كتاب الخمس
قال الله عز وجل في كتابه الكريم : ﴿ واعلموا أن ما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل – إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان – والله على كل شيء قدير ﴾ .
والفهم الفقهي لهذه الآية الكريمة هو الحكم بملكية هؤلاء الأصناف لخمس الغنيمة ، وقد فسرت السنة الشريفة، هذه الأصناف : بأن ما كان لله فهو لرسوله ، وما كان للرسول فهو لذي القربى ، وهو الإمام المعصوم ( ع ) ، وما كان للإمام فهو لنائبه العام أو الخاص . وما كان لليتامى والمساكين وابن السبيل فهو مشروط بأن يكونوا من بني هاشم ، ولا يجوز إعطاؤها لغيرهم ، كما لا يجوز إعطاء الزكاة إليهم .
والآبة لا تدل على وجوب الدفع ، بل تدل على ملكيتهم في العين ، بهذا المقدار من الكسر العشري ، فيجب دفع ما يملكون إليهم . من حيث أنه يجب إيصال كل مملوك إلى مالكه .
وفسر فقهاؤنا الغنيمة ، طبقاً للسنة المعتبرة بمطلق الغنيمة ، يعني كل مال يدخل في ملكية الإنسان مجدداً ولا تكون خاصة بالغنائم الحربية الجهادية ، ومن هنا شملت الهدية وأرباح السنة وغيرها .
ولا نريد أن نناقش في ذلك ، إذ لعل كل ذلك من ضروريات الفقه عندنا ، والأخذ به يكاد أن يكون إجماعاً .
وإنما نريد أن نخطو خطوة واحدة إلى باطن الآية لكي نستفيد من الجهة الأخلاقية . ومثل هذا الباطن يحتاج إلىمفتاح يدل عليه وطريق يوصل إليه .
صفحة (57)
واهم تلك الطرق وأسهلها هو إظهار فشل الفهم الظاهري للآية ، لينسحب عن الميدان ، ويحل محله الفهم الآخر الذي يصبح عند ذلك مبرهناً ومفهوماً أيضاً .
إذ يمكن أن يرد على الفهم المشهوري للفقهاء بعض الإيرادات :
الوجه الأول: بيان الوجه في فتح همزة (أن) في قوله تعالى : ﴿ فأن لله خمسه ﴾ فإن ذلك ، يبقى بلا وجه في هذا الفهم المشهوري . وكل فهم أوصلناه إلى تفسير ذلك ، يكون هو الأولى والأوفق بظاهر القرآن الكريم .
الوجه الثاني: إن العطف يكون حسب القواعد بتقدير تكرار العامل . فما هو العامل المكرر بالعطف في قوله تعالى : ﴿ وللرسول ولذي القربى ؟ ﴾ .
إن قلت : هو اللام . قلنا : كلا فإن هذا ظاهر وليس بمقدر ، فنحتاج إلى عامل مقدر غيره فقد نقول : إن المقدار هو المبتدأ أو اسم أن ، يعني وخمسه للرسول وخمسه لذي القربى . وعندئذ لا يكون من الممكن أن تحمل كل هذه الأخماس على كونها خمساً واحداً ، بل يتعين أن يكون متعدداً على إيضاح سيأتي بعونه سبحانه .
فإن قلت : إن الظاهر هو تكراره بنفس المدلول فلا يكون المراد منه متعدداً .
قلنا : إن قلنا به لزم تعدد ملكية المال الواحد لمالكين متعددين وهو محال فقهياً ، إلاَّ أن يحمل على معنى قد نشير إليه بعد ذلك .
الوجه الثالث : أنه قال : إن كنتم آمنتم . وهي جملة شرطية ، وفعل الشرط موجود ، وأما جوابها فيعرف مما قبله ، أي فلله خمسه وهذا متعين على القاعدة .
ومعنى ذلك أنكم إذا لم تكونوا آمنتم فليس لله خمسه . أو أن الحكم بوجوب دفع الخمس غير ثابت لأن المشروط لزم عند عدم شرطه . وهذا غير محتمل فقهياً.
الوجه الرابع : علاقة الخمس بالقتال فإنه يقول : يوم التقى الجمعان . فيختص
الخمس بغنيمة الحرب وهو على خلاف مشهور علمائنا .
صفحة (58)
فإن قلت : فإنه فسر بالأخبار المعتبرة بكل غنيمة .
قلنا : إذا اقتصرنا على هذا المقدار من التفكير ، لم تكن هذه الأخبار معتبرة ، لأنها مخالفة لظاهر القرآن وما خالفه سقط عن الحجية .
فلأي من هذه الوجوه الأربعة ، فضلاً عن الجميع لا بد أن نستأنف فهماً جديداً للآية الكريمة ، مع اعترافنا بأن ظاهرها المشهوري هو الصحيح والمتعين فقهياً .
