كتاب الزكاة

الفقرة ( 1 )
 

يمكن أن ترد الزكاة في اللغة العربية على معنيين : الكثرة والطبية . فيكون زكا بمعنى كثر وزاد ، وبمعنى طاب وطهر ولاتنافي بينهما ، إذن يمكن ان يجتمعا بل هما في أكثر الموارد متفقان .

وموارد الزكاة منحصرة بموارد الخير ، ولاتشمل موارد الشر ، فزيادة العصيان والطغيان . وزيادة العقاب في الدنيا وفي الآخرة ، لايمكن أن يسمى زكاة وإن كان فيها معنى الكثرة . وأما عدم توفر الطيبة فيها فهو واضح.

ومن هنا يمكن الجمع بين المفهومين بالقول بأن الزكاة هي كثرة الطيبة والطهارة أو كثرة الخير وزيادته . يعني كثرة أي شيء يمثل جانب الخير في هذا الكون .

 

نعم قد نسمي الطيبة زكاة وإن لم يكن فيها كثرة ، إلاَّ أن الصحيح أن مجرد حصول الطيبة هي زيادة بالمعنى المعنوي .

 

والزكاة في هذا المعنى المشترك لها موارد عديدة أهمها : المال والبدن والنفس .

 

فزكاة المال هي الزكاة المعروفة في الدين ، والمقرونة في النص والأهمية بوجوب الصلاة في عدد من آيات القرآن الكريم . وهي التي تكون في الأنعام الثلاثة والغلات الأربعة وفي الذهب والفضة .

 

وزكاة البدن هي تعبير متشرعي عن زكاة الفطرة التي تدفع في عيد الفطر بعد صوم شهر كامل من شهر رمضان المبارك .

 

وزكاة النفس هي التسبيب إلى تحليتها بالفضائل وتخليتها عن الرذائل وإصلاحها من كل زيغ ورين . ومن ثم الاتجاه بها نحو الكمال .
 

صفحة (7)

 

ولكل من هذه الموارد فلسفته الخاصة به و التي يمكن أن نحمل عنها فكرة كافية في الفقرات الآتية .

ولكننا ينبغي أن نلتفت إلى أن التقسيم الرئيسي للزكاة إنما هو إلى قسمين : قسم اقتصادي أو مالي ، وهو زكاة المال وزكاة الفطرة وقسم معنوي وهو زكاة النفس وزكاة الأعمال . ومن هنا نستطيع أن نقول : - إن الزكاة زكاة المال وزكاة الأعمال .

 

الفقرة (2)

 

ونحن بعد أن نعرف أن كل التشريعات الإسلامية إنما سنّت وطلبت من الناس ، باعتبار أن الله سبحانه يريد لهم التكامل المعنوي والصعود إلى درجات المغفرة والثواب . فإن التشريع لايرتبط بالله في نفع ولا ضرر ، لأنه لا تضره ذنوب عباده ولا تنفعه طاعاتهم .وإنما أمرنا ونهانا لمصالحنا ، ولأنه يريد لنا الأفضل ( والله يُريد الآخرة) أي لعباده ، كما في نص القرآن الكريم .

 

إذن نعرف أن زكاة المال ، بصفتها إحدى التشريعات المهمة في الدين ، إنما شرعت لأجل حصول زكاة النفس وتكاملها . وكذلك كل أشكال الأداء في سبيل الله سبحانه بصفته محتوياً للتضحية والصبر في سبيل الله ، وفي سبيل تنفيذ إرادته وتشريعاته .

وكذلك الحال في زكاة الأعمال سواء على المستوى الواجب أو المستحب ، فإنه أيضاً لأجل زكاة النفس وتكاملها وطهارتها المعنوية .

 

فإن زكاة الأعمال قد تكون سبباً لزكاة النفس، بأن يحاول الفرد أن يزكي عمله ويطيع ربه من أجل تكامل نفسه. كما قد تكون مسبباً عن زكاة النفس ، فإن من كانت نفسه طاهرة وصالحة كانت أعماله بارّة وزكية بطبيعة الحال . فهناك نحو تفاعل مستمر بين زكاة الأعمال وزكاة النفس ، وكلما دخل الفرد في درجة من الكمال استحق الدرجة التي تليها .

 

صفحة (8)

 

فإذا علمنا أيضاً أن من جملة زكاة الأعمال ، هو أداء زكاة المال اقتصادياً ، عرفنا مدى ارتباط زكاة المال بزكاة النفس ، إلى حد يمكن القول إن من وجد آثارها في نفسه ، فمعناه أن زكاته مقبولة ومبرورة ، وأما إذا لم يجد آثارها في نفسه فهي مجزية ، ولكنها غير مقبولة .

 

تماماً كالصلاة التي ورد أنها تنهي صاحبها عن الفحشاء والمنكر . فإن وجد آثارها في نفسه فهي مقبولة مبرورة ، وإلا فهي مجزية ولكنها غير مقبولة .

 

الفقرة (3)

 

نبدأ من الآن ببيان بعض التفاصيل الأخلاقية لزكاة المال . وأفضل مقدمة لذلك هو الحديث عن الصدقة ، فإنها بالمعنى الواسع مما تندرج زكاة المال في ضمنها . وقد سماها القرآن الكريم بالصدقة في عدد من آياته :

يمكن تقسيم التعاليم الدينية إلى تقسيمين :-

الأول: - انقسامها إلى عبادات وغيرها ، ويراد بالعبادات ما يؤثر قصد القربة في كمالها لزوماً أو استحباباً .

الثاني: - انقسامها إلى ما يكون خاصاً بين العبد وربه . وإلى ما يكون شاملاً للآخرين من أفراد المجتمع . ويمكن أن نسمي الأول بالواجبات الفردية ، والثاني بالواجبات الاجتماعية . وبضرب التقسيمين ببعضهما ينتج أربعة أقسام :

الأول : الواجبات الفردية العبادية ، إما لزوماً كالصلاة والصوم ، وإما استحباباً كالاعتكاف .

الثاني :  الواجبات الفردية غير العبادية كالتطهير بالماء .

الثالث : الواجبات الاجتماعية غير العبادية كصلة الرحم .

الرابع : الواجبات الاجتماعية العبادية إما لزوماً كالزكاة الواجبة والفطرة والخمس وأضرابها ، وإما استحباباً كالصدقات الأخرى ، وقضاء حاجات المحتاجين .

 

صفحة (9)

إذن تندرج الصدقات في هذا القسم الأخير ، ولايمكن أن تكون قائمة بذاتها ما لم يكن هناك طرف آخر . كما لا يصدق عليها صدقة ما لم يكن قصد القربة متوفراً فيها . وإلاَّ فهي هدية .
 

إذن ، فالمتصدق يقضي حوائج المحتاجية في سبيل إطاعة رب العالمين ، ويحرز بذلك عدة فوائد ، تكون هي النتائج الرئيسية للصدقة :-

 

النتيجة الأولى : أنه أحرز لنفسه الحصول على الثواب ورضاء الله سبحانه . قال تعالى ﴿ إن الله يجزي المتصدقين وقال :﴿ إن المتصدقين والمتصدقات وأقرضوا الله قرضاً حسناً يضاعف لهم .

 

النتيجة الثانية : أنه أحرز قضاء حاجة الآخر المحتاج الذي تصدق عليه . فقد تيسر أمره وأدخل السرور على قلب المؤمن عبادة .

