كـتـاب الصلاة

 

   الفقرة (1)

 في إعداد الصلوات:

الصلوات إما واجبة أو مستحبة .و الواجبة كلها مؤقتة . و لكنها قد تكون يومية كصلاة الصبح و قد لا تكون ، كصلاة الآيات . والمستحبة قد تكون مؤقتة وقد لا تكون . و المؤقتة قد تكون يومية وقد لا تكون. فاليومية كصلاة الليل و نافلة الفجر. و غيرها المؤقت كصلاة أول الشهر و نافلة شهر رمضان .وأما غير المؤقت فهو لا حساب له،  وإنما يندرج تحت قوله (  عليه السلام ) : الصلاة خير موضع من شاء استقل ومن شاء استكثر .

وأهم ما هو ملفت للنظر في هذا الصدد ، عدة أمور :

الأمر الأول :إنّ اغلب النوافل المؤقتة غير اليومية ،لم ترد بدليل معتبر فقهياً ،وإنما ياتي بها الفرد رجاء المطلوبية، باعتبار ما ورد من أنّ (من ورده ثواب على عمل فعمله كان له ذلك الثواب و إن كان رسول الله * لم يقله).
وهو ما يسمى فقهياً بالتسامح بأدلة السنن.

لا يختلف في ذلك بين ما كان لهل سبب زماني ، كصلاة أول الشهر أو سبب غير زماني كصلاة الوالدين .

لكن يستثنى من ذلك  بعض الصلوات ، مثل نافلة رمضان و صلاة الإستسقاء و صلاة العيدين  مع عدم اجتماع الشرائط للوجوب . فإنها جميعاً ثابتة بدليل معتبر و لعل ما سواها كله خارج عن هذا الصدد .


صفحة (131)
 

الأمر الثاني : إنه معروف أن النوافل اليومية ضعف الفرائض اليومية . فالفرائض سبع عشرة ركعة و النوافل اربع وثلاثين ركعة ، يكون المجموع إحدى و خمسين ركعة ، التي هي من علامات المؤمن حيث ورد أن علامات المؤمن خمس:التختم باليمين و زيارة الأربعين والصلوات الإحدى والخمسين وتعفير الجبين والجهر ببسم الله الرحمن الرحيم. كما أتذكر أنه ورد في علامات المؤمن ثلاث : إفشاء السلام و إطعام الطعام و القيام بالليل و الناس نيام .

هذا و قد ورد : أنّ  النوافل تسد النقص الحاصل في الفرائض . حيث يقول الإمام ( عليه السلام ) ما مؤداه : إنّ  للمصلي من صلاته ما حصل فيه الذكر و التوجه ،فإن كان نصفاً فله نصفها و إن كان ربعاً فله ربعها . و إن لم يكن فيها توجه لفّت و ضربت في وجهه. فقيل له : إذن هلكنا يا بن رسول الله . قال :إنّ الله جبر الفرائض بالنوافل. أقول : إذن لعل التوجه الذي نقص من الفريضة يحصل في النافلة .

هذا ، فكيف إذا لم تنقص الفرائض من الذكر والتوجه . وكيف إذا  لم تنقص النوافل منه ، وإن كان ذلك لا يكون إلا للأوحدي من الناس . وقد ورد :أنه من صلّى ركعتين لا يذكر فيها إلا الله سبحانه خرج من ذنوبه كما ولدته أمّه.

الأمر الثاني : إنّ القاعدة في النوافل أن تكون ركعتين ركعتين كصلاة الصبح ، و كلما ورد منها فهو زوجي العدد . حتى لا يحتاج معه إلى صلاة أو ركعة أو صلاة ذات ثلاث ركعات.

لا يستثنى من ذلك إلا صلاة الوتر ، فإنها ركعة واحدة ، و قيل بإمكان دمجها مع الشفع فتكون صلاة واحدة ثلاثية . كما يستثنى منه صلاة الوتيرة ، وهي ركعتان من جلوس ، لو اعتبرناها ركعة . باعتبار ما ورد : من أن كل ركعتين من جلوس تعد ركعة من قيام . وسيأتي بعض الحديث عن ذلك .

كما يستثنى من ذلك  صلاة الأعرابي ، فإنها ذات أربع ركعات ، إلا أن الدال عليها غير تام سنداً . وإنما تثبت بأدلة التسامح بأدلة السنن .

صفحة (132)


وأما الفرائض ففيها الرباعية و الثلاثية و الثنائية ، كما هو معروف . بل أن الركعة الواحدة ، وهي صلاة الإحتياط. و فيها عشر ركعات و هي صلاة الآيات أذا عددنا كل ركوع بركعة ، وإن كان خلاف المشهور .

الأمر الثالث: ما ورد من أنّ كل ركعتين تعدان بركعة، وإن كان ذا سند معتبر، إلا أنه من الصعب فقهياً أن نعتبره قاعدة عامة ، و نتمسك بإطلاقه لكل الصلوات . ومعه فقد يكون من الأفضل حمله على أن ثواب الركعتين من جلوس كثواب الركعة . نعم لو أراد الفرد المزيد من الثواب أو تداركه أمكنه التكرار ، فيما هو قابل للتكرار.

إذ من الواضح : انّ الفرائض كلّها ليست كذلك ، سواء كانت يومية أم لم تكن . فلوكان تكليف الفرد الصلاة جلوساً فيها ، لم يجب بل لم يجز أن يحسب الركعتين بركعة . و هذا واضح فقهياً بلا جدال .

كما أنّ الأمر في النوافل ما يقرب من ذلك ، إذ من الصعب القول فقهياً : أنّ بالإمكان جعل صلاة العيدين حال استحبابها أربع ركعات جلوساً وصلاة الشفع أربع ركعات ، وصلاة الوتر ركعتين .

ولا أقلّ فقهياً:من أنّ الفرد حين ينتهي من الركعتين الأولتين ، يحتاج إلى دليل معتبر لمطلوبية الركعتين التاليتين نفس العنوان(كصلاة الشفع) بصفتها استمراراً لها . و إذا لم يكن ذلك الدليل موجوداً كانت الركعتان التاليتان تشريعاً محرماً ، ولا مجال لها فقهياً .

فإن قيل :إنّ ذلك الدليل المعتبر الدال على أنّ الركعتين من جلوس تعدّ بركعة من قيام ،كاف في ذلك.

قلنا :كلا . إذ من الصعب أن نفهم منه أن الصلاة بعد  إنجازها جلوساً قد انتهى نصفها و بقي النصف الآخر مطلوباً. فإنها دلالة التزامية مستبعدة عرفاً .

مضافاً  إلى إمكان  التساؤل : عما إذا كان الكلام و غيره بين الركعتين الأولى والثانية ممكنا أو لا. فأن قلنا أنه غير ممكن، كان ذلك على خلاف الضرورة الفقهية، لأن الفرد ليس في حال الصلاة فلماذا يمنع من الكلام.

صفحة (133)

الأولى والثانية ممكناً أم لا . فإن قلن :إنه غير ممكن ،كان ذلك على خلاف  الضرورة الفقهية ، لأن الفرد ليس في حال الصلاة فلماذا يمنع من الكلام .
وإن قلت : إنّ الكلام جائز ، قلنا كلا ، لأن الفرد عندئذ يكون قد انتهى من ركعة من قيام . وبدأ ركعة أخرى . ومن الواضح أنه ليس بين الركعتين كلام وإلا بطلت الصلاة .

و بتعبير آخر: إنّ الدلالة الإلتزامية - لو كانت - لذلك الدليل : بأنّ صلاة الشفع مثلاً تستمر إلى أربع ركعات . دلّ ذلك بالإلتزام: إنّ الفرد بين الركعة الثانية و الثالثة هوفي الصلاة و إن تشهّد وسلّم . لأنّ كل ركعتين تعدان بركعة . فهو الآن بين الركعتين أو في داخل الصلاة . فلا يجوز أن يتكلم أو يأتي بأي مبطل . وإلا بطلت صلاته . وهذا غير محتمل فقهياً .

الأمر الرابع : إنّ في الشريعة ماهو واضح الحكمة لنا ، ومنها ما هو غامض لا ندرك حكمته .

فإن كان واضح الحكمة ، إذن فالأمر به إنما هو للحصول على تلك الحكمة المطلوبة . و لا إشكال في ذلك . وكذلك إذا كان فيه درجة من الغموض ، إلا أنّ الأرجح فيه ذلك . أعني حكمة معينة قد تخطر على بال فإننا إن قبلناها ، كان ذلك مقنعاً ، وإلا أمكن التسليم بالحكمة الإلهية و بقصور عقول البشر عن إدراك الواقعيات التي سبقت الشريعة من أجلها تفصيلاً .

هذا . ولكن قد يكون العمل غامض الحكمة بحيث لا يمكن إدراكها أصلاً . أو قل: إنّ عقولنا تدرك انّ مثل هذه الصفة أو تلك قد لا تكون فيها حكمة على الإطلاق . ومن الصعب أن نتصور فيها وجود أية حكمة.

ومن تطبيقات ذلك :إعداد الركعات ،وهو ما نتحدث عنه الآن . فمن الصعب مثلاً أ ن نتصور : لماذا كانت صلاة المغرب بثلاث ركعات و صلاة العشاء بأربع ركعات . بل من الصعب أن نتصور بإدراكنا أنّ في ذلك حكمة  على الإطلاق .

صفحة (134)

إلا أنّ هذا لا يخلّ بالحكمة  الإلهية المطلقة ، وإنما جواب ذلك هو الذي نريد التنبيه عليه هنا ، ويكون ذلك على عدة مستويات :-
المستوى الأول : إنّ ما يكون صعب التصور لنا ، قد يكون هو الصحيح في الحكمة الإلهية . بعد أن نؤمن أنها أزلية وكاملة . ومن هنا فقد تكون هناك مصالح في أعداد الركعات لاندرك وجودها فضلاً عن ماهيتها .