وهنا ينبغي أن نلتفت إلى فكرة مقابلة لتلك الفكرة الواردة في السنة الشريفة والتي تقول كما سمعنا : ما كان لله فهو للرسول وما كان للرسول فهو للإمام وهذا صحيح ، إلاَّ أننا مع ذلك يمكن أن نقول العكس من حيث إن ما كان لليتامى والمساكين وابن السبيل ، فهو للإمام ، وما كان للإمام فهو للرسول ، وماكان للرسول فهو لله، فرجعت الأشياء كلها لله سبحانه فإنه ﴿ بيده الخلق والأمر ﴾ و ﴿ بيده ملكوت كل شيء ﴾ و ﴿ بيده مقاليد السماوات والأرض ﴾ ﴿ وإليه يرجع الأمر كله ﴾ .
فيكون المعنى المختصر للآية الكريمة أن كل غنيمة وعطاء ظاهري ومعنوي أو دنيوي وأخروي ، فهو لله سبحانه في المرتبة الأولى والأعلى والأكثر واقعية . فإن تنزلنا عن ذلك درجة قلنا إن ملكيته مقسمة خمسة أقسام : لله وللرسول ولذي القربى والمساكين ولأبناء السبيل . أما اليتامى فيكون إدراجهم ضمن المساكين ، وسيأتي عنهم مزيد إيضاح .
فينقسم جميع ذلك بين هؤلاء الخمسة بصفتهم فاعلين ومؤثرين لا بصفتهم منفعلين أو آخذين ، كما هو ظاهر الشريعة . وهذا كما ذكرنا في الوجه الثاني السابق .
كما يمكن أن نفهم منه : أن كلي العطاء منوط بهذه المؤثرات أو الأسباب الخمسة كل بحياله واستقلاله ، بحيث يصلح أي واحد منها أن يكون مؤثراً . وهذا العطاء أيضاً يحتاج من جانب الفرد إلى مزيتين لا يمكن أن يناله بدونهما ، وهما الإيمان والجهاد ، بمعناهما الظاهري أو الباطني . ومن هنا يرتبط صدر الآية بنهايتها : ﴿ إن كنتم آمنتم ... يوم التقى الجمعان ﴾ .
صفحة (59)
إن قلت : أما تسبيب الله ورسوله فقد عرفناه لأنه تعالى يقول : ﴿ أن يؤتيهم الله ورسوله من فضله ﴾ . فما هو الوجه في تسبيب المساكين وأبناء السبيل وأضرابهم ؟
أقول : لا شك أن الاية ميزت بين الصنفين فصنف اعتبرته المسبب الأعلى وهم الثلاثة الأوائل في الاية . وصنف اعتبرته المسبب الأدنى وهم الثلاثة المتأخرون فيها . بدليل الكلام اللازم وتغير السياق اللفظي .
فهذا الصف الثاني يمكن أن نفهمه على فهمين :
الفهم الأول : كونه من ضمن المسببين والمؤثرين كما سبق . وذلك بأن نحمل المعنى على كونه إشارة إلى الفرد المعطي نفسه من حيث إنه لا يكتسب صفة الاستحقاق للعطاء ، إلاَّ إذا اتصف بكونه من الفقراء وأبناء السبيل .
أما كونه من الفقراء فلتقديم فقره الحقيقي إلى اله عز وجل . قال تعالى : ﴿ يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله﴾.
وأما كونه ابن سبيل ، فلانقطاعه عن الأسباب الدنيوية وخروج حب الدنيا من قلبه .
وأما كونه يتيماً فليأسه من المخلوقين . وأن الأب المربي والمدرس المربي ليس لهما تأثير حقيقي ، ما لم يكن الله سبحانه هو الواهب والموفق .
ومن هنا كان الصنف الأول في الآية هو الفاعل الحقيقي ، وكان الصنف الثاني فيها متمم الاستحقاق للعطاء أو قل : إن الأول يمثل المقتضي والثاني يمثل عدم المانع ، باصطلاح الفلسفة .
الفهم الثاني : أن نعتبر الصنف الأول هو الصنف الفاعل والمؤثر فقط ، والصنف الثاني هو الطرف المنفعل والآخذ . باعتبار أن العطاء الذي يأتي إلى المؤمن ، يجب أن لا يكون حكراً عليه ، بل يجب عليه أن يوزعه بين المستحقين والمتحملين لمسؤوليته ،وبالآخرة : على المحتاجين إليه والمريدين له وهم اليتامى والمساكين وأبناء السبيل ، علىالمعنى الذي ذكرناه في الفهم الأول .
صفحة (60)
فإن قلت : إنما فهمنا مما سبق أن الشيء الواحد من العطاء مقسم خمسة أقسام ، لكل صنف من المذكورات قسم . مع أن الواقع أنها جميعاً لله عز وجل .
قلنا : نعم ، إلاَّ أن هذا بالنظرة الأعلى . وأما بنظر أدنى منه فهو موزع فعلاً بين هذه الأصناف .