 

النتيجة الثالثة : أنه شارك في البناء الاجتماعي العام وفي تحريك الثروة القومية نحو الأفضل ، ولو لخطوة واحدة ، ولو تصدق على محتاج واحد .فإن المجتمع إنما هو متكون من أفراد . فإذا انخفضت حاجات المحتاجين منهم كان المجتمع على خير .
 

الفقرة (4)

 

يعطي القرآن الكريم عدة خصائص للصدقات يحسن استعراضها بهذا الصدد .
أولاً : إن دافع الصدقة ممدوح ذكراً كان أم أنثى قال تعالى
﴿ والمتصدقين والمتصدقات .

ثانياً : إن طلب الصدقة لغير الضرورة أمر شائن أخلاقياً ودينياً : قال تعالى : ﴿ ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا ، وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون

ثالثاً : إن الصدقة تصل إلى الله سبحانه قبل أن تصل إلى المحتاج . قال تعالى ﴿ ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات . ومعنى أخذه لها قبوله لها ومباركته إياها . وإلاَّ فهو غني عن العالمين ، قال تعالى : ﴿ لا ينال الله لحومها ولادماؤها ولكن يناله التقوى منكم .

 

صفحة (10)

 

رابعاً : إن صدقة السر خير من صدقة العلن ، لما في ذلك من ترك الرياء ، والمفاخرة بين الناس ، وإن كان كلا الصنفين فيه قضاء حاجة المحتاجين : قال تعالى : ﴿ إن تبدو الصدقات فنعما هي وإن تخفوا وتؤتوها الفقراء ، فهو خير لكم ، ويكفر عنكم سيئاتكم .

خامساً : إن الصدقة ينبغي أن تكون خالصة للمحتاج بدون إيذائه أو المن عليه . وإلاَّ بطلت الصدقة ولم تكن مقبولة . قال تعالى : ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى . وقال : ﴿ قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى .

سادساً : إن الرياء مبطل للصدقات ، كما هو مبطل لسائر العبادات . قال تعالى : ﴿ كالذي ينفق ماله رئاء الناس .

سابعاً : إن الصدقات يجب أن تكون خالصة مخلصة لله سبحانه وتعالى ، قال تعالى : ﴿ ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضات الله وتثبيتاً من أنفسهم كمثل حبة بربوة أصابها وابل فآتت أكلها ضعفين ، فإن لم يصبها وابل فطلّ .

ثامناً : إن الله تعالى يضاعف لدافع الصدقات أضعافاً مضاعفة وهو أمر مجرب عملياً مراراً وتكراراً ، حيث يصل إلى الفرد من الرزق أضعاف ما دفعه وقضى به حاجة المحتاجين . مضافاً إلى ثواب الآخرة .
قال تعالى :
﴿ مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مئة حبة . بل الأمر أكثر بكثير حيث يقول الله سبحانه ﴿ والله يضاعف لمن يشاء .

تاسعاً : إن الصدقة تشمل كل أشكال قضاء حاجات المحتاجين وخاصة من الناحية الاقتصادية ، فليس من الضروري قضاؤها بمال مدفوع . بل يكفي العفو عن مال مستحق وإبراء ذمة المدين قال تعالى : ﴿ ودية مسلمة إلى أهلة إلاَّ أن يصدقوا يعني بإبراء الذمة عن الدية ، بالرغم من أن دم القتيل لا زال حاراً ومؤثراً من الناحية النفسية . والصدقة كلما كانت أصعب نفسياً كانت أشد ثواباً .

 

صفحة (11)

 

عاشراً : إن جملة موارد صعوبة الصدقة أن يكون المتصدق نفسه محتاجاً . فهو يقضي حاجة الآخرين ، ولو بخسارة نفسه من الناحية الاقتصادية . وهذا هو الإيثار . 

قال تعالى : ﴿ ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خاصة . ومن يوق شحّ نفسه فأولئك هم الفائزون .
 

فهذا بعض ما للصدقة من خصائص وصفات في القرآن الكريم .

 

الفقرة (5)

 

إن معنى الصدقة غير خالص بالجانب الاقتصادي بل هو شامل لموارد أخرى أعمق وأشد تأثيراً .
 

أولاً : إن حاجة المحتاج قد لا تكون اقتصادية بل هي أمر آخر ، كالشفاء من مرض أو الحاجة إلى زواج .

ثانياً : إن الهدية نحو من الصدقة على من يحتاجها ، سواء بالتعليم أو بالأمر بالمعروف أو النهي عن المنكر أو بالتسبيب للتكامل المعنوي والروحي للفرد .

ثالثاً: إن الصدقة قد تكون صدقة على نفس الإنسان لا على غيره ، كالبحث عن علم أو هداية أو التفكير المجدد في خلق الله أو ذكر الله ، أو إعطاء عبرة انفس لم تكن سابقاً مورداً وغير ذلك .

رابعاً: إن الصدقة كما تكون بالأعمال تكون أيضاً بالأقوال . فالكلمة الحسنة صدقة ، وكتم الغيظ صدقة ، والصبر على الآخرين أو على قضاء حاجتهم صدقة . وهكذا .

خامساً: إن الصدقة قد تكون بالنفس نفسها في سبيل الله سبحانه وهبةً له جل جلاله ، وهو يقبل هذه الصدقة ويأخذها ، ويشكرها لمسديها ، وهي أعظم صدقة على الإطلاق ، قال الشاعر :-

والجود بالنفس أقصى غاية الجود.
 

صفحة (12)

وقال شاعر آخر :-

ولو لم يكن في كفه غير نفسه             لجاد بها فليتق الله سائله

 

وقال تعالى : ﴿ فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم .

 

وقال : ﴿ لا يستوي القاعدون من المؤمنين أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم ، فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة . وكلاً وعد الله الحسنى . وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجراً عظيماً ، درجات منه ومغفرة ورحمة .
 

قال تعالى : ﴿ إن الله اشترى من المؤمنين أموالهم وأنفسهم بأن لهم الجنة .

وقال : ﴿ ومن الناس من يشتري نفسه ابتغاء مرضاة الله

سادساً :إن العبادة أيضاً صدقة وقد ورد في النوافل اليومية أنها صدقاتكم فأتوا بها في أي وقت من ليل أو نهار. أقول : يعني أداء أو قضاء(1) .

 

وأما أن طرف الصدقة من هو ؟ فقد يقال : إنه هو المؤمن المتنفل نفسه ، لأنه في الحقيقة ينفع نفسه بعبادته. وقد يقال : إنه الله سبحانه ، بعد أن نسمع قاله تعالى : ﴿ ويأخذ الصدقات والنوافل من الصدقات كم نصت الروايات .

 

الفقرة (6)

 

زكاة المال أيضاً من الصدقة ، فإن الصدقة هي الدفع إلى الآخرين لا بقصد عوض دنيوي ، أو قل : قربة إلى الله تعالى . وهذا لا بختلف حكمها بالوجوب تارة وبالاستحباب أخرى . ومعه يكون كلا الجانبين من الصدقة .

 

وقد فرضها الله سبحانه كما فرض غيرها من الضرائب على أموال الأغنياء ، منعاُ لتجمع الثروة لدى القليل وعدم وصولها إلى الكثير من الناس .
 

صفحة (13)
 

كما قال سبحانه : ﴿ لكي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم ودولة بضم الدال هو تجمع الثروة . مما قد يؤدي هذا التجمع إلى مضاعفات غير محمودة ، قد تأتي الإشارة إلى المهم منها .

