كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يتخذان معنى مشتركاً . باعتبار أنه من الناحية العرفية والمتشرعية ، يكون ترك الواجب حراماً وترك الحرام واجباً . أو قل : إن ترك المعروف منكر وترك المنكر معروف . وإن لم يكن كذلك بالدقة العقلية . كما ذكرنا ذلك فيما وراء الفقه(1) . وقد سمينا هذا المعنى المشترك هناك بوظيفة الهداية .
والمهم هنا هو أن هذه الوظيفة خالية التعرض أو مطلقة من حيث ثلاثة أمور : الأمر بالمعروف والمأمور بالمعروف ومحتوى الأمر نفسه . مضافاً إلى أمور أخرى خارج ذلك نسبياً وهو فعل المأمور الذي سبب ذلك الأمر ، والمصلحة التي اكتنفت ذلك الحال ، والمستوى الذي صدر منه ذلك الأمر .
فمن ناحية الأمر بالمعروف والناهي عن المنكر ، يمكن أن نفهمه من مستويات متعددة :
أولاً : الله سبحانه وتعالى في هدايته التكوينية والتشريعية لخلقه .
ثانياً : الأنبياء عموماً في أدائهم لوظيفتهم النبوية أو الرسالية .
ثالثاً : نبي الإسلام في أدائهم لوظائفهم أيضاً .
رابعاً : نبي الإسلام كذلك صلى الله عليه وآله .
خامساً : الأئمة المعصومون سلام الله عليهم .
سادساً : الفقهاء العاملون جيلاً بعد جيل من أجيال الإسلام .
سابعاً : المؤلفون لكتب الهداية الدينية بغض النظر عن موضوعها سواء كان
تاريخياً أو فقهياً أو تفسيراً أو حديثاً أو غيرها .
ـــــــــــــــــــــــ
(1) انظر : ج2 ، ق2 ، ص298 وما بعدها .
صفحة
(137)
ثامناً : أي آمر بالمعروف أو ناه عن المنكر في حوادث جزئية مشتتة . وهو الفهم التقليدي له .
تاسعاً : أي شهير أو أمير أو مدير خطرت في ذهنه فكرة راحجة دينياً وإنسانياً ، فطبقها على فرد أو جماعة .
عاشراً : العقل , باعتبار ما ورد أنه نبي من الداخل .
حادي عشر : الإلهام لأولئك الصفوة من المقربين الذين يشعرون به .
ثاني عشر : جبرائيل سلام الله عليه ، بصفته محدثاً للنبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وغيره .
ثالث عشر : اي شيء من الخلق بصفته مصدراً للعبرة والهداية ، طبقاً لقوله تعالى : ﴿ وكأيٍّ من آية في السموات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون ﴾ . وقوله تعالى : ﴿ سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم ﴾ . غير أن الأمر هنا إنما هو بلسان المقال .
لا
يختلف في ذلك أرض عن السماء وحيوان عن جماد . كما قال الشاعر:
وفي كل شيء له آية تدل على أنه الواحد
رابع عشر : أعداء الله وأعداء رسوله : فقد يكونون سبباً من حيث لا يعلمون ، للهداية والتفات الفرد إلى بعض الأفكار المهمة التي لم يكن ملتفتاً إليها ، أو سبباً لرسوخ العقيدة بعد أن كانت ضعيفة وهكذا .
ونستطع القول هنا إن الأمر هنا ضمني ، وليس مطابقاً ، لأن نواياهم لا يمكن أن تحمل على صحة .
خامس عشر : البلاء الدنيوي ، فإن أغلب حالاته ، أنه موجب للهداية ، والتفات الفرد – كما قلنا – إلى أفكار مهمة ونافعة .
واختلاف هذا عن سابقه أنه قد يتداخل معه فيما إذا كان أعداء الله هم سبب البلاء . وقد يختلفان فيما إذا كان البلاء وارداً بسبب آخر كالمرض والفقر . فهذه خمسة عشر مورداً , نستطيع أن نقول فيها أخلاقياً غنها مصاديق وتطبيقات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
صفحة (138)
ومن الواضح عندئذ أن المأمور بالمعروف يختلف باختلاف هذه الموارد . فلكل آمر مأموره لا محالة . كما أن مضمون الأمر يختلف فقد يكون لهداية أو لحكم شرعي أو لحقيقة اجتماعية أو قرآنية أو غير ذلك .
بقي لنا الالتفات في هذا الصدد إلى أمرين لا يخلوان من أهمية ، نذكرهما في الفقرتين الآتيتين .
إن الأمر والنهي ، كما قد يكون متعلقهما معروفاً وحقاً . فقد يكون متعلقهما منكراً وباطلاً . فيكون من الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف . وقد ورد في بعض روايات الملاحم في أوصاف آخر الزمان : أنهم يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف بل سيصبح المعروف عندهم منكراً والمنكر معروفاً .
أقول : ولا يتعين أن يكون الآمر المعروف ملتفتاً إلى نتيجة كلامه ، أي إلى كونه منكراً ، بل لعله يراه حقاً . كما لم يكن يتعين في الآمر بالمعروف التفاته إلى ذلك أيضاً ، كما لا يخفى على القارئ اللبيب .
ومن هنا يمكن أن نسلسل الأمر بالمنكر في عدة فقرات :
أولاً : الشيطان ، فإنه بنص القرآن عدو بني آدم ، ويأمر بالمنكر ، ويعد بالفقر ، ويدعو حزبه ليكونوا من اصحاب السعير .
ثانياً : النفس الأمارة بالسوء ، بما فيها من شهوات ونزوات وأطماع دنيوية ورخيصة . فإنها تأمر صاحبها بذلك ، وتنهاه عما ينافي ذلك وإن كان حقاً صحيحاً .
ثالثاً : العقل حين يكون ضالاً منحرفاً ، أو قل: عبداً للنفس الأمارة بالسوء ، فيأمر طبقاً لأمرها وينهى طبقاً لنهيها .
رابعاً : حب الدنيا بصفته مؤيداً لكل تلك المواقف .
صفحة (139)
خامساً : كل من أمرك بفعل سيء أو نهاك عن حسن ، سواء علم بهذه الواقع أم لا .
سادساً : كل من أمرك بما يضرك في الدنيا أو في الآخرة . سواء علم بهذه الواقع أم لا . إذ قد تكون نيته حسنة من أجل نفعك . ولكن تؤول النتيجة إلى سوء .
إلى غير ذلك مما قد نعتبره أو نلتفت إليه من الوجوه . ولكل آمر مأموره كما سبق أن التفتنا إليه في الفقر السابقة .
إلاّ أننا ينبغي أن ننتبه إلى أن الآمرين بالمعروف أكثر عدداً من الآمرين بالمنكر بكثير . كما أنهم أقوى تأثيراً في الكون عامة ، وإن كان التأثير الآخر أقوى اجتماعياً واقتصادياً في المجتمع البشري .
طبقاً لما سبق أن قلناه من أن قوى الخير أقوى وأوسع بكثير في الكون من قوى الشر ، غير أن قوى الشر أقوى وأوسع في المجتمع البشري المنظور .
إننا ينبغي ان ننظر إلى مستويات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . فإنها تنقسم إلى عدة انقسامات .
أولاً : انقسامه إلى القلب واللسان واليد والسلاح .
ثانياً : انقسامه : إلى الفعل والترك والمستحب والواجب ونحوهما .
ثالثاً : انقسامه : إلى العالم الذي يقع فيه ، هل هو عالم النفس أو العقل أو الروح أو عالم الدنيا المنظورة .
ومن الناحية النظرية يمكن ضرب هذه الانقسامات بعضها ببعض . فإذا رجحنا أن أقسام كل واحد منها أربعة كان 4 × 4 × 4 = 64 قسماً .
غير أنه يمكن النقاش في هذه النتيجة ، من حيث عدم الحاجة إلى كل الاقسام . فعالم الروح مثلاً لا نحتاج فيه إلى السلاح وكذلك لا نحتاج فيه إلى النهي عن المحرمات أو ترك الواجبات . إلاّ مع إمكان فهم هذه الأمور على مستويات أعلى .
صفحة (140)
ولكن ينبغي هنا أن نشير إلى أهم الأقسام المتبقية ، بدون أن يكون القصد هو الاستيعاب .
القسم الأول : ما يقع من الأمر والنهي والتوجيه والتعليم في هذا العالم المنظور . بغض النظر عن مضمون الأمر والآمر والمأمور .
ولعلك ترى أن هذا هو القسم الوحيد الذي لا يوجد غيره وأن جميع الأوامر والنواهي إنما تقع في هذه الدنيا .
إلاّ أن الأمر ليس كذلك بالضبط . بل سنرى أن هذا القسم ليس له وجود لكونه مندرجاً في جملة من الأقسام الآتية . ولن يكون له وجود إلاّ في نظر الماديين الذين ينكرون النفس والروح . ولن يستطيعوا أن ينكروا العقل والتفكير .
ويكفي أن نلتفت هنا إلى ثلاثة أمور :
الأمر الأول : إن جملة من الأوامر التي نؤمن بوجودها أكيداً ، إنما تحدث في غير هذا العالم . كما لو أمر الله عز وجل جبرائيل سلام الله عليه أو أمر ملك الموت أتباعه في قبض بعض الأرواح . كما في القرآن الكريم : ﴿ توفته رسلنا وهم لا يفرطون ﴾ .
الأمر الثاني : إن الأمر المسموع وإن كان حاصلاً في هذا العالم ، إلاّ أننا ينبغي
أن نرى كونه متجهاً إلى أي عالم . فإنه ليس متوجهاً إلى المادة الصماء ، بل إلى
النفس والعقل . وهو المخاطب بالكلام عموماً والأمر والنهي خصوصاً . وهو من عالم
آخر غير عالم المادة .
