كتاب الحج
الحج في اللغة هو القصد . وكل هدف فهو يقصد الفرد إليه ويسبب الأسباب نحوه . فالحج صادق ومنطبق على كل هدف , وكل ما قد قصدته واستهدفته فقد حجبت إليه .
فقد يكون ذلك بالسير المادي على الأرض أو بالسفر ، كالحج الشرعي الاعتيادي وهو قصد الأعمال المخصوصة في البقاع المقدسة ، أو السفر إلى زيارة صديق أو زيارة أحد المعصومين عليهم السلام أو السفر إلى الدراسة ونحو ذلك . فإن كل ذلك مما يصدق عليه الحج لغة.
وقد يكون بالسير المعنوي أو المجازي ، أعني تسبيب الأسباب بغض النظر عن السير في المكان . فإنه قصد للنتيجة على أي حال ، كقصد تعلم العلم أو الاسترباح أو التداوي ، ونحو ذلك .
فإذا التفتنا إلى أن بعض المقاصد قد تكون مرجوحة أو محرمة ، كما التفتنا قبل قليل إلى كون السير إما مادياً أو معنوياً ، انقسمت الاحتمالات إلى أربعة . فالسير المادي الراجح ، هو الحج الاعتيادي أو الزيارات المطلوبة شرعاً .
والسير المادي المرجوح هو السير في الهدف الحرام كقتل المؤمن أو السرقة أو الهدف المرجوح كزيادة الاسترباح أكثر من الحاجة . والسير المعنوي المرجوح كقصد تعلم العلم المرجوح أو التداوي المرجوح أو الوصول إلى مكان مرجوح ونحو ذلك .
والسير المعنوي الراجح هو السير نحو الأهداف المعنوية الحقة ، والتي يعبر عنها معنوياً بالسير إلى الله سبحانه . كما قال الله في كتابه الكريم : ﴿ ففروا إلى الله ﴾ . وقال : ﴿إني ذاهب إلى ربي سيهدين﴾ .
صفحة (87)
وقال بعض الشعراء الفرس ما ترجمته : إنه ذاهب إلى ( البيت ) وأنا ذاهب إلى صاحب البيت أو رب البيت ، وذلك هو الحج الحقيقي .
وإنما يكون الحج المتشرعي الاعتيادي صحيحاً ومقبولاً إذا كان مصداقاً منه وتطبيقاً له. وذلك مع توفر الإخلاص وحسن التوفيق . وأما إذا كان لأجل الدنيا ، كالشهرة والتجارة والرياء فهو منفصل عنه تماماً ، بل قد لا يكون مجزياً إطلاقاً .
تماماً كما قلنا في جانب الجهاد : إن الجهاد الأصغر إنما يكون صحيحاً ومقبولاً إذا كان مصداقاً من الجهاد الأكبر وتطبيقاً له دون ما إذا كان منفصلاً عنه .
تماماً كما نقول في الصوم . إن الصوم الظاهري وهو الإمساك عن المفطرات مع النية ، إنما يكون صحيحاً ومقبولاً إذا كان مصداقاً من الصوم الحقيقي والمعنوي وهو الكف عن كل ما لا يرضي الله سبحانه كما قال في الدعاء : " اللهم لا تجعل الدنيا أقصى همنا ومبلغ علمنا " .
الحج هو القصد : والقصد هو النية إذن فالحج هو النية ، يعني نية الوصول إلى
الهدف بالمعنى السابق . إلاّ أن الفقهاء لا يفهمون منه ذلك ، بل يقصدون من
القصد : تطبيق تلك النية والسير في ذلك الهدف فعلاً . إلاّ أن المعنى اللغوي
بالدقة ليس كذلك .
وبطبيعة الحال ، فإن الحج الاعتيادي لن يكون بدون ممارسة العمل وقطع الطريق
بخلاف الحج المعنوي ، فإن النية قد تكون كافية فيه فإن الله سبحانه غني عن
المكان والزمان . وإنما يكون القصد إليه بالقلوب والعقول . وفي الحديث القدسي
: " لا يسعني أرضي وسمائي ، ولكن يسعني قلب عبدي المؤمن " .
فالنية كافية بصفتها حباً لهذا الطريق بل هي سير معنوي فيه ، بل قد يكون هذا السير طويلاً وعميقاً إذا كانت النية خالصة ومخلصة ولم يكن العبد ممن تأخذه في الله لومة لائم ، مهما كان زمان النية أو مكانها قليلاً .
صفحة (88)
يعتبر الشرط الأساسي في وجوب الحج هو الاستطاعة . وهي كلمة عرفها الفقهاء : توفر الزاد والراحة وتخلية السرب وضمان معيشة أهله خلال سفره .
والاستطاعة عموماً هي القدرة والتمكن من العمل ، وهي شروط في الواجبات لاستحالة تكليف غير المستطيع أو غير القادر . ولولا بعض التقييدات في السنة الشريفة ، لحمل عليه معنى الاستطاعة حتى في الحج . وأنه هو المراد بقوله تعالى ﴿ ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً ﴾ .
لكن مع ملاحظة أن المراد من القدرة في لغة الفقهاء ليست هي القدرة العقلية الصرفية ، بل القدرة العرفية ، فلو كان الفرد قادراً عقلاً ولكنه عاجز عرفاً ، لم يمكن تكليفه .
فإذا التفتنا إلى ذلك أمكننا أن نحمل معنى الاستطاعة المبنية في السنة الشريفة على نفس المعنى ، بمعنى أنها قد بنيت ما يصبح به الفرد مستطيعاً عرفاً للحج ، وذلك بتوفر الشروط لديه ، إذاً مع عدمها لا يكون قادراً عرفاً ولا مستطيعاً للحج .
وإذا تمّ ذلك ، لا تكون شروط الحج مختلفة عن سائر شروط الواجبات لتحديدها جميعاً بالقدرة العرفية فقط . غاية الأمر أن القدرة العرفية في كل واحد منها تختلف عن الآخر باختلاف سنخ العمل المطلوب بطبيعة الحال . والحج بما أنه يحتوي على سفر وابتعاد عن الأهل والوطن سيكون أكثر قيوداً ، وتكون الاستطاعة له أقل وجوداً .
ومن هنا نلاحظ أن القدرة عليه والاستطاعة له تختلف بين القريب من مكة المكرمة والبعيد عنها . وكل ما كان الفرد أبعد في بلده كانت استطاعته للحج أصعب .
وعندئذ فمن المنطقي أن تكون كل تلك الشرائط موجودة له لكي يكون مستطيعاً عرفاً للحج بما فيه المال الذي يضعه عند أهله ، ولا يوقعهم في حرج أو حاجة إلى التغير . وبما فيه ما يسمى بالفقه بالرجوع إلى كفاية وهو أن لا ينقطع عمله ورزقه بعد رجوعه فإن كان سبب ذهابه شيئاً من هذا القيبل لم يكن مستطيعاً للحج .
صفحة (89)
وإذا كان الحج هو القصد إلى صاحب البيت كما سمعنا وليس البيت بالذات ، وإنما يقصد البيت لأجل قصد صاحبه بالحقيقة . كما قال الشاعر :
أمرّ بذي الديار ديار ليلى أقبـل ذا الجدار وذا الجدار
وما حب الديار شغفن قلبي ولكن حب من سكن الديارا
وعندئذ فهل تكون الاستطاعة شرطاً أم لا ؟
فإن نظرنا من الناحية الفقهية ، وجدنا هذا التكليف مثل سائر التكاليف مشروطاً بالقدرة العرفية / كما سمعنا .
وإن نظرنا من الناحية الواقعية ، وجدنا أن التكليف بالوصول إلى هذا الهدف السامي ، مما يفدى له النفس والمال والولد وكل الدنيا وما فيها . ومعه يكاد أن يسقط شرط الاستطاعة سقوطاً كاملاً .