ويمكن أن نفهم معنى آخر ، وهو أن يكون كل صنف مالكاً للجميع وليس هذا من قبيل الملكية الفقهية ليستحيل تعلقها بالجميع ، بل بمعنى تسبيب كل واحد منها ، بما هو أهله وبمقدار تأثيره في إيجاد هذا الشيء كله . ويكفينا أن نلتفت إلى أنه يلزم من عدمه عدمه ، أي أنه لولا هذا التأثير لكان هذا الشيء منعدماً أو هذا العطاء زائلاً .
فإن قلت : فإن الآية قالت : لله وللرسول . واللام تفيد الملكية لا التسبيب والعلية .
قلنا : إن العلة دائماً مالكة للمعلول ، بل هي الملكية الواقعية ، وليست الملكية الظاهرية إلاَّ وهماً بإزالتها .
وقد قالوا في الفلسفة : بأن المعلول يحتاج في وجوده وفي استمراره إلى العلة ، إذن فالعلة مالكة ومسيطرة على معلولها ، ما دام المعلول موجوداً ولا يمكنه أن ينفك عنها .
صفحة (61)
فإن قلت : فإن الآية ذكرت ستة عناوين مؤثرة ، مع أنها ذكرت الخمس ولم تذكر السدس .
قلنا : هذا له عدة أجوبة :
الجواب الأول : إرجاع العناوين الثلاثة الأخيرة إلى عنوان واحد ، هو : المحتاج عموماً . فتندرج الثلاثة فيه . وذلك : بقرينة عدم تكرار اللام فيما بينها .
إلاَّ أن هذا لا يتم لأن العناوين عموماً ستصبح أربعة لا خمسة ، فيتجدد الإشكال .
الجواب الثاني : أن نفهم انتساب العطاء إلى الفاعل المسبب ونفهم – كما سبق في بعض الوجوه – اقتصار التسبيب على الصنف الأول دون الصنف الثاني ، الذي اعتبر منفعلاً مستحقاً .
إلاَّ أن هذا لا يتم لأن المؤثرات سوف تصبح ثلاثة لا خمسة ، فيعود الإشكال . ما لم يتم الجواب عليه من زاوية باطنية أخرى لا مجال لشرحها .
الجواب الثالث : أن نحذف أحد العناوين الثلاثة المتأخرة . وقد أشرنا فيما سبق إلى أنه عنوان اليتيم ، بالرغم من كونه غنياً وعزيزاً في مجتمعه ، يكون مستحقاً . فإنه إنما يكون مستحقاً بصفته فقيراً أو مسكيناً فيندرج تحته .
فإن قلت : فإنه لا ضرورة لتقدير لفظ ( خمسه ) مراراً بعد تكرار اللام الظاهرة : ﴿ وللرسول ولذي القربى واليتامى ﴾ فإنه يكفي في تكرار العامل بالعطف .
قلنا : إننا إذا سلمنا بذلك خلافاً لما ذكرناه فيما سبق ، فقد اقتربنا إلى الفهم المشهوري ، ولكننا هنا فقط نريد أن نفهم من الغنيمة معنى معنوياً مع الاحتفاظ بأن العناوين الستة المدرجة في الآية الكريمة هم من الآخذين والمنفعلين ، ولم نلاحظ فيهم جهة الفاعلية والتسبب لأن مقتضى فهم المشهور هو ذلك .
وهنا يمكن أن نفهم من الغنيمة أحد أمرين :
الأمر الأول : ما سبق أن ذكرناه من أن المراد منه العطاء الإلهي على كل أشكاله . فيراد من دفع الخمس التسبيب إلى ذلك العطاء بالشكل المناسب له . فيكون الفاعل فيه هو الفرد وتلك العناوين منفعلة أو آخذة . ومن هنا قيل :عن القدم الأولى من العبد والباقي من الله .وعلة أي حال ، فيكون الفرد فاعلاً للخمس ، ومنفعلاً في غيره على الترتيب الذي سبق .
صفحة (62)
الأمر الثاني : أن نفهم من الغنيمة ما يشمل الذات نفسها فإنها أيضاً من عطاء الله سبحانه ، وعندئذ فلا بد من دفع جزء منها لله عز وجل خصوصاً ، ولكل هؤلاء المستحقين عموماً .
فإن قلت : فإنه ينبغي دفع كل الذات إليه سبحانه ، وليس خمسها أو كسر ضئيل منها .
قلنا : نعم ، فإن تلك الأخماس الباقية هي لله سبحانه وإنما يدفع الفرد بمقدار ما يشعر به من السيطرة على ذاته وقيادتها ، وهو ليس إلاَّ جزءاً ضئيلاًَ من الذات الكلية فإذا دفعه إلى الله سبحانه كانت الذات كلها له سبحانه .
مع الالتفات هنا ، إلى أنه لا يراد بالخمس تحديد الكسر المعين ، بل مطلق الكسر لضئيل ، الذي قد يختلف باختلاف الأفراد أنفسهم .
