كتـاب الصـوم

 

  الفقرة(1)

 في معنى الصوم :

الصوم لغة: هو الإمساك ، وشرعاً : وهو الإمساك عن المفطرات مع النية ، والإمساك : هو الكف عن أي شيء قد يرغب فيه الإنسان ، يقال :أمسك عن الكلام أو عن المشي ، يعني تركه . وكذلك الإمساك عن المفطرات في الصوم أو لأجل الصوم ،إنما هو تركها . والصوم تطبيقاً أو عملياً ليس إلا مجموعة تروك ، ولا يحتوي على معنى إيجابي أو عملي إلا النية .

ومن هنا كان له أهمية خاصة على عدة مستويات نذكر منها ما يلي :

المستوى الأول : إن الصوم مع اقترانه بقصد القربة إلى الله عز وجل ، يعني رمزية واضحة عن الإمساك من اللذات الحرمة وكف النفس عنها والصبر على تركها . سواء منها اللذائذ الحرمة على مستوى الفرد الإيماني ، أو اللذائذ والانفاعلات النفسية التي يكون في تركها تكاملاً معنوياً مرضياً لله عز وجل .

ولهذا التروك عدة مستويات قد تصل بنا مع عمق درجة الإيمان وصفاء القلب ، إلى ترك التوكل على غير الله ، وترك الخوف مما سواه وترك ذكر غيره من الأسباب والمسببات ، وترك التوجه إلى كمال غير ما يوجبه عطاؤه . مع ترك التوجه ، إلى حب الدنيا وطلب لذائذها وزخارفها ومغرياتها بطبيعة الحال . وكل فرد ينال من ذلك بمقدار ما أوتي من ثقافة ووعي وإيمان ، وما أوتي توفيق وتسديد .

ولذا ورد : إن الدنيا للمؤمن صوم يوم . ويراد بالصوم الإمساك عن اللذائذ . وباليوم الحقبة الزمانية المعنية التي يكون الفرد فيها يعيش الحياة الدنيا، وإفطاره يكون في الجنة  .

وفي نحو ذلك ينسب إلى رابعة العدوية :

       تركت الخلق طراً في هواكا          وأيتمت العيال لكي أراكـا

       فلو قطعتني في الحب إرباً            لما مال الفؤاد إلى سواكا   
 

صفحة (253)
 

المستوى الثاني :

إن الصوم يكاد أن يكون هو العبادة الوحيدة التي يمكن أن تبقى مكتومة عن غير الله سبحانه وتعالى لانعدام المظهر الخارجي للصوم ، لأنه لا يحتوي على أي حركة أو تصرف ، بينما الصلاة تحتوي على حركة وتصرف . كما لا يحتوي الصوم على طرف آخر ، وإنما يستقبل به الفرد لنفسه . بينما كثير من العبادات كالزكاة والخمس والجهاد والأمر بالمعروف بل والحج أيضاً تحتوي على طرف آخر ، بل لا يمكن إنجازها إلا بذلك .

 

فالزكاة فيها الفقير الذي تعطية المال ، والأمر بالمعروف فية المذنب الذي تنهاه عن المنكر ، والحج فية الرفيق الذي الرفيق يدلك على الطريق . بينما الصوم لا يحتوي على شيء من ذلك.

والمعاملات كلها على الاطلاق تحتوي على أكثر من طرف واحد ، سواء منها العقود أو الإيقاعات . فالعقود كالبيع والإجارة فيها الطرف الآخر كالمشتري والمستأجر . والإيقاعات كالعتق والطلاق ، فيها الآخر كالزوجة والعبد .

وإنما الفرق بين العقود والإيقاعات أن العقود لا تكون إلا برضا أكثر من فرد واحد . بينما الإيقاع ينفذ من شخص واحد ، ويؤثر في الآخر سواء رضي ام غصب ، وسيأتي الحديث عن جهاتها الأخلاقية في محلها من هذا الكتاب بحسن التوفيق إن شاء الله تعالى .

هذا ، بينما نرى الصوم خالياً من طرف آخر . ومن هنا يمكن أن يكون عبادة سرية عن كل البشر لا يطلع عليها إلا خالقها سبحانه وتعالى . وفعلاً نجح الكثيرون ممن يودون كتم عباداتهم بالأسرار بهذه العبادة المباركة .

ومن هنا ورد في الحديث القدسي : الصوم لي وأنا أجري به .

أما أن الصوم لله سبحانه ، فلانه يمكن أن يكون مكتوماً عمن سواه ، كما عرفنا . فيتمحص لله عز وجل  ، ويكون خالياًَ من الرياء والدوافع الدنيوية جميعاً . وأما سائر العبادات فقد لا تكون لله أو لا تتمحض له عز وجل بالشكل التام المرضي له تعالى . لأن لها مظاهرها الخارجية التي يمكن أن يطلع عليها الآخرون .

 

صفحة (254)

 

صحيح ان الصوم يمكن أن يُعلن ، كما أن الصلاة يمكن ان تكتم أو أي عبادة أخرى ، إلا أن الأفضلية مع ذلك تبقى للصوم لأنه فيه أي مظهر يمكن الاطلاع عليه . وأما إذا بنيناه على المعلوم ، فيكون لهذه الفقرة عدة أساليب من الفهم نذكر بعضها  :

الأسلوب الأول :إن الله سبحانه يجزي على الصوم بمعنى أنه يعطي الثواب عليه . وبهذا لا يفترق الصوم عن غيره من العبادات التي يعطي الله عليها أنواع المثوية .

ومعه تكون هذه الفقرة غير خاصة بالصوم ، الفقرة الأولى خاصة به .

الأسلوب الثاني : إن الله سبحانه يستقل دون عباده وخلقه من الملائكة أو الأولياء أو غيرهم ، بإعطاء الجزاء للعبد. فبينما يكون جزاء العبد في سائر العبادات على الخلق وبواسطتهم ، فإنه يكون في الصوم  على الله عز وجل مباشرة .

وهذا يعني عدة أمور ، منها : كثرة العطاء ، لأن العطاء الوارد من الله سبحانه لا شك أجزل من العطاء الوارد من المخلوقين ، وإن انتسب إلى الله في نهاية المطاف .

ومنها كتم العطاء على الآخرين . فكما أن العبد يعطي لربه عبادة مكتومة هي الصوم . كذلك الله يعطي لعبده ثواباً مكتوماً عن الآخرين . وهذا فيه للعبد معنوية لا يعرفها إلا ذووها .

هذا إذا بنينا الفقرة في الحديث الشريف للفاعل المعلوم .

 

صفحة (255)

أما إذا بنيناها للمجهول ، فستكون المسألة ألطف وأعجب ، لأن معنى قوله : وأنا أجزي به ، أن الصوم بنفسه سيكون جزاء من العبد لربه على نعمه وأفضاله .

والله سبحانه غني عن العالمين لا يمكن أن يصل إليه النفع والجزاء من أحد. وإنما هو معنى مجازي يمثل أهمية الصوم إلى درجة تصلح أن تكون جزاء لله عز وجل بإزاء نعمه اللامتناهية وآلائه المتواترة المستمرة .

ومن هنا نرى أن الحديث تفخيماً للصوم من جهة أخرى ، وهي أن آلاء الله غير محدودة ، فلا يمكن أن يكون جزاؤها عبادة محدودة مهما كانت صفتها . وإنما إعطاء التفخيم والأهمية للصوم إلى هذه الدرجة ، جعله الله بكرمه ورحمته كذلك .

ولكن لا ينبغي أن ننسى ، أن ما جعله الحديث الشريف جزاء لنعم الله سبحانه ، ليس كل صوم ، بل الصوم المكتوم حن قال : الصوم لي . يعني الذي لا يعلمه غيري .

ومن الممكن القول بهذا الاعتبار : إن العبادة مع تمحضها لله عز وجل ستكون ، من الناحية المعنوية ،غير محدودة، بخلاف العبادة التي تشوبها الشائبة أو الشوائب ، فإنها بذلك ستكون عبادة محدودة أو بالأحرى هزيلة ، لا تصلح أن تكون جزاء لنعم الله العظيمة .

إذن ، فالصوم المكتوم لا محدود ، فيمكن أن يكون جزاء للنعم غير المحدودة .

 

ولا يخفى على أية حال ، أن في هذا تسامحاً ورحمة ، من جهة الله سبحانه على عبده ، أكثر من استحقاق  المورد مهما كان عظيماً . لأن الله عز وجل لا يمكن حقيقة أن تجازى آلاؤه أو تشكر نعماؤه أو يطاع حق طاعته ، كما ورد ذلك في الأخبار .

وإنما هذا الباب من قبيل ماورد : إذا رضي الله عز وجل عن العبد رضي منه بالقليل من العمل .

 

صفحة (256)
 

 المستوى الثالث :  من مصالح الصوم العامة .

أنه يذكر بجوع يوم القيامة وعطشه ، فإن أكثر طبقات الناس ، في يوم القيامة ، سوف يوقفون طويلاً للحساب، ويعانون الكثير من الحر والجوع والعطش ، حسب استحقاقهم في الحكمة الإلهية . وإن كان هذا ليس عاماً لكل واحد، فهناك من يحشر إلى الجنة بغير حساب وهناك من يحشر إلى النار بغير حساب ، باعتبار أنه مستغن عن الحساب وواضح النتيجة قبل التصدي لحسابها , غير أن غلب الناس سوف لن يكونوا كذلك بل سوف يحاسبون على أي حال ، إما حساباً يسيراً وإما بسوء الحساب او بأي نحو آخر كل حسب استحقاقة .

والمهم ان الجوع والعطش خلال الصوم ، مما يحصل غالباً لأي فرد فيذكره بذلك الجوع والعطش . كما أن الحرارة التي يعانيها الصائم إن كان الوقت صيفاً ـ يذكره بحرارة يوم المحشر وحر النار . أعوذ بالله من كل ما لا يرضي الله سبحانه .

 

غير أن إنتاج هذه النتيجة تحتاج إلى أمرين :

الأمر الأول : ان يعاني الصائم فعلاً ، ولو من الجوع والعطش . أما إذا بات وطعامه وشرابه ذو انواع كثيرة وأصناف عديدة مما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين . فهذا ممن زاد بطراً وغفلة وتمسكاً بدنياه في حال صومه عن حال إفطاره ، فإنه في حال الإفطار لم يكن يتناول مثل هذه الأطعمة ، فما حداه ان يفعل ذلك في الصيام ؟

وفي مثله من الصعب جداً أن يكون صيامه منتجاً لمثل هذا المستوى من الفكرة ، أعني مذكراً بجوع وعطش يوم القيامه .

