرب ما لم تكن هناك مبررات واقعية محسوسة للإنتصار .


والمهم أنه إذا كان التخطيط دقيقاً والإلتفات إلى الأمور عميقاً , فمن المناسب جداً أن يكون الفوز للجيش المقاتل لا محالة , حتى لو تنزلنا عن المستويات الخمسة السابقة.

 

والأهم من ذلك إمكان بل فعلية اجتماع كل هذه المستويات , فيكون الإنتصار في ذلك الحين قطعياً .ومن هنا لم تتخلف ولم تندحر غزوة ولا واحدة ,من غزوات الرسول بل كلها كانت منصرة وظافرة بعون الهه سبحانه.
كما أن حروب أمير المؤمنين عليه السلام التي خاضها بعد الرسول كلها كان هو المنصر فيها  وجيشه هو المتقدم على خصمه.

 

بل الأمر بقي مستمرا على ذلك ردحاً طويلاً من الزمن , بالرغم مما اختلط به الفتح الإسلامي من مطامع دنيوية, إلا أن روح التقدم النبوي كان مخلوطاً بأرواحهم ونفوسهم فكانت الغزوات منتصرة باستمرار.

 

وبذلك سقطت فارس والروم واسبانيا والهند وغيرها بيد الجيش الإسلامي الفاتح ,وكان من أهم وأشهر ما سقط أخيراً هو القسطنطينية التي دخلها محمد الفاتح وهو من اوائل الملوك العثمانيين , غير أن تطور الأسلحة لدى أوروبا , حال دون الإستمرار بذلك ,وكان أول علامة واضحة لإندحار المسلمين , الذين أصبحوا طامعين في الدنيا وبعيدين عن ذكر الله , هو سقوط الأندلس بيد الإفرنج ,وكذلك دخول نابليون في مصر بالسلاح الحديث ودخول الصليبيين إلى القدس ,وما استتبع ذلك من الإستعمار القديم والحديث .

 

صفحة (238)

 

 

                                                               19 جمادي الثاني

                                                              1417 للهجرة النبوية

                                                                   محمد الصدر