فإن قلت : ففإن الذات لا تدفع لغير الله سبحانه فكيف نصت الآية الكريمة على خلاف ذلك ؟
قلنا : إن الأمر كما قال السائل ، إلاَّ أن إعطاء الذات لله على غير مستوى إعطائها لغير الله ، ولو كان على غرار واحد ومستوى فارد لكان شركاً . غير أنها لله ومن يأمر الله بحبه أو نفعه فينفذ إرادة الله تعالى فيه . ولا شك أنه أمر بحب النبي وقرباه حاجة المحتاجين اقتصادياً ونفسياً وعقلياً وعلمياً .
في أن يكون الصنف الثاني في الآية ، مشترطاً بكونه هاشمياً عموماً أو عاويّاً خصوصاً . كما دلت على ذلك السنة المعتبرة الشريفة ، وللسنة المعتبرة أن تقيد القرآن الكريم .
ونحن حسب التفسيرين السابقين ، إما أن نعتبر الصنف الثاني فاعلاً ، وإما أن نعتبره منفعلاً ، فإذا اعتبرناه فاعلاً ، توقف فهم الآية على مقدمة مختصرة وحاصلها : أن الانتساب إما أن يكون نسبياً أي تربوياً وعلمياً .
صفحة (63)
ونحن نعلم أن الانتساب السببي أهم عند الله من الانتساب النسبي . بل هو الانتساب الحقيقي عقلياً وروحياً ونفسياً ، وعليه تترتب الآثار المعنوية المهمة وتدل على ذلك جملة النصوص كقوله تعالى : ﴿ يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ﴾ وهو إشارة إلى الولادة الاعتيادية ، وإنما يختلف الولد عن أبيه بهذه الصفات باعتبار تربيته وثقافته التي هي الولادة المعنوية الأساسية .
ومن هنا قال تعالى عن أحد أولاد نوح عليه السلام : ﴿ إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح ﴾ . فنفي الولادة النسبية باعتبار عدم أهميتها تجاه الولادة السببية التي كانت منتفية تجاه نوح باعتبار فسق الولد وفساده.
ومن هنا ورد : اللهم العن بني أمية قاطبة . وليس المراد من كان منهم نسباً بل من كان منهم سبباً . وعندئذ لا يمكن أن يكون صالحاً أو لا يستحق اللعن . وأما إذا كان منهم نسباً ولم يكن منهم سبباً لم يستحق اللعن .
إذن فالعمدة الأهم هو الانتساب المعنوي لا النسبي . ومن هذا القبيل الانتساب إلى بني هاشم وإلى النسب العلوي الشريف .فإنه إنما يكون بالجانب الأهم وهو عالم المعنى . فقد لا يكون هاشمياً نسباً ولكنه يصبح كذلك سبباً . وكذلك العكس ، وهو ما إذا كان هاشمياً ولكن النسب الهاشمي بريء منه لتطرفه في العصيان والطغيان.
إذن ، فمن الحق أن يكون هذا الجانب أو هذا الصنف من الناس فاعلاً للخيرات وواسطة في فيض الله سبحانه .
وأوضح ذلك هم المعصومون عليهم السلام ، ومن هنا ورد أنهم أبواب الله وأمناء الله ، وأن إرادته تصدر من بيوتهم . هذا إذا اعتبرنا هذا الصنف فاعلاً .
وأما إذا اعتبرناه منفعلاً ، فمن الواضح أن هذا الانتساب بأي معنى فهمناه هو الأحق بالنفع والانتفاع ، لأن فيهم شرف النبوة والعصمة . وقد كان من العارفين من يقول : إن النطفة النبوية تطهر ذات المولود . فيكون أكثر قابلية للتكامل وأكثر استحقاقاً للعطاء . وهو معنى تكويني في الخلقة ، ناتج من مشيئة الله سبحانه ولطفه.
صفحة (64)
قد يخطر في البال : أن الفقراء من غير بني هاشم أضعاف فقراء بني هاشم ، مع أن المبالغ المرصودة بالخمس لهم أضعاف المبالغ المرصودة لغيرهم بالزكاة . لأننا عرفنا أن نسبة الزكاة هي حوالي جزء واحد من أربعين جزءاً . في حين أن الخمس يمثل العشرين بالمئة من مجموع المال .
ويمكن أن يجاب ذلك على عدة مستويات :
المستوى الأول : إننا لا ينبغي أن نلحظ النسبة بين الهاشميين وغيرهم في كل البشرية ، بل في خصوص المسلمين المؤمنين ، فقط .
فإذا لاحظنا أن نسبة التوالد بين الهاشميين متصاعدة نسبياً ، كانت النسبة الفارقة بين الجماعتين أقل من المتصور بكثير .
المستوى الثاني : إننا لا ينبغي أن نلحظ إعطاء الخمس من البشرية كلها ، فإن هذا مما يخالف الواقع المعاش مئات من السنين فإن أغلبها ليسوا من المسلمين ، ولا يؤمنون بدفع الزكاة ولا الخمس .
بل إن دفع الزكاة في المجتمع أوسع من دفع الخمس ، إذا لاحظنا مذاهب المسلمين عموماً . مضافاً إلى إمكان التزام طبقة أكبر من الناس بها ، باعتبارها أرخص من الخمس وأقل تكليفاً للمالك ، فيكون وقعها على الناس أسهل . ومن هنا أمكن أن يجتمع من الزكاة بما يقارب أو يزيد عما يجتمع من أموال الخمس .
المستوى الثالث : أن نلحظ القوى المضادة في العالم الإسلامي والمسلمين . فإنها بلا شك أنها مضادة للانتساب الهاشمي عامة والعلوي خاصة ، سواء فهمنا منه الانتساب المعنوي أو النسبي . بل فيما إذا فهمنا منه الانتساب المعنوي كان أولى بذلك العداء ، كما هو معلوم ومجرب ، سواء كان الانتساب النسبي موجوداً للفرد أم لا .
صفحة (65)
وعلى أي حال ، فسيكون الفرد منهم أحوج إلى المال وأحوج إلى زيادة الصرف لدفع أنواع البلاء وكفاية الشر, مما وقع فيه من الفقر والمرض ، أو مهما يتوقع أن يقع فيه . في حين يكون سواهم من الأفراد أقل بلاء منهم بكثير ، ومن هنا أقل حاجة للمال بطبيعة الحال .
المستوى الرابع : إن الله تعالى يعلم ، عند تشريع مثل هذا الحكم ، أن من سيكون لهم الهمة في إطاعة دفع الخمس وتطبيقه قليلون نسبياً في المجتمع . في حين أن دافعي الزكاة كثيرون نسبياً ، بل هم أكثر من دافعي الخمس بأضعاف .
وهذا غير المستوى الثاني السابق فإن ذلك كان باعتبار الاعتقاد بوجوبه دينياً أو مذهبياً ، وهذا المستوى باعتبار إطاعته وتطبيقه .
المستوى الخامس : أن نلحظ قول الفقهاء حين قالوا : إنه إن قلّّّّ مورد الخمس عن الهاشميين أمكن تعويضهم من الزكاة . وإن قلّ مورد الزكاة على غيرهم أمكن تعويضهم من الخمس .
إذن ، فالتخصيص غالبي وليس دائمياً أكيداً .
المستوى السادس : إن الحكم الممنوع شرعاً أمران : أحدهما : تحريم دفع زكاة غير الهاشمي إلى الهاشمي ، وأما العكس فلا مانع منه .
ثانيهما : تحريم دفع حصة الخمس التي تعود إلى الهاشميين إلى غيرهم وهو نصف الخمس ، وأما النصف الآخر الذي يعود إلى الإمام فهو مطلق من هذه الناحية .
إذن ، فكما وجدنا في جانب الخمس منعاً من غير الهاشميين وجدنا في جانب الزكاة منعاً عن الهاشميين أنفسهم.
وليس أي من المتعين مستوعباً لصنفه ، لا للزكاة كلها وللخمس كله ، بل في كل منهما جانب عام يمكن أن يستوعب أي فرد هاشمياً كان أم لم يكن .
المستوى السابع : إننا إن فهمنا من الخمس والزكاة شكلاً من أشكال العطاء المعنوي ، لا المادي فينبغي أن نفهم إلى جنب ذلك من الهاشميين وغيرهم الجانب المعنوي أيضاً ، كما سبق أن ذكرناه .
صفحة (66)
عندئذ يكون من الطبيعي أن لا يكون الهاشمي مستحقاً لزكاة غيره ، لأن كلام المتدني عن الكمال لا يكاد يفيد الشخص المتكامل .
كما يكون من الطبيعي أن لا يكون غير الهاشمي مستحقاً للخمس المرصود للهاشمي لأنه سيكون أعلى منه مستوى ومع اختلاف المستوى تتعذر التربية والهداية . فإن التربية دائماً يجب أن تكون في حدود ما يحتاجه الفرد ويتحمله .
فإن قلت : فإن كان سهم الهاشميين يجب حجبه عن العوام بهذا المعنى فكيف بسهم الإمام الذي لا بد أن يكون أعمق من ذلك وأهم . في حين لم يقل أحد بحرمة وصوله إلى العوام .
قلنا : إن سهم الإمام عليه السلام ، لا يمكن أن يعني من الناحية المعنوية ، العلم الخاص بالإمام عليه السلام، وإلاّ لم يتحمله أحد على الإطلاق . بل نعني به ما يمكن للإمام أن يدفعه إلى الآخرين من مساعدات وعنايات وهدايات ، كل بحسب مقداره واستحقاقه . وهذا يكفي للجزم بإمكان وصوله إلى كل أحد بهذا المقدار . وقد كان ديدن الأئمة عليهم السلام على ذلك جيلاً بعد جيل .
