كتب المولى المقدس :: صحيفة أنصار الإمام المهدي ع

نظرات إسلامية في إعلان حقوق الإنسان

تأليف  :: 

  سماحة آية الله العظمى الشهيد السيد محمد الصدر (قده)

تقديم  :: 

  الشيخ محمد اليعقوبي

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

في هذا الكتاب أكثر من أمر مثير:

 

1-           القراءة الدقيقة لـ ( إعلان حقوق الإنسان والمواطن) وتأريخ تطوره، وكيف أصبح مصدراً للدساتير والتشريعات في أوروبا، ونقاط الضعف فيه، وكيف صمم ليخدم مصالح الرجوازيين.

2-           الوعي المعمق والإطلاع الواسع لمصادر التشريع الإسلامي، وعقد المقارنه بين التشريعيين بما يجعل كل منصف وموضوعي لا يختلجه الشك في عظمة النظام الإسلامي، وقدرته على توفير السعادة والعدالة والحرية للبشر، وعجز الأنظمة الوضعية عن تحقيق ذلك.

3-           النبوغ المبكر للمؤلف وهو سيدنا الأستاذ الشهيد الصدر (قده) فقد كتبه وهو لم يبلغ العشرين من العمر، حيث تخرج في كلية الفقه تحت رعاية عميدها المصلح المجدد الشيخ محمد رضا لامظفر (قده) . لذا كانت خطوة جناب الشيخ عباس الزيدي (دامت تأييداته) موفقة تماماً حينما أعلمني برغبته بإعادة طبعه.

 

ولما كان الكتاب يمثل حلقة مهمة في سلسلة الحوار الحضاري مع الغرب، ويلبي الكثير مما نحتاج بيانه في هذه المواجهة التي يريدون أن يصوروها في  وجه واحد، وهو النشاط العسكري، لانهم متفوقون فيه ويستطيعون البطش بخصومهم  الحقيقيين او الوهميين، ويظهرون نصرهم ويتبجحون به ، ولكنهم يخفون الأوجه الأخرى في هذا الصراع وهي الجوانب الفكرية والأخلاقية والاجتماعية لأنهم خاوون في هذه الجوانب، ولا يصمدون في المواجهة ويفشلون فيها فشلاً ذريعاً، فيجب علينا أن نواجههم في هذه الساحات من الصراع حتى نظهر تخلّفهم وإنحدارهم، ونسلب قناعة الناس – حتى شعوبهم – بهم بالحكمة والموعظة الحسنة، أما هم فيريدون أن يفرضوا (عولمتهم) الثقافية والسياسية والإقتصادية بالقوة، فاذا بدا الصراع هكذا فسيكون النصر حليفنا باذن الله تعالى.

 

ويؤيد هذا الاتجاه من التفكير أن الإمام المهدي (عليه السلام) سيفتح أوربا والغرب كله بالاقناع والحوار وليس بالقتال.

 

وفي ضوء ذلك فقد إرتأيت أن يكون الكتاب هو الحلقة الثالثة من سلسلة (نحن والغرب) ليلفت الأنظار إلى حقيقة هذا الصراع .

 

لا أرى حاجة في التقديم للكتاب أو التعريف به فانه يعرف نفسه بنفسه.

 

واذا استطال الشيء قام بنفسه وصفات ضوء الشمس تذهب باطلاً

 

أسأل الله تعالى أن يرفع درجات مؤلفه في الجنان، وأن يؤجر كل من يساهم في طبع الكتاب ونشره والاستفادة منه، وتوعية الأمة بمضامينه،


 

 

وإني أنصح بترجمته إلى اللغات الحية في العالم ليؤدي دوره الكامل في بيان الاسلام العظيم

 

 

محمد اليعقوبي -  النجف الأشراف

9 رجب 1425

5/9/2004


 

المقدمة

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

إن هذا الجهد المتواضع الذي تراه بين يديك، والذي تناول (إعلان حقوق الإنسان والمواطن) بالنقد الإسلامي البنّاء، ليس هو إلاّ نتيجة من نتائج " كلية الفقه " التي كان لي شرف التلمذة بها مدة خمس سنوات متتابعة حتى ان وفقني الله عز وجل بمنّه ولطفه إلى التخرج منها، وقد بذلت الكلية جهداً مشكوراً في تغذية تلاميذها من ثمار الفكر الإنساني قديمةوحديثة ، وإطلاعهم على مختلف وجهات النظر في مختلف حقول المعرفة سواء من الناحية الدينية أو الفلسفية، أو من ناحية العلوم الإنسانية في حقول علم النفس وعلم الإجتماع والتاريخ، أو ما سواها من حقول المعرفة الإنسانية، وذلك ليكون تلاميذها المتخرجون أفذاذا فضلاء يستطيعون مجابهة صعوبات الحياة، وحل المشاكل البشرية على ضوء الإ سلام المنير.

 

وكان (إعلان حقوق الإنسان والمواطن) مما إستفدته من "كلية الفقه" أيضاً، حيث تلقيته عن الدكتور فاضل حسين في مادة " التاريخ الحديث " ، وقد تفضل بذكره لنا في معرض حديثه عن الثورة الفرنسية بملابساتها المهمة وحوادثها التاريخية، وقد شرحه لنا شرحاً ضافياً، وقد كان لي توفيق كتابته في أثناء إلقاء المحاضرة، وقد أكّد بالخصوص على  إن هذا الإعلان إنما يمثل فلسفة ومصالح الطبقة الرجوازية الفرنسية، وإن كان ظاهر العبارة فيه يقتضي أنه شامل لجميع بني الإنسان، بل إنه أكيد على الثورة الفرنسية نفسها ثورة برجوازية، وانما نجحت بقوة البرجوازية الفرنسية، وضعف الإقطاع في فرنسا، ومن هنا جاء هذا الاعلان بعيد الثورة بأيام ممثلاً لجوهر فلسفة الثورة ومصالح البرجوازية. وكان هذا نفسه ما حاولت التأكيد عليه في غضون  مناقشة الإعلان، حيث تعرضت بالتفصيل إلى التفسير البرجوازي لكل مادة تقريباً في هذا الإعلان. كما حاولت أن أعرض على ضوء هذا التفسير وعلى ضوء الإسلام نقاط الضعف والقوى في هذا الإعلان، وكيف أن هذا التفسير البرجوازي يترك بهذا الإعلان من البرج العاجي الذي حاول واضعوه أن يضعوه فيه، بالإضافة إلى ضيق الافق وقصر النظر الذي تميز به هذا الإعلان عند مقارنته إلى عدالة الإسلام وشمول تعاليمه وخلوده. وقد تعرضت بشئ من التفضيل إلى شضرحو وجهة النظر الإسلامية في كل قاعدة مما ذكره الإعلان.

 

ولكنني أود أن اعترف رغم كل ما توسعت به في ذكر التعاليم الإسلامية، إنني قد إختصرت كلامي إختصاراً كبيراً، فقد كان بالإمكان – لو كان المقصود هو الإستيعاب والشمول – ان يمتد البحث إلى أضعاف هذه الكمية، ولكنني إقتصرت على ما له صلة مباشرة بالموضوع، مما يكفي في لفت الأنظار إلى وجهة النظر الإسلامية.

 

ولما كان ينبغي أثناء عرض وجهة النظر الإسلامية، لكي تكون الصورة واضحة وصادقة، من تصور الدين الإسلامي مطبقاً بجميع اوامره ونواهيه، وخصوصيات تشريعه، فان الإسلام إنما جاء لكي يطبق في المجتمع كوحدة متماسكة يشد بعضها بعض، ليستطيع أن يثمر ثماره شهية ناضجة، كما هو المتوقع منه، وإلا فانه لن يثمر إلا في الحدود الضيقة التي تسمح بها الظروف الموضوعية في كل جيل.

 

لهذا، إقتضى تصور مجتمع مسلم يتصف جميع أفراده أو أغلبهم بالإسلام،وتقوم بينهم الروابط والعواطف على أساس إسلامي ، وتحكمه حكومة إسلامية شرعية تقوم بتطبيق القوانين الإسلامية على المجتمع الإسلامي.

 

فان لهذا التصور المدخلية الكبرى في معرفة وتشخيص الثمار الحكيمة والأهداف السامية التي قصدها الإسلام من سن تشريعاته، وعلهي فقد تمت مناقشة الإعلان الفرنسي لحقوق الإنسان على هذا الأساس.

 

هذا وأرجو أن أجد منك أثناء تجشمك مطالعة البحث، أذنا واعية وقلباً منصفاً وعقلاً قريباً من العدالة والإنصاف وبعيداً عن التعصب الأعمى،  فإن التعصب آفة البحث، وذلك لكي تستطيع ان تفهمني كما أريد ان تفهمني، وأن تفهم الإسلام كما يريد الإسلام ان تفهمه. ولك مني سلفاً خالص الشكر.

 

 

محمد الصدر

 

النجف الأشرف
 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

(1)

 

ليس التفكير في حقوق الإنسان، وإدراك أن الظلم والتعسف ناشيء من غمط حقوقه، وإحتقار كرامته، ليس هذا التفكير حديثاً بالنسبة إلى العهود التاريخية المتأخرة. فقد حدثت في مختلف البلدان إضطرابات سياسية وثورات على الأوضاع الفاسدة، تمخضت عن شكل وآخر من لوائح حقوق الإنسان، فم أقدم اللوائح البريطانية ((العهد الأكبر)) The Magna Corta  الصادر في سنة 1215 حين إضظر البارونات الثائرون ملكهم جون John  على توقيع العهد المذكور الذي يحتوي على وعود كثيرة(1)، ومنها ((عريضة الحق)) Petition of Right التي أصدرها البرلمان البريطاني سنة 1628 في مقابل منح الملك ((شارلس الأول)) المخصصات المالية التي يطلبها(2) ، ومنها ((لائحة الحقوق))  Bill of Rights  التي أصدرها البرلمان البريطاني  سنة 1689 على إثر الثورة البضاء التي نشبت هناك والتي تسمى ((بالثورة المجيدة))(3) Glorious revolution

________________________________

(1)                        محاضرات في التأريخ الحديث

(2)                        نفس المصدر

(3)                        نفس المصدر


 

ومنها (( عقد التسوية)) ACT of Settlement   وهو أيضاً وثيقة صدرت في عهد وليم الثالث سنة 1701 على يد الحكومة الفاشية يومئذ(1).

 

ولكن هذه الوثائق الدستورية كلها، وهي وثائق سياسية بحتة، لم تتعرض إلى حقوق الإنسان –بشكل عام – بقليل ولا كثير . ولقد كانت الومضة الأولى في إثبات حقوق الإنسان والتمسك بكرامته وإنسانيته بالنسبة إلى اوربا الغربية هو ((إعلان حقوق الإنسان والمواطن))الذي أصدرته الجمعية الوطنية التأسيسية في يوم 26 آب سنة 1789 بعد أن كانت الثورة الفرنسية قد بدأت في 14 تموز من العام نفسه، ومن ثم فقد إحتلت هذه الوثيقة في فرنسا وفي سائر البلاد الاوربية مركزا ساميا، واصبحت في نظر شعوبها نبراساً يقتدى به، وأثرت في الفكر السياسي العالمي خلال القرن التاسع عشر والعشرين، وعلى أصولها ترتكز اليوم فعلاً دساتير الأمم الحرة في أوربا وفي سائر انحاء العالم (2) .  ولكن الزمان بعد ان تصرّم قليلاً قليلاً بعد صدور هذا الإعلان الذي كان فاتحة خير في إثبات حقوق الإنسان، ونصراً مبيناً للطبقة البرجوازية الفرنسية التي كانت قبل صدوره مظلومة مغموطة الحقوق

__________________________

(1)                            المذاهب  الإجتاعية الحديثة ص36

(2)                            محاضرات في التاريخ الحديث


 

بدأت تظهر للعيان ما يحتويه هذا الإعلان من الأخطاء والنواقص، وبدا واضحاً ان حقوق الإنسان أعقد وأعمق من أن يحيط بها هذا الإعلان المقتضب المتكون من سعبة عشر مادة. كما أنه بدا واضحاً ان الجماعة التي وضعته وإن إدعت أنها قد وضعته ((ليكون هذا الإعلان راسخاً في أذهان بني الإنسان يذكرهم على الدوام بحقوقهم وواجباتهم))، إلا أنها لم تقصد به إلا مصالحا البرجوازية الخاصة، والطرق التي تضمن من خلالها لاحصول على أكبر فرصة لتوسيع التجارة والصناعة إلى أعظم حد ممكن، وإكتناز المال جهد الطاقة والمستطاع. ثم لا يهممها بعد ذلك مصالح الطبقات الدنيا من الشعب التي تمثل اكثريته الساحقة من العمال والفرحين وأصحاب الحرف وغيرهم، بل إنه صار من المعلوم بعد ذلك ان هذه الحرية التي نالوها عن طريق هذا الإعلان كانت سبباً في التحكم في العمال، وإرهاقهمفي العمل مدة 14 ساعة في اليوم، ثم إعطائهم أقل كمية ممكنة من الأجر.

 

وقد أحس الشعب الفرنسي نفسه بما في هذا الإعلان من الخطأ ولاقصور، ومن ثم نراه قد غير مراراً فلي ظل الملوكية والجمهورية(1) تلافياً لما سببه من كوارث وأضرار.

 

 

___________________

(1) المذاهب الإجتماعية الحديثة ص35


 

ومن هنا فقط يظهر الفرق جلياً واضحاً بين هذا الإعلان لحقوق الإنسان، وبين حقوق الإنسان التي أكد عليها الإسلام ضمن ما أكد عليه في قانونه الخالد العظيم . وما في الإعلان الفرنسي من ضيق بالأفق وقصر في النظر، وما في القانون الإسلامي من عدالة وشمول يضمن بها سعادة البشرية ورقي الإنسان في مدارج الكمال . فالإعلان الفرنسي متناول لبعض حقوق الإنسان التي دعت إلى التأكيد عليها الحاجة الملحة القائمة حين صدوره، وأما الإسلام فهو الدين الشامل لكي جزيئات الحياة، يتابع الإنسان في جميع أقواله وأفعاله، وفي جميع علاقاته وتصرفاته، ويملي عليه التوجيه والإرشاد ما دام موجوداً على سطح الأرض. وإعلان حقوق الإنسان قد وضعته أذهان بشرية قاصرة عن إدراك مصالحه الروحية وكمالها الحقيقي، وأما الإسلام فهو الدين الإلهي الذي أرسله خالق البشر والمنعم عليهم إلى الناس أجمعين، وهو العالم بحقيقتهم والمطّلع على حوائجهم ومشاكلهم، وبالطريق الصالح الذي يتم فيه حل هذه المشاكل والتوافق التام بين البيأة والغريزة، أرسله إليهم ليخرجهم من الظلمات إلى النور ويهديهم إلى الصراط المستقيم.

 

كما أ، إعلان حقوق الإنسان الفرنسي أيضاً، قد وضع لصالح طبقة معينة من البرجوازيين ليضمن حريتهم ورفاههم، ولم يكن يضمن في حساب واضعيه من مصالح سواهم القليل ولا الكثير. في حين ان الإسلام  قد جاء ليخدم البشرية جميعاً بدون تمييز ولا تفريق، لا فرق لديه بين غني وفقير، ولا بين ذليل ووضيع، كلهم ينعمون تحت لواءه بالسعادة والرفاه ضمن مجتمعهم الإسلامي السعيد.

 

وإعلان حقوق الإنسان الفرنسي قد تكشفت فيه كثير من جهات القصور والنقص، وأما الإسلام فهو الدين الإلهي العادل الشامل الخالد الذي لن تبلي حدته الأيام ولن يذهب برونقه الزمان، وسوف يبقى مع البشرية ما بقيت ولو كره المشركون.

 

ولأجل أن يبدو بوضوح تام كيف أن إعلان حقوق الإنسان أنما صدر لمصلحة حفنة معينة من البرجوازيين ، لا بد  من التعرض بإختصار إلى الظروف العامة والخاصة التي أحاطت بصدوره، والملابسات التي إضظرت الجمعية الوطنية الفرنسية إلى وضع مثل هذا الإعلان.

 

(2)

كان الإقطاع مكلكلاً على القارة الأوروبية، مسيطراً علىجميع شؤونها سيطرة تامة، متنفذاً فيها كما يشاء وكما يحلو له. بحيث ان المناطق الإقطاعية كانت تعتبر دولة داخل دولة ، فلكل منتطقة إقطاعية حاكم مستقل، وأنظمة مستقلة، وجيش مستقل، وبين هذه المناطق الإقطاعية من الحروب والدمار الشيء الكثير، لأن حياتهم كانت قائمةعلى الطمع بما في أيدي الآخرين والسيطرة عليهم بالقوة المسلحة.

 

والمجتمع الإقطاعي زراعي بالدرجة الأولى ، والطبقة الأكثرية فيه هم الفلاحون الزراعيون الإقطاعيون Serps ، وهؤلاء ليسوا إلاّ أقناناً ترتبط حياتهم بالسيد الإقطاعي من جهة، وبالأرض الزراعية من جهة ثانية، ومن ثم فهو يباع مع الأرض ويشتري معها، إذا صادف أن اشترى احد الإقطاعيين أرضاً من إقطاعي آخر.

 

تكون العلاقات بين الفرحين الأقنان وبين أسيادهم علاقات تعاقدية يستأجر الفلاح الأرض من مالكها لقاء محصولات عينية، ويقدم ألهدايا لسيدة في المناسبات المختلفة من حبوب ومخضرات ودواجن وخمور، كأن يتزوج إبنه أو يبلغ سن الرشد، وعلى الفلاح أن يقوم مع زملائه الفرحين بتأمين مواد الولائم التي يقيمها السيد الإقطاعي إذا قدم على المقاطعة ضيف كبير، وعلى الفلاح أن يقوم بتعبيد الطرق في وقت معين من السنة حين لا يكون هناك عمل زراعي، وان يخدم في جيشه لرد الغزوات الإقطاعية، وأن يدفع أجور عبور الجسر، وأن يمثل أمام محمة الإقطاعي، وأن يعصر خمره في معصرته، ويحطن حبوبه في مطحنته.