وهو لم يجعلها مستحبة بل جعلها واجبة ، لمصلحتين يمكن أن ندركهما للتشريع :
إحداهما : في جانب المالك الثري ، وذلك تحاشياً من عدم الدفع ، باعتبار أن المستحب مما يجوز تركه ، فقد تسول له نفسه عدم الدفع لكونها مستحبة . فقد جعلت واجبة لتلافي هذا التفكير ، لأنه مع صحته تبقى الحال المأساوية والمضاعفات كما هي .

 

ثانيهما : من جانب الفقير أو المستحق ، فإنها لو كانت مستحبة أو طوعية . لاحتاجت إلى الطلب من قبله ، فيقع في ذلك السؤال وخجل المقال . في حين لا حاجة إلى ذلك بعد أن جعلها الله في أصل الشريعة وضرورة الدين واجباً على الغني وحقاً للفقير فإن طالب بها طالب بحقه ، وناجز الغني لإبراء ما في ذمته . وإن لم يطالب ببها وجب على الغني أن يقصده ويدفعها إليه فإنها حقه سواء طالب بها أو لم يطالب .

 

الفقرة (7)

 

والله سبحانه وتعالى لم يوجب نسبة عالية من الصدقات . مع إمكان ذلك في التشريع . إلاَّ أنه لم يفعل ذك ، بل جعل النسب العالية من العطاء على نطاق الاستحباب . ولكن حثّ عليه جداً .
 

والسر الذي ندركه لعدم الوجوب هو أخذ كل من الغني والفقير ، او قل : المعطي والآخذ بنظر الاعتبار . 

أما الفقير الآخذ ، فلأنه سبحانه يعلم بكفاية ما يصله من الزكاة لسد حاجته وسعادة عائلته ، ولا حاجة بعد ذلك للزيادة على ذلك . بحيث يصبح الفقير تاجراً غنياً . وإنما المهم فقط إزجاء الحاجات الضرورية وضمانها ، وهذا ما يحصل أكيداً لكل الفقراء ، إذا دفعت كل الزكوات . 

 

صفحة (14)
 

وليس من المصلحة أن يصبح الفقراء أغنياء حقيقة . فإنه لهم مظنة الفساد في الدين والدنيا معاً . وقد كان اختيار الفقر له في القضاء الإلهي صحيحياً ، فلا حاجة إلى التجاوز عليه وجعله في مصاف الأثرياء .

 

هذا ، وإنما يحصل بقاء الفقر والفقراء ، واستمرار الضروريات لكثير من الناس نتيجة عدم إطاعة الأحكام الشرعية ، وترك تطبيق الواجبات الدينية ، بدفع حقوق الفقراء . ولذا ورد عن أمير المؤمنين ( ما جاع فقير إلاَّ بما متع به غني ). هذا من جانب الفقير .

 

وأما من جانب الغني : فإنه أوجبت عليه الضرائب الشرعية بنسب قليلة لمصالح ندركها :

 

منها : عدم إطاقة الأغنياء من الناحية النفسية لدفع الزائد . فإننا نجد أن المال قد يصبح للفرد أعز عليه من نفسه وولده ، بدليل أنه مستعد أن يقتل في سبيله ، وأن يضحي بنفسه من أجل الحصول عليه أو المحافظة عليه ، إذاً فدفعه لنسبة عالية منه ، بعد أن حصل عليه بتعبه وكد يمينه وعرق جبينه أمر بمنزلة المستحيل .
 

ومنها : أن حال الغنى عليهم موجودة في القضاء الإلهي ، ولم يكن ذلك جزافاً . بل عن علم وحكمة من العليم الحكيم . كما ورد في الحديث القدسي ما مضمونه : رب الفقير لو اخترت له الغنى لأفسده . ورب غني لو اخترت له الفقر لأفسده .

ومن المعلوم أن دفع المال كله أو نسبة عالية منه موجبة لفقره وصعوبة معيشته . وهذا ما لم يكن في المصلحة بحسب القدر أو النظام الإلهي . ومعه فلا ينبغي أن يكلف الغني بذلك ، بل ينبغي الاقتصار على وجوب دفع القليل .

 

ولكن هذا القليل يكفي الفقراء كلهم . وذلك لو التفتنا إلى أمرين :

الأمر الأول : تعدد الأغنياء وكثرتهم . فلو دفع كل الأغنياء زكوات أموالهم لتجمع من ذلك عدد ضخم من الميزانية . 

صفحة (15)

الأمر الثاني : إن هذه النسبة المدفوعة من أي فرد من الأغنياء وإن قلنا إنها قليلة . وهي قليلة فعلاً ، بصفتها نسبة أو منسوبة إلى المال كله . إلاَّ أن المقدار المدفوع يزداد كلما ازداد المال . ومن هنا سوف تكون المقادير المدفوعة من أصحاب الملايين تعد بالملايين .

 

الفقرة ( 8 )

 

وقد جعل الله الزكاة على أهم الأشياء وأعمها في المجتمع وأكثرها ضرورة للفقراء . وأهمه الطعام بشكل رئيسي من حيوان ونبات . ثم المال الذي يمكن به للفقير أن يشتري به حاجاته الأخرى . أعني النقدين : الذهب والفضة .

 

وإذا كفى الفرد الفقير مشكلة طعامه ولباسه ، لم تبق له مشكلة حقيقية في الجوانب الأخرى ، حتى لو فرضناه عاطلاً عن العمل . مع العلم أنه ليس المفروض فيه ذلك . لا شرعاً ولا اجتماعياً ولا قانونياً . وليست البطالة هي الحال الغالبة في أي مجتمع . فيكون ما يحصل عليه من الزكاة إلى جنب عمله ، كافياً جداً لسير حياته .

 

هذا مضافاً إلى موارد استحباب الزكاة ، فإنها موارد كثيرة في الدواب وفي الحبوب وفي أنواع التجارات. والمستحب وإن لم يكن ملتزماً به التزاماً كاملاً ، من قبل المتشرعة ، إلاَّ أنه يعبر تعليماً شرعياً متكاملاً وصحيحاً ، وأمراً شرعياً محترماً . والمفروض بالتشريع تطبيقه وامتثاله . فإذا فرضنا أن المتمولين كلهم أصبحوا متشرعة ومتورعة . كما هو المفروض في المجتمع المؤمن ، إذن سوف تكثر موارد الزكاة كثرة كبرى. ولعلها تفيض عن حاجة الفقراء كثيراً .


إلاَّ ان الذي يهون الخطب أن الشريعة فتحت أبواباً أخرى غير سهم الفقراء لصرف الزكاة ، كما سنقول . وأهمها وأعمها في سبيل الله . فإنه باب لكل قربة ولن تستطيع أية كمية من المال مهما كثرت ان توفي حقه بالكمال .

 

صفحة (16)

 

الفقرة ( 9 )

 

ونسبة الزكاة ضئيلة ولا يمكن أن تخطر في البال كونها مجحفة بالمالك أو أنها صعبة عليه ولو قليلاً .

فهي في الغالب لا تتعدى جزءاً من أربعين جزءاً من المال ( النصاب ) بل قد تصل إلى نسبة واحد بالمئة .

 

وقد لا يكون في المال زكاة بالرغم من أنه لا يختلف عن المال الآخر الزكوي بمقدار معتد به أو ملفت للنظر ، إلاَّ لمجرد أنه غير حاصل على شرائط وجوبها ، كالغنم المعلوفة أو الجمال العاملة لمصلحة مالكها . كما لو كان يستعملها في الحمل أو السفر . فلا يكون فيها زكاة إطلاقاً .

