كتاب الحج

 

الفقرة ( 1 )

 

الحج في اللغة هو القصد . وكل هدف فهو يقصد الفرد إليه ويسبب الأسباب نحوه . فالحج صادق ومنطبق على كل هدف , وكل ما قد قصدته واستهدفته فقد حجبت إليه .

 

فقد يكون ذلك بالسير المادي على الأرض أو بالسفر ، كالحج الشرعي الاعتيادي وهو قصد الأعمال المخصوصة في البقاع المقدسة ، أو السفر إلى زيارة صديق أو زيارة أحد المعصومين عليهم السلام أو السفر إلى الدراسة ونحو ذلك . فإن كل ذلك مما يصدق عليه الحج لغة.

 

وقد يكون بالسير المعنوي أو المجازي ، أعني تسبيب الأسباب بغض النظر عن السير في المكان . فإنه قصد للنتيجة على أي حال ، كقصد تعلم العلم أو الاسترباح أو التداوي ، ونحو ذلك .

 

فإذا التفتنا إلى أن  بعض المقاصد قد تكون مرجوحة أو محرمة ، كما التفتنا قبل قليل إلى كون السير إما مادياً أو معنوياً ، انقسمت الاحتمالات إلى أربعة . فالسير المادي الراجح ، هو الحج الاعتيادي أو الزيارات المطلوبة شرعاً .

 

والسير المادي المرجوح هو السير في الهدف الحرام كقتل المؤمن أو السرقة أو الهدف المرجوح كزيادة الاسترباح أكثر من الحاجة . والسير المعنوي المرجوح كقصد تعلم العلم المرجوح أو التداوي المرجوح أو الوصول إلى مكان مرجوح ونحو ذلك .

 

والسير المعنوي الراجح هو السير نحو الأهداف المعنوية الحقة ، والتي يعبر عنها معنوياً بالسير إلى الله سبحانه . كما قال الله في كتابه الكريم : ﴿ ففروا إلى الله . وقال : ﴿إني ذاهب إلى ربي سيهدين .

 

صفحة (87)

 

وقال بعض الشعراء الفرس ما ترجمته : إنه ذاهب إلى ( البيت ) وأنا ذاهب إلى صاحب البيت أو رب البيت ، وذلك هو الحج الحقيقي .

 

وإنما يكون الحج المتشرعي الاعتيادي صحيحاً ومقبولاً إذا كان مصداقاً منه وتطبيقاً له. وذلك مع توفر الإخلاص وحسن التوفيق . وأما إذا كان لأجل الدنيا ، كالشهرة والتجارة والرياء فهو منفصل عنه تماماً ، بل قد لا يكون مجزياً إطلاقاً .

 

تماماً كما قلنا في جانب الجهاد : إن الجهاد الأصغر إنما يكون صحيحاً ومقبولاً إذا كان مصداقاً من الجهاد الأكبر وتطبيقاً له دون ما إذا كان منفصلاً عنه .

 

تماماً كما نقول في الصوم . إن الصوم الظاهري وهو الإمساك عن المفطرات مع النية ، إنما يكون صحيحاً ومقبولاً إذا كان مصداقاً من الصوم الحقيقي والمعنوي وهو الكف عن كل ما لا يرضي الله سبحانه كما قال في الدعاء : " اللهم لا تجعل الدنيا أقصى همنا ومبلغ علمنا " .

 

الفقرة ( 2 )

 

الحج هو القصد : والقصد هو النية إذن فالحج هو النية ، يعني نية الوصول إلى الهدف بالمعنى السابق . إلاّ أن الفقهاء لا يفهمون منه ذلك ، بل يقصدون من القصد : تطبيق تلك النية والسير في ذلك الهدف فعلاً . إلاّ أن المعنى اللغوي بالدقة ليس كذلك .
وبطبيعة الحال ، فإن الحج الاعتيادي لن يكون بدون ممارسة العمل وقطع الطريق بخلاف الحج المعنوي ، فإن النية قد تكون كافية فيه فإن الله سبحانه غني عن المكان والزمان . وإنما يكون القصد إليه بالقلوب والعقول . وفي الحديث القدسي : " لا يسعني أرضي وسمائي ، ولكن يسعني قلب عبدي المؤمن " .

 

فالنية كافية بصفتها حباً لهذا الطريق بل هي سير معنوي فيه ، بل قد يكون هذا السير طويلاً وعميقاً إذا كانت النية خالصة ومخلصة ولم يكن العبد ممن تأخذه في الله لومة لائم ، مهما كان زمان النية أو مكانها قليلاً .

 

صفحة (88)

 

الفقرة ( 3 )

 

يعتبر الشرط الأساسي في وجوب الحج هو الاستطاعة . وهي كلمة عرفها الفقهاء : توفر الزاد والراحة وتخلية السرب وضمان معيشة أهله خلال سفره .

 

والاستطاعة عموماً هي القدرة والتمكن من العمل ، وهي شروط في الواجبات لاستحالة تكليف غير المستطيع أو غير القادر . ولولا بعض التقييدات في السنة الشريفة ، لحمل عليه معنى الاستطاعة حتى في الحج . وأنه هو المراد بقوله تعالى ﴿ ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً .

 

لكن مع ملاحظة أن المراد من القدرة في لغة الفقهاء ليست هي القدرة العقلية الصرفية ، بل القدرة العرفية ، فلو كان الفرد قادراً عقلاً ولكنه عاجز عرفاً ، لم يمكن تكليفه .

 

فإذا التفتنا إلى ذلك أمكننا أن نحمل معنى الاستطاعة المبنية في السنة الشريفة على نفس المعنى ، بمعنى أنها قد بنيت ما يصبح به الفرد مستطيعاً عرفاً للحج ، وذلك بتوفر الشروط لديه ، إذاً مع عدمها لا يكون قادراً عرفاً ولا مستطيعاً للحج .

 

وإذا تمّ ذلك ، لا تكون شروط الحج مختلفة عن سائر شروط الواجبات لتحديدها جميعاً بالقدرة العرفية فقط . غاية الأمر أن القدرة العرفية في كل واحد منها تختلف عن الآخر باختلاف سنخ العمل المطلوب بطبيعة الحال . والحج بما أنه يحتوي على سفر وابتعاد عن الأهل والوطن سيكون أكثر قيوداً ، وتكون الاستطاعة له أقل وجوداً .

 

ومن هنا نلاحظ أن القدرة عليه والاستطاعة له تختلف بين القريب من مكة المكرمة والبعيد عنها . وكل ما كان الفرد أبعد في بلده كانت استطاعته للحج أصعب .

 

وعندئذ فمن المنطقي أن تكون كل تلك الشرائط موجودة له لكي يكون مستطيعاً عرفاً للحج بما فيه المال الذي يضعه عند أهله ، ولا يوقعهم في حرج أو حاجة إلى التغير . وبما فيه ما يسمى بالفقه بالرجوع إلى كفاية وهو أن لا ينقطع عمله ورزقه بعد رجوعه فإن كان سبب ذهابه شيئاً من هذا القيبل لم يكن مستطيعاً للحج .

 

صفحة (89)

الفقرة ( 4 )

 

وإذا كان الحج هو القصد إلى صاحب البيت كما سمعنا وليس البيت بالذات ، وإنما يقصد البيت لأجل قصد صاحبه بالحقيقة . كما قال الشاعر :

             أمرّ بذي الديار ديار ليلى         أقبـل ذا الجدار وذا الجدار

            وما حب الديار شغفن قلبي       ولكن حب من سكن الديارا

 

وعندئذ فهل تكون الاستطاعة شرطاً أم لا ؟

 

فإن نظرنا من الناحية الفقهية ، وجدنا هذا التكليف مثل سائر التكاليف مشروطاً بالقدرة العرفية / كما سمعنا .

وإن نظرنا من الناحية الواقعية ، وجدنا أن التكليف بالوصول إلى هذا الهدف السامي ، مما يفدى له النفس والمال والولد وكل الدنيا وما فيها . ومعه يكاد أن يسقط شرط الاستطاعة سقوطاً كاملاً .