وإذا نظرنا من الناحية العملية ، استطعنا تقسيم الاستطاعة للوصول إلى ذلك الهدف أو الحج المعنوي إلى قسمين : استطاعة اقتضائية واستطاعة فعلية . فالاستطاعة أو القدرة الاقتضائية متوفرة في كل أحد إلاَّ المتخلفين خلقياً ، ويبقى سائر البشر ، بمختلف طبقاتهم وأديانهم وأماكنهم وأزمانهم ، قادرين بهذا المعنى على الوصول إلى ذلك الهدف لأنه هو الهدف الذي خلق الفرد من أجله وأرسل إلى هذه الدنيا من أجله ، قال تعالى : ﴿ ألم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير ﴾ فمن غير المحتمل أن تكون الحجة قائمة على البشر في ذلك مع أنهم غير قادرين بالمرة عليه وإلاَّ كانت الحجة لهم وليست عليهم . وهذا على خلاف كلام الله سبحانه في كتابه الكريم .
ولكن القدرة الاقتضائية لا تكفي ، لوضوح أن المقتضي وحده لا يؤثر بل قد تحول دونه الموانع وفقد الشرائط فلا تتم العلة التامة للقدرة . ومعه يبقى الفرد متورطاً في النقص وغافلاً عن الحق .
صفحة (90)
فإذا علمنا أنه لا يخاطب فعلياً بذلك الهدف ، إلاَّ الفرد المتورع الملتزم بترك كل المحرمات والإتيان بكل الواجبات بالإسلام ، عرفنا كيف تخرج أكثر البشرية عن نطاق السير نحو الهدف ، لأن أغلبها كفار وفسقة ومنافقون ومرتكبون للمعاصي ، بمختلف أنواعها .
وهؤلاء وإن كانوا قادرين ، بالقدرة الاقتضائية – كما سبق – على السير والوصول ، لقدرتهم على تطبيق الحق والتورع عن كل باطل . إلاًَّ أنهم من التطرف والغفلة بحيث لا يصبح معهم ذلك عملياً إطلاقاً .
لأن الموانع فيه قد أثرت في سحب ذلك المقتضى والإجهاز عليه ، إلى حد يكون رجوعهم إلى طريق الحق يحتاج إلى شيء يشبه المعجزة .
ومن هنا يتحصل ويتضح أن المستطيع بالقدرة الفعلية التامة للوصول إلى ذلك الهدف ، ليس إلاَّ أقل القليل من البشر ، وهم خاصة الخاصة لو صح التعبير .
وخاصة إذا التفتنا إلى أن الحج الإسلامي الاعتيادي ، بالرغم مما قد يحصل فيه من مصاعب وعقبات ، أسهل بكثير من الحج المعنوي . ولذا كانت الاستطاعة الفعلية لكثير من الناس موجودة للحج الاعتيادي ، ولكنها غير موجودة في الحج المعنوي .
ويكفينا إيضاحاً أن نسمع أن عدداً من الأخيار الذين قضوا أعمارهم بالأعمال الصالحة والصلاة والحج ونفع الاخرين . ومع ذلك فهم يتأوهون من قلة الزاد وبعد الطري وقلة الناصر والصديق .
وذلك لأن الله تعالى وإن جعل المقتضي في الخلقة الإنسانية تاماً ، وهو قوله تعالى : ﴿ لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ﴾ إلاَّ أنه جعل هذه موانع ضخمة جداً ، امتحاناً للفرد وانتظاراً لتحصيل حسن نيته وقوة همته .
ويمكن تقسيم هذه الموانع إلى صنفين ، أحدهما مربوط بالفرد وهو جنود الباطل ، لو صح التعبير ، وتتلخص في ثلاث فئات ، النفس الأمارة والشيطان وحب الدنيا .
صفحة (91)
وثانيهما مربوط بالله سبحانه وتعالى : فإنه من المتعذر حقاً أداء حق الله كله بل
المطلوب هو السير في هذا الطريق في مقدار الإمكان ولن يصل الفرد إلى نهايته ، لأن
حق الله وطاعته ونعمته وعظمته أكثر من طاقة كل فرد بحياله . وكل ما عمل الفرد من
طاعة فإنما هي نعمة الله وحسن توفيقه . ومن هنا ورد في بعض الأدعية " إنه كلما قلت
لك الشكر وجب عليّ أن أقول لك الشكر ".
بل لو استطاع الفرد إيقاع الطاعة والانقياد بشكل لامتناهٍ ، لم يستطع أداء حق الله سبحانه لأكثر من سبب :
أولاً : كما يقول الشيخ المحقق السبزواري : إن الله فوق ما لا يتناهى بما لا يتناهى .
ثانياً : إن كل نعمة ابتداء ومع الاستغناء عن الفرد وعن عمله . في حين أن عمل الفرد مع الحاجة والافتقار إلى الله سبحانه ، وكردّ الجميل وشكر للنعمة . وهذا غير صادق على الله سبحانه .
إذن ، فكيف ندعي أن الاستطاعة والقدرة الفعلية التامة متوفرة للفرد . ولذا قال في بعض الأدعية : " ما جعلت طريقاً إلى معرفتك إلاَّ بالعجز عن معرفتك " .
إلاَّ أن هذا الحديث لا ينبغي أن يوجد اليأس والقنوط لدى الفرد ، أو الإشكال بأن التكليف بما هو متعذر غير معقول ، إذن فالتكليف بالحج المعنوي غير معقول .
فإن جوابه : إن هو مطلوب من العبد ليس إلاَّ شحذ الهمة وتصفية النفس وصدق النية . ويبقى الطريق الباقي على حسن توفيق الله سبحانه ، فهو الكفيل به والقادر عليه بأن يوصل عبده إلى أي درجة يشاء . ومن هنا ورد في الدعاء " " اجذبني إليك برحمة توصلني إليك " . وقال : " منك أطلب الوصول إليك وبك واستدل عليك ، فاهدني بنورك إليك وأقمني بصدق العبودية بين يديك " .
وقال تعالى : ﴿ يأيتها النفس المطمئة ارجعي إلى ربك راضية مرضية ، فادخلي في عبادي وادخلي جنتي ﴾ .
صفحة (92)
لعل من أهم واجبات الحج وأعمها هو الإحرام ، لأنه الخصيصة والصفة المستمرة في أكثر أو كل أفعال الحج .
وقد قلنا عنه في ما وراء الفقه(1) : وأهم ما ندرك في ذلك هو التجرد عن علائق المادة وزخارف الدنيا في سبيل الله ، لأجل تمحيض التوحيد وتركيز الإخلاص له وتعميق التوجه إليه .
فإن الإحرام بما فيه من زواجر وروادع صارمة ، يدع الإنسان يشعر بعمق أنه باختياره وطيب نفسه ، أراد أن يعيش هذه التضحية ، وأن يخطو في هذا السبيل خطوات لا يريد بها إلاَّ رضا الله سبحانه وتعالى ، وترك الأمور الدنية واللاأخلاقية ، كالجدال والفسوق من أجل طاعته .
وهذا يعطي بحق ، رمزية واضحة عما يجب أن يكون عليه الفرد المسلم في سائر أيام حياته من الالتفات إلى تقديم رضا الله عز وجل على مصالحه وأطماعه وشهواته ونزواته ، فليس ينبغي أن يحول دون هذا السبيل حائل أو أن يعيق الفرد أي عائق ، في جميع أعماله وأحواله خاصة وعامة .
ثم قلنا بعد صفحة عن زي الإحرام أنه يعطي عدة انطباعات صحيحية ، نذكرها الآن باختصار :
الانطباع الأول : إن زي الإحرام يتساوى فيه الرئيس والمرؤوس والغني والفقير والعزيز والحقير ، كلهم بزي واحد وعمل واحد وفي سبيل هدف واحد وعبادة واحدة . جمعهم التشريع الإلهي على صعيد واحد ، وألغى بينهم الفوارق الدنيوية والزخارف الزائفة الفانية, وتبقى اللذة الحقيقية الباقية، وهي حلاوة التقوى وطعم الإيمان وبرد اليقين .