 

ولو أردنا أن ننظر إلى النسب التقريبية الضئيلة للزكاة . أمكننا استعراض مواردها كما يلي . وإنما قلنا تقريبية لعدم انضباط القيمة السوقية في النصاب والطريقة المدفوعة إلى المستحق . فقد تختلف قليلاً أو كثيراً وباختلافها تختلف النسب . ولكنها على أي حال لا تعدو أن تكون نسباً ضئيلة .

 

أما نصب النعام الثلاثة فكما يلي :

 

خمسة نصب في كل خمس من الإبل شاة واحدة . ولعلها لا تعدو جزءاً من مئة جزء من قيمتها أو أقل .

 

ثم ست وثلاثون وفيها بنت لبون ثم ست وأربعون وفيها حقة ثم إحدى وستون وفيها جذعة . وهذا معناه أن المدفوع من هذه الأعداد من الإبل واحداً منها فقط وله عمر صغير . والصغير هنا كما هو أسهل على المالك أفضل ، في نفس الوقت للمستحق ، باعتبار كونه أرق لحماً من ناحية وأكثر فرصة للاستفادة التجارية منه من ناحية أخرى .

 

ثم ست وسبعون من الإبل وفيها بنتا لبون ، ثم إحدى وتسعون وفيها حقتان . وهذا معناه أننا دفعنا عن هاتين الكميتين اثنين من الإبل فقط . وهي نسبة لا تختلف كثيراً عن النسب السابقة . وإن كانت أكثر منها بجزء ضئيل كما هو معلوم لمن يفكر .

 

صفحة (17)

 

والنصاب الأخير من الإبل هو مائة وإحدى وعشرون ، فإذا ملك الفرد ذلك , وجب عليه أن يدفع لكل أربعين بنت لبون ولكل خمسين حقة .

وبهذا نعرف أن الواجب في الإبل من الزكاة هو نسبة واحد من أربعين فأقل ، أو قل : واحد بالأربعين إلى واحد بالمئة ، وهذا بالتقريب مع أخذ اختلاف القيمة في الأسواق بنظر الاعتبار .


وأما البقر ففيه نصابان :

ففي كل ثلاثين تبيع أو تبيعه . وفي كل أربعين منها : مسنة .

وواضح أن معناه أننا دفعنا واحداً من البقر الصغير فقط عن ثلاثين منها وعن الأربعين . فالنسبة هي جزء من ثلاثين وجزء من أربعين .

وهنا ينبغي أن نلتفت إلى أن ( العفو ) من الأنصبة ، وهو ما بين النصابين ، يغير النسبة إلى الأقل . فإننا – مثلاً – كما ندفع تبيعاً من البقر من ثلاثين كذلك ندفعه عن ثمانية وثلاثين ، ولا يتبدل النصاب ما لم يبلغ أربعين . وكما تدفع شاة واحدة عن خمسة من الإبل كذلك ندفعها عن تسعة ، ولا يتبدل النصاب ما لم تبلغ عشرة ، وهكذا . هذا مضافاً إلى الحيوانت التي لم تبلغ حد النصاب الأول ، فلا تكون عليها زكاة إطلاقاً . وهذا أيضاً ينطبق على نصب الغنم التي نقولها الآن .

 

ففي الغنم خمسة نصب : أربعون وفيها شاة . وهي واضحة في نسبة الواحد من الأربعين .

ثم مئة وإحدى وعشرون ، ففيها شاتان ، وهي نسبة واحد من ستين تقريباً .
ثم مائتان وواحدة ، وفيها ثلاث شياه . وهي نسبة تقرب من واحد من سبعين : إذ لو كان النصاب مائتين وعشرة لكانت هذه النسبة تامة عندئذٍ ...

ثم إذا بلغت ثلاثمائة وواحدة ، وقيل إذا بلغت أربعمائة وواحدة ، في كل مائة شاة والنسبة  هنا واضحة أنها جزء واحد بالمئة . كما أنه واضح في الغنم أنه كلما زاد العدد قلت النسبة . ولم يكن هذا الأمر واضحاً في الإبل والبقر . فهذه نسب زكوات الحيوان أو الأنعام الثلاثة .
 

صفحة (18)

أم النبات ، وهو الحنطة والشعير والتمر والعنب . فإذا بلغ النصاب . كان المدفوع منه هو جزء من عشرة إذا كان السقي بدون تعب وأجور كنزول المطر وفيضان النهر . وجزء من عشرين إذا كان السقي بالآلات أو الأجور .

 

ومن هنا نعرف أن النسبة في النبات أعلى منها في الحيوان . بل هي أعلى من زكاة الذهب والفضة أيضاً ، كماسنقول . فبعد أن نعلم أن الزكاة لا تجب في غير هذا المجموع ، نعلم أن النسبة الزكوية في النبات هي أعلى النسب على الإطلاق .

 

وليس كل ذهب وفضة مما تجب دفع الزكاة عنه أو فيه . بل خصوص الذهب المسكوك بسكة المعاملة ، يعني القابل للتداول سوقياً . ومن المعلوم أن هذا غير موجود في عصورنا الحاضرة ، فيكون هذا النوع من الزكاة غير موجود بطبيعة الحال وإنما يكون متوقعاً على وجود موضوعه ، وهو تداول النقود الذهبية والفضية  في الأسواق . وإنما يذكره الفقهاء لأجل حفظ مضمون الشريعة ككل . فإنه جزء منها بطبيعة الحال . 

والنصاب في الذهب عشرون ديناراً . وفيه عشرة قراريط . وهو جزء من أربعين جزءاً من النصاب . على اعتبار أن الدنيا الواحد عشرون قيراطاً ، فما يجب دفعه إنما هو نصف دينار من عشرين ديناراً .

ونفس النسبة محفوظة في النصاب الذي بعده وهو أربعة دنانير ، وفيها قيراطان . فإنها ثمانون قيراطاً . فيكون القيراطان جزءاً من أربعين جزءاً منها.

 
ونفس النسبة
 تجري في زكاة الفضة ، فإن النصاب الأول مائتآ درهم وفيها خمسة دراهم ، وكلما زادت أربعين كان فيها درهم وهو واضح بقليل من التأمل .


صفحة (
19)

 

الفقرة ( 10 )

 

 

من أهم المستحقين للزكاة بنص القرآن الكريم الفقراء والمساكين ، وهم ضعاف الحال من الناحية الاقتصادية ، لكي تكون الزكاة هي موردهم الرئيسي أو الثانوي لسد النقص الذي قد يحصل في غيرها .

 

وللفقهاء جانبان في ذلك ، ولا حاجة لنا إلى تفصيلها . 

الجانب الأول : في الفرق بين المسكين والفقير ، وقد اختلفوا في ذلك جداً .

 

وما اخترناه هو كون المسكنة هي الذلة ولا ترتبط بالفقر مفهوماً إطلاقاً . كل ما في الأمر أن الذليل ستكون ذلته سبباً لفقره لانقطاع الناس عنه وانسداد موارد العيش أمامه . ومقتضى إطلاق الآية الكريمة جواز إعطاء المسكين من حيث كونه ذليلاً . ولو كان غنياً . إلاَّ أن هذا غير محتمل فقهياً .

 

فالنتيجة أن كلا اللفظين دالان على الفقر عملياً ، إلاَّ أن الفقير قد يكون عزيزاً وشريفاً في قومه . فهو المقصود من اللفظ الأول ( الفقراء ) . وقد يكون الفقير ذليلاً يعني من الطبقة المتدنية في المجتمع . ومن المستطاع القول بأنهم كلهم فقراء اقتصادياً . فيكون المراد هو الإشارة إليهم في الآية الكريمة في قوله : المساكين .