 

وإذا نظرنا من الناحية العملية ، استطعنا تقسيم الاستطاعة للوصول إلى ذلك الهدف أو الحج المعنوي إلى قسمين : استطاعة اقتضائية واستطاعة فعلية . فالاستطاعة أو القدرة الاقتضائية متوفرة في كل أحد إلاَّ المتخلفين خلقياً ، ويبقى سائر البشر ، بمختلف طبقاتهم وأديانهم وأماكنهم وأزمانهم ، قادرين بهذا المعنى على الوصول إلى ذلك الهدف لأنه هو الهدف الذي خلق الفرد من أجله وأرسل إلى هذه الدنيا من أجله ، قال تعالى : ﴿ ألم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير فمن غير المحتمل أن تكون الحجة قائمة على البشر في ذلك مع أنهم غير قادرين بالمرة عليه وإلاَّ كانت الحجة لهم وليست عليهم . وهذا على خلاف كلام الله سبحانه في كتابه الكريم .

 

ولكن القدرة الاقتضائية لا تكفي ، لوضوح أن المقتضي وحده لا يؤثر بل قد تحول دونه الموانع وفقد الشرائط فلا تتم العلة التامة للقدرة . ومعه يبقى الفرد متورطاً في النقص وغافلاً عن الحق .

 

صفحة (90)

 

فإذا علمنا أنه لا يخاطب فعلياً بذلك الهدف ، إلاَّ الفرد المتورع الملتزم بترك كل المحرمات والإتيان بكل الواجبات بالإسلام ، عرفنا كيف تخرج أكثر البشرية عن نطاق السير نحو الهدف ، لأن أغلبها كفار وفسقة ومنافقون ومرتكبون للمعاصي ، بمختلف أنواعها .

 

وهؤلاء وإن كانوا قادرين ، بالقدرة الاقتضائية – كما سبق – على السير والوصول ، لقدرتهم على تطبيق الحق والتورع عن كل باطل . إلاًَّ أنهم من التطرف والغفلة بحيث لا يصبح معهم ذلك عملياً إطلاقاً .

 

لأن الموانع فيه قد أثرت في سحب ذلك المقتضى والإجهاز عليه ، إلى حد يكون رجوعهم إلى طريق الحق يحتاج إلى شيء يشبه المعجزة .

 

ومن هنا يتحصل ويتضح أن المستطيع بالقدرة الفعلية التامة للوصول إلى ذلك الهدف ، ليس إلاَّ أقل القليل من البشر ، وهم خاصة الخاصة لو صح التعبير .

 

وخاصة إذا التفتنا إلى أن الحج الإسلامي الاعتيادي ، بالرغم مما قد يحصل فيه من مصاعب وعقبات ، أسهل بكثير من الحج المعنوي . ولذا كانت الاستطاعة الفعلية لكثير من الناس موجودة للحج الاعتيادي ، ولكنها غير موجودة في الحج المعنوي .

 

ويكفينا إيضاحاً أن نسمع أن عدداً من الأخيار الذين قضوا أعمارهم بالأعمال الصالحة والصلاة والحج ونفع الاخرين . ومع ذلك فهم يتأوهون من قلة الزاد وبعد الطري وقلة الناصر والصديق .

 

وذلك لأن الله تعالى وإن جعل المقتضي في الخلقة الإنسانية تاماً ، وهو قوله تعالى : ﴿ لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم إلاَّ أنه جعل هذه موانع ضخمة جداً ، امتحاناً للفرد وانتظاراً لتحصيل حسن نيته وقوة همته .

ويمكن تقسيم هذه الموانع إلى صنفين ، أحدهما مربوط بالفرد وهو جنود الباطل ، لو صح التعبير ، وتتلخص في ثلاث فئات ، النفس الأمارة والشيطان وحب الدنيا .

 

صفحة (91)

 

وثانيهما مربوط بالله سبحانه وتعالى : فإنه من المتعذر حقاً أداء حق الله كله بل المطلوب هو السير في هذا الطريق في مقدار الإمكان ولن يصل الفرد إلى نهايته ، لأن حق الله وطاعته ونعمته وعظمته أكثر من طاقة كل فرد بحياله . وكل ما عمل الفرد من طاعة فإنما هي نعمة الله وحسن توفيقه . ومن هنا ورد في بعض الأدعية " إنه كلما قلت لك الشكر وجب عليّ أن أقول لك الشكر ".
 

بل لو استطاع الفرد إيقاع الطاعة والانقياد بشكل لامتناهٍ ، لم يستطع أداء حق الله سبحانه لأكثر من سبب :

 

أولاً : كما يقول الشيخ المحقق السبزواري : إن الله فوق ما لا يتناهى بما لا يتناهى .

 

ثانياً : إن كل نعمة ابتداء ومع الاستغناء عن الفرد وعن عمله . في حين أن عمل الفرد مع الحاجة والافتقار إلى الله سبحانه ، وكردّ الجميل وشكر للنعمة . وهذا غير صادق على الله سبحانه .

 

إذن ، فكيف ندعي أن الاستطاعة والقدرة الفعلية التامة متوفرة  للفرد . ولذا قال في بعض الأدعية : " ما جعلت طريقاً إلى معرفتك إلاَّ بالعجز عن معرفتك " .

 

إلاَّ أن هذا الحديث لا ينبغي أن يوجد اليأس والقنوط لدى الفرد ، أو الإشكال بأن التكليف بما هو متعذر غير معقول ، إذن فالتكليف بالحج المعنوي غير معقول .

 

فإن جوابه : إن هو مطلوب من العبد ليس إلاَّ شحذ الهمة وتصفية النفس وصدق النية . ويبقى الطريق الباقي على حسن توفيق الله سبحانه ، فهو الكفيل به والقادر عليه بأن يوصل عبده إلى أي درجة يشاء . ومن هنا ورد في الدعاء " " اجذبني إليك برحمة توصلني إليك " . وقال : " منك أطلب الوصول إليك وبك واستدل عليك ، فاهدني بنورك إليك وأقمني بصدق العبودية بين يديك " .

وقال تعالى : ﴿ يأيتها النفس المطمئة ارجعي إلى ربك راضية مرضية ، فادخلي في عبادي وادخلي جنتي .

 

صفحة (92)

الفقرة ( 5 )

 

لعل من أهم واجبات الحج وأعمها هو الإحرام ، لأنه الخصيصة والصفة المستمرة في أكثر أو كل أفعال الحج .

وقد قلنا عنه في ما وراء الفقه(1) : وأهم ما ندرك في ذلك هو التجرد عن علائق المادة وزخارف الدنيا في سبيل الله ، لأجل تمحيض التوحيد وتركيز الإخلاص له وتعميق التوجه إليه .

 

فإن الإحرام بما فيه من زواجر وروادع صارمة ، يدع الإنسان يشعر بعمق أنه باختياره وطيب نفسه ، أراد أن يعيش هذه التضحية ، وأن يخطو في هذا السبيل خطوات لا يريد بها إلاَّ رضا الله سبحانه وتعالى ، وترك الأمور الدنية واللاأخلاقية ، كالجدال والفسوق من أجل طاعته .

 

وهذا يعطي بحق ، رمزية واضحة عما يجب أن يكون عليه الفرد المسلم في سائر أيام حياته من الالتفات إلى تقديم رضا الله عز وجل على مصالحه وأطماعه وشهواته ونزواته ، فليس ينبغي أن يحول دون هذا السبيل حائل أو أن يعيق الفرد أي عائق ، في جميع أعماله وأحواله خاصة وعامة .

 

ثم قلنا بعد صفحة عن زي الإحرام أنه يعطي عدة انطباعات صحيحية ، نذكرها الآن باختصار :

 

الانطباع الأول : إن زي الإحرام يتساوى فيه الرئيس والمرؤوس والغني والفقير والعزيز والحقير ، كلهم بزي واحد وعمل واحد وفي سبيل هدف واحد وعبادة واحدة . جمعهم التشريع الإلهي على صعيد واحد ، وألغى بينهم الفوارق الدنيوية والزخارف الزائفة الفانية, وتبقى اللذة الحقيقية الباقية، وهي حلاوة التقوى وطعم الإيمان وبرد اليقين .