إنه مما ينبغي أن ننظر فيه ، موارد وجوب الخمس من ناحية أخلاقية ، وهي كما يلي كما هي موجودة في كلام الفقهاء :
غنائم الحرب والمعدن والكنز والغوص والأرض التي اشتراها الذمي من المسلم ، والمال الحلال المخلوط بالحرام وما يفضل عن مؤنة السنة .
فهذه سبعة موارد يمكن أن نعطي كلاً منها فهماً أخلاقياً معيناً ، بعد أن فهمنا مما
سبق وجوب دفع خمسها إلى من يستحقها ، ولا يجوز أن تبقى حكراً لصاحبها ، فإن الصدقة
بالشيء أو ببعضه ، من أنحاء الشكر لنعمة الحصول عليه .
صفحة (67)
أما غنائم الحرب ، فهو العطاء الذي يصل نتيجة لتعرض الفرد إلى البلاء الدينوي الشديد ، أياً كان نوعه ومصدره فإنه على أي حال سيعيش نوعاً من الحرب النفسية والاقتصادية والفكرية مع البلاء . وهو منتج لا محالة للغنائم المعنوية والعطاء الحقيقي مع حسن التسديد والتوفيق .
وأما المعدن ، فهو ما ارتكز في النفس من ملكات مجهولة قد تتفجر وتفصح عن ذاتها بين عشية وضحاها . ومثاله من كان بعيداً عن الشعر والشعراء ولكنه فجأة يصبح من أحسن الشعراء في عمر متقدم كالأربعين أو أكثر .
وهذا ممكن بالنسبة لكثير من الملكات النفسية التي تتفجر وتظهر بعد أن كانت مجهولة لصاحبها فضلاً عن غيره . ومن ثم فهو يفيد بها نفسه ويفيد الآخرين .
وأما الكنز ، فهو المذخور من العلم في باطن النفس أو ما يسمى باللاشعور أو الذاكرة ، وقد يكون ذلك غزيراً أو وفيراً ، وقد يكون مهماً ومؤثراً . ولكنه منسيّ .
ولكنه يبرز إلى عالم الوجود والالتفات عند حصول سببه فيفيد به الفرد الصالح نفسه والآخرين .
وأما الغوص، فهو الغوص في البحر لاستخراج اللؤلؤ أو الأجناس الثمينة . وفي عالم المعنى قد نعتبر هذا البحر كلياً ، وقد نعتبره جزئياً .
فإن اعتبرناه كلياً ، كان من جملة مصاديقه ومعانيه : الغوص في بحر العلم لإخراج درره ولآلئه ونتائجه وخلاصته . وهو بحر عميق قد لا يكون متناهياً ، يضيع فيه السالك ويهلك فيه الهالك ، ويفوز فيه الفائز برحمة الله وتوفيقه .
وإن اعتبرناه
جزئياً
، فهو الغوص إلى باطن النفس لاستخراج مكامنها والاطلاع على بواطنها والوصول إلى
مدارجها ، سواء من الناحية العملية أو العقلية أو النفسية أو الروحية .
صفحة (68)
وأما
المال الحلال المختلط بالحرام ، فيمكن فهمه على مستويين :
المستوى
الول : العلم المحلل المختلط بالعلم المحرم مما قد يكسبه الفرد من
المجتمع ومن كتب الضلال
وأصدقاء
السوء . ويكون دفع خمسه باستعمال العلم الحق في دفع العلم الباطل ، في هداية
النفس وهداية الآخرين .
المستوى الثاني : العمل أو السلوك المحلل المختلط بالمحرم . ويكون دفع خمسه باستعمال السلوك المحلل لنفع الفرد نفسه معنوياً ونفع الآخرين ، والتنصل والتوبة عن السلوك المحرم .
وأما ما يفضل عن مؤنه السنة فهو ما يفيض عن حاجة الفرد من العلم والعمل . فإن كان ذلك فهو كما يمكن نفع النفس به يمكن نفع الآخرين به .
ومن الصحيح كما ورد : " عليكم بأعز الأنفس عليكم " . وهي نفس الفرد أو كما قال الشاعر :
ابدأ بنفسك فانهها عن غيها فإذا انتهت عنه فأنت حكيم
إذن ،فالاستحقاق الأولي هو العمل على تربية نفس الفرد وهدايته . وهذا هو المتعين
لو نظرنا إلى كل من مصلحة الفرد ومصلحة الآخرين . فإن من لا كمال له لا يستطيع
الكمال للآخرين ومن لا هدايية له لا يستطيع أن يهدي الآخرين
﴿
لا
يهدي إلاَّ أن يهدي
﴾
وفاقد الشيء لا يعطيه .