ـــــــــــــــــــ
(1) الصفحة 111 ، ج2 ،
ق2 .
صفحة (93)
الانطباع الثاني : إن زي الإحرام يذكر بحال الموت وزيه وما يلبس الفرد خلاله من الأكفان . تلك الحال التي تقرب وتفصح عن التساوي بين الناس بشكل أصرح ويكون انعدام الفوارق بين القبور أجلى وأوضح .
الانطباع الثالث : إن احتشاد الناس المحرمين في المسجد الحرام للطواف أو في الموقفين أو في منى أو غيرها لأداء فرائض الحج وواجباته ، يعطي صورة واضحة عن احتشاد الناس في المحشر يوم القيامة ، حين يقوم الناس لرب العالمين ، للحساب والثواب والعقاب .
ومن المعلوم أن الفرد إذا تذكر آخرته لم يبق بينه وبين الرغبة في الطاعة ولا
الارتداع عن المعصية أي عائق، غير الغفلة والتناسي .
وإذا كان المراد من الحج : الحج المعنوي ، فماذا سيكون معتى الإحرام المعنوي ؟
بعد أن نعرف فقهياً أن الإحرام يحتوي على ثلاثة أمور أساسية ، أصلها ، وأهمها ما يسمى بتروك الإحرام ، وهي المحرمات على المحرم ، مع كونه مشترطاً بالتلبية وحرمة لبس المخيط، الذي يمثل الزي الخاص للإحرام.
أما ترك الإحرام ، فتختلف في الإحرام المعنوي باختلاف مستوى الفرد وإدراكه ، أو قل حسب درجة إحرامه . فمنها ترك الشهوات ومنها ترك حب الدنيا ومنها الزهد في الدنيا فعلياً ، ومنها ترك النظر إلى الأسباب إلى غير ذلك . فإنه بدون هذه التروك لا يكون الفرد محرماً ، وإذا لم يكن محرماً لم يقبل حجه .
صفحة (94)
وأما زي الإحرام ، فيمثل ترك الزي الاعتيادي الدنيوي . والزي بالمعنى الدقيق ، هو كل صفة عامة اتصف بها الفرد سواء كانت ناشئة من الثياب أو غيرها . كالشهرة والمال والتجارة والعلم . وكذلك صفات النية كدرجة الإخلاص والهمة للدنيا أو للآخرة ، وهكذا . فالفرد في الإحرام ينبغي أن يبدل زيه كله ويكتفي منه بما يستر جسمه . على أن لا يكون مخيطاً أو معتنى به ،وأن لا يكون ملوناً أو مزخرفاً . والأفضل أن يكون أبيض اللون. وهو يمثل بياض النية وبياض العمل .
وأما التلبية فهي الجواب الحقيقي لنداء الله عز وجل حين دعانا إليه بقوله : ﴿ ففروا إلى الله ﴾ ووعدنا بأن يجعلنا بمنزلة ضيوفه واحبابه . ولذا يقول فيها : لبيك اللهم لبيك . وهي إجابة النداء لا محالة ( كما برهنا عليه فيما وراء الفقه )(1) .
وكما أن العبد قد يجيب ريه ، فكذلك قد يجيب الرب عبده . وهو قوله تعالى : ﴿ ادعوني استجب لكم ﴾ . وقول الشاعر عن الحديث القدسي : لبيك عبدي أنت في كنفي .
لأننا كما أننا دعوان الله ، فكذلك مدعون من قبله سبحانه . ولكل دعوة إجابة ، فما لم تحصل الإجابة من العبد لم تحصل الإجابة من الرب . ولذا لا يستجاب الدعاء من الألسن القاصرة المقصورة . وقد ورد : أعطيناه ما يريد فأعطانا ما نريد . أقول : فإذا لم يعطه العبد ما يريد كان حقيقياً أن يحرمه مما يريد .
وكذلك فإن الله تعالى قد ابتدأ عبده بالنعم والفضل بالرحمة العامة فكأنه يقول بلسان الحال : قد أعطيناك ما تريد فأعطنا ما نريد .
بقي لنا الحديث عن المواقيت ، وهي الأماكن الرئيسية التي وقّتها رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لدخول مكة محرماً وهي ستة .
ــــــــــــــــــــــــ
(1) انظر : ص205 ، ج2 ، ق2 وما بعدها .
صفحة (95)
ولكنها فقهياً أوسع من ذلك كما يتضح لمن راجع كلام الفقهاء , حتى إنه يستطيع الفرد أن يحرم من بلده بالنذر كما يستطيع أن يحرم في مكة نفسها مباشرة ، كما في حج التمتع وحج أهل مكة أنفسهم . والأول هو أبعد إحرام من حيث المكان والأخير هو أقربها . والستة هي المشهورة والمطابقة للقاعدة العامة المناسبة مع كل أحد وكل طبقة واتجاه . ونستطيع أن نعدها وسطى بين ذينك الحدين .
والميقات مأخوذ من الوقت ، والوقت في لغة العرب يشمل الزمان والمكان ، ولهذا سميت هذه الأماكن مواقيت بالرغم من كون الوقت أوضح في الزمان عرفاً .
وقد قيل في الحمة : إن الأمور مرهونة بأوقاتها أي في الزمان والمكان الذي تتم فيها مقدماتها وتبدأ فيها نتائجها .
ولكل شيء كهدف أو نتيجة ، مقدمات وأسباب والأمور مرهونة بأسبابها والله سبحانه هو مسبب الأسباب وهذا نظام لا يمكن اختلاله إلاَّ بمعجزة قاهرة .
والمقدمات تكون على شكلين تبعاً لنتائجها : مقدمات الاستحقاق ومقدمات الفعلية . فالاستحقاق في الدين هو حلول أجله ، والفعلية فيه دفعه إلى الدائن .
ولا توجد فعلية بدون استحقاق وكل فعلية لابد أن يسبقها استحقاق ، وإلاَّ كانت ظلماً ، وطريق العدل بريء من الظلم . ولكن قد يحصل استحقاق بدون فعلية إذا منعت الموانع دونها . وإلاَّ فالاستحقاق التام مساوٍ للفعلية ، إذ لا بخل في العطاء بطبيعة الحال . فالاستحقاق هو الميقات ، والفعلية هي العطاء وقد يتأخر العطاء ، عن الاستحقاق ، حتى ترتفع عنه الموانع تماماً .
غير أن الأفراد مختلفون جداً في مواعيد استحقاقاتهم . وهذا أحد تأويلات تعدد المواقيت واختلافها ، حتى قيل عنها فقهياً إنها لا حصر لها . فمنهم من لا يقصد الحج إطلاقاً ، ومنهم من يقصده ولا يوفق للوصول إلى الميقات ، ومنهم من يصل إليه ولا يتجاوزه إلى ما بعده ، ومنهم من يتجاوزه ولا يصل إلى هدفه وهكذا .
صفحة (96)
جئنا إلى الطواف حول الكعبة المشرفة ، وهو احد الأجزاء الرئيسية في الحج والعمرة ، فما هو معناه وإلى أي شيء يشير ؟
قلنا عن ذلك فيما وراء الفقه(1) ما ملخصه : إنه تمثل الكعبة الوجود المادي الرمزي للتوحيد الخالص الذي جاء به الإسلام ، وجاء به إبراهيم الذي وضع قواعد البيت ، و﴿ هو سماكم المسلمين ﴾ وقال : ﴿ إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين ﴾ .
وبالتالي تمثل الكعبة ، بنحو الرمز : الوجود الإلهي على الأرض ... ويكون إظهار الإخلاص لها إظهاراً للإخلاص للتوحيد ... ويكون التقرب إليها بالذبح والنحر تقرباً إلى التوحيد الإلهي في عالم المعنى والكمال الروحي والعقلي .
ويكون الدوران حول الكعبة بالطواف وجعلها مركز الإحساس المادي ، رمزاً حياً عن الدوران حول التوحيد وحول الحق الصريح وجعله مركز الإحساس المعنوي ، ومركز النشاط النفسي والاجتماعي .