المستوى الثاني : إنّ هذا ما يسمى فقهياً أو أصولياً : بأنّ المصلحة في الأمر لا المأمور به .

وقال الفقهاء : إن ما ثبت في علم الكلام عند العدلية من وجود المصالح والمفاسد ، لا ينحصر ذلك أن يكون في المتعلقات ، أعني المأمور به والمنهي عنه ، بل قد يكون في نفس الأمر و النهي ، مع إمكان خلو المتعلق من المصلحة فتكون أعداد الركعات من هذا القبيل .

المستوى الثالث :  إنّ التربية الإيمانية  كما قد تكون على عدة امور محددة وأهداف وحكم معلومة ، كذلك قد تكون على تربية الفرد على الطاعة العمياء لوصحّ التعبير ،  أو التعبد المطلق أو التسليم الكامل للشريعة .

وإنه من الضروري للفرد ألا يتساءل عن علل الشريعة و حكمها ، بل شغله فقط ، هو الإمتثال مع التعبد و التسليم، فإن  دين الله لا يصاب بالعقول ، كما قد ورد .

وهذه درجة من الطاعة عالية تنتج درجة عالية من الثواب المعنوي ، بلا شك . بل إن العارفين يجردون أعمالهم كلها عن مثل هذه المناقشات ، ويعتبرون الطاعات كلها من خلال التسليم و التعبد أو الطاعة العمياء ، فحتى لو أدرك العقل حكمة التشريع أو أكثر ، فلعل الله سبحانه أراد حكمة أخرى أو هدفاً أعلى غير مدرك لعقولنا . بل لا ينبغي أن يكون لنا أي شغل بالتساؤل عن الحكم والأسباب، بل هو من سوء الأدب أمام الله سبحانه، بل هو من الشك في الحكمة الإلهية ، و العياذ بالله .

صفحة (135)

وإنما يلجأ الفرد إلى مثل ذلك في مستويات دانية من المعرفة والإيمان .

ولعل محاولة الأعداء لإخراج المسلمين من دينهم و تشكيكهم بعقيدتهم ، هي التي أشاعت أمثال هذه التساؤلات التي هي أقرب للكفر و النفاق منها إلى الإسلام والإيمان .

   الفقرة (2)
في أوقات الصلوات .
إذا راجعنا المتشرعة واطلعنا على ارتكازهم لوجدنا بكل تأكيد أن الأوقات تختلف في درجة الفضل عند الله سبحانه و تعالى سواء في ذلك أوقات النهار و الليل أو أيام الأسبوع أو أيام الشهر أو اشهر السنة .

ولكن ذلك لا يمكن إثباته بالعلم الطبيعي لوضوح أنّ الزمان متساوي الأجزاء و حاز على حد واحد على كلّ الأشياء.

لكننا بالرغم من ذلك يمكن أن نثبت  ذلك على عدة مستويات :

المستوى الأول: إن الفضل ليس للزمان نفسه وإنما شاءت الإرادة الإلهية وجود التوقيت لكثير من الواجبات والمستحبات لمصلحة في الأمر أو في المتعلق كما شرحنا ، باعتبار حرية تلك الإرادة . فالله سبحانه يحب ان يرى عبده متعبداً ومتوجههاً ، في هذا الزمان و ذاك ، على غير تعيين سوى مجرد الإختيار الإلهي له .

وأما كون هذا المستوى صحيحاً أم لا ، فهذا مما لا ينبغي الدخول في تفاصيله . وسيأتي في المستويات القادمة ما يصلح ان يكون جواباً على ذلك المستوى .

المستوى الثاني : ما من القرآن على اختلاف الأزمان . وأوضح ذلك ، ما دلّ على وصف الزمان نفسه بوصف مهم .كقوله تعالى :" منها أربعة حرم" . و إذا أمكن أن يكون بعض الزمان مهماً أمكن أن تكون أجزاء أخرى مهمة أيضاً كبرت أو صغرت .

صفحة (136)

هذا بغض النظر عن قوله تعالى :" أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهوداً" . إذ قد نقول بأن مثل هذه الآية لمجرد التوقيت و ليس لوصف الزمن . فالإستدلال بالآية السابقة أوضح .

المستوى الثالث : ما دلّ من السنة على أهمية بعض الزمان بذواتها ، فشهر رمضان شهر الله تعالى . وهناك عيد الفطر وعيد الأضحى و يوم عرفة ، و ليلة القدر ، واضحة الأهمية شرعاً ومتشرعاً بالضرورة في الإسلام .

مضافاً إلى أهمية ايام أخرى بدرجة إثبات أقل ، كليلة  الجمعة ونصف شهر رجب و نصف شهر شعبان و يوم التروية و يوم دحوالأرض و غيرها كثير .

المستوى الرابع : إن هذا لا يختلف في معناه عن الأعياد الإجتماعية و المناسبات القومية لدى الشعوب .

فإذا كان المجتمع العقلاني يدرك اهمية بعض الأجزاء من الزمن ،فليس من حقه أن يستكثر ذلك على الشريعة .

المستوى الخامس : إن إناطة بعض الأمور ببعض الازمة طبيعياً ، ليس بالقليل ولا النادر ، كإناطة بعض النباتات من الفواكه والأزهار، بالربيع أو بالصيف أو بالشتاء . وإناطة المد و الجزر بحركات القمر . ومن أوضح امثلته: الساعة البايولوجية المربوطة بساعات الليل والنهار ، والتي تختلف حالات الفرد باختلافه، بلا تعرّف واضح على سبب ذلك ، ولا حتى بدون أن يعرف الفرد نفسه من نفسه ذلك.

إذن ، فالزمان له دخل حتى في العلوم الطبيعية ’ فلماذا يستكثر ذلك على الشريعة أو يستشكل منها ؟
 

صفحة (137)
 

 الفقرة(3)

قلنا في بعض كتاباتنا السابقة : إن ما يمكن أن ندركه من حكم و أسباب لأهمية بعض الأزمنة شرعاً أحد أمور :

الأمر الأول : إنه زمان العبادة نفسها أو عمق الإشتغال بها ، كشهر رمضان للصوم و يوم عرفة للحج .

الأمر الثاني : إنه زمان للإنتهاء من العبادة والتصدي للشكر على ادائها . كعيد الفطر للصوم وعيد الأضحى للحج .

الأمر الثالث : إنه زمان وقوع حادثة سعيدة مهمة معينة في التاريخ الإسلامي السابق كيوم مولد الرسول ( صلى الله عليه وسلم) وعيد الغدير ،وليلة القدر التي نزل فيها القرآن الكريم .

الأمر الرابع :إنه زمان وقوع حادثة محزنة مهمة في التاريخ السابق ،كيوم وفاة الرسول ( صلى الله عليه وسلم) ويوم عاشوراء  ، وغيرهما.

الأمر الخامس : وجود تسالم سابق على الإسلام على صفة معينة لبعض الزمان، وقد وجد الإسلام مصلحة في إقرار تلك الصفة ، كالأشهر الحرم فإنها كان معمولاً بها في الجاهلية .

ونوكل الجزم بأحد هذه الأمور أوكلها أو غيرها لفطنة القارىء .

 

  الفقرة  (4)

لو لاحظنا العبادات الموقتة الواجبة و المستحبة ، لوجدناها بالنسبة إلى أوقاتها على ثلاثة اقسام :

القسم الأول : ما كانت العبادة فيه أفضل إذا وقعت في أول الوقت ، ككل الفرائض اليومية و أغلب النوافل اليومية .

القسم الثاني : ما كانت العبادة فيه أفضل إذا وقعت في آخر الوقت ، ومثاله امران لن نعهد غيرهما :

أحدهما : صلاة الليل ، فإنها في نهاية وقتها أفضل من أولها ، وقد صرح كل الفقهاء ، أنها  كلما كانت أقرب للفجر كانت أفضل .

 

صفحة (138)

 

وثانيهما :غسل الجمعة ، إذا قلنا بأن وقته ينتهي عند الزوال من يوم الجمعة على ما هو المشهور ، فإنه كلما كان أقرب إلى الزوال كان أفضل . ويشبه ذلك : أفضلية تأخير صلاتي المغرب و العشاء للحاج ،من عرفة إلى مزدلفة ،
ولم مضى ثلث الليل غير أن هذا ليس هو آخر الوقت بالتحديد.

كذلك يشبهه: ما إذا منعنا صلاة المتيمم في أول الوقت ، وأوجبنا عليه التأخير إلى نهايته، مع احتمال ارتفاع العذر. غيرأن هذا ثابت بالعنوان الثانوي الإحتياطي وليس بالحكم الأولي الأصلي.

القسم الثالث : العبادات الموقتة التي لايختلف حالها أينما وقعت من وقتها ، في أوله أو وسطه أو آخره ، ككثير من المستحبات .كصلاة أول الشهر التي لا يختلف في وقوعها في اول النهار أو آخره من اليوم الأول .

وكذلك غسل يوم النصف من شعبان أو يوم النصف من رجب أو يوم المباهلة أو يوم التروية ، وغيرها .

وهناك واجبات غير موقتة ، إلا أنّ وجوبها فوري ، فإن لم يأت بها المكلف فوراً وجبت عليه فورا ايضاً . وهكذا ، وهذا ما يسمى باصطلاحهم : فوراً ففوراً . فوقتها هو الفور و ليس لها وقت آخر . كوجوب مطاوعة الزوجة الناشز ووجوب دفع النفقة المتأخرة  إلى الزوجة . ووجوب الدخول في الإسلام على الكافر ، ووجوب التوبة على المسلم المذنب .