ـــــــــــــــــــ

(1) الصفحة 111 ، ج2 ، ق2 .

صفحة (
93)

 

الانطباع الثاني : إن زي الإحرام يذكر بحال الموت وزيه وما يلبس الفرد خلاله من الأكفان . تلك الحال التي تقرب وتفصح عن التساوي بين الناس بشكل أصرح ويكون انعدام الفوارق بين القبور أجلى وأوضح .

 

الانطباع الثالث : إن احتشاد الناس المحرمين في المسجد الحرام للطواف أو في الموقفين أو في منى أو غيرها لأداء فرائض الحج وواجباته ، يعطي صورة واضحة عن احتشاد الناس في المحشر يوم القيامة ، حين يقوم الناس لرب العالمين ، للحساب والثواب والعقاب .


ومن المعلوم أن الفرد إذا تذكر آخرته لم يبق بينه وبين الرغبة في الطاعة ولا الارتداع عن المعصية أي عائق، غير الغفلة والتناسي .

 

الفقرة ( 6 )

 

وإذا كان المراد من الحج : الحج المعنوي ، فماذا سيكون معتى الإحرام المعنوي ؟

 

بعد أن نعرف فقهياً أن الإحرام يحتوي على ثلاثة أمور أساسية ، أصلها ، وأهمها ما يسمى بتروك الإحرام ، وهي المحرمات على المحرم ، مع كونه مشترطاً بالتلبية وحرمة لبس المخيط، الذي يمثل الزي الخاص للإحرام.

 

أما ترك الإحرام ، فتختلف في الإحرام المعنوي باختلاف مستوى الفرد وإدراكه ، أو قل حسب درجة إحرامه . فمنها ترك الشهوات ومنها ترك حب الدنيا ومنها الزهد في الدنيا فعلياً ، ومنها ترك النظر إلى الأسباب إلى غير ذلك . فإنه بدون هذه التروك لا يكون الفرد محرماً ، وإذا لم يكن محرماً لم يقبل حجه .

 

صفحة (94)

 

وأما زي الإحرام ، فيمثل ترك الزي الاعتيادي الدنيوي . والزي بالمعنى الدقيق ، هو كل صفة عامة اتصف بها الفرد سواء كانت ناشئة من الثياب أو غيرها . كالشهرة والمال والتجارة والعلم . وكذلك صفات النية كدرجة الإخلاص والهمة للدنيا أو للآخرة ، وهكذا . فالفرد في الإحرام ينبغي أن يبدل زيه كله ويكتفي منه بما يستر جسمه . على أن لا يكون مخيطاً أو معتنى به ،وأن لا يكون ملوناً أو مزخرفاً . والأفضل أن يكون أبيض اللون. وهو يمثل بياض النية وبياض العمل .

 

وأما التلبية فهي الجواب الحقيقي لنداء الله عز وجل حين دعانا إليه بقوله : ﴿ ففروا إلى الله ووعدنا بأن يجعلنا بمنزلة ضيوفه واحبابه . ولذا يقول فيها : لبيك اللهم لبيك . وهي إجابة النداء لا محالة ( كما برهنا عليه فيما وراء الفقه )(1) .

 

وكما أن العبد قد يجيب ريه ، فكذلك قد يجيب الرب عبده . وهو قوله تعالى : ﴿ ادعوني استجب لكم . وقول الشاعر عن الحديث القدسي : لبيك عبدي أنت في كنفي .

 

لأننا كما أننا دعوان الله ، فكذلك مدعون من قبله سبحانه . ولكل دعوة إجابة ، فما لم تحصل الإجابة من العبد لم تحصل الإجابة من الرب . ولذا لا يستجاب الدعاء من الألسن القاصرة المقصورة . وقد ورد : أعطيناه ما يريد فأعطانا ما نريد . أقول : فإذا لم يعطه العبد ما يريد كان حقيقياً أن يحرمه مما يريد .

 

وكذلك فإن الله تعالى قد ابتدأ عبده بالنعم والفضل بالرحمة العامة فكأنه يقول بلسان الحال : قد أعطيناك ما تريد فأعطنا ما نريد .

الفقرة ( 7 )

 

بقي لنا الحديث عن المواقيت ، وهي الأماكن الرئيسية التي وقّتها رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لدخول مكة محرماً وهي ستة .

ــــــــــــــــــــــــ

(1) انظر : ص205 ، ج2 ، ق2 وما بعدها .

 

صفحة (95)

ولكنها فقهياً أوسع من ذلك كما يتضح لمن راجع كلام الفقهاء , حتى إنه يستطيع الفرد أن يحرم من بلده بالنذر كما يستطيع أن يحرم في مكة نفسها مباشرة ، كما في حج التمتع وحج أهل مكة أنفسهم . والأول هو أبعد إحرام من حيث المكان والأخير هو أقربها . والستة هي المشهورة والمطابقة للقاعدة العامة المناسبة مع كل أحد وكل طبقة واتجاه . ونستطيع أن نعدها وسطى بين ذينك الحدين .

 

والميقات مأخوذ من الوقت ، والوقت في لغة العرب يشمل الزمان والمكان ، ولهذا سميت هذه الأماكن مواقيت بالرغم من كون الوقت أوضح في الزمان عرفاً .

 

وقد قيل في الحمة : إن الأمور مرهونة بأوقاتها أي في الزمان والمكان الذي تتم فيها مقدماتها وتبدأ فيها نتائجها .

 

ولكل شيء كهدف أو نتيجة ، مقدمات وأسباب والأمور مرهونة بأسبابها والله سبحانه هو مسبب الأسباب وهذا نظام لا يمكن اختلاله إلاَّ بمعجزة قاهرة .

 

والمقدمات تكون على شكلين تبعاً لنتائجها : مقدمات الاستحقاق ومقدمات الفعلية . فالاستحقاق في الدين هو حلول أجله ، والفعلية فيه دفعه إلى الدائن .

 

ولا توجد فعلية بدون استحقاق وكل فعلية لابد أن يسبقها استحقاق ، وإلاَّ كانت ظلماً ، وطريق العدل بريء من الظلم . ولكن قد يحصل استحقاق بدون فعلية إذا منعت الموانع دونها . وإلاَّ فالاستحقاق التام مساوٍ للفعلية ، إذ لا بخل في العطاء بطبيعة الحال . فالاستحقاق هو الميقات ، والفعلية هي العطاء وقد يتأخر العطاء ، عن الاستحقاق ، حتى ترتفع عنه الموانع تماماً .

 

غير أن الأفراد مختلفون جداً في مواعيد استحقاقاتهم . وهذا أحد تأويلات تعدد المواقيت واختلافها ، حتى قيل عنها فقهياً إنها لا حصر لها . فمنهم من لا يقصد الحج إطلاقاً ، ومنهم من يقصده ولا يوفق للوصول إلى الميقات ، ومنهم من يصل إليه ولا يتجاوزه إلى ما بعده ، ومنهم من يتجاوزه ولا يصل إلى هدفه وهكذا .

 

صفحة (96)

 

الفقرة ( 8 )

 

جئنا إلى الطواف حول الكعبة المشرفة ، وهو احد الأجزاء الرئيسية في الحج والعمرة ، فما هو معناه وإلى أي شيء يشير ؟

 

قلنا عن ذلك فيما وراء الفقه(1) ما ملخصه : إنه تمثل الكعبة الوجود المادي الرمزي للتوحيد الخالص الذي جاء به الإسلام ، وجاء به إبراهيم الذي وضع قواعد البيت ، و﴿ هو سماكم المسلمين وقال : ﴿ إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين .

 

وبالتالي تمثل الكعبة ، بنحو الرمز : الوجود الإلهي على الأرض ... ويكون إظهار الإخلاص لها إظهاراً للإخلاص للتوحيد ... ويكون التقرب إليها بالذبح والنحر تقرباً إلى التوحيد الإلهي في عالم المعنى والكمال الروحي والعقلي .

 

ويكون الدوران حول الكعبة بالطواف وجعلها مركز الإحساس المادي ، رمزاً حياً عن الدوران حول التوحيد وحول الحق الصريح وجعله مركز الإحساس المعنوي ، ومركز النشاط النفسي والاجتماعي .