إذن ، فكل ما حصل من أمر ونهي ، يكون المخاطب بها خارجاً عن هذا العالم . وإن كان صاحبه موجوداً فيه فعلاً . مضافاً إلى أمر آخر نذكره فيما يلي :
صفحة (141)
الأمر الثالث : إن الأمر والنهي لا محالة يراد به سد نقص حاصل للإنسان ، إذ بدون وجود النص لا معنى للتوجيه والأمر والنهي . وهذا النقص لا محالة موجود في جزء من كيان الفرد إما في جسمه أو نفسه أو في عقله أو في روحه .
فالنقص الجسمي يكون موكلاً إلى الطبيب يأمر فيه وينهى . والنقص العقلي أي الثقافي يكون موكلاً إلى الموجه والمربى . والنقص النفسي يكون موكلاً إلى نحو آخر من التوجيه يكون موجباً لسد ذلك النقص كطبيب النفسي من ناحية أو شكل من أشكال العزائم والأوراد . والنقص الروحي موكول إلى المربي الروحي والشيخ الموجه نحو التكامل المعنوي .
فليس في هذه التوجيهات العديدة ما هن متوجه او متهم بالمادة إلا الطب الاعتيادي الذي يهتم بالجسد . ولكنه في نفس الوقت إنما يتكلم الطبيب مع المريض ، أي مع إحساسه وشعوره وعقله ، لا مع جسده الخالص .
مضافاً إلى أن المريض نفسه إنما يطلب التداوي لأجل النقص الذي يجده في نفسه لا النقص الموجود في جسده. لأنه إنما ينفر من الألم والضيق . فلو كان النقص الجسدي موجباً للفرح والاستبشار لما ركض الفرد وراء الطب . وكذلك لو وجد مصلحة معتد بها في مرضه عن صحته ، وإن كان هذا نادراً على أي حال .
فإنما يرفض الفرد تجاه الطب والأطباء ، لدفع ألمه النفسي وانزعاجه لا لألمه الجسدي وحده .
إذن ، فهذا القسم مندرج في الأقسام الآتية ، ولا يمكن أن يقوم وحده . وقد عرفنا الآن ضمناً جملة من التقريبات التي تدلنا على الأقسام الآتية . بحيث إن القارئ سيجد فيها تكراراً لما قلناه في هذا القسم ، بالرغم من أن وجودها هناك ضروري ، ووجودها هنا ضمني .
القسم الثاني : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الاعتياديان . سواء كان ذلك بالقلب ، والذي ورد انه أقل الإيمان : أو باللسان أو باليد .
صفحة (142)
والمهم أنه يختلف القلبي عن غيره من عدة جهات :
الأولى : كون الجهة القلبية ما لم تبين باللسان لا تكون معرفة للآخرين ومن هنا يمكن القول : بأن هذا الأمر خال من المأمور لا يمكن تعرفه عليه . أو في الحقيقة إنه أمر ونهي مجازيان .
الثانية : إنه ناتج من عدم وجود المصلحة للإظهار والبيان ، وفي الأغلب من وجود المفسدة فيه ، كظروف التقية والعسر والحرج . وبالتالي فالبيان يحتاج إلى شجاعة غير متوفرة لدى الفرد أحياناً ، ومن هنا يقتصر على الشعور القلبي .
الثالثة : إن الجهة القلبية ضرورية الثبوت مع الإيمان وملازمة له ، لوضوح أنه مع عدم استنكار المحرم أو ترك الواجب قلبياً . عندئذ يبدو ان لا يكون الإيمان ثابتاً إطلاقاً .
وهنا ندخل بذكر بعض الأقسام التي تقرب من الجانب الأخلاقي أو المعنوي . نذكرها بنفس الترقيم السابق :
القسم الثالث : الوحي النازل على نبي الإصلام ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قرآناً أو غيره . والذي كان يعتبره ( صلى الله عليه وآله وسلم ) زاده في حياته وموجهه الرئيسي ، وكان يحزن لتأخره وانقطاعه ، إلى حد روي أنه حاول أن يلقي بنفسه من الجبل لانقطاع الوحي عنه أربعين يوماً .
القسم الرابع : الإلهام الوارد إلى الأولياء والمعصومين سلام الله عليهم .
وهو أيضاً زادهم في حياتهم وموجههم الرئيسي . وقد وردت في ذلك عدة مضامين من الروايات . من أن الإمام يزداد في كل ليلة قدر ، ويزداد في كل ليلة جمعة وغيرها .
القسم الخامس : تربية المعصومين سلام الله عليهم للمجتمع المسلم ، من النواحي التشريعية والتربوية والأخلاقية والثقافية . وقد قاموا بذلك ضمن تضحيات جلّى ومختلف المصاعب ، حتى أدت بهم إلى الشهادة .
صفحة (143)
القسم السادس : التربية والتوجيه الاعتيادي لكل أبوين بالنسبة إلى أولادهم ذكوراً وإناثاً .
ومن الواضح أنه من الواجب على كل أبوين أن يقوما بتربية أولادهما تربية صالحة . ولن يستطيعا أن يرفعا من مستوى أولادهما أكثر من مستواهما ، ما لم يوفق الله تعالى البعض منهم إلى موجه أو معلم آخر .
القسم السابع : التربية والتوجيه العلمي أو العقلي من قبل أي مدرس إلى طلابه . وهو عادة يختص بمادة معينة . وكما قلت في الأبوين ، لن يستطيع هذا المربي أن يرفع مستوى من يوجهه إلى ما هو أعلى من درجته نفسه ، ولا يمكن لأي أحد ذلك ، لأن فاقد الشيء لا يعطيه .
فيحتاج الطالب إذا أراد الخطوة العلمية التالية أن يبدل أستاذه ويتصل بمن هو أعلى منه .
القسم الثامن : المربي في اتجاه التكامل الروحي . وهو أيضاً لا يستطيع أن يتجاوز بالطالب أكثر من مستواه الذي هو فيه . غير أنه يختلف عن سابقه بعدة أمور:-
الأمر الأول : إن الدراسة في ذلك القسم خاصة بعلم معين أو حقل واحد من حقول الطبيعة أو المعرفة . وأما في هذا القسم فهو شامل للكيان الروحي والنفسي كله .
الأمر الثاني : إن هذا القسم قسم عملي وليس نظرياً ، شأنه في ذلك شأن الصناعات
اليدوية بالنسبة إلى العلوم النظرية ، فإذا لم يفعل الطالب شيئاً لم يتقدم في
مدارج الكمال .
الأمر الثالث : إن القسم السابق يخاطب العقل ، أو قل إنه تعبير آخر عن مجموعة العلوم العقلية . في حين أن هذا القسم يخاطب الكيان المعنوي للإنسان ككل ، جسماً ونفساً وعقلاً وروحاً .
صفحة (144)
الأمر الرابع : إن القسم السابق يوجب تكامل جانب واحد من الإنسان ، وهو الثقافة العقلية ، في حين ان هذا القسم مع حسن التوفيق فيه ، فهو موجب لتكامل كل الذات .
الأمر الخامس : إن الهدف من القسم السابق محدد وهو معرفة واستيعاب علم محدد ونحو ذلك . في حين أن هذا القسم هدفه غير محدد بل هو يصعد في مدارج الكمال دائماً . والكمال لانهائي ، فهو يستمر بالصعود ، في مدارج رحمة الله سبحانه بلا انقطاع .
الأمر السادس: إن ما يستطيع أن يناله الفرد في القسم السابق هو من الرحمة العامة الموزعة بين كل الخلق، وإنما ينالها الفرد بمقدماتها العقلية .
وأما ما يستطيع أن يناله الفرد في العمل من هذا القسم فهو الرحمة الخاصة التي لا تنال عادة إلاَّ من المتكاملين من الناس .
نتعرض الآن غلى التطبيقات الأخلاقية لشرائط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . فإنها بمعناها الأوسع ينبغي انطباقها على المستوى الأخلاقي ، بل على كل مستوى من مستويات التويجه والتعليم .
الشرط الأول: معرفة المعروف والمنكر ولو إجمالاً ، فلا يجبان ( أي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) على الجاهل بالمعروف والمنكر. أقول : وهذا الجهل إما أن يكون متعلقاً بالكبرى أو أن يكون متعلقاً بالصغرى، كما عليه لغة المنطقين . أو بتعبير لآخر : إما أن يتعلق بالآمر وإما أن يتعلق بالمأمور . وكلاهما في الحقيقة شرط مستقل دمجوه في شرط واحد خطأ .
أما تعلقه بالمأمور فهو الذي يقصد به الفقهاء : بأن يعلم الآمر أن الفعل الذي
يراه أمامه محرم فينهى عنه ، وأما إذا احتمل كونه جائزاً لم يكن مورد النهي
متحققاً .
صفحة (145)
وهذا معنى شامل لكل العلوم العقلية والروحية معاً . ويمكن أن نعبر عنه بإمكان التأثير فيه من حيث التعليم والتربية . وأما إذا لم يكن من المحتمل تأثير التعليم فيه فلا مجال لتعليمه . سواء كان من الناحية العقلية أو الروحية .
وذلك على أحد قسمين :
القسم الأول : أن يكون الفرد قاصراً على التربية بالمرة كما لو كان قاصر العقل أو سفيهاً . ومن الناحية الأخلاقية يصل الفرد إلى الداء الذي لا دواء له ولا شفاء له من حيث إمكان التوبة والتدارك . فلا يحتمل أن يسمع الموعظة ولا يحتمل أن يوفق إلى التوبة .
وهذا ممكن التحقق في مختلف مراتب الكمال . ومع حصوله ينسدّ التكامل ويعجز المعلم عن التوجيه . فلا يبقى معه مجال للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
القسم الثاني : أن يكون الفرد عارفاً بالأمر الذي أريد أن أقوله له أو المرتبة التي أريد أن أوصله إليها . والحكمة تقول : العارف لا يعرف . وذلك لاستحالة تحصيل الحاصل ، فلا يكون معه مجال للأمر بالمعروف أيضاً.
هذا من حيث تعقله بالمأمور . وأما من حيث تعلقه بالآمر . فقد يكون الآمر ناقصاً قاصراً عن التوجيه والتعليم، وإن حسب نفسه أو حسبه الآخرون متكاملاً .
وهذا النقص يكون على مستويات ، أهمها قسمان يقابلان القسمين اللذين ذكرناهما في المأمور :
القسم الأول : قصوره من حيث المادة والاطلاع . لوضوح أن من لا يعرف المادة لا يستطيع تعليمها . وهذا ثابت على كل المستويات .
القسم الثاني : قصوره من حيث إمكان إيصال المادة إلى الغير . وإن كان الفرد فاهماً عالماً في نفسه . غير ان طريقته في إيصال علمه إلى الآخرين وبيانه لهم ، ومن ثم قدرته على توجيه غيره وتكامله لا تخلو من قصور قليل أو كثير .
صفحة (146)
وهذا في العلوم العقلية يسمى قصور البيان أو عدم التمكن من التفهيم . وفي العلوم الروحية هي حالة ملازمة لعدم معرفة الداء أو عدم معرفة الدواء ، أقصد داء النفس ودواءها لدى الطالب . ومعه فليس من حقه أن يكون موجهاً أو آمراً بالمعروف أو ناهياً عن المنكر .
من شرائط الأمر بالمعروف : احتمال امتثال المأمور بالمعروف للآمر وانتهاء المنهي عن المنكر للنهي . فإذا لم يحتمل ذلك ، وعلم الفرد الآمر أن الشخص الفاعل لا يبالي بالأمر أو النهي ، ولا يكترث بهما لم يجب عليه شيء .
وهذا المعنى ناشئ من القسم الأول من قصور المأمور الذي عرفناه في الفقرة السابقة ، حيث يتعذر معه الأمر بالمعروف ، والتوجيه إلى الحق والنهي عن المنكر .
كل ما في الأمر أنه من الناحية الأخلاقية فإن هذا القصور ينشأ من أسباب متعددة ، يعتبرها القرآن بطبيعة الحال ، وذلك هو الاختلال في العين والأذن والقلب . وهي الأعضاء الأهم التي يدخل من خلالها العلم والإيمان، لو كانت متوفرة وسليمة .
ومع اختلالها يحصل العمه والعمى والصمم من الناحية المعنوية ، وإن كان الجانب الجسدي سليماً . كما قال الله تعالى : ﴿ لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها ﴾ . وقال سبحانه: ﴿ فإنه لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور ﴾ .
وقال تعالى: ﴿ إنما يستجيب الذين يسمعون ﴾ . فبدون السماع لا يمكن إيصال المعرفة إلى العقل ولا إلى الروح . قال تعالى : ﴿ صم بكم عمي فهم لا يبصرون ﴾ .
صفحة (147)
فإذا أضفنا إلى ذلك فكرة فهمها السيد الطباطبائي في الميزان ، حول قوله تعالى : ﴿ وهم عن الاخرة هم غافلون ﴾ : إن الغفلة لا تكون إلاَّ عن شيء موجود ، وأما إذا كان الإحساس به متعذراً أو مستحيلاً لم تصدق الغفلة على عدم الإحساس به .
فكذلك الحال في الرؤية والسماع . إذن ، فكثير من الأمور موجودة ومتحققة وفي الإمكان الإحساس بها ، إلاَّ أن الإحساس المعنوي ، او قل العين المعنوية والأذن المعنوية أو الروحية لما كانت متوقفة عن العمل ، فإن الغفلة تكون صادقة لا محالة .
بل الأمر أكثر من ذلك . فإن الغفلة أقل من الصمم والعمى . فإن من له قابلية الإحساس يمكن أن يغفل ، وأما من لا قابلية له عملياً ، فهو الأعمى والأصم الذي لا أمل لرجوع السمع والبصر المعنويين إليه .
ومحل الشاهد أن الجميع يسمعون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بمعنى السماع الطبيعي لصوت المتكلم . إلاَّ أن السامع أو المأمور به قد يمتثله ويطبقه وقد يعصيه .
فإن كان سمعه بأذنه المعنوية ، بمعنى أنه اعتبر به واقتنع به ، طبقه وإلاَّ عصاه . فالعمدة هي الأذن المعنوية. فإذا استعمل أذنه المادية دون المعنوية عصى لا محالة طبقاً لقوله تعالى : ﴿ لهم آذان لا يسمعون بها ﴾ .
وفي اللغة الدارجة نعبر عن الطاعة بالسماع . يقال : اسمع كلامي يعني أطعني . وسمعت أمرك يعني أطعته . وكذلك يعبر في القرآن الكريم : ﴿ إنما يستجيب الذين يسمعون ﴾ . وليس المراد بالسماع هنا سماع الصوت ولا فهمه من الناحية اللغوية أو العرفية ، لأن كل ذلك حاصل .
صفحة (148)
وهذا الشرط وهو احتمال امتثال المأمور ، له مراتب ،لما قلناه من عدم تعيين الأمر والمأمور ومضمون الأمر. وإن أخذه الفقهاء من ناحية الشريعة الإسلامية العامة . إلاَّ اننا من الناحية الأخلاقية ، يمكن أن نأخذه أوسع من ذلك .
فإن المأمور دائماً إن وجد مصلحته في الامتثال امتثل ، وإن وجد مصلحته في العصيان عصى . وهذا موجود على مختلف المستويات ، كل ما في الأمر أن هناك فروقاً بين الأوامر الدانية والأوامر العالية . منها :
أولاً : إن المأمور في الأوامر الدانية يلحظ مصلحته الدنيوية فقط . دون مصلحته الأخروية . في حين يكون العكس موجوداً في الأوامر العليا .
ثانياً : إن المأمور إذا لم يثق بالآمر واحتمل اشتباهه عصاه . وهذا موجود في الأوامر الدانية كلها . وقد يحصل أيضاً في الأوامر العالية .
ثالثاً : إن العصيان في الأوامر الدانية هو الأغلب ، أو لا أقل من كون الاحتمال متساوياً . في حين أن العصيان في الأوامر العليا نادر . وأما في الأمور البالغة في الارتفاع فهو معدوم تماماً . والطاعة هي الصفة المسيطرة: ﴿ لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ﴾ .
وتدخل هنا فكرة لا ينبغي إهمالها في هذا المجال . وهي أن بعض الأوامر يجب عصيانها وليس عندنا أن كل أمر يجب أن يطاع على الإطلاق . بل قد يجب عصيانه حتى لو كان الآمر به مقدساً أو واجب الطاعة .
ومثاله في العرف الأوامر التي تكون للمجاملة . كالمضيف حينما يزيد من احترام ضيفه فيقوم له أو يستقبله ماشياً : أو يودعه ماشياً فيقول الضيف : تفضلوا . يعني اجلس من قيامك أو ارجع من مشيتك . فإذا امتثل المامور كان مقتصراً على القليل من احترام صاحبه . ومن ثم سيكون ذلك على خلاف المجاملة . بل يجب عليه أن يستمر في الاحترام حتى لو استلزم العصيان .
ونستطيع أن نسمي مثل هذه الأوامر بالأوامر الامتحانية . بمعنى أن قصد الآمر منها هو
الامتثال ، بل معرفة مستوى الفرد المامور نفسياً أو عقلياً أو إيمانياً ونحو ذلك .
فإن عصى نجح في الامتحان ، يعني أثبت علمياً كون
مستواه
عالياً ، وإن امتثل أثبت كون مستواه واطئاً .
صفحة (149)
فالمهم الآن أن نلتفت إلى أن أمثال هذه الأوامر ، ليست مشروطة بهذا الشرط الفقهي الذي نحن بصدده ، وهو العلم بالامتثال أو احتماله ، بل ينبغي توجيهها حتى مع العلم بالعصيان لأن موردها هو ذلك . وهذا المستوى غير موجود على مستوى الواجبات والمحرمات العامة . ومن هنا لم يكن له في الفقه إي مورد .
قالوا : ومن جملة شروط الأمر بالمعروف : أن يكون الفاعل مصراً على ترك المعروف أو ارتكاب المنكر . فإذا كانت هناك أمارة على الإقلاع وترك الإصرار لم يجب شيء .
أقول : المهم أن تكون إرادته قوية في ترك المعروف أو فعل المنكر . إما بمعنى الاستمرار عليه ، حيناً بعد حين ، وإما بأن يفعله لأول مرة . وعلمنا أن إرادته قوية فيه فيجب ردعه .
وهذا واضح على كل المستويات لو حصلت الإرداة القوية للعصيان أو المنكر . ولكن هذا قليل جداً في الأوامر العليا بطبيعة الحال .
لكن هذا مما يجب تقييده بأن الإدارة القوية ، ينبغي أن تتعلق بالعصيان ، بما هو عصيان ، لا بمجرد الفعل ، وإن لم يعلم الفاعل بكونه عصياناً . وذلك فيما إذا لم يعلم المأمور بالتكليف الذي عليه ، كما لو لم يكن مأموراً وأردنا توجيه أمر جديد إليه . أو كان عصيانه على وجه الغفلة أو النسيان . أو الجهل ببعض تفاصيل الأمر وقيوده ، بحيث يكون فعله على حسب علمه طاعة وليس عصياناً . ففي مثل ذلك لا يكون هذا الشرط متحققاً .
وهذا يحصل كثيراً في الأوامر لمتدنية . وقليلاً في الأوامر العليا . إلاَّ أن هذا
القيد في الحقيقة يرجع إلى تقييد هذا الشرط بالشرط الآتي وهو تنجز التكليف في ذمة
المأمور . إذ مع جهله أو نسيانه لا يكون التكليف منجزاً عليه .
صفحة (150)
والمفروض في مقصود الفقهاء هو حصول هذا التقييد ، لأنهم يقولون إنه لا يجب الأمر بالمعروف أو النهي عن المنكر إلاَّ بعد اجتماع الشرائط ، وحصولها جميعاً . ومع حصولها يحصل شرط التقييد لا محالة .
من تطبيقاتها أنه من الواضح أننا إذا أردنا توجيه أمر جديد إلى الفرد فلا مورد لاشتراط كونه قوي الإرادة في العصيان . وتوجيه الأمر الجديد ليس متوفراً في الأوامر الدينية العامة بعد عصر الرسالة . ولكنه متوفر في الأوامر العرفية من ناحية ، وفي الأوامر التربوية على مختلف المستويات من ناحية أخرى .
قال الفقهاء : إن من جملة شرائط الأمر بالمعروف ، أن يكون المعروف والمنكر منجزاً في حق الفاعل أو على الفاعل ، فإن كان الفاعل معذوراً في فعله المنكر أو تركه المعروف ، لاعتقاد أن ما فعله مباح وليس بحرام ، أو أن ما تركه ليس بواجب . وكان معذوراً في ذلك للاشتباه في الموضوع أو الحكم اجتهاداً أو تقليداً ، لم يجب شيء .
وكونه (منجزاً ) اصطلاح في علم الأصول ، يقابله عدة أمور لا يكون فيها الأمر منجزاً
، ومن ثم لا يكون الأمر بالمعروف واجباً طبقاً لهذا الشرط . فمن ذلك ما لو كان
الفاعل ناسياً أو غافلاً أو جاهلاً قاصراً أو جاهلاً مقصراً ، لا يختلف في ذلك منشأ
جهله بين أن يكون عن اجتهاد أو عن تقليد ، الو بدونهما .
وهذا الشرط صحيح في الجملة ، ولا يحول دون صحته المطلقة إلاّّ أحد أمرين :
الأمر الأول: كون الفرد الفاعل مقصراً في المقدمات، فيكون معاتباً على تقصيره ، وبالنتيجة لا يعذر عن جهله. كما لو كان ناسياً للموضوع عن إهمال وتسامح . أو كان جاهلاً بالحكم عن إهمال أيضاً للتعلم .
صفحة (151)
فالجهة الأخلاقية هنا تكون صحيحة ومؤكدة ضده ، وإن كانت الجهة الفقهية هينة نسبياً ، لأنه داخل تحت إطلاق حديث لرفع المشهور المروي عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ):" رفع عن أمتي تسع " . وعد منها الخطأ والنسيان وما لا يعلمون وهو الجهل . ولم يفصّل بين القاصر والمقصر فيجهله أو نسيانه .
الأمر الثاني : ما يقال عرفاَ وقانوناً من أن الأصل العلم بالقانون . ولولا هذا
الأصل أمكن للجميع أو الأكثر الاعتذار بالجهل بالمادة القانونية . وهذا معناه
أنهم لا يعذرون حتى مع الجهل قصوراً ، فضلاً عن التقصير . إلاَّ أن الأخذ بإطلاق
ذلك لا يتم لا عند العقلاء ولا عند الشريعة ، إذ لو كان الفرد معذوراً في قصوره
كان معذوراً في جهله لا محالة ، ولكان القانون في مثل ذلك ظالماً .
وإنما يبدأ الخلاف بين النظرية الفقهية من ناحية والنظرية الأخلاقية في الجاهل
المقصر ومراتب تقصيره ، فقد نجده في الفقه معذوراً في جهله . بينما لا يكون
معذوراً أخلاقياً . إذ من الواجب عليه أن يكون ملتفتاً أقصى مقدار ممكن إلى حاله
وإلى أفعاله . فإن قصر في ذلك أو أهمل ، لم يكن معذوراً .
على أنه يوجد احتمال معتد به من الناحية الفقهية أيضاً ألا يكون معذوراً . وإن قلنا به فهو خاص بالأحكام التكليفية دون الأحكام الوضعية وأصول الدين .
قالوا : من شروط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر : أن لا يلزم منها ضرر على النفس أو العرض أو المال على الآمر أو على غيره من المسلمين . فإذا لزم الضرر ، لم يجب شيء .
وأضافوا : بأن الظاهر أنه لا فرق بين العلم بلزوم الضرر والظن به ، والاحتمال المعتد به عند العقلاء ، الموجب لصدق الخوف .
صفحة (152)
قالوا : هذا فيما إذا لم يحرز تأثير الأمر أو النهي ، وأما إذا أحرز ذلك ، فلا بد من رعاية الأهمية ، فقد يجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع العلم بترتب الضرر أيضاً ، فضلاً عن الظن به أو احتماله .
وأخلاقيته المباشرة ينبغي أن تكون واضحة ، فإنه يرجح إلى رجحان المحافظة على النفس من الأضرار المحتملة , وان حرم الطرف الآخر من النفع . وإذا نظرنا إلى الطرف الآخر نفسه قلنا ، إن الأرجح هو حرمانه من الهداية والتوجيه باعتباره مصدراً للضرر يقيناً أو احتمالاً . فلو لم يكن مصدراً له كان أهلاً للهداية وإلاَّ فلا.
وهذا مطلب صحيح في نفسه ، فإن محتمل الضرر ينبغي أن نهديه ألاً ، بحيث نجعله غير محتمل الضرر ، ثم ندخل معه في التفاصيل الأخرى . فالدخول في التفاصيل مع احتمال الضرر لا يكون مورداً للاستحقاق ، فضلاً عن اليقين به .
ولكننا لو تجاوزنا الضرر المادي إلى الضرر امعنوي ، لوجدنا أن الأمر والنهي
والهداية ، ليس فيها ضرر في الأعم الأغلب . بل هي النفع ومسببة للنفع أيضاً من
أكثر من جهة . كما قال أمير المؤمنين عليه السلام :
"المال تنقصه النفقة والعلم يزكو على الإنفاق" . فإذا زكا العلم بالإنفاق أي
بالتعليم والهداية للغير ، وحصلت فيه الزيادة ، فهذا هو النفع لمعطيه ، مضافاً
إلى الثواب الأخروي ، فلا يمكن أن يكون فيه ضرر .
ولكن مع ذلك قد يوجد ضرر في التعليم والهداية المعنوية ، وذلك في موارد . منها : التصدي لتعليم غير المستحق ، بما فيه الاستعجال في تربيته وتكميله قبل استحقاقه . ومنها : تحميل الفرد أكثر من تحمله وطاقته من العلم والعمل . ومنها : كشف الحكمة لغير أهله ، والتصريح بما لا ينبغي التصريح به من جهة معنوية .
فإن قلت : فإن الضرر في ذلك أو في أكثره على المخاطب لا على المتكلم ، مع أن
الكلام في كون الضرر على المتكلم .
صفحة (153)
قلنا : نعم ، ولكن إذا تضرر المخاطب تضرر المتكلم . لأنه أوقع صاحبة في الضرر فيتحمل أمام الله مسؤوليته ومسؤولية الحكمة التي أوصلها إلى غير أهلها .ويكون مخاطباً ومكلفاً بإصلاح الأمر الذي أفسده طبقاً لما ورد: ( كسرته وعليك جبره ) . وفي الأعم الأغلب أنه يكون عاجزاً عن هذا الإصلاح .
ولو كان قد كتم الحكمة وفكر قبل خروج الكلمة ، لكان خيراً له . ولكفي الشر كله .
قالوا : وإن أخص من يجب أرمه بالمعروف ونهيه عن المنكر وهدايته لطريق الله ، هو
الأهل والأسرة كالزوجة والذرية ذكوراً وإناثاً فإن الأب يكون مسؤولاً عن حسن
تربيتهم وتوجيههم سواء في أصول العقائد أو في الفروع كالصلاة وغيرها .
وإذا فسد هؤلاء أو انحرفوا عن جادّة الاستقامة ، كانت مسؤوليتهم عليه ، إذا كان قد أهمل أو قصر أو قلل أهمية الهداية أو العمل على تركيزها فيهم . فضلاً عما هو أكثر من ذلك ، كما لو علمهم طريق الضلال وهداهم لأساليب الشر . والعياذ بالله .
وهذا من الناحية الأخلاقية المباشرة أو الظاهرة واضح جداً ، فإن الهداية والخير والأخلاق ، يجب على كل جيل حفظه في الجيل الآخر ، لكي تبقى تحت التداول جيلاً بعد جيل . لكي يتوارث الناس التقوى والصلاح ، بدلاً من الخبث والفساد .
وهو مسؤولية أخلاقية ضخمة ومهمة في رقاب الجيل كله . ويختص كل فرد منهم بمن يعرفه ويتصل به . وأهم كل ذلك هو الأسرة والذرية بطبيعة الحال .
إلاَّ أننا إذا خطونا خطوة أخلاقية أخرى ، كان اللازم علينا أن نعرف معنى الأهل أولاً . لكي نطبق معنى الهداية لهم ثانياً .
صفحة (154)
فإن معنى الأهل غير معنى الأسرة ، وبذلك المعنى قد يكون من في الأسرة من الأهل وقد لا يكون . بل تنص الآية على أن بعض الأسرة قد يكون عدواً فعلاً ، من حيث يعلم الفرد أو لا يعلم . فإن العدو من يريد بك الشر، وما أكثر من يريد بك الشر من داخل الأسرة وخارجها . قال الله تعالى : ﴿ إن من أزواجكم وأولادكم عدواً لكم فاحذروهم ﴾ . وبالطبع إذا كان عدواً فإنه يستحيل أن يكون من الأهل . فإن معنى الأهل قائم على معنى الأخوة والتعاطف والحب . مع أن العداوة منبع البغضاء والشر . فلا يمكن أن يجتمعا . وإن كان الظاهر السطحي على ذلك ، باعتباره من الأسرة .
وقد عرفنا الأهل في الجزء الأول من هذا الكتاب بأنهم : هم الذين يتجاوب ويتناسب معهم الفرد عقلياُ وروحياً ونفسياً ونشاطاً . لا يتكبر عنهم في حاجة ولا يحجب عنهم سراً ولا يحصل من ناحيتهم عليه هم أو غم . فهم متلائمون متعاونون محبوبون متفقون على الأمور كلها . فهؤلاء هم الأهل .
وهذا المعنى من الأهل ، قلما يوجد في الأسرة نفسها ، بل ذلك نادر الوجود . كما انها من النادر أن يكون العدد كثيراً ، بل هو قليل لا محالة . ومن هنا يمكن أن يمثل كل مجموعة أسرة معنوية . وإن كانوا من أسر متعددة وبلدان متفرقة .
فإن مثلت هذه الأسرة جانب الحق وتكفلت به ، فهي الأسرة المحقة أو الهادية المهدية . وإن مثلت جانب الباطل، فهي الأسرة الضالة المضلة . وكلامنا الآن عن الأسرة المحقة ، بطبيعة الحال .
ومن الطبيعي أن يكون في الأسرة أورد وذرية ، ذكوراً وإناثاً ، وهم الذين اقتضت المصلحة العقلية والعلمية أن تتكفل أنت مسؤولية تعليمهم وتوجيههم وتكاملهم . فهم بمنزلة اولادك وأنت الأب الروحي لهم . كما أن أمثالك في المستوى يكونون بمنزلة إخوتك . بل هم فعلاً إخوانك في الإيمان والعلم والعمل الصالح .
صفحة (155)
ومن هنا يتضح بجلاء كيف أن الأولاد يكونون هم الأهم والمقدمون بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . بل مطلق من في الأسرة المعنوية ، ما دام بعضهم يتكفل مسؤولية البعض الآخر ، وما دام أفرادهم يتقبلون التربية والتوجيه ، ولا يتكبرون عن تنفيذ الأوامر الحقة . كما لا يحصل منهم ضرر أو يتوجه إليك منهم عتاب . وإلاًّ فمن الواضح أن من لم يكن كذلك ، فهو ليس من أسرتك المعنوية بأية حالة .
قال الفقهاء – كما سمعنا قسطاً منه – : إن للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، مراتب متعددة . أقلها الإنكار بالقلب ، وهو أقل الإيمان ، ثم الإنكار باللسان ثم الإنكار باليد .
والمهم الآن الإلماع إلى أن الإنكار باليد له مراتب . قد يصل معه إلى القتل . ومن هنا جوز الفقهاء القتل أحياناً من أجل تنفيذ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
فهنا قد يتوجه السؤال أكيداً ، عن فائدة الأمر بالمعروف للمقتول فإن المفروض بالأمر والنهي أن يستتبع العمل والطاعة والتنفيذ ، فإذا قتل المأمور كان عاجزاً عن العمل . بل لا معنى لأمره وتوجيهه مع قتله . بل ينبغي المحافظة على حياته من أجل توقع الطاعة والتنفيذ من قبله .
وجواب ذلك على عدة مستويات :
المستوىالأول : إننا ينبغي أن نلتفت إلى أن القتل لا ينال إلاَّ المعاند ولا يشمل غيره ، لأن الفرد إذا لم يكن معانداً ومصراً على المعصية ، لما احتاج الحال إلى قتله . ولكفى فيه التوجيه باللسان أو الضرب باليد ونحو ذلك . ولما لم يكف فيه كل ذلك ،إذن فهو مصر ومعاند ضد الحق . ومثل هذا الفرد يجوز قتله ، ودمه هدر، ولا أسف عليه ، بل يتسبب القاتل إلى خلاص المجتمع من شره ، جزاه الله خيراً .
صفحة (156)
المستوى الثاني : إن في القتل نفعاً للمأمور نفسه ، لأن المفروض كونه معانداً على الاستمرار في المعصية ، كشرب الخمر مثلاً ، فيكون قتله سبباً لانقطاع سيئاته وتقليل ذنوبه . إذ لو كان قد عاش لتكرر منه ذلك أكثر وأكثر .
ومن هنا ورد : إن الموت نعمة على الكافر والمؤمن . أما الكافر فلتقليل ذنوبه وستر عيوبه . وأما المؤمن فللمبادرة إلى ثوابه ومقاماته في الجنة .
المستوى الثالث : إن في قتل المعاند نفعاً للآخرين لا محالة وخلاصاً للمجتمع من مكره وفساده وما قد يصل منه من توجيه فاسد وأمر بالمنكر ونهي عن المعروف .
المستوى الرابع : إنه قد يراد من القتل أخلاقياً قتل الشهوات في النفس وقتل حب الدنيا في القلب . وهذا هو الموت المعنوي الممدوح . وقد ورد : ﴿ موتوا قبل أن تموتوا ﴾ .
ومن هنا كان التوجيه والتدريب الحقيقي نحو التكامل سبباً للقتل لا محالة . فإذا ربيت شخصاً فإن تربيته تؤدي إلى قتله وموته المعنوي لا محالة . وإلاَّ فإن تربيتك فاشلة أو دنيوية لا أكثر ولا أقل .
وهذا هو المعنى الأخلاقي لقولهم : إن الأمر بالمعروف قد يكون سبباً للقتل . فإنه إذا كان ناجحاً مؤثراً أدى إليه لا محالة . وإلاَّ فالنقص إما في المعلم أو في التلميذ أو فيهما معاً . او في أسلوب التربية على أي حال .
قد يخطر في البال أن ما سمعناه من الفقهاء من كون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قد يكون باليد أو بالقتل ، أن ذلك يؤدي إلى الإكراه على فعل المعروف أو الارتداع عن المنكر والإكراه غير محمود النتيجة . فإن المهم هو الطاعة على رضا وطواعية من المخاطب وليس الإكراه .
فإن الفرد المكروه ، قد يعود إلى العمل الفاسد ، عند ارتفاع الإكراه ، بل الغالب هو ذلك . والإكراه على أي حال ليس من التربية الحقيقية ، بل ينافيها ، فكيف الجواب على ذلك ؟ مع العلم ان هذه الأمور تعتبر من الأفكار الواضحة فقهياً ومتسالم عليها لدى الفقهاء .
صفحة (157)
وهذا يمكن أن يجاب على عدة مستويات :
المستوى الأول : إن المهم في نظر الشارع المقدس هو النتيجة بالنسبة إلى الفرد . فإنه من الواضح أن المخاطب أو المأمور لو كان قابلاً للتربية . لانصاع وأطاع من المخاطبة باللسان والموعظة . وحيث وصلت الحال إلى الضرب والتهديد ، إذن فهو معاند بدرجة أو أخرى .
وعندئذ يكون المهم هو النتيجة ، وهو أن يفعل هذا الفرد فعل الحق ولو كان مكرهاً . ولا أقل أن لا يصدر منه الحرام والباطل ، ويكون مستحقاً للعقاب عليه .
المستوى الثاني : إن الإكراه قد يقع عن طريق التربية فعلاً ، فإن الفرد قد يعمل ذلك إكراهاً ، مرة أو مرتين أو مرات ، ولكنه بالتدريج سوف يقتنع به ويعتاد عليه . فيكون قد خطا خطوة معتد بها في المجال التربوي .
المستوى الثالث:إننا لو تنزلنا عن مصلحة الفرد، كما بيناها،في المستويين الأولين،
فهناك مصلحة المجتمع، وهي أكيدة الصحة .من حيث إن المجتمع يخاو – ولو بالإكراه – من
المفاسد والمحرمات والانحرافات.
وبالطبع فإن العقوبات وضغت لزجر الفاعلين عن الفساد والإفساد . والتهديد بالعقوبة
له نحو من الإكراه والضغط على النفس ، مع أنه موجود في الشريعة الإسلامية وفي كل
شريعة وقانون ، وواضح الصحة عند العقلاء . وما ذلك إلاَّ لأجل تصفية المجتمع من
الآثام والمفاسد .
المستوى الرابع : إن مثل ذلك شامل للتربية المعنوية ، أعني الضغط النفسي والضرب وأضرابهما من الأساليب الحادة .
فإن التربية المعنوية قد تحتاج إلى مثل ذلك لا محالة . إلاَّ أن الأمر يصبح صعباً بطبيعة الحال . إذ قد يحتاج إلى أن يشخص الفرد كونه هذا العمل الحاد هو الدواء الناجح للنقص الموجود في الآخر .
إذ لو لم يكن دواءً له لكان استعماله معه ظلماً له , ومن هنا يصبح ضرراً لكلا الفردين ، وضرره على الآمر أشد ، من حيث كونه هو الظالم .
صفحة (158)
كما أن التجربة بأقل من هذا الأسلوب أو ذاك ، ظلم له ، من حيث احتمال عدم التأثير . بل يحتاج قبل التنفيذ إلى الاطمئنان بحسن النتيجة . وإلاَّ كان استعماله طغياناً حراماً .
وهذا المعنى شامل حتى للنهي عن المحرمات العامة ، ومن هنا قال الفقهاء بوجوب الاقتصار من الضرب على مقدار الحاجة . وهو ما يحصل به ارتداع الفاعل . وعندئذ يكون الزائد ظلماً حراماً .
ذكر الفقهاء في نهاية الأمر بالمعروف عدداً من الصفات باعتبار كونها مصاديق للمعروف وتكون كمالاً للإنسان . نذكر الآن أهمها ، مع مراعاة الاختصار .
وهنا ننقل ما ذكرناه في رسالتنا (منهج الصالحين) مع بعض الإضافات . منها : الاعتصام بالله عز وجل ، قال تعالى : ﴿ ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم ﴾ . وقال أبو عبد الله عليه السلام : أوحى الله عز وجل إلى داود : ما اعتصم بي عبد من عبادي ، دون أحد من خلقي وعرفت ذلك من نيته ، ثم تكيده السماوات والأرض ومن فيهن إلاَّ جعلت له المخرج من بينهن .
والاعتصام هو التسبيب لدفع المكروه ببعض الأمور ، فهو يعتصم بذلك السبب . وأوضحه
عرفاً الاعتصام بالكبراء والوجهاء ضد الآخرين : ومنه الاعتصام بالحصن ضد الأعداء .
والاعتصام قد يكون بالخلق وقد يكون بالخالق . حسب حال الفرد وتصوراته . والاعتصام بالخالق مع إخلاص النية منجٍ من جميع الشرور على الإطلاق ، لأن الله قادر على كل شيء ، بخلاف الخلق ، فإنه يكون قادراً على شيء وعاجزاً عن شيء آخر . وإذا ترك الفرد اللاعتصام بالله واعتصم بغيره أوكله الله إليه .
ومنها: التوكل على الله عز وجل . قال الله سبحان:﴿ ومن يتوكل على الله فهو حسبه﴾ . وقال أبو عبد الله ( ع ) الغنى والعز يجولان فإذا ظفرا بموضع من التوكل أوطنا .والمراد من الغنى القناعة ،ومن العز : الاعتزاز بعزة الله سبحانه .
صفحة (159)
ومراد
الرواية أن الغنى لا يكون حقيقياً إلا بعد الإخلاص في التوكل والتمحض فيه . وأما
بدونه فلا . كما أن العز كذلك . فإنه لا يعطيه الله سبحانه إلا في ذلك المورد .
ومنها : حسن الظن بالله عز وجل . قال أمير المؤمنين (ع) فيما قال : والذي لا إله إلا هو لا يحسن ظن عبد مؤمن بالله إلا كان الله عند ظن عبده المؤمن . لأن الله كريم بيده الخير . يستحي أن يكون عبده المؤمن قد أحسن به الظن ثم يخلف ظنه ورجاءه فأحسنوا الظن بالله وارغبوا إليه.
وحسن الظن تارة يكون بما هو حاصل في الحال أو في الماضي . وأخرى بما هو غير حاصل . وكلاهما مطلوب من العبد تجاه ربه .
أما
فيما هو حاصل : فبالاعتقاد أنه لا يكون إلاّ لمصلحة وحكمة وخير ، سواء حسبه الفرد
خيراً أو شراً . لأن الله سبحانه أعلم بمصلحتي مني ومن والدي وولدي وكل الخلق . وهو
لا شك أنه فاعل لأفضل الوجوه الممكنة لي على الإطلاق .
وأما فيما هوغير حاصل ، فمما يتوقع حصوله في المستقبل . فإن متقضى حسن الظن بالله سبحانه أن لا يصنع بالفرد إلاّ ما هو خير وصلاح وعلى أفضل الوجوه أيضاً . كما فعل فيما مضى تماماً .
إلاّ أن نقطة الضعف في الفرد في كلا الحالين : الماضي والمستقبل : اختلاف تقييمه للحوادث عن تقييم الحكمة الإلهية لها . ومقتضى حسن الظن بالله سبحانه هو أن يفعل الأفضل في حكمته ، لا الأفضل في نظر الفرد ، وهو قاصر مقصر . ومن هنا قال تعالى : ﴿وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم ﴾ .
ومعه فلا بد من تطوير حسن الظن بالله سبحانه إلى الاطمئنان بكل أفعاله . ومنها الصبر ، وهو على أقسام : صبر على طاعة الله وصبر عن معصية الله وصبر على البلاء : قال الله تعالى : ﴿ إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب ﴾ .
صفحة (160)
وقال أيضاً :﴿ واصبر وما صبرك إلاّ بالله ولا تك في ضيق مما يمكرون ، إن الله مع الذين اتقوا والذين هم
محسنون ﴾ .
وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم ) في حديث : " فاصبر فإن في الصبر على ما تكره خيراً كثيراً ". واعلم ان النصر مع الصبر ، وأن الفرج مع الكرب . ﴿ فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا ﴾ .
وقال أمير المؤمنين عليه السلام : لا يعدم الصبر الظفر ، وإن طال به الزمان . وقال عليه السلام : الصبر صبران : صبر عند المعصية حسن جميل ، وأحسن منه ذلك الصبر عند ما حرم الله تعالى عليك .
والصبر هو بذل طاقة لخزن طاقة أكبر منها . مثاله : قالوا : إن المولد ( الداينمو ) يأخذ طاقة ليعطي طاقة . واما كون الصبر بذل طاقة فلأنه صعب التحمل على النفس .
وأما كونه لأجل خزن طاقة أكبر ، فلأن الفرد إذا اعتاد على القليل تمكن من الكثير .
وكل الصبر واحد ، وهو بذل الطاقة وتحمل المشقة ضد ما ترغب النفس . وإنما قسموه
أقساماً باعتبار اختلاف موارده وكلها ما لا ترغب فيها النفس . كالصبر على الطاقة
والصبر على المعصية والصبر على البلاء . وإنما يكون الحاكم فيه والحامل عليه هو
العقل وقوة الإرادة .
ولكن توجد هنا نقطتان ضروريتان :
النقطة الأولى : في مضمون ما ورد : إن الصبر من الإيمان كالرأس من الجسد ولا إيمان لمن لا صبر له . كما لا حياة لجسد لا رأس له .
وهذا واضح ، فإن الصبر إذا زال تماماً ، انقلب الموقف النفسي تماماً إلى الاعتراض على القدر الإلهي بالبلاء ونحوه ، والدنيا هي دار البلاء ، فإذا دخل الاعتراض في القلب خرج الإيمان ، لأنهما لا يجتمعان في قلب واحد.
ونحوه قول الشاعر :
تعصي الإله وأنت تظهر حبه هذا لعمري في الفعال بديـع
لو كان حبك خالصاً لأطعته إن المحب لمن يحب مطيـع
صفحة (161)
النقطة الثانية: إن الصابر موعود بالظفر أو الفرج . والظفر يراد به الانتصار على حاله التي هو فيها من البلاء. ولعمري إن الصبر الكامل عليه شكل من أشكال الانتصار فضلاً عن الوعد بزواله . وفي الحديث:" أفضل العبادة انتظار الفرج " . وقد سمعنا فيما سق : لا يعدم الصبر الظفر وإن طال به الزمان .في الحكمة :من صبر ظفر .
ومنها : العفة . قال أبو جعفر (ع) : ما عبادة أفضل عند الله من عفة بطن وفرج . وقال أبو عبد الله عليه السلام : إنما شيعة جعفر من عف بطنه وفرجه واشتد جهاده وعمل لخالقه ، يرجو ربه ويخاف عقابه فإذا رأيت أولئك ، فأولئك شيعة جعفر .
والعفة هي الترك استغناء عن الشيء . يعني سواء رغبت نفسه به فعلاً أو لا . ومنه التعفف عن أموال الآخرين . وهي عفة البطن ، والتعفف عن أزواج الآخرين والنساء الأخريات ، وهي عفة الفرج .
فإن كان الفعل حراماً ، كانت عفة واجبة . وإلاَّ فهي راجحة على أي حال . لأن التعفف والاستغناء عن أمور الدنيا مطلوب أخلاقياً . إلاَّ أنه سيكون صعباً مع حب الدنيا وسهلاً مع تركه وتركها .
ومنها : الحلم . وهو كظم الغيظ . قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : " ما أعز الله بجهل قط" ، ولا أذل بحلم قط . وقال أمير المؤمنين ( ع ) أول عوض للحليم على حكمه : إن الناس أنصاره على الجاهل . وقال الرضا ( ع ) : لا يكون الرجل عابداً حتى يكون حليماً .
ومن الواضح من هذه النصوص أن اللغة قد جعلت الجهل ضد الحلم . وليس ضد العلم كما هو المتعارف الآن . ومنه قول الشاعر :
ألا لا
يجهلن أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا
صفحة (162)
فإذا كان الحلم هو كظم الغيظ ، كان الجهل إظهاره ، وهو ما يسمى الآن بالعصبية والغضب . وهو مما قد تحمل عليه النفس وتدعو إليه خاصة في أوقات الحرج والتحدي . مع العلم أن الاستجابة لها قد تكون حراماً . كما لو كان غضباً ضد بعض الأولياء أو العلماء . وأما أخلاقياًَ فالاستجابة لها مطلقاً ممنوع . إلاَّ في موارد الغضب الواجب ، وهو الغضب لله ضد وقوع المحرمات أو ترك الواجب أو هتك المحرمات .
ومنها التواضع : قال الله تعالى : ﴿ ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحاً , إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولاً ﴾ .
وقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : " من تواضع لله رفعه الله ومن تكبر خفضه الله , ومن اقتصر في معيشته رزقه الله ومن بذر صرعه الله , ومن أكثر ذكر الموت أحبه الله ".
والتواضع إظهار الضعة ، كما أن التكبر إظهار الكبر . والمراد اخلاقياً من الاعفة
والكبر الصفة الواقعية لا الظاهرية . أو قل : المعنوية وليس الدنيوية .
فإن الصفة الدنيوية ممقوتة على أي حال ، كإظهار التكبر الدنيوي ، حتى لو كان صادقاً
، بل إن إظهار التواضع الدنيوي لمجرد أنه فقير الحال أو أنه أقل من صاحبه في
المنزلة الاجتماعية ، لا أثر له أخلاقياً إطلاقاً. وإنما لا بد من أن يكون التواضع
للخلق تواضعاً لله وفي سبيل الله لكي يكسب الأهمية الأخلاقية المحمودة .
والتكبر مذموم حتى لو كان أخروياً وكان صادقاً ، إلاَّ في موارد إقامة الحجة على
صفات معينة ضد الخصوم كصفة الرسالة للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والإمامة
للإمام (ع) وإلاَّ لم تجز ،بخلاف التواضع الأخروي، فإنه محمود مطلقاً ومنتج للتكامل
أكيداً .
ومن هنا سمى أمير
المؤمنين ( ع ) أبا تراب ، لأنه كان يقنع من نفسه الجلوس على التراب . وكان رسول
الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يجلس
جلسة
العبد ويأكل أكل العبد ويأكل مع العبيد وورد : أنه من كان في قلبه ذرة كبر فهو شرك
. وورد : أنه من كان يرى نفسه أحسن من بعض خلق الله ففي قلبه شيء من الكبر .
صفحة (163)
ومنها : إنصاف الناس ولو من النفس . قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : " سيد الأعمال إنصاف الناس من نفسك . ومواساة الأخ في الله تعالى على كل حال " .
وهذا الإنصاف يكون بالأخذ بحقوقهم والعمل بها والاهتمام بها . فأن انضم إلى ذلك ترك حق نفسه والتنازل عنه كان أفضل .
ومن ذلك دفع دين الدائن والقبول بالعقوبة كالحد والتعزير ، وإرضاء الغضبان ، واحترام من يستحق الاحترام شرعاً ، وصلة الرحم ، وقضاء حاجة المحتاج ولو بحرمان النفس ولو قليلاً ، أو كان في قضاء تلك الحاجة جهد أو ذلة ، إلى غير ذلك .
ومنها: اشتغال الإنسان بعيبه عن عيوب الناس . قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : طوبى لمن شغله خوف الله عزَّ وجل عن خوف الناس . " طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب المؤمنين " .
وقال ( صلى الله عليه وآله وسلم ) إن أسرع الخير ثواباً البر وإن أسرع الشر عقاباً البغي وكفى بالمرأ عيباً أن يبصر من الناس ما يعمي عنه في نفسه . وأن يعيّر الناس بما لا يستطيع . وأن يؤذي جليسه بما لا يعنيه .
والمقصود هنا اشتغال الإنسان بعيبه بإزاء النظر إلى عيوب الناس واشتغاله بالإزراء بهم والتكبر عليهم . فإن ذلك يعد منقصة أخلاقية أكيدة .
وأما النظر إلى عيوب الناس لأجل إصلاحهم ، فهو راجح بل قد يكون واجباً والتذكير بها من الأمر بالمعروف بكل تأكيد .
كما أنه ليس المراد اشتغال الإنسان بعيبه حتى عن ذكر الله سبحانه . فإنه ممقوت أخلاقياً ، بل يمكن الجمع بينهما يعني الالتفات إلى العيوب تواضعاً أمام الله سبحانه وتقديماً للذلة والعجز أمامه .
صفحة (164)
وأما قوله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) " طوبى لمن شغله خوف الله عن خوف الناس " . فهو مطابق لقوله تعالى : ﴿ الذين يخشون الله ولا يخشون أحداً إلاَّ الله ﴾ . وقوله تعالى : ﴿ لا تأخذه في الله لومة لائم ﴾. فإن المفروض بالمؤمن قوة الإرادة ضد كل ما يبعد عن الله سبحانه وتعالى.
ومنها : إصلاح النفس عن ميلها إلى الشر . قال الله تعالى :
﴿
وما
أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلاَّ ما رحم ربي
﴾
.
وقال سبحانه :
﴿
واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه . ولا تعد عيناك عنهم
تريد زينة الحياة الدنيا . ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره
فرطاً﴾
.
وقال أمير المؤمنين عليه السلام : من أصلح سريرته أصلح الله علاينته ، ومن عمل لدينه كفاه الله دنياه . ومن أحسن فيما بينه وبين الله أصلح الله ما بينه وبين الناس .
ومنها : الزهد في الدنيا وترك الرغبة فيها . قال أبو عبد الله ( ع ) : من زهد في الدنيا أثبت الله الحمة في قلبه وأنطق بها لسانه . وبصره عيوب الدنيا داءها ودواءها . وأخرجه منها سالماً إلى دار السلام .
وقال رجل : قلت لأبي عبد الله عليه السلام : إني لا ألقاك إلاَّ في السنسن ، فأوصني بشيء حتى آخذ به . فقال: أوصيك بتقوى الله عز وجل لرسوله : ﴿ لا تمدن عينك إلى ما متعنا به أزواجاً منهم زهرة الحياة الدنيا﴾. وقال تعالى : ﴿ ولا تعجبك أموالهم ولا أولادهم ﴾ . فإن خفت ذلك فاذكر عيش رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فإنما كان قوته من الشعير وحلواه من التمر ووقوده من السعف إذا وجده .
وإن اصبت في نفسك أو مالك أو ولدك ، فاذكر مصابك برسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فإن الخلائق لم يصابوا بمثله قط .
وقال أمير المؤمنين ( ع ) في نهج البلاغة : من عظمت الدنيا في عينه وكبر موقعها في قلبه آثرها على الله تعالى ، فانقطع إليها وصار عبداً لها . ولقد كان في رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) كاف في الأسوة. ودليل لك على ذم الدنيا وعيبها وكثرة مخازيها ومساويها . إذ قبضت عنه أطرافها ووطئت لغيره أكنافها وفطم عن رضاعها وزوي عن زخارفها .
صفحة (165)
وإن شئت ثنيت بموسى كليم الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) إذ يقول : ﴿ إني لما أنزلت إليّ من خير فقير﴾. والله ما سأله إلاَّ خبزاً يأكله ، لأنه كان يأكل من بقلة الأرض . ولقد كانت خضرة البقل من شفيف صفاق بطنه، لهزاله وتشذب لحمه .
وإن شئت ثلثت بدواد صلى الله عليه صاحب المزامير وقارء أهل الجنة . فلقد كان يعمل سفائف الخوص بيده ، ويقول لجلسائه أيكم يكفيني بيعها ؟ ويأكل قرص الشعير من ثمنها .
وإن شئت قلت في عيسى ابن مريم عليه السلام . فلقد كان يتوسد الحجر ويلبس الخشن ويأكل الجشب ، وكان إدامه الجوع ، وسراجه بالليل القمر ، وظلاله في الشتاء مشارق الأرض ومغاربها . وفاكهته وريحانه ما تنبت الأرض للبهائم . ولم تكن له زوجة تفتنه ولا ولد يحزنه ، ولا مال يلفته ولا طمع يذله . دابته رجلاه وخادمه يداه .
فتأسّ بنيك الأطيب الأطهر ، صلى الله عليه وآله . فإن فيه أسوة لمن تأسى وعزاء لمن تعزى . وأحب العباد إلى الله المتأسي بنبيه المقتفي لأثره قضم الدنيا قضماً ولم يعرها طرفاً . أهضم أهل الدنيا كشحاً وأخصمهم من الدنيا بطناً ، عرضت عليه الدنيا فأبى أن يقبلها . وعلم أن الله أبغض شيئاً فأبغضه وحقر شيئاً فحقره ، وصغر شيئاً فصغره .
ولو لم يكن فينا إلاَّ حبنا ما أبغض الله رسوله ، وتعظيمنا ما صغر الله ورسوله لكفى به شقاقاً لله ومحادة عن أمر الله .
ولقد كان صلى الله عليه وآله وسلم يأكل على الأرض ويجلس جلسة العبد ويخصف بيده نعله ، ويرقع بده ثوبه. ويركب الحمار العاري ويردف خلفه. ويكون الستر على باب بيته ، فتكون فيه التصاوير ، فيقول : " يا فلانة – لإحدى أزواجه – غيبيه عني ، فإني إذا نظرت إليه ذكرت الدنيا وزخارفها " .
صفحة (166)
فأعرض عن الدنيا بقلبه وأمات ذكرها من نفسه ، وأحب أن تغيب زينتها عن عينه ، لكي يتخذ منها رياشاً ، ولا يعتقدها قراراً ولا يرجو فيها مقاماً . فأخرجها من النفس وأشخصها عن القلب وغيبها عن البصر . وكذا من أبغض شيئاً أبغض أن ينظر إليه وأن يذكر عنده .
ولقد كان في رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، ما يدل على مساوئ الدنيا وعيوبها ، إذ جاع فيها مع خاصته ، وزويت عنه زخارفها مع عظيم زلفته .
فلينظر ناظر بعقله أكرم الله محمداً بذلك أم أهانه . فإن قال : أهانه ، فقد كذب
والعظيم . وإن قال : أكرمه . فليعلم أن الله تعالى قد أهان غيره حيث بسط الدنيا
له وزواها عن أقرب الناس منه .
فتأسى متأس بنبيه، واقتفى أثره ، وولج مولجه. وإلاَّ فلا يأمن الهلكة . فإن الله جعل محمداً ( صلى الله عليه وآله وسلم) علماً للساعة ومبشراً بالجنة ومنذراً بالعقوبة . خرج من الدنيا خميصاً وورد الآخرة سليماً. لم يضع حجراً على حجر , حتى مضى لسبيله وأجاب داعي ربه .
فما أعظم منة الله عندنا حين أنعم علينا به سلفاً نتبعه ، وقائداً نطأ عقبه . والله قد رقعت مدرعتي حتى استحييت من راقعها . ولقد قال لي قائل : ألا تنبذها . فقلت : اغرب عني فعند الصباح يحمد القوم السرى .
في ذكر بعض الأمور التي هي من المنكر .
منها : الغضب . قال رسول اله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : " الغضب يفسد الإيمان كما يفسد الخل العسل".
وقال أبو عبد الله ( ع ) : الغضب مفتاح كل شر, وقال أبو جعفر ( ع ) : إن الرجل ليغضب فما يرضى أبداً حتى يدخل النار . فأيما رجل غضب على قومه وهو هائم فليجلس من فوره ذلك . فإنه سيذهب عنه رجس الشيطان . وايما رجل غضب على ذي رحم فليدن منه فليمسه . فإن الرحم إذا مست سكنت .
صفحة (167)
أقول : فهنا نقطتان :
النقطة الأولى : إن الغضب قد يكون للدنيا ، كما هو الأغلب في أوضاع الناس ، وقد يكون للآخرة ، والمفهوم منه إنما هو الأول . وهو المراد من هذه الأخبار ، حملاً لها على الأعم الأغلب .
وبملاحظة أخرى : إن المهم في تحمل المسؤولية هو استعمال الغضب وإظهاره والسير في اتجاهه . وعندئذ فقد يكون ما يفعله الفرد حراماً وقد يكون مباحاً وقد يكون واجباً من الناحية الشرعية .
فإن كان واجباً فلا غضاضة فيه ، بل يعتبر تركه جريمة شرعاً وأخلاقياً ، وهو الغضب لله سبحانه . وأما غيره ففيه خلة أخلاقية بلا أشكال . وإن كان من الناحية الفقهية لا يمكن القول بحرمته ، إلاًّ إذا استتبع فعلاً حراماً . وأما الفعل المباح فليس ممنوعاً فقهياَ ، ولكنه مرجوح أخلاقياً .
فإذا علمنا أن نسبة الغضب الواجب إلى غيره نسبة قليلة لا محالة . علمنا كيف أن الصفة الأخلاقية العامة للغضب هي الغضاضة والمرجوحية . ومن هنا كان النهي عنه في الروايات مطلقاً .
النقطة الثانية : إن الرواية تعطي طريقتين لكتم الغضب ودفعه ، إن لم يمكن الصبر عليه بالمباشرة . وذلك بإحدى طريقتين ، كلتاهما من الفهم الباطن للقوانين الكونية .
الطريقة الأولى : إنه إذا غضب وهو قائم فإنه يجلس ، فإنه يذهب عنه رجس الشيطان . ويحسب فهمي ، فإن المهم تغيير الحالة التي هو فيها ، وإنما ذكر ذلك لمجرد المثال .
وبالطبع فإنه إنما يذهب إذا أراد الفرد بذلك زواله ، دون ما إذا تمسك به ، أو لم يقصد ذلك أو كان غافلاً عن نتيجته كما هو الأغلب .
الطريقة الثانية : إنه إذا كان الطرفان من ذوي الأرحام ، أي من عشيرة واحدة ، كفى اللمس المباشر إطفاء الغضب . لأن الرحم قد تضطرب ( فإذا مست سكنت ) وهو قانون باطني لا حاجة إلى الإفاضة في ذكره .
صفحة (168)
وظاهر العبارة أن أياً منهما مس الآخر سكن غضب الغضبان . فإن الغاضب نفسه إن مس صاحبه سكن . وكذلك العكس ، وهو واضح في سياق الرواية ، لأنه قال : فليدن منه والدنو من الغضبان صعب ما دام الغضب ضده . إذن ، فالماس هو الآخر وليس الغاضب نفسه .
وهذا معناه أن غضب الغاضب سوف يقل أو يزول رغماً عليه ، وإن لم يرد ذلك وإن لم يلتفت إليه ، بل وإن لم يكن مطلعاً على هذه الفكرة ، وهذا القانون . وهذا أمر محتمل ، بل مجرب .
ومنها : الحسد . قال أبو جعفر وأبو عبد الله عليهما السلام : إن الحسد ليأكل الإيمان كما تأكل النار الحطب . وقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ذات يوم لأصحابه : " إنه قد دبّ إليكم داء الأمم ممن قبلكم . وهو الحسد . ليس بحالق الشعر ولكنه حالق الدين . وينجي منه أنه يكف الإنسان يده ويخزن لسانه ، ولا يكون ذا غمز على أخيه المؤمن " .
والحسد أخلاقياً هو تمني زوال النعمة عن الآخر ، وانتقالها إليه أو اتصافه بها ، ومن هنا قد يفعل الأفاعيل ضد الآخر حسداً له . ولذا تنهى الرواية عن ذلك بقوله ، ولا يكون ذا غمز على أخيه المؤمن .
ومن ذلك : الحسد الذي اتصف به إبليس ضد آدم عليه السلام ، لما رآه أشرف منه ، فسعى به حتى خدعه وورطه .
وقال الأخلاقيون : إن الحسد هو تمني زوال النعمة عن الآخر ، فإن لم يكن فيه ذلك ، وإن كان يتمناها لنفسه، بحيث يتمنى اجتماع النعمتين لهما معاً . فهو الغبطة وليس الحسد . ومن الواضح انه إذا لم يتمن زوال النعمة عن صاحبه لم يمكر به . فلا تكون للغبطة نتائج السوء لتي للحسد .
ومن الطبيعي أن الحسد يحلق الدين ، كما في الرواية، أي يزيله ويتلفه .لأن المهم وإن كان هو عاطفة الحسد، إلاَّ أن الأهم هو العمل السيئ الذي يقوم به الحاسد . وكله عمل محرم ، لأنه من إيذاء المؤمن والإضرار به . وكل من يفعل المحرم ، أو لا مانع له من ذلك ، فهو غير متورع أكيداً ، يعني غير متصف بالورع فضلاً عن التقوى . فيكون مشمولاً للقاعدة التي تقول : لا دين لمن لا ورع له .
صفحة (169)
ومما يحسبه الناس من الحسد : الإصابة بالعين . وإنما حسبوه منه عجزاً منهم عن تفسيره . وإلاَّ فهو أيضاً من القوانين الكونية الباطنة ، كما سبق أن قلنا في بعض حالات الغضب .
وربما تستفاد إصابة العين من بعض آيات القرآن الكريم . حيث يوصي النبي يعقوب عليه السلام أولاده قائلاً : ﴿ لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة ﴾ . فإن هدفه من ذلك دفع العين عنهم وعدم إصابتهم بالضرر من هذه الناحية . إذ أن الناس إذا رأوا تجمعهم وجمالهم وقوتهم ، فقد يصابون بالعين ، بخلاف ما إذا تفرقوا ودخلوا من أبواب متفرقة .
وهذه جهة مجربة لكثير من الناس . ويحتوي من الناحية النفسية للناظر على استعظام ما ينظر إليه ، إما لكثرته أو لجماله أو لغناه أو لصحته أو لأي شيء آخر . فيكون الجانب المنظور والمركز عليه مؤذناً بالزوال سواء أراد الناظر ذلك أم أباه ، وسواء التفت إليه أو لا .
وهذا معنى أن إصابة العين تكون قهرية على الناظر فضلاً عن المنظور إليه. فلا تكون قسماً من الحسد بطبيعة الحال . ولكن قد تكون اختيارية للناظر ، فيكون فيها تعمد الإضرار بالغير ، فتكون شبيهة بالحسد جداً .
ومن ذلك ما إذا قلنا إن إصابة العين متوقفة على التلفظ بالاستعظام . كقولك : ما أجمله أو ما أحسنه . فيكون هذا الكلام اختيارياً مضراً للآخر . لكنني لا أعتقد كونه متوقفاً على التلفظ ، ومن هنا أمكن أن يكون قهرياً, ولو كان متوقفاً عليه أمكن دفعه بالسكون . إلاَّ أن المجرب كثيراً خلاف ذلك .
ومنها : كون الإنسان ممن يتقي شره . قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : " شر الناس عند الله يوم القيامة الذين يكرمون اتقاء شرهم " . وقال أبو عبد الله (ع) : من خاف الناس لسانه فهو في النار . وقال عليه السلام : إن أبغض خلق الله عبد اتقى الناس لسانه .
صفحة (170)
والمهم في الصفة الرديئة أخلاقياً ، هو كون الإنسان ذا شر على الآخرين . فإن هذه الصفة لو كانت عامة ، أعني إيقاع الفرد لها بأي أحد شاء . كان معناه وصولها إلى من لا يستحقها وإلى المظلومين بها . فيصبح هذا الفرد ظالماً . مضافاً إلى المنع الأخلاقي للشر حتى مع درجة من الاستحقاق . ولذا ورد في الحكمة : أن تعفو عمن ضلمك وتصل من قطعك . وورد : العفو عند المقدرة ، أي المقدرة على العقوبة .
فالمهم – كما قلنا – هو كون الإنسان ذا شر على الآخرين . وإذا أحرز الناس منه ذلك خافوا شره . فيكون من هذه الناحية مذموماً أيضاً . ولذا سمعنا الرواية : من خاف الناس لسانه فهو في النار . ولا خصوصية للسان بل المراد مطلق الشر بأي أسلوب كان .
والأدهى من ذلك: أن يكرمه الناس دفعاً لشره . عسى أن يرحمهم ويكفيهم سوء فعله . ولذا يقول : شر الناس الذين يكرمون اتقاء شرهم ، وإلاَّ فالإكرام في نفسه جيد . غير أن مقصده على طرفه خبيث ، لأنه لو لم يكن معلوم الشر لما أكرمه .
وهذا لا يختلف فيه الغني عن الفقير والشريف عن الوضيع والحاكم عن المحكوم والعالم عن الجاهل . كل ما في الأمر أن أشكال الشر التي يمكن صدورها منهم مختلفة لاختلاف إمكانياتهم واختلاف طبائعهم وطبقاتهم . كما أن إكرامهم يمكن أن يكون مختلفاً أيضاً .
ومن هنا يمكن القول : بأن هذا الإكرام ، وإن كان مذموماً للطرف الذي يخاف الناس شره ، إلاَّ أنه ليس مذموماًَ غالباً من قبل فاعله . بل قد يكون واجباً أو مستحباً أحياناً . ليدفع به عن نفسه البلاء . ما لم يبلغ درجة الاعتراض وعدم التسليم بالقدر الإلهي ، فيحرم أو عدم الصبر على البلاء فيقبح أخلاقياً.
صفحة (171)