الأمر الثاني: ان مجرد التذكر الجوع وعطش يوم القيامه بنفسه ، ليس فيه فائدة كبيرة ، مالم ينزل إلى حيز التطبيق. فيصحح به سائر أعماله فيترك غير المرضي ويسلك السوك المرضي ، ويتوجه إلى ربه حق التوجه . وعندئذ يكون قد أنتج صومه لله النتيجة المطلوبه على هذا المستوى .
 

صفحة (257)
 

 المستوى الرابع : من مصالح الصوم العامة :

أنه يذكر بجوع الفقراء وعطشهم . وبالتالي يذكر بمجمل أحوالهم لمن لم يكن منهم .

وهذا أيضاً ينبغي أن يقترن بما يشبه الأمرين السابقين للمستوى السابق لكي يكون منتجاً ، فهو يتوقف على عدم الإسراف في الطعام والشراب إلى حد يزداد على حال الإفطار، وإلا كان من الصعب الالتفات إلى حال الفقراء . مضافاً إلى أنه لا يكون منتجاً ، ما لم يكن له نتيجة عملية ، وهي مساعدة المحتاجين ورفع حاجة المعوزين ، وأما إذا التفت الفرد الموسر إلى حال الفقراء ، فاستمر على بخلة وإعراضه وتكبره ، فسوف يزداد سواءاً ولعنة وبعداً عن الإيمان ، وسيكون صومه منتجاً ضرورة لا لنفعة .

وأما إذا كان حين ذكر الفقراء أبرهم وأكرمهم ،إذن ، فقد أضاف إلى إحسانه إحساناً وإلى لطفه لطفاً . ويكون صومه منتجاً لنتيجة الجيدة على هذا المستوى .

المستوى الخامس : لمصالح الصوم .

أنه يذكر بأحوال الدنيا لمن كان غافلاً عنها ، وما أكثر الغافلين !

فإن الدنيا نزول وصعود وأحوال متقلبة وصفات مختلفة ، لا تستقر بحال ولا تدوم فيها الأحوال . فالفرد تارة يجوع وتارة يشبع ، وهو مرة يصح وتارة يمرض وهو مرة يشب وأخرى يشيب وهو تارة يثرى وأخرى يفقر ، إلى غير ذلك .

وأيام الصيام كذلك ، فإن الفرد خلال صومه يعاني الجوع والعطش غالباً ، بينما نراه في الليل شابعاً راوياً يسعد بالراحة واللذة النسبية . فقد رأى تحول الأحوال في يوم واحد ، فكيف بتحولها في الأيام التعددة والسنين التمادية .


صفحة (258)

المستوى السادس : إن الصوم بما فيه كف للنفس عن الطعام والشراب ، وغيرها من المفطرات ، يمكن أن يعود الفرد على درجة مهمة من قوة الإرادة والتحمل والصبر في المعاناة . الأمر الذي يسهل عليه تحمل معاناة أخرى وأخرى ، مما تتطلبه حياته الدنيا.

فإن في الدنيا بلاء وفيها مصاعب شخصية وفيها مصاعب أسرية ومصاعب اجتماعية ومصاعب دينية وغير ذلك ، فإنها لا تصفو لأحد ، ولا يستقر حالها بأي زمان ومكان .

والفرد يحتاج إلى قوة في الإرادة والصبر لتحمل هذه المصاعب . والمطلوب دينياً ، ليس هو كل صبر بل الصبر الذي معه رضا وتسليم وشكر لله عز وجل . وإلا فما أكثر الناس الذين يواجهون المصاعب بصبر ولكنه بنعمائه وآلائه . فهذا الشكل من الصبر ليس مطلوباً دينياً ، بل هو يضر صاحبة في الآخرة بكل تأكيد .


والمهم ،أن الصوم طاعة لله عز وجل ، سوف يربي الإرادة والصبر إلى الجهة الصحيحة المطلوبة ، دينياً . وعندئذ سيكون الفرد صابراً محتسباً راضياً شاكراً لتكون آخرته آخرة فاخرة .

المستوى السابع : أن الصوم موجب لغفران الذنوب السابقة ، مع اجتماع الشرائط فيه . وهذا أحد المعاني الأساسية للحديث الشريف القائل : الصوم جنة من النار .أي مانع عنها .فإن الذنوب توجب العقوبة بالنار ، والصوم يوجب غفران الذنوب والمنع عن العقاب .

 

المستوى الثامن  : إن الصوم يوجب تطهير القلب وصفاء النفس على عدة مستويات :

منها : ان الطعام والشراب قد يحتوي على شبهات ومحرمات ، الأمر الذي يوجب قوة القلب وظلمانية النفس . فإذا جاء الصوم وأمسك الفرد عن مثل هذا الطعام  والشراب ، أوجب ذلك قلة في القسوة وانكشافاً من ومنها : أن ثقل بالطعام والشراب ، موجب للثقل في السير المعنوي في طريق الإيمان واليقين . وكلما كانت المعدة أخف كانت الروح أكثر شفافية والنفس أسرع طيراناً إلى عالم النور .


صفحة (259)
 

وهذا من أهم تفسيرات الحديث القدسي الشريف : من جاع بطنه وكف لسانه آتيته الحكمة . الخ . وكذلك هو أهم تفسيرات الحديث الشريف : ( الصوم جنة من النار ) ، إن قصدنا من النار : نار الشهوات والجحود.

واعتقد إنه يكفينا هذا المقدار من مستويات المصالح لهذه الفريضة المقدسة : الصوم . مع العلم أننا لم نلم بمصالحها إلا قليلاً . بمقدار ما يوفق الله من مقدار الحكمة في تشريعة الجليل . وكما قال المثل : إن ما خفي عليك أكثر .

على أن لهذه المستويات التي ذكرناها أنفسها تطبيقات عملية ونظرية عديدة ، يمكن أن توصل القارئ اللبيب إلى سعة في التفكير ، أكثر مما تحويه العبارات .

 

  الفقرة (2)

في معنى الإفطار والمفطرات :

يحتوي الإفطار على قطع الصوم ، بأي معنى أخذناه وبأي رمز رمزناه . وذلك لوضوح أن الصوم انقطع الإمساك ، وإذا انقطع الإمساك انقطع الصوم لأن الجزء الأساسي حقيقته يكون قد انتفى . وقد عرفنا أن حقيقته مركبة من الإمساك والنية .

فإذا كان الصوم ، كما هو كذلك في الفقه ، هو الإمساك عن المفطرات المشروحة هناك، كالطعام والشراب والنكاح. كان مستحباً فقد فوّت المستحب . 

صفحة (260)
 

وإن أخذنا الصوم بمعنى الإمساك او الإعراض عن لذائذ الدنيا المحرمة . كان معنى الإفطار ممارسة شيء من ذلك، وهو إفطار محرم بطبيعة الحال ، لأنه إفطار على محرم .

وإن أخذنا الصوم بمعنى الإمساك أو الإعراض عن لذائذ الدنيا عموماً أو إسقاط اهميتها عن نظر الاعتبار كان معنى الإفطار ممارسة بعض تلك اللذائذ .

والحكم فيه أنه ليس محرماً من الناحية الفقهية بطبيعة الحال ، لأن ترك اللذائذ عموما ً غير واجب .

نعم ، يكون هذا الإفطار مفوتاً  للغرض الذي من أجله ، التزام الفرد يترك اللذائذ وأعرض عن حب الدنيا . وهو قد يكون غرضاً أو هدفاً شريفاً مهماً ، يفوت نيله بهذا الإفطار ، كما قد يتأخر الوصول إليه في كثير من الأحيان .

ولعلك يفوت يخطر في ذهنك قوله تعالى : ( قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق . قل هي اللذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامه) . وإن هذه الآية الكريمة بمنزلة عرض اللذائذ غير المحرمة على المؤمنيين . وأنها تعطيهم الضوء الأخضر ، من جهة تناولها واستخدامها .

فإذا أضفنا إلى ذلك أن الطعام والشراب ونحوه مما يقوي الجسم ، فيكون معيناً على الله سبحانه . فلماذا يكون هذا المؤلف الحقير داعياً إلى الزهد والانصراف عن اللذائذ وعن الحياة الاجتماعية الاعتيادية.

غير أنه يمكن الجواب على مثل هذا السؤال على عدة مستويات :

 

المستوى الأول : إن ما قاله السائل صحيح مئة بالمئة على مستوى ظاهر الشريعة ، من تربية الأكثرية الكاثرة في المجتمع ، ممن يقتصر على واقعة الإيماني ، ولا يريد الزيادة.


صفحة (261)

المستوى الثاني : إن الخطوة الجديدة نحو الزيادة لا تتضمن بحال حرمة الالتزام أو التنازل من اللذائذ . ولذا يبقى قوله تعالى : ( قل من حرم زينة الله ) ساري المفعول . كل مافي الموضوع : أن الزيادات الإيمانية لا يمكن أن تستهدف يغير تضحية وتنازلات .  وقد قال الشاعر :
 

        ومن طلب العلى من غير جد        أضاع العمر في طلب المحال .
 

ومن الواضح للجميع : أن الزهد هو الخطوة الأولى لتلك الأهداف لا محيص عنه ولا مجال لغيره ، نعم ، وهو ليس  هدفاً نهائيا ً، بل مقدمة موقته لنيل ما بعده .وقد ورد في الدعاء : (اللهم أخرج حب الدنيا من قلوبنا ) .
وورد : ( الله لا تجعل الدنيا غاية همنا ولا مبلغ علمنا) .

المستوى الثالث : إن هذا الزهد لا يعني غالباً : البعد عن المجتمع والانصراف عن الاختلاط بالناس . وإن كان قد يحدث أحياناً ، ويصورة موقته لبعض الأشخاص .

غير أن الصحيح هو أن الطعام والشراب من ناحية واللباس والسكن من ناحية ثانية ، والاختلاط بالمجتمع من ناحية ثالثة ، كل منها لها أحكامها وترتيبها في الشريعة ، ولا يمكن خلط بعضها في بعض و تحميل حكم بعضهاعلى بعض. فإذا حكمنا مثلاً برجحان الزهد من ناحية العلاقات الاجنماعية .

المستوى الرابع : أنه يمكن أن نقدم للآية الكريمة خطوات من الفهم بحيث لا يكون مؤداها بعيداً عن المفهوم العام.
 

الخطوة الأولى : إن قوله تعالى ( من حرم ) استفهام استنكاري ، يفيد النفي . وقد يراد أنه لا أحد غير الله حرمها إذ ليس لأحد حق التشريع سواه .

 

الخطوة الثانية : إن قوله تعالى (زينة الله ) لا يريد به الطعام والشراب ، بل ولا اللباس والعطور ، وإنما يراد به أمور معنوية بعضها ظاهر كمنظر الوقار والرشد ، أو بهاء الوجه ، وبعضها نفسي أو قلبي لا يراه العامة .