وهناك واجبات غير موقتة إلا أن المبادرة لها أفضل . وهذا يعني : ان وقتها الإستحبابي هو الفور، ولو من باب استحباب المبادرة إلى الفضل أو أن :خير البر عاجله. كدفع الزكاة بعد حلول وقتها وكذلك الخمس وسائر الكفارات.

وكذلك الحال في الحقوق الإستحبابية وغيرها ، فإن المبادرة لها فوراً أفضل ، بلا إشكال ، كالصدقة و قضاء حاجة المحتاج وهداية الضال و نشر العلم ، وغير ذلك كثير .
 

صفحة (139)

اختار الله سبحانه للصلوات اليومية أفضل الأوقات دنيوياً و دينياً.

أما دنيوياً .فباعتبار أن أوقات الصلوات ليست وقت عمل عادة . وخاصة مع الإلتزام بالجمع بين الصلاتين ، أو القول بجوازه على الأقل . وهذا واضح في كل الفرائض والنوافل اليومية ،كصلاة الليل وصلاة الفجر ونافلته. إذ من الواضح أن تلك الأوقات لا تكون وقت عمل إلا نادراً جداً .

وكذلك وقت صلاة الظهر وصلاة العصر و نوافلهما . فإنه وقت الراحة وتناول وجبة نصف النهار . غير أن ذلك يكون أوضح في مجتمع قائم على اتباع مثل هذه التعاليم . لا على مثل نظام المجتمع الحديث . غير أن ذلك أيضاً لا يمنع من إيجاد الصلاة في أول وقتها  و خاصة مع الإقتصار عل الفرائض .

ونفس الشيء يقال: بالنسبة إلى وقت صلاتي المغرب والعشاء .لفإنه وقت هدأة وراحة،قد انتهت به أتعاب النهار، ولم تبدأ به فعاليات الليل ، ولا يفوت به شيء من اهداف الدنيا اقتصادياً ولا اجتماعياً .

هذا لو نظرنا إلى التوقيت من الناحية الدنيوية .

وإذا نظرنا من الناحية الدينية ، فالأمر يكون واضحاً و لعدة مستويات:

المستوى الأول :إن الفرد في الأوقات التي تخلو من العمل الدنيوي، يكون فارغ البال عادة أو غالباً من هذه الناحية،ومن هنا يكون توفره للعبادة وتوجهه خلالها اسهل و أكثر .

المستوى الثاني :إنّ كثيراً من الأعمال الدنيوية هي عبادة أيضاً ،وهي لا تتوفر إلا في الأوقات الطبيعية للعمل . ومنهنا لا ينبغي أن تكون أوقات الصلاة مزاحمة لها أومانعة عنها ، كما لا ينبغي أن تكون الأوقات الأخرى الخارجة عن العمل الدنيوي خالية و بالية .إذن فالأحجى أن تكون الصلوات في الأوقات الخالية من العمل الدنيوي،لكي يكون الفرد المؤمن في كلا الحالين في عبادة .
 

صفحة (140)

 

المستوى الثالث : إن كثيراً من الأعمال الدنيوية ضرورية للفرد و أسرته .

ولا ينبغي أن تحول الصلوات دونه . كما لا يمكن تحويله إلى الأوقات الشاذة اجتماعياً ، إلا أن تحويل أو تعيين أوقات الصلاة بشكل غير مزاحم مع العمل ممكن للشريعة ، وهذا ما أنجز فعلاً .

المستوى الرابع : في الإمكان التأكيد على أن أوقات الصلوات اليومية الواجبة و المستحبة ، وخاصة مع الإلتزام بالصلاة في أوقات فضيلتها .... إن هذه الأوقات هي الأوقات الأفضل من كل مدار الساعة . وهي الأكثر توجيهاً للفرد إلى الله سبحانه و باعثة عل الخشوع و الخضوع و التضرع .وإذا أراد الله سبحانه لصلاة عبده أن تكون هي الأفضل، وهو مريد لذلك جزم، إذن ، فينبغي أن يأمر بإيقاع صلواته في أفضل اوقاع الليل و النهار .

ويكفينا للإستشهاد حول ذلك ببعض الايات القرآنية ، كقوله تعالى:" و المستغفرين وبالأسحار " . وقوله تعالى : "إن قرآن الفجر كان مشهوداً" وقوله تعالى :" إن ناشئة الليل هي اشد وطأ و أقوم قيلاً " .إلى غير ذلك كثير.
 

   الفقرة (6)

في مكان المصلي.

قال الفقهاء : من شرائط المكان أنه يجب أن يكون مباحاً غير مغصوب ، وأن يكون واسعاً كافياً للصلاة وليس ضيقاً بحيث لا يساعد على انجازها .

وأن يكون طاهراً إلى حد ما . يعني لا بأس بنجاسته إذا كان جافاً ، ليس فيه نجاسة سارية إلى جسم المصلي و ثيابه . ما عدا مسجد الجبهة فإن طهارته الواقعية مطلوبة .كما أن المكان مع النجاسة السارية ممنوع.

وكثير من هذه الفقرات لها معان أخلاقية :

فالمكان يمكن أنيكون تعبيراً عن المستوى الذي يكون فيه الفرد ثقافياً أوعقائدياً أو ايمانياً أو غير ذلك . ومن هنا يكون السير في المكان عبارة عن الإنتقال من مستوى إلى آخر ، أو من مكان إلى آخر .

 

صفحة (141)
 

واشتراط عدم الغصبية في المكان يعبر عن عدة معان ، منها عدم جواز كون المستوى الذي يكون فه الفرد ماخوذاً بالضغط او القهر لشخص آخر يتعلم منه ويرشده عليه على كره منه . سواء كان ذلك الفرد اعلى منه او مثله .

واشترط ان يكون المكان واسعاً للصلاة ، كون مستواه أو قلّ ثقافته العقلية او النفسية ، كافية للتدرج و التكامل ،
وإلا فمع ضيقها و قلتها يكون التكامل متعذراً أو متعسراً.

واشتراط ان لا يكون المكان ناقلاً للنجاسة يحتوي على عدة معان معنويةمنها : إن المكان قد يكون معبراً عن مستوى من مستويات النفس الأمارة بالسوء .والسوء هو النجاسة ، فإذا أطاعها الفرد وانقاد لها كان منفعلاً بالنجاسة .

ومنها :إن المضمون العام للمستوى الذي يكون فيه الفرد ، أو قل مستواه العقلي أو النفسي ، يكون خالياً من الباطل والنقائص المضرة التي تعود مردوداتها بالضرر على تكامله .وهذا موجود في كثير من المستويات الواطئة بطبيعة الحال.

وأعتقد أننا ينبغي لنا القناعة بهذا المقدار من التفسير .
 

  الفقرة (7)

فيما يستحب فيه الصلاة من الأماكن ، وهي المساجد :

قال الفقهاء : تستحي الصلاة في المساجد و التردد إليها . ففي الخبر : من مشى إلى مسجد من مساجد الله فله بكل خطوة خطاها حتى يرجع عشر حسنات و محي عنه عشر سيئات و رفع له عشر درجات .

ويكره لجار المسجد أن يصلي في غير ذلك المسجد لغير علة كالمطر .

صفحة (142)

و في الخبر :لا صلاة لجار إلا في مسجده .
و يكره تعطل المسجد والإعراض عنه.ففي الخبر : ثلاثة يشكون إلى الله يوم القيامة: مسجد خراب لايصلي فيه أحد، وعالم بين جهال ، ومصحف معلق قد وقع عليه غبار لا يقرأ فيه أحد . و المشهور من لفظه على الألسن: المسجد المهجور والعالم المهجور والمصحف المهجور قالوا : وأفضل المساجد هو المسجد الحرام ، والصلاة تعدل ألف ألف صلاة . ثم مسجد النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم )  تعدل عشرة الآف صلاة ، ثم مسجدالكوفة والأقصى،الصلاة فيهما تعدل ألف صلاة ، ثم المسجد الجامع ، والصلاة فيه بمئة صلاة ، ثم مسجد القبيلة و الصلاة تعدل فيه خمساً و عشرين صلاة ، ثم مسجد السوق و الصلاة فيه تعدل اثنتي عشرة صلاة و مسجد المرأة بيتها.

والصلاة في مشاهد الأئمة ( عليهم السلام) تعدل الصلاة في المساجد ، بل قالوا: إنها أفضل .وقد ورد أن الصلاة عند علي ( عليه السلام ) بمئتي ألف صلاة .

وهذا كله في الصلاة الإنفرادية ، التي ليست مع صلاة جماعة . وقد ذكروا للصلاة الجماعة ثواباً كثيراً ، حتى ما إذا كان المأمومون عشراً لم يعلم مقدار ثوابها إلا الله  عز وجل . وسيأتي ذلك في الباب المخصص لها .

ونعرف من ذلك : أنه إذا أقيمت الجماعة في المساجد ، أمكن ضرب رقم الثواب فيها في رقم الثواب في المسجد فيكون الناتج هو الثواب الفعلي الكامل للعبد المصلي .

وقال الفقهاء عن المساجد نفسها : إنها يحرم زخرفته، وهو التزيين بالزخرف وهوالذهب . ونقشها بالصور و بيع آلاتها ، وام يؤخذ منها في الطرق و الملاك . ولا يجوز هدمها ولا تنجيسها ، فإن تنجست وجبت المبادرة للتطهير . ولا يجوز إخراج الحصرمنها و إن فعل أعاده إليها .

صفحة (143)

ويكره تعليتها و أن يعمل لها شرف،و يستحب أن تكون الميضأة على أبوابها ، و أن تكون المنارة مع الحائط لا في وسطها . وان يقدم الداخل إليها رجله اليمنى والخارج منها رجله اليسرى . و أن يتعاهد الداخل اليها نعليه ،لاحتمال ما يكون علق هما من الأوساخ و النجاسة .