أقول : وبطبيعة الحال ، لابد للفرد من كعبة يطوف حولها ومركو إحساس يلوذ به ويكون طوافه مستمراً غير منقطع فهو يطوف إما حول علائق الدنيا أو حول علائق الآخرة ، والكعبة من علائق الآخرة ، فإن تصدى الفرد للطواف حولها شهد على نفسه بترك الطواف حول الشهوات والنزوات ولكنه قد يعود إليها وقد لا يعود .
ويمكن أن نفهم من الطواف ، نحواً من العبادة ، بعد أن فهمنا من الكعبة معنى التوحيد
فإن الله الواحد جل جلاله معبود لا محالة . ومن أهم أنحاء العبادة إظهار الأهمية
وله والتعظيم ، وذلك بالطواف المعنوي به فنحن نطوف حول الكعبة المادية ، ونقصد
العبادة للكعبة المعنوية .
ـــــــــــــــــــ
(1) انظر : ص511 ، ج2 ،
ق2 .
صفحة (97)
كما يمكن أن نفهم من الطواف ، شكلاً من أشكال بذل الجهد في سبيل الله وهذا واضح إلاَّ أنه غير خالص بالطواف بل يشمل كل الطاعات .
كما يمكن أن نفهم من الطواف معنى آخر ، يحتاج إلى الالتفاف إلى مقدمة معينة ، وهي أن المرتكز لدى بعض العوام أن الإنسان إذا دار حول أي شيء . – كإنسان آخر مثلاً – فإنه يموت فداء له . ولذا إذا صادف أن دار الولد حول أبيه او أمه ، فإنهما ينهرانه ويمنعانه ، حباً به لكي لا يموت فداء لهما .
ومعه يكتسب الدوران هذا المعنى بلسان الحال ، وهو بذل الفداء ، في سبيل من تدور حوله . فإذا كانت الكعبة رمزاً للتوحيد كما سبق ، فمعناه ان الحاج يبذل نفسه فداء سبيل التوحيد ويتبرع بها لله عز وجل كما قال الله جل جلاله : ﴿ إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ... وعد الله حقاً ﴾ .
والطواف أيضاً نحو من إظهار الحب والإخلاص والاحترام لمن تطوف حوله ، وخاصة فيما إذا كانت شواخص جامدة كقبور الموتى أو بيوت الأحياء . فكذلك الحال في الطواف حول الكعبة المشرفة بصفتها مظهراً من مظاهر التوحيد .
كما أن الطواف في اللغة هو الوصول إلى الشيء ، سواء دار حوله أم لا . فنقول طفت به إذا زرته أو وصلت إليه . ومن هنا يكون الفرد ظائفاً بالحال الذي وصل إليه أو بالمستوى هو فيه أو بالدرجة التي يراها له .
فهذه حوالي ستة معانٍ للطواف ، غير متنافية ، بمعنى أنها قابلة للصدق جميعاً معاً ولا ينبغي أن نزيد هنا على ذلك .
وأما السعي بين الصفا والمروة ، فقد قلنا في المصدر المزبور(1) . إنه
يمثل السعي في حدود الشريعة الإسلامية والأوامر الإلهية التي هي حدود الله
﴿
ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه
﴾
.
ـــــــــــــــــ
(1) انظر المصدر ، ص125 .
صفحة (98)
فالفرد المؤمن ملتزم بتعاليم الله مقتصر عليها متردد في سلوكه ضمن حدودها . فإن حام حول الشبهة رجع إلى الشريعة ، وإن ارتكب مخالفة لجأ إلى التوبة ، وإن شط به المزار ذكر الله فإذا هو مبصر .
ثم قلنا هناك : وهناك جانب آخر مشار إليه في الروايات من مصالح السعي ، فإنه يحتوي على ذلة وكفكفة من غلواء النفس ، وخاصة في الهرولة المستحية من بعض ذلك الطريق .
أقول : ويرى الفقهاء الالتفات خلال السعي يميناً وشمالاً مرجوحاً ومكروهاً ، والخروج عن السعي حراماً ومبطلاً للسعي هذا يكون رمزاً باختصاص السعي بالهدف الذي يسعى إليه وتكريس النفس فيه ، والإعراض عن غيره مما لا يناسبه .
وعلى أي حال ، فالإنسان لا يخلو من سعي في حياته لهدف من الأهداف ، إما الدنيوية وإما الأخروية ، وسعي الحج ، يعني السعي للهدف الذي حج من أجله حجاً معنوياً ، كما سبق أن قلناه .
ولكن قد يبقى هنا سؤالان :
الأول : إن السعي والحج بهذا الأسلوب ، يكونان بمعنى واحد ، وهو القصد إلى الهدف وليسا بمعنيين . مع العلم أنهما عرفاً ومتشرعاً بمعنيين أكيدين فكيف صار ذلك ؟
جوابه : إن قصد الهدف له مراتب بعضها أقرب وبعضها أبعد ، فيكون البعيد هو السير من بلده إلى الديار المقدسة ويكون القريب هو السعي في داخل تلك الديار .
الثاني : إن السعي يحتوي على تردد ذهاب ومجيء بين الصفا والمروة ، في حين أن السعي
نحو الهدف ، أياً كان،لا مجال للتردد فيه والرجوع عنه ثم العود إليه . وخاصة فيما
إذا كان هدفاً معنوياً عالياً فكيف صح ذلك؟
جوابه : إن ذلك يصح من عدة وجوه .
صفحة (99)
الوجه الأول : إن السعي كما التفتنا قبل قليل يكون في الديار المقدسة نفسها . إذن فهو بأي حال لا يتضمن الرجوع عنها ، وإنما يتضمن التجوال فيها ، وهو أمر مطلوب .
الوجه الثاني : إن الفرد ما دام في الحياة الدنيا ، فهو لا يخلو في مضاعفاتها ومصاعبها ، من الغفلة والنسيان والأطماع ونحوها ، مما يسبب ابتعاد الفرد أحياناً عن هدفه الحقيقي . فإذا التفت إلى حالة رجع إلى هدفه ﴿ تذكروا فإذا هم مبصرون ﴾ ، فيمكن أن يمثل أحد الشوطين شوط الهدف والآخر شوط الغفلة والنسيان، ثم العود إلى شوط الهدف وهكذا . أو قل : إن العدد الفرد منها هو شوط الهدف والعدد الزوج منها شوط الغفلة. او قل شوط الدنيا وشوط الآخرة .
الوجه الثالث : إن الفرد قد لا يتم له التعرف على منطقة وجود هدفه بالتعيين ، فيبقى متردداً في سعيه ، فتارة يذهب إلى هذه الجهة وأخرى إلى تلك الجهة ، تبعاً لاحتمال وجود الهدف وتحققه ، فليكن السعي شيئاً من هذا القبيل ورمزاً عن نحو من أنحاء الحيرة في الهدف المستلزم لشكل من أشكال الحيرة في السعي ، وقد ورد : اللهم زدني حيرة .
يختلف الإحرام في عمرة التمتع عن إحرام الحج ، بأن إحرام الحج يحتاج إلى عدة أعمال للتحليل والتخلص منه، بعد أداء وظيفته ، كالذبح والحلق وطواف الحج ، في حين لا يحتاج التحلل من إحرام العمرة إلى شيء من ذلك .
ويحتاج إحرام الحج في حلية النساء إلى طواف النساء ، في حين لا يحتاج إحرام العمرة
إلى ذلك . بل تحل النساء رأساً بعد الانتهاء من العمرة ، ولأجل ذلك سميت بعمرة
التمتع وحج التمتع . أي أنها تفتح فرصة للتمتع بالنساء بعدها مباشرة .
صفحة (100)
وهذا المعنى يمكن أن نفهم منه معنيين مختلفين وإن لم يكونا متنافيين بالدقة ، على ما سنقول :
المعنى الأول : إن معنى العمرة المعنوية ،او من معانيها أن يعمر الفرد نفسه ، بعد أن كانت خراباً ، قبل البدء بالحج وهو المسير الأساسي نحو الهدف .