 

أقول : وبطبيعة الحال ، لابد للفرد من كعبة يطوف حولها ومركو إحساس يلوذ به ويكون طوافه مستمراً غير منقطع فهو يطوف إما حول علائق الدنيا أو حول علائق الآخرة ، والكعبة من علائق الآخرة ، فإن تصدى الفرد للطواف حولها شهد على نفسه بترك الطواف حول الشهوات والنزوات ولكنه قد يعود إليها وقد لا يعود .

 

ويمكن أن نفهم من الطواف ، نحواً من العبادة ، بعد أن فهمنا من الكعبة معنى التوحيد فإن الله الواحد جل جلاله معبود لا محالة . ومن أهم أنحاء العبادة إظهار الأهمية وله والتعظيم ، وذلك بالطواف المعنوي به فنحن نطوف حول الكعبة المادية ، ونقصد العبادة للكعبة المعنوية .
ـــــــــــــــــــ

(1) انظر : ص511 ، ج2 ، ق2 .
 

صفحة (97)

 

كما يمكن أن نفهم من الطواف ، شكلاً من أشكال بذل الجهد في سبيل الله وهذا واضح إلاَّ أنه غير خالص بالطواف بل يشمل كل الطاعات .

 

كما يمكن أن نفهم من الطواف معنى آخر ، يحتاج إلى الالتفاف إلى مقدمة معينة ، وهي أن المرتكز لدى بعض العوام أن الإنسان إذا دار حول أي شيء . – كإنسان آخر مثلاً – فإنه يموت فداء له . ولذا إذا صادف أن دار الولد حول أبيه او أمه ، فإنهما ينهرانه ويمنعانه ، حباً به لكي لا يموت فداء لهما .

 

ومعه يكتسب الدوران هذا المعنى بلسان الحال ، وهو بذل الفداء ، في سبيل من تدور حوله . فإذا كانت الكعبة رمزاً للتوحيد كما سبق ، فمعناه ان الحاج يبذل نفسه فداء سبيل التوحيد ويتبرع بها لله عز وجل كما قال الله جل جلاله : ﴿ إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ... وعد الله حقاً .

 

والطواف أيضاً نحو من إظهار الحب والإخلاص والاحترام لمن تطوف حوله ، وخاصة فيما إذا كانت شواخص جامدة كقبور الموتى أو بيوت الأحياء . فكذلك الحال في الطواف حول الكعبة المشرفة بصفتها مظهراً من مظاهر التوحيد .

كما أن الطواف في اللغة هو الوصول إلى الشيء ، سواء دار حوله أم لا . فنقول طفت به إذا زرته أو وصلت إليه . ومن هنا يكون الفرد ظائفاً بالحال الذي وصل إليه أو بالمستوى هو فيه أو بالدرجة التي يراها له .

فهذه حوالي ستة معانٍ للطواف ، غير متنافية ، بمعنى أنها قابلة للصدق جميعاً معاً ولا ينبغي أن نزيد هنا على ذلك .

 

الفقرة ( 9 )

 

وأما السعي بين الصفا والمروة ، فقد قلنا في المصدر المزبور(1) . إنه يمثل السعي في حدود الشريعة الإسلامية والأوامر الإلهية التي هي حدود الله ﴿ ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه .
ـــــــــــــــــ

(1) انظر المصدر ، ص125 .


صفحة (98)

فالفرد المؤمن ملتزم بتعاليم الله مقتصر عليها متردد في سلوكه ضمن حدودها . فإن حام حول الشبهة رجع إلى الشريعة ، وإن ارتكب مخالفة لجأ إلى التوبة ، وإن شط به المزار ذكر الله فإذا هو مبصر .

 

ثم قلنا هناك : وهناك جانب آخر مشار إليه في الروايات من مصالح السعي ، فإنه يحتوي على ذلة وكفكفة من غلواء النفس ، وخاصة في الهرولة المستحية من بعض ذلك الطريق .

 

أقول : ويرى الفقهاء الالتفات خلال السعي يميناً وشمالاً مرجوحاً ومكروهاً ، والخروج عن السعي حراماً ومبطلاً للسعي هذا يكون رمزاً باختصاص السعي بالهدف الذي يسعى إليه وتكريس النفس فيه ، والإعراض عن غيره مما لا يناسبه .

وعلى أي حال ، فالإنسان لا يخلو من سعي في حياته لهدف من الأهداف ، إما الدنيوية وإما الأخروية ، وسعي الحج ، يعني السعي للهدف الذي حج من أجله حجاً معنوياً ، كما سبق أن قلناه .

 

ولكن قد يبقى هنا سؤالان :

الأول : إن السعي والحج بهذا الأسلوب ، يكونان بمعنى واحد ، وهو القصد إلى الهدف وليسا بمعنيين . مع العلم أنهما عرفاً ومتشرعاً بمعنيين أكيدين فكيف صار ذلك ؟

جوابه : إن قصد الهدف له مراتب بعضها أقرب وبعضها أبعد ، فيكون البعيد هو السير من بلده إلى الديار المقدسة ويكون القريب هو السعي في داخل تلك الديار .

 

الثاني : إن السعي يحتوي على تردد ذهاب ومجيء بين الصفا والمروة ، في حين أن السعي نحو الهدف ، أياً كان،لا مجال للتردد فيه والرجوع عنه ثم العود إليه . وخاصة فيما إذا كان هدفاً معنوياً عالياً فكيف صح ذلك؟
جوابه : إن ذلك يصح من عدة وجوه .


صفحة (99)

 

الوجه الأول : إن السعي كما التفتنا قبل قليل يكون في الديار المقدسة نفسها . إذن فهو بأي حال لا يتضمن الرجوع عنها ، وإنما يتضمن التجوال فيها ، وهو أمر مطلوب .

 

الوجه الثاني : إن الفرد ما دام في الحياة الدنيا ، فهو لا يخلو في مضاعفاتها ومصاعبها ، من الغفلة والنسيان والأطماع ونحوها ، مما يسبب ابتعاد الفرد أحياناً عن هدفه الحقيقي . فإذا التفت إلى حالة رجع إلى هدفه ﴿ تذكروا فإذا هم مبصرون ، فيمكن أن يمثل أحد الشوطين شوط الهدف والآخر شوط الغفلة والنسيان، ثم العود إلى شوط الهدف وهكذا . أو قل : إن العدد الفرد منها هو شوط الهدف والعدد الزوج منها شوط الغفلة. او قل شوط الدنيا وشوط الآخرة .

 

الوجه الثالث : إن الفرد قد لا يتم له التعرف على منطقة وجود هدفه بالتعيين ، فيبقى متردداً في سعيه ، فتارة يذهب إلى هذه الجهة وأخرى إلى تلك الجهة ، تبعاً لاحتمال وجود الهدف وتحققه ، فليكن السعي شيئاً من هذا القبيل ورمزاً عن نحو من أنحاء الحيرة في الهدف المستلزم لشكل من أشكال الحيرة في السعي ، وقد ورد : اللهم زدني حيرة . 

الفقرة ( 10 )

 

يختلف الإحرام في عمرة التمتع عن إحرام الحج ، بأن إحرام الحج يحتاج إلى عدة أعمال للتحليل والتخلص منه، بعد أداء وظيفته ، كالذبح والحلق وطواف الحج ، في حين لا يحتاج التحلل من إحرام العمرة إلى شيء من ذلك .

 

ويحتاج إحرام الحج في حلية النساء إلى طواف النساء ، في حين لا يحتاج إحرام العمرة إلى ذلك .  بل تحل النساء رأساً بعد الانتهاء من العمرة ، ولأجل ذلك سميت بعمرة التمتع وحج التمتع . أي أنها تفتح فرصة للتمتع بالنساء بعدها مباشرة .

صفحة (100)
 

وهذا المعنى يمكن أن نفهم منه معنيين مختلفين وإن لم يكونا متنافيين بالدقة ، على ما سنقول :

المعنى الأول : إن معنى العمرة المعنوية ،او من معانيها أن يعمر الفرد نفسه ، بعد أن كانت خراباً ، قبل البدء بالحج وهو المسير الأساسي نحو الهدف .