ويستحب أن يدعو عند دخوله وعند خروجه ،و يكره أن تجعل طريقاً . وأن يحصل فيها البيع و الشراء و تمكين المجانين وإنفاذ الأحكام وإقامة الحدود و تعريف الضوال وإنشاد الشعر ، ورفع الصوت وعمل الصنائع .والنوم في المساجد ، وكذلك التنخم و البصاق و قتل القمل، فإن فعل شيئاً من ذلك ستره بالتراب .

وبالأساس ، فإنه يستحب اتخاذ المساجد، و التكثير من عددها استحباباً مؤكد، حتى و إن كانت ضيقة أو صغيرة . وقد ورد في ذلك الفضل الكثير .

وقال الفقهاء ايضاً: الصلاة الفريضة في المساجد أفضل من المنزل ، والصلاة النافلة في المنزل أفضل من المسجد.

 الفقرة (8)
الكعبة الشريفة هي المسجد الحرام و بيت الله الحرام .وقد دل القرآن الكريم على أنها ( بيت الله ) قال تعالى:
"وطهر بيتي للطائفين و القائمين و الركع السجود "

والمشهور لدى المتشرعة أن كل المساجد بيوت الله ، فلفظ ( بيت الله ) يصدق على اي مسجد . ولم اجد ذلك في الكتاب و لا في السنة .

وسنحاول إعطاء المبررات الكافية لهذه النسبة إلى الله سبحانه ، سواء كان صفة للكعبة المشرفة وحدها أو لكل مسجد. فإن السؤال قد يرد عن الوجه الصحيح لهذه النسبة ، معا لعلم اليقين وقيام البرهان الصحيح على أن الله غني عن العالمين ، وأنه لا تحده الأمكنة ولا تحويه الأزمنة ولا تأخذه سنة ولا نوم ، وأن كل شيء غيره فهو محتاج إليه وهو لا يحتاج إلى شيء .

صفحة (144)

مضافاً إلى البرهان على أن نسبة قدرته وسلطانه وعلمه إلى كل الخلق هي نسبة واحدة ، فما هو الوجه في اختصاص المساجد في هذه النسبة ؟

والجواب على ذلك : إن النسبة إلى الله سبحانه يمكن أن تكون على أحد وجوه :

الوجه الأول : من حيث كونه خالقاً للكعبة أوللمسجد . وقد تحققت النسبة إلى الخلق في القرآن الكريم . قال الله تعالى :" هذا خلق الله ، فأروني ماذا خلق الذين من دونه ".

الوجه الثاني : التكريم و التعظيم ، من قبيل نسبة الروح اليه سبحانه . قال الله تعالى :"فإذا سويته ونفخت فيه من روحي ".

الوجه الثالث: إنها قد تكون مسكناً أو معبداً لبعض الملائكة . وقد ورد ذلك فعلاً بالنسبة إلى بعض المساجد كالمسجد الحرام ،وبالنسبة إلى العتبات المقدسة .

الوجه الرابع .إن هناك عناية إلاهية خاصة في طرد الشياطين عن المساجد. ومن هنا نرى انه يندر ايقاع المعاصي فيها.

الوجه الخامس:  إن المساجد ذات تاثير وضعي أو موضوعي في زيادة التقرب  المعنوي إلى الله تعالى و الخشوع له والتضرع إليه .

إلى غير ذلك من الإحتمالات ، وهي ليست محتملة فقط .كما انها غير متنافية ، بل قد تكون كلها صادقة مجتمعة .

و للمساجد فوائد دينية و اجتماعية كثيرة .ومن ذلك ما ورد من ان: من أختلف إلى المساجد أصاب إحدى الثمان: أخاً مستفاداً في الله أو علماً مستطرفاً أو آية محكمة أويسمع كلمة تدل على هدى أو رحمة منتظرة أو كلمة ترده عن ردى ، أو يترك ذنباً خشية أوحياء .

مضافاً إلى تزايد ثواب الصلاة  في المساجد ، كما عرفنا . بل زيادة ثواب اي طاعة  فيها ، كقراءة القرآن و الصوم وقضاء الحوائج و الصدقات و غيرها .
 

صفحة (145)

 

لاحظنا أن الفقهاء ذكروا من صفات المساجد ، ما يدل على رجحان كونها متواضعة  البناء بسيطة التكوين ، فمن ذلك ما سمعناه من كراهة تعليتها و زخرفتها و نقشها بالصور ، و أن من بصق فيها ستره بالتراب ،وهو دال على ان أرضيتها من تراب وليست مرصوفة . إلى غير ذلك .

وهذا المعنى صحيح كقاعدة عامة لأن المطلوب شرعاً هو التواضع أمام الله سبحانه في كل شيء ، في المأكل و المشرب و الملبس و المسكن و المعبد . و الإقتصار على القليل من الدنيا في أي شيء.

غير أن هناك قاعدة أخرى ، قد تكون متقدمة عل تلك القاعدة . بعد ملاحظة أن بعض المجتمعات في العالم ترى مثل هذا التواضع من قبيل الضعة و الذلة ، ولا ترى الفخر والعظمة إلا في فخامة الملابس والبناء وغيرهما .

إذن فإظهار عظمة الدين والإسلام أمام هؤلاء لا يكون إلا ببناء مساجد عالية ومزخرفة بالصور بالمقدار المحلل. وهي لا تكون من ذهب ولا فضة ولا من صور ذوات الأرواح من إنسان أو حيوان ،كما لا تكون دالة عل البذخ المتزايد كاستعمال الجواهر الكريمة ونحو ذلك.

وأما المحافظة على الطريقة الإسلامية أوالتراثية ، فهو يقتضي - كما عرفنا - بساطتها و تواضع بنائها ، ومن ثم لا يكون لها أية ( خريطة ) وانما هي مجرد حائط يحتوي في داخله على ميضأة و مئذنة .

على أنه لا دليل على أن الشعوب المسلمة السابقة ، في مصر أو الأندس أو العراق أو تركيا أو غيرهما عملت المساجد على ما هو المعهود منها ، بصفته مطلوباً شرعاً أو مستحباً ، بل لمجرد أنها رأته الفضل في ذوقها الإجتماعي أو القومي او المحلي، فهو( دنيوي) وغير مربوط بالشريعة . رجحت أسلوباً معيناً بعد حفظ الآداب العامة التي أمرت بها .

 

صفحة (146)

 

  الفقرة (10)

المراقد المقدسة أو العتبات المقدسة إنما هي  (مقابر ) وليست  ( مساجد ) .

والمسجد إنما هو البناء الذي أشيد بعنوان المسجد ونحوه أو تم وقفه بهذه الثفة .ولم يمر مثل ذلك على هذه المراقد، بلا شك و لا أقل من الشك في ذلك . الأمر الذي يبعدها عن معنى المسجدية جزماً.

ومن هنا اختلفت عن المساجد من عدة جهات ، مع أنها بنيت أمام الفقهاء الذين وصفوا المساجد بالصفات التي سمعناها ، فأصبح بناء هذه المراقد عالياً ومزخرفاً بالذهب ، بل وبالصور احياناً ، ذا جمال وأبهّة ، ويعلو بالمرقد قبة كبيرة ، وهي لا تكون في المسجد، و إنما تكون على القبر خاصة .

نعم أفتى الفقهاء المتأخرون بنحوالإحتياط الوجوبي ، بإلحاق هذه المراقد بالمساجد بحكم واحد ،هو حرمة دخول الجنب والحائض اليها .

واختلفوا فيما وجب ان يكون عليه الحد المحرم هذا .

والدليل على ذلك بعد التجاوز عن مسجديتها أمران:

الأمر الأول : ما ورد من حرمة الدخول على المعصومين (عليهم السلام) في حال حياتهم إلاعلى طهارة من الحدث الأكبر. ومن المعلوم في الشريعة أن حرمة المؤمن ميتاً كحرمته حياً ، وكذلك المعصومون (عليهم السلام) بطبيعة الحال . إذن ، فدخول المحدث الحدث الاكبر إلى مراقدهم محرم.

الأمر الثاني: إن دخول مثل هؤلاء إلى هذه المراقد يكون من قبيل إساءة الأدب أو درجة من الهتك . وهو محرم هناك بالضرورة . إذن فدخولهم اليها محرم بهذه الصفة .
 

صفحة (147)

إلا أن كلا الأمرين ينتج الفتوى بالحرمة ، و لا حاجة إلى الإقتصار عل مجرد الإحتياط . كما فعل الفقهاء . كما لا حاجة إلى عنوان الإلحاق المساجد،بل الحرمة ثابتة لها بصفتها مرقداً لمعصوم سلام الله عليه .كما أن الحرمة ثابتة لا بصفتها (جنباً ) أو(حائضاً) بل كل( حدث اكبر) يجب فيه الغسل كالنفساء و المستحاضة ذات الإغسال ، إذا لم تؤد أغسالها. كذلك من مسّ الميت على وجه فقهي .

أما شمول هذه الحرمة لمراقد غير المعصومين من الشهداء والصالحين وأضرابهم ، فقد سكت عنه الفقهاء . ولا شك أن الأمر الأول من الأمرين السابقين غير شامل لها ، كما أن الأمر الثاني نادر التحقيق فيه، ومن هنا كان الفقهاء إلى الجواز من هذه الناحية أميل بلا شك . ولا أقل من جريان اصالة البراءة عن مثل هذه الحرمة.

ولكن مقتضى القاعدة التي أعطوها ، وهي الإلحاق بالمساجد ، الأمر الذي  يعني المشابهة في البناء خاصة . فهذا معنى عام لكل مراقد المؤمنين إذا تم بناؤها و تسييجها سواء كانوا معصومين أم شهداء أم علماء أو غيرهم . وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على ضعف هذه القاعدة .وقد عرفنا فيما سبق أنها (مراقد) وليست (مساجد)،وأن دليل الحرمة خاص بها لا بفتها المسجدية .
 