وفي هذا التعمير لا يكون التزمت والتشدد في ترك ما هو مرجوح شديداً ، مما سيكون بعدها من درجات التكامل فإذا خرج الفرد من حال العمرة ، والتفت إلى دنياه ولو قليلاً ، جاز له أن يترك اعتزال النساء .
المعنى الثاني ك إنه يمكن القول معنوياً إن الإحرام يستمر من العمرة إلى الحج ، بدليل أن الفرد لا يقوم بأي عمل مسبب لانحلاله فلا ينحل بل يستمر . كل ما في الأمر أن النفس قد تضجر أحياناً فيعطيها من الدنيا بمقدار ما يغلق فمها عن الصياح . وإذا فعل ذلك جدد التلبية والتوجه إلى الهدف لينعقد إحرامه من جديد .
وهذا بخلاف استمرار الإحرام بعد الحج كما سيأتي . فإنه عندئذ سيكون مستغنً عنه بعد نجاز الحج ، فلا بد من رفعه وإزالته .
وبهذا يتضح عدم التنافي بين المعنيين ، كما أشرنا ، فإن عدم انحلال الإحرام ، كما أشرنا في المعنى الثاني ، لا ينافي بعض الألتفات إلى الدنيا ، بعد أن كان أصل الإحرام غير شديد ، كما في المعنى الأول .
وصلنا الآن إلى المواقف الثلاثة الرئيسية في الحج في البقاع المقدسة الثلاثة ، عرفة ومزدلفة ومنى . وكلها داخلة في الحرم المكي ، كما ذكرنا في ما وراء الفقه .
وهناك حديث يشملها جميعاً ، كما أن هناك أحاديث تخص بعضها . وفي هذه الفقرة نتحدث الحديث الأول .
صفحة (101)
قلنا في ما وراء الفقه (1) عن الموقفين : عرفة والمشعر : إن هذين الموقفين هما الفرص الأساسية لاطلاع كل فرد من الحجاج على إخوانه في الله والمساهمين معه في إجابة ندائه .
فإن الحاج في سائر أعماله عدا الموقفين لن يستطيع أن يحتك في هذا الجمع الغفير المتلاطم ، ويحس عن قرب بالعدد الضخم العامل في سبيل إطاعة ربه وأداء فريضة حجه .
إن الحجاج يكونون عادةً في العمرة ، وفي الطواف ، وفي السعي ، وفي رمي الجمرات ، وغيرها من الأعمال متفرقين مشتتين لا يؤدون العمل في زمان واحد ، ولا يجتمعون على صعيد واحد ، إلا في أرض عرفات والمشعر .
فما هو شعور الفرد المسلم عند مواجهة إخوانه ؟ وما أعظم الحكم الإسلامي ، وما أكبر نداء الإسلام الذي يستطيع أن يجمع هذه الآلاف في هذا العام وفي كل عام .
وما أعظم الأخوة التي تشد بعضهم إلى بعض ، بالرغم من تباعد البلدان وتشتت اللغات . إنها أخوة الهدف والعمل والعقيدة وهي أقوى الأخوات وأرسخها في منطق الإنسانية والتاريخ .
أقول : هذا من ناحية إجتماعية ، وأما من ناحية أخلاقية فهو أوضح أيضاً . بعد الالتفات إلى عدة مقدمات :
أولاً : إن الأراضي أو المناطق التي يحصل فيها الاجتماع في الحج هي مقدسة وكل أرض
مقدسة يمكن نسبها إلى الله سبحانه فهي أرض الله ، كما في الزيارة : السلام عليكم يا
أمين الله في أرضه . وقال سبحانه:
﴿
وأشرقت
الأرض بنور ربها
﴾
، إذن
فالاجتماع على أرض الله وليست على أرض اعتيادية أو ظلمانية .
ـــــــــــــــــ
(1) انظر المصدر ، ص128 .
صفحة (102)
ثانياً : إن الاجتماع يحدث تجاوباً نفسياً وعقلياً عالياً كما ذكرنا في فصل صلاة الجماعة من هذا الكتاب . وهذا التجاوب يكون حاصلاً ، ما دام النطق مسموعاً بلحاظ الحال أو بلسان المقال . وهذا التجاوب يؤثر في الإعانة على طاعة الله سبحانه وفي الترقي في مقامات التكامل لمن كان قابلاً لها ومستحقاً .
ثالثاً : إن تعدد البقاع أو المناطق ، يعبر عن تعدد مقامات الكمال ، ولا شك أن هذا حاصل لكل واحد سواء قصدنا الكمال السيء أو الكمال العادل ، وسواء قصدنا التكامل الواطئ أم التكامل العالي . كل ما في الأمر أنه ما دامت هذه الأراضي مقدسة ومنسوبة إلى الله سبحانه ، فهي تمثل مرحلة عالية من الكمال العادل لا محالة .
ونلاحظ أن من لم يكن مستحقاً لمثل تلك الدرجة ، لم يكن فيها ، فقد يستطيع الذهاب إلى واحدة وتتعذر عليه الأخرى ، فيتعذر حجه ويبطل . إلاّ أن يعمل له العمل المناسب له والذي يبلغ به درجة الاستحقاق ، الذي هو معنى السفر من بقعة إلى بقعة من تلك البقاع المقدسة .
أما ترتيب تلك البقاع فهو عرفات أولاً ثم المشعر ثم منى ، كما هو معروف . وعلى ذلك فمتى تكون بمنزلة الخلاصة والنتيجة للموقفين السابقين عليها . وإذا حصلت النتيجة انتهى السفر كما قال الشاعر :
وألقت عصاها واستقر بها النوى كما قر عيناً بالإياب المسافر
وإذا حصلت النتيجة وانتهى السفر ، كان هناك أمران :
الأمر الأول : أن لا حاجة إلى الإحرام ، بعد انتهاء العمل بل ينبغي التحلل منه والتخلص منه .
الأمر الثاني : أن يوم حصول النتيجة يوم عيد لا محالة ويوم راحة بعد تعب ويوم لذة بعد شقاء ، ويوم لقاء بعد فراق . وهو عيد الأضحى الذي تشرق فيه شمس الكمال في ضحاها على الأرض والسموات .
فهذا ترتيب هذه البقاع وأما معانيها الأخلاقية التفصيلية ، وما تعبر عنه كل بقعة ، من درجة من الدرجات . فهذا ما يمكن أن نعرضه كأطروحة مختصرة .
صفحة (103)
وهي أن عرفات من المعرفة والمشعر من الشعور بالذات ومنى من المنية وهي حصول ما يتمناه الفرد السالك في طريق الكمال . ولذا كان فيها عيد وفيها انحلال الإحرام .
قلنا في ما وراء الفقه (1) عن الهدي في منى يوم الأضحى :
يمثل الهدي ، وهو التقرب إلى الله عز وجل بالذبح أو النحر ، عدة معان سامية يكفي كل منها أن يكون سبباً لتشريع هذه العبادة الجليلة ، فضلاً عن مجموع المعاني .
أولاً : هو نوع من التضحية المالية في سبيل الله عز وجل ، شأنه في ذلك شأن الزكاة والخمس ، بل والحج نفسه بما يكلف الحاج من أموال .
ثانياً : هو نوع من التضحية بالدم الذي يعطي رمزية عن التضحية في سبيل الله بالنفس والنفيس . فإنه ليس لدماء الأنعام أهمية تذكر ، لولا نتائجها والأفكار الدالة عليها قال الله تعالى : ﴿ لا ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم ﴾ .
ثالثاً : هو من التضحية بالدم كرمز عن التضحية بالشهوات والمطامح والمطامع الدنيوية والدنيئة في سبيل الله سبحانه . فإن المهم الحقيقي هو أن يذبح الفرد نفسه الأمارة بالسوء تجاه قدس الله عز وجل وعظمته . تلك النفس التي تكون سبباً لكل عصيان وطغيان ويكون القضاء عليها سبباً لكل خير وكمال .