 ومن هنا قد يكون الترجيح لكون المسكين أجهد حالاً من الفقير كما في بعض التخريجات المشهورة ، على اعتبار أن الفقير يتصف بصفة واحدة هي الضعف الاقتصادي ، والمسكين يتصف بصفتين هي الضعف والذلة . أو باعتبار أن الفقير قد يكون شريفاً في قومه بخلاف المسكين .

 

الفقرة ( 11 )
 

وإذا فهمنا من الزكاة المعنى المعنوي ، أمكننا أن نفهم من الفقير والمسكين الأمر المعنوي أيضاً . ويكونان من المستحقين لتلك الزكاة المعنوية .

 

وقد وردت الإشارة إلى الزكاة المعنوية في القرآن الكريم في عدد من آياته ، قال تعالى : ﴿ قد أفلح من زكاها . أي من زكى نفسه . وقال : ﴿ قد أفلح من تزكى . وقال تعالى : ﴿ لا تزكوا أنفسكم – بل الله يزكي من يشاء . والمشهور أن الإشارة في الآيتين الأخيرتين على ادعاء الزكاة والصلاح للنفس ، وهو قبيح .
 

صفحة (20)

 

بل زكاة المال وغيرها ، لاتصلح أن تكون متصفة حقيقة بهذه الصفة ، ما لم ترجع إلى الزكاة المعنوية . باعتبارها معمولة في سبيل الله سبحانه ن فتكون سبباً لطهارة النفس وتعميق صفة الصبر والتقوى فيها . قال الله تعالى : ﴿ خذ من اموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها . فسواء كان المراد أن الطهارة بدفع الزكاة تكون للأموال أو أنها تكون للنفوس ، فإن المراد بها على أي حال هو الطهارة المعنوية الناتجة عن الزكاة . وأن كان الأقرب أن المراد بها طهارة النفس . ولذا نسبته إلى الدافع لا إلى المال بقوله :﴿ تطهرهم وتزكيهم بها.

 

والوجهان محتملان من قوله تعالى : ﴿ والذين هم للزكاة فاعلون أعني الزكاة المالية والزكاة المعنوية . ولكننا حيث فهمنا الجانب المعنوي على أي حال ، كان السياق أقرب إليه لا محالة . ولذا فهم منها الراغب في المفردات : كل عبادة وتقرب إلى الله تعالى يوجب زكاة النفس وترقيها في عالم الكمال .

 

وعلى أي حال ، فالمستحق للزكاة المعنوية ، ذو جانب معنوي أيضاً . فلا يكون المراد من الفقير : الفقير اقتصادياً ، ولا من المسكين الذليل اجتماعياً .

 

وقد أشير إلى هذا الفقر بقوله تعالى : ﴿ يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله كل ما في الأمر : أن بعض الناس لا يشعر بهذه الصفة ولا يعيشها وجداناً ، والبعض الآخر يشعر بها ويعيشها ، وهي الصفة الواقعية بنص الآية، والشعور بها نحو أدب أمام الله سبحانه والتزام بالواقع ، ويكون مقدمة لنيل العطاء الإلهي .

 

قال تعالى :- ﴿ إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله . يعني أنهم إذا لم يكونوا فقراء ولم يشعروا في أنفسهم بهذه الصفة ، لم يكونوا مستحقين للعطاء . وبهذا يتبين معنى استحقاق الزكاة أيضاً .

وأما صفة المسكين ، فيمكن أن نفهمها معنوياً ، باعتبار الذلة أمام الله سبحانه . وليس للإنسان أن يقدم غير الذلة والعبودية والخضوع أمامه جل جلاله .

 

صفحة (21)

الفقرة ( 12 )

 

ولا ينبغي أن يفوتنا تقسيم الفقر والمسكنة إلى تقسيمين :

التقسيم الأول : تقسيمها إلى صفة دنيوية وصفة أخروية . أو قل : اجتماعية ومعنوية .

التقسيم الثاني : تقسيمها إلى صفة ثبوتية وصفة إثباتية . يعني لإلى صفة واقعية يتصف بها الفرد حقيقة ، وإلى صفة إثباتية مدعاة للفرد يشعر بها في وجدانه .

 

ويضرب نتيجة التقسيمين تكون الأقسام أربعة : 

القسم الأول : الفقر والذلة الدنيوية ، من ناحية واقعية ، أي اتصاف الأفراد بها . وهي التي تكون موضوعاً لاستحقاق زكاة المال وسائر الصدقات . 

القسم الثاني : الفقر والذلة الأخرويين أو المعنويين ، من ناحية واقعية ، اي اتصاف الفرد بها . وهي أمر ثابت لكل الخليقة ، بغض النظر عن مراتبها وخصائصها .
القسم الثالث : الشعور بالفقر والذلة الأخرويين أو المعنويين ، وهما الموضوع المتكامل للعطاء الإلهي معنوياً. وباصطلاح المتشرعة : إن عليه ثواب جزيل .

القسم الرابع : الشعور بالفقر والذلة الدنيويين . وإبرازهما أمام الآخرين ، بصدق لشكوى أو الترحم ونحو ذلك.

وهذا القسم مذموم في النصوص الإسلامية قال الله تعالى : ﴿ ضربت عليهم الذلة والمسكنة ، ويراد من الذلة هنا الصفة الواقعية ومن المسكنة إطهارها للآخرين ، وفي الحديث : " كاد الفقر أن يكون كفراً ".
 

ويقابل الفقر الغنى ،  كما يقابل المسكنة والذلة : العزة . وكلاهما ينقسمان أيضاً بنفس التقسيمين السابقين ، فتكون بذلك ، أقسامها أربعة أيضاً :

 

القسم الأول : الغنى والعزة الدنيوية ، من ناحية الصفة الواقعية ويراد هنا بالغنى الثروة وبالعزة الأهمية والشرف في المجتمع ولكل منهما نتائجها التي لا تخفى .

القسم الثاني : الشعور بهذه الصفات الدنيوية ، لمن يكون متصفاً بها . وهو أمر مذموم في النصوص الإسلامية.

 

صفحة (22)
 

فمن ذم الشعور بالغنى قوله تعالى : ﴿ لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء . ومن ذم الشعور بالعزة قوله تعالى : ﴿ أيبتغون عندهم العزة ، فإن العزة لله جميعاً . وقوله تعالى : ﴿ وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم .

 

وهو نفسه التكبر والاستكبار المذموم في القرآن أيضاً ، لأنه قد ينتج ، بل غالباً ما ينتج التكبر عن الحق والهدى ، فيقع الفرد في الضلالة والعصيان ، قال الله تعالى : ﴿ إنه لا يحب المستكبرين - ﴿ فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة وهم مستكبرون - ﴿ فاستكبروا وكانوا قوماً مجرمين - ﴿ إن الذين كذبوا بآياتنا واستبكروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط إلى غير ذلك من الآيات .

 

القسم الثالث : الاتصاف الواقعي بالغنى والعزة ، المعنويين .

 

أما الغنى فهو إما بمعنى الاستغناء عن آمال الدنيا وآلامها ، والإعراض عن حبها ، وهي صفة لله لو نظرت بالمعنى الكامل ، باعتباره سبحانه مستغنياً عن كل خلقه ﴿ وهو الغني الحميد . وصفة للمؤمنين باعتبار استغنائهم بالله سبحانه عن الدنيا وما فيها .