صفحة (262)
 

الخطوة الثالثة : إن قوله تعالى : ( الطيبات من الرزق ) .لا يراد بها الطيّب أو اللذة الدنيوية النظر أو الشم أو الذوق. لأن كل الطيبات الدنيوية لا شك أنها منوطه ومخلوطة بالكدر والنقصان والمصاعب . وإنما الطيبات الحقيقية قي الطيبات المعنوية النورية التي لا كدر فيها ولا ظلام . فتلك هي الطيبات من الرزق التي أعطاها الكريم سبحانه إلى عباده المؤمنين ، بنص الآية الكريمة .

 

الخطوة الرابعة : إن قوله تعالى : ( خالصة يوم القيامة ) . يعطينا فهماً على أن هذه الطيبات المشار إليها في الآية ليست خالصة في الحياة الدنيا ، وإنما هي مشوبة .

وهذا له عدة تفاسير : منها :
 

أولاً : إن المراد بالطيبات : اللذائذ الدنيوية ، لأنها هي المشوبة كما قلنا دون المعنوية .

 

ثانياً : إن المراد بالخلوص في قوله ( خالصة) ليس هو ( التكامل ) بل هو ( التمحض ) . بمعنى ان هذه الطيبات في الحياة الدنيا ليست متحضة للمؤمنين ، بل هي مشتركة بينهم وبين غيرهم من الكفار ، في حين ستكون في يوم القيامة متحضة لهم .

 

ثالثاً : إن المراد بالطيبات ـ كما سبق ـ : الجانب المعنوية منها وهي تصل إلى المؤمن في الدنيا . ولكنها لا تصل وصولاً كاملاً ومستمراً ، بل يكون مشوباً بالإلتفات إلى الدنيا والغفلة عن الآخرة أحياناً أو في كثير من الأحيان .

 

ومقتضى سياق كلامنا هو اختيار هذا الفهم الثالث . وهو إنما يتعين بالقرائن التي نستطيع إقامتها في الخطوات السابقة أو اللاحقة لهذه الخطورة . وحسبنا هنا أننا أشرنا إلى إمكان فهمه ، وإن كان الوجدان الإيماني للفرد ، يحكم بصحته ، دون ما سواه ، بغض النظر عن أي شيء آخر .


صفحة (263)

 

الخطوة الخامسة : إن قوله تعالى : ( خالصة يوم القيامة) يثير التساؤل عما يكون هو الخالص يومئذ .

هل هو طيبات الدنيا ، أو اللذائذ المادية . أو هو الطبيات المعنوية ؟

وهنا لا يحتمل أن يراد بها الطبيات المادية . لأنها جزماً لا تكون متوفرة في يوم القيامة . فإن كانت تتوفر ففي الجنة للمؤمنين ، لا في يوم القيامة ، كما تنص الآية الكريمة . ولا نستطيع أن نفهم من يوم القيامه دخول الجنة ، لأنه خلاف الظاهر جزماً ، فيتعين أن يراد بها الطيبات المعنوية .

وقد يخطر في البال أننا لا بد أن نفهم من يوم القيامة في الآية دخول الجنة ، لأن ذلك هو الظرف المناسب لأن يكون أي نوع من الطيبات خالصاً للمؤمنين . وأما في يوم القيامة ، فيكون الناس مشغولين بالكتاب والحساب والعذاب ، فكيف ستكون الطبيات خالصة لهم يومئذ .

وإذا فهمنا من يوم القيامة : دخول الجنة أمكن أن نفهم من اللذائذ نوعها المادي .
 

وجوب ذلك أن انشغال الناس يوم القيامة ، لا يكفي قرينة على أن نفهم منه دخول الجنة . لوضوح : أنه ليس كل الناس منشغلين بذلك المعنى . نعم ، يكون المنشغل خالاً من الطيبات بأي معنى كان . ولكن عدداً لا يستهان به ، سيكون ناجياً من ذلك ، وهم الذين يحاسبون حساباً يسيراً أو لا يحاسبون على الإطلاق ، أو تنالهم الرحمة أو الشفاعة بسرعة ونحو ذلك . كل حسب استحقاقة . وهؤلاء هم المؤمنون المشار إليهم في الآية الكريمة .وهم لن يكونوا منشغلين عن تلقي الطيبات ، مهما كان نوعها . فإن علمنا ـ كما علمنا فيما سبق ـ أن الطيبات المادية غير موجودة يوم القيامة جزماً . إذن يتعين أن يراد بها الطيبات المعنوية طبيعة الحال . ويكفي في ذلك كا أشرنا إليه من زوال الحساب أو كونه يسيراً أو تلتقي العفو والغفران او الشفاعة أو إعطاء المؤيد من الثواب أكثر من الاستحقاق وغير ذلك من الأمور . 


صفحة (264)

الفقرة (3)

 في معنى الهلال من الناحية المعنوية .

يمثل أو القمر عملياً ، المصدر الثاني أو الأضعف ، للضوء ، على سطح الأرض بعد الشمس . ويتصف بخصيصتين واضحتين ، وإنما نشير إليهما تذكيراً :

الأولى : إنه يشرق في الليل حين الحاجة إلى الضوء بعد أ، تكون الشمس قد غابت والنهار قد زال .

الثانية : إنه يبدأ صغيراً ثم يتكامل على مدى الليالي التالية حتى يصبح بدراً ، ثم يبدأ بالتضاؤل من جديد إلى درجة المحاق .

والاستهلال ، كما هو معلوم ، هو محاولة رؤية ذلك الهلال الضعيف في أوائل ساعات  ولادته بكل ما أوتيت العين من طاقة وقدرة على الإبصار .

ولهذه الصفات ،عدد من التأويلات المعنوية ، نشير إلى واحد منها وهو إمكان أن يكون ذلك إشارة إلى إيمان الفرد المؤمن أو النفس الإيمانية الموجودة في باطنه .

بينما الشمس تمثل المصدر الخارجي الإشعاع الإيماني للفرد ، وهي الكتاب والسنة أو قل هو : من جاءنا بالكتاب والسنة ، وهو نبي الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم فهم الشمس الحقيقية التي تشع بنور الحقيقة للعالم كله .

فبينما الشمس تمثل بهذ المعنى ،يكون رد فعلها الإيجابي في نفس الفرد هو القمر ، ومن هنا قالوا : إن القمر يأخذ نوره من الشمس .

والقمر يشرق في الليل عند حاجة الفرد إلى الضوء ، وكذلك الحال في القمر الإيماني المعنوي . فإن النفس بعد ممارستها لإمور الدنيا  ستكون في ظلام وغفلة ، ولا يكون هنا منفذ في رحمة الله سبحانه وتعالى غير وجود هذا  النور الإيماني في قلب الفرد . قال الله سبحانه : ( إن الذين امنوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون ) وقال عز من قائل : (الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور ) .

صفحة (265)
 

كما أن الإيمان في قلب الفرد ، كالقمر ، يبدأ في التسلسل المعنوي صغيراً (هلالاً ) . ثم كلما تقدم الفرد في عمله في الطاعة أو في ثقافته الدينية أو نحو ذلك ، اتسع نور الإيمان في قلبه إلى حد يصبح بدراً متكاملاً ، يملأ نوره النفس والقلب ، يهديها إلى الصراط المستقيم .

والاستهلال ، هنا هو المحاولة الجادة لرؤية الدرجة الضعيفة من الإيمان في أول وجوه ، أو من اليقين في أول حدوثه . توخياً من الفرد  للعطاء الجديد من الله سبحانه وتعالى ، مهما كان قليلاً ، وهذا مل يحس به وجداننا في باطن النفس وليس برؤية العين الاعتيادية بطبيعة الحال .

وكذلك يستمر الفرد المؤمن يراقب نمو الهلال ، والنور الإيماني في نفسه ، وتتحصل له البهجة بذلك . قال تعالى :
( قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا ، هو خير مما يجمعون ) 

والبدر الإيماني في داخل النفس ، بعد حصوله وتكامله ، لا يكون قابلاً للأفول والنقصان ، بل هو بدر مستمر وخالد وليس كالقمر الاعتيادي يعود صغيراً في كل شهر . لأن القمر الإيماني إنما هو درجات الجنة . و(أصحاب الجنة هم فيها خالدون ) . وقال : ( خالدين فيها أبداً ) . وقال : ( لهم ما يشاؤون عند ربهم ولدينا مزيد ) .

 

إلا أننا مع ذلك لا نعدم الفهم الرمزي للتضاؤل التدريجي إلى حد يصل إلى المحاق كالقمر الطبيعي .

وذلك أن درجات التكامل الإيماني لا متناهية فإذا وصل الفرد إلى حصول البدر الكامل في نفسه ،استحق لا محالة الخطوة التي بعده ، وهي الاقتباس من الشمس مباشرة ، من المعين الحقيقي للعطاء الإلهي .

وبمقدار ما تقدم الفرد في هذا السبيل ، فإن أهمية البدر السابق في نفسه تتضاءل تدريجياً ، ويصبح ملتفاً بكله على نور الشمس ، ومعطياً له الأهمية الواقعية والقصوى .وبذلك يتضاءل البدر إلى أن يزول ، بمعنى زوال أميته تماماً ، بإشراق الشمس في نفس الفرد عوضاً عن البدر .

صفحة (266)

 

وبذلك يحصل المحاق ، لأن شمس الحقيقة إذا أشرقت على القلب ، لا يبقى للأنانية أي وجود ، بل تمحى وتمحق لا محالة ، قال تعالى : ( فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة ) . ونستطيع أن نفهم من آية النهار : الشمس ، لا النهار نفسه .

وقال تعالى : ( ويمح الله الباطل ويحق الحق بكلماته ، إنه عليم بذات الصدور ) .

ومما له ربط  بهذا الصدد من الآيات قوله تعالى : ( ونفخ في الصور فصعق من السموات ومن الأرض إلا من شاء الله . ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون . وأشرقت الأرض بنور ربها ووضع الكتاب ) .

 

ويستمر السياق القرآني نفسه إلى أن يقول جل جلاله : ( وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمراً حتى إذا جاؤوها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها سلام عليك طبتم فادخلوها خالدين . قالوا : الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء فنعم أجر العاملين ) .

 

  الفقرة( 4)

في معنى شهر الله .

يقتضي الحديث عن الصيام : الحديث عن شهر رمضان ، الذي هو شهر الصيام في الإسلام .

فإن الصيام وإن كان ممكناً بل مستحباً سائر أيام السنة عدا يومي عيد الفطر وعيد الأضحى . إلا أن اختصاص شهر رمضان بالصيام ووجوبه فيه ، يجعل بينهما خصوصية لا توجد خارج هذا الشهر المبارك .