إلى وجوه أخرى ذكرناها هناك .
ومرادنا من الوجه الثاني هو الالتفات إلى ما يسمى بالجهاد الأصغر ، ومن الوجه الثالث إلى ما يسمى بالجهاد الأكبر . كما ورد عن النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم )
ــــــــــــــ
(1) المصدر ، ص128 .
صفحة (104)
أنه قال لأصحابه بعد رجوعهم من إحدى الغزوات ( بدر أو أحد ) : " رجعتم من الجهاد الأصغر وبقي عليكم الجهاد الأكبر " قالوا : وما الجهاد الأكبر يا رسول الله ؟ قال : " جهاد النفس " .
وأعتقد أن الجهاد الأصغر إنما يكون حقيقياً مقبولاً فيما إذا كان بنية مخلصة بحيث أصبح مصداقاً وتطبيقاً للجهاد الأكبر ، وإلا فلا .
كما أن نتيجة الجهاد الأكبر هو موت الشهوات كما ورد : " موتوا قبل أن تموتوا " . فهو ذبح حقيقي ولكنه معنوي للنفس الأمارة . وهو معنى التضحية في أرض الله التي هي أرض المنى والأماني .
ذكرنا فيما وراء الفقه (1) عن الحلق والتقصير عدة معانٍ مهمة :
أولاً : إن الحلق هو أول فعل يقوم به الحاج ، حينما يريد أن يتحلل من إحرامه فإن الإحرام بعد أن كان يحتوي على جملة من الممنوعات ، كان التحلل منه لا محالة بالإتيان بإحدى تلك الممنوعات المحللة في أصل الشريعة على الآخرين للدلالة على عدم الالتزام بالإحرام من الآن فصاعداً . وقد اختار الله تعالى لعباده الحجاج الحلق والتقصير ليكون قائماً بهذه المهمة .
ثانياً : إننا حين ننظر إلى الشعر وإلى حلاقته ، نجد له عدة معان متعارفة عند الناس يمكن تطبيق أي منها على المفهوم الشرعي ونعطي لكل واحد منها رقماً من المصلحة :
فمن ذلك : أن الشعر قد يعتبر جمالاً للإنسان وتكون حلاقته نوعاً من الزهد والإعراض عن الدنيا .
ثالثاً : إن الشعر قد ينظر إليه على أنه نوع من الوسخ والإزعاج فيكون حلقه أو تقصيره تنظيفاً وتجملاً . ولطالما أمرت الشريعة بالنظافة والتنظيف .
ــــــــــــــ
(1) المصدر ، ص137 .
صفحة (105)
رابعاً : إن الحلق قد ينظر إليه في بعض الأعراف كعقوبة على بعض أفعال الإجرام .
ومن هنا يكون الحلق في الحج رمزاً على الاعتراف بالذنب واستحقاق العقوبة . بل من قبيل إنزال الفرد العقوبة على نفسه اختياراً .
خامساً : إن الحلق إنقاص من جمال الجسم ، فيكون مندرجاً في مفهوم ضرورة إنقاص الشهوات واللذات الدنيوية ومحابة النفس الأمارة بالسوء .
ويختلف هذا الوجه عن الثاني ، بأنه يحتوي على محاربة النفس وليس لمجرد الزهد المستحب .
وقد يعرض هذا الوجه بتوجيه آخر : وهو أن الحلق يعتبر بتراً لجزء من الجسم ، فكذلك يجب بتر الشهوات السيئة ، كما يجب أيضاً بتر الأعضاء المذنبة من الجسم كيد السارق وبتر العضو الفاسد في المجتمع .
مع بعض الوجوه التي ذكرناها هناك وليس هنا هنا من زيادة سوى الاقتراح على القارئ اللبيب بأن يفهمها هنا بشكل أعمق مما فهمها هناك ، في حدود إمكانه .
والآن يجب أن يكون رمي الجمرات ، وقد تحدثنا هناك (1) عن ذلك بالقول إنه : إذا كانت الكعبة المشرفة هي الرمز المادي لتوحيد الله تعالى ، وكان الطواف واستلام الحجر ، هو العمل الأساسي الذي يمثل الإخلاص له ، وجعل توحيده المركز الحقيقي للإحساس والسلوك في كل أيام الحياة .
فما
أحرى أن يكون هناك رمز آخر يضاد هذا الرمز ويناقضه . ولئن كانت الكعبة مستنبطة لكل
معاني الخير والعدل باعتبارهما المنتوجين الأساسين لعقيدة التوحيد . فإن الرمز
الآخر لا بد أن يستقطب كل معاني الشر والظلم ، باعتبارهما المنتوجين الأساسين لما
ترمز إليه الجمرة ، وهي : فكرة الشيطان .
ــــــــــــــ
(1) المصدر ، ص139 .
صفحة (106)
ولئن كان الطواف تعبيراً عن الولاء للخير والعدل ، وإظهاراً عملياً لتأييدهما ، فإن رمي الجمرة بالحصى هو العمل المهم في إظهار الشجب والاستنكار العملي للشر والظلم . وبشجبها يفهم الفرد بوضوح شجب كل فكرة ناتجة عنهما أو عمل مترتب عليهما ، من الكفر والضلال والعصيان والانحراف ، وما تتبعه هذه الأمور من ذنوب وموبقات .
على أننا لا يجب أن نغفل بهذا الصدد ، فرقاً أساسياً ، بين هذين الرمزين المستقطبين ـ فالكعبة بما انها رمز عن الله سبحانه وعن توحيده ، إذن فيجب أن يبقى الرمز واحداً لا يتعدد .
على حين أن الجمرة بما هي رمز عن الشيطان ، والشياطين كثيرون . بنص القرآن الكريم ، فقد ناسب أن يتعدد الرمز بتعدد المرموز إليه .
ومن هنا نستطيع أن نعزو تعدد الجمرات إلى الرمز عن تعدد الشياطين . كما يمكن أن تعزى إلى تعدد وجهات الفساد والظلم الصادرة عن الشيطان .
ونستطيع أن نلاحظ في هذا الصدد ، أن القسط الواجب من إظهار الولاء لله عز وجل بالطواف ، يعادل بالعدد تقريباً ما تناله كل جمرة ، من دفعات الاستنكار والرمي . والطواف الواجب ثلاثة : طواف العمرة وطواف الحج وطواف النساء . وعدد دفعات الرمي لغير جمرة العقبة ، ثلاثة أيضاً . كما أننا إذا لاحظنا عدد أشواط الطواف وعدد الحصى المرمي في كل جمرة لرأينا متحداً أيضاً وهو السبعة في كلا الحالين .
فنفهم من ذلك معنى مهماً وهو : أن الوازع إلى الله تعالى والوازع عن الشيطان يجب أن يكونا متعادلين في نفس الإنسان متعاونين في تربيته وكماله وأي منهما نقص عن الآخر ، كان في ضرر الفرد لا محالة .
فهذا ما قلناه هناك وهو جيد , إلاَّ أننا هنا نستطيع أن نلاحظ : ان القسم المرفوض أخلاقياً والذي يجب أو ينبغي شجبه واستنكاره ، ومن ثم رميه ومحاربته ، ليس هو الشيطان فقط ، وإن كان هو أشهر هذه الجهات لدى المتشرعة ، بل توجد أمور أخرى وعلى مستويات مختلفة في هذا الصدد .
صفحة (107)
ومن هنا يمكن القول إن رمي الجمرات سيكون رمزاً ، عن أي شيء من ذلك حسب اختلاف المراتب ، كالشيطان ، والنفس الأمارة بالسوء . حيث ورد في الشيطان قوله تعالى : ﴿ إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدواً ﴾ . وورد في النفس : " اجعل نفسك عدواً تحاربه " . ففكرة العداوة والمحاربة مع العدو موجودة على كلا الصعيدين .