 

وإما أن يكون العنى بمعنى القناعة . ومنه ما ورد ، بمضمون أنه:إذا ظهر القائم ملأ الله قلوب أمة محمد  (صلى الله عليه وآله وسلم ) غنى . ولم يقل جيوبهم أو بيوتهم .


وأم العزة فهي أيضاً بالغنى المطلق منسوبة إلى الله سبحانه وصفة له ، فهو ﴿ العزيز الجبار المتكبر ﴿ فإن العزة لله جميعاً . وبمعنى أدنى من ذلك منسوبة إلى المؤمنين قال تعالى : ﴿ ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ، ولكن المنافقين لا يعلمون . وقال : ﴿ من كان يريد العزة فلله العزة جميعاً . يعني أن العزة الحقيقية للمؤمنين هي المستقاة من عزة الله سبحانه ، وليس باعتبار الأمور الدنيوية وأضرابها . وفي بعض النصوص في وصف المؤمنين . فبعزته يعتزون .

 

صفحة (23)

 

القسم الرابع : الشعور بالغنى المعنوي والعزة المعنوية . فإن كان ذلك ثابتاً كان مثل التكبر ، بل هو التكبر بعينه ، لا يختلف عن الاستكبار الدنيوي بشيء معتد به . وإن كان منسوباً إلى الله سبحانه دائماً ، فأكرم به وأنعم .

 

فإن المفروض بالمؤمن الشعور بالذلة في الدنيا . قال تعالى : ﴿ أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين ﴾. والعزة في الآية باعتبار الاستغناء عن الكافرين وباعتبار أن التكبر على المتكبر عبادة . والتذلل أمام المؤمنين وأمام ذوي الحق هو تذليل أمام الله سبحانه : قال تعالى : ﴿ واخفض لهما جناح الذل من الرحمة ﴾.

 

والذلة المعنوية في الدنيا مطلوبة ، ومحمودة ، وأما في الآخرة ، فمذمومة . قال تعالى :  ﴿ سينالهم غضب من ربهم وذلة . وأهل جهنم عموماً أذلاء مذمومون . قال تعالى : ﴿ يصلاها مذموماً مدحوراً .

 

والواجب على العبد أن يقدم أمام الله الذلة والخضوع ليتصف بالعزة . والذلة لها معنى العبودية لله سبحانه . وهي بالمعنى المتكامل أفضل من النبوة والرسالة . وقد ورد : " إنهن جعلني عبداً قبل أن يجعلني رسولاً "، كما قال تعالى : ﴿ عبده ورسوله .

 

وكذلك الحال بالمؤمنين قال تعالى : ﴿ وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً  .

وقال : ﴿ لأغوينهم أجمعين إلاَّ عبادك منهم المخلصين . وقال تعالى : ﴿ واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربَّه وأني مسَّني الشيطان بنصبٍ وعذابٍ . إلى غير ذلك من الذكر الحكيم .

 

الفقرة ( 13 )

 

من جملة العناوين المستحقة للزكاة ويجوز صرفها عليهم : العاملون عليها . وهم جباة الزكاة وجامعوها من مالكيها . فيأخذون أجراً على جبايتها ، أو يتعيشون مما يجبون بإذن الحاكم العادل .
 

صفحة (24)

هذا إذا فهمنا من الزكاة الجانب المادي أو الاقتصادي .

وأما إذا فهمنا الجانب المعنوي ، كان للعاملين عليها أمر معين ، من حيث إن الإنسان إما أن يزكي نفسه بالعمل الصالح ، وإما أن يزكي غيره بالهداية والتعلم .


ولا ينبغي هنا أن يخطر في البال : كيف يجوز أن يزكي الفرد نفسه وقد قال الله تعالى : ﴿ فلا تزكوا أنفسكم .

فإن جوابه : إن هذا راجع إلى بيان مدح النفس وذكر مميزاتها . فإنه ممنوع أخلاقياً . وأما التسبب إلى التكامل فهو مسلم الصحة وواضح الإنتاج . وفي الحكمة : إن القدم الأول من العبد والباقي من الرب . وقال الله تعالى : ﴿ وسعى لها سعيها وهو مؤمن . ولا يحتمل حصول الثواب والرحمة بدون عمل . فالمراد من تزكية النفس هو العمل لإصلاحها ، وهو غير منهي عنه في الآية الكريمة .
 

إذن ، فالعاملون على الزكاة المعنوية منقسمون إلى من يصلح نفسه وإلى من يصلح غيره .

 

وكلاهما مستحق لها . أما من يصلح نفسه فباعتبار أنها هي النتيجة الطبيعية أو الحقيقية لعمله . وأما من يصلح غيره ، فباعتبار أن التعليم والهداية نفسه عمل من الأعمال الصالحة ينتفع بها كما ينفع بها غيره .

مضافاً إلى أن تعليم الغير نافع للمعلم فكرياً وعقلياً أيضاً ، فإنه كثيراً ما يكون موجباً لانفتاح الذهن إلى عدد من الحقائق والأفكار لم يكن ملتفتاً إليها فيما سبق .

 

ولا ينبغي إهمال الإشارة إلى أن إصلاح النفس سابق على إصلاح الغير . ولا معنى لإصلاح الغير مع فساد النفس . وقد قالوا في الفلسسفة : إن فاقد الشيء لا يعطيه . وقال الشاعر :

          يا أيــــها الرجل المعلم غــيره                هلا لنفسك كان ذا التعليـم

          تصف الدواء لذي السقام وذي الضنى                 كيما يصح به وأنت سقيـم

          ابدأ بنفسك فانهها عن غيـــــها                 فإذا انتهت عنه فأنت حكيم

 

صفحة (25)

الفقرة ( 14 )

 

ومن جملة مستحقي الزكاة هم المؤلفة قلوبهم .وقد خصها مشهور الفقهاء بالكفار الذين يستمالوون إلى الجهاد في صف المسلمين بالمال . ويسمون باللغة الحديثة بالمرتزقة . وهو أمر لا مانع منه عقلاً ولا شرعاً ولا أخلاقياً . بل هو أمر راجح ما دام في ذلك مصلحة للدين وحفظ لنفوس المسلمين .

 

وأما المؤلف ، فقد عرفهم في ( المنهج ) قائلاً : وهم المسملون الذين يضعف اعتقادهم بالمعارف الدينية ، يعني أصول الدين فيعطون من الزكاة ليحسن إسلامهم ويثبتوا على دينهم . أو الكفار الذين يوجب إعطاؤهم الزكاة ميلهم إلى الإسلام ، أو معاونة المسلمين في الدفاع أو الجهاد ضد الكفار .

 

ومن هنا يتضح أن المسألة هنا ترتبط بضعف العقيدة عموماً بحيث يكون الصرف فيها نافعاً للدين بشكل وآخر. فإن تأليف القلوب عبارة عن كسب المحبة . وله أسباب عديدة ، منها المجاملة ومنها القربى ومنها المال .
 

ومن الاعتيادي أن ضعيف العقيدة ، بعيد المحبة عن المؤمنين ، وخاصة الكافر ونحوه . فيمكن استمالتهم وتأليف قلوبهم بالمال . وتكون لذلك عدة نتائج نظرية وعملية . منها :

1. قوة العقيدة في نفس المؤمن الذي كان ضعيفاً فيها .

2. تقريب المسلمين الآخرين إلى جانب الحق . إما بالتزامهم به أو بجلب عاطفتهم له أوبكفاية شرهم عنه .

3. تقريب الكفار من أي دين أو مذهب إلى جانب الحق بأحد الأشكال الثلاثة السابقة .