وإذا تحدثنا عن شهر رمضان ، ووجدنا أوضح مزية له، هو كونه شهر الله سبحانه . فما معنى هذه النسية إلى الله عز وجل؟

صفحة (267)

لا شك أن المخلوقات عموماً تختلف بالأهمية تجاه الخالق سبحانه . بمقدار ما اقتضت الحكمةمن ذلك . والله سبحانه غني عن العالمين لا ينفعه قرب القريب ولا يضره بعد البعيد . غير أن ذلك كله في مصلحة المخلوقين ينال كل واحد منها بمقدار استحقاقه .

 

وقد يكتسب ـ في هذا الصدد ـ المخلوق درجة عالية من الأهمية والرفعة والقرب المعنوي إلى الله عز وجل ، بحيث يكون منسوباً إليه ومضافاً إلى اسمه الكريم .

ولذلك أمثله عديدة ، نطقت بكثير منها الآيات الكريمة .كقوله تعالى : ( وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود ) . وقوله تعالى :  ( فإذا سويته ونفخت فيه من روحي ) . وقوله تعالى : ( محمد رسول الله والذين آمنوا معه أشداء على الكفار رحماء بينهم ) . وقوله تعالى : ( عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شيء ) . وقوله عز من قائل : ( إت الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق ) . وقال  : ( امة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون ) . وقال : ( هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من د ونه ) . إلى كثير من الآيات الأخرى .

فقد نسب في القرآن الكريم العديد من الأشياء إلى الله عز وجل .  ونسب بعضها إلى السنة الشريفة . ومن أمثلتها ما هو مشهور بين الناس من ألقاب الانبياء الستة الرئيسين . فآدم صفوة الله ونوح نبي الله وإبراهيم خليل الله وموسى كليم الله وعيسى روح الله ومحمد حبيب الله . ويمكن أن يستفاد بعض هذا من القرآن الكريم أيضاً ، كما لا يخفى على القارئ اللبيب .

فكذلك الحال في شهر رمضان المبارك الذي هو الله لأنه ذو مزية عالية جداً في الإسلام ، بحيث نسب بهذه النسبة الشريفة المباركة .

 

 صفحة (268)
 

دعنا نسمع الإطراء على هذا الشهر المبارك من أحدى أدعية الصحيفة السجادية للإمام زين العابدين علي بن الحسين (عليه السلام) .حين يخاطب شهر رمضان قائلاً: السلام عليك ياشهر الله الأكبر ويا عيد أوليائه . السلام عليك يا أكرم مصحوب من الأوقات ويا خير شهر في الأيام والساعات . السلام عليك من شهر قربت الآمال ونشرت فيه الأعمال .السلام عليك من قرين جل قدره موجوداً وأفجع فقده مفقوداً . السلام عليك من أليف آنس مقبلاً فسرّ وأوحش منقضياً فمضّ . السلام من مجاور رقت فيه القلوب وقلّت فيه الذنوب . السلام عليك من ناصر أعان على الشيطان وصاحب سهّل سبل الإحسان . السلام عليك ما أكثر عتقاء الله فيك ، وماأسعد من رعى حرمتك بك . السلام عليك ما كان أمحاك للذنوب وأسترك لأنواع العيوب . السلام عليك  ما كان أطولك على المجرمين وأهيبك في صدور المؤمنين . السلام عليك لا تنافس الأيام . السلام عليك من شهر هو من كل أمر سلام . السلام عليك غير كريه المصاحية ولا ذميم الملابسة . السلام كما وفدت علينا بالبركات وغسلت عنا دنس الخطيئات ... إلى أن يقول : السلام عليك وعلى القدر التي هي خير من ألف شهر . إلى آخر كلامه زاد الله عليه من تحيته وسلامه .

ودعنا أيضاً نسمع جانباً من خطبة رسول الله (صلى الله عليه وآله  وسلم ) حين أقبل شهر رمضان : (  أيها الناس إنه قد أقبل إليكم شهر الله بالبركة والرحمة والمغفرة . شهر هو عند الله أفضل الشهور وأيامه أفضل الأيام ولياليه أفضل الليالي وساعاته أفضل الساعاات . وهو شهر دعيتم فيه إلى ضيافة الله وجعلتم فيه من أهل كرامة الله . أنفاسكم فيه تسبيح ونومكم فيه عبادة وعملكم فيه مقبول ودعاؤكم فيه مستجلب .

 

فسلوا الله ربكم بنيات صادقة وقلوب طاهرة أن يوفقكم لصيامه وقيامه وتلاوة كتابه . فإن الشقي من حرم غفران الله في الشهر العظيم ) .

منها : ( أيها الناس إن أبواب الجنان في هذا الشهر مفتحة ، فسلوا ربكم أن لا يغلقها عليكم . وأبواب النيران مغلقة فسلوا ربكم أن لا يفتحها عليكم . والشياطين مغلولة ، فسلوا ربكم أن لا يسلطها عليكم ...  ) الخ.

صفحة (269)
 

يبفى الكلام حول ذلك عن أمرين :

الأمر الأول: إنه بما اكتسب شهر ومضان هذه الأهمية ، وما فرقه عن باقي الأشهر والأزمان ؟

ويمكن الجواب على ذلك ، على عدة مستويات :

 

المستوى الأو ل: إنه لا شك في أفضلية لعض الأوقات على بعض لدى المسلمين جميعاً كليلة القدر بل بنظر الأديان كلها ، حسب مناسباتهم الدينية .

فما قالوه بالنسبة إلى سائر المناسبات ، نقوله بالنسبة إلى شهر رمضان . فإذا كان السائل في هذا المستوى واحداً منهم كفى النقض عليه بمناسباته نفسه .

المستوى الثاني : إن الأهمية ليست للزمان ، بل للمواهب الإلهية التي تحصل فيه كالرحمة والمغفرة والبركة وغل الشياطين وفتح أبواب الجنان ونحو ذلك .

 

المستوى الثالث : قد علم الله سبحانه بحصول الذنوب للبشر وأحب منهم حصول الإنابة والتوبة والاستغفار . فمن هذه الناحية فتح لهم أبواب عديدة وفرصاً كثيرلإنجاز ذلك ، بغض النظر عن إمكان ذلك باستمرار .

فقد أعدداً من الأزمان وعدداً من الحالات لأجل ذلك، فالأماكن كالمساجد والعتبات المقدسة ، والأزمان كشهر رمضان وليلة القدر وعيدي الأضحى والفطر والحالات كالبدء بتمجيد الله سبحانه والصلاة على النبي وآلة وغير ذلك.

 

وحيث لا يكون هناك تمييز عقلي واقعي بين الأماكن والأزمان . إذن فذلك يعود مباشرة إلى الإدارة الإلهية نفسها ، فإنها اختارت أن يكون العطاء في  مثل هذه المناسبات ـ لو صح التعبير ـ وكذلك مقدمات العطاء من تمجيد ودعاء واستغفار .
 

صفحة (270)

وإذا وصلت الدرجة إلى الإدارة والحكمة الإلهية نفسها ، فقد انسدّ السؤال ،لأننا لا نعلم بالواقعيات التي تأخذها الحكمة الإالهية بنظر الاعتبار .

بل يكفي ـ منطقياً ـ أن يكون ذلك انتقاءً عشوائياً ، بين الأماكن والأزمان لمجرد إعطاء فرصة محددة لتوفير العطاء والرحمة ، التي يريدها الله سبحانه لخلقه .

 

الأمر الثاني : إن الشهر عبارة عن زمان ، والزمان لا يتصف بوجود ثابت ، بل هو متصرم ومتصرف باستمرار . فليس له حدية وشخصية لكي يتصف بالأهمية أو لا يتصف . وليس للفرد منه إلا لحظة الحاضر . وهي من الضآلة بحيث لا قيمة لها تجاه الماضي والمستقبل .

ويمكن الجواب على ذلك على عدة مستويات :

المستوى الأول : إن الزمان وإن كان متصرفاً في الحقيقة ، إلا أنه لا شك أن له تحديداً وتشخيصاً عرفياً واضحاً . ولذا قسموا الزمن إلى أيام وأشهر وسنين وغيرها . الأمر الذي بيرهن على أن العرف يرى للأحداث الزمانية  نحواً من الوجود والتحديد .

فإذا علمنا أن الله سبحانه تكلم مع الناس بلغتهم العرفية . لأنها هي اللغة الرئيسية التي يفهمونها إذن ، فبمستطاع الشريعة أن تذكر أي زمان معين عرفاً ، بمقدار تحديده العرفي ، وتجعله موضوعاً لبعض الأحكام ، كجعل شهر رمضان زماناً لوجوب  الصيام أو ليلة القدر موضوعاً لاستحباب الإحياء ، وهو السهر إلى الفجر . وهكذا .

 

المستوى الثاني : إننا وإن كنا نرى الزمان متصرماً . إلا أن هذه النظرة ، ناشئة حتماً من كوننا داخلين تحت حكم هذا الزمان ومشمولين له . وأما إذا كنا صاعدين فوق مرتبة الزمان ، فسوف نجد ـ كما قال الفلاسفة ـ : إن هناك وحدة حقيقية ومتكاملة بين الماضي والحاضر والمستقبل . وإن الماضي ليس مجهولاً لزواله وإن المستقبل ليس مجهولاً لعدم وصوله . بل كل الأزمنه ، موجودة بشكل مشترك ومجتمع في لوح الأبدية والأزلية .
 

صفحة (271)

 

وبهذا النظر يكون لأي قطعة من الزمن شكلاً من أشكال الثبات والتحديد ، لأننا عندئذ سوف لن نرى الزمن متصرماً كما نراه الآن .

فإذا كانت أي قطعة زمنية ثابتة هناك أمكن جعلها موضوعاً لبعض الأحكام الشرعية . ولا شك أن الشريعة نزلت من هناك ، من الأعلى ،ذلك العالم الذي يخلو بطبعه من الأزمنه الثلاثة ، فمناسب أن يكون فيها هذا النحو من الأحكام .

المستوى الثالث :إن المأمور به فعل في الشريعة خلال فترات الزمان ، قصرت أم طالت ، إنما هي أعمال نحددة ، والأعمال البشرية كلها متصرمة كالزمان ، وغير قادرة أو ثابتة بطبعها . بل هي زمانية بالذات ، فهي تتصرم بتصرم الزمان .

إذن ، فمن المناسب أن يكون المأمور به فعل زماني في حقبة زمانية كالصوم في شهر رمضان أو الأحياء في السهر في ليلة القدر أو الصلاة عند الزوال او الفجر ، هكذا .

نعم ، لو كان التكليف الشرعي متعلقاً بأمر قارّ في ظرف متصرم أو بشيء متصرم في ظرف قار ، كان ذلك محالاً. إلا أن الأمر ليس كذلك ، بل التكليف متعلق بأمر متصرم في ظرف متصرم ، مناسب له .

 

الفقرة ( 5)

في موارد جواز الإفطار  :

وهي كما هو معروف فقهياً ، المرض والسفر . كما قال الله سبحانه ( ومن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر ) يعني يجب عليه أن يفطر من يومه ، ويقضيه في أيام أخرى .

وقد عرفنا خلال القرات السابقة من الحديث المعطى المعنوي للصوم وللإفطار . وكذلك عرفنا المعطى المعنوي للسفر عندما تحدثنا عن صلاة القصر . وبذلك يمكن أن يتحصل للقارئ اللبيب معنى الإفطار في السفر . 
 

صفحة (272)

 

وفي الواقع ، فإن هناك عدة جوه معنوية يمكن الرمز إليها بالإفطار في السفر، نقتصر على ذكر اثنين منها :

الوجه الأول : ما تحصل مما سبق .حيث قلنا ،إن الصوم هو الابتعاد عن ملاذ الدنيا ، والإفطار هو الأخذ منها أو بها. والسفر الابتعاد عن الأهل إلى دار الغربة .

فمن هنا فقد يصبح من الراجح الإفطار في دار الغربة ولو موقتاً لعدة أسباب : منها : كتم الصوم عن غير الأهل ، بحيث يحسب الآخرون أن هذا الفرد ليس بصائم . وأنه غير ملتزم للأمور المعنوية .

ومنها : أن ممارسة الغربة قد تحدث ضعفاً في النفس عن تحمل الصوم ، فيكون من الأرجح إعطاؤها الراحة بعض الوقت ، ريثما تعود مجدداً إليه .

الوجه الثاني : إن السفر كما يمكن أن يسبب الابتعاد عن الأهل والوطن ، كذلك يمكنه أن يسبب الاقتراب منهم . فهو سفر إليهم بدلاً عن أن يكون سفراً عنهم .

غير أن حكم الصوم والإفطار هنا ، يختلف بعض الشيء عن المعنى السابق .ومن ثم عن الحكم الفقهي الاعتيادي .
إذ هنا ينبغي ممارسة الصوم عند السفر، والأفطار عند الوصول. فهو يبقى صائماً في الطريق، ولكنه يفطر عند الوصول الى الأهل والوطن. لأن الصوم كان بمنزلة أرجل الدابة المساعدة له على السفر، وعلى الغتراب التدريجي من الوطن. فإذا ترك الصوم، لم يمكن السفر ، كما لا يمكن السير بدون أرجل. وأما مع الوصول الى الوطن، فلا حاجة له الى السفر، كما يقول الشاعر:

        وألقت عصاهل واستقربها النوى                كما قر عيناً بالإياب المسافر . 

 

فتنتقي الحاجة إلى السبب الموصل ، وإلى الأرجل المساعدة للوصول ، ومن هنا يكون الإفطار من أهله في محلة.
    

صفحة (273)

ومن هنا نعرف أن التشبيه المعنوي للصوم الظاهري الشرعي إنما هو بالوجه الأول ،دون الوجه  الثاني .

فهذا الحديث عن الأفطار في المرض . فهو يتوقف على فهم المعطى المعنوي للمرض .

ويكمن ذلك على عدة معانٍ منها :
 

أولاً : ضعف التحمل وقلة الصبر مجاهدة النفس والصوم عن اللذائذ الدنيوية . وهو يحدث جزماً في العديد من مراحل التكامل . وخاصة في الابتداء . ومع حصول الضعف ينبغي الإفطار الموقت ، ريثما تعود القوة وتتصاعد الهمة .

 

ثانياً : الغفلة . فإنها من الأمراض الرئيسية في النفوس الواطئة . وهي كما قد تتعلق بكل الكيان المعنوي للإنسان، كذلك قد تتعلق ببعضه . كما قد تتعلق بكل ما ينبغي للإنسان أن يعمله أو أن يستهدفه .

والغفلة موازية دائماً مع الإفطار ، لأن الصوم حالة متعمدة ناتجة عن علم والتفات إلى الحاجة إليه . فإذا حصلت الغفلة ، انتفى العلم والالتفات بطبيعة الحال ، فانتفى الصوم بدوره ، فحصل الإفطار .
 

ثالثاً : الجهل . وهو مقترن مع الغفلة التي تحدثنا عنها غالباً .غير أن الفرد أحياناً يكون ملتفتاً إلى السفر جاهلاً بواسطة النقل . وهكذا .

 

الفقرة (6)

في معنى القضاء .

قال الله تعالى : ( فعدة من أيام أخر) . وهو إشارة للقضاء بعد أن يكون الصوم في وقته الأصلي في وقته الأصلي وأيامه الحقيقية لم ينجز ، وإنما حصل الإفطار فيها .
 

صفحة (274)


إذن، فينبغي أو يجب تكريس أوقات أخرى أو أيام أخرى لممارسة الصوم من جديد في غير موعده الأصلي، وهو معنى القضاء .

غير أننا يمكن أن نفهم لقضاء الصوم عدة معانٍ ، على اعتبار يعود إلى معنى القضاء نفسه .

 

أولاً : أن يكون معنى القضاء إصدار الأمر والتسريع . كما في قوله نعالى : ( إذا قضى الله ورسوله أمراً )، أو قوله سبحانه : ( الله يقضي بينهم بحكمة ) . فيكون معنى قضاء الصوم إيجابه والأمر به .

 

ثانياً : أن يكون القضاء بمعنى الأداء ، بالاصطلاح الفقهي ، وهو الإيجاد والإنجاز . كقوله  تعالى : ( فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض ) ، يعني إذا أنجزت وتمت فيكون معنى قضاء الصوم إنجازه وإتمامه سواء كان في موعده المعين أو في أيام أخرى .
 

ثالثاً : أن يكون القضاء بمعنى المصلح فقهياً . وهو ممارسته خارج وقته . وهذا يعني أكثر من معنى . فإن أوقات أو مناسبات الإفطار التي ذكرناها في الفقرة السابقة ، إنما هي وقت حقيقي للصوم ، غير أن الفرد باعتبار تلك الأسباب سيمارس الإفطار ، فسوف يكون مسؤولاً عن العودة إلى الصوم بعد زوال ذلك السبب . ونوكل تطيبق ذلك إلى فطنة القارئ الكريم .

 

ولكن ، قد يخطر في البال :أن كل الأزمان قابلة لأداء الصوم ، كأيام السنة القابلة لممارسة الصوم المستحب فيها. فإذا أفطر الفرد في بعض الأيام وصام في بعضها لا يكون اليوم الذي صامه بمنزلة القضاء عن اليوم الذي أفطره ، بل يكون أداء لتكلفه الحالي الأدائي بطبيعة الحال .

 

ومن هنا لا يكون هذا المعنى من الصوم قابلاً للقضاء ، بل هو أداء باستمرار .إلا أن يراد به معانٍ أدق نسبياً، كمضاعفة الجهد بعد ارتفاع المانع . فيكون المقدار الزائد من الجهد بمنزلة القضاء لما فات ، حتى لا يكون فوته سبباً لبطء السير أو بعد الهدف .
 

صفحة (275)

 

كما أن الجهد الزائد ، قد يعني إعطاء الكفارة عن الصوم الفائت فيما سبق ، الذي قد يكون فات عمداً ، ليكون هذا سبباً للعفو عن مثل هذا الزلل والهفوة. وهو معنى الكفارة بمعنى تغطية الذنب واالتجاوز عنه ، حتى كأنه لم يكن .

 

  الفقرة (7)

فيما يكره للصائم :

قال الفقهاء : يكره للصائم ملامسته النساء وتقبيلهن وملاعبتها . إذا كان واثقاً من نفسه بعدم الإنزال . وإن قصد الإنزال كان من قصد المفطر .

ويكره له الاكتحال بما يصل طعمه ورائحته إلى الحلق كالصبر والمسك . وكذا يكره له دخول الحمام خشي الضعف، وإخراج الدم المضعف ، والسعوط مع عدم العلم بوصولة إلى الحلق ، وإلا حرم .

ويكره شم نبت طيب الرائحة. بل مطلق الرائحة الطيبة ويستحب للصائم الصبر على خلوف فمه ، فلا يتمضمض إلا للوضوء أوالغسل ، فقد ورد : أن خلوف فم الصائم عطر عند الله .

ويكره بل الثوب عل الجسد وجلوس المرأة في الماء . الحقنة بالجامد ، وقلع الضرس ، بل مطلق إدماء الفم . والسواك بالعود الرطب وإنشاد الشعر ، إلا في مراثي الأئمة ومدائحهم ، بل مطلق المصالح الدينية .

 

وقد ورد : نوم الصائم عبادة . وهذا يعني التعويض بالثواب عما فوت خلال النوم من المستحبات ، عند الحجة إلى النوم . ولا يعني ـ بأي حال ـ أن يتعمد الصائم النوم استحباباً ولو لزم من ذلك تفويت المستحبات الأخرى الأهم منه كقراءة القرآن الكريم أو الأدعية ، أو السير في قضاء حاجة المؤمن أوغيرها من المستحبات .

 

صفحة (276)

وفي الخبر : إذا صمتم فاحفظوا ألسنتكم عن الكذب . وغضوا أبصاركم ولا تنازعوا ولا تحاسدوا ولا تغتابوا ولا تماورا ولا تكذبوا ولا تباشروا ولا تخالفوا ولا تغضبوا ولا تسابوا ولا تشاتموا ولا تنابزوا ولا تباذوا ولا تظلموا ، ولا تسافهوا ولا تزاجروا ولا تغفلوا عن ذكر الله تعالى وعن الصلاة ، والزموا الصمت والسكوت والحلم والصبر والصدق ومجانبة أهل الشر . واجتنبوا قول الزور والكذب والمراء والخصومة وظن السوء والغيبة والنميمة .

وكونوا مشؤفين على الآخرة ، منتظرين لأيامكم . منتظرين لما وعدكم الله ، متزودوين للقاء الله. وعليكم بالسكينة والوقار ، والخشوع  والخضوع زذل العبد الخائف من مولاه ، راجين خائفين راغبين راهبين . قد طهرتهم القلوب من العيوب وتقدس سرائركم من الخبث ونظفتم الجسم من القاذورات .

تبرأ إلى الله ممن عداه ، وواليت الله في صومك بالصمت من جميع الجهات مما قد نهاك الله عنه في السر والعلانية، وخشيت الله حق خشيته في السر والعلانية . و وهبت نفسك لله في أيام صومك وفرغت قلبك له فيما أمرك ودعاك إليه .

فإذا فعلت ذلك كله ، فأنت صائم بحقيقة صومه صانع لما أمرك . وكلما تقصت منها شيئاً مما بنيت لك فقد نقص من صومك بمقدار ذلك .

إلى أن قال : إن الصوم ليس من الطعام والشراب . إنما جعل الله ذلك حجاباً مما سواها من الفواحش من الفعل والقول الذي يفطر الصوام . ما أقل الصوام وأكثر الجواع .

 

الفقرة (8)
 

في دعاء دخول شهر رمضان :

كان في ودّي أن أذكر عدداً من الأدعية في شهر ومضان ، غير أنها من الكثرة بحيث يخرج بتعدادها ، وسردها الكتاب عن جادة الاختصار . ولا شك أن في ذلك قساوة معنوية مهمة ، لأن بعض تلك الأدعية ، بل كلها يحتوي على معان جليلة وتوجيهات رفيعة يستفيد منها كل مؤمن . مضافاً إلى الأعمال الأخرى كالصلوات وأنواع الغسل المستحب وغير ذلك كثير .
 

صفحة (277)
 

غير أني رأيت أن التقليص من ذلك الآن هو الأحجى ، ولا بد مما ليس منه بد . وليرجع القارئ إلى كتب الأدعية المعدة لذلك . وأما فيما يلي : فنذكر بعض النماذج الأهم فالأهم من الأدعية الواردة في شهر رمضان المبارك .
منها : الدعاء عند دخول شهر رمضان الوارد في الصحيفة السجادية المروية عن امام زين العابدين علي بن الحسين عليه السلام .

الحمد لله الذي هدانا لحمده وجعلنا من أهله ، لنكون لإحسانه من الشاكرين ، وليجزينا على ذلك جزاء الممحسنين. والحمد لله الذي حبانا بدينه واختصنا بملته وسبلنا في سبل إحسانه لنسلكها بمنه ورضوانه ، حمداً يتقبله منا ويرضى به عنا . الحمد لله الذي جعل من تلك السبل شهره شهر مضان شهر الصيام وشهر الإسلام وشهر الطهور وشهر التمحيص وشهر القيام ، فضيلته غلى سائر الشهور، بما جعل فيه من الحرمات الموفورة والفضائل المشهورة ، فحرم فيه ماأحل في غيره إعظاماً ، وحجر فيه المطاعم والمشارب إكراماً . وجعل له وقتاً بيناً لا يجيز عز وجل أن يقدم قبله ولا يقبل أن يؤخر عنه . ثم فضل ليلة واحدة من لياليه على بما ألف شهر ، وسماها ليلة القدر .( تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر سلام ) دائم البركة إلى طلوع الفجر على من يشاء من عباده بما أحكم من قضائه .

اللهم صلّ على محمد وآله ، وألمهنا معرفة فضلة وإجلاله حرمته والتحقظ عما حظرت فيه . وأعنا على صيامه بكف الجوارح عن معاصيك واستعمالها فيه بما يرضيك ، حتى لانضغي بأسماعنا إلى لغو ولا نسرع بأبصارنا إلى لهو، ولا نبسط أيدينا إلى محظور ولانخطو بأقدامنا إلى محجور . وحتى لا تعي بطوننا إلا ما أحللت ، ولا تنطق ألسنتنا إلا بما مثلت . ولا نتكلف إلا ما يدني من ثوابك ولا نتعاطى إلا مايقي من عقابك . ثم خلّص ذلك كله من رئاء المرائين وسمعة المسمعين ، لا نشرك فيه أحداً دونك ولا ينبغي فيه مراداً سواك .
 

صفحة (278)

 

اللهم صل على محمد وآله ، وقفنا فيه على مواقيت الصلوات الخمس بحدودها التي حددت  وفروضها التي فرضت ووظائفها التي وظفت وأوقاتها التي وقتّ . وأنزلنا فيها منزلة المصلبين لمنازلها الحافظين لأركانها المؤدين لها في أوقاتها ، على ما سنّه عبدك ورسولك صلواتك عليه وآله ، في ركوعها وسجودها وجميع فواضلها ،على أتم الطهور وأسبغه وأبين الخشوع وأبلغه .

 

ووقفنا فيه لأن نصل أرحامنا بالبر والصلة . وان نتعاهد جيراننا بالأفضال والعطية ، وأن نخلص أموالنا من التبعات. وأن نطهرها بإخراج الزكوات . وأن نراجع من هاجرنا . وأن ننصف منظلمنا وأن نسالم من عادانا حاشا من عودي فيك ولك . فإنه العدو الذي لا نواليه والحزب الذي لا نصافيه .

وأن نتقرب إليك فيه من الأعمال الزاكية بما تطهرنا به من الذنوب وتعصمنا فيه مما نستأنف من العيوب ، حتى لا يورد عليك احد من ملائكتك إلا دون ما نورد من أبواب الطاعة لك وأنواع القربة إليك .

اللهم إني أسألك بحق هذا الشهر ، وبحق من تعبد لك فيه من ابتدائه إلى وقت فنائه ، من ملك قربته أو بني أرسلته أو عبد صالح اخنصصته ، أن تصلي على محمد وآله ، وأهلنا فيه ما أوجبت لأهل المبالغة في طاعتك ، واجعلنا في نظر من استحق  الرفيع الأعلى برحمتك .

اللهم صل على محمد وآله ، وجنبنا الإلحاد في توحيدك والتقصير في تمجيدك والشك في دينك والعمى في سبيلك والإعفال لحرمتك وانخداع لعدوك الشيطان الرجيم .

اللهم صل على محمد وآله . وإذا كان لك في كل ليلة من ليالي على شهرنا هذا رقاب يعتقها عفوك أو يهبها صفحك، فاجعل رقابنا من تلك الرقاب ، واجعلنا لشهرنا من خير أهل وأصحاب.

صفحة (279)

اللهم صل على محمد وآله وامحق ذنوبنا مع امحاق هلاله . واسلخ عنا تبعاته مع انسلاخ ايامه ، حتى ينقضي عنا وقد صفيتنا فيه من الخطيئات ، وأخلصتنا فيه من السيئات .

اللهم صل على محمد وآله ، وإن ملنا فيه فعدّلنا ، وإن زغنا فيه فقوّمنا ،وإن اشتمل علينا عدوك الشيطان فاستنقذنا منه .

للهم اشحنا بعبادتنتا إياك وزين أوقاته بطاعتنا لك ، وأعنا في نهارك على صيامه ،وفي ليله على الصلاة والتصرع إليك والخشوع لك والذلة بين يديك حتى لا يشهد نهاره علينا بغفلة ولا ليله بتفريط .

اللهم واجعلنا في سائر الشهور والأيام كذلك ما عمّرتنا . واجعلنا من عبادك الصالحين الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون .والذين يؤتون ما آتوا وئقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون . ومن الذين يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون .

اللهم صل على محمد وآله في كل وقت وكل أوان وعلى كل حال . عدد مل  صليت على من صليت عليه وأضعاف ذلك كله بالأضعاف التي لا يحصيها غيرك ، إنك فعال لما تريد .

 

الفقرة (9)

وفي دعاء وداع شهر ومضان المروي في الصحيفة السجادية المباركة .

اللهم يامن لا يرغب في الجزاء ، ويا من لا يندم على العطاء ، ويا من لا يكافئ عبده على السواء . منتك ابتداء وعفوك تفضل وعقوبتك عدل وقضاؤك خيرة . إن أعطيت لم تشب عطاؤك بمن وإن منعت لم يكن منعك تعدياً . تشكر من شكرك وأنت ألهمته شكرك وتكافئ من حمدك وأنت  علمته حمدك . تستر على من لو شئت فضحته ، وتجود على من لو شئت منعته . وكلاهما أهل منك للفضيحة والمنع . غير أنك بنيت أفعالك على التفضل ، وأجربت قدرتك على التجاوز ، وتلقيت من عصاك بالحلم ، وأمهلت من قصد لنفسه بالظلم ، تستظرهم بأناتك إلى الإنابة وتترك معاجلتهم إلى التوبة ، لكي لا يهمك عليك هالكهم ، ولا يشقى بنعمتك شقهم ، إلا عن طول الإعذار إليه وبعد ترادف الحجة عليه . كرماً من عفوك ياكريم وعائدة من عطفك يا حليم .
 

صفحة (280)

 

أنت الذي فتحت لعبادك باباً غلى عفوك وسميته التوبه . وجعلت على ذلك  الباب دليلا ً من وحيك ، لئلا يضلوا عنه، فقلت تبارك اسمك : ( توبوا إلى الله توبة نصوحاً عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار، يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه . نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم . يقولون رينا أتم لنا نورنا واغفر لنا إنك على كل شيء قدير ) .

فما عذر من أغفل دخول المنزل بعد فتح الباب ، وإقامة الدليل . وأنت الذي زدت في السوم علتى نفسك لعبادك . تريد ربحهم في متاجرتهم لك وفوزهم بالوفادة عليك ، والزيادة منك . فقلت تبارك اسمك وتعاليت : ( من جاء بالحسنه فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها ) . وقلت : ( مثل الذين ينفقون أموالهم في سيبل الله كمثل حبة أنيتت سبع سنابل في كل سنبلة مئة حبة . والله يضاعف لمن يشاء ) . وقلت : (من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له أضعافاً كثيرة  ) .  ما أنزلت من نظائر في القرآن من تضعيف الحسنات .

وأنت الذي دللتهم بقولك من غيبك وترغيبك الذي فيه حظهم ، على ما لو سترته عنهم لم تدركه أبصارهم ولم تعه أسماعهم ولم تلخحقة أوهامهم فقلت :( فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولاتكفرون ) . وقلت: ( لئن شكرتم لأزيدنكم). ( ولئن كفرتم إن عذابي لشديد ) . وقلت : ( ادعوني أستجيب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين) .
 

صفحة (281)

فذكورك بمنك وشكورك بفضلك ودعوك بأمرك ،وتصدقوا لك طلباً لمزيدك . وفيها كانت نجاتهم من غضبك وفوزهم برضاك ولو دلّ مخلوق مخلوقاً من نفسه على مثل الذي دللت عليه عبادك منك كان محموداً .

فلك الحمد ما وجد في حمدك مذهب وما بقي للحمد لفظ تحمد به ومعنى ينصرف إليه. يا من تحمد إلى عباده بالإحسان و الفضل وغمرهم بالمن و الطول  . ما أفشى فينا نعمتك واسبغ علينا منتك ، وأخصنا ببرك .هديتنا لدينك الذي اصطفيت وملتك التي ارتضيت وسبيلك الذي سهلت ، وبصرتنا الزلفة لديك والوصول إلى كرامتك . اللهم وأنت جعلت من صفايا تلك الوظائف وخصائص تلك الفروض وشهر رمضان الذي اختصصته من سائر الشهور وتخيرته من جميع الزمنة والدهور وآثرته على كل أوقات السنة ،  بما أنزلت فيه من القرآن و النور وضاعفت فيه من الإيمان وفرضت فيه من الصيام ورغّبت فيه من القيام وأجللت فيه من ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر .

ثم آثرتنا به على سائر الأمم واصطفيتنا بفضله دون أهل الملل. فصمنا بأمرك نهاره وقمنا بعونك ليله . متعرضين بصيامه وقيامه ، لما عرضنا له من رحمتك وتسببنا إليه من مثوبتك . وأنت المليء بما رغب فيه إليك ، الجواد بما سئلت من فضلك ، القريب إلى من حاول قربك .

وقد أقام فينا هذا الشهر مقام محمود وصحبنا صحبة مبرور ، وأربحنا أفضل أرباح العالمين . ثم فارقنا عند تمام وقته وانقطاع مدته ووفاء عدده .

فنحن مودعوه وداع من عزّ فراقه علينا وغمنا و أوحشنا انصرافه عنا ، ولزمنا له الذمام المحفوظ و الحرمة المرعية و الحق المقضي .

فنحن قائلون : السلام عليك يا شهر الله الأكبر ويا عيد أوليائه . السلام عليك يا أكرم مصحوب من الأوقات و يا خير شهر في الأيام و الساعات .
 

صفحة (282)


السلام عليك من قرين جل قدره موجود، أفجع فقده مفقوداً. ومرجواً آلم فراقه . السلام عليك من أليف آنس مقبلاً فسرّ، وأوحش منقضياً فمضّ. السلام عليك من مجاور رقت فيه القلوب وقلّت فيه الذنوب .السلام عليك من ناصر أعان على الشيطان وصاحب سهل سبل الإحسان و السلام عليك ما أكثر عتقاء الله فيك وما أسعد من رعى حرمته بك . السلام عليك ما كان أمحاك للذنوب وأسترك لأنواع العيوب . السلام عليك ما كان أطولك على المجرمين وأهيبك في صدور المؤمنين .

السلام عليك من شهر لا تنافسه الأيام . السلام عليك من شهر هو من كل أمر سلام . السلام عليك غير كريه المصاحبة ولا ذميم الملابسة . السلام عليك كما وفدت علينا بالبركات وغسلت عنا دنس الخطيئات. السلام عليك غير مودع برماً ولا متروك صيامه سأم، السلام عليك من مطلوب قبل وقته ومحزون عليه قبل  فوته . السلام عليك كم من سوء صرف بك عنا وكم من خير افيض بك علينا . السلام عليك وعلى ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر.

السلام عليك ما كان أحرصنا بالأمس عليك ، وأشد شوقنا غداً إليك .

السلام عليك وعلى فضلك الذي حرمناه ، وعلى ماض من بركاتك سلبناه .

اللهم إنا هذا الشهر الذي شرفتنا به ووفقتنا بمنك له ، حين جهل الأشقياء وقته، وحرموا لشقائهم فضله . أنت ولي ما آثرتنا به من معرفته ، وهديتنا له من سننه . وقد تولينا بتوفيقك صيامه وقيامه على تقصير. وأدينا فيه قليلاً من كثير. اللهم فلك الحمد إقراراً بالإساءة واعترافاً بالإضاعة ولك من قلوبنا عقد الندم ، ومن ألسنتنا صدق الإعتذار ، فأجرنا على ما أصابنا فيه من التفريط ، أجراً نستدرك به الفضل المرغوب فيه و نعتاض به من أنواع الذخر المحروص عليه ، وأوجب لنا عذرك على ما قصرنا فيه من حقك .

 

صفحة (283)

 

وابلغ بأعمارنا ما بين أيدينا من شهر رمضان المقبل .فإذا بلغتناه ، فأعنا على تناول ما أنت أهله من العبادة ، وأدّنا إلى القيام بما يستحقه منالطاعة .وأجر لنا من صالح العمل ما يكون دركاً لحقك في الشهرين من شهور الدهر اللهم ما ألممنا به في شهرنا هذا من لمم أو إثم ، أو واقعنا فيه من ذنب ، واكتسبنا فيه من خطيئة ، على من تعمد منا أو على نسيانه ، ظلمنا فيه أنفسنا ، أو انتهكنا به حرمة من غيرنا فصلّ على محمد وآله ، واسترنا بسترك ، وأعف عنا بعفوك .ولا تنصبنا فيه لأعين الشامتين ، ولا تبسط علينا فيه ألسن الطاعنين .واستعملنا بما يكون حطة وكفارة لما أنكرت منا فيه ، برأفتك التي لا تنفذ وفضلك الذي لا ينقص .

اللهم صلّ على محمد وآل محمد ، واجبر مصيبتنا بشهرنا ، وبارك لنا في يوم عيدنا وفطرنا ، واجعله من خير يوم مرّ علينا ،أجلبه لعفوه وأمحاه لذنب ،واغفر لنا ما خفي من ذنوبنا وما علن .اللهم اسلخنا بانسلاخ هذا الشهر من خطايانا وأخرجنا بخروجه من سيئاتنا واجعلنا من أسعد أهله به ،وأجزلهم قسماً فيه وأوفرهم حظاً فيه .

اللهم ومن رعى هذا الشهر حق رعايته،وحفظ حرمته حق حفظها ،وقام بحدوده حق قيامها واتقى ذنوبه حق تقاتها، أوتقرب إليك بقربة أوجبت رضاك له ،وعطفت رحمتك عليه .فهب لنا مثله من وجدك، وأعطنا أضعافه من فضلك .فإن فضلك لا يغيض ، وإن خزائنك لا تنقص بل تفيض، وإن معادن إحسانك لا تفنى وإن عطاءك للعطاء المهنّى .

اللهم صلّ على محمد وآله ، واكتب لنا مثل أجود من صامه ، أوتعبد لك إلى يوم القيامة .

اللهم إنا نتوب إليك في يوم فطرنا الذي جعلته للمؤمنين عيداً وسروراً ، ولأهل ملتك مجمعاً ومحتشد، من كل ذنب أذنبناه أو سوء أسلفناه ،أو خاطر شر أضمرناه توبة من لا ينطوي على رجوع إلى ذنب و لا يعود بعدها في خطيئة. توبة نصوحاً خلصت من الشك والإرتياب .فتقبلها منا ، وارض عنا وثبتنا عليها .
 

صفحة (284)

اللهم ارزقنا خوف عقاب الوعيد وشوق ثواب الموعود . حتى نجد لذة ما ندعوك به ،وكآبة ما نستجيرك منه. واجعلنا عندك من التوابين الذين أوجبت لهم محبتك ، وقبلت منهم مراجعة طاعتك ، يا أعدل العادلين .

اللهم تجاوز عن آبائنا و أمهاتنا وأهل ديننا جميع، من سلف منهم ومن غبر إلى يوم القيامة .

اللهم صلّ على محمد نبينا وآله ، كما صليت على ملائكتك المقربين وصلّ عليه وآله ، كما صليت على انبيائك المرسلين . وصلّ عليه وآله ، كما صليت على عبادك الصالحين ، وأفضل من ذلك يا رب العالمين . صلاة تبلغنا بركتها ، وينالنا نفعها ويستجاب لها دعاؤنا . إنك أكرم من رغب إليه وأكفى من توكل عليه وأعطى من سئل من فضله . وأنت على كل شيء قدير .
  

  الفقرة (10)

في بعض أدعية السحر ، التي يفترض بها أن تقرأ قبل الفجر ،من أول يوم من أيام شهر رمضان المبارك إلى آخره.

وهي أدعية كثيرة ومطولة ، أهمها وأطولها الدعاء الذي علمه الإمام زين العابدين عليه السلام لأبي حمزة الثمالي رحمه الله .ومن هنا يدعى بدعاء أبي حمزة ولا يمكن إيراده الآن وإنما نذكر فيما يلي بعض النماذج المختصرة نسبياً، من أدعية السحر :

الدعاء الأول  : يسمى بدعاء البهاء ، وهو مروي عن الإمام الباقر عليه السلام:

اللهم إني أسألك من بهائك بابهاه ،وكل بهائك بهي ، اللهم إني أسألك ببهائك كلّه . لله إني أسألك من جمالك بأجمله وكل جمالك جميل اللهم إني أسألك بجمالك كلّه .
 

صفحة (285)

 

اللهم إني اسألك من جلالك بأجله وكل جلالك جليل . اللهم إني أسألك بجلالك كلّه . اللهم إني أسألك من عظمتك بأعظمها .وكل عظيمة اللهم إني |أسألك بعظمتك كلّها.

اللهم غني أسألك من نورك بأنوره ،وكل نورك نيّر ،اللهم إني أسألك من رحمتك بأوسعها .وكل رحمتك واسعة . اللهم إني أسألك برحمتك كلّها .

اللهم إني أسالك من كلماتك بأتمها ، وكل كلمة تامة . اللهم إني أسألك بكلماتك كلّها . اللهم إني أسألك من كمالك بأكمله وكل كمالك كامل .اللهم إني أسألك بكمالك كلّه .

اللهم إني من أسمائك بأكبرها وكل أسمائك كبيرة ، اللهم إني أسألك بأسمائك كلها . اللهم إني أسألك من عزتك وكل عزتك عزيزة . اللهم إني أسألك بعزتك كلّها .

اللهم إني أسألك من مشيئتك ماضية اللهم إني أسألك بمشيئتك كلها . اللهم إني أسألك بالقدرة التي استطلت بها على كل شيء وكل قدرتك مستطيلة . اللهم إني أسألك بقدرتك كلّها .

اللهم إني اسألك من علمك بأنفذه ، وكل علمك نافذ ، اللهم إني أسألك بعلمك كلّه. اللهم إني أسألك من قولك بأرضاه وكل قولك رضي و اللهم إني أسألك بقولك كلّه.

اللهم إني أسألك من مسائلك بأحبها إليك ، وكلّها إليك حبيبة اللهم إني أسألك بمسائلك كلّها. اللهم إني أسألك من شرفك بأشرفه ، وكل شرفك شريف . اللهم إني أسألك بشرفك كلّه .

اللهم إني أسألك من سلطانك بأدومه ، وكل سلطانك دائم . اللهم إني أسألك بسلطانك كلّه .اللهم إني أسألك من ملكك بافخره وكل ملكك فاخر اللهم إني أسألك بملكك كلّه .

 

صفحة (286)
 

اللهم إني أسالك من علوك بأعلاه ، وكل علوك عال . اللهم إني أسألك بعلوك كلّه . اللهم إني اسألك من منّك بأقدمه. وكلّ منّك قديم . اللهم إني أسألك بمنك كلّه .

اللهم إني أسألك من آياتك بأكرمها وكل آياتك كريمة . اللهم إني أسألك بآياتك كلّها .اللهم إني أسألك  بما أنت فيه من الشأن والجبروت ، وأسالك بكل شأن وحده وجبروت وحدها. اللهم إني أسألك بما تجيبني به حين أسألك . فأجبني يا الله - ثم يطلب حاجته .

الدعاء الثاني: يا مفزعي عند كربتي ، ويا غوثي عند شدتي . إليك فزعت وبك استغثت ، وبك لذت ، لا ألوذ بسواك ولا أطلب الفرج إلا منك . فأغثني وفرج عني . يا من يقبل اليسير ويعفو عن الكثير ، اقبل مني اليسير واعف عني الكثير ،إنك الغفور الرحيم . اللهم إني أسألك إيماناً تباشر به قلبي ، ويقيناً حتى أعلم أنه لن يصيبني إلا ما كتبت لي، ورضّني من العيش بما قسمت لي ، يا أرحم الراحمين .

ياعدتي في كربتي ، ويا صاحبي في شدتي ، ويا وليي في نعمتي ، ويا غايتي في رغبتي . أنت الساتر عورتي والآمن روعتي و المقيل عثرتي ، فاغفر لي خطيئتي يا أرحم الراحمين .

الدعاء الثالث: سبحان من يعلم جوارح القلوب .سبحان من يحصي عدد الذنوب . سبحان من لا تخفى عليه خافية في السماوات و الأرضين . سبحان الرب الودود . سبحان الفرد الوتر ، سبحان العظيم الأعظم ، سبحان من لا يتعدى على أهل مملكته ، سبحان من لأ يؤاخذ أهل الأرض بأنواع العذاب. سبحان الحنان المنان. سبحان الرؤوف الرحيم . سبحان الجبار الجواد . سبحان الكريم الحليم . سبحان البصير العليم . سبحان البصير الواسع .

سبحان الله على إقبال النهار . سبحان الله على إدبار النهار . سبحان الله على إدبار الليل وإقبال النهار . سبحان الله على إقبال النهار وإدبار الليل . سبحان الله على إقبال النهار وإقبال الليل . وله الحمد و المجد والعظمة و الكبرياء مع كل نفس ، وكل طرفة عين ، وكل لمحة سبق في علمه . سبحانك ملء ما أحصى كتابك سبحانك زنة عرشك . سبحانك سبحانك سبحانك.

صفحة (287)

الفقرة (11)

في بعض ما تستحب قراءته من الدعية ، خلال النهار . وهي ايضاً أدعية كثيرة ومطولة نذكر منها واحداً فقط. وهو عبارة عن عشر فقرات ، كل فقرة تحوي على عشر تسبيحات أو إحدى عشرة تسبيحة ، فيكون المجموع أكثر من مئة بقليل . قد أخذ مضمونها من آيات القرآن الكريم . غير أن جزءاً من هذه الفقرات متكرر ، كما سنرى و بعضها مختص بالفقرة .

وهو من جليل التسبيحات التي يمكن تلاوتها في اي يوم من أيام السنة ،  وفي أوقات التوجه اياً كانت .وإن كان ورودها في نهار شهر رمضان خاصة .

سبحان الله بارىء النسم ، سبحان الله المصور . سبحان الله خالق الزواج كلها ، سبحان الله جاعل الظلمات والنور. سبحان الله فالق الحب والنوى سبحان الله خالق كل شيء سبحان الله خالق ما يرى وما لا يرى ، سبحان الله مداد كلماته ، سبحان الله رب العالمين .

         (1) سبحان الله السميع الذي ليس شيء أسمع منه . يسمع من فوق عرشه ما تحت سبع أرضين . ويسمع ما في ظلمات البرو البحر ، ويسمع الأنين والشكوى ويسمع السر وأخفى ويسمع وساوس الصدور ، ويعلم خائنة الأعين
وما تخفي الصدور ، ولا يصم سمعه صوت .

         (2) سبحان الله بارىء النسم ...إلى قوله : سبحان الله رب العالمين .

 

صفحة (288)
 

سبحان الله البصير الذي ليس شيء ابصر منه . يبصر من فوق عرشه ما تحت سبع أرضين ، ويبصر ما في ظلمات البر والبحر . لا تدركه البصار وهو يدرك البصار ، وهو اللطيف الخبير . لاتغشى بصره الظلمة ، ولايستتر منه بستر ولا يوارى منه جدار . ولا يغيب عنه بر و لا بحر ، ولا يكنّ منه جبل ما في اصله و لا قلب ما فيه ، ولا جنب ما في قلبه . ولايستتر منه صغير ولا كبير .ولا يستخفي منه صغير لصغره .ولا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء هو الذي يصوركم في الرحام كيف يشاء ، لا إله إلا هو العزيز الحكيم .

          (3) سبحان الله بارىء النسم ...إلى قوله: سبحان الله رب العالمين .

سبحان الله الذي ينشىء السحاب الثقال ويسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته ، ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء . ويرسل الرياح بشراً بين يدي رحمته ، وينزل الماء من السماء بكلمته وينبت النبات بقدرته . ويسقط الورق بعلمه .

سبحان الله الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولاأكبر إلا في كتاب مبين .

         (4) سبحان الله بارىء النسم ...إلى قوله: سبحان الله رب العالمين .

سبحان الذي يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الرحام وما تزداد وكل شيء عنده بمقدار ، عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال . سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار ، له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله .

سبحان الله الذي يميت الحياء ويحيي الموتى ، ويعلم ماتنقص الأرض منهم ويقر في الأرحام ما يشاء إلى أجل مسمّى .

         (5) سبحان الله بارئ النسم ..إلى قوله: سبحان الله رب العالمين .

سبحان الله مالك الملك تؤتي الملك منتشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير . تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي وترزق من تشاء بغير حساب.
 

صفحة (289)
 

         (6) سبحان الله بارىء النسم ...إلى قوله : سبحان الله رب العالمين  .

سبحان الله الذي عنده مفاتيح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر و البحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ، ولا حبة في ظلمات الرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين .

         (7) سبحان الله بارىء النسم ...إلى قوله : سبحان الله رب العالمين  .

سبحان الله الذي لا يحصي مدحته القائلون ولا يجزي بآلائه الشاكرون العابدون . وهو كما قال وفوق ما نقول، وفوق ما يقول القائلون .والله سبحانه كما أثنى على نفسه ،" ولا يحيطون من علمه بشيء إلا بما شاء وسع كرسيه السموات والأرض ولا يؤوده حفظهما وهو العلي العظيم " .

         (8) سبحان الله بارىء النسم ...إلى قوله : سبحان الله رب العالمين  .

سبحان الله الذي يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها ، وما ينزل من السماء وما يعرج فيها ولا يشغله ما ينزل من السماء وما يعرج فيه .ولا يشغله ما ينزل من السماء وما يعرج فيها ولا يشغله ما يلج في الأرض وما يخرج منها وعما ينزل من السماء وما يعرج فيها . ولا يشغله ما ينزل من السماء وما يعرج فيها عما يلج في الأرض وما يخرج منها . ولا يشغله علم شيء ولا حفظ حفظ شيء . ولا يساويه ولا يعدله شيء ، ليس كمثله شيء ،وهو السميع البصير .

         (9) سبحانه الله بارئ النسم ... إلى قوله : سبحان الله رب العالمين . سبحان الله فاطر السموات والأرض جاعل الملائكة رسلاًَ أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع يزيد في الخلق ما يشاء ، إن الله على كل شيء قدير. ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها ، وما يمسك فلا مرسل له من بعده ، وهو العزيز الحكيم .

         (10) سبحان الله بارئ النسم ... إلى قوله : سبحان الله رب العالمين .سبحان الله الذي يعلم ما في السموات والأرض. ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم . ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا ، ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شيء عليم .

أقوال : واضح جداً اعتماد الأعم الأغلب هذه التسبيحات على نصوص القرآن الكريم . محبوكاً ولذيذاً في نفس الوقت. حتى إن التسبيحات غير المتكرر تكاد أن تكون بنصوص الآيات الكريمة نفسها .
 

صفحة (290)
 

وأود فيما يلي أن أطبق التسبيحات المتكررةعلى نصوص الآيات ،وهي تسعة :-
1- (سبحان الله بارئ النسم ) في قوله تعالى : ( هو الله الخالق البارئ المصور ) .

2- (سبحان الله المصور ) . في نفس الآية الكريمة .

3- (سبحان الله خالق الأزواج كلها) .في قوله تعالى : ( سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون ) .

4- ( سبحان الله جاعل الظلمات والنور) ، من قوله تعالى : ( الحمد لله الذي خلق السموات والأرض ، وجعل الظلمات والنور ) .

5-(سبحان الله فالق الحب والنوى ) في قوله تعالى : (إن الله فالق الحب والنوى يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي . ذلكم الله ربكم ، فأنى تؤفكون ) .

6- (سبحان الله خالق كل شيء ) :من قوله تعالى : ( قل الله خالق كل شيء ، لا إله إلا هو .فأنى تؤفكون ).

7- (سبحان الله خالق ما يرى وما لا يرى) . ينطبق عليها قوله تعالى : ( خلق الإنسان من نطفة فإذا هو خصيم مبين . والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع )

 
صفحة (291)
 

8- (سبحان الله مداد كلماته ) من قوله تعالى : ( قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربي لنفذ البحر قبل أن تنفذ كلمات ربي ، ولو جئنا بمثله مدداً) .

9- (سبحان الله رب العالمين ) . من قوله تتعالى : ( الحمد لله رب العالمين ) : وقد تكرر هذا النص في القرآن الكريم خمس مرات.
 

   الفقرة (12 )

في بعض ما ينبغي عمله في ليالي القدر ، مضافاً إلى الأعمال الأخرى التي تتكرر كل ليلة ، ونافلة رمضان ألف ركعة في الشهر كله .

وليلة القدر واحدة واقعاً ، إلا أنها مشتبهة في ليلتين أو ثلاث ،الأمر الذي يقتضي تكرار العمل من باب إحراز الواقع على أي حال .

وأما أهم أعمالها المستحبة ، فكما يلي :

أولاً : الغسل ، والأفضل جعله بعد الغروب مباشرة لكي تقع صلاة الفريضة في تلك الليلة ، به .

ثانياً : ركعتان من الصلاة في كل ركعة بعد الحمد سبع مرات سورة التوحيد . ويقول بعد الفراغ من الصلاة سبعين مرة : أستغفر الله وأتوب إليه .

ثالثاً : زيادة الإمام الحسين عليه السلام عن قرب ، يعني في مرقده المقدس . فإن لم يتيسر فزيارته عن بُعد .

رابعاً : الإحياء ، وهو السهر من الغروب إلى الفجر .

خامساً : مائة ركعة ، بعنوان نافلة ليلة القدر . والأفضل أن تقرأ بعد الحمد عشر مرات سورة التوحيد .

سادساً : مايسمى بدعاء القرآن . وهو أن يفتح المصحف أمامه ويقول : اللهم إني أسألك بكتابك المنزل وما فيه. وفيه اسمك الأكبر وأسماؤك الحسنى وما يخاف ويرجى . أن تجعلني من عت