ولكن إذا وصل الفرد إلى مرحلة معتد بها أو مقبولة من الكمال العلمي أو العقلي أو الروحي فقد فاض الزائد عن حاجته وزاد عن مؤونته . فيجب أن يعطي جزءاً منه للآخرين ويبذله في مصالحهم .
وهو – حتماً – لا يستطيع أن يعطي الجميع ، ولكنه يعطي البعض ، وهو معنى دفع الخمس .
بل هذا مجرد فهو ظاهري ، وإلاَّ فإنه لا يعطي شيئاً أصلاً ، لأنه لم ينقص من عمله أو مستواه شيء حين قام بتربية الآخرين . كما قال الإمام أمير المؤمنين عليه السلام : المال تنقصه النفقة والعلم يزكو على الإنفاق . فالبذل منه يكون سيياً في زيادته لا في نقصه .
صفحة (69)
وبتعبير آخر : إن نفع الآخرين سبب لنفع الفرد نفسه من عدة جهات لا محالة بينما استفادة الآخرين من جهة واحدة .
وأما الأرض التي اشتراها الذمي من مسلم ، فالذمي هو الداخل في ذمة الإسلام من غير المسلمين ، بمعنى أن على المجتمع المسلم حمايته ورعايته .
ولا يدخل في الذمة إلاَّ من كان تحت الرعاية والتربية ، فكل طالب فهو في ذمة أستاذه وموجهه ، وكل ولد فهو في ذمة والده ، وكل عامل فهو في ذمة مديره ، وهكذا يعني أن هؤلاء مسؤولون أمام الله سبحانه من هو في ذمتهم أكيداً .
فإذا فهمنا من الأرض : المستوى الثقافي أو العقلي أو الروحي الذي عليه الفرد . أمكننا أن نفهم كيف أن هذا المستوى انتقل من الكفيل إلى المكفول ، حسب الإيضاح السابق . يعني من صاحب الذمة إلى من هو في ذمته، طبقاً للوفاء بما في الذمة من مسؤولية. فيكون مصداقاً كاملاً للمفهوم الذي نتكلم عنه وهو( الأرض التي اشتراها الذمي من المسلم ) .
وهو لم يأخذ الأرض مجاناً بل اشتراها من صاحبه الكفيل له وهذا له أحد معنيين :
فإما أن نفهم من الثمن : التعب المدفوع من قبل المكفول أو الطالب بإزاء تلقي العلم فإن هذا التلقي ، موجب للتعب لا محالة ، من المعلم والدارس معاً ، وإلاَّ لم يتحصل شيء حقيقي .
وإما أن نفهم الإشارة إلى ما سبق أن قلناه من أن منح العلم موجب لاستفادة المانح وهو المدرس ، كما قال أمير المؤمنين عليه السلام : " العلم يزكوعلى الإنفاق " .
إذن ، فالمدرس ، لم يعط للطالب شيئاً إلاَّ بعد أن أخذ منه شيئاً ، وهو الثمن الذي يكون قد دفعه الطالب إلى مدرسه من حيث يعلم أو لا يعلم وبهذا يكون هذا الوجه أفضل من الوجه السابق في فهم المعنى .
وعندئذ فهذه الأرض التي وصلت إلى المشتري ، وهو الطالب ، تحتاج إلى دفع الخمس من أجل أن تتطهر وتتزكى حق زكاتها وطهارتها . وذلك يفهم على أحد شكلين : فإما أن نفهم منه المزيد من العمل لتطهير نفسه وسلامة قلبه بما فيه المزيد من العمل على تلقي العلم من المدرس .
صفحة (70)
وإما أن نفهم منه لزوم إيصال هذا العلم إلى الآخرين وعدم احتكاره في باطن النفس . كل ما في الأمر أن الفرد الآخر الجديد يجب أن يكون مستحقاً للعطاء لكي يعطيه . وبذلك تبقى هذه الحركة مستمرة جيلاً بعد جيل ، بذمة ومسؤولية غير قابلية للانقطاع .
يبقى الحديث عما قاله الفقهاء من كون دفع الخمس منوطاً بإذن الإمام عليه السلام .
ولو اقتصرنا على الفكرة بهذا المقدار ، لأمكننا أن نفهم من الإمام الموجه أو المدرس . وبذلك يكون المعنى : أن الطالب لا حق له بتدريس الآخرين وتوجيههم ما لم يأخذ الإذن من مدرسه ، وكلما كان هذا الإذن أوسع وأدق كان أفضل ، فإنه يمكن أن يكون على أحد مستويات :
أولاً :إن هذا الطالب هل أصبح قابلاً لتدريس الآخرين أم لا ؟ فقد يؤذن له بالشروع بالتدريس أساساً ، وقد لا يؤذن .
ثانياً : إنه بعد تجاوز المستوى الأول ، والإذن بالتدريس ، فهل هو فارغ الذمة ومطلق السراح في أن يدرس من شاء أو يجب عليه أن يستأذن من أستاذه في كل طالب جديد له .