4. استعمال الكفار كمقاومين في ضمن الجهاد المقدس الإسلامي .

 

وهو المعنى المشهور به ، وهذا يشمل كثيراً من فعاليات الجهاد وأساليب وحاجات الحرب كما هو واضح . ولا ينبغي أن يكون المقصود هو خصوص الوقوف في خط المواجهة .

 

صفحة (26)

 

هذا . وأما استعمال كل هؤلاء في أعمال أخرى غير الجهاد ودفع أجور لهم ، فهو لا يدخل في هذا السهم . 

كما أن استعمال ضعاف العقيدة من المؤمنين في الجهاد ، باعتبار هذا السهم أيضاً مشكل فقيهاً . ولكن قد يكون استعماله لسائر المسلمين لدفاعهم عن الحق وجه وجيه .

 

وأما استعمال هذا السهم في تعليم هؤلاء للدين الحق وتثبيتهم فيه نظرياً ، أو استعماله للمكر بهم من أجل دفع شرورهم . فهو أيضاً مشكل فقهياً . ولكنه إن تمّ فهو مندرج في سهم آخر من الزكاة وهو سبيل الله على ما سيأتي .

 

فهذا مختصر عن الجانب الفقهي للمستحقين لهذا السهم .

وأما معناه الأخلاقي ، فتأليف القلوب وتقريبها إلى المحبة ، يكون بأسلوب من أساليب النفع . وفي الحكمة : أحبك يا نافعي . فلو انتفى النفع انتفى الحب . وهذا صادق حتى على الأرحام بل الأرحام القريبة كالأب والأخ . وإن كان افتراض عدم  وجود النفع بينهم نادر .

 

بل هو شامل ـ في مستوى الإنسان الاعتيادي ـ حتى الله سبحانه وأوولياؤه . فيما لو تصور الفرد أنهم غير نافعين له .

 

وعلى أي حال ، فالنفع إن كان دنيوياً اكتسب مسديه أو مؤديه الحب الدنيوي ، لو صح التعبير ، من قبل المستفيد ، وإن كان النفع أخروياً اكتسب الحب الأخروي . وهو الحب الأهم والأوضح في الشريعة وفي ارتكاز المتشرعة ، وهو المفهوم من قوله تعالى : ﴿ يحبهم ويحبونه . وقوله عليه السلام : " ما عبدتك خوفاً من نارك ولا طمعاً في جنتك ولكن وجدتك أهلاً للعبادة فعبدتك " .

 

وهناك تعليق بسيط على هذه الآية . باعتبار أن حب المؤمنين لله سبحانه بني على انتفاعهم منه دنيوياً وأخروياً وحب الله للمؤمنين باعتبار طاعتهم له وتركهم لما ينهى عنه ، فقد اعتبرها الله سبحانه شكلاً لذاته ، وإن كان هو سبحانه غنياً عن العالمين حقيقة .

 

صفحة (27)

وعلى أي حال ، فتأليف القلوب بالنفع موجود على كل المستويات ، إلا من استطاع الارتفاع عن ذلك في مدارج الكمال ، وهو أيضاً يمر لا محالة في مراتب تكامله بمثل هذه الأمور .

 

فمبجرد أن يكون الفرد محتاجاً لشيء دنيوياً أو أخروياً . ويحزر الفرد الآخر أن عنده قضاء حاجته ، يكون الأول مستحقاً لدفع هذه المنحة أو الصدقة أو الزكاة ما شئت فعبر . وكل قضاء حاجة هو صدقة وزكاة وقربة إلى الله سبحانه ما دام الإخلاص فيها متوفراً .

 

فإن قلت : إن المؤلفة قلوبهم لا يعرفون بإعطائهم المال أنهم من المؤلفة قلوبهم ، بل هم لا يعرفون ذلك ولا يلتفتون إليه لا قبل دفع المال ولا بعده .

ولا يقال لهم أيضاً : إننا نعطيكم من سهم المؤلفة قلوبهم . إذ لو قيل لهم ذلك ، لكان احتمال رفضهم راجحاً ، فيفشل المشروع لا محالة .

 

وهذا بخلاف الفقراء والمساكين والعاملين عليها وابن السبيل ، فإنهم يعلمون بصفتهم هذه قبل دفع المال وبعده. ويمكن أن يقال لهم ذلك .

 

والفرق الآخر : أنهم غير مشترطين بالفقر . وإلا لاندرجوا في سهم الفقراء . ومتقضى إطلاق الآية عدم الاشتراط .

فما هو المعطى الأخلاقي لهذه الفروق ؟؟

أما الفرق الأول : فينبغي أن يكون واضحاً ، لإمكان القول : بأن المعطي ، وهو من يقضي حاجة الآخر ، لا يكون ملتفتاً إلى أن علمه ينطبق عليه معنى سهم المؤلفة قلوبهم . كما قلنا الآن بالتحليل فكيف بالأخذ .

وأما الفرق الثاني : فالفقر أخلاقياً ، هو الافتقار إلى التكامل ، أو إلى الدخول أو الوصول إلى أي درجة أو رتبة لم يكن الفرد قد وصل إليها . سواء كان ذلك في الدرجات الدانية أو الدرجات العالية .

 

أما إذا كان في الدرجات الدانية ، فهو فقير أخلاقياً ، بمعنى كامل أو بقول مطلق . وأما إذا كان في الدرجات العالية ، فهو وإن كان يصدق عليه الغنى أخلاقياً من هذه الناحية ، إلا أنه مفتقر إلى وصوله إلى الدرجة التي بعدها ، وهذا يكفي .

 

صفحة (28)

 

وأما مسألة إطلاق الآية لكون المؤلفة قلوبهم لم يشترطوا بالفقر ، فهو صحيح أخلاقياً ، ومعناه عدم اشتراط التربية بالدرجة المتدنية من الكمال ، بل تشمل الدرجات العليا أيضاً .

 

يبقى سؤال واحد قد يخطر على بال القارئ الكريم ، وهو أن سهم المؤلفة قالوا إنه خاص بالكفار الذين يستمالون إلى الجهاد . في حين لا يمكن أن نسمي المتكاملين كفاراً بأي حال .

 

ويجاب : بأننا قلنا إن هذا السهم يشمل المسلمين أيضاً من حيث تشجيعهم وتقوية عقائدهم . ومن هنا أمكن الشمول أيضاً في المعنى الأخلاقي .

 

بل يمكن القول : إننا نستطيع أن نسمي المتدنين في الكمال كفاراً ونسمي المتكاملين مسلمين . أخذا بقوله تعالى : ﴿ وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون . وكل مشرك كافر . وبقوله تعالى : ﴿ فمن أسلم فأولئك تحروا رشداً  .

 

الفقرة ( 15 )

 

ومن جملة مستحقي الزكاة : الرقاب . وهم العبيد يشترون ويعتقون ، على تفصيل مذكور في محله .

ولا شك أن العتق في نفسه يحتوي على جانب أخلاقي عالٍ ، سواء كان معوضاً أو غير معوض .

 

فإن لم يكن معوضاً ، بل كان خسارة وتضحية مجانية في سبيل الله ، فهذا واضح . وإن كان معوضاً ، أعني بإزاء ذنب ارتكبه الفرد . بحيث يكون العتق كفارة له ، وسداً لنقصه فهو أيضاً مهم . لأن الثغرة التي أحدثها الذنب أخلاقياً تحتاج إلى سد على أي حال . فالعتق خير سد أخلاقي لكلا قسميه . إلاّ أن العتق مقابل للرق والعبودية ، فلا بد من السؤال عن معنى العبودية أخلاقياً .