ونحوهما : حب الدنيا ، وما يترتب على ذلك من حب المال والشهرة والسيطرة وغير ذلك .
فإذا تقدمنا خطوة كان النظر إلى الذات وإلى الأسباب عموماً مرفوضاًً عند أهل النظر ، ومما تجب محاربته ونفيه .
والحج المخلص إلى الله سبحانه ، كما يجب أن يقترن بإظهار الولاء له جل جلاله كما يرمز إليه الطواف ، يجب أن يقترن أيضاً بإظهار البراءة من جانب الشر والعدوان .
إلاَّ أنه يمكن القول إننا لو دققنا أكثر لوجدنا بعض الفروق من الجانبين :
الفرق الأول : إن جانب البراءة عن الأعداء أسبق رتبة من جانب الولاء والإخلاص . وقد قيل في العرف : إن الهدم قبل البناء . ومن المعلوم أيضاً أن الإخلاص لا يدخل إلاَ في القلب الخالي من الجانب الآخر . كما لا يكلف السير في الطريق المعنوي إلاَّ المبرأ من فعل المحرمات والاتجاه نحو السفاهات .
الفرق الثاني : إن ما قيل ، كما أشرنا إلى تعادل الوازع إلى الله تعالى والوازع إلى الشيطان ، أو قل توقع الرحمة وتجنب النقمة . إن هذا وأن كان صحيحاً إلاَّ أنه سيصبح في مراحل متقدمة من الكمال غير صحيح . لأنه يكفي همة واحدة ونية خالصة في البراءة عن كل ما يشينه في طريق الله سبحانه وسبيل طاعته ولا يحتاج إلى تكرار ذلك على طول الخط للفرد . بل قد يصبح مجرد تذكر ذلك حجاباً مانعاً عن التكامل .
وهذا لا يعني انتهاء البراءة عن الشر والأعداء ، والعياذ بالله ، وإنما يعني أخذه مسلماً ، بحيث لا يحتاج تفكير، لكي يوفر الفرد تفكيره وجهده للأمور الأهم والأعلى .
صفحة (108)
الفرق الثالث : إننا قلنا في وقت سابق ، إن مجموع الوجود الخير في الكون اكثر بكثير جداً من قوى السوء والشر . وإن بدت في الظاهر أكثر وأشد ، على صعيد هذه الحياة الدنيا .
بل هي من الكثرة بحيث لا يمكن أن تقاس بها إطلاقاً ، إلى حد قد يقال بأن النسبة هي المحدود إلى اللامحدود . فإن الشر مهما كان متزايداً ، فهو محدود ، على أن الخير غير محدود ولا يمكن أن يكون محدوداً .
ومعه ، فمن الطبيعي أن نلتفت إلى أن المحدود لا يحتاج إلاَّ إلى اهتمام محدود ، في حين أن غير المحدود ، يحتاج إلى اهتمام غير محدود فيما وسعت طاقة الفرد وقابليته واستحقاقه .
بقي اللازم هنا ، إعطاء فطرة عن طواف النساء . وذلك أن الإحرام يحتوي على عدة محرمات منها النساء . وكذلك الإحرام المعنوي . ومن هنا يكتسب معنى تحريم النساء عدة أفكار أو أسباب .
أولاً : إن المحرم المعنوي لا ينبغي أن يمارس شيئاً من الشهوات ، ومن أهمها الشهوة الجنسية .
ثانياً : إن المحرم المعنوي لا ينبغي أن يمارس شيئاً مرتبطاً بحب الدنيا وما فيها ، ومن جملة ذلك الميل إلى النساء . ومن هنا مدح النبي يحيى عليه السلام في القرآن الكريم بكونه ( حصوراً ) أي صابراً عن الزواج ومعرضاً عن النساء .
وهذا التكليف ليس لكل أحد ، بل لخصوص الذين يريدون ( وجه الله ) ويقصدون الوصول إلى الكمال العالي . وإلاَّ فمن الواضح عموماً في الشريعة الإسلامية استحباب النكاح والاستزادة من الذرية .
صفحة (109)
ثالثاً : نستطيع أن نفهم من النساء النفس الأمارة بالسوء باعتبار كون المرأة تغلب عاطفتها على عقلها غالباً، فكذلك هذه النفس ، فهي بمنزلة المرأة في باطن الإنسان . وعلى الفرد المحرم المعنوي ، كما على المحرم في الحج ، أن يعتزلها تماماً . ولكن حينما ينتهي الحج ، ويؤدي الإحرام المعنوي نتيجته ، وينال الحاج المعنوي مناه في أرض المنى المعنوية وفي سماء المنى النورية ، لا يبقى وجه أو حاجة لاستمرار الإحرام أو بقاء ذلك التحريم فإنه إنما كان مقدمة ولا يمكن أن يكون نتيجة .
ومن هنا يكون طواف النساء إيذاناً بحلية النساء وسبباً له . وهو نحو من العمل العبادي لحلية العمل غير لعبادي ، فكأن الفرد فيه يعطي عهداً ببذل الولاء لله عز وجل ، حتى حال علاقته بالنساء وممارسته لشيء من علائق الدنيا .
وهكذا ينبغي أن يكون الفرد دائماً في علاقته بالله عز وجل .
قال الفقهاء : إنه يستحب في الإحرام أمور :
أولاً : تنظيف الجسد وتقليم الأظفار وأخذ الشارب وإزالة الشعر من الإبطين والعانة .
كل ذلك قبل الإحرام .
ثانياً : ترك حلاقة شعر الرأس واللحية من أول ذي القعدة لمن أراد الحج ، وقبل شهر
واحد لمن أراد العمرة .
وقال بعض الفقهاء : بوجوب ذلك . وهذا القول ، وإن كان ضعيفاً إلاَّ أنه أحوط .
ثالثاً : الغسل للإحرام . وإذا خاف عوز الماء في الميقات قدمه عليه . وإن وجد الماء في الميقات أعاده .
رابعاً : أن يدعو الغسل بما ذكره الصدوق ويقول :
بسم الله وبالله ، الهم اجعله لي نوراً وطهوراً وحرزاً وأمناً من كل خوف وشفاء من كل داء وسقم . اللهم طهرني وطهر قلبي واشرح لي صدري وأجر على لساني محبتك ومدحتك والثناء عليك فإنه لا قوة إلاَّ بك . وقد علمت أن قوم ديني التسليم لك والاتباع لسنة نبيك صلواتك عليه وآله.
صفحة (110)
خامساً : أن يدعو عند لبس ثوبي الإحرام ، ويقول : الحمد لله الذي رزقني ما أواري به عورتي وأؤدي به فريضتي وأعبد به ربي وأنتهي فيه إلى ما أمرني . الحمد لله الذي قصدته فبلغني ، وأردته فأعانني ، وقبلني ولم يقطع بي وجهه . أردت فسلمني فهو حصني وكهفي وحرزي وظهري وملاذي ورجائي ومنجاي وذخري وعدتي في شدتي ورخائي .
سادساً : أن يكون ثوباه للإحرام من القطن .
سابعاً : أن يكون إحرامه بعد فريضة الظهر فإن لم يتمكن فبعد فريضة أخرى . وإلاَّ فبعد ركعتين أو ست ركعات من الناوفل . وهي صرة الإحرام . والست أفضل يقرأ في الركعة الأولى الفاتحة وسورة التوحيد ، وفي الثانية الفاتحة وسورة الحج . فإذا فرغ حمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي وآله ، ثم قال :
اللهم إني أسألك أن تجعلني ممن استجاب لك وآمن بوعدك واتبع أمرك . فإني عبدك وفي قبضتك . لا أوفي إلاَّ ما وفيت ولا آخذ إلاَّ ما أعطيت . وقد ذكرت الحج ، فأسألك أن تعزم لي عليه على كتابك وسنة نبيك صلواتك عليه وآله . وتقويني على ما ضعفت . وتسلم لي مناسكي في يسر منك وعافية .