 

وللفلاح حق على السيد الإقطاعي ان يحميه، وانما يحميه بتكوين جيش منه ومن غيره، يكون السيد قائدهم ومنظمهم.

 

ولا يمكن ان يتحرر الفلاح من سيطرة سيده إلا باحد طرق ثلاث، إذا هرب من سيده مدة تزيد على سنة، او إذا انخرط في سلك رجال الدين، او إذا دفع ما عليه منديون وواجبات.

 

وكأن السبيل الثالث للتحرر هو الذي كان مطمح أنظار الفلاحين، لأنه ليس من السهل الهرب من دكتاتورية الإقطاعي مدة تزيد على السنة، ولا الإنخراط في سلك رجال الكنيسة الا تحت شروط معينة، فلم يبق إذن امام الفلاح القن إلا الشرط الثالث ليرى من طريقة نور الحرية، ويشم فيه نسيم الإستقلال العليل. ولم يكن من السهل على الفلاح القن المرتبط بأرضه، الذي يباع معها ويشترى، والمرتبط مع سيده بديون وواجبان أن يدفع هذه الديون ليتحرر من حكمه. ولكن قد تقع قريتهم على طريق تجاري صحراوي أو نهري أو بحري، فتأخذ مدينتهم بالإتساع، ويأخذ المال طريقه إلى جيوبهم، ويكونون بعد مدة من الزمن قادرين على دفع ما عليهم من ضرائب وديون مستغنين عن هذا الإرتباط الوثيق الذي كان يربطهم بالأرض أو بالسيد الإقطاعي، وحينئذ يبادر الفلاحون بتسليم ما عليهم من ديون للإقطاعي ويصبحون ولا علاقة لهم به، ويأخذون منه ((وثيقة حرية المدينة)) Charter   يعترف الإقطاعي فيها أن هذه المدينة قد أصحبت حرة وليست لها علاقات إقطاعية.

 

 

وحيث ان الملك كان يخاف من سطوة الإقطاعيين عليه، فقد إعتمد على هذه الطبقة المتحررة من الإقطاع، والتي تسمى باللغة الإفرنجية Bourgeoisie  أي طبقة البرجوازيين وصار حليفاً لهم وأصبح البرجوازيون يكونون جبهة قوية ضد الإقطاع. ولكن حدث – بعد مرور قرنيين – أن اصبحت البرجوازية قوية بحيث تهدد الملك نفسه، وذلك لأن الجيش الذي كان يمكن تكوينه من سكان المدينة هو جيش أكثر أموالا وسلاحاً وعدداً من أي جيش إقطاعي، ومثل هذا الجيش يكون خطراً حتى بالنسبة إلى الملك نفسه، وحينئذ إستند الملك على القوى الإقطاعية وحالفها – كما حدث بالفعل في فرنسا – ضد القوى البرجوازية.

 

ولاثورة الفرنسية إنما نجحت لأن البرجوازية في فرنسا كانت أقوى من الملك ومن رجال الإفطاع ، فكانت خطوة في إنتقال الحكم من الإقطاع إلى سكان المدينة (البرجوازيين))(1).

________________________________________

(1) محاضرات في التأريخ الحديث، التي ألقاها الدكتور فاضل حسين في الصف الرابع من كلية الفقه سنة 1961


 

 

(3)

 

كان هذا وضعاً مختصراً للأوضاع السائدة في القارة  الاوربية بصورة عامة عدة قرون متطاولة من الزمن.

 

اما الأوضاع في فرنسا نفسها، تلك الأوضاع التي أدت بصورة مباشرة إلى قيام الثورة الفرنسية ومن ثم إلى إصدار إعلان حقوق الإنسان والمواطن، والتي كانت ماثلة أمام واضعي هذه القانون يعيشون تفاصيلها ويعلمون بمشاكلها ويدبرون في اذهانهم حلولها.

 

فكانت تتلخص كالاتي: كان الشعب الفرنسي – ككل مجتمع إقطاعي – مقسماً إلى ثلاث طبقات :

 

الطبقة الأولى :  طبقة الأسياد الإقطاعيين.

الطبقة الثانية : طبقة رجال الدين، أتباع الكنيسة المسيحية.

الطبقة الثالثة : وتسمى الطبقة الثالثة أو العوام.

وتتكون الطبقة الثالثة من

أ‌-                             البرجوازية

ب‌-                         الفلاحين

ج- العمال

       د- أصحاب الحرف .

 

وكان عدد نفوس فرنسا حينما نشبت الثورة الفرنسية 26 مليوناً، منهم نحو مليون نسمة عدد نفوس الطبقتين الأولى والثانية، والباقون يكونون الطبقة الثالثة، والرجوازية هي زعيمة الطبقة الثالثة.

 

كانت الضرائب تسن، وطلبات الملك المالية تلبي، بواسطة مجلس يسمـــــــــى مجلس الطبقات العامــــــــــة ((Estates General ))  وذلك قبل حوالي قرنين من الثورة الفرنسية. وكانت الطبقات الثلاثة ممثلة فيها بالتساوي لكل طبقة 300 نائب، رغم ان الطبقة الثالثة تكون 95 بالمئة من الشعب. 

وكان التصويت في المجلس يجري على أساس طبقي، فلكل طبقة صوت واحد فقط. فإذا أحتاج الملك إلى المال وأراد فرض الضرائب على الطبقة الثالثة للحصول عليه، فلا بد ان يستشير هذا المجلس بالموضوع، وحيث ان الطبقتين الأوليتين لا تفرض عليها الضرائب لأنها كانت محتكرة للإمتياز لنفسها دون الطبقة الثالثة، فإن التصويت عندما يجري في المجلس على فرض الضرائب، يحصل الملك على صوتين في مقابل صوت واحد وهو صوت الطبقة الثالثة. ومن ثم يصدر التشريع بأكثرية الصوتين وتسن الضريبة على الطبقة الثالثة. كان مجلس الطبقات هذ1 موجوداً في زمان (هنري الرابع) من أسرة (بوربون)، ولكنه عندما توفي وخلف إبنه (لويس الثالث عشر) وكان قاصراً، قات أمه (ماري ميتشي) بالوصاية عليه. وقد ذهبت ف يوم من الأيام إلى بناية هذا الجلس وأمرت أعضاءه بالإنصراف قائلة: إننا نحتاج إلى ساحة للرقص! فذهب النواب ولم يرجعوا، وذلك في سنة 1614.

 

وبعد مضي 175 سنة، تمضي على حل هذا المجلس، يحتاج الملك (لويس السادس عشر) إلى المال، ويضظر إلى معالجة الوضع الإقتصادي المتردي في فرنسا، فيستشير الملك كبار الإقتصادينن وهم من الطبقة البرجوازية، ولهم إتجاه مالي معين ويسمون بالفيوقراطيين أي الطبيعيين. فيشيرون عليه بأن يقتصد في مصاريف الشعب والبلاط، وأن يجمع الضرائب من الشعب بموافقته. ولكن(ماري انطوانيت) زوجته رفضت الإقتصاد بالمصاريف، فلم يبق إلا فرض الضرائب على الشعب . 

وكذلك إستشار ألملك مجلس الوجهاء ((Assembly of the Notables))  وهو مجلس يتكون من 145 عضواً، فقالوا له إن صاحب الحق الشرعي في فرض الضرائب هو مجلس الطبقات العامة، ثم إستشار المحكمة العليا Partement of Paris  فقالوا له إنه لا يمكنه جمع الضرائب إلا بإشارة مجلس الطبقات. وحينئذ أجريت الإنتخابات في فرنسا لإنتخاب المجلس الجديد، بعد أن أدخل على  المجلس تعديلاً يقضي بجعل عدد ممثلي الطبقة الثالثة 600 شخصاً، مع بقاء عدد ممثلي الطبقتين الأوليتين 300 شخصاً، على أن يكون التصويت بالطبقات أيضاً وتقرر إجتماع المجلس في 5 مايس عام 1789 . واجتمع مجلس الطبقات العاة الجديد، مكونا من 1200 عضوا، والقى الملك خطاب العرش، وطلب منهم تقديم القترحات . ثم طلب الوزير أن يفترق الجمع لتذهب كل طبقة إلى محلها الخاص فرفضوا الإقتراح، ثم أعلن جماعة من ممثلي الطبقتين الأوليتين تنازلهم عن حقوقهم وامتيازاتهم في سبيل الصالح العام، وتأييداً للطبقة الثالثة.

 

ويمكن أن يعزى هذا التأييد إلى عدة عوامل : فسم من ممثلي الطبقتين الأولى والثانية كانوا مقتنعين بفساد الوضع وأنه يحتاج إلى إصلاح، وقسم آخر قالوا بأن الوضع سيتغير فمن الرأي الصائب أو يؤيدوا الطبقة الثالثة ليكونوا زعماء الوضع الجديد . وقسم ثالث كانوا في إقتصاد سيئ رغم كونهم من الطبقة الأولى أو الثانية، فكانوا مستائين من اصحاب اللقب، الاغنياء، فوجدوا في ذلك سبيلاً للانتقام منهم.

 

ثم ان هؤلاء النواب إجتمعوا وأقسموا على أن يخدموا الشعب ويضعوا دستوراً للبلاد. ولما كان الدستور لا يمكن أن يضعه مجلس الطبقات العامة بل الجمعية الوطنية التأسيسية، بدلوا الاسم ليضعوا دستوراً للبلاد ، وهكذا تكونت الجمعية الوطنية التأسيسية وقد بدأت أعمالها في يوم 5 تموز سنة 1789 . هذه الجمعية الوطنية التأسيسية بالذات هي التي أصدرت إعلان حقوق الإنسان والمواطن في يوم 26 آب سنة 1789، بعد أن كانت الثورة الفرنسية قد بدأت بالهجوم على الباستيل في يوم 14 تموز من العام نفسه(1)

 

 

(4)

 

وإليك نص إعلان حقوق الإنسان والمواطن  Decleration of the rights of the man and of citizen  الذي اصدرته الجمعية الوطنية التأسيسية : (( لما رأى نواب الشعب الفرنسي المجتمعون في الجمعية الوطنية، إن ما يترل بالمجتمع من المصائب وفساد الحكومات يرجع إلى جهل حقوق الإنسان أو تناسيها أو إحتقارها قرروا أن يصدروا إعلاناً خطيرا ببيان حقوق الإنسان الطبيعية المقدسة الثابتة، وذلك ليكون هذا الإعلان راسخاً في أذهان بني الإنسان ويذكرهم على الدوام بحقوقهم وواجباتهم، ولكي تقارن أعمال السلطة التشريعية والتنفيذية دائماً مع كل منظمة وبذلك يزداد إحترامها، ولكي تتجه دوماً مطاليب المواطنين المبنية من الآن على مبادءئ واضحة لا جدال فيها نحو صيانة الدستور

__________________________

(1) كل هذه التواريخ مستقاة من محاضرات الدكتور فاضل حسين في التاريخ الحديث


 

وسعادة المجموع، لذلك تقرر الجمعية الوطنية وتعلن امام الكائن الأعظم وبعنايته حقوق الإنسان والمواطن الآتية:

 

1-                          يولد الناس ويظلون أحراراً ومتساوين في الحقوق، لا تمييز ولا تفاضل بينهم إلاّ فيما تقتضيه المصلحة العامة.

2-           الغاية من كل مجتمع إنساني صيانة الحقوق الطبيعية الثابتة للإنسان، تلك الحقوق هي الحرية والتملك والطمأنينة ومقاومة الظلم.

3-                          الأمة مصدر كل سلطة، و لا يجوز لأية جماعة وأي فرد أن يمارس سلطة ليست مستمدة منها.

4-           تقوم الحرية على إمكان عمل كل ما لا يضر بالغير، ولذلك فإن ممارسة الحقوق الطبيعية لكل إنسان لا تقف إلا عند الحد الذي يضمن لبقية أعضاء المجتمع المتمتع بهذه الحقوق نفسها، ويمكن تعيين تلك الحدود بالقانون وحده.

5-           ليس للقانون أن يمنع غير الأعمال المضرة بالهيأة الإجتماعية، ولا يجوز منع أي عمل لم يحضره القانون، ولا يجبر احد على القيام بعمل لم يفرضه القانون.

6-           القانون هو الإعراب عن الإرادة العامة للمجتمع ، ولجميع المواطنين الحق في أن يشتركوا في سنه بأنفسهم أو بواسطة نوابهم. والقانون واحد للجميع في حالتي الحماية وفرض العقوبات ، ولما كان المواطنون سواسية أمام القانون ، فيحق لهم بالتساوي الوصول إلى جميع المناصب والرتب والوظائف العامة بحسب كفاءاتهم، ودون أي تمييز غير فضائلهم ومواهبهم.

7-           لا يجوز إتهام أ؛د أو توقيفه أو حجزه إلاّ في الأحكام المبينة في القانون، وبحسب الإلأجراءات المحددة فيه. ويجب أن يعاقب جميع الذين يطلبون تنفيذ أوامر تعسفية أو يوافقون عليها أو ينذونها أو يأمرون بتنفيذها ، ولكن على كل مواطن يستدعى او يوقف طبقاً للقانون أن يطيع حالاً ويكون مذنباً اذا قاوم.

8-           لا يجوز أن يفرض القانون من العقوبات إلاّ ما هو ضروري ضرورة جازمة وواضحة، ولا يصح عقاب إنسان إلاّ بموجب القوانين الموضوعة والمذاعة قبل إرتكاب الجريمة، والمعمول بها شرعاً.

9-           يعد كل إنسان بريئاً إلى ان تثبت إدانته، واذا اعتقد بضرورة توقيفه فالقانون يمنع تطبيق الإجراءات الشديدة إلاّ ما كان منها ضرورياً لبقائه رهن أمر السلطة .

10-                    لا يجوز إزعاج أحد بسبب آرائه حتى الدينية منها، بشرط ان لا تكون المجاهرة بها مخلة بالأمن الذي قرره القانون.

11- حرية نشر الأفكار والآراء اثمن حقوق الإنسان، فلكل مواطن أن يتكلم ويكتب ويطبع بحرية، على أن يكون مسؤولاً عن إساءة إستعمال هذه الحرية، في الأحوال التي يقررها القانون.

 

12- يستوجب ضمان حقوق الإنسان ولامواطن ، قوة عامة، فهذه القوة تنشأ لمصلحة المجموع لا لمصلحة من توكل إليهم ادارتها.

13- لتأمين نفقات القوة العامة، ونفقات الإدارة، يجب جباية الضرائب العامة، ويجب توزيع الضرائب على كل المواطنين بالسواء كل على حسب طاقته.

14- لجميع المواطنين الحق في ان يتثبتوا بأنفسهم أو بواسطة نوابهم ن ضرورة الضرائب العامة ، وان يقبلوا بها برضاهم، ويراقبوا إنفاقها وبحددوا نسبتها ومقدارها وكيفية جبايتها ومدتها.

15- للهيأة ان تحاسب كل موظف عمومي عن أعماله.

16- كل هيأة إجتماعية لا تكون الحقوق مصونة فيها و لايضمن فصل السلطات ، تعتبر محرومة من الدستور.

17- الملكية الخاصة هي حق مقدس لا ينقض، فلا يجوز ان تنتزع من احد إلا عندما تقضي بذلك المصلحة العامة الثابتة شرعا، وبشرط ان يمنح مقدماً تعويضاً عادلاً.


 

(5)

 

بعد هذه الجولة التأريخية، نستطيع أن نتميز بوضوح ، الحياة السيئة التي عاشتها شعوب اوربا الغربية أعواماً متطاولة من الدهر، كما نستطيع أن نرى كيف أن الفتح الذي أحرزته الفئة المظلومة، لم يرد إلا لمصلحة الطبقة الثالثة التي تعاني انواعاً من الضنك والحرمان.

 

 

وعلينا فيما يلي أن بدأ بمناقشة هذا الإعلان على ضوء تعاليم الدين الإسلامي الحنيف، مستعرضين في ذلك هذا الإعلان مادة مادة، لنستطيع ان نتميز بوضوح الفرق الشاسع بين الإسلام وبين الحقوق التي أثبتها هذا الإعلان، وكيف أن هذا الإعلان يتميز بضيق الأفق وقصر النظر، في حيث يتميز الإسلام بجميع تعاليمه بالعدالة والسعة والخلود. ولأجل أن يكون القارئ على إطلاع مفصل على اثر الروح لابرجوازية في هذا الإعلان، فسنذكر التفسير البرجوازي لكل مادة يمكن ان ينطبق عليها هذا التفسير، وتنص على ما تخلفه تلك الروح من أثر سيء في تعاليم هذا الإعلان ، ثم نتبعه بذكر التعاليم الإسلامية العادلة الخالدة.  


 

ونحن بالطبع لا يهمنا إلا مناقشة هذه المواد السعبة عشر من الإعلان، لأنها هي التي تنص على حقوق الإنسان والمواطن كما تفهمها الطبقة البرجوازية، أما المقدمة فليس فيها ما يجلب الإنتباه، فكان ينبغي أن نهملها، وأن نبدأ بمناقشة المادة الأولى وما بعدها، لولا وجود بعض الملاحظات المختصرة فيها. والتي يمكن إيضاحها في يلي:

 

فقد أدعى أعضاء الجمعية الوطنية الفرنسية الواضعون لهذا الإعلان انهم نواب الشعب الفرنسي، وتلك حيلة إحتالوها على الشعب، لأجل أن يفرضوا آرائهم عليه بأدعاء أنهم ممثلون له، بدون أن يكون للشعب الفرنسي حق المناقشة والإعتراض. قود عرفنا فيما سبق انهم يمثلوا بوضعهم لهذا الإعلان إلاّ الطبيعة البرجوازية، على حين بقيت الأكثرية الساحقة من الشعب الفرنسي ترزح تحت نير الظلم والإستعباد.

 

ومن هنا يتضح جلياً أيضاً أن إدعاءهم في كون هذا الإعلان يتكفل بيان ((حقوق الإنسان الطبيعية المقدسة الثابتة)) إنما هو إدعاء فارغ يقصد منه الخداع والتمويه، وإلا فهو لا يمثل الا مصالح وآراء الطبقة البرجوازية.