صفحة (148)

 

 الفقرة (11)

بقي من التعرض لأحوال المساجد امران:

الأمر الأول : إن المسجد هو المعبد ،على أن تكون العبادة المنجزة فيه هي السجود الحق والسجود لغيره باطل ومحرم .

إذن ، ففي كل مكان أو زمان كبر أو صغر ،حصل فيه ذلك المعنى من السجود ، فهومسجد ومن هنا أمكن أن يكون للمسجد معان و مستويات عديدة ، منها:
أولاً: الكون كله ،مع التفكّر في خلق الله سبحانه.

ثانياً: النفس ،مع التفكر في الآيات الباطنة لها .

ثالثاً: القلب حين يكون منوراً بنور الحق .

رابعاً : العقل مع إمكان صعوده إلى أعلى الدرجات.

خامساً: كل مكان أو زمان يحصل فيه التوجه العام.

سادساً: المسجد بالمعنى الفقهي المتعارف.

الأمر الثاني : قد يحصل التساؤل عن السبب الذي كان من أجله ، مسجد المرأة بيتها .إذ لا إشكال من صحة ذلك شرعاً ، وإذا تم لنا التسليم والرضى بكل التعاليم الشرعية  ، فينبغي لنا السكوت أمام أي سؤال من هذا القبيل ،لأننا نعلم أن أي حكم إنما هو ناتج عن حكمة حقيقية ، سواء فهمناها أم لا ، وهذا يكفي بلا إشكال .

ولكن في حدود عرض هذا السؤال ، وفي حدود فهمنا لجوابه فإنه يمكن السير فيه على عدة مستويات :

المستوى الأول : مستوى الأدب الإسلامي الظاهري الذي اقتضى الفصل ( النسبي) بين الجنسين ، وجعل آداب معينة فيما بينهم ، تحاشياً من سوء التصرف الجنسي من قبل أي من الجنسين . فهذا التعليم الإسلامي مندرج ضمن هذه القائمة من التعليم .

وحيث قد أعطى الشارع و السوق للرجل بصفته هو مصدر الرزق لعائلته ، فقد أعطى له أيضاً المسجد. وبقي للمرأة بيتها تصلي فيه  ،كما هي تربي أولادها فيه .

وحيث لا ينبغي أن يفوتها ثواب المسجدية الذي أعطي للرجل ،فقد جعلت الشريعة بيت المرأة مسجداً لها.

المستوى الثاني : إن الأعمال بالنيات كما ورد . و لكل امرىء ما نوى.

فإذا أحبت المرأة أن تحضر في المسجد لأجل الحصول على مزيد من الثواب مع أنها ممنوعة من ذلك نسيباً..  أعطاها الله سبحانه وتعالى ما نوته وعزمت عليه وطمعت به وهو ثواب العبادة في المسجد .
 

صفحة (149)
 

المستوى الثالث: إن المراد من العبادة المؤداة ليست هي الصلاة وحدها، بل تشمل كثيراً مما تعمله المرأة في البيت،
إذا أحسنت تربية أطفالها والعناية بزوجها ، وغيرذلك ، فإن ذلك كله يكون من العبادة .

وحيث لا يمكن عادة جعل هذه الأمور في المسجد ، مع طمع المرأة في مزيد الثواب،حتى كأن عبادتها في المسجد ، أعطاها الله تعالى ذلك حسب نيتها ، وحسب طمعها و أملها من الكريم المطلق الذي لا بخل في ساحته. وقد ورد في الحديث القدسي : إني عند حسن ظن عبدي بي .

المستوى الرابع : إن المرأة إذا حضرت إلى المسجد ، فسوف لن يكون خاصاً بالنساء ، بل سوف يكون مختلطاً . ولا شك أنه مختلط مع الأدب الإسلامي بالحجاب . إلا أن الأمر مع ذلك سوف ينافي التوجه في العبادات ، الصلاة و الدعاء و غيره، مع اختلاط الجنسين . و الله تعالى يريد من عبيده من كلا الجنسين حسن التوجه و الإقبال في العبادات، ومن هنا كان لا بد منجعل الفاصل بينهما خلالها.ولا يكون ذلك إلا بنهي المرأة عن الحضور إلى المساجد، إلى غير ذلك من المستويات .

 

   الفقرة (12)

في الستر و الساتر .

الستر بمعنى نسبي يتقوم بأربعة أطراف : الاستر و المستور والمستور به (وهو الستر بمعنى اسم المصدر ) و المستور عنه.

والمستور به قد سمى بالساتر أيضاً وبالستر أيضاً

وبالحجاب أيضاَ ،ولكننا نريد من الستر فاعل الستر ،أو واضع الحجاب .ومن المستور به الحجاب نفسه .
ومن المستور عنه ،الشخص الذي أريد الإخفاء عنه أو جعله في الحجاب ،ومن المستور :الأمر الذي تحت الستر وأخفي  به. وهناك شيء خامس: وهو السبب الذي أدى إلى الستر .
 

صفحة (150)
 

والمستور قد يكون نقصاً وقد يكون كمالاً . والمستور عنه قد يكون هوالفرد نفسه وقد يكون هو الآخرين .
والمستور قد يكون حجاباً مادياً أو أمراً معنوياً .و الساتر قد يكون هو الله وقد يكون هو الله وقد يكون غيره ، وسبب الستر قد يكون لقصور المقتضى أو ضعف الإدراك وقد يكون لوجود المانع .

فقد انقسم كل من الخمسة أشياء إلى اثنين ، فتكون الأقسام اثنين و ثلاثين قسماً (2×2×2×2×2=52=32) . ونحن فيما يلي ذاكرون بعض الأمثلة:

1- ستر العورة خلال الصلاة بأي ساتر عن نظر المصلي و غيره .

2- ستر النقائص والعيوب المركوزة في الفرد عن الآخرين، بلباقة الفرد وحسن تصرفه أو بحسن توفيق الله سبحانه و تعالى .

3- ستر جمال المرأة ، وهو كمال لها و ليس نقصاً ، بالحجاب الواجب في الشريعة الإسلامية .

4- ستر الأشعة فوق الحمراء أو تحت البنفسجية عن العين البشرية .

5- ستر الأمواج فوق الصوتية الأذن لبشرية .

6- عن ستر عالم الجن الذي نطق به القرآن الكريم عن الوعي البشري الإعتيادي .

7- ستر العوالم العليا المعنوية أو الروحية أو العقلية عن الوعي البشري الإعتيادي .

8-ستر الرحمة وانقطاعها باستحقاق الفرد أو الأفراد للبلاء.

9- ستر الذنوب والعيوب عن الفرد نفسه بالرحمة الإلهية الناتجة من التوبة واستحقاق المغفرة .

10- ستر المستويات العليا للنفوس المرتفعة للأولياء و أضرابهم عمن هو دونهم .

11- ستر بعض المحسوسات مع قصور بعض أعضاء الحس ، كالأعمى و الأصم .

12- ستر تفاصيل العلوم ، مهما كان نوعها عن الطلاب المبتدئين ، ما لم يستحقوا الفهم بوصولهم إلى درجة أعلى في العلم .

 

صفحة (151)

الفقرة (13)

يشترط فقهياً في الساتر المستعمل في الصلاة ،أن لا يكون : 1- شفافاً .2- نجساً .3- مغصوباً .4- ميتة .
5- مما لا يؤكل لحمه . 6- حريراً أو ذهباً للرجال .

ولكل من هذه الشرائط جهة صراحة ورمزية .

فجهة الصراحة في الساتر الشفاف أنه ليس ساتراً ، حقيقة ، بل هو كاشف فعلاً ،وإن كان كشفه نقصاً .

وجهة رمزيته : إن الحجاب قد لا يكون كثيفاً كحجب الظلمة ، بل يكون شفافاً كحجب النور .

وجهة الصراحة في الساتر النجس أو المتنجس :هو لبس اللباس الخالي من الرجس و الدرن ، تأدباً أمام الخالق سبحانه ،وهو الذي يكون المصلي بين يديه .

وجهة الرمز: إن الصلاة معراج المؤمن ، فلا ينبغي له أن يعرج بنفس خبيثة و صفات دانية ، بل لا يمكنه ذلك على الإطلاق.

وجهة الصراحة في الساتر المغصوب : هو أن لا تتضمن صلاته ، جهة أو نوع من الإعتداء على الآخرين ، بل تكون مخلصة .

والغصب نوع من الإعتداء طبعاً.

وجهة الرمز فيه :أنّ لا يعيش الفرد تجاه ربه و تجاه الآخرين متلبساً بصفات غيره .وخاصة إذا كان ذلك الغير كارهاً لهذه الجهة .
 

صفحة (152)

 

وهذا قد يحدث كثيراً ، منها اندراج الفرد تحت زعامة أعلى منه ،فهو يتصف بصفاتها ، ومنها تأثر الفرد بمفكر أو عالم معين في أسلوب تفكيره أو استنتاجاته أو فهمه للحياة ، فهو يتصف بهذه الصفات منه ،وهكذا.

وجهة الصراحة في الساتر الميتة: إن الميتة من أشد أنواع النجاسة في الفهم الفقهي والمتشرعي ، فضرورة طهارة الثياب تشملها بالمنع عنها.

وجهة الرمزية فيها : هو أن لا يكون الفرد مصلياً بقلب ميت من الإيمان ، أو بصفات ميتة من الخير و التضحية من أجل الاخرين وفي سبيل الحق .

وجهة الصراحة في الساترغير المأكول اللحم، وجود تعبد شرعي عام في الإبتعاد عن الحيوان غير المأكول اللحم، من حيث ممارسته ومؤاكلته وزيادة التقرب منه . ولو باعتبار أن كل حيوان لا يجوز أكل لحمه ، فهو من آكل اللحوم ، فهو (سبع)ويشكل خطراً في إيجاد ضرر في الإنسان بقتله أو جرحه أو نقل الأمراض إليه أو غير ذلك.

و جهة الرمزية  في ذلك ، هو الإنسان الذي لا يجوز أخذ العقائد منه أو التشبه بمستواه العادي أو الإيماني ،
أو الإتصاف ببعض صفاته.

وجهة الصراحة في الساتر الحريري أو الذهبي ، هو أنه يمثل تخنثاً او تأنثاً للرجل ، بينما يعتبر جمالاً وكمالاً للمرأة. ومن الواضح أن الصلاة ينبغي أن لا تكون مع الإسفاف و التدني الذي يمثله التخنث في الرجل .

وجهة الرمز في ذلك عدة أمور ، منها : أن لبسه في الصلاة يصد القلب عن التوجه و النفس عن الخضوع و الفرد عن التكامل . في حين يريد الله سبحانه وتعالى لعباده الصلاة النافعة المؤثرة في التوجه والتكامل الحقيقي.

فهذه هي أهم ما يشترط في الساتر فقهياً .
 

صفحة (153)

 

الفقرة (14)

القبلة .

وهي جهة الكعبة ، في الفهم الفقهي و المتشرعي .غير أننا ينبغي لنا الآن إعطاء فكرة عن بعض المعطيات المعنوية للكعبة تارة و للقبلة أخرى .

أما الكعبة المشرفة ، فيمكن أن تكون رمزاً عن أمور معنوية عديدة يمكن أن نذكر منها :  

أولاً : إنها رمز عن الله سبحانه وتعالى ، لأن الناس فس الظاهر يحتاجون إلى هذه الرمزية ، لكن حيث أن الله سبحانه و تعالى لا يشبهه شيء ولا يحده مكان ولا زمان وفقد اختار الله لخلقه أن يكون هذا الرمز مجرد غرفة مكعبة الشكل بسيطة التكوين . لا حاجة فيها إلى الزخرفة و التلوين .لأن المرموز إليه بسيط فينبغي أن يكون الرمز بسيطاً.

ثانياً: إنها رمز عن التوحيد ، بصفته الأهم من العقائد الإسلامية ، وأحبها إلى الله عزّ وجلّ ، كما ورد في الحديث .

وحيث إن معنى التوحيد أمر معنوي ،وبسيط ،إذن فقد اختار الله سبحانه وتعالى له الشكل البسيط ،الخالي من الزخرفة ، والمتعالي المستغني عن الحاجة إليها.

ثالثاً: إنّ الكعبة رمز عن بعض الأهداف الرئيسية التي يجب أن نستهدفها في الحياة ،مما سنذكره في معنى القبلة بعد قليل ، ومن هنا صدق عليها معنى القبلة ، في هذه المرحلة من التفكير ،بكل تأكيد .

وأما معنى القبلة ، فيمكن فيه عدة أمور ، نذكر منها :

أولاً : الكعبة المشرفة نفسها ، بصفتها التطبيق الوحيد لمعنى القبلة ، ولا توجد قبلة غيرها في الظاهر .

ثانياً: إن القبلة هي الكعبة بصفتها رمزاً عن التوحيد ،كما ذكرنا .ومن هنا اكتسبت أهميتها و اعتبرت شرطاً في الصلاة ، التي هي  عمود الدين .
 

صفحة (154)

ثالثاً : إن القبلة هي محل الإستقبال و المقابلة .ومن هنا تقع على معنى ما يستهدفه الفرد في الحياة . ومن الطبيعي أن يجعل الفرد هدفه أمامه في حياته و يكرس له الكثير من أعماله بل كل أعماله ، حسب المستطاع .

والهدف الرئيسي هو الكمال .غير أن ذلك يختلف باختلاف إدراك الأفراد ، أما التكامل النفسي أو العقلي أو العلمي أو الروحي أوغيرها .وهناك بعض السحرة و أضرابهم ممن يستهدفون العالم الأسفل أو عالم الظلام ،ويكرسون جهودهم وجهادهم في سبيله .غير أن الهدف عند الأسوياء من الناس هو التكامل باتجاه الإرتفاع  إلى بعض العوالم العليا الواسعة و المليئة بالنور و الإشراق .

 

الفقرة (15)

وردت بعض النصوص في تفسير فقرات الآذان ، أو إلقاء بعض الضوء عليها أوإعطاء  السبب من تكرارها ، نورد فيما يلي قسماً منها :

فعن أبي عبد الله عليه السلام قال : لما اسري برسول الله ( صلى الله عليه وسلم) و حضرت الصلاة ، أذّن جبريل عليه السلام .فلما قال : الله أكبر الله أكبر .قالت الملائكة : الله أكبر ألله أكبر .فلما قال : أشهد أن لاإله إلا الله قالت الملائكة:خلع الأنداد . فلما قال : أشهد أن محمداً رسول الله . قالت الملائكة :نبي بعث . فلما قال : حيّ على الصلاة. قالت الملائكة : حثّ على عبادة ربه . فلمّا قال :حيّ على الفلاح . قالت الملائكة :أفلح من اتبعه .

وعن الإمام الرضى عليه السلام انه قال : إنما أمر الناس بالآذان لعلل كثرة  منها : أن يكون تذكيراً للساهي و تنبيهاً للغافل وتعريفاً لمن جهل الوقت واشتغل عنه. ويكون المؤذن بذلك داعياً إلى عبادة الخالق ومرغباً فيها ، مقر بالتوحيد مجاهرا  بالإيمان معلناً بالإسلام مؤذناً لمن ينساهما .

وإنما يقال له :مؤذن ، لأنه يؤذن بالأذان للصلاة . وإنما بدأ فيه التكبير وختم بالتهليل ، لأن الله عز وجل أراد أن يكون الإبتداء بذكره و اسمه .
 

صفحة (155)

 

وأسم الله في التكبير في أول الحرف .وفي التهليل في آخره .

وإنما جعل مثنى مثنى  ليكون تكراراً في آذان المستمعين ، مؤكداً عليهم .إن سها أحد على الأول لم يسه عن الثاني. ولأن الصلاة ركعتان ركعتان ،فذلك جعل الأذان مثتى مثنى . وجعل التكبير في أول الآذان أربعاً ، لأن أول الآذان إنما يبدأ غفلة، وليس قبله كلام ينبه المستمع له، فجعل الأول تنبيهاً للمستمعين لما بعد الآذان. وجعل بعد التكبير الشهادتين ، لأن أول الإيمان هو التوحيد و الإقرار لله بالوحدانية .

والثاني الإقرار للرسول بالرسالة . وأن طاعتهما ومعرفتهما مقرونتان .

ولأول أصل الإيمان إنما هو الشهادتان ، فجعل شهادتين  شهادتين .كما جعل في سائر الحقوق شاهدين . فإذا أقرّ العبد لله عز وجل بالوحدانية وأقر للرسول (صلى الله عليه وسلم ) بالرسالة فقد أقرّ بجملة الإيمان لأن أصل الإيمان إنما هو الإقرار بالله ورسوله .

وإنما جعل بعد الشهادتين الدعاء إلى الصلاة لان الآذان إنما وضع لموضع الصلاة . وإنما هو نداء إلى الصلاة في وسط الأذان .ودعاء فيها إلى الفلاح وإلى خير العمل .وجعل ختم الكلام باسمه كما فتح باسمه ، انتهى الخبر .

ونبغي فيما يلي إعطاء فكرة عن معاني فقرات الأذان :

 الله أكبر.

لفظ الجلالة اسم للذات النقدسة الجامعة لكل جهات الكمال وأكبر ، أفعل تفضيل من الكبر . وهناك اتجاه في اللغة لإستعمال أفعل التفضيل بدون قصد المقارنة مع الآخرين . ولعل أوضح تطبيقات ذلك هي هذه الصيغة (الله أكبر) لأن الله لايمكن أن يقاس به شيء . وإن لم يمكن ذلك في اللغة ، فلا أقل أنه قد أريد به ذلك هنا ولو مجازاً . فإنه إن لم يصح هذا الإتجاه حقيقة صحّ مجازاً بلا إشكال .

الكبر - بالكسر ثم الفتح - وهو مادة هذه الصيغة ... وإن استعملت في اللغة بعدة معان : منها التقدم في العمر والضخامة في الجسم والسعة في المكان وغيرها. إلا أنها هنا لا يراد بها شيء من صفات  المخلوقين  لإنتسابها إلى الخالق سبحانه . ومعه يراد بها هنا : العظمة والرفعة والعزة .
 

صفحة (156)

 

والعظمة معلومة ، والرفعة بمعنى العلو و يراد به العلو المعنوي بالكمال بالخلق و التدبير أو بالعلم أو بكل ذلك .
وأما العزة ، فهو الغنى والإستغناء عن الحاجة إلى شيء من المخلوقين أو إلى صفات المخلوقين ، أو إلى الغير مهما كان .

وهذا كله يصدق سوار كان المراد بأفعل التفضيل : فعليه التفضيل . أم مجرد ثبوت الصفة على أعلى حد .

ومعه فيتحصل لهذه الصيغة : الله أكبر عدة مداليل ، منها : الله عظيم -الله أعظم - الله عزيز - الله أعز - الله رفيع 
- الله أرفع - الله رفيع بكماله- الله رفيع بتدبيره - الله رفيع بعلمه - الله رفيع بخلقه ، يعني كونه خالقاً وهكذا .

ومعه فيمكن أن يقال :إن التكرار للتكبير في الآذان ، ليس لأجل كونه بمعنى واحد ، بل هو بمعان مختلفة حسب قصد المتكلم .
 

أشهد ان لا إله إلا الله .

الشهادة هنا هي الإقرار والإعتراف والإذعان بالتوحيد . ولا أقل من إبراز القناعة به ، كما يبرز الشاهد قناعته بما يشهد و يعبر عنه ، وذلك من أجل صحته و كونه حقاً.