ثالثاً : بعد تجاوز المستوى الثاني وحصول الإذن في طالب معين ، فهل هو مطلق السراح في أن يقول له ما يشاء ، أو أن يرجع إلى أستاذه في التعيين .
وقال الفقهاء أيضاً : إنه مع تعذر الرجوع إلى الإمام عليه السلام والاستئذان منه ، يتعين الرجوع في التصرف إلى نائبه الخاص ، أو العام .
صفحة (71)
وهذا يمكن أن يفهم على عدة مستويات :
المستوى الأول :أن نفهم من الإمام عليه السلام ما يعبر عنه الفقهاء بإمام الأصل يعني المعصوم عليه السلام. فتكون النتيجة أن الجميع مسؤولون أصلاً ، بالرجوع إلى المعصومين سلام الله عليهم أجمعين . فإن أمكن الرجوع إليهم بالمباشرة وجب . وإلاَّ جاز الرجوع إلى من نصبوه لأجل هذه الوظيفة والعمل .
والنصب يكون بالعلم أولاً وبالإذن بالتربية ثانياً وهو معنى الولاية ، فتسلسل الولاية في الأجيال طبقاً للمسؤولية المشار إليها سابقاً .
المستوى الثاني : أن نفهم من الإمام شيخ الحلقة أو الحوزة أو مدير المدرسة لو صح التعبير ، فلا يمكن أن يحمل في هذه المدرسة شيء خارج عن إذنه .
المستوى الثالث : أن نفهم من الإمام العقل ، باعتبار ما ورد فيه من أنه : نبي من الداخل ، فهو الإمام الباطني الذي يجب أن يعتمد عليه الفرد في كل تصرفاته وفي مراحل تكامله، لا أن يقدم طاعة نفسه وشهواته وحب دنياه . وبهذا ينوب العقل عن الإمام الأصل عند تعذر الرجوع إليه .
لا ينبغي في ختام الحديث عن الخمس ، إهمال فكرة الفرق بين الزكاة والخمس من الناحية المعنوية والأخلاقية، بعد أن عرفنا أن كليهما يتكفلان جهة واحدة أو متشابهة تتضمن إفادة الآخرين وعدم احتكار الفوائد للنفس . وهذا معنى ثابت لهما معاً سواء لوحظا من الناحية الاقتصادية أو الاجتماعية أو العملية أو الأخلاقية . فإنهما على أي حال ، من سنخ الضرائب التي يكون في ذمة لفرد أداؤها للآخرين المستحقين ، ولا يجزي إيصالهما إلى غير المستحقين . يبقى الحديث عن الفرق بينهما أخلاقياً ، بعد إحراز الفرق بينهما فقهياً واقتصادياً واجتماعياً .
صفحة (72)
تعود الزكاة إلى معنى الطهارة ، فهي تعبير آخر عن تطهير الأموال من أوساخها . فإذا فهمنا من الأموال معنى صفات الفرد وغرائزه وثقافته ، وهي الأموال التي يملكها باطنياً ، كما يملك الأموال ظاهرياً . إذن فتحتاج تلك الأموال الباطنية إلى تطهير أيضاً بدفع الزكاة . وهذا معناه أننا لا زلنا في المرحلة الأولى أو الأصلية من تطهير النفس .
أما
الخمس فهو ضريبة على الواردات والعطاء الذي يحصل بعد ذلك . فيجب على الفرد دفع بعضه
إلى المستحقين . وهذا هو الخمس . وقد لاحظنا في ما سبق أنه مجعول كله في زيادة
الأرباح ، سواء سميناه غوصاً أو معدناً أو كنزاً أو فاضل المؤنة أو غير ذلك .
إذن ، فالزكاة إشارة للطهارة النفسية التي تكون أسبق رتبة من العطاء المتزايد الذي
يترتب عليها .
ومعه يتضح أن السهم المدفوع في أصل التطهير أقل من السهم المدفوع من العطاء لما عرفنا من أن الزكاة أقل نسبتها من الخمس .
ولكن قد يختلف ذلك باختلاف الأشخاص ، فيما يستغرقه من الزمان ومن الجهد في تطهير نفسه .
ولكن على أي حال ، ينبغي الالتفات إلى أن الخمس أكثر من الزكاة ، يعني أن ما يجب أن يدفعه الفرد المتكامل إلى الآخرين من النفع العقلي والروحي والمعنوي أكثر مما صرفه على نفسه من جهد ووقت . فإذا عرفنا أن الجهد الذي بذله في تربية نفسيته وتطهيرها كان صعباً وشديداً وطويلاً ، نعرف كمية ما يجب أن يبذله في نفع الآخرين في الزمن اللاحق والمرتبة المتأخرة . ولا يجوز أن يعنى الفرد بنفسه أكثر من عنايته بغيره بل يجب أن تكون هذه العناية أكثر بمقدار ملحوظ .
صفحة (73)