 

وفي هذا التعمير لا يكون التزمت والتشدد في ترك ما هو مرجوح شديداً ، مما سيكون بعدها من درجات التكامل فإذا خرج الفرد من حال العمرة ، والتفت إلى دنياه ولو قليلاً ، جاز له أن يترك اعتزال النساء .

 

المعنى الثاني ك إنه يمكن القول معنوياً إن الإحرام يستمر من العمرة إلى الحج ، بدليل أن الفرد لا يقوم بأي عمل مسبب لانحلاله فلا ينحل بل يستمر . كل ما في الأمر أن النفس قد تضجر أحياناً فيعطيها من الدنيا بمقدار ما يغلق فمها عن الصياح . وإذا فعل ذلك جدد التلبية والتوجه إلى الهدف لينعقد إحرامه من جديد .

 

وهذا بخلاف استمرار الإحرام بعد الحج كما سيأتي . فإنه عندئذ سيكون مستغنً عنه بعد نجاز الحج ، فلا بد من رفعه وإزالته .

 

وبهذا يتضح عدم التنافي بين المعنيين ، كما أشرنا ، فإن عدم انحلال الإحرام ، كما أشرنا في المعنى الثاني ، لا ينافي بعض الألتفات إلى الدنيا ، بعد أن كان أصل الإحرام غير شديد ، كما في المعنى الأول .

 

الفقرة ( 11 )

 

وصلنا الآن إلى المواقف الثلاثة الرئيسية في الحج في البقاع المقدسة الثلاثة ، عرفة ومزدلفة ومنى . وكلها داخلة في الحرم المكي ، كما ذكرنا في ما وراء الفقه .

وهناك حديث يشملها جميعاً ، كما أن هناك أحاديث تخص بعضها . وفي هذه الفقرة نتحدث الحديث الأول .


صفحة (101)

قلنا في ما وراء الفقه (1) عن الموقفين : عرفة والمشعر : إن هذين الموقفين هما الفرص الأساسية لاطلاع كل فرد من الحجاج على إخوانه في الله والمساهمين معه في إجابة ندائه .

 

فإن الحاج في سائر أعماله عدا الموقفين لن يستطيع أن يحتك في هذا الجمع الغفير المتلاطم ، ويحس عن قرب بالعدد الضخم العامل في سبيل إطاعة ربه وأداء فريضة حجه .

 

إن الحجاج يكونون عادةً في العمرة ، وفي الطواف ، وفي السعي ، وفي رمي الجمرات ، وغيرها من الأعمال متفرقين مشتتين لا يؤدون العمل في زمان واحد ، ولا يجتمعون على صعيد واحد ، إلا في أرض عرفات والمشعر .

 

فما هو شعور الفرد المسلم عند مواجهة إخوانه ؟ وما أعظم الحكم الإسلامي ، وما أكبر نداء الإسلام الذي يستطيع أن يجمع هذه الآلاف في هذا العام وفي كل عام .

وما أعظم الأخوة التي تشد بعضهم إلى بعض ، بالرغم من تباعد البلدان وتشتت اللغات . إنها أخوة الهدف والعمل والعقيدة وهي أقوى الأخوات وأرسخها في منطق الإنسانية والتاريخ .

 

أقول : هذا من ناحية إجتماعية ، وأما من ناحية أخلاقية فهو أوضح أيضاً . بعد الالتفات إلى عدة مقدمات :

أولاً : إن الأراضي أو المناطق التي يحصل فيها الاجتماع في الحج هي مقدسة وكل أرض مقدسة يمكن نسبها إلى الله سبحانه فهي أرض الله ، كما في الزيارة : السلام عليكم يا أمين الله في أرضه . وقال سبحانه:
﴿ وأشرقت الأرض بنور ربها ، إذن فالاجتماع على أرض الله وليست على أرض اعتيادية أو ظلمانية .

 

ـــــــــــــــــ
(1) انظر المصدر ، ص128 .


صفحة (102)
 

ثانياً : إن الاجتماع يحدث تجاوباً نفسياً وعقلياً عالياً كما ذكرنا في فصل صلاة الجماعة من هذا الكتاب . وهذا التجاوب يكون حاصلاً ، ما دام النطق مسموعاً بلحاظ الحال أو بلسان المقال . وهذا التجاوب يؤثر في الإعانة على طاعة الله سبحانه وفي الترقي في مقامات التكامل لمن كان قابلاً لها ومستحقاً .

 

ثالثاً : إن تعدد البقاع أو المناطق ، يعبر عن تعدد مقامات الكمال ، ولا شك أن هذا حاصل لكل واحد سواء قصدنا الكمال السيء أو الكمال العادل ، وسواء قصدنا التكامل الواطئ أم التكامل العالي . كل ما في الأمر أنه ما دامت هذه الأراضي مقدسة ومنسوبة إلى الله سبحانه ، فهي تمثل مرحلة عالية من الكمال العادل لا محالة .

 

ونلاحظ أن من لم يكن مستحقاً لمثل تلك الدرجة ، لم يكن فيها ، فقد يستطيع الذهاب إلى واحدة وتتعذر عليه الأخرى ، فيتعذر حجه ويبطل . إلاّ أن يعمل له العمل المناسب له والذي يبلغ به درجة الاستحقاق ، الذي هو معنى السفر من بقعة إلى بقعة من تلك البقاع المقدسة .

 

أما ترتيب تلك البقاع فهو عرفات أولاً ثم المشعر ثم منى ، كما هو معروف . وعلى ذلك فمتى تكون بمنزلة الخلاصة والنتيجة للموقفين السابقين عليها . وإذا حصلت النتيجة انتهى السفر كما قال الشاعر :

       وألقت عصاها واستقر بها النوى                 كما قر عيناً بالإياب المسافر

 

وإذا حصلت النتيجة وانتهى السفر ، كان هناك أمران :

الأمر الأول : أن لا حاجة إلى الإحرام ، بعد انتهاء العمل بل ينبغي التحلل منه والتخلص منه .

 

الأمر الثاني : أن يوم حصول النتيجة يوم عيد لا محالة ويوم راحة بعد تعب ويوم لذة بعد شقاء ، ويوم لقاء بعد فراق . وهو عيد الأضحى الذي تشرق فيه شمس الكمال في ضحاها على الأرض والسموات .

 

فهذا ترتيب هذه البقاع وأما معانيها الأخلاقية التفصيلية ، وما تعبر عنه كل بقعة ، من درجة من الدرجات . فهذا ما يمكن أن نعرضه كأطروحة مختصرة .


صفحة (103)

 

وهي أن عرفات من المعرفة والمشعر من الشعور بالذات ومنى من المنية وهي حصول ما يتمناه الفرد السالك في طريق الكمال . ولذا كان فيها عيد وفيها انحلال الإحرام .

 

الفقرة (12)

 

قلنا في ما وراء الفقه (1) عن الهدي في منى يوم الأضحى :

يمثل الهدي ، وهو التقرب إلى الله عز وجل بالذبح أو النحر ، عدة معان سامية يكفي كل منها أن يكون سبباً لتشريع هذه العبادة الجليلة ، فضلاً عن مجموع المعاني .

 

أولاً : هو نوع من التضحية المالية في سبيل الله عز وجل ، شأنه في ذلك شأن الزكاة والخمس ، بل والحج نفسه بما يكلف الحاج من أموال .

 

ثانياً : هو نوع من التضحية بالدم الذي يعطي رمزية عن التضحية في سبيل الله بالنفس والنفيس . فإنه ليس لدماء الأنعام أهمية تذكر ، لولا نتائجها والأفكار الدالة عليها قال الله تعالى : ﴿ لا ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم .

 

ثالثاً : هو من التضحية بالدم كرمز عن التضحية بالشهوات والمطامح والمطامع الدنيوية والدنيئة في سبيل الله سبحانه . فإن المهم الحقيقي هو أن يذبح الفرد نفسه الأمارة بالسوء تجاه قدس الله عز وجل وعظمته . تلك النفس التي تكون سبباً لكل عصيان وطغيان ويكون القضاء عليها سبباً لكل خير وكمال .

 

إلى وجوه أخرى ذكرناها هناك .

ومرادنا من الوجه الثاني هو الالتفات إلى ما يسمى بالجهاد الأصغر ، ومن الوجه الثالث إلى ما يسمى بالجهاد الأكبر . كما ورد عن النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم )

ــــــــــــــ

(1) المصدر ، ص128 .


صفحة (104)

أنه قال لأصحابه بعد رجوعهم من إحدى الغزوات ( بدر أو أحد ) : " رجعتم من الجهاد الأصغر وبقي عليكم الجهاد الأكبر " قالوا : وما الجهاد الأكبر يا رسول الله ؟ قال : " جهاد النفس " .

 

وأعتقد أن الجهاد الأصغر إنما يكون حقيقياً مقبولاً فيما إذا كان بنية مخلصة بحيث أصبح مصداقاً وتطبيقاً للجهاد الأكبر ، وإلا فلا .

 

كما أن نتيجة الجهاد الأكبر هو موت الشهوات كما ورد : " موتوا قبل أن تموتوا " . فهو ذبح حقيقي ولكنه معنوي للنفس الأمارة . وهو معنى التضحية في أرض الله التي هي أرض المنى والأماني .

 

الفقرة (13)

 

ذكرنا فيما وراء الفقه (1) عن الحلق والتقصير عدة معانٍ مهمة :

أولاً : إن الحلق هو أول فعل يقوم به الحاج ، حينما يريد أن يتحلل من إحرامه فإن الإحرام بعد أن كان يحتوي على جملة من الممنوعات ، كان التحلل منه لا محالة بالإتيان بإحدى تلك الممنوعات المحللة في أصل الشريعة على الآخرين للدلالة على عدم الالتزام بالإحرام من الآن فصاعداً . وقد اختار الله تعالى لعباده الحجاج الحلق والتقصير ليكون قائماً بهذه المهمة .

 

ثانياً : إننا حين ننظر إلى الشعر وإلى حلاقته ، نجد له عدة معان متعارفة عند الناس يمكن تطبيق أي منها على المفهوم الشرعي ونعطي لكل واحد منها رقماً من المصلحة :

فمن ذلك : أن الشعر قد يعتبر جمالاً للإنسان وتكون حلاقته نوعاً من الزهد والإعراض عن الدنيا .

 

ثالثاً : إن الشعر قد ينظر إليه على أنه نوع من الوسخ والإزعاج فيكون حلقه أو تقصيره تنظيفاً وتجملاً . ولطالما أمرت الشريعة بالنظافة والتنظيف .

ــــــــــــــ
(1) المصدر ، ص137 .


صفحة (105)
 

رابعاً : إن الحلق قد ينظر إليه في بعض الأعراف كعقوبة على بعض أفعال الإجرام . 

ومن هنا يكون الحلق في الحج رمزاً على الاعتراف بالذنب واستحقاق العقوبة . بل من قبيل إنزال الفرد العقوبة على نفسه اختياراً .

 

خامساً : إن الحلق إنقاص من جمال الجسم ، فيكون مندرجاً في مفهوم ضرورة إنقاص الشهوات واللذات الدنيوية ومحابة النفس الأمارة بالسوء .

ويختلف هذا الوجه عن الثاني ، بأنه يحتوي على محاربة النفس وليس لمجرد الزهد المستحب .

 وقد يعرض هذا الوجه بتوجيه آخر : وهو أن الحلق يعتبر بتراً لجزء من الجسم ، فكذلك يجب بتر الشهوات السيئة ، كما يجب أيضاً بتر الأعضاء المذنبة من الجسم كيد السارق وبتر العضو الفاسد في المجتمع .

 

مع بعض الوجوه التي ذكرناها هناك وليس هنا هنا من زيادة سوى الاقتراح على القارئ اللبيب بأن يفهمها هنا بشكل أعمق مما فهمها هناك ، في حدود إمكانه .

 

الفقرة (14)

 

والآن يجب أن يكون رمي الجمرات ، وقد تحدثنا هناك (1) عن ذلك بالقول إنه : إذا كانت الكعبة المشرفة هي الرمز المادي لتوحيد الله تعالى ، وكان الطواف واستلام الحجر ، هو العمل الأساسي الذي يمثل الإخلاص له ، وجعل توحيده المركز الحقيقي للإحساس والسلوك في كل أيام الحياة .

 

فما أحرى أن يكون هناك رمز آخر يضاد هذا الرمز ويناقضه . ولئن كانت الكعبة مستنبطة لكل معاني الخير والعدل باعتبارهما المنتوجين الأساسين لعقيدة التوحيد . فإن الرمز الآخر لا بد أن يستقطب كل معاني الشر والظلم ، باعتبارهما المنتوجين الأساسين لما ترمز إليه الجمرة ، وهي : فكرة الشيطان .
ــــــــــــــ

(1) المصدر ، ص139 .


صفحة (106)
 

ولئن كان الطواف تعبيراً عن الولاء للخير والعدل ، وإظهاراً عملياً لتأييدهما ، فإن رمي الجمرة بالحصى هو العمل المهم في إظهار الشجب والاستنكار العملي للشر والظلم . وبشجبها يفهم الفرد بوضوح شجب كل فكرة ناتجة عنهما أو عمل مترتب عليهما ، من الكفر والضلال والعصيان والانحراف ، وما تتبعه هذه الأمور من ذنوب وموبقات .

 

على أننا لا يجب أن نغفل بهذا الصدد ، فرقاً أساسياً ، بين هذين الرمزين المستقطبين ـ فالكعبة بما انها رمز عن الله سبحانه وعن توحيده ، إذن فيجب أن يبقى الرمز واحداً لا يتعدد .

 

على حين أن الجمرة بما هي رمز عن الشيطان ، والشياطين كثيرون . بنص القرآن الكريم ، فقد ناسب أن يتعدد الرمز بتعدد المرموز إليه .

 

ومن هنا نستطيع أن نعزو تعدد الجمرات إلى الرمز عن تعدد الشياطين . كما يمكن أن تعزى إلى تعدد وجهات الفساد والظلم الصادرة عن الشيطان .

 

ونستطيع أن نلاحظ في هذا الصدد ، أن القسط الواجب من إظهار الولاء لله عز وجل بالطواف ، يعادل بالعدد تقريباً ما تناله كل جمرة ، من دفعات الاستنكار والرمي . والطواف الواجب ثلاثة : طواف العمرة وطواف الحج وطواف النساء . وعدد دفعات الرمي لغير جمرة العقبة ، ثلاثة أيضاً . كما أننا إذا لاحظنا عدد أشواط الطواف وعدد الحصى المرمي في كل جمرة لرأينا متحداً أيضاً وهو السبعة في كلا الحالين .

 

فنفهم من ذلك معنى مهماً وهو : أن الوازع إلى الله تعالى والوازع عن الشيطان يجب أن يكونا متعادلين في نفس الإنسان متعاونين في تربيته وكماله وأي منهما نقص عن الآخر ، كان في ضرر الفرد لا محالة .

 

فهذا ما قلناه هناك وهو جيد , إلاَّ أننا هنا نستطيع أن نلاحظ : ان القسم المرفوض أخلاقياً والذي يجب أو ينبغي شجبه واستنكاره ، ومن ثم رميه ومحاربته ، ليس هو الشيطان فقط ، وإن كان هو أشهر هذه الجهات لدى المتشرعة ، بل توجد أمور أخرى وعلى مستويات مختلفة في هذا الصدد .


صفحة (107)

ومن هنا يمكن القول إن رمي الجمرات سيكون رمزاً ، عن أي شيء من ذلك حسب اختلاف المراتب ، كالشيطان ، والنفس الأمارة بالسوء . حيث ورد في الشيطان قوله تعالى : ﴿ إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدواً . وورد في النفس : " اجعل نفسك عدواً تحاربه " . ففكرة العداوة والمحاربة مع العدو موجودة على كلا الصعيدين .

ونحوهما : حب الدنيا ، وما يترتب على ذلك من حب المال والشهرة والسيطرة وغير ذلك .

فإذا تقدمنا خطوة كان النظر إلى الذات وإلى الأسباب عموماً مرفوضاًً عند أهل النظر ، ومما تجب محاربته ونفيه .

 

والحج المخلص إلى الله سبحانه ، كما يجب أن يقترن بإظهار الولاء له جل جلاله كما يرمز إليه الطواف ، يجب أن يقترن أيضاً بإظهار البراءة من جانب الشر والعدوان .

 

إلاَّ أنه يمكن القول إننا لو دققنا أكثر لوجدنا بعض الفروق من الجانبين :

 

الفرق الأول : إن جانب البراءة عن الأعداء أسبق رتبة من جانب الولاء والإخلاص . وقد قيل في العرف : إن الهدم قبل البناء . ومن المعلوم أيضاً أن الإخلاص لا يدخل إلاَ في القلب الخالي من الجانب الآخر . كما لا يكلف السير في الطريق المعنوي إلاَّ المبرأ من فعل المحرمات والاتجاه نحو السفاهات .

 

الفرق الثاني : إن ما قيل ، كما أشرنا إلى تعادل الوازع إلى الله تعالى والوازع إلى الشيطان ، أو قل توقع الرحمة وتجنب النقمة . إن هذا وأن كان صحيحاً إلاَّ أنه سيصبح في مراحل متقدمة من الكمال غير صحيح . لأنه يكفي همة واحدة ونية خالصة في البراءة عن كل ما يشينه في طريق الله سبحانه وسبيل طاعته ولا يحتاج إلى تكرار ذلك على طول الخط للفرد . بل قد يصبح مجرد تذكر ذلك حجاباً مانعاً عن التكامل .

وهذا لا يعني انتهاء البراءة عن الشر والأعداء ، والعياذ بالله ، وإنما يعني أخذه مسلماً ، بحيث لا يحتاج تفكير، لكي يوفر الفرد تفكيره وجهده للأمور الأهم والأعلى .


صفحة (108)
 

الفرق الثالث : إننا قلنا في وقت سابق ، إن مجموع الوجود الخير في الكون اكثر بكثير جداً من قوى السوء والشر . وإن بدت في الظاهر أكثر وأشد ، على صعيد هذه الحياة الدنيا .

 

بل هي من الكثرة بحيث لا يمكن أن تقاس بها إطلاقاً ، إلى حد قد يقال بأن النسبة هي المحدود إلى اللامحدود . فإن الشر مهما كان متزايداً ، فهو محدود ، على أن الخير غير محدود ولا يمكن أن يكون محدوداً .

 

ومعه ، فمن الطبيعي أن نلتفت إلى أن المحدود لا يحتاج إلاَّ إلى اهتمام محدود ، في حين أن غير المحدود ، يحتاج إلى اهتمام غير محدود فيما وسعت طاقة الفرد وقابليته واستحقاقه .

 

الفقرة ( 15 )

 

بقي اللازم هنا ، إعطاء فطرة عن طواف النساء . وذلك أن الإحرام يحتوي على عدة محرمات منها النساء . وكذلك الإحرام المعنوي . ومن هنا يكتسب معنى تحريم النساء عدة أفكار أو أسباب .

 

أولاً : إن المحرم المعنوي لا ينبغي أن يمارس شيئاً من الشهوات ، ومن أهمها الشهوة الجنسية .

ثانياً : إن المحرم المعنوي لا ينبغي أن يمارس شيئاً مرتبطاً بحب الدنيا وما فيها ، ومن جملة ذلك الميل إلى النساء . ومن هنا مدح النبي يحيى عليه السلام في القرآن الكريم بكونه ( حصوراً ) أي صابراً عن الزواج ومعرضاً عن النساء .

 

وهذا التكليف ليس لكل أحد ، بل لخصوص الذين يريدون ( وجه الله ) ويقصدون الوصول إلى الكمال العالي . وإلاَّ فمن الواضح عموماً في الشريعة الإسلامية استحباب النكاح والاستزادة من الذرية .


صفحة (109)
 

ثالثاً : نستطيع أن نفهم من النساء النفس الأمارة بالسوء باعتبار كون المرأة تغلب عاطفتها على عقلها غالباً، فكذلك هذه النفس ، فهي بمنزلة المرأة في باطن الإنسان . وعلى الفرد المحرم المعنوي ، كما على المحرم في الحج ، أن يعتزلها تماماً . ولكن حينما ينتهي الحج ، ويؤدي الإحرام المعنوي نتيجته ، وينال الحاج المعنوي مناه في أرض المنى المعنوية وفي سماء المنى النورية ، لا يبقى وجه أو حاجة لاستمرار الإحرام أو بقاء ذلك التحريم فإنه إنما كان مقدمة ولا يمكن أن يكون نتيجة .

 

ومن هنا يكون طواف النساء إيذاناً بحلية النساء وسبباً له . وهو نحو من العمل العبادي لحلية العمل غير لعبادي ، فكأن الفرد فيه يعطي عهداً ببذل الولاء لله عز وجل ، حتى حال علاقته بالنساء وممارسته لشيء من علائق الدنيا .

وهكذا ينبغي أن يكون الفرد دائماً في علاقته بالله عز وجل .

 

الفقرة ( 16 )

 

قال الفقهاء : إنه يستحب في الإحرام أمور :

 

أولاً : تنظيف الجسد وتقليم الأظفار وأخذ الشارب وإزالة الشعر من الإبطين والعانة . كل ذلك قبل الإحرام .
ثانياً : ترك حلاقة شعر الرأس واللحية من أول ذي القعدة لمن أراد الحج ، وقبل شهر واحد لمن أراد العمرة .

 

وقال بعض الفقهاء : بوجوب ذلك . وهذا القول ، وإن كان ضعيفاً إلاَّ أنه أحوط .

ثالثاً : الغسل للإحرام . وإذا خاف عوز الماء في الميقات قدمه عليه . وإن وجد الماء في الميقات أعاده .

رابعاً : أن يدعو الغسل بما ذكره الصدوق ويقول :

بسم الله وبالله ، الهم اجعله لي نوراً وطهوراً وحرزاً وأمناً من كل خوف وشفاء من كل داء وسقم . اللهم طهرني وطهر قلبي واشرح لي صدري وأجر على لساني محبتك ومدحتك والثناء عليك فإنه لا قوة إلاَّ بك . وقد علمت أن قوم ديني التسليم لك والاتباع لسنة نبيك صلواتك عليه وآله. 


صفحة (110)

خامساً : أن يدعو عند لبس ثوبي الإحرام ، ويقول : الحمد لله الذي رزقني ما أواري به عورتي وأؤدي به فريضتي وأعبد به ربي وأنتهي فيه إلى ما أمرني . الحمد لله الذي قصدته فبلغني ، وأردته فأعانني ، وقبلني ولم يقطع بي وجهه . أردت فسلمني فهو حصني وكهفي وحرزي وظهري وملاذي ورجائي ومنجاي وذخري وعدتي في شدتي ورخائي .

سادساً : أن يكون ثوباه للإحرام من القطن .

سابعاً : أن يكون إحرامه بعد فريضة الظهر فإن لم يتمكن فبعد فريضة أخرى . وإلاَّ فبعد ركعتين أو ست ركعات من الناوفل . وهي صرة الإحرام . والست أفضل يقرأ في الركعة الأولى الفاتحة وسورة التوحيد ، وفي الثانية الفاتحة وسورة الحج . فإذا فرغ حمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي وآله ، ثم قال :

 

اللهم إني أسألك أن تجعلني ممن استجاب لك وآمن بوعدك واتبع أمرك . فإني عبدك وفي قبضتك . لا أوفي إلاَّ ما وفيت ولا آخذ إلاَّ ما أعطيت . وقد ذكرت الحج ، فأسألك أن تعزم لي عليه على كتابك وسنة نبيك صلواتك عليه وآله . وتقويني على ما ضعفت . وتسلم لي مناسكي في يسر منك وعافية .

 

واجعلني من وفدك الذي رضيت وارتضيت وسميت وكتبت . اللهم إني خرجت من شقة بعيدة ، وأنفقت مالي ابتغاء مرضاتك . اللهم فتمم لي حجتي وعمرتي .

اللهم إني أريد التمتع بالعمرة إلى الحج على كتابك وسنة نبيك صلواتك عليه وآله . فإن عرض لي عارض يحسبني فخلني حيث حبستني بقدرك الذي قدرت عليّ . اللهم إن لم تكن حجة فعمرة .


صفحة (111)

 

أحرم لك شعري وبشري ولحمي ودمي وعظامي ومخي وعصبي من النساء والثياب والطيب . أبتغي بذلك وجهك والدار الآخرة .

 

ثامناً : التلفظ بنية الإحرام مقارناً للتلبية وليس التلفظ واجباً بل هو مستحب أو أحوط استحباباً . ومقارنته للتلبية، بمعنى تلاوة التلبية بعد النية مباشرة ، مستحب آخر . ومن المعلوم فقهياً أنه ما لم تقترن النية بالتلبية لم ينعقد الإحرام .

فإذا تأجلت التلبية عن النية ، كانت التلبية مقارنة للنية القلبية لا اللفظية وانعقد الإحرام عند التلبية وكانت النية اللفظية السابقة عاطلة .

تاسعاً : رفع الصوت بالتلبية للرجال .

عاشراً : أن التلبية الواجبة عبارة عن جملة من واحدة وهي أن تقول : لبيك اللهم لبيك . لبيك لا شريك لك لبيك وهي تكرار رباعي للفظ ، ومن هنا سميت التلبيات الأربع . وتكرارها أربعاً هو الأحوط وجوباً .
 

غير أن المستحب أن يطيل في تلبياته ويكثر خلالها الثناء والذكر لله سبحانه ويقول : لبيك ذا المعارج ، لبيك لبيك داعياً إلى دار السلام ، لبيك غفار الذنوب لبيك لبيك . أهل التلبية لبيك لبيك ذا الجلال والإكرام . لبيك ، لبيك تبدئ والمعاد إليك لبيك لبيك مرغوباً إليك . لبيك لبيك إله الحق لبيك ذا النعماء والفضل الحسن الجميل لبيك كشاف الكرب العظام لبيك لبيك عبدك وابن عبديك لبك لبيك يا كريم لبيك .

 

ثم يقول : لبيك أتقرب إليك بمحمد وآل محمد لبيك لبيك بحجة أو عمرة لبيك ، لبيك وهذه عمرة متعة إلى الحج، لبيك ، لبيك تلبية تمامها وبلاغها عليك .

 

حادي عشر : تكرار التلبية حالة الإحرام في وقت اليقظة من النوم وبعد كل صلاة ، وعند الركوب على البعير والنزول منه . وعند كل علو وهبوط ، وعند ملاقاة الراكب .

وفي الأسحار يستحب إكثارها ، ولو كان جنباً أو حائضاً ولا يقطعها في عمرة التمتع إلى أن يشاهد بيوت مكة . وفي حج التمتع إلى زوال يوم عرفة .


صفحة (112)

 
الفقرة ( 17 )

 

وقال الفقهاء في مكرهات الإحرام :

 

أولاً : الإحرام في ثوب أسود ، بل الأحوط استحباباً ترك ذلك ، والأفضل الإحرام في ثوب أبيض .

ثانياً : النوم على الفراش الأصفر ، وعلى الوسائد الصفراء .

ثالثاً : الإحرام في الثياب الوسخة ، ولو أصابها الوسخ حال الإحرام ، فالأولى أن لا يغسلها ما دام محرماً ، ولا بأس بتبديلها .

رابعاً : الإحرام في ثياب مخططة .

خامساً : استعنال الحناء قبل الإحرام ، إذا كان أثره باقياً إلى حين الإحرام .

سادساً : دخول الحمام ، والأولى بل الأحوط أن لا يدلك المحرم جسده .

سابعاً: تلبية من يناديه ، بل الأحوط ترك ذلك .

 

الفقرة ( 18 )

 

قالوا : يستحب في دخول الحرم المكي عدة أمور :

 

أولاً : النزول عن المركوب عند وصوله الحرم .

ثانياً : الغسل لدخول الحرم .

ثالثاً : خلع نعليه عند دخوله الحرم ، وأخذها بيده تواضعاً وخشوعاً لله سبحانه .

رابعاً : أن يدعو بهذا الدعاء عند دخول الحرم :

اللهم إنك قلت في كتابك وقولك الحق : ﴿ وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق .


صفحة (113)

اللهم إني أرجوك أن أكون ممن أجاب دعوتك . قد جئت من شقة بعيدة وفج عميق سامعاًً لندائك ومستجيباً لك مطيعاً لأمرك . وكل ذلك بفضلك عليّ وإحسانك إليّ . فلك الحمد على ما وفقتني له أبتغي بذلك الزلفى عندك والقربى إليك والمنزلة لديك والمغفرة لذنوبي والتوبة عليّ منها بمنك . اللهم صل على محمد وآل محمد وحرم بدني على النار وآمني من عذابك برحمتك يا أرحم الراحمين .

خامساً : أن يمضغ شيئاً من الإذخر ، عند دخوله الحرم وهو نبات طيب الرائحة .

 

الفقرة ( 19 )

 

وقالوا في مستحبات وآداب دخول مكة المكرمة والمسجد الحرام .

إنه يستحب لمن أراد ان يدخل مكة المكرمة أن يغتسل قبل دخولها ، وأن يدخلها بسكينة ووقار .

 

ويستحب لمن جاء عن طريق المدينة المنورة أن يدخل من أعلاها ( يعني مكة ) ويخرج من أسفلها .

ويستحب أن يكون حال دخول المسجد حافياً على سكينة ووقار ، وخشوع . وأن يكون دخوله من باب بني شيبة ، لأنه قيل في التاريخ : إن هبل بعد قلعه دفن تحت هذا الباب . فإذا دخله وطأ هبل تحت قدميه .

 

قالوا : وهذا الباب وإن جهل فعلاً من جهة توسعة المسجد ، إلاّ أنه قال بعضهم : إنه كان بإزاء باب السلام فالأولى الدخول من باب السلام .

 

أقول : ذكرنا فيما وراء الفقه (1) ،  أن هذا الباب موجود الآن على شكل قوس أو عقد مقابل مقام إبراهيم عليه السلام .

قالوا : ثم يأتي مستقيماً إلى أن يتجاوز الأسطوانات .

ويستحب أن يقف على باب المسجد ويقول : السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته وما شاء الله ، السلام على أنبياء الله ورسله السلام على رسول الله السلام على إبراهيم خليل الله والحمد لله رب العالمين .

ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) انظر : ص40 ، ج2 ، ق2 . وفيه : أنه كان يُقال له باب السلام ، إذن فباب السلام هو وليس غيره .
كما يظهر من كلام البعض . انظر الهامش ص45 .
 


صفحة (114)

 

 ثم يدخل المسجد متوجهاً إلى الكعبة رافعاً يديه إلى السماء ويقول :

اللهم إني أسالك في مقامي هذا وفي أول مناسكي ، أن تقبل توبتي وأن تتجاوز عن خطيئتي وأن تضع عني وزري . الحمد لله الذي بلغني بيته الحرام . اللهم إني أشهدك أن هذا بيتك الحرام الذي جعلته مثابة للناس وامناً مباركاً وهدى للعالمين . اللهم إني عبدك والبلد بلدك والبيت بيتك ، جئت أطلب رحمتك وأؤم طاعتك ، مطيعاً لأمرك بقدرك . أسألك مسألة الفقير إليك الخائف لعقوبتك . اللهم افتح لي أبواب رحمتك واستعملني بعافيتك ومرضاتك .

 

وفي رواية أخرى : أنه يقف على باب المسجد ويقول : بسم الله من الله وإلى الله وما شاء الله وعلى ملة رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وخير الأسماء الله والحمد لله والسلام على رسول الله السلام على محمد بن عبد الله السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته . السلام على أنبياء الله ورسله السلام على إبراهيم خليل الرحمن السلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين .