كتاب الجهاد
 

الفقرة (1)

 

تحتوي فكرة الجهاد على محاولة دفع الصعوبة بصعوبة ضدها . فإذا لم تكن صعوبة في أحد الطرفين أو كليهما لم يكن جهاداً . كما لو كان دفع الشر سهلاً ، أو كان الشر المدفوع بسيطاً . كما أن المفروض أن يكون الشر المدفوع أو الذي يراد دفعه ، أن يراه الطرف شراً وأن يراه صعباً . سواء كان مصيباً في وجهة نظره أم مخطئاً. فلو لم يكن شراً لم يكن عمله ضده جهاداً . كما لو لم يكن يراه صعباً ، كما لو كان صابراً عليه أو متماهلاً في دفعه ، لم يكن جهاداً .

 

فالمهم هو محاولة دفع الصعوبة بصعوبة مع حسبان الصعوبة المقابلة شراً .

وإن كان الفرد مخطئاً في نظره . ومن ذلك ما ورد : اللهم العن العصابة التي جاهدت الحسين وشايعت وبايعت على قتله . لأن وجود الحسين عليه السلام ، كان صعباً على أعدائه ، وربما حسبوه شراً عليهم ، لأنه يحاول فضحهم وإزالة ملكهم .

 

إلاَّ أن المهم في كتاب الجهاد هو أن يكون الطرف الآخر شراً وباطلاً حقيقة . أي من وجهة النظر الدينية والإلهية . ومن هنا يمكن تعريفه بأنه : محاولة دفع الشر الصعب بصعوبة .

 

ولم يؤخذ في هذه المحاولة أن تنجح وإن كان نجاحها هو الغالب ، بل يعتبر الفرد مجاهداً وإن فشل . كما لم يؤخذ في الشر المدفوع أو المكروه ، نوع معين من الشر . ومن هنا أمكن تقسيمه إلى أقسام عديدة ، يعتبر السعي لدفعها بأي أنواعها جهاداً مطلوباً في الشريعة والعرف .

 

أولاً : الكفار، لأجل إدخالهم في الإسلام أو تحت سيطرة الإسلام .

ثانياً: الكفار، لأجل دفع شرهم عند الهجوم على المجتمع المسلم ، والخوف على بيضة الإسلام ، كما  يعبرون.

 

صفحة (175)

 

 ثالثاً :المسلمون المحاربون للحق ، وهم البغاة المذكورون في قوله تعالى : ﴿فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله﴾ .

 رابعاً : الفقر . ودفعه لأجل التوسعة على العيال جهاد .

 خامساً : الشيطان . فإن محاولة دفع كيده ووسوسته جهاد .

 سادساً : النفس الأمارة بالسوء . فإن محاولة كبحها وقمعها وكبت سيطرتها ، جهاد . بل هو أعظم الجهاد .

 وفي الرواية إنه الجهاد الأكبر . وإن الشجاع من قدر على كبح نفسه .

 سابعاً : حاجة المحتاجين في المجتمع . فإن السعي لقضائها وإنجاحها ، جهاد ، على أن لا يختص بواحد بل 

 يكون الفرد متصدياً للمجتمع ككل . فيكون مجاهداً .

 ثامناً : الجهاد لدفع مظالم المظلومين أينما كانوا ، ومهما كانت ظلامتهم .

 وبأي أسلوب مشروع تمت محاولة دفعه .

 تاسعاً : الجهاد للدفاع النظري عن الدين وصد شبهات الكفار والملحدين .

 وتنوير من كان متصفاً منهم وهدايته إلى الصراط المستقيم .

 عاشراً : الجهاد في تحمل المصاعب بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في داخل المجتمع المسلم وتركيز 

  طاعة الله سبحانه وتقليل العصيان فيه .

 وقد نستطيع أن نجد موارد أخرى للجهاد ، لا حاجة الآن إلى استقصائها .

 

الفقرة (2)

 

وقد ورد معنى الجهاد في القرآن الكريم بكثير من هذه المعاني التي ذكرناها .

فالجهاد ضد الحق مشار إليه في قوله تعالى: ﴿وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما﴾. وجهاد النفس الأمارة بالسوء مشار إليه في عدد من الآيات كقوله تعالى : ﴿والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا﴾ .

وقوله تعالى : ﴿ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه إن الله لغني عن العالمين﴾ .
 

صفحة (176)

 

وجهاد الكفار لأجل إدخالهم في سيطرة الإسلام في قوله تعالى : ﴿يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم﴾ . وجهادهم النظري لأجل دفع مكرهم وشبهاتهم . في قوله تعالى : ﴿فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهاداً كبيراً﴾ .والضمير في (به) يعود إلى القرآن الكريم . وفيه من العلوم الكافية لغنى البشرية ودفع كل شبهة .

 

وجهاد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونحوه مشار إليه في قوله تعالى : ﴿يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم﴾ .

 

وجهاد البغاة أشرنا إلى ذكره في القرآن الكريم .

وجهاد الشيطان ومدافعته وضرورة عصيانه مذكور في كثير من آيات القرآن الكريم . منها قوله تعالى : ﴿يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصياً ، يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان ولياً ﴾ .

 

وقوله تعالى : ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان . ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر . ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبداً﴾ . وقوله تعالى : ﴿استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون . إن الذين يحادون الله ورسوله أولئك في الأذلين . كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز ﴾ .

 

وأما الجهاد لسد حاجة المحتاجين سواء في عائلة الفرد أو المجتمع ، فيشمله قوله تعالى : ﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة. وكلاًًَّ وعد الله الحسنى وفضل الله المجاهدين على القاعدين اجراً عظيماً﴾ .بعد الالتفات إلى أن الجهاد بالأموال قد يكون منضماً إلى الجهاد بالنفوس وقد يكون منعزلاً عنه . كما أن فكرة الجهاد بالأموال تشمل الجهاد في بذله ، والجهاد في تحصيله لدى الضرورة إليه .

 

صفحة (177)

وأما الجهاد في سبيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فموجود في كثير من آيات القرآن الكريم . منها قوله تعالى: ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون﴾. وقوله تعالى : ﴿ ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الله وهم يسجدون . يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين﴾ . وقوله تعالى : ﴿ كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله . ولو آمن أهل الكتاب لكان خيراً لهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون .لن يضروكم إلاَّ أذى وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون﴾ .الأمر الذي يكشف أن الأمر  بالمعروف والنهي عن المنكر قد يصل إلى درجة القتال الفعلي والجهاد المقدس .

 

وأما الجهاد النظري للدفاع عن الدين وصد شبهات الكفار والملحدين .

فهذا هو من الأمر بالمعروف فتشمله نفس الآيات السابقة . مضافاً إلى قوله تعالى : ﴿فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون ﴾ .

 

الفقرة (3)

 

يحسن أن نتحدث فيما يلي عن بعض هذه الأنواع من الجهاد تفصيلاً . ومنها ، جهاد النفس ...

روي ما مضمونه : أنه حين رجع أصحاب الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ، من إحدى غزواته المهمة كبدر أو أحد ، قال لهم (صلى الله عليه وآله وسلم) : "رجعتم من الجهاد الأصغر وبقي عليكم الجهاد الأكبر" . قيل : وما الجهاد الأكبر يا رسول الله ؟ قال : "جهاد النفس" .

ومن هنا اصطلح المتشرعة على جهاد الأعداء بالجهاد الأصغر ، وعلى جهاد النفس بالجهاد الأكبر .

 

صفحة (178)

 

ولا شك أن هؤلاء الأصحاب قد اندهشوا من كلام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد مجاهدتهم الأعداء وتحملهم آلام الرماح والسيوف وانتصارهم على المئات والألوف . ومع ذلك فإنه (صلى الله عليه وآله وسلم) يسمي ذلك الجهاد بالجهاد الأصغر. ويكون شيء آخر أكبر منه وأهم هو الجهاد الأكبر. فماذا هو الأهم من الحرب الطاحنة والآلام المدمرة ؟ ومن هنا قالوا له بدهشة وذهول ، وما هو الجهاد الأكبر يا رسول الله . قال: جهاد النفس .

 

ويختلف جهاد النفس عن جهاد الغير بعدة نقاط منها :

1- إن العدو قد يموت بضربة أو ضربتين . في حين أن النفس لا تموت بعشرات الضربات .

2- إن العدو يمكن أن تفارقه ، فلا تراه ولا يراك . في حين لا تستطيع أن تفارق نفسك طرفة عين .

3- إن العدو قد تكون ضربته عليك خفيفة أو يمكن تجنبها والابتعاد عنها . وهذا غير ممكن بالنسبة إلى النفس

4- إن العدو ذو وجهة نظر معينة ورأي واحد أو عدد محدود من الآراء أو الاقتراحات ، في حين أن النفس تتدخل في كل شيء وتعطي رأيها في القليل والكثير .

5- إنك تحس أن العدو هو غيرك وأنه منافسك وأنه يريد بك الضرر . في حين لا تحس نفس الشئ لنفسك . بل هي أنت فآراء نفسك هي آراؤك ولا يمكن أن تكون مضرة لأن الفرد لا يريد الضرر لنفسه .

6- إن العدو قد اتخذ رأيه بروية وتفكير وتعقل . في حين أن النفس تصر على بعض الأمور لمجرد الهوى والشهوة . ومن هنا قيل : إن الشهوات لا عقل لها . بل تريد اشباع نفسها بكل صورة . ومن هنا تصدق الحكمة القائلة : عدو عاقل خير من صديق جاهل .

7- إن العدو يمكن أحياناً أو في كثير من الأحيان المكر به والخديعة له . في حين لا يمكن ذلك للنفس لأن الإنسان لا يمكر بنفسه . وإذا حصل منه ذلك فإن نفسه تفهمها ، لأنها حاضرة لديه .

8- إنك تشعر أنك تشمئز من عدوك ولا تحبه ، في حين تحب نفسك.

 

صفحة (179)

 

9- إن الفرد قد يمكنه التقصي عن آراء الآخرين والخلاص منها بعصيانها أو الابتعاد عنـها أو الهرب منها . في حين لا يتوفر ذلك بالنسبة إلى النفس .

10- إنك ترى أن آراء عدوك أياً كانت فهي باطلة ومزعجة ، ولا أقل أنك ترى آراء الآخرين قابلة للنقد والمناقشة في حين لا ترى في آراء نفسك أية مناقشة أو إزعاج لأنها آراؤك أو أنت مقتنع بها وواثق بصحتها وراكن إليها .
فهذه عشر مزايا للنفس عن الآخرين من أعداء وأصدقاء . ومن هنا لم يكن جهاد النفس مقنعاً للكثيرين ولا يؤمنون به إلاَّ القلة القليلة من البشر .

ومن هنا أيضاً لم يكن جهاد النفس ناجحاً ومنتجاً ، أو قل سريع النجاح والإنتاج . بل غالباً ما يفشل تماماً أو غالباً .

 

ومن هنا أيضاً ، كان جهاد النفس صعباً وفظيعاً . يكفي أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في الرواية اعتبره الأكبر ، في حين اعتبر المقارعة بالسيوف هو الأصغر والأهون والأخف .

 

ولا يبعد التمثيل في جهاد النفس بذلك التنين الخرافي ذي الرؤوس السبعة . فكلما قطعت منه رأساً نبتت فوراً له في محله سبعة رؤوس . ولن يموت ما لم تعرف مقتله ، يعني محل ضربته القاتلة التي لا قيام له بعدها . هذا إذا لم تفر منه وتكفَّ عن قتاله أو تضعف عن مبارزته ، أو يعضك عضة يدعك بها ثقيل الظهر قليل الوفر .

 

ومن هنا صح القول المسموع : أشجع الناس من جاهد نفسه . والقول : إن أعدى أعدائك نفسك التي بين جنبيك .

 

وعداوتها ليست قليلة ولا هينة ، لأنها لو أعطى الفرد لها الفرصة وأرخى لها الرسن فإنها توقعه في أضرار الدنيا والآخرة .

 

ويكفي في ذلك ما عرضناه من أن الشهوات لا عقل لها . إذن فالنفس لا عقل لها ، والنفس غير العقل في باطن الإنسان . إذن فهي تريد متطلباتها مهما ترتب على ذلك من أضرار في الدنيا أو في الآخرة ، ومن هنا ورد في الدعاء  في وصفه أثر النفس : إنها تشكل بي سبيل المهالك وتجعلني عندك أهون هالك .

 

صفحة (180)

الفقرة (4)

 

المفروض في الفرد إذا كان فاهماً لخير دنياه وآخرته . أن يحكم عقله في نفسه ، لا أن يحكم نفسه في عقله . فالبرغم من أنه من السهل والطيب في نظر الفرد أن يكون عقله عبداً لنفسه ومنفذاً لأغراضها ولذاتها ، إلاَّ أن المفروض في ذلك هو العكس .وهو أن يحكم عقله في نفسه ويكبح به شهواتها ولذاتها ، ويأخذ منها عبوديتها للعقل ، وإن أبت ذلك وتمردت عليه .

 

وبالأحرى فإن المفروض بالفرد أن يحكم المصلحة الواقعية لذاته وينجزها ، فإن وجد ذلك في أحكام عقله أخذ بها، وإن وجدها في أحكام مجتمعه تصرف طبقاً لها . وإن وجدها في أحكام دينه سار عليها . ومهما يكن من حال، فليس لنفسه فيها نصيب .

 

إلاَّ أن هناك فقرة صعبة لا يجب أو يجب أن لا يهملها الفرد . وهي ظاهرة موجودة في كل الأفراد إلاَّ من عصمه الله . وهو أن النفس يمكنها أن توهم الفرد أن حكمها هو حكم العقل ، فيجب الأخذ به . أو أن تأخذ بحكم العقل فعلاً، ولكنه قد يكون حكماً خاطئاً. أو أن تستخدم العقل لأجل تذليل مصاعب شهواتها وأهدافها الدنية، كمن يفكر ويخطط بعقله لأجل أن يسرق أو أن يزني أو أن يشرب الخمر .


وفي كل ذلك سيلبس الحكم ثوب كونه عقلياً ، ويتخذ بنظر صاحبه قدسية وأهمية . فيتحمس من أجله . في حين أنه قد يكون هاجس نفسه أو شيطانه .
وهذا غير مسألة التفات الفرد إلى أن الحكم يجب أن يعصى أن يكذب إذا لم يثبت أنه من العقل . أو إذا ثبت كونه من النفس
.فإن أغلب الأفراد لا يؤمنون بذلك ولا يلتفتون إليه، بل يجدون أغلب طموحاتهم ورغباتهم مشروعة وواجبة التنفيذ . ويعتبرونها حاجة ضرورية لا بد من السعي لإنجازها .

 

صفحة (181)

 

في حين أن الفرق بين حكم العقل وحكم النفس لا ينبغي أن يخفى . فإن النفس ليس لها حكام نظرية . وإنما هي الرغبة والشهوة والطمع . وأوضح أمثلته الجوع والعطش والغضب . فكما قد يستهدف الفرد شرب كأس من الماء قد يستهدف الشهرة أو سرقة بناية أو الاستماع إلى أغنية حلوة .

 

وأما ما قد يقال : من أن التخطيط لإنجاز ذلك ، هو من أحكام النفس .

فغير صحيح لأنه لإنما هو من أحكام العقل . وإلاَّ أنه حكم بذلك بصفته عبداً للنفس ومنفذاً لأغراضها . ومن هنا نسب إلى النفس مجازاً . لأن لها نحواً من التسبيب لها .

 

يكفي في ذلك الالتفات إلى أن ما يقال عادة من أن الحيوان لا عقل له إطلاقاً . قلنا إنه غير صحيح إطلاقاً بل له مقدار من العقل ما يزجي به حوائج نفسه ويحفظ به حياته .

 

ولو لم يكن له عقل إطلاقاً ، لما فهم كيفية تلافي جوعه وعطشه وشهوته الجنسية . ولما أدرك طعامه وشرابه ومنامه . في حين أننا نرى الحيوانات يتصرفون في مثل ذلك بشكل جيد نسبياً . وهذا علامة وجود العقل عندهم لا محالة . وإن لم يكن بطبيعة الحال ، كالعقل البشري ، ولو كانت الشهوة فيه وحدها لقتلته .

 

وعلى أي حال ، فقد حملنا بذلك ، فكرة كافية عن التفريق بين اتجاهات النفس واتجاهات العقل .

 

الفقرة (5)

 

وأنا أجد أن كل أنواع الجهاد الحق ، إنما تكون حقاً ومرضية لله سبحانه ، فيما إذا كانت مصداقاً وتطبيقاً لجهاد النفس ، فإن جهادها يورث القناعة بالواقع الشخصي والرضا بالقدر والقضاء .


فإذا حصل ذلك كان الفرد مقتنى بحاله الصعبة التي هو فيها والتي دخلها مرغماً أو محرجاً ، كالفقر أو الحرب أو المرض أو أية مصاعب أو بلايا في الدنيا . فيستطيع أن يقدم قناعته بصحة ذلك أمام الله سبحانه . فيكون على حق ، من زاوية توافق رضاه مع رضى الله سبحانه ، حيث اختار له هذا النوع من البلاء .

 

صفحة (182)

 

لا أنه يسخط ويتمرد على شيء يرضاه الله سبحانه في خلقه .

فإذا لم يحصل الرضا والتسليم ، كان الفرد في الباطل ، ولم ينفعه الجهاد والبلاء الذي هو فيه ، بل زاده شراً في الدنيا والآخرة . وإن كان الجهاد في نفسه حقاً .


ومن هنا يستطاع القول : بأن الجهاد الأصغر يعود في معناه إلى الجهاد الأكبر ، أو هو جزء منه ولو لم يكن جزءاً منه لم يفد العبد ثواباً إطلاقاً . ومن هنا ورد : لا فتنة أعلى من السيف . لأن مؤداه التضحية بالنفس كاملة لله سبحانه وتعالى . ومن المعلوم أن الرضا بذلك والتسليم له من أفضل العبادات ، بل هو أفضلها على الإطلاق ، سواء حصل فعلاً أم لا . ومن هنا قيل : والجود بالنفس أقصى غاية الجود .

 

وكما يمكن أن يهب الفرد نفسه لله عز وجل ، يمكن أن يهب بعض صفاته أيضاً ، كالصحة بتحمل المرض ، والغنى بتحمل الفقر ، والزواج بتحمل العزوبة . وغير ذلك الكثير . كل حسب حاله . على معنى الرضا والتسليم بتلك الحال التي اختارها الله تعالى له .

 

الفقرة (6)

 

والبلاء الذي يمكن للفرد أن يتحمله في الدنيا ، إما اضطراريّ وإما اختياريّ . وكلاهما ينقسم إلى قسمين : فالاضطراري ينقسم إلى ما يتسبب من المؤثرات الخارجية القهرية كالمرض أو الجرح أو الرض نتيجة السقوط مثلاً ... وإلى ما يتسبب من فعل الآخرين . وهو في الغالب البلاء الأصعب والأهم ، فإن البشر يؤذي بعضهم البعض لا محالة . ما دامت أنفسهم أمارة بالسوء فعلاً . ومن هنا نسمع بعضنا يدعو لبعض : كفاك الله شر ابن آدم . فلو استجاب الله هذا الدعاء زال حوالي تسعين بالمئة من مصاعب الدنيا .

وعلى أي حال ، فكلا النوعين من البلاء ، يحب أمام الله سبحانه أن يواجهه الفرد بالرضا والتسليم .

وينقسم البلاء الاختياري إلى قسمين أيضاً : من حيث إنه مرة يفيد الآخرين وتارة لا يفيد به إلاَّ نفسه .

 

صفحة (183)

فإفادة الآخرين بالأمر المعروف والنهي عن المنكر ، وبالحرب الجهادية عند حصول مشروعيتها ، وبذل المال في سبيل المصالح الخاصة للآخرين كالتزويج أو المصالح العامة لهم كبناء مستشفى أو مسجد . فإذا أدى الفرد مثل هذه التضحيات راضياً لله عز وجل ، كان سعيداً وشهيداً في الدنيا والآخرة .

 

وإفادة النفس تكون بما يسمى بالرياضات الروحية التي يتكفلها الإنسان لنفسه كالجوع والعطش والسهر . والناس في ذلك مختلفون ، فمنهم من يتحمل الريضات الشديدة ، ومنهم من يعجز عن الضعيفة . وكلها تنتج التكامل الروحي والسمو في عالم المعنى . وأحياناً تنتج آثاراً وضعية غريبة وصفات لصاحبها غير معهودة . وكل ذلك يكون بقهر النفس وإرغامها بالمصاعب .

 

فإن قلت : كيف يجتمع قهر النفس وإفادة النفس . قلنا : نعم ، النفس تستفيد من قهرها . كما قيل :

        اقتلوني يا فـــتــــاتي               إن في قــتلي  حــيـــاتي
 

أن نقول : إن ما يقهر ويكبت إنما هو درجة متدنية من النفس ، لكي تحصل الفوائد الجمة في درجة عالية منها.  

الفقرة (7)

 
بقي أن نشير إلى أن تحمل البلاء الاختياري ، قد يكون سبباً غالباً لدفع البلاء الاضطراري .

فإن الدنيا دار بلاء ، ولا يستفيد الفرد في الآخرة إلاَّ من مزيد البلاء في الدنيا . فإن لم يكن الفرد مدركاً لأهمية البلاء الاختياري ولزومه له ، بل كان سادراً في دنياه لاهياً عن أخراه ، أتاه البلاء الاضطراري قهراً عليه . من أجل أن يعي واقعه وأن يلتفت إلى خالقه . وهذا هو النوع الأغلب من البلاء .

باعتبار أن أكثر البشر من هذا النوع  الذي يكون مستحقاً له .

 

صفحة (184)

 

وأما إذا اختار الفرد لنفسه البلاء الاختياري ، بأي واحد من قسميه أو بكلا قسميه ، فقد حصل سبب الثواب والتكامل ، فلا تبقى هناك حاجة لحصول البلاء الاضطراري . فيدفعه الله تعالى عنه . ومن هنا ورد بالمضمون: من أعرض عن الدنيا أتته الدنيا وهي راغمة . ولا يجمع الله سبحانه على الفرد ، البلاءين الاضطراري والاختياري ، إلاَّ نادراً ، حين يراه متحملاً صابراً من ناحية ، ومستحقاً لمزيد الثواب من ناحية ثانية .


وإذا حصلت درجة من الضيق من البلاء الاضطراري أمكن التخفيف من البلاء الاختياري . لكي لا تجزع النفس فيرتفع الرضا والتسليم ويسقط الثواب . ومن هنا ورد عن بعض الأئمة سلام الله عليهم : أنه كان إذا اشتد به الحال قلل من النوافل .

 

الفقرة (8)

 

عرفنا أن البلاء الاختياري أو الجهاد الاختياري قسمان : اجتماعي وفردي .

وكلاهما موجب للتكامل والثواب ، ما دام الإخلاص في النية حاصلاً .

ومعنى ذلك أن الفرد يستطيع أن ينال من كلا القسمين ليتكامل بكلا السببين .

 

غير أن هنا إشكالاً على الجهاد الاختياري الاجتماعي . من حيث إن الجهاد الفردي خير منه ، لأنه يتضمن العزلة والابتعاد عن الناس قليلاً أو كثيراً ، ومن ثم يستطيع الفرد بذلك أن يكفي كثيراً من المصاعب الدنيوية والمعنوية الناتجة عن الاختلاط بالمجتمع . على حين لا تكون إفادة الآخرين إلاَّ بالاتصال بهم ، وإن لزم من ذلك بعض المضاعفات . فأي من هذين النوعين يجب أن يتخذه الفرد ، ليكون مرضياً لله عز وجل .

 

ولذلك عدة أجوبة محتملة نذكر منها:

الأول : أن يختار الجهاد الاجتماعي ، لأنه يتضمن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامة الشعائر الدينية ونحو ذلك . مما هو مطلوب وجوباً أو استحباباً في الشريعة في حين أن الجهاد الفردي بالجوع والعطش مما لم يثبت فيه ذلك .

 

صفحة (185)

 

إلاَّ أن هذا الوجه غير تام لأكثر من جواب واحد :

أولاً : إن الفرد لا يمكنه أن ينفع المجتمع نفعاً صحيحاً ما لم يكن هو متكاملاً . فإن الفائدة التي يؤديها الناقص ناقصة لا محالة . بخلاف الفائدة التي يؤديها الكامل . كما قال الشاعر :

 

      يا أيهـا الرجــل المعلـم غيــره                   هـلا لنفسك كان ذا التعليـم

      تصف الدواء لذي السقام وذي الضنى                    كيــما يصح به وأنت سقيم

      ابدأ بنفسك فانهها عن غيّــهـــا                    فـإذا انتهت عنه فأنت حكيم

 
فإذا لم يتكامل بالجهاد الفردي ، لم يكن الجهاد الاجتماعي منه متكاملاً ومقبولاً .

 

ثانياً:إن ما زعمه السائل من عدم ثبوت الدليل على رجحان الجهاد الفردي ، قصور في القول . لوضوح أن الزهد مطلوب في الشريعة أكيدا ً.

والتكامل الروحي والعقلي مطلوب أيضاً ، فكلما كان سبباً لذلك كان مطلوباً أيضاً . والجهاد الفردي مع الإخلاص في النية سبب لذلك بلا شك .

 

الثاني: أن يختار الجهاد الفردي ويدع الجهاد الاجتماعي تماماً . وهذا ما عليه حال العباد والزهاد والصوفية بمختلف مذاهبهم وعقائدهم . بعنوان ما أشرنا إليه من أن تقويم النفس خير من تقويم الغير . وأن تحصيل التكامل المعنوي أولى من تحصيل التكامل الاجتماعي . وأن العمل الاجتماعي فيه مظنة الرياء وحب الدنيا ونحو ذلك ، في حين لا يكون ذلك في الاعتزال موجوداً .

 

وهذا ليس صحيحاً على إطلاقه ، بل قد يكون- في الغالب – ناتجاً عن قلة الشعور بالمسؤولية الدينية ، بوجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقضاء حاجة المحتاجين ، التي كثيراً ما تكون واجبة شرعاً . فهل يترك الواجب الشرعي في سبيل إنجاز شيء مستحب ؟

 

الثالث : أن يختار الفرد العمل بكلا النوعين ، حسب ما يشعر وجداناً في كونه أرضى الله عز وجل . وهذا أمر يختلف بين الأفراد جداً . وليس له ضابط معين سوى الشعور بكونه أرضى الله عز وجل .

 

صفحة (186)

وما يقال عادة : من أن الجهاد الاجتماعي يستلزم الاختلاط بالأفراد ، وهذا الاختلاط يورث تشوش النفس ، ومن ثم وقوف التكامل . ونحو ذلك من التسويلات .

 

فجوابه لأكثر من وجه واحد :

أولاً : إن كلاً منهما عبادة مطلوبة لله عز وجل إجمالاً ، وأي منهما جاء به الفرد مع إخلاص النية ، كان مقبولاً وسبباً للتكامل .

ومعنى إخلاص النية في الجهاد الاجتماعي : أن الفرد يستغني في عمله ذاك عن نوايا الرياء والعجب وحب الدنيا ونحو ذلك .

ثانياً : إن كلا النحوين من الجهاد : الفردي والاجتماعي له درجة من الصعوبة . وكلما كان الجهاد أصعب كان أرضى لله عز وجل . كما قيل أفضل الأعمال أحمزها .

 

ومن المعلوم في الأعم الأغلب أن الجهاد الاجتماعي أصعب من الجهاد الفردي ، في الحاضر والمستقبل أما في الحاضر ففيما قد يراه الفرد من الآخرين من ردود فعل سيئة تجاهه قلّت أو كثرت . وأما في المستقبل فللمخاوف مما قد يحصل من مضاعفات سيئة دنيوياً وبلاء ضده . فإذا وضع في فكره تحمل ذلك . كان مجاهداً بالجهادين معاً : الأصغر والأكبر . ومستفيداً للمقامات المعنوية لا محالة .

 

الفقرة (9)

 

ومما لا ينبغي إهماله الالتفات إلى أن ما سميناه بالجهاد الفردي أو السلوك المعنوي الروحي ، مما يلتزم به عدد من الناس من مختلف الأديان والمذاهب .

وقد نرى أنه ناجح ومنتج للجميع ، ولا يخص ديناً دون دين ولا مذهباً دون مذهب . في حين أن المفروض اختصاصه بالعقيدة الحقة فكيف حصل ذلك ؟

صفحة (
187)

 

وجوابه من وجوه نذكر منها :

الوجه الأول : إن ما قيل في السؤال صحيح أكيداً ، إلاَّ أن الدرجة المعنوية أو الروحية التي يصل إليها الفرد تختلف لأسباب عديدة منها ما هو داخل تحت سيطرة الفرد وقدرته كإداراكاته وطلبه ، ومنها ما هو خارج منها كتأثير الآخرين ضده بما يعلمون وبما لا يعلمون ، وكتأثير الحكمة المطلقة في حرمانه من بعض النتائج .

فإذا اقتضت كل تلك الأسباب وصوله إلى درجة معينة ، وصل إليها ، وإن لم تقتض ذلك حرم منها .

 

ومن المعلوم أن اختلاف الإدراك والأديان ، يقتضي اختلاف الأهداف المطلوبة للفرد في جهاده الفردي . فإذا أوصله جهاده إلى أية مرتبة ، فقد أصبح محروماً من المرتبة التي فوقها . لأنه لم يلتفت إليها ولم يطلب الوصول إليها . لأن مستوى إدراكه هو ذلك .

 

الوجه الثاني : إننا نعلم أن الأهداف العليا المعنوية الحقانية ، لا تنال إلاَّ بالولاية الحقانية . وأما بدونها فلا ، بل يبقى الفرد متردداً في المقامات الأدنى منها ، تخيل نفسه مرتفعاً وواصلاً . فهو متوهم وخاطئ لا محالة .

 

الوجه الثالث : إن هناك ما يسمى بالعوالم الوسطى أو البرزخية وتسمى قوانينها بالقوانين الوسطى . ومن أوضح أمثلتها المعروفة السحر بأنواعه والبارسايكولوجي بأنواعه . ولكنها مع ذلك فهي متدنية عن الأهداف الروحية الحقانية .

 

ومن هنا تتصف بعدة صفات :

أولاً : إنما لا تعتبر وصولاً إلى أي هدف حق .

ثانياً : إن طلبها لا يختلف عن طلب الدنيا كثيراً ، بل هو انشغال بالمخلوق عن الخالق .

ثالثاً : إنها تحصل لأي دين ولأي مذهب . مع العلم أن الدين الحق واحد لا يتعدد . فيكف تحصل لدى من يكون باطلاً في دينه ، إلاَّ كونها متدنية . وأما الهدف الأعلى فلا يحصل إلاَّ بالحق .

 

صفحة (188)


رابعاً : إن هذا السير الفكري ينتج أن للكون أو الوجود بالمعنى العام ثلاثة مستويات من القوانين .

   المستوى الأول : القوانين الطبيعية المعهودة للكون المادي .

   المستوى الثاني : القوانين الوسطى للعوالم الوسطى .

   المستوى الثالث : القوانين العليا للعالم الأعلى .

 

فمن المستوى الأول ينتج التبريد في الصيف والتدفئة في الشتاء مثلاً . ومن المستوى الثاني تنتج نتائج السحر والشعبذة والباراسايكولوجي . ومن المستوى الثالث : تنتج المعجزت والكرامات .

 

ومن هنا قلنا في مناسبات سابقة إن من أهم الاختلافات بين نتائح السحر ونتائج المعاجز ، هو القوانين الصادرة منها . فبينما يكون السحر ناتجاً عن القوانين الوسطى تكون المعجزة ناتجة عن القوانين العليا .

 

ولكن نقطة صعوبة ذلك ، هو عدم إمكان التمييز بين هذين الشكلين من القوانين بالنسبة إلى الأفراد الاعتياديين. فإنه مما لا ينالها إلاَّ ذو حظ عظيم ، من خاصة الخلق .

 

خامساً : إن نتائج القوانين الوسطى ، لا تكون دليلاً على أحقية المذهب أو الدين للفرد الذي يعملها ويعاملها . لأنها تنتج من مختلف المذاهب والأديان . مع أن الحق واحد عقلاً وإجماعاً .

 

وبخلاف نتائج القوانين العليا ، فإنها تدل على صحة معتقدات أصحابها ومدعياتهم ، ومن هنا كانت المعجزات دليلاً على صدق النبوة ، لأن الأنبياء يكونون على هذا المستوى العالي لا محالة . ولا يمكن أن تصدر عنهم ولا عن أي فرد إذا كان كاذباً أو سقيماً في سلوكه أو عقيدته .

   

صفحة (189)

الفقرة (10)
 

 من قول سيد الخلفاء وأمير المؤمنين بالدنيا وما فيها .

انظروا إلى الدنيا نظر الزاهدين فيها الصادفين عنها . فإنها والله ، عما قليل تزيل الشاوي الساكن وتفجع المترف الآمن . لا يرجع ما تولى منها فأدبر ، ولا يدري ما هو آت فينتظر . سرورها مشوب بالحزن وجلد الرجال فيها إلى الضعف والوهن . فلا يغرنكم كثرة ما يعجبكم فيها لقلة ما يصحبكم منها .

 

رحم الله أمرأ فاعتبر ، واعتبر فأبصر . فكأن ما هو كائن من الدنيا عما قليل لم يكن . وكأن ما هو كائن من الآخرة عما قليل لم يزل . وكل معدود منقوص وكل متوقع آت وكل آت قريب دان .

 

ومن خطبة له في ذلك أيضاً :

أما بعد، فإني أحذركم الدنيا ، فإنها حلوة خضرة حفت بالمكاره وتحببت بالعاجلة وراقت بالقليل ، وتحلت بالآمال وتزينت بالغرور.لا تدوم حيرتها ولا تؤمن فجعتها .غزارة ضرارة ، حائلة زائلة ، نافذة بائدة ، أكالة غوالة .

 

لا تعدو – إذا تناهت إلى أهل الرغبة فيها والرضاء بها – أن تكون كما قال الله تعالى سبحانه ﴿كما أنزلناه من السماء، فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيماً تذروه الرياح ، وكان الله على كل شيء مقتدراً﴾ لم يكن امرؤ منها في حيرة إلاَّ أعقبته بعدها عبرة . ولم يلق في سرائها بطناً إلاَّ منحته من ضرائها ظهراً . ولم تطله فيها ديمة رخاء إلاَّ هتنت عليه مزنة بلاء وحيرة إذا أصبحت له منتصرة أن تمسي له متنكرة وإن جانب منها اعذوذب واحلولى ، أمر منها جانب فأوبى .

 

لا ينال امرؤ من غضارتها رغباً ، إلاَّأرهقته من نوائبها تعباً . ولا يمسي منها في جناح آمن إلاَّ أصبح في قوادم خوف .

 

غرارة غرور ما فيها . فانية فان من عليها . لا خير في شيء من أزوادها إلاَّ التقوى . من أقل منها استكثر فيما يؤمنه ومن استكثر منها مما يوبقه وزال عما قليل عنه . كم واثق بها فجعته وذي طمأنينة إليها صرعته . وذي أبهة قد جعلته حقيراً . وذي نخوة قد ردته ذليلاً . سلطانها دول وعيشها رنق وعذبها أجاج وحلولها صبر وعذاؤها سمام وأسبابها رمام . حيّها بعرض موت وصحيحها بعرض سقم . ملكها مسلوب وعزيزها مغلوب وموفورها منكوب وجارها محروب .

 

صفحة (190)


ألستم في مساكن من كان قبلكم أطول أعماراً وأبقى آثاراً وأبعد آمالاً وأعد عديداً وأكثف جنوداً . تعبدوا للدنيا أي تعبد وأثاروها أي إيثار . ثم طعنوا عنها بغير زاد مبلغ ولا ظهر قاطع . فهل بلغكم أن الدنيا سخت لهم نفساً بفدية أو أعانتهم بمعونة أو أحسنت لهم صحبة ؟

 

بل أرهقتهم بالقوادح وأوهنتهم بالقوارع وضعضعتهم بالنوائب ، وعفرتهم للمناخر ووطأتهم بالمناسم . وأعانت عليهم ريب المنون .

 

فقد رأيتم تنكرها لمن دان لها ، وآثرها وأخلد لها ، حتى ضعفوا عنها لفراق الأبد ، وهل زودتهم إلاَّ السغب أو أحلتهم إلاَّ الضنك أو نورت لهم إلاَّ الظلمة أو أعقبتهم إلاَّ الندامة أفهذه تؤثرون أم إليها تطمئنون أم عليها تحرصون .

 

فبئست الدار لمن لم يتهمها ولم يكن فيها على وجل منها . فاعلموا – وأنتم تعلمون – بأنكم تاركوها وطاعنون عنها . واتعظوا فيها بالذين قالوا : ﴿من أشد منا قوة﴾ حملوا إلى قبورهم فلا يدعون ركباناً وأنزلوا الأجداث فلا يدعون ضيفاناً . وجعل لهم من الصفيح أجنان ومن التراب أكفان ومن الرفات جيران .

إلى آخر الخطبة .

 

ومن خطبة أخرى له عليه السلام في ذلك .

يدعي بزعمه أنه يرجو الله . كذب والعظيم . ما باله لا يتبين رجاؤه في عمله . فكل من رجا عرف رجاؤه في عمله . وكل رجاء إلاَّ رجاء الله فإنه مدخول . وكل خوف محقق إلاَّ خوف الله فإنه معلول . يرجو الله في الكبير ويرجو العباد في الصغير . فيعطي العبد ما لا يعطي الرب .

 

فما بال الله جل ثناؤه يقصر به عما يصنع لعباده .أتخاف أن تكون في رجائك له كاذباً ، أو تكون لا تراه للرجاء موضعاً . وكذلك إن هو خاف عبداً من عبيده ، أعطاه من خوفه ما لا يعطي ربه ، فجعل خوفه من العباد نقداً ، وخوفه من خالقهم ضماراً وفقداً .

 

صفحة (191)

 

وكذلك من عظمت الدنيا في عينه ، وكبر موقعها في قلبه ، آثرها على الله تعالى ، فانقطـع إليها وصار عبداً لها .

ولقد كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) . كاف لك في الأسوة ، ودليل لك على ذم الدنيا وعيبها ، وكثرة مخازيها ومساويها ، إذ قبضت عنه أطرافها ووطئت لغيره أكنافها . وفطم عن رضاعها وزوي على زخارفها .

إلى أن قال عليه الصلاة والسلام :

فلينظر ناظر بعقله أكرم الله محمداً بذلك أم أهانه ، فإن قال : أهانه ، فقد كذب والعظيم ، وإن قال أكرمه فليعلم أنا الله قد أهان غيره حيث بسط الدنيا له وزواها عن أقرب الناس منه .

فتأسى متأس بنبيه ، واقتفى أثره وولج مولجه . وإلاَّ فلا يأمن الهلكة . فإن الله جعل محمداً (صلى الله عليه وآله وسلم) علماً للساعة ومبشراً بالجنة حجراً على حجر حتى مضى لسبيله ، وأجاب داعي ربه .

فما أعظم منة الله عندنا ، حين أنعم علينا به سلفاً نتبعه ، وقائداً نطأ عقبه .

ولقد رقعت مدرعتي حتى استحييت من راقعها . ولقد قال لي قائل : ألا تنبذها . فقلت : اغرب عني . فعند الصباح يحمد القوم السرى .

 الفقرة (11)

 

ومن خطبة له عليه السلام في وصف المؤمنين :

روى أن صاحباً لأمير المؤمنين عليه السلام ، يقال له همام ، كان رجلاً عابداً ، فقال : يا أمير المؤمنين صف لي المتقين حتى كأني أنظر إليهم . فتثاقل عليه السلام من جوابه . ثم قال : يا همام اتق الله وأحسن فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون .

 

صفحة (192)

فلم يقنع همام بهذا القول حتى عزم عليه . فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ثم قال :

أما بعد فإن الله سبحانه وتعالى ، خلق الخلق حين حين خلقهم غنياً عن طاعتهم ، آمناً من معصيتهم ، لأنه لا تضره معصية من عصاه من عصاه ولا تنفعه طاعة من أطاعه . فقسم بينهم معيشتهم ووضعهم في الدنيا مواضعهم .

 

فالمتقون هم أهل الفضائل . منطقهم الصواب وملبسهم الاقتصاد ومشيهم التواضع . غمضوا أبصارهم عما حرم الله عليهم، ووقفوا أسماعهم على العلم النافع لهم.نزلت أنفسهم منهم في البلاء كالتي نزلت في الرخاء . ولولا الأجل الذي كتب لهم لم تستقر أرواحهم في أجسادهم طرفة عين شوقاً إلى الثواب وخوفاً من العقاب .

 

عظم الخالق في أنفسهم ، فصغر ما دونه في أعينهم . فهم والجنة كمن قد رآها فهم فيها منعمون . وهم والنار كمن قد رآها فهم فيها معذبون . قلوبهم محزونة وشرورهم مأمونة ، وأجسادهم نحيفة وحاجاتهم خفيفة وأنفسهم عفيفة . صبروا أياماً قصيرة أعقبتهم راحة طويلة .

 

تجارة مربحة ، يسرها لهم ربهم . أرادتهم الدنيا فلم يريدوها وأسرتهم ففدوا أنفسهم منها . أما الليل فصافون أقدامهم تالين لأجزاء القرآن يرتلونه ترتيلاً .

يحزنون به أنفسهم ، ويستثيرون به دواء دائهم . فإذا مروا بآية فيها تشويق ركنوا إليها طمعاً وتطلعت نفوسهم إليها شوقاً ، وظنوا أنها نصب أعينهم .


وإذا مروا بآية فيها تخويف ، أصغوا إليها مسامع قلوبهم ، وظنوا أن زفير جهنم وشهيقها في أصول آذانهم . فهم حانون على أوساطهم مفترشون لجباههم وأكفهم وركبهم وأطراف أقدامهم . يطلبون إلى الله تعالى في فكاك رقابهم .

 

وأما النهار فحلماء علماء أبرار أتقياء ، قد براهم الخوف بري القداح . ينظر إليهم الناظر فيحسبهم مرضى وما بالقوم من مرض . ويقول : قد خولطوا ولقد خالطهم أمر عظيم .

 

صفحة (193)

 

لا يرضون من أعمالهم القليل ، ولا ييستكثرون الكثير . فهم لأنفسهم متهمون ، ومن أعمالهم مشفقون . إذا زكي أحدهم خاف مما يقال له ، فيقول :

أنا أعلم بنفسي من غيري وربي أعلم بي من نفسي . اللهم لا تؤاخذني بما يقولون واجعلني أفضل مما يظنون واغفر لي ما لا يعلمون .

فمن علامة أحدهم : أنك ترى له قوة في دين وحزماً في لين وايماناً في يقين . وحرصاً في علم وعلماً في حلم وقصداً في غنى وخشوعاً في عبادة، وتحملاً في فاقة وصبراً في شدة وطلباً في حلال ونشاطاً في هدى وتحرجاً عن طمع . يعمل الأعمال الصالحة وهو على وجل ، يمسي وهمه الشكر ويصبح وهمه الذكر . يبيت حذراً ، ويصبح فرحاً . حذراً لما حذر من الغفلة وفرحاً بما أصاب من الفضل والرحمة .

إن استصعبت عليه نفسه فيما تكره ،لم يعطها سؤلها فيما تحب . قرة عينه فيما لا يزول وزهادته فيما لا يبقى. يمزج الحلم بالعلم والقول بالعمل .تراه قريباً أمله قليلاً زلله ، خاشعاً قلبه قانعة نفسه . منذوراً أكله سهلاً أمره، حريزاً دينه ، مميتة شهوته مكظوظاً غيظه الخير منه مأمول والشر منه مأمون .

 

إن كان في الغافلين كتب من الذاكرين . وإن كان في الذاكرين لم يكتب من الغافلين .

يعفو عمن ظلمه ويعطي من حرمه ويصل من قطعه . بعيداً فحشه ليناً قوله غائباً منكره حاضراً معروفه ، مقبلاً خيره ، مدبراً شره . في الزلازل وفي المكاره صبور ، وفي الرضاء شكور. لا يحيف على من يبغض ولا يأثم فيمن يحب .

 

يعترف بالحق قبل أن يشهد عليه ، لا يضيع ما استحفظ ولا ينسى ما ذكر ولا يتأثر بالألقاب ، ولا يضار بالجار ولا يشمت بالمصائب ولا يدخل في الباطل ، ولا يخرج من الحق . إن صمت لم يغمه صمته وإن ضحك لم يعل صوته . وإن بغي عليه صبر حتى يكون الله هو الذي ينتقم له .

 

نفسه منه في عناء والناس منه في راحة . أتعب نفسه لآخرته ، وأراح الناس من نفسه . بعده عمن تباعد منه زهد ونزاهة . ودنوه ممن دنا منه لين ورحمة .
 

صفحة (194)


ليس تباعده بكبر وعظمة ولا دنوه بمكر وخديعة .

قال : فصعق همام صعقة كانت نفسه فيها .

فقال أمير المؤمنين عليه السلام : أما والله لقد كنت أخافها عليه ثم قال : أهكذا تصنع المواعظ البالغة بأهلها .

فقال له قائل : فما بالك يا أمير المؤمنين . فقال : ويحك إن لكل أجل وقتاً لا يعدوه وسبباً لا يتجاوزه . فمهلاً لا تعد لمثلها . فإنما نفث الشيطان على لسان .

 

الفقرة (12)


ومن زهده عليه السلام أنه كان يكسر قرص الشعير بركبته ويأكله ، لشدة جفافه . كما أن المروي أنه دعا ابنته بجلب الطعام فأتته بخبز الشعير مع ملح وخل ، فزجرها وقال لها : أتقبلين أن يطول وقوف أبيك يوم القيامة . وأمرها أن تحمل أحد الإدامين فحملت الخل واكتفى بإدام الملح .

ولنا به كما لنا برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أسوة حسنة .

 

غير أن بعض الإشكالات المشورة التي قد تتوجه إلى اللزوم الأخلاقي في الالتزام بهذه المراتب من الزهد .

أود إيراد بعضها مع ما أمكن من مناقشتها :

الإشكال الأول : إن أمير المؤمنين نفسه عليه السلام رفع عنا هذا الثقل بمثل قوله : ألا وإنكم لا تقدرون على ذلك . ولكن أعينوني بورع واجتهاد وعفة وسداد . أقول : فإذا كنا لا نقدر على ذلك فكيف يكون المطلوب منا ما لا نقدر عليه ، وهل هذا إلاَّ من طلب المحال .

وجوابه من عدة وجوه :

أولاً: إنه ثبت بالتأكيد أن زهد أمير المؤمنين عليه السلام وعبادته، مما لا يطيقها أحد ، حتى أبناؤه المعصومين عليهم السلام فضلاً عن غيرهم .

 

صفحة (195)

ولذا ورد عن الإمام زين العابدين عليه السلام وهو من أشهر الزاهدين العابدين قوله : ومن الذي يقدر على عبادة علي بن أبي طالب ؟

إلاّ أن هذا لا ينافي صحة السير في هذا الطريق ومطلوبيته ورجحانه من كل فرد بمقدار ما أمكنه وتيسر له . ولو بالتدريج البطيء والتمرين المستمر .

 

ثانياً : إن كل ما قيل في الإشكال عن حال أمير المؤمنين يقال عن حال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فإن عبادته وزهده مما لا يطيقها أحد .

فإنها لا تقصر عن عبادة أمير المؤمنين وزهده . ولكن مع ذلك نص القرآن بوجوب الأسوة الحسنة برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) . فإذا تمّ الإشكال ، كان هذا الأمر القرآني خاطئاً ، وحاشاه ، لأنه من الأمر بالمستحيل .

 

ثالثاً : إن هؤلاء المعصومين سلام الله عليهم تزهدوا ، وهم في غنى عن الزهد . لأن الزهد يطلب من أجل تطهير النفس والتكامل بها في الدرجات العلا . وهم سلام الله عليهم متصفون بذلك . فلا حاجة لهم إلى مقدماته وهو الزهد .

 

في حين أن الآخرين جميعاً في حاجة إلى التكامل لأنهم ناقصون ومتدنو الدرجات والكمالات فهم في حاجة إلى مقدماته وهو الزهد . فإذا كان من الراجح اتخاذ مسلك الزهد لمن لا يحتاجه أدباً أمام الله سبحانه وتعالى .

فكيف الحال بمن يحتاجه وليس له باب للتكامل إلاَّ به .

 

رابعاً : أنه سلام الله عليه حين قال : إلاَّ أنكم لا تقدرون على ذلك . قال أيضاً : ولكن أعينوني بورع واجتهاد وعفة وسداد . فهل أننا حين أيسنا من زهده وتركنا الزهد ، أعناه على أنفسنا بهذه الأمور . وهل عرفنا معنى هذه الأمور ، ومرمى كلامه سلام الله عليه ، وطبقناه على أنفسنا ، أسفاً للإشكالات الواهية والنفوس الخاوية .

 

الفقرة (13)

 

الإشكال الثاني : إن أمير المؤمنين عليه السلام كان يتخذ مسلك الزهد بصفته أميراً للمؤمنين أو رئيساً للدولة أو متصرفاً في المجتمع وليس بصفته مسلماً اعتيادياً ، ليكون من الراجح اتخاذ نفس لسائر المسلمين .

 

صفحة (196)

 

والشاهد على ذلك أنه يقول ، فيما يقول أيضاً : فكيف أرضى أن يقال :

أمير المؤمنين ولا أشاركهم مكاره الدهر وخشونة العيش .

 

وجواب ذلك من وجوه :

الوجه الأول : إنه لا شك أن منصب الإمارة والرئاسة على المجتمع أولى بكثير من الأفراد الاعتياديين ، بذلك ، وهذه الدرجة من الأولوية الأخلاقية كان يشعر بها سلام الله عليه . ومن هنا عبّر عنها في هذه الفقرة من كلامه . وهو لا ينافي وجود الرجحان الكامل بالنسبة لغيره أيضاً . كل ما في الأمر أنه رجحان أقل من تلك المرتبة العظيمة .

 

الوجه الثاني : إننا يمكن أن نتحدى أي أحد في أن يورد لنا أي دليل على أن الزهد ساقط تماماً عن غير منصب الرئاسة والإمارة . وهذه العبارة التي سمعناها عنه عليه السلام ، لا تدل على نفيه عن غيره ، وإن دلت على أهميتها بالنسبة إليه .

 

الوجه الثالث : إن الدليل موجود على لزوم المواساة أخلاقياً بين كل الناس . ولا يختص بمنصب معين . وذلك كقوله في بعض الأدعية : اللهم ارزقني مواساة من قترت عليه من رزقك بما وسعت عليّ من فضلك وأحييتني تحت ظلك. ومن الواضح أن مواساة الفقير تكون بعدم الزيادة على مستوى حياته من المأكل والملبس والمسكن. وإن كان الفرد متمكناً منا .

 

الوجه الرابع : إنه لو تمّ قول المستشكل للزم الفتوى فقهياً بوجوب الزهد على من يتولى رئاسة المجتمع ، كالملك أو رئيس القبيلة أو المرجع الديني أو رئيس الجمهورية وأضرابهم ، في حين لا يفتي أحد بذلك إجماعاً .

ونماذج المتدينين الذين أصبحوا في مثل هذه المناصب موجودة – ولو قليلاً – على مدى التاريخ . ولم ينقل عنهم أنهم التزموا بالزهد الواجب .

 

وهذا معناه أن الفقهاء فهموا فعلاً من الشريعة عدم وجوب الزهد على مثل هذه المناصب . إذن فالأمر يكون شاملاً حتى لأمير المؤمنين عليه السلام ، يعني أن الزهد لم يكن واجباً عليه بهذه الصفة كما زعم المستشكل .

 

صفحة (197)

 

الإشكال الثالث : إن الموارد في الجزيرة العربية في صدر الإسلام كانت ضعيفة والزراعة والصناعة والتجارة قليلة ومتدنية. ومن هنا كان الناس يكتفون بالقليل من المأكل والملبس والمسكن ، لأنهم لم يكونوا يستطيعون أكثر من ذلك. وكان مسلك الزهد مبنياً على ذلك . يعني كونه تجاوباً مع الظروف المعيشية . وإلاّ لو كان الأمر مختلفاً لما كان زهد الزاهدين موجوداً .

 

ويدل على ضعف الموارد ما ورد عن عائشة : إننا ما شبعنا من التمر حتى فتح الله خبير . وفي الرواية عن بعض الأئمة المتأخرين عن تلك الحقبة ، حين يسأل عن حسن لباسه مع تقشف أمير المؤمنين (ع) ، فيجيب بما مضمونه : أنه كانت الظروف الاقتصادية صعبة . وأما اليوم فقد أرسلت السماء عزاليها .

يعني أمطرت وأنتجت زراعة كافية . إذن فلا حاجة إلى الزهد .

 

أقول : أما ما أشرنا إليه من ترك الزهد في العصر المتأخر عن صدر الإسلام . فهذا ما سنجيب عليه في الإشكال الآتي . ولكن نجيب الآن عن الإشكال الحالي . من كون الزهد في صدر الإسلام ناشئاً عن الظروف الصعبة اقتصادياً ، ليس إلاَّ .

 

وجوابه من وجوه :

أولاً : إن الظروف لم تكن صعبة إلى هذه الدرجة ، وكانت التجارة السنوية بين مكة والشام ومكة واليمن ناجحة ورابحة (رحلة الشتاء والصيف) ، وكان هناك عدد من المتمولين الأثرياء في عصر الجاهلية وصدر الإسلام .

 

ثانياً : إن المعصومين سلام الله عليهم كانوا يستطيعون أن يكونوا من المتمولين دنيوياً لو أرادوا ذلك . ولكنهم رفضوه عن قناعة وعمد . وقد سمع الجميع ما في الرواية من أن قريش قد عرضت على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن تجعله ملكاً على المنطقة وأن تمكنه من الأموال والنفوس بشرط أن يتنازل عن دعوته فأبى قائلاً: "والله لو وضعت الشمس في يميني والقمر في شمالي على أن أترك هذا الأمر ما تركته أو أموت دونه" . وكان في مستطاعه القبول منهم على أي حال .

 

صفحة (198)

وأما أمير المؤمنين عليه السلام فيقول في بعض خطبه : لو شئت لاهتديت إلى نسائج هذا القز ومصفى هذا العسل . وهذا كاف في العبرة لنا أجمعين .

 

ثالثاً : إن زهدهم سلام الله عليهم كان أكثر من ظروفهم مهما كانت صعبة . ولو كانوا تبعاً للظروف لما فعلوا ذلك بكل تأكيد .

فمن ذلك ما سمعناه عن رسول الله (صلى الله علي وآله وسلم) أنه كان يأمر زوجته بإماطة القاش الذي عليه التصاوير لأنه يذكره بالدنيا . وما سمعناه عن أمير المؤمنين من أنه أمر ابننته بحمل أحد الادامين الموجودين مع قرص الشعير . وما سمعناه عنه عليه السلام : ولقد رقعت مدرعتي حتى استحييت من راقعها . وقد كان في مستطاعه أن يجددها . ولذا يقول بعد ذلك : ولقد قيل لي : هلا نبذتها . فقلت : اغرب عني فعند الصباح يحمد القوم السرى . يعني عند رؤية الثواب والمنازل العالية في الآخرة .

 

رابعاً : إنه يصادف خلال الأجيال أن يمر بعض المجتمعات المسلمة في أزمات اقتصادية وفقر ومصاعب . فهل سوف يقنع الناس بالقليل ويتخذون مسلك الزهد عن قناعة وفهم ؟ بل سوف لن نسمع منهم إلاَّ الاستغاثة والاعتراض على القضاء والقدر ولعن الظروف القاسية ، ولن نرى منهم إلاَّ الاشمئزاز وقلة الصبر على البلاء.

 

فإن قلت : فإن الناس في الجزيرة العربية في صدر الإسلام كانوا متعودين على التقشف ، ولم يكن يخطر في بالهم غير ذلك ، لكي نسمع منهم الاعتراض والتمرد كما سمعناه من غيرهم .

 

قلنا : كلا . فإن صورة الترف والثروة كانت معروفة لهم جميعاً ، وكان في مجتمعهم من هو ثري يعيش بالبذخ والإسراف . فضلاً عن الأخبار التي تردهم عن دول الأكاسرة والقياصرة وما فيها من رفاه وحضارة .

 

إذن ، كان هناك مجال واسع للاعتراض وقلة الصبر في ذلك المجتمع ، مع أنهم لم ينقل عنهم شيء من ذلك ولو بخبر ضعيف .

 

صفحة (199)

 

الفقرة (14)

 

الإشكال الرابع : ما أشرنا إليه من أن الزهد إن كان خاصاً ببعض المعصومين عليهم السلام ولم يكن عاماً للجميع . فلقد كان عدد منهم كالإمام الحسن المجتبى والإمام الباقر والإمام الصادق عليهم السلام يلبسون اللباس الفاخر ويأكلون الطعام الفاخر ، وينصحون الآخرين بذلك . فإذا سألوهم عن ذلك قالوا : إن زهد المتقدمين كان لصعوبة الزمان .

 

فإذا كان لنا بالمعصومين عليهم السلام أسوة حسنة . فنحن نكون بالخيار بين الزهد وعدمه ، لأن بعضهم كان هكذا وبعضهم كان هكذا .

بل ينبغي لنا أن نتبع جانب الأغلب ، لأن أغلبهم لم يكونوا من الزاهدين المتقشفين .

 

وجواب ذلك من وجوه :

أولاً : إنه لا دليل على كون طعامهم ولباسهم فاخراً ن بالمعنى الدنيوي ، وإن كان أفضل من بعض الجهات من صدر الإسلام .

ثانياً : إن المصلحة العامة الظاهرية كانت تقتضي ذلك . باعتبار كون المجتمع في ذلك الحين كان قد اعتاد على أنواع اللباس والرياش ، وخاصة للمشاهير والرؤساء ، وكان يعد الشخص المخالف لمثل هذه الحال ذليلاً ومحتقراً .

 

ولا شك أن الأئمة المعصومين سلام الله عليهم ، كانوا مشاهير ورؤساء في المجتمع في الجملة ، وإن لم تكن لهم الرئاسة الفعلية ، فكانت المصلحة العامة تقتضي تجاوبهم مع هذا المسلك ، وعدم إعطاء الأعداء مغمزاً ونقطة ضعف يدخل منها النقد والتجريح .

ثالثاً : ما ورد من أن الإمام سلام الله عليه ، بينما كان يلبس اللباس الفاخر ظاهراً كان يلبس تحته لباساً صوفياً مؤلماً لجلده ، بينما يفعل بعض الزاهدين بالعكس . فهو يلبس الصوف والمسوح ظاهراً ويلبس تحته قماشاً رقيقاً يقي جلده من الألم .


صفحة (
200)

 

وإذا جمعنا بين الوجهين الآخرين اتضح المطلب بجلاء. وأصبح ما ورد في الرواية مفهوماً تماماً حين يقول (ع): هذا لكم وهذا لنفسي . أقول : يعني هذا للناس وهو اللباس الفاخر ، وهذا الله وهو اللباس المؤلم الداخلي.

 

وهذا كله ينتج : أن كل المعصومين سلام الله عليهم زهاد عباد . ولكن بعضهم زهدهم ظاهر كمن كان منهم في صدر الإسلام ، وبعضهم زهدهم خفي . إذن ينسد وينقطع ما قلناه في الإشكال من أننا نتبع الأغلب ونترك الزهد . بل ينتج أن المتعين هو طريق الزهد لأن جميعهم متسالمون عليه بشكل وآخر .

الإشكال الخامس : أنه ورد في بعض الروايات ما قد يستفاد منه النهي عن الزهد .

وذلك في روايتين :

الأولى : بما مؤداه أنه جيء إلى الإمام عليه السلام بشخص متزهد يأكل الخشب ويلبس الخشن . فزجره وعنفه وقال له : إن الله تعالى غني عن زهدك ، وإن حالك إنما هو من الشيطان .

الثانية : ما ورد بما مؤداه أن شخصاً يقول للإمام عليه السلام : إني أصبحت أفضل الفقر على الغنى والمرض على الصحة والموت على الحياة . فأجاب الإمام عليه السلام : أما أنا فأفضل ما اختاره الله تعالى لي من هذه الأحوال .

فإن دلت هذه الروايات على شيء ، فإنما تدل على نفي الزهد وإبعاد الناس عنه وعدم التفكير بنتائجه ، كتفضيل الفقر على الغنى ونحو ذلك .

وجواب ذلك من وجوه :

الوجه الأول: إن هناك أشخاصاً قد تتصاعد عندهم الرغبة في الزهد أكثر من تحملهم وطاقتهم وصبرهم . فيتخذون مسلكاً صعباً على أنفسهم ويحملون أنفسهم ما لا يطيعون . وهذا معنى خاطئ لأن فيه مضاعفات محتملة بل أكيدة ،غير محمودة . بل لا بد أن يكون الزهد تدريجياً وتحت إشراف وبحذاقة وفهم . ولا يكون بتسيب ولا بتسامح ، لكي ينتج نتائجه المفضلة .

 
صفحة (
201)

وعندئذ أمكن أن نقول : إن مثل هذا الشخص الذي زجره الإمام عن الزهد ، لم يكن قادراً على تحمله أو لم يكن مناسباً له أو كان قد خطى فيه خطوات صعبة . فلم يكن من الإمام عليه السلام إلاَّ أن زجره عن مسلكه مع عدم إمكان تفهيمه الفرق الذي أشرنا إليه ، باعتبار قانون : كلم الناس على قدر عقولهم . وإذا بقي على مسلكه فسوف يؤول إلى الفساد بدل أن يصير إلى الصلاح . فكان خيراً له تبديل حاله وتغيير مسلكه . ولا أقل من الاحتمال المبطل للاستدلال .

 

الوجه الثاني: إن الإمام عليه السلام . لو أقر هذا المتزهد ومدحه لفتح باباً في الدين أراده الأئمة مغلقاً . بمعنى أنه لو أقره على مسلكه لفتح للآخرين باب السير عليه والاتخاذ له ، ولأصبح كثير من أفراد المجتمع من الزاهدين .

وهذا ليس فيه مصلحة ، كما عهدنا قبل قليل بأن الأئمة عليهم السلام أرادوا دائماً إغلاق بابه . وذلك لعدة مصالح منها :

أولاً: إن الزهد ينتج نتائج جيدة في عالم التكامل العقلي والروحي . تلك النتائج التي ينبغي أن تختص بالأفراد والأفذاذ المستحقين لها . ولا تتوزع بين الناس من الفسقة والمنحرفين وغيرهم .

ثانياً: إن هذا الباب لو فتح للناس ، لأصبح المجتمع في تسيب من هذه الناحية ، فقد يحملون على أنفسهم ما لا يطيقون ، فتحصل نتائج غير محمودة كما أشرنا .

ثالثاً: إنه مع زيادة الزهاد في المجتمع تنسد أبواب الحاجات الاجتماعية والفردية في المجتمع . باعتبار قلة العاملين وقلة المنتجين . وهذا حال لا يريده الله سبحانه لعباده . بل يريد أن تكون عجلة المجتمع سائرة ودائرة بشكل طبيعي ومتصاعد نحو الرفاه والأفضل دائماً . بحسب ظاهر الحياة الدنيا .


الوجه الثالث : إن الإمام عليه السلام علم أنه لو أجاز حال هذا الرجل ومدحه لحصل له العجب في نفسه ، والعجب مضر جداً بالمستوى الروحي المطلوب للفرد . فزجره من أجل أن يذله في باطن نفسه ، فيكون بذلك أقرب إلى الله تعالى .


صفحة (
202)

الوجه الرابع : إنه بالإمكان أن يقال أيضاً : إن هذا الرجل كان قد حصل له العجب بحاله فعلاً ، فأراد الإمام عليه السلام أن يذله من أجل الفائدة التي عرفناها . ورفع تصور العجب من نفسه .

ولا ينبغي إهمال الالتفات إلى إمكان ضم هذه الوجوه بعضها إلى بعض لتنتج نفس النتيجة . كما لا يخفى على القارئ اللبيب .

وأما الخبر الآخر الذي ذكرناه ومضمونه أن الفرد ينبغي أن يرضى بما يرضاه الله له من الحال ، كالمرض والصحة أو الفقر والغنى . لا أنه يفضل الفقر على الغنى والمرض على الصحة .

فجوابه من وجوه :

أولاً: إن الإمام عليه السلام لم ينهه عن اعتقاده ، وإنما ذكر له الاعتقاد الأفضل وهو لا يتضمن الزجر عن الاعتقاد الذي ذكره السائل .

ثانياً: ما قاله بعض أهل المعرفة من أن السائل ذكر له مقاماً معيناً فذكر له الإمام مقاماً آخر وكلاهما قد يكون مناسباً مع الحال الذي يمر به الفرد . فمقام السائل هو التفويض ومقام الإمام هو الرضا ، أو مقام الإمام هو الرضا ومقام السائل هو التسليم ونحو ذلك .

ثالثاً: إن الإمام وجد مصلحة في تغيير حال السائل وإظهار نهيه عنه ، بعد التنزل عن الوجهين الأولين . لأنه كان غير مناسب مع مستواه النفسي والروحي ، وإنما كان المناسب له هو ما ذكره الإمام عليه السلام .

 

الفقرة (15)

 

المفهوم ما بين الناس أن أحسن موقف يمكن أن يتخذه الفرد مع استعمال ذكائه ورشده وإعمال تفكيره وعقله تجاه مختلف الحوادث والمصاعب التي تمر بالفرد باستمرار ، هو الاعتداد بالنفس وقوة الإرادة والبت بالأمور بحزم وقوة والاعتماد على النفس في القليل والكثير . فإنه خير من الاعتماد  على الغير ، وبذل الحاجة أمامه ، والتذلل تجاهه .


صفحة (
203)

 

أقول : إن هذا الموقف بالرغم من كونه مفروغاً من صحته اجتماعياً وعقلانياً واقتصادياً ، وهو معنى لا يخلو من أهمية واحترام . إلاَّ أنه مع ذلك ، لا يخلو من مناقشة بحيث قد يبدو في النتيجة سقوطه عن الاعتبار تماماً، كما سيظهر ، ذلك .

 

أولاً : إنه مناف لمعنى التوكل على الله سبحانه . فضلاً عن تمحيض التوكل به تعالى . لأن معناه أنه يتوكل على نفسه لا على ربه. ﴿ومن يتوكل على الله فهو حسبه﴾ وأما من أوكل الأمر إلى نفسه ، أوكله الله إلى نفسه ، فيفشل لا محالة ، ولا أقل أنه يكون بين احتمالي النجاح والفشل . بخلاف ما لو شعر بالتوكل الحقيقي واستعان بالله سبحانه فإن الله يعينه لا محالة .

 

ثانياً : إن الاعتماد على النفس من الشرك الخفي ، بصفته نظراً إلى الأسباب دون مسببها . فإن من الأسباب في نظر الفرد هو إنجازه الخاص وكد يمينه وعرق جبينه .

ومن هنا ورد عن امتثال هؤلاء من الناس. أن الفرد منهم يقول ﴿إنما أوتيته على علم عندي﴾ يفتخر بذلك ويتمدح . وكل ذلك من الشرك الخفي المنهي عنه أخلاقياً ومتشرعياً . لأن النظر الحقيقي إنما هو إلى مسبب الأسباب لا إلى الأسباب نفسها .

 

ثالثاً : إننا يمكن أن نحسب حساب نسبة النجاح في أعمال الفرد الذي يكون على هذا المستوى ، فقد نجدها بسيطة ، يتخللها أشكال من الفشل والمصاعب ومعاكسات الآخرين والأمراض وغيرها . إلى حد أننا لو نظرنا إلى مجموع المجتمع ، لوجدناها تنقص عن خمسين بالمئة بكثير . بل لعلها لا تزيد على نسبة عشرة إلى خمسة عشر بالمئة . من مجموع الجهود لأفراد المجتمع .

ومعنى ذلك أن نسبة الفشل والخسران تتراوح بين خمسة وثمانين إلى تسعين بالمئة . وهي نسبة مؤسفة جداً. فماذا أنتج الاعتماد على النفس وقوة الإرادة إلاَّ الفشل .


صفحة (
204)

بل لو سرنا على هذا الخط أمكننا اعتبار هذه النسبة من الفشل موجبة للاطمئنان بحصوله . ولا أقل من الظن الراجح جداً به . ومعنى ذلك بوضوح أن اعتماد الفرد على نفسه موجب لاطمئنانه بفشله سلفاً قبل الدخول في عمله . بغض النظر عن بعض القرائن التي قد تحصل أحياناً . فتوجب الوثوق بالنجاح . وهي غير حاصلة على أية حال .