ومن هنا قال الله سبحانه وتعالى :"شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائماً بالقسط ". بمعنى أن هذه الصفة هي الحق المطابق للواقع .

وقولنا : لا إله إلا الله .هي صيغة التوحيد المتعارفة . وإن كان يوجد غيرها كقوله تعالى:" الله أحد " .
وقوله :"هو الحق" . وغيرها . إلا أنّ هذه الصيغة : لا إله إلا الله تحتوي على نفي و إثبات ، فيكون مؤداها نفي الشريك ، وهو معنى ملازم للتوحيد .

 

صفحة (157)

غير أن المنفي هنا يختلف بالحثيثية ، من زاوية أن لا النافية للجنس تحتاج إلى خبر مقدر . و أي شيء قدرناه فقد قصدناه . وكل التقدير يمكن أن تكون صحيحة وإن كانت ساكتة أو غير دالة على كل الجهات .

كقولنا : لا إله موجود إلا الله . ولا إله واجب الوجود إلا الله . ولا إله خالق إلا الله ولا إله معبود إلا الله .

ولا إله مستحق للعبادة الحق إلا الله . وهكذا .

وحسب فهمي فإن الصيغ الأخرى الدالة على التوحيد ، كالتي ذكرناها فيما سبق ... هي أفضل من هذه الصيغة ، لإحتواء هذه الصيغة على النفي واحتياجها إلى التقدير وإمكان تقديرات مختلفة . وكل ذلك غير موجود في مثل قوله :الله أحد .

فإن قيل : إن قوله :الله أحد ... لا ينفي الشريك . قلنا : بل ينفي الشريك . لأن مقتضى الأحدية الإلهية هو الوحدانية المطلقة ونفي الشريك ، كما ثبت في علم الكلام والفلسفة والعرفان . كل ما في الأمر أنه غير مبين لفظياً بحيث يفهمه الغافل والجاهل . فقالوا لأا إله إلا الله . ولأجل ذلك بالذات . كان وجود هذه الصيغة في الأذان ، أولى من غيرها من صيغ التوحيد .

واتضح أيضاً وجود عدة معان لها ، باعتبار إمكان تعدد التقديرات فيها.

إذن فتكرارها في الأذان ، لا يعنى أنها جاءت على معنى واحد من جميع الجهات . بل المعنى متعدد، ويمكن أن يختلف باختلاف القصد ، كما قلنا في التكبير .
 

أشهد أن محمداً رسول الله.

تكلمنا عن معنى الشهادة . وقد جاءت في القرآن بعدة صيغ بالنسبة إلى الرسالة ، منها قوله تعالى :" محمد رسول الله والذين معه اِشداء على الكفار رحماء بينهم". وقوله تعالى " والله يعلم إنك لرسوله ". و قوله : "وأرسلناك للناس رسولاً" . وغيرها .
 

صفحة (158)
 

و(محمد) هو نبي الإسلام (صلى الله عليه وآله وسلم) . وظاهر حياته وسنته الشريفة معلومة تاريخياً. إلا أن حقيقته مكتومة. وقد ورد عنه(ص): يا علي ما عرف الله إلا أنا وأنت ، وما عرفني إلا الله و أنت وماعرفك إلا الله وأنا .

وهو(ص) خير الخلق واشرفهم وأعلاهم منزلة وأقربهم عند الله مكانة. فالحمد لله الذي جعلنا على دينه وفي هدي رسالته.

والرسالة لها عدة مستويات ، كلها معنونة بعنوان الإسلام ، فالرسالة الظاهرية هي من أجل الإسلام الظاهري الذي يحقن به الدم ويصان به المال والفرج . ويتفق فيه المسلمون بالشهادة بالتوحيد والرسالة والقرآن الكريم.

والرسالة الإخرى هي دعوة الله سبحانه من اجل الإسلام الحقيقي.

ومن درجات هذا الإسلام : اتلسليم والرضا بكل ما قضى الله وقدر . ومن درجاته إيكال التدبير والفعل في الخلق كله لله عز وجل . قال الله تعالى : إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم و أموالهم بأن لهم الجنة " . و قال :"ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا ، فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات " . ذلك هو الفضل العظيم . وقال : "ممن خلقنا أمة يهدون بالحق و به يعدلون " . غلى غير ذلك من الآيات الكريمات .


حي على الصلاة .

و المشهور تحريك ( حي ) بفتحتين و لها عندئذ في اللغة معنيان :

أولاً : إنها فعل ماض من الحياة . ثانياً: إنها اسم فعل أمر ،بمعنى أقبل أو بمعنى ألزم .

وكل ذلك له معنى في هذه الجملة ، فأما بمعنى : أقبل إلى الصلاة أو بمعنى ألزم الصلاة أو لازمها .أو معنى حصول الحياة من الصلاة ، ويراد بها الحياة الحقيقية المعنوية أو حصول الثواب في الآخرة .

وإذا قرأناها بكسر الياء كانت فعل أمر هنا للتحية ، او بمعنى الفعل المتعدي من الحياة يعني إحي. وكلاهما له معنى في هذه الصيغة أيضاً.

 

صفحة (159)


فتكون بمعنى إرسال التحية إلى الصلاة . أو بمعنى الأمر بإحياء الآخرين وهبتهم الحياة عن طريق الصلاة .

وكذلك الحال في كل هذه المعاني بالنسبة إلى الصيغتين : حي على الفلاح وحي على خير العمل .

والصلاة ، هي هذه الأعمال الإسلامية - وهي عمود الدين إذا قبلت ما سواها وإن ردت رد ما سواها . فليس للفرد عمل صالح إن ترك الصلاة أو بطلت صلاته. و تعبر بعض الخبار عن حقيقة الصلاة . كقوله: الصلاة معراج المؤمن.

والصلاة جنة كل تقي . وإن من صلى ركعتين لا يذكر فيهما غير الله عز وجل خرج من ذنوبه كما ولدته امه. وأنها خير للفرد من الدنيا و ما فيها .

وأنها حبيبة رسول الله (صلى الله وعلى آله وسلم ) وقرة عينه . فقد ورد :"حبب الي من دنياكم ثلاث : الطيب
والنساء وقرة عيني الصلاة" .وانها موجبة لمحو الذنوب التي تقع بينها .وإنها إذا قبلت لم يسأل الله عما سواها ، إلى غير ذلك من المضامين .
 

حي على الفلاح .

الفلاح لا يكون إلا بالهدى و الولاية . ويراد به الفلاح في الآخرة بما فيه التكامل المعنوي .
 

حي على خير العمل .

والخير هنا ، إما بمعنى الصفة أو أفعل التفضيل .لأنها من الصيغ التي لا تصاغ على التفضيل ، وعلى أي حال فيراد بخير العمل : العمل الصالح أو أفضل أشكاله .

 

صفحة (160)

 

والإقامة لا تختلف عن الأذان بالعبارات إلا بزيادة : قد قامت الصلاة . وفيها إشعار بعدة امور منها:

أولاً: إنها شكل من أشكال النية ، على الصلاة التي يعزم الفرد القيام بها .

ثانياً :أنها نحو من الإستبشار بحصول هذا الحادث الجيد السعيد

ثالثاً : إنها طلب من النفس أو من الاخرين بالإستعدتد للصلاة أو التوجه لها .

رابعاً: إنها إخبار بحصول الصلاة المعنوية التي سبق أن أعطينا عنها فكرة، امتثالاً لقوله تعالى :" واما بنعمة ربك فحدث " .

وقد ورد : إنك حين تكون في الإقامة فكأنك في الصلاة . ولم يحملها الفقهاء على الوجوب بل على الإستحباب . ومعناها : أنه يقطع الإقامة كما يقطع الصلاة كالإلتفات والكلام والفعل الكثير ، وانه ينبغي التأدب والتوجه إلى القبلة والتوجه القلبي حين الإقامة كالصلاة .
 

  الفقرة (16)

من مستحبات التوجه إلى الصلاة ما يلي :

قل إذا أردت أن تصلي هذا الدعاء :اللهم إني أقدم إليك محمداً صلّى الله عليه وآله بين يدي حاجتي و أتوجه به إليك. فاجعلني به وجيهاً عندك في الدنا والآخرة و من المقربين .واجعل صلاتي به مقبولة  ذنبي به مغفوراً و دعائي به مستجاباً إنك أنت الغفور الرحيم .

ثم تدعو بنا شئت ، فإنه ورد : إن للفرد دعاءً مستجاباً بين الآذان والإقامة .

ونقول بعد الإقامة اللهم إليك توجهت ومرضاتك طلبت وثوابك ابتغيت وبك آمنت وعليك توكلت .اللهم صلّ على محمد وآل محمد ، وافتح مسامع قلبي لذكرك وثبتني على دينك ودين نبيك ، ولا تزغ قلبي بعد إذ هدتني وهب لي من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب .

 

صفحة (161)
 

ثم أقبل على الصلاة بقلبك واعطف انتباهك إلى عظمة مولاك الذي تناجيه وذلك بين يديه . وكن كانك تراه ، فإن كنت لا تراه فهو يراك . واستحي من أن تكلمه بلسانك وأنت تتجه بقلبك إلى غيره .

ثم قف بوقار وخشوع واضعاً يديك على فخذيك، وألق بنظرك إلى موضع سجودك ، ثم انو الصلاة بقلبك .وأما التكلم النية فهو مرجوح شرعاً لأنه يكون من الكلام الزائد بعد الإقامة التي عرفنا أنها بمنزلة الصلاة .

ثم ياتي دور تكبيرة الإحرام ، وهي تكون بتكبيرة واحدة عادة . ويمكن أن تكون بسبع . بمعنى أنه يمكن اقتصار على واحدة .كما يمكن قصد الواجب بواحدة ويكون الباقي مستحباً ، كما يمكن جعل الجميع مصداقاً للواجب . وفي بعض الإخبار ما يدل على جواز الدخول في الصلاة بثلاث أو خمس . بل وغيرها مما دون السبع .

ويمكن جعل التكبيرات السبع متوالية . كما يمكن فصلها ببعض الأذكار .

كما يلي :

وذلك بأن تكبر ثلاث تكبيرات ثم تقول : اللهم أنت الملك الحق المبين .

لا إله إلا أنت سبحانك إني ظلمت نفسي فاغفر لي ذنبي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت .

ثم تكبر مرتين . وتقول عندئذ : لبيك وسعديك والخير في يديك ، والشر ليس إليك  . والمهدي من هديت . عبدك ابن عبديك ذليل بين يديك . منك وبك ولك وإليك ، لاملجا ولا منجى ولا مفر منك إلا إليك سبحانك وحنانيك تبارك و تعاليت سبحانك رب البيت الحرام .

ثم تكبر مرتين ، وتكون الأخيرة هي السابعة ، وتقول بعدها : وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة حنيفاً وما أنا من المشركين إن صلاتي ونسكي و محياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له و بذلك امرت وأنا من المسلمين .
 

صفحة (162)

وظاهر هذا التسلسل هو جعل هذا الدعاء داخل الصلاة ، ولا بأس بذلك ما دام ذاكراً لله عز وجل .

وإذا أراد المصلي جعل التكبير الواحد واجباً والباقي مستحباً ، لا بد من نية واحدة معينة كتكبيرة للإحرام . وهي إما الأولى أو الأخيرة ، أو أية واحدة من السبع .

ثم يأتي دور الإستعاذة من الشيطان قبل قراءة الفاتحة لأنها من القرآن  الكريم  طبقاً لقوله تعالى:" وإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم " . وهي تشمل بمدلولها داخل الصلاة أيضاً.

فتكون الإستعاذة بقولك :أعوذ بالله من الشيطان الرجيم أو استعيذ بالله . أو بدون وصف (الرجيم) وكله مجزىء .

وعاذ بمعنى لاذ . فيكون المعنى أن الفرد يلوذ بالله و يستجير به من كيد الشيطان و وساوسه ومكره .

ومنهم من ينطق العبارة هكذا : أعوذ بالله السميع العليم من شر الشيطان الرجيم اللعين. وهو ممكن ما دام مجموعه ذكراً لله عز وجلّ.

وصفة ( السميع العليم) هنا ماخوذة من آية أخرى هي قوله تعالى :"وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله انه سميع عليم " . وإما الإضافات الأخرى فلها مبرراتها أيضاً ، وهي لا تخفى على القارىء اللبيب .

وينبغي التدبر والتفكرعند القراءة والإنتباه إلى معانيه،مضافاً إلى الحالة العامة من الخشوع . وقل بعد سورة التوحيد: كذلك الله ربي .لأن أول السورة يتضمن الأمر بشهادة التوحيد. فتكون الفقرة التزاماً بها وشهادة عليها. ومن أساليب ذلك ما ورد عن الإمام الرضا (عليه السلام ) : أنه كان حين يقرا آية  :"قل هو الله أحد ".

يقول بصوت خافت: الله أحد ، يعني كون ذلك امتثالاً لقوله (قل) و التزاماً بمضمونه . وحسب فهمي فإن أحد الأمرين مجزىء و مغني عن الآخر . بل لا معنى للجمع بينهما ، كما لا يخفى ، و إن كان لا يخلو  من وجه ضعيف .
 

صفحة (163)

 

الفقر(17)

قالوا : يستحب التكبير للركوع قبله . ورفع اليدين حالة التكير . ووضع الكفين على الركبتين . ورد الركبتين إلى الخلف ، وتسوية الظهر ، ومد العنق موازياً للظهر . وأن يكون نظر الفرد بين قدميه . وأن يجنح بمرفقيه . وأن يضع يده اليمنى على الركبة قبل اليسرى ، وأن تضع المرأة كفيها على فخذيها. وتكرار التسبيح ثلاثاً أو خمساً أو سبعاً أو أكثر .وأن يكون الذكر وتراً وأن يقول قبل التسبيح : اللهم لك ركعت ولك أسلمت وعليك توكلت . وأنت ربي. خشع لك قلبي وسمعي وبصري وشعري وبشري ولحي ودمي ومخي وعصبي وعظامي وما أقلته قدماي، غير مستنكف ولا مستكبر ولا مستحسر. ثم يسبح ويصلي على النبي وآله .

ويستحب أن يقول للإنتصاب بعد الركوع : الله أكبر وأن يقول : سمع الله لمن حمده . وأن يضم إليه : اهل الجبروت والكبرياء و العظمة . والحمد لله رب العالمين
ويكره ان يطأطىء رأسه أو يرفعه إلى فوق . وأن يضم يديه إلى جنبه وأن يضع إحدى الكفين على الأخرى ويدخلها  بين ركبتيه . وأن يقرأ القرآن في الركوع . وأن يجعل يديه تحت ثيابه ملاصقة لجسده .
 

   الفقرة (18)

 وقالوا في مستحبات السجود :

إنه يستحب في السجود التكبير حال الإنتصاب بعد الركوع . وقد سبق أن ذكرناه . ويستحب رفع اليدين حاله.  والسبق باليدين إلى الأرض .

واستيعاب الجبهة في السجود عليها. والإرغام بالأنف . وبسط اليدين مضمومتي الأصابع حتى الإبهام حذاء الأذنين متوجهاً بهما إلى القبلة . وشغل النظر إلى طرف الأنف حال السجود.
 

صفحة (164)

 

والدعاء قبل الشروع في الذكر فيقول :اللهم لك سجدت و بك آمنت ولك أسلمت وعليك توكلت وأنت ربي. سجد وجهي للذي خلقه وشق سمعه وبصره .الحمد لله رب العالمين .تبارك الله احسن الخالقين. ويستحب تكرار الذكر والختم على الوتر . واختيار التسبيحة الكبرى وتثليثها والأفضل الخمس والسبع فأكثر .

وأن يسجد على الرض بل التراب . ومساواة موضع الجبهة للموقف. بل مساواة المساجد لهما أيضاً. والدعاء في السجود بما يريد من حوائج  الدنيا والآخرة ، خصوصاً الرزق. فيقول : يا خير المسؤولين ويا خير المعطين ارزقني وارزق عيالي من فضلك فإنك ذو الفضل العظيم . أقول :العطاء المادي والمعنوي الدنيوي والأخروي كله من الرزق، ويمكن قصده بمثل هذا الدعاء.

ويستحب التورك في الجلوس بين السجدتين و بعدهما ، بأن يجلس على فخذه اليسرى جاعلاً ظهر قدمه اليمنى على باطن اليسرى . وأن يقول في الجلوس بين السجدتين : استغفر الله و أتوب إليه .

أقول : إنما يكون الأستغفار لكون الرفع من السجود عاجلاً مرجوحاً والإطالة مطلوبة .والسجود هو غاية الخضوع لله سبحانه والمفروض الدوام على هذه الحالة ، وعدم انقطاعها . فإذا انقطع بشيء من شغل الدنيا ، كان الإستغفار مستحقاً.

هذا : ويستحب أن يكبر بعد الرفع من السجدة الأولى بعد الجلوس مطمئناً ، ويكبر للسجدة الثانية وهو جالس . ويكبر بعد الرفع من الثانية أيضاً. ويرفع اليدين حال التكبيرات . وضع اليدين على الفخذين حال الجلوس ، اليمنى على اليمنى و اليسرى على اليسرى .وتوجيه النظر إلى حجره. والتجافي حال السجود على الأرض. والتجنح بمعنى أن يباعد عضديه عن جنبيه ويرفع ساعديه عن الأرض ويؤخر كفيه عن رأسه . وأن يصلي على النبي وآله في السجدتين .
 

صفحة (165)

 

ثم يقوم للركعة الثانية أو الرابعة ، رافعاً ركبتيه قبل يديه ، وأن يقول بين السجدتين: اللهم اغفر لي و ارحمني وادفع عني .إني لما أنزلت إلي من خير فقير . تبارك الله رب العالمين .

وأن يقول عند النهوض : بحول الله  وقوته . و يضيف إليها : أقوم وأقعد . ويضيف إليها : وأركع وأسجد . ويجب أن يكون ذلك بتتابع بالكلام وإلا بطلت صلاته لكون العبارات الأخيرة ليست ذكراً ، فتبطل الصلاة بالكلام الزائد ، ما لم يكن ملتحقاً بالذكر السابق بالتتابع .

ويستحب للمرأة وضع اليدين بعد الركبتين عند الهوي إلى السجود ، وعدم تجافيهما ، بل تفرش ذراعيها وتلصق بطنها . وتضم أعضاءها ولا ترفع عجيزتها حال النهوض للقيام ، بل تنهض معتدلة .

ويكره الأقعاء في الجلوس بين السجدتين ، وبعدهما ايضاَ. وهو أن يعتمد بصدر قدميه على الأرض ويجلس على عقبيه. ويكره نفخ موضع السجود إذا لم يتولد منه حرفان وإلا لم يجز .وأن لا يرفع يديه عن الأرض بين السجدتين. وأن يقرأ القرآن في السجود .

 الفقرة (19)

من أنواع السجود : سجود الشكر .

ويستحب عند تجدد كل نعمة ، ودفع كل نقمة ، وعند تذكر ذلك ، والتوفيق لأداء كل فريضة ونافلة ، بل كل فعل خير. ومنه إصلاح ذات البين و قضاء حوائج الاخرين .

ويكفي فيه سجدة واحدة ، والأفضل السجدتان . فيفصل بينهما بتعفير الخدين أو الجبين أو الجميع ، مقدماً الأيمن على الأيسر ثم وضع الجبهة ثانياً.

 

صفحة (166)