واجعلني من وفدك الذي رضيت وارتضيت وسميت وكتبت . اللهم إني خرجت من شقة بعيدة ، وأنفقت مالي ابتغاء مرضاتك . اللهم فتمم لي حجتي وعمرتي .
اللهم إني أريد التمتع بالعمرة إلى الحج على كتابك وسنة نبيك صلواتك عليه وآله . فإن عرض لي عارض يحسبني فخلني حيث حبستني بقدرك الذي قدرت عليّ . اللهم إن لم تكن حجة فعمرة .
صفحة (111)
أحرم لك شعري وبشري ولحمي ودمي وعظامي ومخي وعصبي من النساء والثياب والطيب . أبتغي بذلك وجهك والدار الآخرة .
ثامناً : التلفظ بنية الإحرام مقارناً للتلبية وليس التلفظ واجباً بل هو مستحب أو أحوط استحباباً . ومقارنته للتلبية، بمعنى تلاوة التلبية بعد النية مباشرة ، مستحب آخر . ومن المعلوم فقهياً أنه ما لم تقترن النية بالتلبية لم ينعقد الإحرام .
فإذا تأجلت التلبية عن النية ، كانت التلبية مقارنة للنية القلبية لا اللفظية وانعقد الإحرام عند التلبية وكانت النية اللفظية السابقة عاطلة .
تاسعاً : رفع الصوت بالتلبية للرجال .
عاشراً : أن التلبية الواجبة عبارة عن جملة من واحدة وهي أن تقول : لبيك اللهم لبيك
. لبيك لا شريك لك لبيك وهي تكرار رباعي للفظ ، ومن هنا سميت التلبيات الأربع .
وتكرارها أربعاً هو الأحوط وجوباً .
غير أن المستحب أن يطيل في تلبياته ويكثر خلالها الثناء والذكر لله سبحانه ويقول : لبيك ذا المعارج ، لبيك لبيك داعياً إلى دار السلام ، لبيك غفار الذنوب لبيك لبيك . أهل التلبية لبيك لبيك ذا الجلال والإكرام . لبيك ، لبيك تبدئ والمعاد إليك لبيك لبيك مرغوباً إليك . لبيك لبيك إله الحق لبيك ذا النعماء والفضل الحسن الجميل لبيك كشاف الكرب العظام لبيك لبيك عبدك وابن عبديك لبك لبيك يا كريم لبيك .
ثم يقول : لبيك أتقرب إليك بمحمد وآل محمد لبيك لبيك بحجة أو عمرة لبيك ، لبيك وهذه عمرة متعة إلى الحج، لبيك ، لبيك تلبية تمامها وبلاغها عليك .
حادي عشر : تكرار التلبية حالة الإحرام في وقت اليقظة من النوم وبعد كل صلاة ، وعند الركوب على البعير والنزول منه . وعند كل علو وهبوط ، وعند ملاقاة الراكب .
وفي الأسحار يستحب إكثارها ، ولو كان جنباً أو حائضاً ولا يقطعها في عمرة التمتع إلى أن يشاهد بيوت مكة . وفي حج التمتع إلى زوال يوم عرفة .
صفحة (112)
وقال الفقهاء في مكرهات الإحرام :
أولاً : الإحرام في ثوب أسود ، بل الأحوط استحباباً ترك ذلك ، والأفضل الإحرام في ثوب أبيض .
ثانياً : النوم على الفراش الأصفر ، وعلى الوسائد الصفراء .
ثالثاً : الإحرام في الثياب الوسخة ، ولو أصابها الوسخ حال الإحرام ، فالأولى أن لا يغسلها ما دام محرماً ، ولا بأس بتبديلها .
رابعاً : الإحرام في ثياب مخططة .
خامساً : استعنال الحناء قبل الإحرام ، إذا كان أثره باقياً إلى حين الإحرام .
سادساً : دخول الحمام ، والأولى بل الأحوط أن لا يدلك المحرم جسده .
سابعاً: تلبية من يناديه ، بل الأحوط ترك ذلك .
قالوا : يستحب في دخول الحرم المكي عدة أمور :
أولاً : النزول عن المركوب عند وصوله الحرم .
ثانياً : الغسل لدخول الحرم .
ثالثاً : خلع نعليه عند دخوله الحرم ، وأخذها بيده تواضعاً وخشوعاً لله سبحانه .
رابعاً : أن يدعو بهذا الدعاء عند دخول الحرم :
اللهم إنك قلت في كتابك وقولك الحق : ﴿ وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق ﴾ .
صفحة (113)
اللهم إني أرجوك أن أكون ممن أجاب دعوتك . قد جئت من شقة بعيدة وفج عميق سامعاًً لندائك ومستجيباً لك مطيعاً لأمرك . وكل ذلك بفضلك عليّ وإحسانك إليّ . فلك الحمد على ما وفقتني له أبتغي بذلك الزلفى عندك والقربى إليك والمنزلة لديك والمغفرة لذنوبي والتوبة عليّ منها بمنك . اللهم صل على محمد وآل محمد وحرم بدني على النار وآمني من عذابك برحمتك يا أرحم الراحمين .
خامساً : أن يمضغ شيئاً من الإذخر ، عند دخوله الحرم وهو نبات طيب الرائحة .
وقالوا في مستحبات وآداب دخول مكة المكرمة والمسجد الحرام .
إنه يستحب لمن أراد ان يدخل مكة المكرمة أن يغتسل قبل دخولها ، وأن يدخلها بسكينة ووقار .
ويستحب لمن جاء عن طريق المدينة المنورة أن يدخل من أعلاها ( يعني مكة ) ويخرج من أسفلها .
ويستحب أن يكون حال دخول المسجد حافياً على سكينة ووقار ، وخشوع . وأن يكون دخوله من باب بني شيبة ، لأنه قيل في التاريخ : إن هبل بعد قلعه دفن تحت هذا الباب . فإذا دخله وطأ هبل تحت قدميه .
قالوا : وهذا الباب وإن جهل فعلاً من جهة توسعة المسجد ، إلاّ أنه قال بعضهم : إنه كان بإزاء باب السلام فالأولى الدخول من باب السلام .
أقول : ذكرنا فيما وراء الفقه (1) ، أن هذا الباب موجود الآن على شكل قوس أو عقد مقابل مقام إبراهيم عليه السلام .
قالوا : ثم يأتي مستقيماً إلى أن يتجاوز الأسطوانات .
ويستحب أن يقف على باب المسجد ويقول : السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته وما شاء الله ، السلام على أنبياء الله ورسله السلام على رسول الله السلام على إبراهيم خليل الله والحمد لله رب العالمين .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) انظر : ص40 ، ج2 ، ق2 . وفيه : أنه كان يُقال له باب السلام ،
إذن فباب السلام هو وليس غيره .
كما يظهر من كلام البعض . انظر الهامش ص45 .
صفحة (114)
ثم يدخل المسجد متوجهاً إلى الكعبة رافعاً يديه إلى السماء ويقول :
اللهم إني أسالك في مقامي هذا وفي أول مناسكي ، أن تقبل توبتي وأن تتجاوز عن خطيئتي وأن تضع عني وزري . الحمد لله الذي بلغني بيته الحرام . اللهم إني أشهدك أن هذا بيتك الحرام الذي جعلته مثابة للناس وامناً مباركاً وهدى للعالمين . اللهم إني عبدك والبلد بلدك والبيت بيتك ، جئت أطلب رحمتك وأؤم طاعتك ، مطيعاً لأمرك بقدرك . أسألك مسألة الفقير إليك الخائف لعقوبتك . اللهم افتح لي أبواب رحمتك واستعملني بعافيتك ومرضاتك .
وفي رواية أخرى : أنه يقف على باب المسجد ويقول : بسم الله من الله وإلى الله وما شاء الله وعلى ملة رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وخير الأسماء الله والحمد لله والسلام على رسول الله السلام على محمد بن عبد الله السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته . السلام على أنبياء الله ورسله السلام على إبراهيم خليل الرحمن السلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين .