كـتـاب الطهارة
الفقرة 1
لا بد لنا في أول كتاب الطهارة ، من
أن نعطي معنى الطهارة فقهياً إن كنا قد تحدثنا عنه بما فيه الكفاية في فصله الخاص
به من كتابنا (ما وراء الفقه ) .
وقد برهنا هناك : أن الطهارة هي الحالة الناتجة عن زوال الدنس إلا أن الأدناس تختلف
جداً ، وباختلا فها تختلف أنواع الطهارة ومعانيها مع رجوعها جميعاً إلى المعنى
المشار إليه .
وقد برهنا هناك أن عامة معاني الطهارة تعود إلى الطهارة المعنوية ، ولا تختص بالطهارة المادية التي هي زوال الدنس المادي كالتراب وغيره عن اليد مثلاً. وإنما هذا أحد المعاني فقط من عدد كثير من المعاني التي تعود كلها إلى الجهة المعنوية .
ونعددها فيما يلي باختصار ، مع شيء من الإيضاح والاستشهاد في القرآن الكريم بعونه سبحانه.
1.الطهاره من الدنس المادي كما مثلنا .
2.الطهارة الخبيثة ، وهي حكيمة ، يعني أنها ثابتة بحكم الشارع المقدس . وتكون بعد التطهير من النجاسة الناتجة عن أحد أعيان النجاسة ، كالبول والمني والدم . وقد يحمل عليها قوله تعالى (وثيابك فطهر).
3.الطهارة الحديثة الناتجة عن الوضوء .
وقد عرفنا في المصدر المشار إلية أن لها جهة حكمية ومعنوية معاً.
فالجهة الحكمية يجواز الدخول في
الصلاة ، والمعنوية هي نورانية تحصل بالوضوء . وقد نص عليها في بعض الأخبار :
الوضوء على وضوء نور على نور . وهي تحصل ، بارتفاع الحدث الأصغر ، باصطلاح الفقهاء
، وهو مسببات أو موجبات الوضوء .
صفحة (67)
4.الطهارة الحديثة من الحدث الأكبر وهي الناتجة عن الغسل . ومنها قوله (وإن كنتم جنباًٍ فاطهروا).
5.انقطاع دم الحيض ، فإن من معاني الطهارة في لغة . ومنه قوله تعالى (ولا تقربوهن حتى يطهرن ) .
6.الاستنجاء من البول والغائط ، فإن من معاني الطهارة لغة. ومنه قوله تعالى (عن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين ) . بقرينة ما ورد من مورد نزولها .
7.التنزه عن الدنس والباطل ، فإنه من معانيها اللغوية ، ومنه قوله تعالى (إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا ).
8.التنزه عن الدنس و الباطل ، فإنه من معانيها اللغوية ، ومنه قوله (اخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون ).
9. طهارة الأخلاق ، ونقاؤها من السواء والنفاق .
10.طهارة القلب وهداه ، ومنه قوله تعالى (ذلكم أطهر لقلوبكم و قلويهن ).
11.الطهارة التي تحصل بإقامة الحدّ ، فإنه أيضاً من معانيها في اللغة.
12.الطهارة التي تحصل بالعلو عن الماديات : كالملائكة والأرواح العليا .
13.الطهارة التي تحصل بالتوبة .
14.الطهارة
التي تحصل بالختان . فإنه من معاني الطهارة في اللغة ، باعتبار أن وجود الغلفة قبل
الختان نوع من النجس .
صفحة (68)
15.وقد تكون الطهارة للذات كلها . كقوله تعالى:( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت و يطهركم تطهيرا ).
16.وقد تكون الطهارة في الأموال كقوله تعالى : (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها ) . على معنى تزكي وتطهر أموالهم ، وإلا رجعت الطهارة إلى الذات .
17.وقد تكون الطهارة للصحف . كقوله تعالى :( رسول من الله يتلوا صحفاً مطهرة) .
18.وقد تكون الطهارة للشراب كقوله تعالى : ( وسقاهم ربهم شراباً طهورا ).
19.وقد تكون الطهارة للبيت وهوالكعبة المشرفة . كقوله تعالى:( وطهرّ بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود ).
20.وقد تكون الطهارة للماء . كقوله تعالى : ( وأنزلنا من السماء ماء طهورا).
21.وقد تكون بمعنى الحلية والجواز . كقوله تعالى : (هنّ أطهر لكم ) .
22. وقد تكون الطهارة للثياب ، بمعنى معنوي . يقال : رجل طاهر الثياب أي منزّه . ومنه قوله تعالى : ( وثيابك فطهر) .
إلى غير ذلك من موارد استعمالها ، والمعنى الحقيقي المشترك بينها جميعاً هو ارتفاع الدنس أوالحالة الناتجة عن ذلك . وكلها كما رأينا – أمور معنوية أو حكمية . ولا يعود إلى معنى الدنس المادي منها إلا واحد .
صفحة (69)
الفقرة (2)
في بعض أعمال الفرد المؤمن ما بين الضلوعين ، أعني طلوع الفجر وطلوع الشمس .
بما فيه طهارة ودعاء وصلاة .
اعلم أن النوم
في هذه الفترة من الوقت مكروه ، وإنما هو مخصص لذكر الله عزَّ وجلَّ ، وبعد أن أخذ
الجسم قسطه من النوم ،ولم يحن وقت العمل والارتزاق بعد . وقد ورد أن الله سبحانه
يقسّم الأرزاق ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس. فإياكم وتلك النومة .ومعه فينبغي
أن يكون الفرد مستيقظاً ليحصل على رزقه .إلا أن هذا الرزق المقصود،لا شك أنه أقرب
إلى المعنوي منه إلى المادي ، لوضوح وصول المادي منه إلى اليقظ والنائم على حد سواء
.
فإذا استيقظ
الفرد آخر الليل ، فليذكر الله سبحانه ، والأفضل أن يكون ذلك أول خاطرة تخطر في
ذهنه . ويقول:الحمد لله الذي بعثني من مرقدي هذا ولو شاء جعله سرمداً. ويضيف :
حمداً دائماً لا ينقطع أبداً ولا تحصي له الخلائق عدداً .
وليكن الاستيقاظ قبيل الفجر بحدود ساعة . في زمان يسع الطهارة وصلاة الليل ، فإذا
انتهت وبزغ الفجر صلّى فريضة الصباح ، وأتى بباقي الأعمال .
وروي أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حين كان ينظرإلى السماء بعد استيقاظه ، كان يقرأ هذه الآيات الواردة في سورة عمران : ( أن في خلق السماوات والارض و اختلاف الليل و النهار لآيات لأولي الألباب . الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم و يتفكرون في خلق السماوات والارض . ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك فقنا عذاب النار. ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته وما للظالمين من أنصار . ربنا سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا . ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفّر عنّا سيئاتنا و توفّنا مع الأبرار . ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامه إنك لا تخلف الميعاد).
ومما يدعى به عند طلوع الفجر الصادق : اللهم أنت صاحبنا فصل ّ على محمد وآله وأفضل علينا ، اللهم بنعمتك تتم الصالحات فصلّ على محمد وآله وأتممها علينا بالله من النار عائداً بالله من النار عائداً من النار بالله من النار .
صفحة (70)
ثم تقول : يافالقه من حيث أرى صلّ على محمد وآله واجعل أول يومنا هذا صلاحاً وأوسطه فلاحاً وآخره نجاحاً .
ثم تقول عشر مرات : اللهم إني أشهدك أنه ما أصبح بي من نعمة أو عافية في دين أو دنيا فمنك وحدك لا شريك ، لك الشكر بها عليّ حتى ترضى وبعد الرضا .
وقل إذا سمعت صوت الآذان عند الفجر : اللهم إني أسألك بإقبال نهارك وإدبارك ليلك وحضور صلواتك وأصوات دعائك وتسبيح ملائكتك أن تصلي على محمد و آل محمد وأن تتوب عليّ إنك أنت التواب الرحيم .
وإذا أردت التخلي ، فقدّم رجلك اليسرى عند الدخول وقل : بسم الله وبالله أعوذ من الرجس النجس الخبيث المخبث الشيطان الرجيم . وتبدأ بالتسمية إذا كشفت . وتتبع الأحكام الفقهية المعتبرة حال التخلي ، كوجوب ستر العورة وحرمة استقبال القبلة واستدبارها ، فإن في ذلك احتقاراً لها والعياذ بالله . وترك الكلام إلا بذكر الله أو للضرورة . فإن ذكر الله حسن على كل حال . وهو أجلّ من أن يناله عيب أو نقصان من ذلك .
ويستحب أن تقول عند قضاء الحاجة : اللهم اجعلني طيباً في عافية وأخرجه مني خبيثاً في عافية .
وقل إذا وقع نظرك على البراز : اللهم ارزقني الحلال وجنبني الحرام .
وروي أن لله سبحانه ملكاً يلوي عنق الإنسان للنظر إلى ما خرج منه .
ثم يقول له : انظر إلى ما سعيت له كيف صار . وفي الخروج عدة عبر ومواعظ ، في نسبته إلى الله تارة ونسبته إلى الفرد أخرى ، لا حاجة إلى الدخول في تفاصيلها .
وإذا أردت أن تستنجي فاستبرئ أولاً . ثم اقرأ دعاء رؤية الماء :الحمد لله الذي جعل
الماء طهوراً ولم يجعلة نجساً.
صفحة (71)
وتقول الاستنجاء : اللهم حصّن فرجي وأعفّه واستر عورتي وحرّمني على النار .
وإذا فرغت وقمت ، فامسح بطنك بيدك اليمنى وقل : الحمد الله الذي أماط عني الأذى وهنأني طعامي وشرابي وعافاني من البلوى .
ثم تخرج وتقدم رجلك اليمنى للخروج ، وتقول الحمد لله الذي عرفني لذته وأبقى في جسدي قوته وأخرج عني أداه. يالها نعمة يا لها نعمة ، يا لها نعمة لا يقدر القادرون قدرها .
ثم تبدأ بالاستياك ، فإنه من المستحبات . وهو أفضل أشكال تنظيف الأسنان دينياً . فإن لم يتيسر أمكن تنظيفها بأي أسلوب آخر. ولا شك أن الجميع بين الشكلين من التنظيف مطلوب . أما استعمال السواك فهو منصوص في الأدلة . وأما التنظيف بالفرشاة مشمول للأمر بالنظافة .
وكذلك ،فإنه يجزي الإصبع إذا لم يتيسر المسواك ، وإذا كان ذلك خلال وضع الماء في الفم للمضمضة فهو أحسن.
وينبغي أن يجلس عند الوضوء مستقبل القبلة ويضع الإناء على يمينه ويقول إذا نظر إلى الماء : الحمد لله الذي جعل الماء طهوراً ولم يجعله نجساً .
ثم تغسل يدك بإراقة الماء عليها قبل إدخالها الإناء،فإن كانت متنجسة كان هذا الغسل واجباً مقدمة لصحة الوضوء. ولا يفرق في استحباب هذا الغسل بين الماء القليل أوالكثير ، كالحنفية والأنهار .
ثم تقول إذا أدخلت يدك في الإناء أوتحت الحنفية : اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين .
ثم تمضمض ثلاث ، بجعل الماء في الفم وتحريكه وبزقه ، ولكن
إذا كان في الفم بعض الأجسام المحترمة كالرز والخبز ، وجب-على الأحواط – بلع ماء
المضمضة . إلا أن تكون البالوعة طاهرة .
صفحة (72)
و تقول أثناء المضمضة : اللهم لقنّني حجتي يوم ألقاك وأطلق لساني بذكراك .
ثم تستنشق ثلاث مرات ، بسحب الماء في الأنف ثم إرجاعه. وتقول : اللهم لا تحرم عليّ ريح الجنه واجعلني ممن يشمّ ريحها وروحها وطبيها .
ونية الوضوء يمكن أن تكون عند البدء بغسل اليد ، أو البدء بغسل الوجه . والأقوى فقهياً : أنه ماذا يفعل . بحيث إذا سئل عنه استطاع الجواب . فإن كان بحيث يتأمل ويتردد عندئذ ، كانت نيته باطلة. وقد سبق أن تحدثنا عن تفاصيل النيه في باب مقدمة العبادات . والوضوء عبادة ، فيحتاج إلى النية لا محالة .
فإذا نويت فابدأ بغسل الوجه ، بالمقدار المعتبر فقهياً ، وقل خلاله : اللهم بيضّ وجهي يوم تسود االوجوه ، ولا تسود وجهي يوم تبيضّ الوجوه .
ويكفي في غسل الوجه كفّ واحد مليئة بالماء ، فإن كانت أكف كان كذلك إسباغاً . وكذلك في اليد اليمنى واليسر والغسلة الثانية فيها سنّة والثالثة بدعة، إلا أن يؤتى بها للتقية ، فلا تكون مبطلة . والأحوط ترك الغسلة الثانية لليسرى والاكتفاء بالمرة.
فإذا غسلت اليد اليمنى فقل خلاله : اللهم أعطني كتابي بيميني والخلد في الجنان بيساري، وحاسبني حساباً يسيراً .
وإذا غسلت اليد اليسرى فقل : اللهم لاتعطني كتابي بشمالي ولا من وراء ظهري ، ولا تجعلها مغملولة إلى عنقي وأعوذ بك من مقطعات النيران .
ثم تمسح مقدم رأسك باطن كفك اليمنى وتقول خلالها : اللهم غشني برحمتك وبركاتك .
ثم امسح ظهر قدمك الأيمن ببلة كفك اليمنى وقل :اللهم ثبتني
على الصراط يوم تزلّ فيه الأقدام .
صفحة (73)
ثم امسح ظهر قدمك الأيمن ببلة كفك اليمنى وقل : اللهم ثبتني على الصراط يوم تزلّ فيه الأقدام .
ثم ظهر قدمك الأيسر وقل : اجعل سعيي فيما ترضيك عني يا ذا الجلال والإكرام .
وقل إذا فرغت من الوضوء : اللهم إني أسألك تمام الوضوء وتمام الصلاة وتمام رضوانك والجنة . وتقول الحمد الله ربّ العالمين .
هذا ولا ينبغي للفرد العادي أن يستصعب الوضوء ، باعتبار وجود هذه الأدعية فيه . فإنها مستحبه وتركها ممكن ، فإن كانت صعبة عليه فليقتصر على ما هو الواجب من أعمال الوضوء .
وينبغي أن نلتفت إلى أن صورة الوضوء هذه ، ذكرناها الآن فيما بين الطلوعين ، إلا أنها هي ذاتها في كل مرة يتوضأ فيها المؤمن .
وينبغي أن يكون الفرد في كل أوقاته على غسل ووضوء أو أقل : على طهارة تامة . فإنه مروي وله آثار مهمة ، منها ما ورد في الرواية من أنك إذا متّ متّ شهيداً .
وأسهل أساليب ذلك عملياً هو المبادرة إلى رفع الحدث كلما حصل . والوضوء على الوضوء مطلوب إجمالاً وخاصة عند حصول بعض الفعاليات الدنيوية ، وكذلك عند إدارة الدخول في أي صلاة . وكذلك حسب فهمي ، عند حصول بعض المحرمات من الفرد كالكذب والغيبة وغيرها.
ولا ينبغي أن ننسى بهذا الصدد استحباب تثنية الغسلات . والأحوط عدم التثنية في اليسرى احتياطاً لها في المسح . وكذلك اليمنى إذا أراد المسح بها من دون أن يستعملها في غسل اليسرى ، وكذلك اليمنى إذا أراد المسح بها من دون أن يستعملها في غسل اليسرى . كذلك الوجه لأخذ البلل منه عند جفاف البلل منه جفاف بلل اليد .
ويستحب أن يبدأ الرجل بظاهر ذراعيه في الغسلة الأولى وفي الثانية بباطنهما ، والمرأة بالعكس .
هذا ، وأما كيفية الصلاة الليل ونافلة الصبح ، ومستحباتها
وتعقيباتها ، فهذا ما سيأتي في كتاب الصلاة .
صفحة (74)
الفقرة (3)
تحتوي فكرة الأغسال الواجبة ، من الجانب المعنوي أو الأخلاقي على تطهير الجسد كله مما غلق به من دنس الحدث الأكبر . وهو بإزاء الذنوب الكبيرة .
فإنه كما أن الحدث مقسّم إلى كبير وصغير أوأكبر وأصغر ، فإن الذنوب مقسّمة إلى أكبر وأصغر أيضاً . فيكون الحدث الأكبر مشبهاً للذنب الأكبر ، والحدث الأصغر مشبهاً للذنب الصغير أوالمعصية الصغيرة . وكلها من نوع الأدناس في الفهم الشرعي والمتشرعي على أية حال ، وآثارها على النفس غير محمودة . فينبغي المبادرة إلى إزالتها .
أو أقل : إنها غير محمودة لا سبباً
ولا نتيجة . وكلامنا الآن عن أن الحدث بكل أشكاله لا يكون إلا عن شهورة أو منقصة .
فالأحداث الصغيرة غير النوم ، ناتجة عن الجهاز الهضمي ، ومن المعلوم أن عامة الأكل
والشرب – غير الضروري – ناتج أيضاً عن شهوة ولذة . أما النوع – بصفته حدثاً أصغر –
فهو ناتج أيضاً عن شهوة ولذة . والضروري منه ناتج عن منقصة أعني تحمل السهر أو عدم
إمكانه . وكذلك الضروري من الطعام والشراب ، ناتج عن منقصة ، وهي عدم تحمل الجوع
أوعدم إمكان استمراره.
وكذلك الأحداث الكبيرة ، فإن حصول الجنابة عن الشهوة الجنسية أوضح من الشمس وأبين
من الأمس . وأما أحداث الدم بأنواعها عند المرأة ، فإنها عن منقصة في التركيب
الطبيعي لجسمها ، أرادها الله سبحانه لها ، لمصلحة في علمه وحكمته . والمرتكز
متشرعياً ودينياً : أنها لو لم تكن ناقصة لما حدث فيها الدم .
أما تغسيل الأموات ، فله عدة وجوه محتمله ، فنذكر منها اثنين . وهما لا يجرجان عن القاعدة التي عرفناها :
الوجه الأول : أن يكون الموت نفسه
حدثاً للفرد ، أو منقصة له . وحيث لا يمكن تلاقية بإرجاع الحياة ، أمكن تلافيه بما
أمرت به الشريعة من الغسل . بل ظاهر الشريعة : انه أشد منقصة من غيره لأنه لا يطهر
إلا بثلاثة أغسال ، في حين يطهر الفرد مم الاحداث الأخرى بغسل واحد . وكون الموت
منقصة ليس غريباً ، بعد وضوح كونه سلباً لكل فعاليات الحياة ، إلى حد أصبح لا يملك
لنفسه نفعاً ولا ضراً ، وأصبحت جثتته من قبيل الأقذار التي يجب إبعادها او العورة
التي يجب سترها . ومن هنا سميت بالسوءة في القرآن الكريم بقوله تعالى : ( يواري
سوءة أخية ) .
صفحة (75)
الوجه الثاني : إن الميت مقبل على مواجهة الآخرة ، لأن الموت هو آخر الدنيا و أول الآخرة . فينبغي أن يتخفف من الأثقال التي لحقته في الدنيا ويتطهر من الأدناس والأرجاس التي تحملها منها . وذلك يكون بالأغسال وكلما كانت الأغسال أكثر التطهير أوكد .
وعلى أي حال ، فهذه وجوه من (الحكمه ) التي ندركها اللأحكام الفقهية ، وليست ( علة ) لها ، على المصطلح الفقهي ، ولذا وجب تغسيل من لا منقصة فيه كالمعصومين ( عليهم السلام) .
أما مسّ الميت . فيبدو من ظاهر الشريعة أنه مجرد تعبد ، وليس أن المسّ يحدث حدثاً في الحي .
نعم ، يمكن أن يقال : إن الغالب في المسّ أن يكون بشهوة ناتجة عن الحزن على الموت أو الشوق إلى الميت أو الحرص على عدم ابتعاد عن أهله ونحو ذلك . فيكون الغسل لازماً على هذا الأساس .
تبقى الإشارة غلى ما ندركه من الفرق بين الحدث الأكبر والأصغر . ويبدو أن ما ورد من أن الجنابة تخرج من كل البدن ، هو مفتاح الحل في المقام . فالحدث الأكبر يخرج من البدن كله ، والحدث الأصغر يخرج من عضوه فلا يجب إلا غسل أعضاء معينة في الوضوء .
وهذا واضح في الجنابة ، لأن الجسم كله
يتكهرب بالشهوة ، ويكون على حال أخرى خارجة عن مساره الاعتيادي، كما أنه واضح في
الموت ، لأن الجسم كله يموت .
صفحة (76)
وكذلك لا ينبغي أن يكون خفياً في الدماء الثلاثة ، لأن الدم موزع في الجسم كله،وخروجه من موضع معين إنما يعني خروجه من الجسم كله عن طريق هذا المجرى .
ولا يتبغي أن يخطر في الذهن : أن الدم يخرج من الرحم لا من الجسم كله . فإننا نجيب : إن الرحم إنما جمع الدم من الجسم وليس مستقلاً عن دم الجسم .
بقي الإلماع إلى أمرين :
الأمر الأول : إنه في مسّ الميت هل يحدث نقض كل غسله؟ أم لا .
ويمكن أن يجاب ذلك بأحدى وجهين :
الوجه الأول : ما قلناه من أن غسل مس الميت ثابت بالتعبّد ، وخارج عن المعنى الحدث الأكبر .
الوجه الثاني :أن التأثير هنا يكون
معنوياً أو روحياً لا جسدياً أونفسياً ، بمعنى معين لا حاجة إلى الإفاضة فيه .
الأمر الثاني : إن الأحداث الصغيرة الموجبة للوضوء ذات ارتباط بعضو معين ، هو إما العضو الظاهري ، وأما الجهاز الهضمي . وغير مربوط ارتباطاً أساسياً بغيره من الأعضاء ، أو قل إنه لا يخرج من الجسم كله .
إلا أن حدثاً واحداً صغيراً يبقى ، يبدو أنه يحصل في الجسم كله وهو النوم . فكانت هذه (الحكمة ) المشار إليها تقتضي فيه الغسل وليس الوضوء .
ويمكن أن يجاب بأحدى وجوه :-
الوجه الأول : إن ما قلناه هو من قبيل
(الحكمة ) لا ( العلة ) . والحكمة قد تختلف أحياناً بخلاف العلة ، كما ثبت في الفقه
. فيمكن هنا التعبد بالوضوء بالرغم من سيطرة النوم على الجسم كله .
الوجه الثاني : إن الظاهر أن النوم
يسيطر على الجسم كله .إلا أنه في الواقع ليس بل هو يسيطر على الشعور فقط. أو قل على
المخ . ويكون باقي التأثير من باب التسبيب .
صفحة (77)
الوجه الثالث : أنه يستفاد من عدة السنه وبيانات في السنّة الواردة ، ليس هنا محل تعدادها يستفاد : إن الحدث ليس هو النوم بل هو الاستيقاظ منه . وإنما أشير إلى باعتباره الملازم المساوي مع الاستيقاظ .
ومن الواضح أن الاستيقاظ كمال وليس نقصاً ، لنقول : إنه مؤثر على جزء البدن وكله . فهو لا يؤثر بالنقص على أي شيء . ويكون وجوب الوضوء عنده أواعتباره أمر تعبّيدي صرف .
الفقره (4)
الصحيح فقهياً ، هو أن الأغسال الواجبة كلها تغني عن الوضوء إلا أغسال المستحاضة المتوسطة و الكبيرة على وجه فقهي . وإلا غسل مسّ الميت على وجه آخر .
والمهم هو الدليل المعتبر دلّ عل أن نوع الغسل عموماًَ مجزئ عن الوضوء . ويعني ذلك شموله للواجب والمستحب . إلا إذ دل الدليل على الخلاف . أي على وجوب الوضوء مع الغسل في مورده .
ويمكن أن تتخلص المستثنيات في ثلاثة وجوه :
الوجه الأول : ما أشير إليه من الوجهين في غسل المستحاضة ومس الميت إن كانا تامين فقهياً .
الوجه الثاني : الغسل المستحب الذي ثبت بأدلة التسامح بأدلة السنن . فإنه يجب معه الوضوء رجاء لأول احتياطاً . لأن دليله غير كاف ، وأدلة التسامح نفسها لا تثبت هذه الجهة .
الوجه الثالث : أنه لم يثبت فقهياً
وجود الاستحباب في الكون على الطهارة في الغسل كما ثبت في الوضوء . كما لم تثيت
مشروعية الغسل على الغسل ، كما ثبت في الوضوء . فإن حصل مثل ذلك ، ولو رجاء
للمطلوبين ، لزم الوضوء بعده .
صفحة (78)
الفقره (5)
في تعداد الأغسال المستحبة المجزية عن الوضوء وغير المجزية عنه . وإنما تكون مجزية . كما أشرنا باعتبار حجية دليلها بخلاف الباقي .
1- غسل الجمعة ورقته من طلوع الفجر من يوم الجمعة إلى غروب الشمس منها على الأظهر . وكذلك قضاؤه يوم السبت ، من طلوع الشمس إلى غروبه .
2-غسل يوم عيد الأضحى، وهو اليوم العاشر من ذي الحجة . ووقتهما من الفجر إلى الزوال في هذين اليومين ، والأولى الإتيان بهما قبل الصلاة .
3-غسل عيد الفطر ، يوم الأول من شوال .
4-غسل يوم عرفة ، وهو التاسع من ذي الحجة و الأولى الإتيان به قبل الظهر .
5-غسل يوم التروية ، وهو اليوم الثامن من ذي الحجة .
6- في الليلة الأولى من رمضان .
7- قي الليلة السابعة عشرة من رمضان .
8- في ليالي اللقدر من شهر رمضان، وهي التاسعة عشرة والليلة الحادية والعشرين والليلة الثالثة والعشرين منه.
9- الغسل عند احتراق قرص الشمس كله في الكسوف .
10-غسل الإحرام للحج أو العمرة .
10-الغسل لدخول البيت الحرام ، وهو الكعبة المشرفة .
11-الغسل لزيارة المعصومين عليهم السلام ، أو أي واحد منهم .
12-الغسل لدخول الحرم المكي .
13-الغسل لدخول مكة .
14-الغسل لدخول حرم النبي ( صاى الله عليه وسلم ) .
15-الغسل
لدخول المدينة المنورة .
صفحة (79)
17-للاستجارة .
18-الغسل للاستسقاء ، والمقصود إيجاد صلاة الاستسقاء .
19-في يوم المباهلة ، وهو يوم الرابع والعشرين من ذي الحجة .
20-الغسل لوداع النبي ( صل الله عليه وسلم ) .
21-الغسل لصلاة الكسوف أداء وقضاء .
22-الغسل في يوم الغدير ، وهو اليوم الثامن عشر من ذي الحجة .
23- في يوم المبعث ، وهو اليوم السابع والعشرين من رجب .
أما الأغسال المستحبة التي ينبغي الوضوء بعدها .إما بقصد الواقع ... والأحوط استحباباً أن يأتي بالغسل نفسه برجاء المطلوبين الاستحبابية أيضأ ، فهي عديدة منها :
1- غسل ليلة الفطر ، وهي ليلة اليوم الأول من شوال ، بعد ثبوت الهلال ، والأولى الإتيان به أول الليل .
2- غسل من مسّ ميتاً بعد تغسيله .
3- غسل الليلة الرابعة والعشرين من شهر رمضان .
4- غسل من رأى مصلوباً بعد اليوم الثالث من موته ، وكان قاصداً إلى رؤيتة .
5- الغسل لإنجاز الذبح في الحج .
6- الغسل لإنجاز النحر للإبل في الحج أن كان الهدي منها .
7- الغسل لإنجاز الحلق أو التقصي في الحج .
8- الغسل في الليالي المفردة من شهر رمضان .
9- الغسل في جميع الليالي العشرة الأخيرة منه .
10- الغسل في أول كل شهر ، وخاصة رجب وشعبان ورمضان .
11- الغسل في نصف رجب ليلاً أو نهاراً .
12- الغسل في آخر يوم منه .
13- الغسل في نصف شعبان ليلاً أو نهاراًَ.
14- الغسل في يوم النور .
15- في التاسع من ربيع الأول .
16- في السابع عشر من ربيع الاول .
17- في اليوم الخامس والعشرين من ذي القعدة .
18- الغسل لزيارة المعصومين عليهم السلام من بُعد .
19- غسل تقديم الجمعة يوم الخميس .
20- الغسل
لقتل الوزع .
صفحة (80)
الفقرة(6)
يستحب للحائض أن لا تنسى ذكر الله سبحانه ، وأن تتوضأ وضوءاً شكلياً ،لأنه غير مسبب للطهارة الحديثة فقهياً، ثم تجلس في مصلاها وتذكر الله تسبيحاً وتهليلاً وتكبيراً وغير ذلك مقدار زمان صلاحتها على الأقل . كما أن من الافضل لها أن تحفظ طهارتها جسداً وثيابا في غير موضع الدم ، وأن كان ذلك غير مطلوب منها وجوباً . ولا تكون من نوع الحائض غير المأمونة في النجاسة ، والتي يكرهه سؤرها .
الفقرة (7)
يذكر الفقهاء في كتاب الطهارة من
الفقه ، أحكام تجهيز الميت من احتضاره حتى دفنه ، وكان علينا أن نتابعهم في ذلك ،
بما يخص الجهة الاخلاقية والمستحبات التي ترتبط بموضوع هذا الكتاب .
صفحة (81)
ونبدأ بصفة الموت . وأجد أن خير من وصفة هو سيد البلغاء والعارفين أمير المؤمنين عليه السلام في بعض خطب نهج البلاغة : حيث يصف أهل الدنيا أولاً ، ثم يعرّج على وصف الموت .
قال سلام الله عليه :أقبلوا على جيفة افتضحوا بأكلها ، واصلحوا على حبها ، ومن عشق شيئاً أغشى بصره وأمرض قلبه ، فهو ينظر بعين غير صحيحة ، ويسمع بأذن غير سميعة ، خرقت الشهوات عقله وأمات الدنيا قلبه. وولهت عليها نفسة .فهو عبد لها ولمن في يده شيء منها . حيثما زالت زال إليها ، وحيثما أقبلت أقبل عليها. ولا يزدجر من الله بزاجر .ولا يتعظ منه بواعظ . وهو يرى المأخوذين على غرّة ، حيث إقامه ولا رجعة ، كيف نزل بهم كانوا يجهلون ، وجاءهم من فراق الدنيا ما كانوا يوعدون . فغير موصوف ما نزل بهم .
اجتمعت عليهم سكرة الموت وحسرة الفوت . ففترت لها أطرافهم وتغيرت لها ألوانهم . ثم ازداد الموت فيهم ولوجاً فحيل بين أحدهم وبين منطقة ، وإنه لبين أهله ينظر ببصره ويسمع بأذنه على صحة من عقله وبقاء من لبة . يفكر فيم أفنى عمره وفيم أذهب دهره . ويتذكر أموالأً جميعها أغمض في مطالبها ، وأخذها من مصرحاتها ومشتبهاتها وقد لزمته تبعات جمعها ، وأشرف على فراقها . تبقى لمن وراءه ينعمون فيها ويتمتعون بها، فيكون المنأ لغيره والعبئ على ظهره .
والمرء قد غلقت رهونه بها ، فهو سعضّ يده ندامه على ما أصر له عند الموت من أمره، ويوهد فيما كان يرغب فيه أيام عمره . ويتمنى أن الذي كان يغطبه ربها ويحسده عليها قد حاوها دونه .
فلم يزل الموت يبالغ في جدّه حتى خالط لسانه سمعه . يردد طرفه بالنظر في وجوههم يرى حركات ألسنتهم ولا يسمع رجع كلامهم .
صفحة (82)
ثم ازداد الموت التياطاً به ، فقبض سمعه . وخرجت الروح من جسده ، فصار جيفه بين أهله ، قد أوحشوا من جانبه وتباعدوا من قربه ، لا يسعد باكياً ولا يجيب داعياً .
ثم نقلوه إلى مخط في الأرض ، وأسموه
فيه إلى عمله ، وانقطعوا عن زورته .
حتى إذا بلغ الكتاب أجله ، والأمر مقاديره ، وألحق آخر الحق بأوله ، وجاء من أمر الله ما يريده من نجديد خلقه . اماد السماء وفطرها ،وأرجّ الأرض وأرجفها ، وقلع الجبال ونفسها ، ودك بعضها من هيبة جلالته ومخوف سطوته. وأخرج من فيها ، فجددهم بعد إخلاقهم وجمعهم بعد تفرقهم ثم ميزهم لما يريد من مسألتهم عن خفايا الاعمال وجنايا الافعال .
وجعلهم فريقين أنعم على هؤلاء وانتقم من هؤلاء .
وأما أهل المعصية ، فأتزلهم شرّ دار،
غلّ الأيدي إلى الأعناق ، وقرن النواصي بالأقدام، وألبسهم سرابيل القطران ومقطعات
النيران . من عذاب قد اشتد حره، وباب أطبق على اهله ، في نار لها كلب ولجب ولهب
ساطع وقصيف هائل .لا يطغن مقيمها ، ولا يفادى أسيرها ، ولا تفصم كبولها ، لا مدة
للدار فتفنى ، ولا أجل للقوم فيقضى . إلى آخر الخطبة الجليلة .
صفحة (83)
الفقرة (8)
ينبغي أخذ العبر من الموت ، ولا ينبغي ان يمرّ ذكر، الموت كأي حادث آخر عابر لا أثر له ، ونكون عنه من الغافلين ، ونخسر بذلك حسن التوفيق .
ويكمن الحديث عن ذلك على شكل التالي . فإن نسبة الموت تارة إلى الفرد نفسه وأخرى لغيرة وعلى ذلك كلا التقديرين ، فإما أن نلاحظ أثره في الدنيا أو نلحظ اثره في الآخرة . فتكون الأقسام أربعة : 2x2 . ويمكن بيان ذلك ضمن أربعة مستويات :
المستوى الأول : في ملاحظة أثر الموت على الفرد نفسه ، في دار الدنيا، يعني حتى ولو قبل وقوعه .
وذلك : أن الفرد يمكن أن يشعر طبقاً لذلك بأمور :
أولاً : إن الموت أمر يقيني وليس مشكوكاً . وإن استبعده أهل الدنيا وغفلوا عنه ، واعتبروه كأنه غير موجود . قال أمير المؤمنين : ما رأيت يقيناً أشبه بشك من الموت .
ثانياً : إن الموت باب من أبواب الطاعة ، من حيث كونه باب الآخرة . وفي الآخرة الثواب على الطاعة والعقاب على المعصية . وهذا ما يبعث على العمل الجاد في الحصول على الثواب وتجنب العقاب .
ثالثاً : إن الموت ليس له وقت موقوت ولا أمد معروف ، بل هو محدد بإدارة الله سبحانه وحده . ومن زاوية الفرد وأي فرد ، فإنه يمكن حصوله في أية لحظة وبأي سبب بدون سبب . وهذا ما ينفي طول الأمل لعدة ساعات فضلاً عن عدة سنوات .
رابعاً : إن الموت موجب واضح لفراق الدنيا وما فيها من قريب وبعيد ومالك ومملوك . إذن فكل ذلك إنما هو مثل الاستعمارة ، لها أمد معين ، وهو عمر الإنسان ، وما إعجل أن ترد العواري .
إذن ، فلا ينبغي أن يشعر الفرد مع الأفراد والأملاك بالارتباط الدينوي أكثر من ذلك ، وبأهمية أوسع منه .
خامساً : إن هذا الجسد نفسه يفارقك
عند الموت ، فهو إذن عارية أيضاً ، وإنما يسّر الله تعالى لك ، لأجل الاستعانه به
على الطاعة والمعروف والتوبة والاستغفار ، لا لاستغلاله للعصيان والطغيان . أعاذنا
الله من كل سوء .
صفحة (84)
سادساً : إن هذا الجسد ليس له قيمة أكثر من الجيفه التي سوف يستحيل إليها أولاً ، ثم التراب الذي يتحول إليه بعد ذلك .لا يختلف في ذلك المالك عن المملوك والغني عن الفقير والعالم عن الجاهل والمسلم عن الكافر .
المستوى الثاني : في ملاحظة أثر الموت على الفرد في الآخرة ، بصفته طريقاً إليها وباباً لها .
أولاً : إن الأعمّ الأغلب من الناس لا يعلمون على ماذا يقدمون في الآخرة ، هل على ثواب جزيل أو عقاب أليم . وكل فرد يعلم أنه لا يخلو من الذنوب والعيوب . ولذا يقول الإمام السجّاد عليه السلام : إذا نظرت إلى ذنوبي قنطت وإذا نظرت إلى رحمتك طمعت . فالفرد ، أي فرد إلا الأندر الأندر ، يكون استحقاقه الأولى ، هو العقاب ، ما لم تتداركه الرحمة والمغفرة وينقل بذلك من العقاب إلى الثواب .
ثانياً : يمكن أن نقول : إن ما ينجي في الآخرة أمران : أحدهما : العمل الصالح ، والآخرة رحمة الله سبحانه . غير أن العمل الصالح مهما كان فهو قليل وضيق والرحمة جليلة وواسعة . ومن هنا لا ينبغي الاعتماد في النجاة على العمل مهما كان ، بل على الرحمة .
بل إن العمل الصالح في الدينا كان بحسن التوفيق والرحمة نفسها ، فكيف يمكن تقديم أهميته عليها أو جعله كفؤاً لها .
ثالثاً : لا دليل على أن كل ميت يتمنى الرجوع إلى الدنيا ، ولكن لعل الأعم الأغلب منهم كذلك ، إلا من تداركه الله برحمته الواسعة .
غير أنه من المؤكد بنص القرآن الكريم ، أن تمني الرجوع ليس شوقاً إلى الدينا أو
أسفاً على فراقها ، وإن كان هذا موجوداً عند الكثيرين . غير أن الأهم في نظر الميت
عندئذ هو الرجوع لممارسته الطاعة والاستغفار ، وبناء ما خسره في الآخرة من جديد .
قال الله سبحانه ( رب ارجعون لعلي أعمل صالحاً فيما تركت ).
صفحة (85)
وهذا الدعاء غير مستجاب ، حسب ظاهر القرآن الكريم . حيث يجاب الميت ( كلا إنها كلمة هي قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون ) .
والحكمة من الرفض هي أن الفرد وأن
الفرد وإن كان يتخيل في تلك اللحظة أنه إذا رجع إلى الدنيا مارس العمل الصالح
والتقوى ، إلا أن خياله ذلك خاطئ . فإنه إذا عاد سوف يمارس عمله السابق نفسه ،
ويتصرف حسب مستواه النفسي والعقلي والإيماني . فتكثر ذنوبه وتزداد عيوبه ، وبالتالي
: تسوء آخرته ، وهو يريدها أن تتحسن. فمن الحكمة له، بل والرحمة به أن يرفض طلبه
ذلك ويرد دعاؤه .
وتمني الرجوع إلى الدنيا إما أن يكون عند الاحتضار وفي الساعة الأولى من الموت ، بحيث يتمنى أن تعود له الروح فوراً ، ويعود كما لو كان مغمّى عليه ثم يستيقظ . وقد يكون تمني الرجوع في زمان آخر كيوم القيامة حينما يشاهد الأهوال والنيران .
ويمكن القول : بأن هذا التمني يكون عند مواجهة الأهوال . فإن ورآها في وقت آخر ، كان التمني في ذلك الحين ، وذلك تخلصاً من أسبابها وهي الذنوب ، لأنه إذا رجع إلى الدنيا سوف تعود إليه فرصة التوبه والعمل الصالح .
رابعاً : إنه بينما يكون الورثة مهتمين بتجهيز الجسد ، يكون الميت مهتماً بعالمه الذي وصل إليه وهوله الذي اطلع عليه . وما يرى هناك ويسمع من حوادث وأشخاص .
وهذا أكيد وأوضح من الشمس ، بعد العلم بصحة العقيدة وصدق
القرآن الكريم في إثبات النشأة الأخرى . ومن هنا يكون الأحرى بالفرد أن يحمل هذا
الهم من حين حياته ، لا أن يفاجأ به بعد مماته .
صفحة (86)
خامساً : إنه لا دليل على أن طريق الموت لكل أحد واحدة . نعم ، هي واحدة تقريباً لموت الجسد . وإنما المراد أننا لو لاحظنا إحساس الفرد نفسه حال النزع للروح وبعده ، أعني لا حظنا الأفراد ككل ، لم نجد بينهم تشابهاً إلا قليلاً . من حيث الراحة والألم والأمن والفزع وعدد ما يرون من الاشخاص ، ومن هم ؟ وشكل ملك الموت ، غير ذلك .
بل هناك من الادلة ما تؤيد هذا الأختلاف ، كما أن النظر إلى أحوال الموتى ، يكون قرينة على ذلك . فقد ورد : أن الموت صعب على الكافر وسهل على المؤمن . كما ورد بأن الله سبحانه قد يجعل الموت صعباً على المؤمن ليكون سبباً لغفران ذنوبه وتسهيل ما بعده أشد ، وإن كان الموت سهلاً ، كان مابعده أسهل . وهذا صادق بالنسبه إلى بعض الطبقات من الناس ، وهم الأكثر إيمانا ً والأكثر كفراً أو نفاقاًَ .
المستوى الثالث : في ملاحظة أثر الموت على الآخرين ، من الناحية الأخروية ، أي ماذا ينبغي أن يكون عليه إحساس أي فرد إذا رأى ميتاً سواء كان من أهله أم لم يكن ؟
ويمكن تلخيص ذلك التفت قهراً :
أولاً : إنه كما مات هذا وغيره ، فسوف
يموت هو وغيره . فإن كان غافلاً عن ذلك التفت قهراً .
ثانياً : إنه من النعمة أن يبقى هو من الأحياء الآن ، بينما يرى هذا الفرد قد انتهت
حياته وانقطع أمله وانتهى عمله وزوال رزقه وأغلق أمامه باب التوبه ، في حين أن
الفرد في الدنيا لا زالت كل هذه النعم متوفرة لدية .
ومن هنا ورد استحباب أن يقول الفرد
إذا رأى جنازة : الحمد لله الذي لم يجعلني من السواد المخترم ، يعني : من الموتى ،
من حيث إنه لاوال يتمتع بالحياة .
صفحة (87)
ثالثاً :إنه يرجح الحزن على الميت ولماذا؟ هل لمجرد أنه مات
أو لأنه من أهل النار ؟أو أهل الجنة ؟ أو لسبب آخر؟
أما مجرد الموت ، فهو قانون عام
لايمكن الفرار منه . في(كل نفس ذائقة الموت ) بالضرورة . والحزن علية قد يشكل
اعتراضاً على القدر الإلهي ، فيكون حراماً .
وأما إذا كان هذا من أهل النار ، فهو مستحق لها ، وليس انك أرفق به ولا أعلم بحقيقة من الله عز وجلَّ . وليس من المنطقي أن نحزن لشخص يستحق النار .
وأما إن كان من أهل الجنة ،ولا أقل إنه من الراجح أن تشمله رحمة الله الواسعة ، إذن فهو في راحة الآن , وليس من المنطقي الحزن على من يكون في راحة ، بحيث يكون هو مرتاحاً وأنت محزون!
رابعاً : يمكن ملاحظة كثير من الموتى الذين كانوا كأولياء أو مشرفين على أسرة أو تجارة أو غير ذلك . فإن الفرد العادي ممن كان معهم يرى بعدهم فراغاً دنيوياً أو اجتماعياً او اقتصادياً هائلاً .
وهذا إنما يكون من قلة اليقين بالله عزوجل ، والاعتقاد أن الحافظ والرازق والمدّبر ، هو هذا الميت . فإذا زال وجوده زال أثره ، فلا يبقى هناك حافظ ولا رازق ولا مدبر !!
وهذا أقرب إلى الى الكفر منه إلى الإيمان ، لولا أن بعضهم يفكر فيه بحسن نية . مع العلم أن الحافظ الحقيقي والرازق الحقيقي والمدبر الحقيقي حيّ لم يمت ولن يموت . وهو سبحانه وتعالى .
خامساً : من أعظم العبر أن نجد فرداً قربياً أو صديقاً تجامله ويجاملنا ونعامله ويعاملنا ونزوره ويزورنا ونحترمه ويحترمنا . ثم يتسحب بالمرة عن كل نشاطه وفعالياته وينقطع صوت كلامه وصوت مشيه ، وتدفن معه كل آرا ئه ووجهات نظره ، ويبقى المكان فارغاً منه كانه لم يكن على الإطلاق .
ولم يبق من دليل على وجوده إلا ما خلف من أولاد أو متاع .
صفحة (88)
المستوى الرابع : ملاحظة اثر الموت على الآخرين من ناحية الحياة الدنيا .
أولاً : فيما يتعلق بالجسد ، فإن الفرد كما يجب احترامه حياً يجب احترامه ميتا ً. وقد أصبح بحال مزرية ومنظر قبيح، لا بد من المسارعة إلى ستره .
ثانياً: إن الشريعة أمرت بأمور معينه في تجهيز أجساد الموتى ، يجب على المسلمين القيام بها ولا يجوز إهمالها .
ثالثاً : ملاحظة أن في الدفن فوائد للموجودين في الدنيا ، من حيث إن الجثة إذا استمرت بدون دفن أضرت بالآخرين جزماً ، إذن نعمة وليس نقمة، كما قد يخطر في بال المحزونين عليه .
رابعاً :إنه من الراجح تجديد ذكر الموت ، فإنه حياة للقلوب ، فكيف إذا حصل ذلك بين يدي الفرد ؟
خامساً : من الراجح أن يدرك الفرد عند
ذكر الموت في أكثر الأوقات ، أن هذه الحياة ما دامت مختومه بالموت، فمن الراجح أن
يختار الموتة الشريفة التي تكون في رضاء الله على القدر في الدنيا والآخرة . وهذا
هدف يستحق التضحية من أجله بالحياة وعناصر الحياة . فإن الموته لن تكون إلاواحدة .
والتضحية لن تنتج موتاً متعدداً .
الفقرة (9)
إنه من الراحج ، ما دمنا لدى الحديث عن الموت أن نفهم تفسير الآيه الكريمة ( ربنا أمتنا اثنتين ) . فإن ذلك ، وإن كان خالياً من الجانب الفقهي ، إلا إنه غير خال الأخلاقي ، الذي هو أحد جانبي هذا الكتاب .
فإن السؤال يقع في أن المنظور في هذه الحياة أن الحياة واحدة
، وهي هذه التي نعيشها والموت واحد ، وهو هذا الذي نراه ، فأين الحياة الثانية
والموت الثاني الذي بهما الآية الكريمة ؟
صفحة (89)
ويمكن الجواب على ذلك بعدة وجوه ، نذكر منها ما يلي :
الوجه الأول : وهو المشهور بين المفسرين وغيرهم ، بأن العدم السابق على الحياة اعتبرته الآية الكريمة موتاً والوجود اللاحق لهذه الحياة في الآخرة ، اعتبرته الآية الكريمة حياة . فحصل لدينا حياتان وموتان .
الوجه الثاني : إن المشهور بين المتشرعة: أن الملكين المسؤلين عن سؤال الميت في القبر بعد دفنه ، يأتيانه فيعيدانه إلى الحياة . وبعد أن يتم السؤال يموت مرة ثانية ، ويبقى ميتاً إلى يوم القيامه . وبذلك فقد حصل عندنا موت ثانٍ وحياة ثانية .
الوجه الثالث : إن الحياة والموت الآخرين اللذان تبشر الآية الكريمة بهما ليسا ماديين وإنما هما معنويان . وذلك : بعد ملاحظة أن الآية الكريمة تنقل هذا الكلام عن الكفار والمنافقين وليس عن المؤمنين كما هو واضح من سياق القرآن الكريم ؟
ومعه يكون الموت المعنوي هو حالة الكفر ونحوه ، الموجودة لديهم ، والحياة المعنوية هي انكشاف الحق في الآخرة، حين لا ينفعهم ندم ولا تقبل منهم توبة . ولذا يقولون : هل إلى مردّ من سبيل .
الوجه الرابع : إن الحياة والموت المعنويين كما بهما الكفار والمنافقون ، يمر بهما المؤمنون أيضاًَ . إذن ، فالتثنية في الحياة والموت شاملة للجميع .
وبالنسبة إلى المؤمنين ، يكون الموت عبارة عن الغفلة عن الحق ، والتلهي بأمور الدنيا، حقبة من الزمن . وتكون الحياة المعنوية هي صعودهم بالسباق المعنوي إلى العالم الأعلى ، وانكشاف الحقيقة لهم .
الوجه الخامس:إن التثنية في الحياة والموت ، ليست على نحو
الحصر ، بل يمكن أن تكون إشارة إلى مجرد التعداد. فقد تكون الحياة أكثر من اثنين
والموت أكثر من اثنين ،كالحياة في عالم الذرة السابقة على الدنيا ،والحياة في
الدنيا، والحياة في يوم الحساب والحياة في الثواب او العقاب الموعودين بعده مضافاً
المعنوية التي سمعناها . ولكل حياة موت يقابلها . هذا مضافاً إلى وجوه أخرى محتملة ، في
الآية الكريمة لا حاجة إلى الإفاضة فيها .
صفحة (90)
الفقرة(10)
بقي لنا : أننا ينبغي أن نشير إلى قوله تعالى ( لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى ) . حيث دلت على وجود موت واحد ، في حين دلت الآية السابقة على وجود موتتين فكيف حصل ذلك ، وما المراد بهما ؟
ويمكن أن يجاب عن ذلك بعدة وجوه ، منها:
الوجه الأول :إن المراد من الآية قطعاً ،هو نفي حصول الموت بعد الدخول إلى الجنة . والمراد بالأولى : السابقة. وهي على الأرجح إشارة إلى الموت الثاني للكفار هو الموت الثاني الناتج عن كفرهم . وهذا غير موجود لمؤمنين.
الوجه الثاني : ان المراد : أن أهل الجنة وهم المؤمنون في الدنيا لا يذوقون إلا موتاً واحداً ، بخلاف الكفار والمنافقين فإنهم يموتون مرتين . وقد سبق أن قلنا إن تلك الآية الكريمة هي نقل عن الكلام الكفار والمنافقين . وهذه الآية تصف حال المؤمنين في الجنة . ولعل الإشارة إلى الموت الثاني للكفار هو الموت الثاني الناتج عن كفرهم . وهذا غير موجود للمؤمنين .
الوجه الثالث : إن المشهور بين العارفين : أن المؤمن العالي الدرجة عند الله عزَّ وجلَّ، لا يمر بالموت الطبيعي، وإن توهم أهله وأصدقاؤه والآخرين ذلك. وإنما يكون له ذلك من بعض درجات التكامل لا أكثر .
ومعه فالموت الذي سبق مروره به ، هو
موت أسبق من ذلك ، وهو إما إشارة إلى العدم السابق على الحياة ، لو قلنا به ، وإما
إشارة إلى عصر الغفلة والتلهي بالدنيا ، قبل الوصول إلى درجة الرفيعة من الإيمان ،
كما ذكرنا في بعض الوجوه السابقة في الفقرة السابقة .
صفحة (91)
الفقره (11)
إنه يستحب تلقين الميت حال احتضاره ، بعد توجيهه إلى القبلة وجوباً .
وذلك : أن المشهور : أن الشيطان يمكنه أن يتسلط عليه في ذلك الحين .
ويحاول أن يرده عن عقيدته ودينه ، لكي يموت وهو كافر ويسمى بالعديلة ، بمعنى أن الفرد يعدل عن عقيدته أخرى فاسدة . ولا أقل من الاعتراض على القدر الإلهي الذي قضى بموته وفراقه أحبابه وأمواله وهناءه . مع أن الحكيم العليم .
ومعه يكون التلقين دافعاً لأثر الشيطان ، ومعطياً للفرد قوة ضده .
والفرد المشارف على الموت ، يسمع التلقين جزماً .إما لكونه لا زال حياً سامعاً ، لم ينقطع سمعه حتى ذلك الحين، وإما لكونه يسمع بروحه بعد خروجها . فإن قلنا : بأنه كان التلقين في تلك الفترة لم يستفيد الميت بحال تساعده على السماع .
والتلقين يكون بالعقيدة الحقّة وبتذكر الميت بأصول الدين الرئيسية وبما هو حق وواضح في الشريعة الاسلامية ، لكي يموت وهو متذكر لهذه الأمور ، فيموت موته طبية. فتكون آخرته طيبه .
وليس للتلقين نص معين واجب الاتباع ، وإنما النصوص الموروثة كلها استحبابية . وأياً منها كان ، كان مجزياً إذا كان محتوياً على ما ينبغي ذكره من العقيدة الحقة .
وفيما يلي أحد النصوص المروية للتلقين:
اللهم فاطر السماوات والأرض عالم
الغيب والشهادة ،الرحمن الرحيم إني أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن
الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور ، وأن الحساب حق وأن الجنة حق
وأن ما وعد فيها من النعيم من المأكل والمشرب والنكاح حق . وأن الدين كما وضعت ،
وأن الإسلام كما شرع وأن القول كما قال وأن القرآن كما أنزل وأن الله هو الحق
المبين . وإني أعهد إليك في دار الدنيا أني رضيت بك رباً و بالإسلام ديناً وبمحمد
صلى الله عليه وسلم وآله نبياً وبعلي ولياً وبالقرآن كتاباً وأن أهل بيت نبيك عليه
السلام أئمتي ، اللهم أنت ثقتي عند شدتي ورجائي عند كربتي وعدتي عند الأمور التي
تنزل بي وأنت وليي في نعمتي ،وإلهي آبائي ، صلّ على محمد وآله ولا تكلني إلى نفسي
طرفة عين أبداً ، وآنس في قبري وحشتي ، واجعل لي عندك عهداً يوم ألقاك منشوراً .
صفحة (92)
ومن الواضح أن هذا النص إنما هو بلسان الميت . أنه ينبغي
للميت أن يتابعه وتلفظه ، إما بصوته أن كان قادراً وإما بروحة إذا تم موته .
ويمكن أن يكون التلقين بأسلوب آخر ، وهو: يا فلان بن فلان اشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله . إلى آخرالعقائد الحقة .
والمعروف أنه ينبغي أن يكون التلقين بصوت عال ، لا مجرد أن يكون مسموعاً . وذلك باعتبار ثقل السمع المحتمل للميت قبل موته . أو باعتبار الشدة التي هو فيها والتي تجعله لاهياً عن أهله وسماع أصواتهم ، فقد يكون الصوت العالي ملفتاً له في تلك الحال .
وهناك تلقين آخر بعد وضعه في القبر ، قبل طمه والبناء عليه . وهو لا يختلف مضموناً عن هذا التلقين . وكلاهما مستحب ، والجمع بينهما ، يعني إنجازهما معاً أفضل .
وينبغي أن نلفت إلى أن الإنسان في حال احتضاره يكون زمان التوبة قد انتهى بالنسبة إليه ، وكذلك الاستغفار من الذنوب والتبري من العيوب ونحو ذلك .
ومعه فإن التلقين لا يفيد شيئاً من
التوبة أو من التكامل أو الإيمان . وإنما يموت هلى الحال الذي كان عليه في آخر
ساعات الدنيا على كل حال . وإنما التلقين يكون لمجرد التذكير إن كان حال الميت
أومستواه يناسب ذلك .
صفحة (93)
نعم ، إذا كان التلقين ، قبل البدء بخروج روحه بحيث يكون في تلك الحال في الدنيا تماماً كان مؤثراً فيه . لأن التوبة إنما تنقطع مع بدء الموت . والمفورض أن وساوس الشيطان والعديلة ، إنما تكون في ذلك الحين ، أعني قبل بدء الموت ، لأن الشيطان إنما هو في الدنيا ولا تسلط له على الموتى . فالتلقين في دفع ذلك .
وهناك نص يسمى دعاء العديلة ، ينفع في ذلك ، لا حاجة إلى سرده .
وإنما يؤخذ من مصادر عند الحاجة إليه.
الفقرة 12
قال الفقهاء في مستحبات حال الأحتضار:
اته يستحب نقله الى مصلاة ان اشتد به التزاع ويكره ان يحضره جنب او حائض، وان يمس
حال النزاع . واذا مات يستحب ان تغمض عيناه ويطبق فوه ، ويشد لحياة وتمد يداه الى
جانبيه وساقه، ويغطى بثوب. وأن يقرأ عنده القرآن، وخاصة سورة يس والواقعة والدخان ،
ويسرج في المكان الذي مات فيه إن مات في الليل ، وإعلام المؤمنين بموته
ليحضروا جنازته ويعجل تجهيزه،إلا إذا شك بموته، فينتظر به حتى يعلم موته، ويكره أن
يثقل بطنه بحديد أوغيره ، وأن يترك وحده. وذكر الفقهاء في مستحبات التغسيل : أن
بوضع الميت على مرتفع حال التغسيل، وأن يكون تحت الظلال ، لا تحت السماء . وأن يوجه
إلى القبلة كحالة الإحتضار. وأن ينزع قميصه من طرف رجليه ، وإن استلزم فتقه، بشرط
إذن الوارث. وتلين اصابعه برفق وكذلك جميع مفاصله ، وأن يغسل رأسه برغوة السدر
وفرجه بالأسنان، وأن يبدأ بغسل يديه إلى نصف الذراع في كل غسل ثلاث مرات، ثم بشق
رأسه الأيمن ثم الأيسر، ويغسل كل عضو ثلاثاً في كل غسله، ويمسح بطنه في الأولين
إلا الحامل التي مات ولدها في بطنها ، فيكره فيها ذلك.
صفحة (94)
وأن يقف الغاسل على الجانب الأيمن للميت. وأن يحفر للماء حفرة خاصة، ولا يسلط الماء على الكنيف. وأن ينشف بدنه بعد الغسل بثوب نظيف وطاهر. وذكروا أيضا أنه يكره إقعاد الميت، وترجيل شعره، وقص أظفاره، وإن قصت أو انقطع منه شىء وجب دفته معه داخل الكفن. ويكره جعله بين رجلي الغاسل وحلق رأسه أوعانته وقص شاربه. فإن حصل وجب دفنه معه.
ويكره: تخليل ظفره وغسله بالماء الساخن بالنار أوبأي ماء ساخن إلا مع الاضطرار. والتخطي عليه قبل التغسيل أو مطلقاً .
وذكر الفقهاء في مستحبات الكفن أموراً منها:
أن يضاف للرجل العمامة، ويكفي فيها مسماها . والأولى أن تدار على رأسه ويجعل طرفاها تحت حنكه على صدره، الأيمن على الأيسر والأيسر على الأيمن. وتضاف المقنعة للمرأة. ويكفي فيها أيضا المسمى. ولفافة لثدييها يشدان بها الى ظهرها. وخرقة يعصب بها وسط الميت ذكراً كان أم أنثى.
وإضافة
لفافة أخرى للفخدين تلف عليهما .ولفافة فوق الأزار يلف بها تمام بدن الميت والأولى
أن تكون برداً يمانياً. كما يمكن استعمال الرد اليماني كإزار. كما يستحب أن يجعل
القطن أو نحوه بين رجليه يستر به العورتين ، ويوضع عليه شيء من
الحنوط ، وأن يحشى دابره ومنخراه ، وقبل المرأة، إن خيف خروج شيء منها.
صفحة (95)
ويستحب إجادة الكفن ، وأن يكون من القطن . وأن يكون أبيض ، وأن يكون من خالص المال وطهوره . وأن يكون ثوباً قد أحرم أو صلى فيه ، وأن يلقى عليه الكافور والذريرة وأن يخاط بخيوطه إن احتاج إلى الخياطة، وإن كان الأفضل تجنب الخياطة إلا ما يضطر إليه ، وهو تكميل مساحة القطع الواجبة من الكفن .
ويستحب أن يكتب على حاشية الكفن أو على أي قطعة منه : فلان ابن فلان يشهد أن لاإله إلاالله وحده لاشريك له، وأن محمداً رسول الله ثم يذكر الأئمة (عليهم السلام) واحداً بعد واحد . وأن يكتب على الكفن دعاء الجوشن الصغير والجوشن الكبير ، والأفضل أن يكون ذلك بماء الزعفران ، أو بأي لون غير أسود . ويلزم أن يكون ذلك كله في موضع يؤمن عليه من النجاسة والقذارة . كما لو كتب في الكفن الذي من رأسه ، أو جعلت الكتابة في علبة معدنية.
ويستحب في التكفين أيضاً ، أن يجعل الطرف الأيمن من اللفافة على أيسر الميت والأيسر على أيمنه . وأن يكون المباشر للتكفين على طهارة من الحدث . وإن كان المباشر لذلك هو الذي باشر الغسل ، فيغسل يديه من المرفقين بل المنكبين ثلاث مرات ورجليه إلى الركبتين . ويغسل كل موضع تنجس من بدنه . وأن يجعل الميت حال التكفين مستقبل القبلة والأولى أن يكون كحال الصلاة عليه .
ويكره قطع الكفن بالحديد ، وعمل الأكمام والأزرار له . ولو كفن في قميصه قطع أوزاره .
ويكره بلّ
الخيوط التي يخاط بها الكفن بريقه وتبخيره وتطييبه بغير الكافور والذريرة . وأن
يكون الكفن أسود ، بل مطلق المصبوغ ، بل مطلق الملون أو المزوق ،ويكره أن يكتب عليه
بالسواد وأن يكون من الكتاب وأن يكون مموجاً بإبريسم . وتكره
المماكسة في شراء الكفن ، وجعل العمامة بلا حنك وكونه وسخاً وكونه مخيطاً .
صفحة (96)
ويستحب لكل أحد أن يهيئ كفنه قبل موته ، ويثاب كلما نظر إليه .
ويستحب أن يجعل مع الميت جريدتان وطبتان ، إحداهما من الجانب الأيمن من عند الترقوة ملصقة ببدنه ، والأخرى من الجانب الأيسر من عند الترقوة بين القميص والإزار . والأولى أن تكونا من جريد النخيل . فإن لم يتيسر فمن السدر ، فإن لم يتيسر فمن أي عود رطب .
والرطوبة مطلوبة في الجريدتين على أي حال ، والمروي أن العذاب يدفع عن الميت ما دامتا رطبتين .
والأولى أن يكتب عليهما ما يكتب على حواشي الكفن كما أن الأولى الاحتفاظ عن تلوث بما يوجب المهانة ولو بلفهما بما يمنعهما عن ذلك من قطن ونحوه .
الفقرة 13
وصلنا الآن إلى الحديث عن الصلاة على الميت . فإن المفروض بل اللازم أن يكون البدء بالتغسيل ثم التكفين ثم الصلاة عليه ثم دفنه .
وهذه الصلاة ليست كالصلاة الاعتيادية . فليس فيها ركوع ولا سجود ولا أذان ولا إقامة ولا تجب فيها الطهارة من الحث والخبث . ومن هنا صرحوا أن تسميها بالصلاة مجازي وليس حقيقياً .
وهي تتكون
من خمس تكبيرات ، بعد كل منها بعض الأذكار . وخير من ضبط هذه الأذكار في بيت شعر
واحد سهل الحفظ ، هو السيد مهدي يحر العلوم في منظومته حيث يقول :
شهادتان فصلاة فدعا للمؤمنيين وله مودعا.
ولم يذكر التكبيرات فيه إلا تكبير الختام أو الوداع .
وليس للأذكار نصّ معين سوى ما يؤدي المعنى ، ومن هنا يمكن أن تكون مختصرة .
فالمختصر أن
يقول المصلي : الله أكبر أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله . الله اكبر
اللهم صلّ على محمد وآل محمد . الله اكبر اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات . الله
أكبر اللهم اغفر لهذا الميت . الله أكبر وينصرف .
صفحة (97)
وأما المطولة فيمكن فيها نصوص عديدة ، نذكر واحداً منها يلي كنموذج :
الله أكبر . أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة . (أو يقول ) : أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون .
الله أكبر. اللهم صلِّ على محمد وآل محمد وبارك على محمد وآل محمد وارحم محمداً وآل محمد كأفضل ما صليت وباركت وترحمت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد ، وصلِّ على جميع الأنبياء والمرسلين ، (ويضيف ) : والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا .
الله أكبر . اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات ، وتابع بيننا وبينهم بالخيرات إنك مجيب الدعوات. إنك على كل شيء قدير . الله أكبر ، اللهم إن هذا عبدك وابن عبدك وابن أمتك نزل بك وأنت خير منزول به ، اللهم إنا لا نعلم منه إلا خيراً وأنت أعلم به منا . اللهم إن كان خير محسناً فزد في إحسانه وإن كان مسيئاً فتجاوز عن سيئاته واغفرله خطاياه . وارحمنا بعده فإنا لا نقيم بعده إلا قليلاً . اللهم اجعله عندك في أعلى عليّين واحشره مع أوليائه الطاهرين واخلف على أهله في الغابرين وارحمه برحمتك يا أرحم الراحمين .
ثم يقول : الله أكبر وينصرف. وإن كان الميت أنثى جعل هذا الدعاء الأخير بضمير المؤنث . وإن كانا اثنين أو أكثر جعله بضمير التثنية أو الجمع . وقد قال الفقهاء إنه لا يتعين تأنيث الضمير وتذكيره ، بل للمصلي أن يذكره باعتبار لفظ الميت وأن يؤنثه باعتبار لفظ الجنازة ، ومعنى ذلك أنه لا يجب عليه أن يستعلم نوعه .
صفحة (98)
وإذا كان الميت مستضعفاً قال بعد التكبيرة الرابعة : اللهم اغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم . وإن كان طفلاً غير بالغ قال : اللهم اجعله لأبويه ولنا سلفاً وفرطاً وأجراً .
ويستحب أن يقف المصلي لا سيما الإمام في مكانه حتى ترفع الجنازة . ويقول بعد الانتهاء من الصلاة : ربنا في الدنيا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار .
ولا شك أن المطلوب في هذه الصلاة استحبابياً وأخلاقياً : التوجه والخشوع كأي صلاة أخرى ، مع الاعتبار بالميت الذي يراه الفرد عياناً ، والذي سوف يكون مثله في زمن غير بعيد .
وتستحب في هذه الصلاة ، إقامة صلاة الجماعة . وتكون متابعة المأموم بالتكبير ، لا بالأدعية .
الفقرة 14
يستحب إعلام المؤمنين بموت المؤمن ليشيعوه ، ويستحب لهم تشييعه . وقد ورد في فضله أخبار كثيرة . وله آداب كثيرة ، مثل يكون المشيع ماشياً خلف الجنارة خاشعا متفكراً معتبراً . ويكره الضحك و اللعب واللهو والإسراع في المشي والكلام بغير ذكر الله تعالى والدعاء والاستغفار .
ويكره الركوع والمشي قدام الجنازة . وإنما يمشي خلفها أو في أحد طرفيها .
ويكره وضع الرداء لغير صاحب المصيبة ، فإنه يستحب له ذلك ، وأن يمشي حافياً .
وإذا كان حاملاً للجنازة قال : بسم
الله وبالله وصلى الله على محمد . اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات .
صفحة (99)
ويستحب للحاملين التربيع للجنازة ، بأن يبدأ أحدهم من الطرف الأمامي الأيمن للنعش ، ثم ينتقل إلى الجانب الأمامي الأيسر ، ثم ينتقل إلى الجانب الخلفي الأيسر، ثم ينتقل إلى الجانب الخلفي الأيمن ثم إلى الجانب الأمامي الأيمن الذي كان فيه .
الفقرة 15
يستحب – كما قال الفقهاء – حفر القبر قدر قامة أو إلى الترقوة . يعني لحد الكتف . وأن يجعل له لحد مما يلي القبلة في الأرض الصلبة ، بقدر ما يمكن فيه الجلوس . وفي الرخوة يشق وسط القبر شبه النهر على طول الجسد ويجعل فيه الميت ويسقف عليه ثم يهال عليه التراب .
والمفهوم من الفقهاء ، هو بناء اللحد فوق جسد الميت من جميع أطرافه كغرقة صغيرة ، وارتفاعها بقدر الجلوس، ثم يهال التراب في الفضاء الباقي من الحفرة في الفضاء الباقي من الحفرة .
ويمكن الاستغناء من كل هذا البناء بالحفرة في الأرض في جانب القبر بمقدار هذه الأوصاف وبناء فوهته من جانب واحد ، وملء الحفرة الباقية بالتراب ، وأما جعل ارتفاع اللحد قليلاً ، بحيث يسع الجسد فقط ، فهو على خلاف الاستحباب الشرعي .
وأما ما يسمى بالسرادب ، وبناء لحود متعددة ذات طبقات قد تكون ثلاثة أو أكثر . وإن كان جائز حتماً . إلا أن عدم الجواز يختص بالطبقة العليا دون ما دونها .
أقول : إن هذا الأسلوب وإن كان جائزاً إلا أنه لا يخلو من خلاف الاحتياط الاستحبابي
. ولست أدري أي شخص مبتدع أشاع فكرتها بين الناس .
صفحة (100)
أما الطبقة السفلى التي تكون الأجساد فيها على الأرض فلا إشكال في دفنها ، إلا أن الأشكال يكون من عدة نواحٍ ، بعضها أكيد وبعضها محتمل :
أولاً : هو دفن في بناء وإن كان تحت الأرض .
ثانياً : يحتوي على دفن ميت فوق ميت فوق ميت أو أكثر .
ثالثاً : يحتوي على دفن ميتين في قبر واحد . وهو لا يخلو من إشكال . ولم يقل الفقهاء إن الممنوع أو المرجوح : دفن ميتين في لحد واحد ، بل في قبر واحد ، وإن كانا في لحدين . وهذا يصدق على أسلوب (السرداب ) الشائع ، بلا شك .
رابعاً : إننا لو أزلنا السقف عن السرداب ككل ، لأشرقت الشمس على أرضه ، وبدا واضحاً أن الموتى قد دفنوا في بناء وليس في الأرض . بل إن المبادرة إلى دفنهم بهذه الطريقة في سرداب مكشوف غير جائز جزماً .
خامساً : إن البناء لطبقات اللحود ، إن لم يصل إلى فوق سطح الأرض ، أحياناً ، فإنهم يوصلونه إلى سطحها مباشرة . وهذه معناه : أننا لو أزلنا من سطحها مقدار أربعة أصابع لبرز اللحد فوق الأرض فهل نقول فقهياً بحرمة تسويةالأرض وتعديلها ، باعتبار أنه ملازم لصعود اللحد فوق سطحها ؟!
إن كل ذلك لا يلزم إذا كان القبر انفرادياً ، كما أراده الشارع المقدس وكما عرفنا إياه الفقهاء ، أن يكون .
وقال الفقهاء في بقية مستحبات الدفن : إنه يستحب الذكر عند تناول الميت ، وعند وضعه في لحده ، ويستحب التحفي للنازل إلى داخل القبر ، وحلّ الأزرار ، ويستحب أن تحل عقد الكفن بعد الوضع في القبر ، من طرف الرأس. وأن يكشف وجهه ، ويجعل خده على الأرض . ويعمل له وسادة من تراب . وأن يوضع شيء من تربة الحسين (عليه السلام) معه ، مع وضعها بشكل بعيد عن النجاسة ، وكذلك لو جعل معه مصحف أو أدعية وأحزان . كما لو يوضع ذلك علبة معدنية ، كما سبق أن قلنا .
اقوال : غير أن الكشف عن وجهه لا يخلو من إشكال ، لأنه يكون بمنزلة إزالة الكفن الواجب عنه . ومعه يمكن جعل خده على التراب ، لا بالمباشرة ، بل حال موته في الكفن .
صفحة (101)
الفقرة 16
ويستحب في القبر تلقين آخر غير ذلك الذي كان حال الاحتضار ، ووقته عند إنزال الميت واضجاعه : أما قبل سدّ اللحد أو بعده . فإنه لا يفرق في شأن الميت بعد أن أصبح روحاً بلا جسد ، وأصبح جسده بلا روح .
قالوا : ينزل إلى القبر ولي الميت أو من يأذن له الولي ، ويكون نزوله من عند رجلي القبر ويقول : اللهم اجعلها روضة من رياض الجنه ولا تجعلها حفرة من حفر النار .
وينبغي أن ينزل القبر حافياً مكشوف الرأس محلول الأزرار. ثم يتناول الميت ، فيبدأ برأسه فيأخذه وينزل به القبر ويقول : باسم الله وبالله في سبيل الله وعلى ملة رسول الله . اللهم إيماناً بك وتصديقاً بكتابك . هذا ما وعدنا الله ورسوله . اللهم زدنا إيماناً وتسليماً .
ثم يضعه على جانبه الأيمن ويستقبل بوجهه القبلة . ويحل عقد أكفانه كما سبق . ثم يشرج عليه اللبن ويقول : اللهم صِلْ وحدته وآنس وحشته وارحم غربته وأسكن إليه من رحمتك يستغني بها عن رحمة من سواك واحشره مع من كان يتولاه من الأئمة الطاهرين .
قالوا : ويحتسب أن يلقن الميت الشهادتين وأسماء الأئمة
عليهم السلام عند وضعه في القبر تشريج اللّبن عليه . فيقول يا فلان بن فلان ( أو يا
عبد الله ) : اذكر العهد الذي خرجت عليه من دار الدنيا شهادة أن لا إله إلا الله
وحده لا شريك له . وأن محمدا عبده ورسوله وعليّاً أمير المؤمنين والحسن والحسين
(وذكر الأئمة واحداً واحداً ) أئمتك الهدى الابرار.
صفحة (102)
فإذا فرغ من تشريج اللّبن عليه التراب ويهيل كل من حضر استحباباً بظهور الأكف ويقولون عند ذلك : إنا لله وإنا إليه راجعون هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله . اللهم زدنا إيماناً وتسليماً . ويقرأون على روحه سورة الفاتحة وثلاث مرات سورة التوحيد .
فإذا أراد الخروج من القبر خرج من قبل رجليه . ثم يطم القبر ، ويرفع من الأرض مقدار أربعة أصابع ولا يطرح فيه من غير ترابه . ثم يصب الماء على القبر يبدأ بالصب من عند الرأس ثم يدار من أربع جوانب القبر ، حتى يعود إلى موضع الرأس . فإن فضل من الماء شيء صب على وسط القبر .
فإذا سوي القبر وضع يده على القبر من أراد ذلك ويفرج أصابعه ويغمزها فيه ويدعو للميت ، فيقول : اللهم آنس وحشته وارحم غربتته وآمن روعته وآمن روعته وصل وحدته وأسكن إليه من رحمتك رحمة يستغني بها عن رحمة يستغني بها عن رحمة من سواك . واحشره مع من كان يتولاه .
فإذا انصرف الناس عن القبر ، تأخر أولى الناس بالميت ويترحم عليه وينادي بأعلى صوته –إن لم يكن في موضع تقية- يافلان بن فلان ، إن الله ربك ومحمد نيبك والقرآن كتابك والكعبة قبلتك وعلي إمامك ، إلى آخر التلقين . وهو ثالث تلقين للميت منذ احتضاره .
ثم يقول : اللهم جاف الأرض عن جنبه واصعد بروحه إليك ولقه منك برهاناً . اللهم عفوك عفوك .
الفقرة 17
ماذا للميت في الدنيا بعد موته ؟
هناك
الأموال التي تقسم بين الديان والوارث ، وهذا ما سيأتي في محله ، في كتاب الإرث
وغيره .
صفحة (103)
وهناك الولاية على القاصرين إن كانوا ، هل لأمهم حق الولاية عليهم أم لا ، ونحو ذلك. ويأتي أيضاً في محله.
وإنما يحسن السؤال هنا ، عما إذا كان للميت عمل صالح بعد موته أم لا ، وخاصة بعد أن ورد : إنه في الدنيا عمل ولا حساب وفي الآخرة حساب ولا عمل . فإذا كان مطلق العمل منفياً ، إذن فكيف يكون العمل الصالح .
يجيب عن ذلك الخبر الآخر الوارد : إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث : كتاب علم ينتفع به وصدقه جارية وولد صالح يستغفر له .
والحديث بنصه واضح لا يحتاج إلى إيضاح . غير أنه تبقى بعض الجوانب من الحديث حوله :
الجانب الاول : إن معنى كتاب العلم يشمل كل العلوم المطلوبة للشرع المقدس ، وغير المحرمة فيه . ولا يختص بعلوم الشريعة والتفسير ونحوهما . بل يشمل علوم اللغة والتاريخ والعلوم الطبيه وغيرها .
الجانب الثاني : إن لم يكن الكتاب في العلم . وإنما كان كتاب صناعته كعلم التجارة أو البناء مثلاً . أو كان كتاب فكاهة لتريح النفس بغير الباطل . فهل يكون خارجاً عن تطبيقات الحديث الشريف ؟
ويمكن أن يجاب على ذلك بأسلوبين :
الأسلوب الأول : إن معنى العلم أوسع مما نظن ، فالصناعات على اختلافها وسائر
الخبرات الاختصاصية وغيرها هي نوع من العلم .ولا يمكن أن تنتج إلا بعلم ، وليس في
الحديث الشريف تقييد يخرجها .
نعم لو كان الكتاب من قبيل الكفاهة أو
تعليم الألعاب المسلية أو نحوها ، مما ليس علماً جزماً لم يكن مندرجاً في الحديث من
هذه الناحيه .
صفحة (104)
الأسلوب الثاني : إن في الحديث قرينة واضحة على تعميم المعنى لكل انتفاع ، سواء كان علماً أم لم يكن علماً . بل سواء كان كتاباً أم لم يكن كتاباً ، بل كان آلة أو ظرفاً أوبناء أو فرشاً . وتلك أمران : أحدهما : قوله ينتفع به . فالمدار هو النفع لا غير ، كما هو المفهوم من الخبر .
وثانيهما : قوله : صدقة جارية ، لو استطعنا غض النظر عن ارباحها ، ونظرناها كشئ نافع ليس إلا . وإنما النظر إلى أرباحها كأهم الأساليب للاتنفاع منها .
الجانب الثالث : المراد بالصدقة الجارية ، بمعناها اللفظي أو المطابقي : كل ما يدرّ مالاً باستمرار ، لقضاء حاجة المحتاجين ، أو تغطية بعض المصالح المشروعة أياً كانت . والاستمرار مفهوم من لفظ جارية ، كما هو واضح .
إلاَّ أن حمل الصدقة على الإيراد المالي خاصة ، لا يخلو من ضيق في التصور . بل المهم هو قضاء حاجة المحتاجين . فما الفرق بين أن يعيش على موارد دار مثلا أو أن يسكن تلك الدار بنفسه . وعندئذ ستكون نفس الدار صدقة أو الدار صدقة أو قل : إن سكناها صدقة . وكذلك لو كان آلة أو فراشاً مثلاً .
وكذلك لو لم يكن فيه مورد مالي ، كالمسجد ، فإن الصلاة فيه ستكون صدقة جارية ، وهكذا .
وكذلك لو لم تكن صدقة جارية ، بل كانت محدودة بزمان معين ، أو بمرة واحدة فقط بعد موت صاحبها . فإن معنى الحديث يشملها بلا إشكال .
الجانب الرابع: في استغفار الولد الصالح . فإن الأمر ليس منحصراً بالاستغفار . بل بكل ثواب لأي عمل صالح يمكن تقديمة إلى الميت .
بل يمكن أن نفهم من الاستغفار ، ما
يكون سبباً للمغفرة ، سواء كان دعاء بالغفران أو عملاً من أعمال الرضوان. فإنه
استغفار بالجمل الشائع ، على أي حال.
صفحة (105)
الجانب الخامس : إذا كان الاستغفار صادراً من غير الولد ، فهل يشمله الحديث أم لا؟ كما أنه إذا كان صادراً من ولد غفير صالح . فهل يشمله الحديث أم لا ؟
لا شك أنه غير داخل في الدلالة المطابقية للحديث الشريف .إلا أننا بعد ضم القرائن الشرعية الداخيلة والخارجية . يمكن أن نلخص إلى القول: بأن المهم إيجاد سبب الغفران . سواء كان الولد صالحاً أم غير صالح ، بل سواء كان مستغفر له والداً ؟ أم لم يكن . فإن صلاح الولد ، لا دخل له بصلاح الميت . كما لا دخل لكونه ولدا ً في ذلك ، فلو استغفر له أي إنسان أمكن أن يصله الغفران والرضوان.
الجانب السادس : في النظر في النسبة بين الخبرين السابقين . فإن قوله : في الدنيا عمل ولا حساب وفي الآخرة . وما دام الميت سبباً بشكل وآخر تلك الثلاثة إذن سيكون مستحقاً لوصول الثواب إليه ، وتكون بمنزلة أعماله في الدنيا .
الجانب السابع : مقتضى قوله : في الآخرة حساب ولا عمل ، ان أية رحمة زائدة سوف لن تصل إليه. لأنها إنما تصل بالعمل ، فإذا انقطع الرحمة . فهل هذا الفهم صحيح ؟
والجواب : إنه غير صحيح بكل تأكيد . لعدة وجوه نذكر منها :
الوجه الأول : إن كثيراً من الرحمات لا تحتاج إلى سبب بل هي تفضل ابتدائي من الله سبحانه . وقد ورد في الدعاء يا من كل رحمته ابتداء . أي بدون سبب سوى إرادته سبحانه .
وإذا تم ذلك
، فمن الممكن أن تصله الرحمة في الآخرة بدون عمل .
صفحة (106)
الوجه الثاني : إننا يمكن بقرينة (
الحساب ) أن نحمل ( العمل ) على العمل غير الصالح لأنه هو المحاسب عليه ، وليس كما
نتصور ابتداء ، من أن المراد به العمل الصالح ، فيكون المعنى نفي وجود الذنوب في
الآخرة ، وهذا أمر قطعي لا شك فيه .
الوجه الثالث : إننا يمكن أن نحصل معنى ( العمل ) على العمل المأمور به .أي أن
الشريعة تطلبه او أنها تنهى عنه. بحيث يكون مرتبطاً بها بشكل وآخر . فيكون معنى
الحديث : إنه في الآخرة لا يوجد عمل مرتبط في الشريعة. لأن الشريعة هناك منتفية .
وهذا أيضاً أمر قطعي لا شك فيه .
الوجه الرابع : إنه دلّ الكتاب و السنّة على وجود بعض الأعمال الصالحة للمؤمنين في الآخرة ، كذكر الله سبحانه، قال تعالى : ( وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين ) ، وغيرها من الآيات . وكالشفاعة في إنقاذ بعض أهل النار من العذاب قال تعالى : ( لا يشفعون إلا لمن ارتضى ) .
وقد ورد في السنّة ما مؤداه : إن المؤمن لا عبادة له في الجنة إلا التحية والذكر . أقول : فالتحية فيما بينهم والذكر لله سبحانه .
وقوله : في الآخرة حساب ولا عمل . معنى مطلق يمكن تقييده بمثل هذه الأدلة ، وهذه الوجوه .
الجانب الثامن : في قوله :( في الدنيا عمل ولا حساب) .فإذا لك يكن الحساب موجوداً ، فهذا يخالف ماورد في الكتاب والسنه التجربة من وجود العقوبات الدنيوية البسيطة والمهمة ، نتيجة لذنوب الناس . وهذا قطعي لا شك فيه.
ويمكن الجمع بين الفكرتين بأحد وجوه نذكر منها :
الوجه الأول : إن المنفي في الخبر هو
(الحساب ) لا العقاب . وما هو الثابت في الدنيا هو ( العقاب ) لا الحساب فإذا اختلف
الأمران انتفى التنافي .
صفحة (107)
الوجه الثاني : إن المراد بالحساب الذي ينفيه الحديث عن الدنيا ، ما يحصل في الآخرة من استقراء أعمال الفرد واحدة واحدة . لينال جزاءه منها بالعدل الإلهي إن خيراً وإن شراً فشرّ . وهذا الحساب غير موجود في الدنيا يقيناً ، ومن الواضح أن أنواع العقوبات الدنيوية ليس من هذا القبيل .
الوجه الثالث : إن العقوبات الدنيوية ليست (عقوبات) بالمعنى الكامل . بل هي لمجرد إلفات النظر ، مقدمة للاستغفار والتوبة . ومن هنا قال سبحانه ( لعلهم يتذكرون) و( لعلهم يتفكرون) .وأما العقاب الكامل ،فهو منحصر في الآخرة . وهذا كاف في فهم الحديث الشريف .
الجانب التاسع : إنه لا شك أنه ثبت لدى المتشرعة ، أن هناك من الناس من يدخل جهنم بلا حساب . فكيف قال الحديث الشريف : إنه في الآخرة حساب ولا عمل .
ويمكن أن يجاب على ذلك بوجوه منها :
الوجه الأول : إن (حساب ) نكرة في سياق الإثبات ، فلا تفيد إلا الإثبات الجزئي . ولا يمكن أن تفيد العموم أو الكبرى الكلية . فيكون المعنى : إن هناك حساباً في الآخرة لبعض الناس أو لبعض الأعمال ، وهذا صحيح وأكيد . ولم يقل الحديث إن عام وشامل لينافي ثبوت انتفاء الحساب عن بعض الناس .
الوجه الثاني : إن المهم في هذه الفقرة من الحديث : هو نفي وجوه العمل في الآخرة ، وليس إثبات الحساب فيها ، فإذا صدق وجود الحساب بأي شكل كفى في صحة السياق . وإنما المهم أن يصدق انتفاء العمل الذي هو الأهم في السياق . وهذا هو ما سبق أن ناقشناه .
الوجه الثالث : إنه يمكن أن نقول
بعموم الحساب لكل الأفراد . وهل الحساب إلا تقييم العدل الإلهي للأعمال ، وهذا معنى
عام وشامل .إلا أن الحساب تارة يكون ظاهراً للعيان ، أخرى يكون ضميناً أو سريعاً (
وهو سريع الحساب) بحث لا يحتاج إلى مزيد من الوقت ، بحيث يكون هو المراد من
الالتفات إليه كافياً في تحصيل النتيجة ، فهذا الأخير يكون هو المراد من الذين
يدخلون الجنة أو بلا حساب ظاهري معلوم .
صفحة (108)
الفقرة (18)
بعد الانتهاء من أحكام الأموات يصل الفقهاء في كتاب الطهارة إلى أحكام التيمم .
ويحتوي التيمم بصفته بدلاً عن الوضوء على معنى البديل الأقل بعد تعذر الأصيل الاهم . كمن يفقد داراً تفي بكل حوائجة ومتطلباته ، فيظهر إلى السكن في دار تفي بحاجاته الضرورية فقط .
غير أن الملاحظ في بداية التيمم أمور :
أولاً : إن هذه البدلية ، تشريعة ، يعني أن الشريعة اختارت التيمم بدلاً عن الوضوء ، ولولا ذلك لم يكن بدلاً عنه .
ثانياً : إن هذه البديلة حصلت في استعمال التراب دون أي شيء آخر .
ثالثاً : إن هذا البديل ، هو الجانب الأضعف وليس كقوة الأصيل ، بمعنى أن الطهارة الناتجة عن التيمم أقل من الطهارة الناتجة عن الوضوء ، حتى قيل : إنه مبيح غير رافع .
رابعاً : إن هذا البديل مهما كان ضعيفاً ، فإنه يفي بالمقصود الأساسي ، وهو في الأصل الصلاة . أو أي عمل متوقف على الطهارة .
خامساً : إن مجرد الكون على الطهارة ،
لم تثبت صحته بالنسبة إلى التيمم ، بينما هو في الأصل ، وهو الوضوء ثابت .
صفحة (109)
الناحية الأولى : في اختيار التراب للتيمم .
فإن التراب النظيف يصبح منظفاً للأوساخ الاعتيادية ومزيلاً لها ، سواء كانت صلبة أو سائلة . كما أنه يعتبر في بعض الفروض معقماً وأحياناً دواء وذا آثار طبية مهمة .
وكما هو مؤثر في الطهارة المادية .،كذلك هو مؤثر في الطهارة الحكمية والمعنوية . قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ):(جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراُ ) .أي طاهراً في نفسه لغيره . وهذا يشمل سائر أشكال الطهارة .
غير أن الماء أكثر تطهيراً منه وأشد تنظيفاً . فمن هنا كان من المنطقي تقديمه عليه . ولكن ليس من المنطقي مع فقد الماء أن يبقى الفرد بلا طهارة مع إمكان تطهيره بالتراب .
الناحية الثانية : أن التيمم بالتراب هو البديل الأضعف للطهارة بالوضوء بالماء ، وذلك لاختلاف طبع كلا المادتيين أوالنصرين ،فإن الماء كما هو واضح أشد تنظيفاً كما قلنا .وهذا شامل لكلا المستويين المادي والمعنوي من الطهارة.
ويكون من آثار ذلك وقوع الخلاف بأن التيمم هل هو رافع للحدث أم لا ، في حين لا شك كون الوضوء رافعاً .
ومن آثاره القريبة أن الحصول على
الطهارة الترابية الضعيفة ، لم يكن مطلوباً لذاته،وإنما فقط لنتائجه كالدخول في
الصلاة .
ولا أقل لا دليل على هذه المطلوبية
فقهياً ، وإن كان الأمر يختلف معنوياً ومنطقياً ، لأن الحصول على الطهارة الضعيفة
أولى من البقاء في الأوساخ أو (الرجس) أو (الحدث) . كما أن مقتضى بداية التيمم عم
الوضوء هو ذلك . أعني مطلوبيته في كل موضع يكون الآخر مطلوباً ، بما فيه الكون على
الطهارة .
صفحة (110)
الناحية الثالثة : في الوثوق من عدم إمكان الوضوء لتؤول الوظيفة إلى التيمّم .
فإن الحرص على الطهارة العالية ،
ينبغي أن يكون عالياً ، بحيث يتم فيه إتعاب النفس في البحث عن الماء إن كان مفقوداً
. والبحث في (غلوة) سهم أو سهمين من مكان وجود الفرد كما أوجب الفقهاء . وبدون ذلك
يكون الفرد مهملا ً لنفسه ومتسامحاً في طهاريه ، فلا يكون تيممه صحيحاً .هذا بحسب
الحكمة التي نعرفها . ولها مستويات معنوية لا حاجة إلى الدخول في تفاصيلها .
الفقرة (19)
بعد هذا يأتي الفقهاء إلى الحديث عن النجاسات الخبيثة ، ويصلون في تعدادها إلى عشرة . والمهم لنا الآن جانبها المعنوي .
وقد تحدثنا في أول الكتاب الطهارة هذا عن المعنى الطهارة ومعمنى النجاسة بلا شك مقابل له . وهما متواردان على موضوع واحد . فما ليس فيه طهارة فهو نجس ، وماليس فيه نجاسة فهو طاهر .
وقد عرفنا هناك أن معنى النجاسة يحمل معنى القذارة المادية والمعنوية والحكمية .وتسمى المادية : قذارة أو وسخا. والمعنوية رجساً والحكمية خبثاً .ولكل منها طهارة تقابلها .
وقد وصلنا بموارد استعمالات الطهارة
إلى أكثر من عشرين مورداً . ومن هنا يتحصل لنا من معاني النجاسة ، وهو ما يهمنا
الآن ، بنفس المقدار . نذكر فيما يلي أهمها ، مما يخلو من الاستغراب العرفي . ونحيل
الباقي على فطنة القارئ .
صفحة (111)
1- القذارة المادية أو الوسخ .
2- النجاسة الحكمية أو الخبث .
3- الحدث الأصغر ، وهو أسباب الوضوء
4- الحدث الأكبر وهو أسباب الغسل .
5- نجاسة الكفر .
6- الإثم وما لا يجمل .
7- سوء الأخلاق.
8- ظلام القلب وضلاله .
9- الغلفة قبل الختان .
10- كل محروم كالزنى والسرقة .
11- الأموال التي لم تدفع زكاتها.
12- أعيان النجاسة .
وهذا الأخير يتحدث عنه الفقهاء ، في هذا الباب .
وأما ما ذكرناه في رقم (2) ، فنعني به المتنجس الأول وما بعده . أو ما يشملها على أقل تقدير .
والفرد نفسه وبذاته ، قد يصبح (عين النجاسة ) . فإن خصوصية ذلك بشكل رئيسي ، وهو عدم قابليتها للتطهير ما دامت ذاته محفوظة . وإنما الجسم يكون قابلاً للتطهير بعد زوال العين النجس .
فإذا وصل الفرد إلى درجة ،لا يكون معه قابلا ً للتوبة والعودة إلى الهدى أو التطهير ، فقد أصبح (عين نجاسة) . ولا يكون قابلاً للطهارة ما دامت ذاته محفوظة ، كما قلنا ، أن قل : ما لم تتغير ذاته وهيهات .
وهذا لا يعني انسداد باب التوبة عليه ، ولكنه يعني عدم استحقاقه للتوبة . وأن شكله ومستواه العقلي والنسبي من الانحدار بحيث لا يكون قابلاً للصعود . وقد عبروا في بعض الأخبار الواردة عن أشباه ذلك أنه : داء لا دواء له .
ومن تطبيقاته في القرآن الكريم من يقول : أنا ربكم الأعلى . أو من يقول : إنما أوتيته على علم عندي . أو من يقول لوالدية : أف لكلما أتعدانني أن أخرج وقد خلت القرون من قبلي .
صفحة (112)
هذا ، ولكن الإنسان في درجات أقل من التطرف نحو الباطل ، يكون قابلاً للهداية بصعوبة أو بسهولة هذا ، لأنه كان ( متنجساً ) ولم يكن عين نجاسة . والخصيصة الرئيسية للمتنجس قابليته للتطهير مع حفظ ذاته .
بخلاف عبن النجاسة كما عرفنا : والتطهير المعنوي يكون بالهداية والتوبة والرجوع إلى الحق .
كل ما في الأمر أن بعض النجاسات أبطأ
طهارة من بعض أو أصعب . وهذا على غرار ما ورد من أن بعض النجاسات تطهر بإراقة الماء
عليها مرتين وبعضها لا تطهر إلا بسبع مرات وبعضها إلا الفرك بالتراب . وسنتحدث عن
قريب إن شاء الله تعالى عن العبرة في المطهرات والفروق بينها فانتظر .
الفقرة (20)
لأكثر الأعيان النجسة العشرة ، عبرتها الخاصة بها ، زائداً عما تحدثنا عنه من العبرة المستفادة من فكرة النجاسة ككل . وقد يكون فيها كثير من العبر لا عبرة واحدة . وفيما يلي : نمرّ على ما يمكن التعرف عليه من ذلك :
الأول والثاني : البول والغائط . ونريد به الآن ما يكون من الإنسان خاصة ،لأنه أكثر عبرة من غيرة .
وإنما دمجنا بينهما باعتبار دمج الفقهاء بينهما عادة في كل مصدر فقهي أولا ، ولإشتراكهما في العبر المستفادة منهما ثانياً ، ولاشتراكهما في الأسباب ثالثاً ،ونعني به أنهما معاً ناشئان من غذاء الإنسان يدخل عن طريق الفم وينتشر عن طريق الدم ناشئان من غذاء الإنسان يدخل عن طريق الفم وينتشر عن طريق الدم ويسير في الجهاز الهضمي . وإن اختلف بعدئذ مخرجاه .
صفحة (113)
والعبر المستفادة منهما عديدة ، منها:
1- إنهما ناشئان في أسبابهما من غذاء هو من رزق الله سبحانه ، من أكثر من وجه : باعتبار توفره طبيعاً ، توفر النقد الكافي للحصول عليه ، وتوفر القوة الكافية لليسر إلى شرائه أو إلى زراعته أو إلى جنيه إو إلى تحضيره.
2- إن من أسبابهما : صحة الجهاز الهضمي للإنسان ، ابتداء من الأسنان والفم وانتهاء بالمخرج . وكلها نعم كبيرة لا يبدو أثرها للفرد ، إلا حين فقدانها . ولذا ورد : نعمتان مجهولتان : الصحة والامان .
3- إن الجسم قد تغذى منها عن طريق الدم واستفاد حيوياً .
4- إن الجسم قد طرح الفضلات التي لا تفيده ، والتي لو بقيت لأضرت به ضرراً عظيماً .
5- إن تناول الطعام والشراب كان بالشهوة التي ركزها الله سبحانه في الإنسان ، بحيث يستطيب ذلك . ولو كان مما لا يستساغ لمات الإنسان جوعاً . ولم يفد به ( حب النوع ) أو (حب الحياة ) لإجبار نفسه على تناول ما لا يستساغ .
6- إن تناول الطعام والشراب كان بالشهوة التي يكون استعمالها مرجوحاً ، لشعور الفرد باستقلالها عن النعمة الإلهية . ومن هنا قال في الدعاء : وأستغفرك من كل لذة بدون ذكرك .
وهذه المرجوحية ، هي أحدى التفسيرات المعنوية لخروج النفايات فاسدة نتنة .
7- إن تناول الطعام أو الشراب كان بكدّ اليمين وعرق الجبين والاهتمام للدنيا الذي هو مرجوح في الأخلاق . وفي هذا تفسير آخر للأمر السابق نفسه.
8- إن تناول الطعام او الشراب كان أموال مشبوهة المصدر ، غير واضحة الحلية ، إما تشريعاً وإما معنوياً . وهذا أيضاً من تفسيرات نفس النتيجة السابقة .
9- إن هذا الأمر يذكر الفرد بالحكمة القائلة :إن الإنسان أوله نطفة قذرة وآخرى جيفة قذرة وما بينهما يحمل العذرة.
صفحة (113)
10- إن هذا الطعام الذي أكله الفرد والفضلات التي طرحها ، إنما هي جزء من دورة ، أرادها الله سبحانه في الطبيعة، وحسبنا مثالاً لذلك : أن الخروج يصلح أن يكون سماداً جيداً للنبات الذي يصبح بدوره طعاماً ، وهو الذي يصبح بدورة خروجا ، وهكذا فهذه عشرة عبر يمكن استفادته في هذا الصدد . وهي في واقعها أكثر من عشرة ، لإنحلال بعضها إلى الكثير . مضافاً إلى وجود أمور أخرى ، لا حاجة إلى الإطالة بها .
الثالث : المني . ومن العبر المستفادة منه ما يلي :
1- إنه خارج بسبب صحة الجسم عادة والجهاز التناسلي خاصة ، بنعمة الله سبحانه .
2- إنه خارج بسبب رزق الله سبحانه من الطعام والشراب والراحة . لوضوح أن من كان فاقداً لهذه الأمور او لبعضها ، فإنه يتعذر منه الإتزال .
3- أنه خارج بسبب الشهوة التي أنعم الله بها على الفرد ، لإحساسه باللذة أولاً ولحفظ النوع الثاني .
4- إنه خارج بسبب الشهوة المرجوحة في الأخلاق . ومن هنا ، كان المني مستقذراً وذا رائحة غير طيبة ، بحسب التسبب المعنوي والأخلاقي ، وكان نجساً فقهياً .
5- إن هذه المادة بالرغم من تفاهتها يمكن أن يوجد منها إنسان تام الخلقة جسماً وعقلاً بل حتى علماً وعملاً .
6- إنها المادة التي يحفظ بها النوع الإنساني .
7- إنها لا يمكن أن تؤثر في التوليد إلا مع الجنس الآخر . وهذا من جملة بل من أهم مصاديق الزوجية في الكون، قال الله تعالى : ( ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون ) .
إنه من
الناحية المعنوية فإن النطفة تابعة في طهارتها ونجاستها من الفرد الذي يحصل منها ،
فهي على العموم نجسة إلا تلك التي يحصل منها مؤمن فهي نجسة فقهياً ولكنها طاهرة من
الناحية المعنوية . ومن هنا يقول الناس: إن نطفته طاهرة.
صفحة (115)
وهناك أمور أخرى في العبرة ، يمكن أن لا تفوتنا في كتاب النكاح إن شاء الله تعالى .
الرابع : الميته ، ومما فيها من العبر ما يلي بغض النظر عمّا قلناه عن الموت فيما سبق:
1- إن الموت بمعناه العام ، هو زوال الحركة والإحساس ، بعد أن كانت موجودة . وهذا المعنى يصدق على الإنسان والحيوان ، وقد يصدق على كل متوقف أو منهار بعد نشاطه ، كالآلة والبناء والبساتين والنجوم .
2- إن الموت يتضمن أيضاً الانقطاع عن النمو والتزايد بعد أن كان متحققاً . وهذا المعنى يصدق على الإنسان والحيوان والنبات .
3- والموت طبياً ، يعني وقوف النشاط العضوي للجسم كالقلب والتنفس والسمع والبصر . وهذا يصدق على الإنسان والحيوان .
4- الموت حقيقة هو خروج الروح من الجسد . غير أن الروح كل شيء بحسبه وبمقداره . ومن هنا يصدق على الإنسان والحيوان ، كما يصدق أيضاً على النبات أيضاً ، فيما إذا أثبتنا له روحاً كانت سبباً لنموه .
5- والموت ليس هو فقط فراق الدنيا ، بل الدخول في الآخرة . وهذا يصدق على الإنسان جزماً لمن يؤمن بالآخرة. ويصدق أيضاً على الحيوان كما نطق القرآن الكريم ،في عدد من آياته ، ومنها قوله تعالى:(وإذا الوحوش حشرت) .
6- والموت بصفته سكوناً للحركة ، يصدق فيما إذا سكنت حركة الإيمان في القلب وسكن الجسد عن الطاعة .
7- وكذلك
يصدق بهذه الصفة على ما إذا سكن وتلاشى حبّ الدنيا من القلب وسكن الجسد عن مزيد
الجهد في طلب المزيد منها .
صفحة (116)
8- الموت بحسب قانونه العام ينتج ميتة نجسة إلا إذا كان للطهارة .والسبب الفقهي للطهارة في الحيوان هو التذكية.لأن فيها ذكراً لله عزَّ وجلَّ وتوجيهاً إلى القبلة . وكلاهما يفيد في ذلك معنوياً .
9- وكذلك ، فإن ميتة كل شخص من الإنسان بحسبه ، فإن كان نجساً في حياته أي بعيداً عن الهدى ، كانت ميتته نجسة ، وإن كان طاهراً في حياته أي بريئاً من الذنوب والعيوب كانت ميتته طاهرة معنوياً ، وإن كانت نجسة فقهياً. بل قول فقهي بطهارة جسد المؤمن حتى قبل غسله . وإن كان مخالفاً للمشهور .
فهذه بعض الأفكار والعبر المستفادة من الميته .
الخامس : من الأعيان النجسة : الدم . بشرطين :
الأول : أن يكون الدم مسفوحاًً أي خارج عن الجد . قال الله تعالى :( أو دماً مسفوحاً ) .فإن كان الدم باقياً في داخل الجسد فهو طاهر . كما هو الحال في الأحياء الاعتياديين من أفراد الإنسان والحيوان ، فإن أجسادهم مليئة بالدم،إلا أنه ليس بمسفوح ، فلا يكون محكوماً بالنجاسة من هذه الناحية . وكذلك الدم المتخلف في الذبيحة .
الثاني : أن يكون من حيوان ذي نفس سائلة ، وهو ما يتدفق دمه عند ذبحة ، بما فيه الإنسان نفسه ، فإن لم يكن كذلك كان طاهراً كالسمك .وهو ما يسمى عادة بذوات الدم البارد .وإن كان معنى هذين الاصطلاحين بالتدقيق واحداً، لكنه غالبي الانطباق على بعضها ، في كثير من الحيوانات .
صفحة (117)
والأفكار والعبر المستفادة من الدم عديدة منها :
1- إن الدم يمثل مادة الحياة الرئيسية في الجسم الحي . والشرايين تمثل الطرف المناسب لتدفقه .
2- إن الدم كما يمثل الحياة فهو يمثل الموت والقتل للإنسان والحيوان بأي سبب كان خيراً أو شراً .
3- إن الدم في داخل الجسم ، لا موجب لنجاسته ،لأنه ظرفه في الخلقة .وأما جعله مسفوحاً ، فهو ناتج من (شهوة) لا محالة . واستعمال الشهوة مرجوح ومؤثر معنوياً . فقتل الحيوان نتائج من أجل شهوة أكلة أو شهوة الأمن من شره أو أي شهوة أخرى كالفحص عن تركيبة علمياً . كما أن قتل الإنسان ناتج عن شهوة القاتل للقتل أو شهوة المقتول في التصدي له .
4- كما قلنا في الميته وغيرها من الناحية المعنوية ، نقول في الدم أيضاً ، وهو : أن نجاسته تابعة لصاحبه من حيث مستواه الإيماني . فإن القانون العام هو النجاسة فقهياً ومعنوياً لأي دم مسفوح . إلا ما كان دم شخص طاهر معنوياً ، كالشهيد بالحق والأولياء . فإنه طاهر معنوياً وإن كان نجساً فقهياً .
5- إن أكل الدم أوشربه محرم بصفته عين نجاسة ، وكل نجاسة يحرم تناولها ، لما فيها من مردود سلبي أو سيئ على القلب والنفس من الناحية المعنوية والروحية.
6- إن عدداً من الاتجاهات الباطلة ، اتخذت شعارها اللون الأحمر ، الموافق مع لون الدم . على حين لم نعرف من الاتجاهات الصحيحة من اتخذ ذلك .
السادس والسابع : من أعيان النجاسة : الكلب والخنزير البريّان . وما يمكن أن يستفاد من العبرة المعنوية حول ذلك امور:
1- الخصلة الأخلاقية الرفيعة في الكلب وهي: الوفاء فهو يعرف الفضل لأهله . ولو كان الفرد قد أطعمه لقمة واحدة فضلاً عما كان أكثر ، كما لو ربّاه و أحسن إليه .
2- وخصلة أخرى: هي أنه يهرّ بالغريب كائناً ما كان حتى ولو كان ذلك حياته . ومن هنا قيل : جنت على نفسها براقش .وهي كلبة هرّت على بعض الضيوف فقتلها .
وهذه الخصلة جيدة لمالكي الكلب ،وصعبة على المنكوب فيها
.ولكنها على أي حال نقطة قوة تتضمن الدفاع ضد الخطر المحتمل . ومن الناحية
الأخلاقية
تتضمن المفارقة مع الآخرين . الذين مع
الفرد في اتجاهه.
صفحة (118)
3- وخصلة أخرى : وهي القناعة وهي موجودة في عدد من الحيوانات ، إلا أنها واضحة في الكلب جداً ، حتى أنه قد يعيش عدة أيام بدون طعام يشبعه ، ولا يعتدي على طعام الآخرين . على حين نجد حيوانات أخرى ذات بحث عن رزقها ولو على حساب الآخرين كالهرة والفئران والنمل .
4- وهناك خصلة أخرى، وهي : أنه يزداد مع من يخاف منه عتواً واعتداءً . وهي خصلة رديئة أخلاقياً. بل المطلوب : العفو عند المقدرة .
في حين إذا كان الفرد شجاعاً وحاول مهاجمة الكلب ، فإنه يفرّ ، ولا يلوي هرباً . ونجد أكثر الحيوانات وأكثر أفراد البشر أيضاً كذلك . غير أن المنقول عن الأسد أنه صامد إلى النهاية .
والفرار ليست خصلة أخلاقية حميدة ، مالم تقترن بالرجحان أو الوجوب الشرعي أحياناً . ومن موارد وجوب التتقية ومن مواردها : جواز الفرار أو وجوبه إذا كان الجيش المهاجم أكثر من ضعف . وليس هنا محل شرح ذلك كله .
5 5- وهناك خصلة خامسة ، وهي قدرة الكلب على أكل المواد الصلبة كالعظم . وهذا له عدة معان أخلاقية منها : الاكتفاء بالطعام الرديء أو تحمل الضيف الثقيل ، وتحمل الشديد وغيرها . وكله من الناحية الأخلاقية جيد.
6 6- وخصلته المشهورة دينياً هي نجاسته ، حتى ورد : إنه لم يخلق الله خلقاً أنجس من الكلب .
ومن الناحية الدينية : فإن النجاسة في الإنسان مقترنة مع الشرك والكفر : ومن الناحية الأخلاقية فإنها مقترنة مع الشرك الخلفي والغفلة والشهوة .
صفحة (119)
وأما الخنزير ، فله خصيصة النجاسة التي تحدثنا عنها . كل ما في الأمر أنه يبدو فقهياً : أنها فيه أكثر من نجاسة الكلب بدليل احتياج التطهير إلى كلفة أكثر ، كما سيأتي في المطهرات .
ومن خصائص الغالبية : أنه نباتي . وهذا جيد للإنسان من الناحية الأخلاقية . وفي الحديث المشهور : ( لا تجعلوا بطونكم مقابر الحيوانات ) .
ومن خصائصه : أنه يفقد الرقبة ، وإنما رأسه لصيق جسمه . فلو أراد الالتفات بجسمه كله .
ومن هنا يتضح : أن الرقبة نعمة لواجدها . فإنها تساعد أيضاً على مسير الطعام في المريء . فإن لبطء وصولة إلى المعدة دخلاً في هضمه .
وهي تساعد من الناحية المعنوية على بطء خروج الكلام من الباطن . ومن هنا ورد : اللهم أطل عنقي ، ومعناه : إنه يمكن إعادة النظر في الكلمات قبل الإفصاح بها .ومن هنا نعرف أن معنى العنق هنا معنى روحياً وليس جسدياً.
كما أن العنق يعتبر جمالاً أو( ديكوراً ) لصاحبها : لكن نقطة الصعوبة فيها أنها أدق ما في البدن مع أنها أهم ما فيه تقريباً .ودقتها تجعلها أسهل بتراً مما سواها بالآلات الجارحة كالسيف .
ومن هنا قد يوصف الفرد في بعض المصادر
القديمة : بأنه غليظ العنق . ويعني من الناحية المعنوية عدم وجود
( مقتل ) له في نفسه . بحيث يكون له الصيانة الكافية والمناعة ضد مختلف أشكال الكيد
النفسي والعقلي وغيره .
الثامن والتاسع :من الاعيان النجسة: الخمر والفقاع .وإنا دمجناهما لأن الحديث عنهما متشابه بصفتهما مسكرين.
فإن للخمر صفتين رئيسيتين : السيلان والإسكار . فمن حيث
كونها سائلاً نجساً .يمكن أن تعطي انطباعات عديدة ، منها: سيلان أو سريان المنكر في
القلب أو في العالم .
صفحة (120)
ومن حيث إنها مسكرة ، يمكن أن تعطي انطباعات عديدة أيضاً منها .
1- الإعراض عن ذكر الله سبحانه .
2- الغفلة عن اليبب الذي خلق الفرد من أجله .
3- الاشتغال بحب الدنيا .
4- الاشتغال والجد بالحصول على الكثير من الدنيا .
5- نسيان الآخرة ، ثوابها وعقابها .
6- الاشتغال بقضاء الشهوة للبطن أو الفرج .
7- الاشتغال بالسعي لأهداف رديئة أو بسيطة .
8- التورط في حجب الظلمة .
9- السفه في العقل والضعف في الرأي .
إلى غير ذلك من الأنطباعات المعنوية الدينية .
وهناك انطباعات رفيعة عن السكر يدركها السالكون والعارفون . ومن أوضح مقرباتها : أن الدنيا الآخرة ضرتان . فالاشتغال الشديد بإحدهما يمثل غفلة والتهاءً و(سكراً ) بالنسبة إلى الأخرى .
فأهل الدنيا في (سكر ) عن الآخرة ، وأهل الآخرة في (سكر) عن الدنيا . وقد يكون الفرد في سكر عن الخلق كله، بل في سكر حتى عن نفسه ، بإزاء ما يرى من العظمة الإلهية .
العاشر : من النجاسات : الكافر من البشر .
والكفر دينياً وأخلاقياً له مراتب عديدة ، لأنه يعني في اللغة الغطاء والحجاب . فإذا كان الفرد محجوباً عن الحق والحقيقة فهو كافر.
أولاً : ضدالتوحيد. وهو الشرك الجلي .
ثانياً : ضد الإسلام . وكل من لم يكن مسلماً.
صفحة (121)
ثالثاً : ضد الأديان السماوية أو أهل الكتاب . ومن هنا قال بعض الفقهاء بطهارتهم ، استثناء من نجاسة الكفار.
رابعاً : ضد الشكر ، على معنى الجحود للنعمة.
خامساً : ضد التوحيد في الأفعال والصفات ، وهو الشرك الخفي .
سادساً : ضد عالم النور ، وهو حجب الظلمة.
إلى غير ذلك من المراتب . ونوكل
استقصاءها والتدقيق فيها إلى فطنة القارئ اللبيب .
الفقرة 21
في المطهرات .
المضمون المعنوي شرحناه مفصلاً أكثر من مرة . والتطهير يعني التسبيب إلى الطهارة بمحو الذنوب وإزالة العيوب والحقد على الآخرين . وإزالة كل شيء يزيل الفرد عن رضاء الله عزّ وجلّ . وهذا الأمر قد يحتاج إلى سبب وقد يكون عطاء ابتدائياً أو إبداعياً منه سبحانه .
فالمطهرات إنما هي أسباب الطهارة أو التطهير . ونحن ذاكرون أهمها فيما يلي :
المطهر الأول : الماء عامة والماء المعتصم منه خاصة ، كالكرّ والجاري والمطر .
وبعد كل الذي عرفناه عن الطهارة والنجاسة والماء فيما سيق . لا يبقى إلا أن نحمل فكرة عن المفهوم (الغسل) . فإنه الطريقة الرئيسية للتطهير حكمياً ومعنوياً .
فإن مفهوم (غسل العار ) متداول بين بعض الطبقات . كما أن
هناك : غسل الذنوب بماء التوبة . وغسل القلوب بالذكر وغسل النفوس بالصبر وغسل
العيوب بالستر وغسل العيوب بالستر وغسل العئبة بالكريمة . إلى غير ذلك .
صفحة (122)
والسبب المطهر (الماء) إن كان قليلاً لك يكن فعالاً قي الطهير، بل يحتاج إلى تكرار في الغسل . بل لم يكن هو بنفسه محصناً عن النجاسة إن لاقته . بخلاف المعتصم فإنه فعال في التطهير ، ومن هنا تكفي المرة الواحدة فيه . ومحصن عن النجاسة إلا مع تغير أحد أوصافه. أعوذ بالله من كل زلل وخطل.
والله سبحانه وتعالى تفضل بإنزال المطهر من سماء الرحمة ، لينزل على القلوب المظلمة فيحيلها نهارا ً مضيئاً ونوراً ساطعاً . قال الله سبحانه : ( وأنزلنا من السماء ماءً طهوراً ، لنحيي به بلدة ميتاً ونسقيه ممن خلقنا أنعاماً وأناسي كثيراً) .
وهذا المطهر ، معتصم لا يمكن أن لا يكون محصناً ضد النجاسة واكتساب الرجس ، بصفته وارداً من السماء ، مصدر الحق والحقيقة .
المطهّر الثاني : الأرض .
وقد تحدثنا فيما سبق عن التراب وتأثير في رفع الحدث بالتيمم وفي رفع الخبث بالفرك أحياناً وبالمشي أحياناً أخرى.
ومن الناحية المعنوية فإن المشي
بالصعود أيضاً . ولكل منطقة من المشي أرضه الخاصة به . قال تعالى :
(هو الذي جعل لكم الأرض ذلولاً فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقة ) . وقال سبحانه :
( رفع الدرجات ) .
وقال: ( هم درجات عند ربهم ) .
وكل مرحلة ، فإنها تؤهل الفرد للمرحلة التي بعدها . وإذا تكلمنا بلغة الأرض ، قلنا : إن كل أرض تطهر الفرد من بعض ما بقي فيه من الرجس ، لكي تؤهله بفضل الله للأرض التي بعدها . ومن هنا حملنا فكرة كافية عن معنى كون الأرض مطهرة . وهناك تفاصيل ينبغي الإعراض عنها في هذا المختصر .
صفحة (123)
المطهر الثالث : الشمس .
وبالرغم من أنه لم يثبت فقهياً لدى كاتب هذه الأحرف أن الشمس مطهرة ، إلا أن ذلك هو المشهور ، وهو ثابت معنوياً وأخلاقياً .
فإن الشمس قد نعبر بها عن نبي الإسلام صلى الله عيله وآله وهو سبب الهداية الحقيقية لكل من اهتدى .
وقد نعبر بها عن النور الإلهي الذي يطرد كل ظلام سواء كان في العقل أو النفس أو القلب أو في التكوين . أو غير ذلك . وفي كل درجة من الدرجات العليا والسفلى. قال الله سبحانه : ( الله نور السماوات والأرض ) .
وقد نعبر بالشمس عن المؤمن المتكامل إيمانياً وأخلاقياً . والذي يكون بقوله وأفعاله سبباً لهداية الآخرين وفرض حبّه واحترامه في قلوب الناس مهما كانت صفتهم . وفي الحديث :كونوا لنا دعاة صامتين .
الرابع : من المطهرات : الاستحالة .
يعني التحول من معنى نوعي إلى معنى نوعي آخر كتحول الخشب بالإحراق إلى رماد أو دخان ، وتحول الماء إلى بخار وتحول الطين خزف أو طابوق .
وكذلك الفرد إذا دخل في مجموعة متكاملة من المفاهيم . وهو الذي يسمى بالمبدأ أو العنصر ، يجد ، ذاته قد تبدلت وكأنه قد أصبح شخصاً آخر . بدليل أنه أصبح يحب ما كان يمقته ويمقت ما كان يستهدفه إلى غير ذلك.
فإذا كان هذا المبدأ أو العنصر حقاً مرتبطاً بالهدف الذي وجدت الخليقة من أجله ، وهو عبادة الله عز وجلّ ومعرفنه. قال تعالى : (زما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) . فإذا كان هذا العنصر كذلك كان التبادل (النوعي) الجديد إلى أفضل لا محالة . من شخصية سقيمة إلى شخصية سليمة .ومن شخصية لئيمة إلى شخصية قويمة ،ما شئت فعبر.
صفحة (124)
والفقهاء يجعلون من تطبيقات الاستحالة : تحول الجماد إلى مخلوق تدبّ فيه الحياة . كحدوث الحدود في العذرة وفي البيضة وحدوث القمل في الباقلاء والحمص وغير ذلك كثير . وغير ذلك كثير . وهي من الاستحالة المطهرة.
وهذا من الناحية المعنوية يعني : أن
الشخصية الجديدة للمؤمن هي حياة جديدة أو قل هي الحياة الحقيقية أو
(هي الحيوان ) كما قال سبحانه ، فهو تبدل من موت إلى حياة .
الخامس : من المطهرات :الانتقال : قالوا – أعني الفقهاء- : إنه مطهر للمنتقل إذا أضيف إلى المنتقل إليه وعدّّ جزءاً منه . كدم الإنسان الذي يشربه البق والبرغوث والقمل .
وهذا الانتقال يعني تطبيقات عديدة معنوية . منها :
أولاً : انتقال فكرة صالحة من فرد داني إلى فرد عالي . وتكون هي بالعالي أليق بطبيعة الحال . ومن هنا ورد : ربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه .
ثانياً : انتقال فكرة هداية من شخص لا يهتدي بها ولا يلتفت إليها . وقد ورد : تعلمت الحكمة من الجاهلين ، كل ما فعلوا خالفت إلى ضده .
ثالثاً : انتقال فكرة كونية (مادية ) أو معنوية ، كان فرداً أو فاسقاً قد توصل إليها بجده إلى شخص مسلم أو مؤمن يمكنه أن يستفيد منها دنيوياً أو دينياً .
إلى غير ذلك من الموارد .
السادس من المطهرات : الإسلام . فإن مطهر من نجاسة الكفر وخباثة النفاق .
صفحة (125)
وهو يأتي بعدة معانٍ ، كل منها مطهر لما دونه ، نذكر منها ما يلي :
أولاً : العقيدة التي جاء بها الإسلام ونطق بها القرآن .
ثانياً : الشريعة التي جاء بها نبي الإسلام ونطق بها القرآن .
ثالثاً : التسليم لقضاء الله وحسن بلائه .
رابعاً : الرضا بقضاء الله وقدره .
خامساً : إيكال الأمور جميعاً إلى الله سبحانه بصفته هو المدبر الرئيسي والحقيقي للكون . وكفى به وكيلا ً.
سادساً : الحاجة الخلقية والتكوين لله سبحانه وتعالى . قال جلَّ جلاله : ( وله أسلم من في السماوات ومن في الأرض) .
السابع : من المطهرات : الاستبراء ، للحيوان الحلال .
فإن الحيوان قد يأكل المادة النجسة حتى ينمو عليها لحمة ويشتد عظمه فيصبح هو بذاته عين نجاسة . ولكن إذا مرّت عليه عملية معينة هي الاستبراء فإنه يرجع إلى الطهارة .
وكذلك الإنسان إذا مارس الكفر والنفاق
أو أكل المال الحرام ، حتى نما عليه لحمه و اشتد عظمه . ولا يعود إلى الطهارة إلا
بالإستبراء وهو حصول البراءة والنظافة له مما علق به من الرجس والأدران المعنوية ،
بماء التوبة والاستغفار ودموع الأسحار .
الفقرة (22)
في الأواني : يتحدث الفقهاء هنا عن أحكام الأواني ، وهي الظروف المستعملة للطعام والشراب ، ومن الظروف ما يكون من الذهب والفضة فيحرم استعماله في الأكل والشرب . ومن الظروف ما يكون ذا مسام فيمتص النجاسة ، فلا يطهر إلا بتسليط الماء المعتصم عليه حتى يمتصه ويستقر فيه كما كان نجساً .
ويمكن أن نتكلم من الناحية المعنوية في ثلاث مراحل :
المرحلة الأولى : إن الآنية تعتبر آخر عن ظرف حامل لشيء أو محتو على شيء . فالعقل ظرف الإدراك والنفس ظرف الشهوات والقلب ظرف العواطف , إلى غير ذلك .
صفحة (126)
المرحلة الثانية : إن الأواني التي يكون فيها أو في استعمالها نقص ، يمنع استعمالها ، أو قل : تعمد استعمالها في الأكل والشرب . ومن ذلك أواني الذهب والفضة التي تكون تركيزاً وتكريساً للبذخ الدنيوي الممقوت أخلاقياً .
المرحلة الثالثة : في امتصاص بعض الأواني للنجاسة . فإن بعض النفوس قابلة للتأثير بالمؤثرات الباطلة والكلمات المعوجة، وتقنع بها . فإذا قنعت بها ، كانت جزءاً من كيانها ، فتكون نجسة خبيثة . ولا تطهر بالتراب ولا بالماء القليل، وإنما يطهرها الماء المعتصم ،الذي أشرنا إلى معناه الأخلاقي إجمالاً ،بحيث يحلّ محل الجزء النجس فيطهره .
صفحة (127)