 

صفحة (29)

  

تلك العبودية مقابل أي سيطرة وتسلط فكل ما يسيطر عليك فقد ملكك  وكل ما ملكك فقد أصبحت عبداً له ، لا يختلف ذلك في إنسان حاكم أو شهوة قائمة أو مذهب ملتزم أو فكرة مسيطرة .

 

فإن كل ذلك إن كان الباطل ، كان رقية باطلة ، والعتق منها ضروري . وأما العبودية الحقة : فهي مطلوبة ، والعتق منها مرفوض .

 

فمن جملة موارد العبودية الباطلة أو المتدنية ، عدة موارد :

منها : الأهداف الدنيوية للمصالح الشخصية مهما كانت صفتها .

ومنها : صور الإدمان ، والاعتماد على بعض الامور ، كالكحول أو المخدرات أو السكاير أو الشاي بل حتى الاعتياد على مخالطة الناس وممارسة لعبة معينة . أو على كثرة الأكل أو حتى تكرار كلمة معينة تكون عكازة في الكلام . وغير ذلك كثير .

والمهم أخلاقياً ، هو سيطرة فكرة باطلة ، أو مسلك غير صحيح ، أو شك من الشكوك في القلب أو مرض نفسي وغير ذلك كثير .

 

فإن كل ذلك في الحقيقة عدو من الأعداء أو قل هو سلاح العدو الأبر وهو الشيطان . ومن هنا يكون الانعتاق منها لطفاً ونعمة ، ونجاة من مثل هذا العدو .

 

وفي الحقيقة إن العبودية الدنيوية ليست إلاّ لأمرين للأسباب التي ليس لها حقيقة ، وإنما الله هو مسبب الأسباب، وللشهوات المبعدة عن الله والمضلة عن طريق الحق ، ويكون العتق بقطع كل ذلك لا محالة .

 

وقد قال الفقهاء : إن هذا السهم يصرف للعبيد تحت الشدة . والعبودية الأخلاقية المشار إليها لا تكون ذات شدة ما دام الفرد منسجماً معها ومقتنعاً بها . وإنما تبدأ الشدة حين يعرف الفرد ضلالتها وسوءها ويحب التخلص منها والترفعه عنها . مع أنه يجدها غلاً في عنقه وقيداً في يده ، لا يمكنه رفعه ، وإنما حصل ذلك باختياره في زمن جلهه . فيقول لنفسه : جنت على نفسها براقش .. وهو اسم لكلبة . فيبقى ينوح ويتأوه إلى أن يجعل الله له من أمره يسراً .

 

صفحة (30)

الفقرة ( 16 )

 

ومن جملة مستحقي الزكاة : الغارمون .

وفسرها الفقهاء بأنهم الأفراد الذين ركبتهم الديون وعجزوا عن أدائها .

ويشترط فيها أمران :

أحدهما : أن لا تكون هذه الديون مصروفة بالباطل . فإن كانت كذلك لم يعط من الزكاة لأدائها .

ثانيهما : أن يكون الفرد صالحاً في نفسه مؤدياً لفرائض ربه . كالصلاة التي هي عمود الدين .


مضافاً إلى شروط أخرى يمكن أن يستفاد من عباراتهم ذاتها . وهي قولهم : ركبتهم الديون . حيث قد يرا منها فداحة الدين لصاحبه . يعني زيادة نسبة الدين على الدخل ، بحيث تستبعد قدرته على أدائه بأية حال . فان كانت حاله أفضل من ذلك اقتصادياً لم يعط .

 

ولكن قد تفسر العبارة بكون رقم الديون عالياً . وكلها مما يعجز عن أدائها عادة . فلو كان الدين قليلاً لم يعط من الزكاة  ، ولو كان عاجزاً عن أدائها .

وهذا الوجه قابل للمناقشة فقهياً ، لا أقل من كونه مخالفاً لإطلاق الآية ، من حيث صدق الغارم على المدين بالقليل وعلى المدين بالكثير ، ما دام يستبعد قدرته على أدائه . وتمام الكلام في محله .


وإنما المهم الآن أن نلتفت إلى معنى الغارم أخلاقياً . ويمكن أن نعبر عنه أنه الذي أكل حق الغير وغطمه بدون استحقاق ، كما أن المدين يأكل أموال الدائن وهي ليست له .

 

وهذا الغير الذي يغمط حقه صنفان لأنه : إما أن يكون هو المخلوق وإما أن يكون هو الخالق ، فذلك الآخر يكون مديناً أو غارماً .

 

 صفحة (31)

 

وإذا استقام هذا الفهم ارتبط الأمر مباشرة بحق الناس وحق الله ، فأي حق أديته لصاحبه ، فهو المطلوب ، وإلاَّ كنت مديناً على أدائه ، ومشغول الذمة أو المسؤولية في التحلل من صاحبه والتوبة أمامه جهد الإمكان .

 

وتفترق حقوق الناس عن حقوق الله تعالى بنقطة ضعف ونقطة قوة .

أما نقطة الضعف: فلأن حقوق الناس أهون غمطاً من حقوق الله . للفرق بين أهمية الله وأهمية الناس أنفسهم. لوضوح أن الفرق كلما كان أهم كان غمطه أصعب ، يعني أشد مسؤولية .

 

وأما نقطة القوة ، في حقوق الناس ، فلأن حقوق الله سبحانه أسهل أداء بالتوبة والإنابة ، والله سبحانه غفور رحيم ، وسريع الرضا . وهكذا أراد لنفسه جل جلاله معاملة الخلق بالرحمة التي وسعت كل شيء . في حين أن أداء حقوق الناس يتوقف على رضاء الطرف. مع أنه قد لا يرضى إلاَّ بصعوبة أو يكون استرضاءه صعباً ويحتاج إلى المرور ونحو ذلك . او قد تترتب عليه فتن . فيبقى الحق مسجلاً غير قابل للأداء .

 

ولسنا الآن بصدد ذكر تفاصيل هذه الحقوق , فإنها تخرج بنا عن صدد موضوعنا .

 

وإنما نريد الآن أن نعطي الأمثلة لحقوق الله سبحانه التي يمكن للعبد أن يغمطها ويتجاوز عليها ، وعند ذلك يكون العبد مديناً ويكون الله دائناً بالمعنى الأخلاقي ، إلاَّ أنه يختلف عن سائر الدائنين من عدة جهات :

 

أولاً : إنه يحلل دائنيه ويفرغ ذممهم من كثير من ديونه : بالعفو والصفح والمغفرة .

ثانياً : إنه يصبرعلى طول الدين . فإن تباطأ الفرد في أدائه عفا عنه .
وبالرغم من أن البطء دين آخر. إلاَّ أن المهم هو الأداء ولو بعد حين . وهذا معنى كون باب التوبة والإنابة مفتوح ما دام النفس موجوداً أي ما دام الفرد في هذه الحياة الدنيا .

ثالثاً : إن هذا الدين هو الذي يسبب للمدين طريق وفاء لما في ذمة المدين .

 

صفحة (32)

 

بل المسألة أكثر من ذلك ، فإن هذا الدين يعتبر ما أخذه من الدين من مدينه ديناً في ذمته يستحق عليه أداؤه .

وهذا معناه أن الله تعالى كأنه يعتبر نفسه مديناً بالثواب لعبده : على أعماله الصالحة وطاعته . غير أن الفرق أن العبد كان بمنزلة العاجز عن أداء حق ربه . عندما يك