 

ومن ناحية ثالثة فإن تعبيرهم عن الله عزوجل بالكائن الأعظم، ناشئ من انهم لا يدركون عن حقيقة وجود الله تعالى إلا أنه كائن أعظم وحسب. وذلك لأنهم لم يكن بإستطاعتهم أن يدركوا الأوصاف التفصيلية التي أضفاها الإسلام على خالق البشر (عز وعلا)، حتى بلغ بصفاته إلى قمة التنزيه والكمال .

 

 

وهذا التعبير قد إستعمله (روبسبير) وجماعته الذين قالوا : إننا نعبد الكائن الأعظم ، وهو وإن كان تعبيراً غامضاً عن الله (جل وعلا)، إلا انه يعبر عن وجهة تجريدية توحيدية في العقيدة الالهية. وهذه العقيدة مخالفة للتعاليم المسيحية الموضوعة التي كانوا يدينون بها، ويعيشون في بيأتها. وما مجاهرتهم بمثل هذا الرأي إلا للبداهة العقلية الفكرية التي يتميز بها وجود الله (عزوجل) ويتمثل فيها توحيده. مفضلين إتباع الحق على التقليد الأعمى للتقاليد المسيحية. تعضدهم بذلك روح التمرد والثورة التي إتصفوا بها.

 

وسنبدأ فيما يلي بمناقشة الإعلان الفرنسي لحقوق الإنسان والمواطن، مادة مادة، على نفس النهج الذي ذكرناه آنفاً، راجين من الله حسن التوفيق، ومنك أن تتابع المناقشة إلى نهايتها بقلب رحب يعمره الحق والإنصاف، وعسى أن اكون بعد ذلك قد حزت شيئاً من رضاك وقناعتك، لأكون قد اسديت لك وإلى الإسلام خدمة متواضعة أردو من الله العلي العظيم أن يجعلها قربة لوجهة الكريم، انه على ما يشاء قدير وبالإجابة جدير.


 

(6)

 

المادة الأولى : يولد الناس ويظلون أحراراً ومتساوين ف يالحقوق، لا تمييز بينهم ولا تفاضل، إلاّ فيما تقتضيه المصلحة العامة. إن التأكيد على الحرية والتساوي في الحقوق في صدر هذه المادة منقول عن كتاب (روسو)، مما يدل على ان واضعي المادة كانوا متأيرين به. أما بالنسبة إلى عدم التفاضل بين المواطنين إلا فيما تقتضيه المصلحة العامة، فالمصلحة العامة تقتضي تقديرم البرجوازيين على من دونهم من العمال والفرحين، لأن الطبقة البرجوازية وحدها هي التي كانت تتمتع بالثقافة والوعي السياسي، ومن ثم تستطيع إدارة دفة الحكم في البلاد، ومن هنا نعرف أو واضعي هذا الإعلان انما يعنون بالمصلحة العامة، المصلحة البرجوازية، من حيث يعلمون أو لا يعلمون .

 

أما بالنسبة إلى رأي الإسلام فيما إحتوته هذه المادة، فينبغي أولاً ان نقسمها إلى أقسام ثلاثة:

 

ينص القسم الأول على الحرية، وينص القسم الثان يعلى التساوي بين المواطنين ، وينص القسم الثالث على أن التساوي يقف عندما لا تقتضبه المصلحة العامة . وذلك ليتيسر لنا أن ننظر إلى رأي افسلام بوضوح في كل قسم من هذه الأقسام.

 

أما قولهم (يولد الناس ويظلون أحرارا)) فالحرية هنا مجملة يمكن ان يراد بها حرية التصرف وابداء الراي ويمكن اي يراد بها الحرية في مقابل مل كالإنسان للإنسان . والاحتمال الأول وان كان مرجحاً إلا انه من المحتمل انهم يريدون بالحرية تلك الحرية النائية من الولادة، وليست تلك الحرية الا إمتلاك ما كان في قبال ملك الانسان للانسان.

 

أما حرية التصرف وإبداء الرأي، فالإسلام انما يقرها في حدود معينة. مستقاة من وجهة نظره الخاصة ، ولم يكن من الممكن ان يبيح الحرية المطلقة الخارجة من كل قيد وشرط ، لما يترتب عليها من التفسخ والفساد واضمحلال الأخلاق وإعتداء الإنسان على الإنسان ، كما أن سائر القوانين لم تجز هذه الحرية بمعناها المطلق، بل وضعتها في حدود معينة مستاة من وجهة نظرها وفلسفتها الخاصة.

 

وإذا كان لا بد من تقييد الحرية المطلقة لأجل حفظ النظام وإستتباب الأمن وسيادة القانون. فالمشرع الحاذق هو الذي يضع الحدود عليها بأحسن شكل، يمكن به تجنب مساويها، وليس هو المشرع الذي يضع أقل كمية من الحدود، وكذلك فعل الإسلام في تشريعه الحكيم لمجتمعات العالم  فالإسلام ذلك الدين القيم الذي أنزل إلى البشر ليخرجهم من الظلمات إلى النور ويهديهم إلى الصراط المستقيم. قد وضع الحدود على الحرية بشكل يمنع الانسان من الفساد، ويترهه عن الموبقات، ويسمو به في درجات العدالة والكمال. فهو انما يبيحها في حدود من تعاليمه الدينية والواجبات الاخلاقية، وعدم الإعتداء على حقوق الآخرين. وسوف نستوفي البحث حول سائر جهات الموضوع عند تكرر التأكيد على الحرية في هذا الإعلان، وخاصة في المادة الرابعة والحادية عشر منه . إنشاء الله تعالى.

 

أما رأي الإسلام في الأرقاء والعبيد، فهو باب متشعب الأطراف يمكن ان نلخص منه شيئاً لنعرف كيف ان الإسلام وان أجاز الرق إلا أنه حث على العتق كثيراً، وأوجبه في بعض الأحيان ، ولم يعترف بالرق إلا في الحالات التي يكون فيها الإسترقاق أفضل الحلول.

 

فالدستور الإسلامي لم يجز استعباد الفرد إلا لأحد سببين أولهما إذا وقع اسيراً بيد الجيش الإسلامي الفاتح، واختار الحاكم الشرعي إستعباده من أحد خصال ثلاث، فإنه امّا ان يطلق الأسير، وامّا ان يفتديه، وامّا ان يستعبده، وليس له أن يقتله على الإطلاق والحاكم الشرعي، وهو الإمام العصوم المتره عن الخطأ والزلل، أمين الله في أرضه وحجته على عباده، لن يختار إلاّ ما فيه صالح المسلمين والأسرى ، فإن رأى من صالحهم أن يستعبده إستعبده، وإلاّ أطلقه أو إفتداه.

 

والسبب الثاني للإسترقاق وهو أن يولد الفرد من أبوين مملوكين لم يتحرر منهما شيء، فإن ولد المولود من أبوين وكان أحدهما حراً إن المولود يتبع أشرف النسبين وهو الحرية.

 

اما طرق الإسلام إلى العتق فهي كثيرة، نذكر منها على وجه الاختصار:

 

1-                          المكاتبة : وهو ان يعاقد السيد عبده على انه اذا جاءه بكمية معينة من المال في مدة معينة فهو حر.

2-                          التدبير : وهو أن يقول المولى لعبده أنت حر بعد وفاتي، فيتحرر بعد وفاته.

3-                          يتحرر العبد إذا نكل به مولاه، او اذا اقعد او اصيب بالجذام أو العمى.

4-           يتحرر العبد، اذا اشتراه ابنه، او ابنته، او احد ابويه، او احد اجداده، أو أحفاده، فان الشخص لا يملك – في شريعة الاسلام – اولاده وإن نزلوا، ولا آباءه وإن علوا.

5-           تتحرر الجارية إذا أصبحت ام ولد، فان الولد يكون حراً، لأنه يتبع اشرف الشجرتين، ثم هو يرث امه بعد وفاة ابيه ، فتنعتق من نصيبه  من الإرث ، لانه لا يملك امه. وهي في اثناء حياة سيدها يحرم بيعها، لانها متشبثة بالحرية.

6-           وهناك عدة المحرمات الإسلامية التي اذا ارتكبها لافرد فإنه يجب ان يعتق عبداً كفارة له عن عصيانه لأوامر الإسلام كالظهار، وقتل الخطأ ، وافطار يوم من شهر رمضان.

وهناك فوق ذلك كله هذا النداء العام الذي وجهة الإسلام إلى الناس لعتق أرقائهم ولارحمة بهم، وما وضع عليه من الثواب العظيم والحصول على رضاء الله (عزوجل) الذي هو الهدف الأعلى لكل مسلم في إسلامه. قال نبينا صلى اله عليه وآله(( من أعتق مؤمناً، أعتق الله العزيز الجبار، بكل عضو من عضوا من النار))(1) وقال أيضاً (صلى الهل عليه وآله وسلم) : ((من اعتق رقبة مؤمنة كانت فداءه من النار))(2).

 

ومن هنها يتبين ان الإسلام دين حرية للعبيد وليس دين رق ولا استعباد كما يريد ان يؤكد عليه المغرضون من دعاة الالحاد.

 

أما بالنسبة إلى مبدأ تساوي المواطنين بالحقوق والواجبات فهو مما أكد عليه الإسلام ونزل به القرآن، قال اله (عزوجل) : في كتابه الحكيم ((من يعمل سوءاً يجز به ولا يجد له من دون الله وليا

________________

(1)                        تهذي الأحكام ج8ص216

(2)                        عوالي اللآلي ج3ص421


 

ولا نصيرا، ومن يعمل من الصالحات  من ذكر أو انثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا))(1)  فالمواطنون سواسية أمام القانون الإسلامي الخالد، يجزي كلا منهم بإحسانه وبذنوبه عقاباً من دوم تمييز ولا تفضيل.

 

بل إن الاسلام بنظره الثاقب وعدالته المستقيمة ليذهب في المساواى إلى أبعد من ذلك. فالحاكم كما يجب أن يطبق القانون على المواطنين بالسوية وبدون أي تمييز، فإنه أيضاً يجب عليه ان يخضع نفسه وخاصة أهله وأصدقائه ، فضلاً عن سائر معارفه ومتعلقيه، للقانون نفسه، فيخضع الظالم منهم للمظلوم من غيرهم، وإلا كان ظالما مجحفاً بحق الآخرين. وذلك كما قال سيدنا وملانا أمير المؤمنين وسيد الوصيين (عليه الصلاة والسلام) في عهده لمالك الاشتر النخعي عندما ولاه مصر: ((أنصف الناس من نفسك ومن خاصة أهلك وم لك فيه هوى من رعيتك، فإنك غلا تفعل تظلم، ومن ظلم عباد الله كان الله خصمه دون عباده، ومن خاصمه الله أدحض حجته، وكان لله حرباً حتى ينزع أو يتوب))(2).

 

بل أن رئيس الدولة الإسلامية خاضع إلى قانون المساواة ، المساواة اما العدالة والمساواة في الحالة ألإقتصادية ، بل انه أولى من سائر الشعب

______________________

(1)                        النساء آية (123 – 124)

(2)                        نهج البلاغة ص428


 

بذلك وأجدر، لأنه مثل أعلى للشعب من ناحية فيجب أن يتعلمون منه الخصال الحميدة العالية، وهو من ناحية اخرى رئيس للدولة، فيجب ان يشعر مثل هذ1 الشخص بآمال وآلام شعبه، ويعيش حالته الإقتصادية كأقل فرد  في الشعب لئلا ينسى حالة الفقراء والمعوزين والمظلومين، ولئلا تبطره النعمة فيستسلم إلى عالم الأحلام. ولقد كان سيد الأوصياء أمير المؤمني (عليه السلام) مثلاً رائعاً في ذلك حين نراه يقول : (( ولو شئت لاهتديت الطريق إلىمصفى هذا العسل ولباب هذا القمح ، ونسائج هذا القز. ولكن هيهات ان يغلبني هواي ويودني جشعي إلى تخير الأطعمة، ولعل بالحجاز او اليمامة من لا طمع له في القرص، و لاعهد له بالشبع، أو أبيت مبطانا وحولي بطون غرثى واكباد حرى، او أكون كما قال القائل :

 

وحسبك داء ان تبيت ببطنه               وحولك اكباد تحن إلى القد

 

أاقنع من نفسي بأن يقال هذا امير المؤمنين، و لا أشاركهم في مكاره الدهر، أو أ:ون أسوة لهم في جشوبة العيش))(1).

 

السلام عليك يا سيدي ومولاي يا امير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، لقد ضربت بكلماتك السامية مثلاً إسلامياً رائعاً في العدالة والمساواة، وعرفت

_________________________

(1) نهج البلاغة ص418


 

البشر كيف يجب ان يعيشوا، وكيف يجب ان يسلكوا حتى يحيوا متحابين متآلفين تسودهم العدالة، ويرفرف فوق رؤوسهم الرفاه والسلام.

 

اما بالنسبة إلى إيقاف المساواة بين المواطنين عند معارضتها بالمصلحة العام، فهو أمر صحيح بالنسبة إلى الإسلام في حدود معينة. فإن الاسلام الذي نشر تعاليمه لأجل المصلحة العامة، ولاجل ان يرقى بالبشر إلى الكمال، ليقدم الشخص الكفوء الذي يخدم شعبه ووطنه ودينه ويصلح للادارة وتصريف الأمور على الشخص الخامل الفاسق، فإن ذلك داخل في الحقيقة ضم المصلحة العامة، وغ، كان يظهر بمظهر تقديم الفرد. ولكننا يجب أن نفهم أولاً من هو الفرد الكفوء بحسب وجهة النظر الإسلامية لنحكم ما إذا كان تقديمه موافقاً حقا للمصلحة العامة أو لا.

 

أن الفرد الكفوء في الإسلام ليس هو الرجوازي الطامع في إكتساب المال، المندفع وراء مصالحة وأهوائه، بل إن معايير الكمال في الفرد المسلم هي العلم والتقوى والجهاد، قال اله (عزوجل) في كتابه العزيز ((هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون))(1) وقال : ((ان العاقبة للمتقين))(2) وقال : (( وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجراً عظيما))(3) .  كل هذه الأمور صفات نفسية روحية عالية ، وهي اولى

___________________

(1)                        الزمر آية  (39).

(2)                        هود آية (49).

(3)                        النساء آية (95)


 

بأن تسعى بصاحبها نحو الكمال من الصفات المادية الرخيصة، من الطمع في العرض الزائل، والتكالب على المتاع الدنيء. وهو إلى جانب ذلك يأخذ حصافة الرأي ، ودقة النظر، والقدره  على الإرادة وغيرها من الصفات في جملة المميزات للموظف في الدولة الإسلامية. ومثل هذا الموظف يستحق التقديم، ويكون – بالتأكيد – تقديمه في الصالح الحقيقي للشعب ، بخلاف تقديم البرجوازي الطامع في توسيع أملاكه والظالم للعمال والفلاحين.

 

 

(7)

 

المادة الثانية : الغاية من كل مجتمع إنساني صيانة الحقوق الطبيعية الثابتة للانسان ، تلك الحقوق هي الحرية والتملك والطمأنينة ومقاومة الظلم . تتجلى المصلحة البرجوازية في هذه المادة أيضاً بشكل واضح، فإنهم إنما أثبتوا لأنفسهم هذه الحقوق، وجعلوها الغاية في كل مجتمع إنساني، لأجل ان يضمنوا مصالحهم البرجوازية، ويطمئنوا على سعة تجارتهم وصناعتهم . فهم انما يقصدون بالحرية حرية التجارة والصناعة والتوسع بها على أكبر نطاق مستطاع، بدون ان تتدخل القوانين أو السلطات الحكومية في الحد من غلوائها، وإيقاف جماحها عند الحد العادل المعقول. كما انهم يقصدون بالحرية من ناحية أخرى ان يكون لهم الحق في تشغيل العمال اكبر عدد ممكن من الساعات في اليوم، وان يكون لهم الحق أيضاً في إعطائه أي كمية من المال شاءه لهم هواهم، بدون أن يكون للعامل أو حتى القانون أو السلطات الحكومية أي حق في فرض أي قيد على هذه الدكتاتورية الرأسمالية.

 

ولعلنا لا ننسى في هذا الصدد أن القوانين في بلادهم موضوعة من قبلهم فهي ليست إلاّ صدى لمصالحهم وأهوائهم ، ورجال الحكومة ليسوا إلاّ افراد منهم، ومن ثم فليس هناك أي خطر علىالتوسع البرجوازي ، ولا يبقى لهذا العامل المسكين أي ناصر أو معين.

 

 

أما بالنسبة إلى الحقوق الثلاث فالتملك واضح الأهمية بالنسبة إلى المصالح البرجوازية، لإنه داخل في صميم وجهة نظرهم الإقتصادية وذلك بالنسبة إلى الطمانينة، ويقصدون بها إلا يكون في البلاد قلاقل وإضطرابات ، لأجل ان تزدهر التجارة ولاصناعةفي ربوع الأمن والسلام. كم اأنهم يقصدون من مقاومة الظلم، ومقاومة الإقطاع من ناحية، ذلك الإقطاع الذي ذاقوا منه الظلم والتعسف مدة قرون طويلة، كما يقصدون من ناحية أخرى مقاومة من يتدخل في شؤونهم التجارية والصناعية ، ويحاول كفكفتها والحد من توسعها المفرط.


 

 

اما الإسلام ذلك الدين القيم الذي يسعى بالبشرية نحو الكمال والرقي والسعادة، فإنه لم يقتصر على هذه الحقوق فقط، فإن هذه الحقوق وحدها أقل شأناً وأضعف خطراً من أن تخدم الإنسانية بجميع وجوه سلوكها وعلاقاتها، حتى وإن أولت هذه الحقوق تأويلاً صحيحاً وصرفت عن تفسيرها البرجوازي، لأنها ليست إلاّ أربع حقوق! في حين إننا نجد الإسلام قد جعل طائفة كبيرة من الحقوق لكل واحد تجاه الآخرين، وذلك ليضمن سيادة الأخلاق والفضيلة في ربوع المجتمع، ولترفرف عليه ألوية السعادة والرفاه.

 

ويمكن ان نرجع في استعراض هذه الحقوق الإسلامية إلى رسال الحقوق التي أملاها الإمام زين العابدين وسيد الساجدين علي بن الحسين (عليه أفضل التحية ولاسلام)، لنرى الأوج السامي الذي بلغته التعاليم الإسلامية في تحديد العلاقات الإنسانية ، والزامها بأفضل الصفات وأنبلها، فقد حددت تلك الرسالة حقوقاً وآدابا لعلاقة الإنسان بربه، وعلاقته بنفسه وأفعاله، وعلاقته بغيره سواء كان هذا الغيرحاكماً أو محكوماً، معلماً او تلميذا ، زوجاً أو زوجة ، والدا أو والدة، بنتاً أو ولدا، بعيدا او قريبا، وسواء كان ذلك الغير جاراً او صاحبا، شريكا أو غريماً، مشيرا أو مستشيرا، سائلا أو مسؤولاً، صغيرا او كبيرا، إلى آخر ما فيها من تفاصيل، وقد اثبتت لكل هؤلاء حقوقاً ونصحتهم بنصائح، لو اتبعوها لكانوا في اعلى مراقي السعادة والكمال . فمن المستحسن لك ان تراجعها لكي تحصل على كتر إسلامي ثمين.

 

اما بالنسبة إلى رأي الإسلام في هذه الحقوق الأربعة التي أثبتها واضعو هذا الإعلان، وجعلوها طبيعية ثابتة للإنسان ، إنه قد مضى شيء م الكلام حول الحرية، وسيأتي ما يفي بحق المووضع اما بالنسبة إلى التملك فسيأتي الكلام حوله في المادة الساعبة عشر إنشاء الله تعالى.

 

واما الطمأنينة فهي تعني السلام الذي رأينا كم دعاة الإلحاد من الشيوعيين يطلبون له ويزمرون به في سبيل ترويج دعوتهم الحمراء، ويجعلون دعوتهم إليه مقرونة مع الخروج على الدين والتمرد على تعاليمه الإسلامية الخالدة، كأنهم لم يعلموا أنه ليس ف يالعالم جاهل او مجنون فضلاً عن العاقل المفكر من يود الحرب وإراقة الدماء، فإن حب النفس والركن إلى الأمن والطمانينة غريزة من الغرائز المتأصلة في النفس الإنسانية، وانه ليس ادعى للهلع والذعر للقلب الإنساني من منظر القتل والحروب.

 

والدين الإسلامي من الموافقين على أساس هذه الفكرة، فكما إن حفظ النفوس وسعة التجارة والصناعة لا يتمان إلا في جو من الأمن والسلام، فكذلك لا يمكن انتطاع التعاليم الدينية او ان يقوم الإنسان  الشرعية ، او ان يتعلم من العلوم التي حث عليها الإسلام، او يقوم بصلة أقربائه وأصدقائه، تلك الصلة التي دعى لها الإسلام ووضع لها النظم والنصائح الثمينة، ولا ان تنفذ سائر التعلايم الإسلامية على وجهها الصحيح ، إلا في ظل من السلام والوئام.

 

إلا إن الاسلام ابعد نظراً واعمق تفكيراً من ان يدعو إلى السلام على كل حال ، وان اعتدى على الامة المعتدون ، ونال منها النائلون ، وتعرض دينهم الحنيف إلى الخطر الشديد، بل إن هذا الأمر من الوضوح بحيث لا يحتاج إلى أي تفكير، وهو مما توافق عليه سائر الأنظمة في العالم بالنسبة إلىحماية أنفسها، وحتى هؤلاء الدعاة الملحدون . فإن الدفاع عن النفس حق مقدس ناشئ عن حب الإنسان لنفسه، ذلك الحب الذي هو غريزة متأصلة في نفس الإنسان.

 

ومن هنا تتضح وجهة النظر الإسلامية بالنسبة إلى مقاومة الظلم الذي يرجع في الواقع إلى حق الدفاع عن النفس، وهو حق معترف به في الإسلام.


 

المادة الثالثة : الأمة مصدر كل سلطة و لا يجوز لأي جماعة او أي فرد ان يمارس سلطة ليست مستمدة منها.

 

هذه المادة هي من اكبر ركائز الفكر الحديث، حيث تنص على الإسلوب الديمقراطي للحكم، وتوجب ان يصدر القانون عن الامة او عن ممثليها، و لايجوز ان يفرض على الامة فرضاً.

 

ولكن هذا مما يتم مع تمامية احد الأمرين ، احدهما : صرف النظر عن التعاليم الدينية . وثانيهما : خشية فرض القوانين على الامة بصوةر تعسفية ظالمة. وحينئذ لا يبقى مجال إلاّ لأن تعمل هذه القاعدة عملها ، وإلاّ لأن تعمل هذه القاعدة عملها، وإلاّ ذاقت الآمة الظلم والحرمان.

 

ولكن الدين الإسلامي الوارد من المصدر الإلهي العام بخصائص البشر والمطلع على سرائرهم، والعلم بمشاكلهم وآمخالهم وآلامهم ، والعارف بما يحقق تلك الآمال، ويحل تل كالمشاكل ويرفع تلك الآلام . هذا الدين الإلهي الحنيف لا يعترف بهذه القاعدة لأنه ليس في حاجة إليها، بعد إعتضاده بالقوة الإلهية السرمدية.


 

بالإضافة إلى القوانين التي تضعها الأمة لن تكون – حتى في حالات الديمقراطية المثالية – خيراً من القوانين الإلهية التي أنزلها الله تعالى للبشر في سبيل سعادتهم ورقيهم نحو الكمال، لأن العقل البشري قاصر عن ان يدرك مصالحة الحقيقية وكمالاته النفسية، وخاصة بعد أن أحاطته عدة أغشية من الغرائز ، والإنفعالات والمصالح التي تطمس أمامه الطريق الصحيح إلى الحق، ومن المحال على المرء أن يتجرد من صفاته الفردية، كما ينص على ذلك علماء النفس، مهما أوتي من موضوعية ودقة تفكير.

 

هذا بالنسبة إلى الفرد، فكيف بالنسبة إلى الجماعة، حيث تكون العقول مختلفة والآراء متضاربة والإعتبارات متباينة، مما يجعل القانون مزيجاً عجيباً من هذه الآراء وهذه العقول. بالإضافة إلى باقي المشاكل الإجتماعية من تشعب وتعقيد بضمنها بعض الإعتبارات النفسية والفكرية والعاطفية للشعب، والتي قد تخفى أكثرها على واضعي القانون.

 

ومن هنا نجد ان القوانين الوضعية غير قابلة لأن تعمر طويلاً ولا يمكنها أن تثبت للزمن، فسرعان ما يبدو خللها وتحتاج إلى إصلاح، ثم يحتاج الإصلاح إلى إصلاح. وهلم جرا.... هذا بالإضافة إلى منا في الدين من قيم واعتبارات لم يكن ليدركها البشر لولا تعاليم الدين نفسه، فمنها الجزاء على الإحسان برضاء الله (عزوجل) والجنة. والمجازات على الإساءة بغضبه (عز أسمه) والنار. وكيف يمكن أن تؤخذ هذه الأمور بنظر الإعتبار من قبل واضعي القانون مع غض النظر عن الدين؟ مع إنها ثابتة بثبوت العقيدة الدينية.

 

اما ما يمكن أن يؤهم بذلك من آيات القرآن العزيز، فآيتان : هما قوله عز من قائل : ((فبما رحمة من الله لنت لهم، ولو كنت فظاً غليط القلب لانفضوا من حولك، فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر، فإذا عزمت فتوكل على الله ان الله يحب المتوكلين))(1) وقوله عزوجل : ((والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم، ومما رزقناهم ينقفون))(2)  وكلا هاتين الآيتين واردتان في موارد التعاليم الأخلاقية، والنصائح الإ<تماعية التي تحث الأصدقاء على أن يتشاوروا فيما بينهم لئلا يستبد فرد منهم برأية فيفشل في حياته وهما غير متعرضتين على الإطلاق لمسألة التشاور لأجل التشريع وسن القوانين.

 

_____________________

(1)                        آل عمران آية (159).

(2)                        الشورى آية (38).


 

اما بالنسبة إلى الآية الأولى فإن في سياقها دلالة صريحة على أن هذا التشاور بين النبي (صلى الله عليه وآله) وبين المسلمين ليس إلا للألفة وزرع الوفاق بينهم وبين قائدهم العظيم، ولأجل إستئناسهم وتطيب نفوسهم، وأخذ آرائهم في الأمور الجزئية التي قد يقوم بها النبي (صلى الهل عليه وآله)، ليتم تنفيذها، عن رضاهم وطيب قلوبهم. وهذا هو المعنى المناسب للعفو عنهم والإستغفار لهم.

 

أما القوانين العامة والتشريعات الأساسية فليس في الآية أي تعرض لها، ولا يمكن أن يكون ذلك، لأن القرآن نفسه نازل من قبل الله تعالى الذي له النهي والأمر، وهو مملوء بالأوامر والنواهي التي يقصد بها حفظ مصالح المجتمع الإسلامي، ولا يقصد أخذ رأي الأمة في ذلك بقليل ولا كثير. ولم يرد تاريخياً أن النبي (صلى الله عليه وآله) إستشار اصحابه في هذه التعاليم الإسلامية في يوم من الأيام. بالإضافة إلى أن هناك آية صريحة على خلاف ذلك، وهو قوله عزوجل : (( وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً ان يكون لهم الخيرة من أمرهم، ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا))(1).

 

أا الآية الثانية فهي أيضاً تدل على أنها من باب تشاور الأصدقاء، والمداولة بينهم حول أمورهم الخاصة، لا لأجل سن القوانين حيث

___________________

(1) الآحزاب آية (36)


 

مدحهم الله عزوجل: ((الذين استجابوا لربهم وأقاموا لاصلاة وأمرهم شورى بينهم))(1) أي أن الفرد منهم لا يبت بأمر من أموره إلا بعد مشاورة أصدقائه وإخوانه في الدين، لأجل أن لا تزل قدمه في حل مشاكل حياته، فيكون التشاور، بذلك، مستمراً بين المسلمين، و لا يعني ذلك بحال من الأحوال إجراء إستفتاء شعبي لإقرار أو رفض قانون من القوانين.

 

بل أن هذه الآية النانية قد فسرت بعكس ذلك، فقد ذكر في تفسيرها أن معنى الآية أنه ينبغي للمسلمين أن يشاوروا الإمام (عليه السلام) فيما يحتاجون إليه من أمر دينهم كما قال الله (عزوجل) : ((ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم))(2)

 

والمشورة في الأمور المعاشية والحياتية الإعتيادية أمر مستحسن في الشريعة ألإسلامية ، وهذا ما قد حثت عليه هاتان الآيتان، وذلك لأن الفرد العادي قد يمكن ان لا يهتدي إلى الطريق الصحيح ، أ, أن تخفى عنه جوانب من أموره ، فيستعين بعقول أخرى لأجل مساعدته في حل مشاكله وتسوية أموره. وفي ذلك يقول أمير المؤمنين (عليه السلام) كما في نهج البلاغة : ((من استبد برأيه هلك ، ومن شاور

 

 

______________________________

(1)                        الشورى آية (38).

(2)                        تفسير الصافي للفيض الكاشاتي ص518 ج2


 

الرجال شاركها في عقولها)) وقال (عليه افضل التحية والسلام) : ((والإستشارة عين الهداية، وقد خاطر من استغنى برأيه)). وقد ورد عن نبي الإسلام (صلى الله عليه وآله) : ((ما من رجل يشاور أحداً إلا هدي إلى الرشد))(1) .

 

ولكن ذلك لا يعني على الإطلاق أن يكون القانون الإلهي الإسلامي عرضة للتحوير والتطوير بيد آراء بشرية قاصرة ، وأهواء طائشة.

 

ومن هنا يتضح مناقشة القسم الثاني من المادة وهو أنه (( لا يجوز لأي جماعة أو  فرد أن يمارس سلطة ليست مستمدة منها)) فإن مثل هذا الفرد إنما يكون مستحقاً للعقاب إذا نفذ على الأمة قوانينا تعسفية ظالمة، لا فيما إذا نفذ في صالحهم القانون الإلهي الحكيم.

 

(9)

 المادة الرابعة : تقوم الحرية على إمكان عمل كل ما لا يضر بالغير، ولذلك فإن ممارسة الحقوق الطبيعية لكل إنسان لا تقف إلاّ عند الحد الذي يضمن لبقية أعضاء المجتمع بهذه الحقوق نفسها، ويمكن تعيين تلك الحدود بالقانون وحده.

__________________________

(1) نفس المصدر السابق


 

تتكفل هذه المادة تعريف الحرية، ثم تبين الحد الفاصل الذي تنتهي به حرية الفرد لتبدأ حرية الآخرين. وأنما يوضع هذا الحد بواسطة القانون وحده، دون أية قوة أخرى. والبرجوازيون هم الذين يضعون القانون ويفسرونه، وهم أصحاب المصلحة فيه. إذا فهم الذين يقررون هذا الحد الذي يضمن لبقية أعضاء المجتمع التمتع بالحقوق. ومن هنا نرى انه من الحرية بالنسبة إلى مصالح الرجل البرجوازي تشغيل العال 14 ساعة في اليوم، وإعطائهم أقل ما يمكن من الأجر، ومن حرية العامل أن يذهب في الليل إلى كوخه وينام، ثم يستأنف العمل المضني قبل طلوع الشمس. وعليه فإننا نفهم من ذلك، كما سبق أن أكدناه، إن الطبقة البرجوازية تضع القانون، وحتى هذا الإعلان على حسب مصالحها وبمقدار وعيها السياسي.

 

والقاعدة التي تقررها هذه المادة، قاعدة صحيحة م ع صرف النظر عن التفسير البرجوازي لها، فإن ذلك مما يقتضيه الأمن اوالنظام، بل مما تقتضيه الحرية نفسها، فإن معنى الحرية بالنسبة إلى الفرد هو أن يقول ويفعل ما يشاء، وكذلك فإن الحرية تعني أيضاً توفر هذا المبدأ نفسه بالنسبة إلى الجميع، ومن هنا تتصادم مصالح الأفراد وحرياتهم ، مما يضطر المشرع إلى وضع الحدود والسدود أمام الحرية ليسود الأمن ويستتب النظام، وذلك بتقييد حرية كل فرد بما لا تتعارض وحرية الآخرين.


 

ومن ذلك نفهم أن هذه القاعدة قاعدة صحيحة ولا بد من تشريعها في المجتمعات الإنسانية، ولكن هذه القاعدة لا تعني إلا تقييد الحرية ووضع السدود أمامها. وليس الإدعاء بأنها قاعدة إيجابية بالنسبة إلى الحرية، الا إدعاءا فارغاً لا معنى له. نعم هي قاعدة إيجابية بالنسبة إلى الأمن والنظام والأخلاق.

 

وحيث عرفنا أن المجتمع لا يمكن ان تتيسر الحياة فيه إلاّ في ضمن قيود وآداب تحدد سلوكه، وتضبط أقواله وأفعاله، فالمشرع الحاذق – كما سبق أن أشرنا إليه في مناقشة المادة الأولى – وهو الذي يضع هذه الحدود بالشكل العادل الذي يضمن به أكبر قدر ممكن من الوفاق والؤئام، وليس هو المشرع الذي يقتصر على أقل قدر ممكن من القيود، لأن في هذا الإقتصار أخطاراً ومحاذير تنتج أموراً فاسدة ومضرة بالمجتمع، تلك المفاسد التي لا تزال الإنسانية تنوء بثقلها إلى الآن في أكثر المجتمعات البشرية.

 

 

ومن هنا نرى الإسلام لم يكتف بوضع هذا القيد وحده على الحرية، لأنه رأى بثاقب نظره أنه غير كاف لتهذيب الفرد وصقل نفسه وسلوكه، فليس من الحكمة أن يطلق عنان الفرد في خلال عدم مساسه بحقوق الآخرين، فإن ثمت أفعالاً يقوم بها الفرد وليس فيها أي إعتداء على حقوق الآخرين ، في حين أن لها النصيب الأوفر في التأثير السيء على تهذيب الفرد وصفاء نفسه وجمال سلوكه. بالإضافة إلى ما يمكن أن تخلفه من آثار سيئة في الناحية العقلية أو النفسية أو الجسمية من كيانه الشخصي.

 

بل إن هناك أفعالاً واقوالا، يمكن ان يقوم بها الإنسان، فيدخل الراحة والسرور على صاحبه من الناحية الحسية المادية كالإجتماع على الفاحسة او سماع الغناء، فإن لها آثاراً روحية تسبب غضب الله عزوجل على الفرد ، وتعرضه لعذابه الأليم، وإنما حرمت لأجل مصالح كثيرة ليس هنا موضع سردها، وأوضحها أنها سوف تكون داءاً إجتماعياً وبيلا على تقدير تفشيها وإنتشارها.

 

ومن هنا فإن الدين الإسلامي الحنيف قيد الحرية بأن لا يخرج الفرد بواسطتها على تعاليمه، فيشمل ذلك ما يكون اعتداءاً على حقوق الآخرين، او مشاكة على إثم وعدوان، كما يشمل عصيان الأوامر الفردية التي وجهها إلى الناس والتي  لا يبدو لها في بادىء الرأي أي اثر إجتماعي، وهي الأمور العبادية التي يقوم بها لافرد بينه وبين ربه. مع العلم أن لها في المدى البعيد آثاراً إجتماعية واسعة النطاق، فإن في الحج وصلاة الجماعة وحفظ مظاهر الصيام في شهر رمضان آثاراً إجتماعية كبيرة كما هو واضح، وكذلك فإن الصلاة التي يصليها الفرد في داره، لها الأثر الكبير – كما ثبت في محله من تعاليم الإسلام – في صقل خلق الفرد وتجريده من روح الغضب والحقد والحسد، وجعله شخصاً مهذباً يطفح وجهه بالإشراق، وأفعاله بالأدب الجم والسيرة الحسنة، وذلك لمدى الأثر الروحي الذي تخلفه العبادة في الشخص الذي يؤدي عبادته بإيمان وإخلاص.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ومما ينبغي ملاحظته أن الفعل الذي يكون فيه إعتداء على الآخرين إنما يحرم في الشريعة الإسلامية، إذا كان ظلماً وتعسفاً، ولكن هناك بعض الأفعال التي لا تعد في نظر العقل ظلماً، وهي مع ذلك يمكن أن يصدق عليها الإعتداء على الآخرين، ومثل هذه الأفعال ليست محرمة في الشريعة الإسلامية، ويمكن أن يمثل على ذلك بأمرين:-

1- ما نجده في الأسواق التجارية من المنافسة بين التجار، فإنه لا إشكال بأن التاجر لا يرتاح إذا جاء تاجر آخر ببضاعة مشابهة إلى بضاعته، لما سوف يصيبه من الكساد، ولو كان مستطيعاً أن يمنعه لمنعه بما أوتي من قوة وطول. ولكن ذلك لا يعني على الإطلاق أنه لا ينبغي لتاجر أن يؤذي عواطف إخوانه من هذه الناحية، فإن ذلك جائز عرفاً وشرعاً فإن لكل شخص ان يبيع وأن يشتري ما يشاء(1).

وكذلك بالنسبة إلى المنافسة في التقدم العلمي، فإن حسد الحاسدين من المتخلفين الذين لا يستطيعون التفهم الصحيح لمحتويات العلوم، لا يعني

__________________________

(1) انظرهذا الحكم في (محاضرات في الفقه الجعفري) تقريرات بحث السيد الخوئي ادام الله ظله ص165.


 

على الإطلاق أن يترك المجد المتقدم في هذا المضمار إجتهاده وتقدمه في سبيل إرضاء أولئك الحاسدين.

2- العقوبات التي يفرضها الإسلام على العاصين لأوامره والخارجين على حقوق الآخرين. فإن هذا العقاب وإن كان مؤلماً لهم، إلا أنه في صالح الهيأة الإ<تماعية، من حيث كونه ردعاً للآخرين عن السقوط في هذا المهوى الوضيغ، بل وفي صالحهم أيضاً من حيث كونه تطهيراً لهم مما إرتكبوا، وردعاً لهم عن السقوط مرة أخرى في حضيض الجريمة . ومن هنا كان القيام بمعاقبة مثل هؤلاء شيئا حسنا يرضاه الإسلام ويثيب عليه.

 

بعد هذه الجولة في وجهة النظر الإسلامية في الحرية، يمكننا أن نميز كيف أن القانون الإسلامي وضع الحدود على الحرية بشكل عادل يكفل به سعادة البشر ورفاههم، وسيادة المحبة والوئام بينهم بشكل يرقى بهم إلى الكمال والخلود.

 

ثم إن الفرد بعد تقيده بتعاليم دينه القويم، أن يفعل ما يشاء، وأن يقول ما يشاء، وأن يذهب إلى حيث يشاء، لا حرج عليه في ذلك. إلاّ أن يده لن تفعل، ولسانه لن ينطق إلاّ الشيء الذي يرضاه الإسلام، بعد أن يكون قد إنصهر في بوتقة تعاليمه، وكون في كيانه نفساً وضميراً إسلاميين يأمرانه بالخير، وينهيانه ويؤنبانه على الشر، والخروج على تعاليم الإسلام.

 

ولكن الشيء الذي ينبغي ملاحظته في المقام إن هذه الحرية التي ينالها الفرد في الإسلام لا تكون إلا إذا أراد الإنسان أن يقتصر على إطاعته للواجبات، وإجتنابه للمحرمات الإسلامية، وإلا فهو إن اراد ان يتابع الإسلام في جميع تعاليمه وإرشاداته، فإنه لا بد أن يلاحظ ذلك في كل نفس من أنفاسه، وكل دقيقة في دقائق عمره، فإن للإسلام طائفة ضخمة من التعاليم والإرشادات لأجل تربية الإنسانية والفرد وتهذيبهما وجعلهما إنسانية وفردا عادلين بجميع ما في هذه الكلمة من معنى . وإنما يتبغ الفرد هذه التاليم بمقدار إخلاصه الديني، وبمقدار إخلاصه الديني، وبمقدار توفيقه إلى نيل الكمال الأعلى.

 

(10)

المادة الخامسة : ليس للقانون أن يمنع غير الأعمال المضرة بالهيأة الإجتماعية ، ولا يجوز منع أي عمل لم يحظره القانون، ولا يجبر أحد على القيام بعمل لم يفرضه القانون.


 

ما دام البرجوازيون هم الذين يضعون القوانين ويفسرونها وهم أصحاب المصلحة فيها، فإن مقصودهم، في هذه المادة، من الأعمال المضرة بالهيأة الإجتماعية، الأعمال التي تكدر عليه تجارتهم وتحد من نشاط صناعتهم، وليس لأحد أن يمنعهم عن عمل لم يمنعوه هم في قانونهم، من التوسع في التجارة، وإتخاذ الأساليب المشروعة وغير المشروعة من الناحية الإنسانية، في سبيل ذلك. كما أنه ليس لأحد أن يجبرهم على القيام بعمل لم يوجبوه، هم، في القانون الذي وضعوه. وهم يشيرون بذلك إلى عدم جواز تحديد نشاطهم البرجوازي. فإن هؤلاء البرجوازيين الذين يدورون في فلك مصالحهم الخاصة لا يمكنهم أن ينظروا إلا إلى تلك المصالح، ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن يراعوا مصالح غيرهم من الناس، كما رأينا ما وقع فعلاً من التعسف والجور على رؤوس العال والفلاحين البؤساء أما بالنسبة إلى رأي الإسلام فيما إحتوته هذه المادة، فإن الإسلام قانون إلهي، ليس لأحد  أن يقترح عليه شيئاً، ولا أن يغير منه حكماً، وهو أدرى بما قد نهى عنه وما أمر به، على حسب مصالح البشر وحوائجهم، وما ينزههم عن الموبقات، ويسمو بهم إلى الكمال.

 

فقولهم : ليس للقانون أن يمنع، أو لا يمنع.

 

نعم قولهم هذا ليس ذا معنى بالنسبة إلى قانون الإسلام.


 

ومن ناحية أخرى فإن الأعمال المضرة بالهيأة الإجتماعية ليست وحدها هي المضرة من الناحية الإنسانية، فإن الإعتماد على الفرد مضر أيضاً، ويجب على القانون تحريمه، وهو بالطبع محرم في سائر القوانين، إلاّ أنّ هؤلاء البرجوازيين تناسوه لأجل أن يتعسفوا على حقوق العمال والفلاحين في سبيل مصالحهم البرجوازية.

 

أما بالنسبة إلى الرأي الإسلامي في الفقرات الأخيرة من المادة، وهي التي تنص على عدم جواز منع العلم الذي لم يحظره القانون، وعدم جواز إجبار الشخص علىالقيام بأي عمل لم يفرضه القانون، بصرف النظر عن تفسيرها الرجوازي.

 

فاما أن يكون الشخص الذي يمنع الفرد عن العمل أو يجبره على القيام بعمل معين، هو شخص متسلط متعسف ظالم يريد أن ينال من هذا الشخص بواسطة سيطرته وقوته، واما أن يكون هو الحاكم الشرعي الإسلامي المنصوب من قبل الله عزوجل رئيسا للدولة الإسلامية، وحجة من الله على خلقه. فإن كان شخصاً ظالماًفإنه أهل لأن يجازى على تعسفه، بالتعسف وعلى ظلمه بالعقاب. وخاصة إذا كان التعسف يحمل الطابع الديني زوراً وبهتاناً، فإنه يرجع في نظر الإسلام، إلى إبتداع تشريع لم يسنه الإسلام في الردع عن البدعة. فمن ذلك ما ورد عن النبي (صلى الله عليه وآله) قوله : ((من سن سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة. ومن سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة))(1).

 

أما بالنسبة إلى الحاكم الشرعي الإسلامي، فهو منصوب من قبل الله (عزوجل) لقيادة البشر، وتطبيق النظام الإسلامي في ربوع المعمورة، وهو مخول أن يختار ما يشاء من أساليب التطبيق الجزئية الموضعية التي يراها أصلح للبشر، وأقرب إلى النتيجة، وأجدر في إزالة العوائق والعقبات التي تعترض سبيل تطبيق النظام الإسلامي، ومن ثم هو يختار ما يشاء من الأوامر والنواهي التي تؤدي إلى هذا السبيل، وإن لم تكن واردة في نص القوانين الإسلامية العامة، ولكن هذا لا يعني أن لح حق الإبتداع والتشريع م نجديد، فهو إنما خول تطبيق الأوامر الإلهية الصادرة سلفاً، وفرق كبير بين التشريع والتطبيق.

 

ومما ينبغي أن يلاحظ أن  الحاكم الشرعي الإسلامي لن يختار من وسائل التطبيق إلاّ ما هو في صالح المجتمع الإسلامي، وما يضمن به للمسلمين العدل والسعادة. ويترههم عن الفوضى والفساد. وذلك لأن الحاكم الإسلامي المنصوب من قبل الله (عزوجل) وهو الإمام المعصوم (عليه الصلاة والسلام) ومعنى كونه معصوماً، كونه مبرءاً من الذنوب خالياً من

________________________

(1) الفصول المختارة للشيخ المفيد (قده) ص136


 

العيوب، آمناً من السهو والغفلة والخطأ والنسيان، وبالجملة يجب أن يكون خير البشر في عصهر، لأنه ليس من العدالة الإلهية أن يبقى الأفضل خاملاً، ويكون المفضول حاكماً، وهذه العصمة هي التي يعتقدها جميع المسلمين في النبي (صلى الله عليه وآله)، ونعتقدها نحن الشيعة الإمامية في الائمة المعصومين الاثنى عشر (عليهم افضل السلام). ومثل هذا الشخص لا يمكن ان يظلم احدا، أو ان يتعسف بحق احد، وان خير مثال حي بعد نبي الإسلام( صى الهل عليه وآله) لذلك الشخص المعصوم هو سيدنا وملانا أبو الائمة الهداة امير المؤمنين( عليه السلام) وهو الذي يقول حين عوتب على التسوية في العطاء: ((أتامروني أن أطلب النصر بالجور فيمن وليت عليه؟ والله وما أطور به سمر سمير، وما أم نجم في السماء نجما. ولو كان المال لي لسويت بينهم، فكيف؟ وانما المال مال الله . الا وان عطاء المال في غير حقه تبذير وإسراف ، وهو يرفع صاحبه في الدنيا، ويضعه في الآخرى، ويكرمه في الناس ويهينه عند الله))(1) . اما في حالة عدم وجود الإمام المعصوم، فإن كان ذلك ناتجاً عن بعد البلد عن العاصمة الإسلامية، فإن الإمام (عليه الصلاة والسلام) يبعث إليه من يختاره ليقوم نيابة عنه بإدارة شؤون البلد، والحكم فيه طبقاً للقانون الإسلامي، والإمام – بالطبع- لن يختار إلاّ

________________________

(1) نهج البلاغة شرح محمد حسن نائل الرصفي ص296 ج1


 

الشخص الصالح لهذا المنصب الخطير، كما إنه لن يكتفي بإرساله، بل يتعاهده بالنصح والتوجيه. ويجعل من نفسه ومن الشعب الذي أسله إليه، رقيباً عليه، بالإضافة إلى الرقابة الإلهية ورقابة ضميره الإسلامي، الذين يستعرضان كل حركة وسكون من أفعاله وأقواله. وذلك كما نرى من سلوك أمير المؤمنين (عليه الصلاة والسلام) مع ولاته وعماله. فهو يبعث إلى أ؛دهم قائلاً: ((واني اقسم بالله قسماً صادقاً لئن بلغني انك خنت من فيء المسلمين شيئا صغيراُ أو كبيراً، لاشدن عليك شدة تدعك قليل الوفر، ثقيل الظهر، ضئيل الأمر ، والسلام))(1).

 

ويبعث (عليه السلام) إلى اخر منهم قائلاً : ((أترجو أن يعطيك الله أجر المتواضعين، وأنت عنده من المتكبرين، وتطمع وانت متمرغ في النعيم، تمنعه الضعيف والأرملة، أن يوجب لك ثواب المتصدقين؟ وإنما المرء مجزي بما أسلف، وقادم على ما قدم، والسلام))(2) واما اذا كان عدم وجود الإمام ناشيء عن غيبة الإمام القائم (عجل الله فرجه)، فإن القائم مقامه هو وكيله العام للتصرف في الشؤون الدينية للمسلمين. وهذا الوكيل هو الذي حدده الإمام الصادق (عليه السلام) بقوله : ((انظروا إلى رجل منكم قد روى حيديثنا ، وعرف أحكامنا،

_____________________________

(1) نهج البلاغة ص24 ج2

(2) نهج البلاغة ص25 ج2


 

فاجعلوه قاضياً فإني قد جعلته قاضياً)) وفي بعض الأخبار : ((فارضوا به حاكما، فإني قد جعلته عليكم حاكماً، فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه، فإنما بحكم الله استخف وعلينا رد، والراد علينا راد على الله، وهو على حد الشرك بالله عزوجل))(1) ومثل هذا الشخص المتشبع بالروح الإسلامية، وبتعاليم الإسلام لا يمكن عادة أن يصدر منه تعسف أو ظلم ، بالإضافة إلى ما هو فيه من الرقابة الإلهية، ورقابة الإسلام ، ورقابة ضميره الإسلامي، ورقابة الأمة الإسلامية ، على جميع أفعاله وأقواله.

 

وللمجتمع الإسلامي إن رأي مه أية هفوة أو خطأ، أن ينبهه وأن يلفت نظره ، وأن يذكره بالطريق الصواب. وعلى الحاكم بعد ذلك أن يتلقى هذه الإقتراحات بصدر رحب وقلب مفتوح، ثم ينظر في هذه الإقتراحات بتجرد وإنصاف من حيث إنطباقها على القواعد الإسلامية. فإن رأى انه كان مخطئاً فعليه أن يصلح خطأه وإلا كان خارجاً على التعاليم الإسلامية. وخائناً للمسلمين. وإن رأى نفسه مصيباً، وإن المقترحين هم الذين أخطأوا ألفت نظرهم إلى وجه الخطأ في رأيهم. وجادلهم بالتي هي أحسن

 

_________________________

(1) الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية للشهيد الثاني قدس سره كما ورد في كتاب القضاء


 

(11)

 

المادة السادسة : القانون هو الإعراب عن الإرادة العامة للمجتمع، ولجميع المواطنين الحق أن يشتركوا في سنه بأنفسهم أو بواسطة نوابهم. 

والقانون واحد للجميع في حالتي الحماية وفرض العقوبات، ولما كان المواطنون سواسية أمام القانون فيحق لهم بالتساوي الوصول إلى جميع المناصب والرتب والوظائف العامة بحسب كفاءاتهم، ودون أي تمييز غير فضائلهم ومواهبهم.

 

وفي هذه المادة أيضاً تتجلى المصلحة البرجوازية ايضا، فالإرادة العامة، في عرف هؤلاء البرجوازيين، هي إرادتهم هم أنفسهم، من حيث إنهم أقوى طبقة في المجتمع الفرنسين فهم يقولون للعمال والفلاحين نحن نمثلكم.

سواء رضى أولئك ام أبوا. ويصدر القانون معتمداً على هذا الإدعاء الفارغ، وممثلاً للمصالح البرجوازية، ثم يقول البرجوازيون أنه ممثل للإرادة العامة للمجتمع. وإلا فإنه ليس من مصلحتهم أن يخضعوا لهذه القاعدة على واقعها فيأخذوا بنظر الإعتبار آراء العمال ولافلاحين، لأنهم سوف يفسحون المجال لهم حينئذ للشكوى والتذمر من الظلم البرجوازي، والتصويت على القوانين بطريقة تخالف المصلحة الرجوازية، وهذا ما يخشاه البرجوازيون.

 

ومن ناحية أخرى فإن تمييز الأفراد لأجل فضائلهم ومواهبهم لم يكن ليفسح المجال ويتيح الفرصة لنيل المناصب والرتب والوظائف العامة، إلا أمام البرجوازيون أنفسه، ومن ثم فإنهم يكونون الطبقة الوحيدة المسيطرة على الحكم في بلادهم، وبذلك يضمنون مصالحهم كلها على أحسن وده. وما ذلك إلا لأن الطبقة البرجوازية هي التي كانت متميزة ددون غيرها بالثقافة والوعي والمقدرة على إدارة البلاد.

 

والتعبير بالإرادة العامة Volote General  تعبير ورد في كتابات (روسو)، الذي هو أحد أعضاء مدرسة (العقد الإجتماعي) Contral Social  التي تحتوي على تصوير خاص لطريقة الحكم في الولة، تلك النظرية التي بدأها (توماس هوبز) Hobbes  (1588 – 1679) الفيلسوف الإجتماعي الإنكليزي، بكتابه عن الفلسفة السياسية المسمى Leviathan  في سنة 1651 (1) . ثم جاء (جون لوك) J. Lock  الفيلسوف الإنكليزي الشهير (1621 – 1704) ، فصقلها وأضاف إليها.

 

وقد عالج لوك أصل الدولة في رسالتيه السياسيتين اللتين نشرتا في

 

__________________________

(1) المذاهب الإجتماعية الحديثة، محمد عبد الله عنان الصفحات بالترتيب 13و15و19


 

سنة 1690 تحت عنوان ((آراء عن الحكومة المدنية))(1)     of Givil Government  ثم جاء (جان جاك روسو) الكاتب والفيلسوف الفرنسي (1712 – 1778) فأضاف إليها آراءه. وقد تأثر (روسو) في صوغ نظرياته السياسية بمباديء (لوك) وتفكيره تأثراً كبيرا، ولا سيما فيما يتعلق بفكرة أصل السلطة في الدولة المدنية، وصوغها في صورة ميثاق أو عقد هو أساس الدولة المدنية(2) . وكان ، وقتها، أن نشبت الثورة الفرنسية ووضعت هذا الإعلان في عام 1789 متأثرة بآراء هؤلاء الفلاسفة الإجتماعيين، وخاصة الأخيرين منهم، فإن آراء هؤلاء الفلاسفة الإجتماعيين ، وخاصة الأخيرين منهم، فإن آراء (هوبز) لم تكن لتدخل أذهانهم لما فيها من الفساد والإسفاف، على ما سنرى.

 

وينبغي لنا فيما يلي أن نذكر ملخصاً لآراء هؤلاء المفكرين لننظر بعد ذلك رأي الإسلام، فيما يذهب إليه هؤلاء من نظريات.

 

أما (توماس هوبز) فهو يرى أولاً أن القوة هي عماد الحكم، وإن الطاعة للقانون هي جزء من طاعة الله، وإن الحاكم يستظل بسلطة الله، فإذا حاد بأوامره عن قوانين الله فإنه يفقد صفته كحاكم، ويصبح الناس في حل من عصيانه. ثم إنه يجب أن يكون ثمة سلطة لتقرر بين الناس ما هو الحق وما هو الباطل، وما هومتفق مع قانون الطبيعة وما هو مخالف له،

___________________

(1)                        المصدر السابق نفسه، بعين الصفحات.

(2)                        المصدر السابق نفسه، بعين الصفحات.


 

وإنه لا يد للحكومة من السلطان المطلق لكي تحكم، وإن السلطة الروحية يجب أن تترل عند حكم السلطة الزمنية، وإن الشعب يجب أن يخضع لقوانين الملك والحكومة.

 

واما عن نظرية العقد الإجتماعي، فهو يرى أنها ترجع إلى طبيعة الإنسان ذاته، فالإنسان حيوان كثير الحب لنفسه، مفطور على تحقيق شهواته ورغباته وهو ذلك يدفع للاجتماع ويشعر بالضرورة بالإنضمام إلى زملائه لإنشاء مجتمع مشترك، ثم إن رغبة كل إنسان في السلامة تؤدي إلى فقد السلامة إطلاقا، والعقد يملي على البشر أن يبحثوا عن مخرج لذلك . ذلك لأنهم يعيشون في المجتمع في حالة كفاح مستمر، تحدوهم نفس الماشعر والأهواء، وهم كثيرو الشك شديدو المنافسة ، ولا سلطان لهم على أهوائهم، ولكن للبشر عقولاً يبحثون بها في أساب الأشياء، والعقل يدفعهم إلى التوسع في مدى أهوائهم فيقع الصدام بينهم، وهذا ما يسميه (هوبز) ب (الحالة الطبيعية).

 

وهذا يشعر البشر أن العيش في غمرة الكفاح المستمر امر لا يطاق، ويرون أنهم يستطيعون أن يؤلفوا مجتمعاً مشتركاً، ذلك أنه تحدوهم جميعاً رغبة السلامة. وهم إذا إستعملوا العقل رأوا إن الوسيلة الوحيدة لتحقيق السلامة، هي أن يقيموا سلطة مشتركة يفوضون إليها كل سلطتهم، وهنا تتفق الجماعة فيما بينها على الخضوع إلى سلطة واحدة، وتصبح هذه السلطة عماد الدولة، وعماد الحكم، وهي سلطة يمثلها في الغالب ملك أو حاكم مطلق(1).

 

وإن الدولة تظهر للوجود نتيجة لعقد أو إتفاق يعقده كل فرد مع كل فرد آخر، على أن يتنازل عن حقه الطبيعي في حكم نفسه إلى شخص أو جماعة من الأشخاص، ويسمي (هوبز) هذا الشخص أو هذه الجماعة، صاحب السادة أو السلطان Sovereign ، وليس هو بطرف من أطراف العقد، ولا يحد سلطته أي شرط أو التزام من جانبه. ولا يجوز للرعية بعد التنازل عن حقوقهم في حكم أنفسهم إلى صاحب السادة أو السلطان، أن يعقدوا عقداً شرعياً فيما بينهم، او أن يظهروا الطاعة إلى اي شخص آخر دون موافقة صاحب السادة نفسه، فإن سلطة هذا الأخير مطلقة وغير محدودة ولا يمكن لصاحب السيادة أو لرعيته نقض العقود، ولا يمكن تحررهم منها لأي سبب كان، وإن تغيير الحكومة معناه إنحلال الدولة والعودة إلى الفوضى.

 

وإذا رغب أي شخص في سحب موافقته على العقد يعود إلى حالة الحرب التي كان عليها الناس قبل دخولهم في الإتفاق(2).

 

________________________

(1) المذاهب الإجتماعية الحديثة : محمد عبد الله عنان ص13 -14

(2) حق الثورة في تأريخ الفكر السياسي للدكتور فاضل حسين .

                                                     


 

اما (جون لوك) فقد قال : بأن الناس في حالتهم الطبيعية أحرار ومتساوون ومستقلون، ولا يجوز أن يخضع أي شخص لسلطة الآخرين السياسية دون موافقته (1) . بيد أنه لا يتصور هذه الحالة الطبيعية، مثل سلفه (هوبز) حالة توحش وإعتداء متبادل ، بل إنه يرى أنها حالة إجتماعية في صفتها، وفيها يخضع الناس لحكم العقل الذي يعلم كل إنسان ألا يؤذي أخاه في نفسه أو حريته أو ماله، وقد تقع الحرب أو الإعتداء، ولكن فقط حينما يجانب الناس حكم العقل الذي هو من طبائعهم. على إنه لا توجد في الحالة الطبيعية سلطة مشتركة عليا تنفذ حكم العقل، وكل فرد يحاول أن يفسر الأمور وفق هواه، وهذا ما يؤدي إلى الإضطراب والفوضى(2). كما إنه يرى أن تلك الحالة الطبيعية من الحرية والمساواة ، كانت تعوزها ثلاثة أمور:

 

أولاً : القانون الذي يتفق الجميع على إنه مقياس الصواب والخطأ.

ثانياً : القاضي الذي يفصل في الخلافات وفقاً للقانون.

ثالثاً : السلطة التي تسند حكم القانون والقاضي وتنفذه.

 

__________________________

(1)                        حق الثورة في تاريخ الفكر السياسي.

(2)                        المذاهب الإجتماعية الحديثة 16-17


 

ولهذه الأساب دخل الناس في عقد أو إتفاق، وتنازلوا عن المساواة والحرية والسلطة التنفيذية إلى الهيأة الإجتماعية ، ما دام ذلك – حتماً- أفضل لحماية حقوقهم الطبيعية في الحياة والحرية والتملك . عندما يدخل الفرد في الهيأة الإجتماعية يتنازل عن تفسير قانون الطبيعة وتنفيذه ، ولكنه يحتفظ بجميع الحقوق الأخرى التي كان يتمتع بها في الحالة الطبيعية. وإنما وجدت الهيأة الإجتماعية للمحافظة على هذه الحقوق وإدامتها. وإنما وجدت الهيأة الإجتماعية للمحافظة على هذه الحقوق وإدامتها. وقد أدى هذا العقد في تكوين الهيأة الإجتامعية إلى ظهور الدولة، وفيها يتنازل الفرد عن إرادته ويسلمها إلى إرادة وتصميم الأكثرية، وهذه الأكثرية تعمل بالنيابة عن الفرد، ووفقاً لإلتزامات القانون الطبيعي.

 

ولا يجوز للسلطة التشريعية أن تتحكم بصورة تعسفية، بل عليها أن تحكم وفق القوانين المشروعة والمنشوة، لكي يطلع الناس على واجباتهم ويكونوا آمنين ومطمئنين ضمن حدود القانون. ولا يجوز نقل السلطة التشريعية أو تقويضها لأن ذلك يعتبر نقضاً للعقد الذي أسس الناس به السلطة التشريعية، ولا يجوز للسلطة التشريعية أن تفرض الضرائب على أموال الناس دون موافقتهم أو موافقة مندوبيهم، لأن الحكومة إنما توجد من أجل الحفاظ على أرواح الناس وحرياتهم وأموالهم(1).

 

 

__________________________

(1) حق الثورة في تاريخ الفكر السياسي.


 

على أنه توجد وراء السلطة التشريعية، سلطة الأمة العليا، وهي التي تستطيع أن تلغي السلطة التشريعية أو أن تعدلها، إذا رأت أنها خرجت في عملها عن حدود التفويض الذي ألقي إليها، وبذلك تكون الجماعة هي صاحبة اليد العليا، وبعبارة أخرى يوجد حق الثورة فقط حينما تتصرف السلطة التشريعية أو التنفيذية خلافاً لحدود هذا التفويض(1).

 

اما (روسو) فإنه يعرض نظرية العقد الإجتماعي بطريقة جديدة، وفي رأيه إن الحالة الطبيعية هي أسعد حالة للإنسان ، وإن الإنسان يتمتع في ظلها بصحة ومتانة لا تشوبها مفاسد المدنية وهذه في ذاتها سعادة لا تقدر، ويرجع أصل المجتمع إلى الوقت الذي يشعر فيه الإنسان في حالته الطبيعية، بأنه أضحى عاجزاً بقوته الفردية ، عن مكافحة العقبات التي تعترض سبيل حياته، أو بعبارة أخرى تغدو الحالة الطبيعية متى زاد عدد البشر حالة لا تطاق، وتزيد الأخطار المهددة لسلامة الإنسان في هذه الحالة، على ما يمكن أن يستخدمه لسلامة نفسه. وهنا يرى البشر أنه لا معدى لهم عن إنقاذ أنفسهم إلاّ بالإجتماع. ويرى الفرد نفسه مرغماً على أن يترل عن حريته الطبيعية، وأن يتفق مع زملائه على أن يستبدل الحرية الطبيعية بالحرية المدنية، وأن تقوم جماعة يمكن أن تحمي بالقوة الإجتماعية المشتركة، النفس والمال لكل عضو فيها. وبما أن

_____________________

(1) المذاهب الإجتماعية الحديثة ص17


 

الإنسان يكون على هذه الصورة متحدا مع جميع زملائه فهو لا يطيع إلاّ نفسه، ويبقى متمتعاً بحريته كما كان، وهكذا ينتظم المجتمع في شكل ميثاق إجتماعي، خلاصته أن يضع كل منهم في النطاق المشترك يتخذ شكل هيأة أدبية مشتركة أو هيأة عامة، وفي هذه الهيأة يتمثل السلطان أو السلطة. وكل مواطن هو عضو مشترك في هذه السلطة، وهو أيضاً عضو في الجولة ورعية للسلطة التي يعتبر منذ البداية عضواً مكوناً لها.

ومن خواص هذه السلطة أنه لا يمكن التصرف فيها ولا يمكن قسمتها(1).

 

والهيأة السياسية لا تمثل شخصاً معيناً بالذات بل تمثل كل فرد بوجه عام، فلا يمكن أن تتصرف ضد مصلحة أولئك الذين أوجدوها. إن (الإرادة العامة) هي جوهر نظرية (روسو) السياسية . وقد حاول أن يميز بين (إدارة الجميع)  و (الإدارة العامة) . فإرادة الجميع تأخذ بنظر الإعتبار المصالح الفردية، وتمثل مجموع إرادات الأفراد . وتهتم الإرادة العامة بالمصالح العامة المشتركة، وهذه الإرادة مصيبة دائما، وتميل لتحقيق الخير العام واعتقد (روسو) ان السايدة في الشعب كله وأن القانون هو التعبير

__________________

(1) المذاهب الإجتماعية الحديثة 19- 20


 

المباشر لإرادته العامة التي تمثلها أكثرية الشعب ومن يرفض إطاعة الإرادة العامة تجبره الهيأة الإجتماعية على ذلك. ولا يمكن أن يكون القانون غير عادل لأن العدالة هي إرادة أكثرية الشعب، واما الحكومة فمجرد وكالة فوضت إليها سلطات يمكن سحبها وتعديلها(1).

 

وبعد هذه الجولة بين آراء هؤلاء الفلاسفة الثلاثة، حين تترهنا بين مناظر مختلفة ، واطلعنا على الإنسانية في حالتها الطبيعية الهادئة، وعندما يحتدم الصراع بينهما نتيجة تفرق الأهواء والآراء، وعندما يجتمعون ويتعاقدون ليوكلوا أمرهم إلى فرد معين أو إلى جماعة معينة أو إلى الهيأة الإجتماعية، ويتنازلون مختارين حفظاً لأمنهم ونظام معاشهم، عن إرادتهم وحرياتهم، لهذه الجهات. وعندما تسن القوانين على هذا الأساس، وتحدد الحريات لأجل حفظ النفس والحرية والتملك، ولأجل صيانة الإنسانية عن حالة الفوضى التي أصبحت في نهاية أمرها حالة لا تطاق.

 

ولعمري إنني لا اعلم إلى أي حد حلق هؤلاء الفلاسفة في أجواء الخيال، وإلى كم أستندوا في تفكيرهم إلى الصور الشعرية البراقة، مع أنه ليس ذلك من شأن الفلسفة ، ولا من شأن الأبحاث الموضوعية التي تبحث عن صميم الواقع.

 

____________________

(1) حق الثورة في تأريخ الفكر السياسي للدكتور فاضل حسين.


 

في أي وقت من التاريخ ثبت وجود مثل هذه الحالة الحرة التي كان كل فرد فيها يحكم نفسه بنفسه غير ملزم بنظام أو قانون؟ مع أن البشرية لم تعهد منذ فجر التاريخ إلا محكومة لملوك وإلا خاضعة لقوانين او تقاليد. فإن كان هذا الذي ذكروه سرداً لوقائع تاريخية، إذن فيجب إقامة الدليل المقنع على ذلك، وليس فيما ذكروه ما يصلح للبرهنة عليه. وإن كان فرضاً وتقديراً للحياة عند عدم وجود الحكومات والقوانين، من حيث إن الأصل في كل فرد أن يحكم نفسه حينئذ، ويكون غير مسؤول عن أي نظام أو قانون، ومادام ذلك غير ممكن فلا بد من خضوع الفرد للقانون من أجل حماية نفسه وحريته وتملكه. إذا كان هذا هو المقصود، فما هذا التسلسل المنطقي الذي سلسلوا به الحوادث البشرية في الحالة الطبيعية كأنها قصة من القصص، وما هذا الوصف الدقيق لتلك الحالة، مع إن ذلك التسلسل وهذه الأوصاف لا توافق في كنهها أسلوب الفرض والتقدير. فلربما يمكن للمفكر أن يفترض ببساطة، أن الأصل في الإنسان أن يحكم نفسه، ولكنه لا يستطيع أن يفترض حوادثاً جارية وقصصاً متسلسة إلاّ في عالم الخيال.

 

بالإضافة إلى أ،ه : متى وجدت أو يمكن ان توجد مثل هذه الحالة الطبيعية هل هي في ابتداء تكون البشرية؟ ويمكن أن يؤيد ذلك، قول (روسو) : ((إن الحالة الطبيعية تغدو بعد تزايد عدد البشر حالة لا تطاق، ام انها حالة إجتماع جماعة من الناس ليكونوا بعد مرور السنين مجتمعاً جديداً)).

 

فإن كان الأول فكيف اطلع هؤلاء الفلاسفة على تلك الأزمنة السحيقة في القدم وعن طريق أي أثر أو كتاب تأريخي، فإن مبدأ البشرية لم يعرف إلا من الكتب المقدسة وبخاصة القرآن الكريم. وهذه الكتب خالية من الإشارة إلى الحالة الطبيعية. ولكنه على كل حال يمكن أن يشابه النظرية الإسلامية في تكون البشرية حيث يذهب الإسلام إلى وجود آدم ابي البشر (ع) وأن نسله ازدادوا بالتدريج، والإسلام إنما عرف ذلك عن طريق القرآن النازل من عند خالق البشر لا عن طريق تأريخي إعتيادي، ولولا التوفيق الإلهي لقي ذلك في طي الكتمان. إلا ان الإسلام لا يرى أن أولئك البشر كانوا في حالة فوضى وتسيب، فإن آدم نفسه كان مرشدهم وموجههم على ضوء ما عرفه عن طريق الإلهام الإلهي، مادام حياً، وبعد موته خلف عليهم أرشد أولاده بعد أن علمه مما يعلم، وأرشده إلى طريق توجيه البشر وإدارتهم . وهكذا فقد بقي التوجيه الإلهي مرشداً للإنسانية، منذ بدئها، وسيقى ملازماً للبشرية إلى فنائها، ولو كره المشركون .

 

ومن هنا يتضح أن يتضح أن العناية الإلهية لم تدع الشرية في حالة فوضى وتسيب لما تعلمه في حكمتها البالغة أن تلك حالة لا يمكن أن تطاق.


 

اما إذا كان المقصود من هذه النظرية هو تكون مجتمع جديد، فإن هؤلاء الناس الذين فرضنا إجتماعهم ليكونوا نواة لهذا المجتمع، لم ينزلوا من السماء، وإنما جاءوا من مجتمعات لها عاداتها وتقاليدها وأساليب حكمها، وقد حملوا كل ذلك في أذهانهم، مما لا يدع فرصة لوقوع الخلاف بينهم، فإنهم يبادرون بدون تردد أو تباطوء إلى تطبيق ما عرفوه واعتادوه في مجتمعاتهم الأولى. بالإضافة إلى اننا نتساءل عما إذا كانت هذه الأرض التي تيجتمع عليها هؤلاء الناس غير محكومة لدولة ولا يسودها قانون، فإن كانت تحت سيطرة دولة من الدول   كما هي الآن جميع المناطق في العالم، فلا مجال لهم على التعاقد فيما بينهم وإصدار قانون جديد، وإن فرضنا – بعيداً – أنها غير محكومة لدولة، فقد أخطأ هؤلاء الناس إلى الذهاب إلى مثل هذه المنطقة المنقطعة عن العالم، وأسرفوا في التوحش والغربة، بالإضافة إلى ما أسلفناه من أنهم يبدأون تلقائياً في مثل هذه الحالة من تطبيق مسبقاتهم الذهنية التي تلقوها في مجتمعاتهم القديمة.

 

 

هذا ولكن الكلام حول مثل هذه الفروض، كلام أقرب إلى النوادر والطرائف منه إلى الكلام الجدي الصحيحن الذي يقصد منه الوصول إلى الواقع عن طريق البرهان الموضوعي.


 

بالإضافة إلى ان تعاقد الشعب وإيكال إرادته وحريته إلى شخص أو جماعة، وإن كان ينجيهم من حالة الفوضى، إلا إنهم لا يستطيعون أن ينالوا به مصالحهم الحقيقية، لأن العقل البشري كما سبق أن أكدنا لا يستطيع إدراك هذه المصالح بتفاصيلها، ولا بد في ذلك من التوفيق الإلهي.

ومن هنا نعرف أن هؤلاء المفكرين لم يصلو ا بالقصة إلى نهايتها الطبيعية، تلك النهاية التي هي اقرب إلى واقع البشر من تلك الصور الشعرية التي ألفوها، فإن هؤلاء البشر سوف يوكل كل جماعة منهم أمرها إلى فرد غير من أوكلت الجماعة الأخرى إليه، وسوف تضع كل جماعة قانوناً أو مجموعة من القوانين التي تمثل مصالحها ومداركها الخاصة، ثم تبدأ كل جماعة بالتعرض بصاحبتها لأجل إخضاعها وتغيير قوانينها لصالحها. وهنا ترجع الحالة إلى الصراع العنيف الذي كان قبل التعاقد، ولعله أقصى وأضرى، لأنه كان أولاً صراعا بين أفراد، اما الآن فقد أصبح صراعاً بين جماعات، ومثل هذا الصراع لا يمكن أن يحله التعاقد منجديد بعد أن يكون كل فرد منهم قد أوكل إرادته وحريته إلى من يثق به ويعتمد عليه، وخاصة بعد هذا الصراع الذي يسلب ثقة كل جماعة بصاحبتها.

 

وحينئذ يتحتم وجود العناية الإلهية لتحل بينهم التراع،  وتعلمهم القواعد اللازمة لأجل حفظ النظام وسيادة العدل.  ولكن الواقع أن العناية الألهية، لمدى حكمتها البالغة، لم تصل بالبشرية إلى هذا الحد، بل أسعفتهم من أول الأمر بالتوجيه والإرشاد.

 

هذا، بالإضافة إلى اننا لم نفهم بالضبط صفات تلك الحالة الطبيعية التي أجمع هؤلاء المفكرون الثلاثة على وجودها أو على إفتراضها. حيث إننا نراهم قد اختلفوا اختلافاً كبيراً في تحديد صفاتها ورسم معالمها. فإننا نرى من ناحية (هوبز) قد ذهب إلى أنها حالة توحش وصراع رهيب، في حين ذهب (روسو) إلى انها أسعد حالات الإنسان، وإن الإنسان يتمتع في ظلها بصحة ومتانة لا تشوبها مفاسد المدنية، وهذه في حد ذاتها سعادة لا تقدر! على حين توسط (جون لوك) بين ذلك. اما نحن النظارة فما الذي يمكن ان نفهمه من هذا الخلاف. هل يمكن ان نجمع بين اقوالهم على تناقضها، ونقول إنها صفات للحالة الطبيعية؟ أو ان نصدق احدهم ونرفض قولي المفكرين الآخرين! في حين ان هذا مناف للموضوعية العلمية . أو أن نقول إن هذه الحالة الطبيعية ليست إلا حالة فرضية خيالية ذهب كل فيلسوف في صفتها ما شاء له فكره أن يذهب؟ وللقارئ تحديد الصواب من هذه الإحتمالات.

 

ومما تنبغي ملاحظته أن هؤلاء المفكرين ، قد ذهبوا جميعهم إلى ان العقل يحكم بضرورة التخلص من الحالة الطبيعية، بعد أن تصبح حالة لا تطاق، وحتى (روسو) الذي لم ينص على ذلك إلا إن قوله : (( وهنا يرى


 

البشر أنه لا معدى لهم عن إنقاذ أنفسهم إلا بالإجتماع))، يدل على ذلك بصورة واضحة، فإن هذا الرأي الذي  يتكون بين البشر ينشأ عن العقل.  وبهذا نرى هؤلاء المفكرين قد أعطوا العقل فرصة للإقتراح وإبداء الرأي، وهذه بادرة جميلة تدل على إحترامهم للعقل، وأخذهم بالقواعد العقلية. وهذا نفس ما ذهب به الإسلام حيث إعتمد على العقل في كثير من تعاليمه، فمنها عقيدته الرئيسية الأولى ، وهي الإعتقاد بوجود الخالق (عز وجل)، فإن ذلك إنما يدرك بقانون العلية، وهو قانون مرتكز في فطرة العقل. وكذلك اعطى الإسلام للعقل فرصة إدراك الحسن،  والقبح، والظلم ، والعدل، واعتبر هذه الأمرو أفكاراً عقلية متأصلة الوجود لا يمكن التصرف بها أو تحريف مقتضياتها. وكذلك اعطى الاسلام للعقل فرصة إدراك صدق الإسلام وعدالة أحكامه وتعاليمه، وإدراك انه وارد من المورد الإلهي الأعلى. كما انه أعطاه حق استنباط الأحكام الشرعية من القواعد الإسلامية المتوفرة، وذلك تحت شروط معينة.

 

كانت هذه مناقشات عامة لآراء هؤلاء الفلاسفة، اما التعرض إلى رأي كل منهم ونقده على ضوء القواعد والتعاليم الإسلامية ، فيمكن أن نلخص بعض الملاحظات حول ذلك، فيما يلي: اما بالنسبة إلى آراء (توماس هوبز)، فقد ذكر أولاً إن الحاكم يستظل بسلطة الله، وهذا يرجع إلى ((نظرية الحق الإلهي في الحكم)) وقد برر (هوبز) بذلك استبداد (آل ستيوارت) في انكلتزا، الذين عاصرهم(1). وليس هذا المفكر هو أول من اكد على ذلك فإن كثيراً من الملوك في العهود الساقة كانوا يدعون هذا الدعى تثبيتاً لحكمهم وإخضاعاً لشعوبهم. ومنهم أول ملوك هذه الأسرة التي دافع عنها (هوبز)، وهو (جيمس الأول) (1603 – 1625) الذي أصدر كتاباً عنوانه ((القواعد الصحيحة للملكيات True Rules of Monarchies )) ، إدعى فيه إن الله هو الذي نصب الملوك(2) . وكان ذلك قبل حوالي ربع قرن قبل صدور كتاب (هوبز) عن الفلسفة السياسية. والإسلام وإن كان يذهب إلى أن رئيس الدولة الإسلامي، بالأصالة، إنما هو الإمام المعصوم المنصوب من قبل الله (عزوجل) إلا إن بين هذه النظرية الإسلامية وبين نظرية الحق الإلهي في الحكم، بونا بعيداً هو البعد الموجود بين العدل والظلم ، وبين التعسف والرحمة، وبين الظلام والنور. فإن الملك الذي يدعي إنه يستظل في عرشه بظل الله (عزوجل)، إنما هو ملك جائر مستبد، تذرع بهذه النظرية لحفظ ملكه وإخضاع

_________________________

(1)                        حق الثورة في تاريخ الفكر السياسي

(2)                        محاضرات في التاريخ الحديث.


 

 

 

شعبه، ثم إنه هو الذي يسن القوانين على أساس أهوائه ومصالحه الخاصة وتفكيره الخاص، وهو الذي يطبقها على شعبه بأي إسلوب شاء، وبدون أن يكون لشعبه حق المناقشة والإعتراض.

 

اما في الاسلام فإن الله (عزوجل) نصّب إماماً معصوماً مبرءاً من الذنوب، خالياً عن العيوب، يستحيل عليه الزلل والخطأ، لما في نفسه من ملكه قدسية عالية، هي المسماة ب((العصمة)). . نصبه لكي يطبق القوانين التي أنزلها الله عزوجل لسعادة البشرية ورفاهها وإنشار العدل في ربوعها. ومثل هذا الإمام ومثل هذه القوانين، هي أهل لأن تخضع لها البشرية وتدين بتعاليمها، فإن العقل يحتم على الإنسان أن يختار النظام الأفضل لمعيشته، وليس ذلك، إلا ما أختاره الله تعالى خالق البشر ورازقهم، والمطلع على سرائرهم وحاجاتهم وغرائزهم، لهم من القوانين. وحسب الإنسانية من السعادة والكمال أن يطبق في ربوعها مثل هذا القانون بواسطة مثل ذلك الإمام المعصوم.

 

ومن هنا نعرف أن الإمام ( عليه السلام) لا يضع القوانين كما هو شأن الملوك الذين يدعون السلطة الإلهية . بل إنه مخول فق طبأن يختار الطريق الصالح إلى تطبيق القوانين الموضوعة سلفاً من قبل المشيئة الإلهية، كما إنه أجل قدراً، وأشرف نفسا، وأقرب عند الله تعالى ، من أن يظلم أحداً، أو أن يتجاوز على حقوق أمته، أو تعاليم دينه القويم،  كما مضى وأكدنا على ذلك في غضون مناقشاتنا للمادة الخامسة لهذا الإعلان. حيث استشهدنا هناك بقول سيد الأوصياء وإمام المتقين أمير المؤمنين (عليه السلام) ((أتأمروني أن أطلب النصر بالجور فيمن وليت عليه)).

 

أما ما ذهب إليه (هوبز) من أنه يجب أن يكون ثمة سلطة لتقرر بين الناس ما هو الحق، وما هو الباطل، وما هو متفق مع قانون الطبيعة، وما هو مخالف له، فكأنه يقصد من ذلك أن ما  هو الحق هو الموافق للطبيعة، وما هو باطل هو مخالف لها، فكأن أهواء الإنسان وغرائزها التي تطلب الإشباع بأي طريق كان، هي شيء مستحسن ينبغي للقانون أن يفسح المجال له، وأن يضع تعاليمه على طبق ما يدعو إليه، وإلاّ كان القانون مخالفاً للحق! اما الأخلاق، والنظام، وضبط النفسن وسائر الأمور التي تقيد الطبيعة، فهي أمور باطلة تجب محاربتها وإلغائها ، فإذا كان الأمر كذلك فعلى الفكر الإنساني ألف تحية وسلام.

 

ولكن مهما يكن من الأمر ، فإن السلطة القانونية ليست هي صاحبة الحق في تحديد الحق والباطل، فإن الحق والباطل لا يتحدد بيد السلطات، وإنما الحق والباطل – كنا سبق أن أكدناه _ أمران عقليان صرفاً لا يمكن التعرف عليهما، وغاية ما يفعله المشرعون هوتشخيص المصاديق والجزئيات لهذه القاعدة الكلية العقلية، وغاية ما يمكن ان يفتخر به قانون من القوانين إنه قد اقترب من العدالة او الحق، اكثر فاكثر، وكلا هذين المفهومين من المفاهيم العقلية الصرفة.

 

ولا ينبغي الخلط بين هذه القواعد العقلية وبين ما سماه (هوبز) بقانون الطبيعة، فإن هناك فرقاً شاسعاً بينهما، فإن قانون الطبيعة يعني الإنسان مجرداً عن العقلن مستسلماً لأهوائه ونزواته، تقوده حيث تشاء، اما القواعد العقلية، فإنها تعني الإنسان متحلياً بالعقل، ومجرداً من العاطف والغرائز إلى اكبر حد مستطاع، لكي لا يمكنها أن تؤثر في بحثه وأفكاره، ومن ثم هو ينظر إلى الواقع نظرة موضوعية عادلة.

 

إلا أنه يمكن أن يكون مقصود (هوبز) من قانون الطبيعة، هو القانون العام الساري في الكون، وما يتطلبه من تكييف النفس على أساسه، بدعوى أن التكيف المناسب ، حق وعدل، والتكيف غير المناسب ظلم وباطل. إلا إن هذا إذا امكن إرجاعه في جوهره إلى حكم العقل بالحسن والقبح والعدل والظلم، من حيث إن العقل لا يمكن أن يحكم بهذه الأمور جزافاً، وإنما يحكم بها من حيث إن العقل لا يمكن أن يحكم بهذه  الأمور جزافا، وإنما يحكم بها من حيث مطابقتها للنظام الكوني العام . فتكون نظرية (هوبز) هذه صحيحة ومطابقة للحقيقة. وإن كان المقصود منها شيئاً آخر كالذي ذكرناه قبل قليل، فهومحل المناقشة.

 

اما بالنسبة إلى ما أدعاه (هوبز) من أن السلطة الروحية يجب ان تترل عند حكم السلطة الزمنية، فهو إنما يريد بذلك ان يخضع الكنيسة المسيحية لإستبداد (آل ستيوارت). ولكن هذا الكلام بالنسبة إلى الإسلام، لا يمكن أن يكون له ظل من الحقيقة. فإنه، إما في الدولة الإسلامية فإن الجهة الدينية هي الجهة الحاكمة والإمام المعصوم (عليه السلام)، الذي هو رئيس هذه الدولة، هو في عين الوقت المرجع الديني الأعلى لجميع المسلمين. واما في أيامنا هذه فإنه ينبغي للدول، لأجل ضمان سعادتها ورفاه شعوبها، أن تستنير بنور الإسلام وأن تقتدي بهداه ، فإن واضعي القانون أنفسهم والحاكمين في كل دولة، مكلفون بإتباع الأوامر الإسلامية ، حيث يشملهم نداء الإسلام العام الذي وجهه إلى البشر، يحثهم فيه على إتباع أوامره، والسير تحت لوائه وذلك كما في قوله (عز وعلا) : ((يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم، وأنزلنا إليكم نوراً مبينا* فأما الذين ءامنوا بالله واعتصموا به فسيدخلهم في رحمة منه وفضل ويهديهم إليه صراطاً مستقيماً))(1).

 

اما بالنسبة إلى رأي (هوبز) في إسقاط هذه الحكومة التي فرضها تحكم بنظرية الحق الإلهي، فقد إختلف عنه النقل في المصدرين اللذين إعتمدتهما في الإطلاع على آرائه . فقد نقل عنه صاحب (المذاهب الإجتماعية الحديثة) إنه إذا حاد الحاكم في أوامره عن قوانين الله فإنه يفقد صفته كحاكم، ويصبح الناس في حل من عصيانه، ونقل عنه

__________________________

(1) النساء آية (174، 175)


 

الدكتور فاضل حسين قوله : إن سلطة هذا الحاكم مطلقة وغير محدودة، ولا يمكن لصاحب السيادة أو لرعيته نقض العقود، و لا يمكن تحررهم منها لأي سبب كان. وقد نقلنا كل ذلك فيما سبق.

 

ونحن وإن كنا نرجح الرأي الأخير هو ما يذهب إليه (هوبز) من حيث إنه أقرب إلى مذاقه المستنتج من مجموع كلامه، وخاصة وهو فس سبيل الدفاع عن دكتاتورية (آل ستيوارت)،  وهذا لا يناسب أن يكون للشعب إسقاط الحاكم في وقت من الأوقات إلا أنه من الممكن أن يكون قد ذهب في الواقع إلى الإعتراف ((بحق الثورة)).

 

أما بالنسبة إلى الرأي الإسلامي في الموضوع، فهو أقرب إلى الرأي الأول، لولا أنه يفرق من وجهة النظر الإسلامية بين أن يكون الحاكم الأعلى إماماً معصوماً أو أن يكون شخصاً آخر، فإن كان إماماً معصوماً، فإنه – كما سبق أن أكدنا أكثر من مرة – يستحيل عليه بعصمته الخروج عن الأوامر الإلهية وتعاليم الإسلام، ومن ثم فحق الثورة عليه منتف من أساسه، و لايكون الخروج على حكمه إلاّ خروجاً على الدين الإسلامي نفسه، اما إذا لم يكن الحاكم معصوماً فإنه معرض للهفوة والخطأ. ومن ثم فهو مراقب من جهات عديدة، من قبل الله (عزو جل ) وم نقبل الإمام (عليه السلام) ومن قبل أمته، ومن قبل التعاليم الإسلامية التي تجعل حسابه عسيراً عند أقل مخالفة لمقتضياتها، وإن استلزم ذلك عزله من منصبه، ومعاقبته على فعله.

 

اما ما هو الذي يقصده (هوبز) من قوانين الله (عزوجل) ، فلا بد ان يكون هو قانون الطبيعة، من حيث أن الطبيعة نفسها من خلق الله (عزوجل) وكلما تتطلبه إنما تتطلبه بمشيئة من الله (جل وعلا). فإن كان المقصود من قانون الطبيعة هو متطلبات القانون الكوني العام، فذلك شيء صحيح، فإن الإسلام نفسه لم يود إلاّ لتحديد التكيف الصحيح مع متطلبات الكون، والملائمة العادلة بين مقتضيات البيأة والغريزة. وإن كان صحيحاً إلا أنه لا يعني على الإطلاق إن الله تعالى قد أجاز الإنطلاق الجنوني للغرائز للوصول بها إلى ما لا يحمد عقباه. فإنه (عزوجل) إنما خلق هذه الغرائز لمصالح مختلفة تتعلق بحفظ النوع، وحفظ النفس، وتيسير المعيشة للفرد، ويمكننا أن نتصور هذه المصالح بوضوح إذا تصورنا حالة الفرد عند عدم وجودها أو إنعدام أحدها، وبأيه حالة من العسر والحرج سوف تكون حياته. ولكن ذلك لا يمكن أن يعني أن هذه الغرائز يجوز أن تستعمل حتى في الطرق الشاذة المؤدية إلى الفساد، فإن الله (عزوجل) بعد أن خلق تلك الغرائز جعل لها أنظمة وتعاليم ليفهم الناس طريقة إستعمالها على الإسللوب الصالح الصحيح ويتجنب  بها طريق الفساد والرذيلة. اما أقوال (هوبز) الأخرى في الدفاع عن إستبداد (آل ستيوارت) وتبريره الحكم المطلق، فإنها قد أصحبت في عهودنا المتأخرة، أقرب إلى الفكاهة منها غلى أي شيء آخر.

 

اما (جون لوك) فقد أرسل إرسال المسلمات قوله : (إن الناس في حالتهم الطبيعية أحرار ومتساوون ومستقلون، ولا يجوز أن يجضع أي شخص لسلطة الآخرين السياسية دون موافقته) وهذا بالنسبة إلى الإسلام غير ذي معنى، لأنه منتف أساسً في الدولة الإسلامية. فإن الفرد هناك غير خاضع لأحد غير الله (عزوجل)، خالقه ورازقه وصاحب التصرف في شؤونه. وذلك لأن الإنسان بحسب تكوينه ووجوده هو من فيض ا لله تعالى إذا لولا نعمة الوجود التي أنعمها الله عزوجل عليه بمنه ولطفه لكان في عالم العدم، والله تعالى هو صاحب القدرة عليه في كل زمان ومكان، وليس حراً ولا مستقلاً كما يريد أن يذهب إليه (لوك). وحينئذ فإن الله (عز وجل) بلطفه ورحمته بعباده، ولعلمه أنه لا يمكن أن تحيا الإنسانية في (الحالة الطبيعية) لأنها ( حالة لا تطاق)،  قد أنزل على عباده قوانين عادلة وأنظمة حكيمة، لكي يضمن بها البشر نظام حياتهم وسيادة الأخلاق والعدالة في ربوع مجتمعاتهم. وخول الله (عز وجل) أفضلهم صفةن وأحسنهم نفساً، وأقربهم إليه (عز وجل) لكي يضطلع بتطبيق تلك القوانين، وهو شخص معصوم يستحيل عليه الزلل والخطأ والخروج عن التعالمي الإلهية، كما سبق أن أسلفنا. ثم جعل الله (عز وجل) هذه القوانين، وهذا الحاكم الشرعي الإسلامي، واجبي الإطاعة يعاقب من خالفهما، وخرج على أوامرهما، وذلك لعلمه (عز وعلا) بأن الغرائز البشرية لا يمكن أن تخضع للقيد إلا تحت سيطرة قوية لما فيها من الإندفاع والطب الحثيث، فهو يجعل بتعاليمه في نفس الإنسان وازعاً قوياً يستطيع به كبح جماح شهواته، والانخراط في سلك النظام والأخلاق، ولعلمه من ناحية أخرى بما في هذه القوانين، وما في أوامر الإمام (عليه السلام) من سعادة للبشرية ورفاهها ورقيها إلى كماله المنشود.

 

ومن هنا يتبين أنه لاحاجة للناس بأن يتنازلوا لأحد، في الدولة الإسلامية، عن إرادة أو حرية. بعد ان لم يكونوا في وقت من الأوقات في (حالة طبيعية) – كما سبق أن أثبتناه -  بل إن العناية الإلهية قد أسعفتهم ن أول الأمر بالقوانين الصالحة وبالتوجيه والإرشاد. 

وبعد أن كانت إرادة الفرد وحريته ليست ملكاً له في الواقع، وإنما هي ملك الله (عز وجل) وتحت تصرفه، وهو الذي أمر باتباع أوامر الإسلام. بالإضافة إلى هذا القيد الذي تفرضه القوانين الإسلامية على حرية الفرد، ليس هو شئياً خارجاً عما يجب ان يكون عليه الواقع إذا أريد التنظيم الأكمل الذي يضمن سعادة المجتمع ورفاهه وسيادة الهدى  والنظام فيه. فإن هذا القيد اما أن يحجز الحرية التي في مقابل الخضوع لله تعالى، ومثل هذه الحرية لم تتوفر لدى الإنسان من أساس خلقته التكوينية، إذن فهذا لاقيد لم يسلبه شيئاً كان يملكه فيما سبق. واما أن يحجز هذا القيد الحرية من عباة الله (عز وجل) والتقرب إليه، فإن مثل هذا القيد مما ينبغي أن يكون حتى مع صرف النظر عن تعاليم  الإسلام. فإن الله الذي خلق الإنسان، وأنعم عليه بالسمع والبصر والعقل، وهيأ له سبل الحياة المرفهة الكريمة لهو أهل لأن يقضي الإنسان هذا العمر البسيط الذي وهبه إياه الله (عز وجل) في عبادته والتقرب إليه. فضلاً عن هذه المظاهر السطحية التي يقوم بها المسلم العادي، وذلك لأن وجوب شكر المنعم قاعدة عقلية منطبقة على كل منعم. فإن كل من أعطالك هدية أو قضى لك حاجة يجب عليك أن تشكر له إحسانه وفضله.

فكيف لا تنطبق هذه القاعدة على الله (عز وجل) خالق البشر. ولم يفعل الإسلام أكثر من أنه الفت نظرنا إلى هذه القاعدة العقلية، وحدد الأسلوب الذي ينبغي أن يستعمل في عبادة الله والتقرب إليه (عز وجل) . واما أن تحجز التعاليم الإسلامية الحرية مقابل التقيد بمراعاة الآخرين ومسايرتهم بالأخلاق والإنصاف، فإن هذا أيضاً مما ينبغي أن يكون، حتى مع صرف النظر عن التعاليم الإسلامية فإن كل مجتمع لا يمكن أن يستمر في الوجود بدون الآداب والأنظمة المرعية، إلا كانت  الحالة فيه كالحالة الطبيعية جحيماً لا يطاق.

 

واما ان تكون الحرية التي تحجز بسبب التعاليم الإسلامية هي الحرية في مقابل الخضوع للدولة وتلبية أوامرها، فلعمري إن ذلك مما يدعو إليه العقل، كما ذهب إليه هؤلاء الفلاسفة ولا يكون الأمن والنظام إلاّ به والإنسان لم يخرج منذ أول خلقته عن سلطة حاكم يحكمه ويدير شؤونه، فهلا كان هذا الحاكم هو قوانين الله (عز وجل) وشخص معصوم هو الإمام (عليه السلام)، ليرقى المجتمع إلى قمة العدالة الإنسانية.

 

اما بالنسبة إلى رأي (جون لوك) من أنه لا بد للتخلص من الحالة الطبيعية من وجود القانون الذي يتفق الجميع على أنه مقياس الصواب والخطأ. فإن الذي يعين الصواب من الخطأ – كما أسلفنا -  ليس هو القانون ولا السلطة التشريعية، بل هو العقل. وغاية ما تفعله السلطة التشريعية هو تشخيص مصاديق القواعد العقلية الأولية، وليس اتفاق الجميع على شيء يعني أنه صواب ولا رفضهم له يعني أنه خطأ. فإن العقل البشري المختلط بالأهواء والرغبات، والذي تمثله آراء الأكثرية، غير قابل لأدراك مصالحة الحقيقية، بالإضافة إلى أن إسناد تمييز الخطأ من الصواب، إلى أتفاق الجميع يؤدي إلى ضياع الخطأ والصواب لما في هذا الإتفاق من التحول والإختلاف بين زمان وزمان، بإختلاف أنواع الثقافة والتقاليد والذوق العالم في حين أنه يستحيل على الحقيقة العقلية أن تتغير.


 

أما ( حق الثورة) الذي هو جوهر نظرية هذا المفكر الإنكليزي، فإنه إنما قال به على تقدير مخالفة السلطة التشريعية والتنفيذية لحدود التفويض والتعاقد الذي فرضها إليه الشعب أثناء العقد الذي جرى بينهما.

ومادام هذا العاقد والتفويض منتف في الدولة الإسلامية، من حيث أن كلا من الشعب والدولة خاضعان لله (عزوجل) ولقوانينه العادلة، فإن هذه النظرية باطلة أساسً في نظر الإسلام. ولكن ذلك لا يعني عدم وجود مفهوم الثورة في القانون الإسلامي، فإنه إن كان المقصود من الثورة عزل الحاكم، فذلك راجع إلى التفريق الذي قلناه عند مناقشة آراء (هوبز)، من أن هذا الحاكم اما ان يكون معصوماً عن الخطأ والزلل فينتفي هذا الحق بالنسبة إليه من الأساس، لأن طاعته طاعة الله تعالى الذي ولاه الحكم وإدارة دفة البلاد، والخروج عليه خروج على الإسلام والأوامر الإلهية. اما إذا لم يكن معصوماً فإنه يجوز عزله بل قد يجب، عند مخالفته لتعاليم دينه الحنيف. أما إذا كان المقصود من الثورة، هو قلب النظام الأساسي للدولة الإسلاميتة، فهو بالطبع محرم في دين الإسلام، لأنه يكون خروجاً عن الإسلام نفسه، وتمرداً على القوانين الإلهية العادلة وإغضاباً لله تعالى، ومن ثم فهو تعريض للنفس إلى عقابه الشديد، وهو من ناحية أخرى تسافلاً مشيناً إلى الحضيض، ورفضاً للقوانين المثلى العادلة التي بها جاء الإسلام ليخرج البشر من الظلمات إلى النور، ويهديهم إلى الصراط المستقيم.

 

وأما قوله أنه يجب على السلطة التشريعية أن تحكم وفق القوانين المشروعة والمنشورة لكي يطلع الناس على واجباتهم، ويكونون آمنين ومطمئنين ضمن حدود القانون فإن مناقشة هذا الأمر سوف يأتي عند التعرض لمناقشة المادة الثامنة من هذا الإعلان، وستعرف هناك أن الإسلام يوافق على هذه القاعدة.

 

اما قوله إنه لا يجوز للسلطة التشريعية أن تفرض الضرائب على أموال الناس دون موافقتهم أو موافقة مندوبيهم، فهذا ما سوف تأتي مناقشته عند التعرض لمناقشة المادة الرابعة عشر من هذا الإعلان، وسنعرف هناك أن في الإسلام ضرائب معينة وليس للدولة ولا للناس رأي فيها، وإن هذه الضرائب هي من جملة القانون الإلهي الوارد لأجل مصلحة البشر، ولا حاجة بعد ضمان المصلحة إلى إحراز موافقة الناس عليها لأنه (( ... وعسى ان تكرهوا شيئاً وهو خير لكم، وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم، والله يعلم وأنتم لا تعلمون))(1).

 

أما بالنسبة إلى آراء (روسو)، فإنه قد إتضح مما سبق رأي الإسلام في كثير مما قاله، كالحالة الطبيعية، او العقد الذي عقدوه فيما بينهم للتخلص

_____________________

(1) البقرة آية (216)


 

منها حين أصبحت حجيماً لا تطاق، ومن هنا ينتفي جميع ما أضافه عليها من الآراء والنظريات. إلا أنه ينبغي التعرض إلى بعض ما اختص به من الآراء.

 

فإنه ذهن إلى أن الحالة الطبيعية هي أسعد حالة للإنسان، أي ان الإنسان يتمتع في ظلها بصحة ومتانه لا تشوبها مفاسد المدينة، وهذه في ذاتها سعادة لا تقدر! وفي هذا الرأي خلط واضح بين الحياة الريفية التي لا تشوبها مفاسد المدنية، ومن ثم يكون الإنسان في ظلها أقوى عوداً وأوفر صحة، وبين الحالة الطبيعية التي يكون فيها الإنسان مسؤولاً عن حماية نفسه وضمان حاجاته الضرورية، فهو دائماً حائر مشتت الذهن، فإنه قلما يمكن الحصول على الأمن والحاجات الضرورية في مثل تلك المجتمعات البدائية بل وهذه الحيرة وهذا الغم في نفسه يؤثران على الصحة تأثيراً كبيراً. بالإضافة إلى أن الصحة، من أين يمكن أن تأتيه؟ وليس لديه ثقافة طبية عامة يمكنه بها أن يميز المضر من النافع، من المأكولات أو المشروبات أو الأمكنة أو الأجواء، فربما عرض نفسه لأخطار المرض وهو لا يعلم، وليس هناك طبيب يشخص مرضه ويصف له الدواء. ولعمري إن اللذة الناشئة من الأخلاق الفاضلة والنظام والأمن لهي خير من تلك اللذة البدائية البسيطة.

 

ولعل تلك السعادة التي أراد أن يدعيها (روسو) ناشئة من التحرر الذي تتصف به الحالة الطبيعية المفترضة، حيث ينطلق كل فرد مع شهواته ونزواته ويمارس إشباعها كيفما شاء وأنى شاء، بدون رادع من نظام أو وازع من دين. وهذه بالطبع ليست إلاّ سعادة مادية صرفة ناتجة عن إشباع الإنسان لغرائزه من ناحية، والشعور بالتحرر من السيطرة من ناحية أخرى. ولكننا لو علمنا أن تلك الحياة ليست إلاّ حياة بهيمية، وإن كبح جماح الغرائز والخضوع لسيطرة القانون هي من الركائز الأولى لأستتباب الأمن والنظام وانتشار الأخلاق في ربوع المجتمع. ومن ثم فإنّ الإسلام يرفض بحزم تلك الحياة البهيمية الفاسدة، ويؤكد على السعادة التي ينالها الفرد من دراسة العلوم أو خدمة المجتمع أو التقرب إلى الله تعالى والخضوع له وعبادته بإيمان وإخلاص.

 

اما نظريته حول (الإرادة العامة ) التي هي جوهر فلسفته ونظريته السياسية، ومحاولته الإدعاء بأن هذه الإرادة مصيبة دائماً وتميل إلى تحقيق الخير العام، وإن القانون هو التعبير المباشر للإرادة العامة التي تمثلها أكثرية الشعب، ولا يمكن أن يكون القانون غير عادل لأن العدالة هي إرادة أكثرية الشعب.

فإن كل هذه الأمور محل مناقشة من وجهة النظر الإسلامية فإن تمييز الخطأ والصواب ما دام موكولاً إلى العقل لا إلى أي شيء آخر كما عرفنا، فإن الإرادة العامة قد تطابقه فتكون مصيبة، وقد تخالفه فتجانب الصواب، وكذلك بالنسبة إلى العدالة فإن إرادة أكثرية الشعب إن إجتمعت على أمر عادل من الناحية العقلية فذلك، وإلا فإن الإرادة العامة قد تخطء إذا إجتمع الشعب على شيء باطل.

 

ومن هذا يظهر أنه يلزم من جعل الإرادة العامة مقاساً للصواب والخطأ، ضياع هذين المفهومين وانطماس آثارهما، لأنّ هذه الإرادة متغيرة بين زمان وزمان، بل قد لا يحتاج تغيرها إلى أكثر من عام واحد، بحسب إختلاف الآراء العامة والتيارات السياسية والإتماعية. مما ينتج أن يكون الفعل صواباً وعدلاً في زمان، وظلماً وخطأ في زمان آخر، وأ، يكون الفرد مستحقاً للعقاب على فعل معين في وقت ومحموداً على نفس الفعل في وقت آخر، وهذا مخالف للوجدان والفطرة العقلية.

 

كما إن جعل الإرادة العامة مصدراً للقوانين يلزم منه أن لا يصدر القانون برضاء كل فرد من الشعب، وخاصة بعد أن فرق (روسو) بينهما وبين (إدارة الجميع)، حيث ذهب إلى أن إرادة الجميع تأخذ بنظر الإعتبار المصالح الفردية، وتمثل مجموع إرادات الشعب، في حين تهتم الإرادة العامة بالمصالح العامة المشتركة، وذلك لأن كل فرد يضطر أن يتنازل أثناء وضع القانون عن بعض آرائه تحت ضغط آراء الآخرين، ومراعاة لحريتهم في التصويت، وتؤثر في عملية التصويت هذه عوامل


 

متعددة نفسية وفكرية وإجتماعية تؤثر في وضع القانون وينتج القانون أخيراً ذو شكل لا هو مرضي لكل فرد منهم، لأن كلا منه قد إضطر إلى التنازل فلم يكن القانون مطابقاً لآرائه تمام المطابقة، ولا هو مرضي لمجموعهم بعد أن كان غير مرضي عند كل فرد، ولكنه عبارة عن نتاج هذه التفاعلات والتنازلات التي قامت بين الأطراف المشتركة في مناقشة القانون والتصويت عليه.

 

هذا بالإضافة إلى ما ذكرناه من عدم إستطاعة العقل البشري إدراك المصالح البشرية الحقيقية، بالإضافة إلى أنه يلزم من متابعة الإرادة العامة التي هي عبارة عن إرادات الأكثري، أن تكون هناك دائماً وبصورة مستمرة أقلية مظلومة في البلاد، فإنه ما دامت الإرادة العامة غير مضبوطة وقابلة للتغير بين تصويت وتصويت، إذن فكل فرد من الشعب مهدد بأن يكون ضمن الأقلية، مغموط الحقوق في يوم من الأيام.

 

ومما سبق يظهر أن السيادة ليست للشعب، وإنما هي لله (عز وجل) ولمن جعلهم أمناء على خلقه وهم الأئمة المعصومون (عليه السلام)، وحسب البشرية فخراً ان تكون محكومة بالقوانين الإلهية من قبل أمناء الله تعالى على خلقه. وليس للشعب أن يغير بآرائه العاليم الإلهية فإن الله (عز وجل) أدرى بمصلحة البشر أكثر من أي فرد منهم كمنا أنه ليس للفرد أن يرد على قول المعصوم (عليه السلام) أو يرفضه


 

لأن قوله من قول الله (عز وجل) والراد عليه راد على الله تعالى. قال الله تعالى في كتابه الكريم (( وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الهل ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ........))(1). والإمام بدوره لن يقول إلا صواباً ولن يتصرف إلاّ على حساب المصلحة العليا، وذلك لما اتصف به من ملكة روحانية متأصلة في نفسه تمنعه من الذنوب والموبقات. وهذه الملكة هي التي تسمى بالعصمة.

 

كما أن القانون ليس هو التعبير المباشر للإرادة العامة في رأي الإسلام، بل هو تعبير عن إرادة الله (عز وجل) . كما إن الحكومة الشرعية الإسلامية ليست قائمة لتنفيذ رغبات الشعب، بل لتنفيذ أوامر الله (عز وجل)، فإن أوامر الله تعالى أولى بالإتباع وأجدر أن تهدي إلى الصراط المستقيم، من رغبات الشعب التي كثيراً ما تخطيء الطريق الصحيح، وخير للشعب أن يعيش في ظل القوانين الإلهية العادلة من أن يعيش تحت حكم نفسه وفي حدود عقله البشري القاصر.

 

بعد أن تجولنا هذه الجولة المتصلة في (مدرسة العقد الإجتماعي) السياسية، تلك الجولة التي اقتضتها عبارة (الإرادة العامة) التي إقتبسها واضعو هذه الإعلان من كتابات (روسو) وحشروها في هذه المادة، وقد عرفنا قبل لحظات الرأي الإسلامي الصحيح في مناقشة الإرادة العامة،

_________________________

(1)  الأحزاب آية (36)


 

واكدنا بما لا مزيد عليه، إن الإرادة في الدولة الإسلامية إرادة الله تعالى وإرادة من فوضه الله للحكم بين الناس.

 

نعود الآن لمواصلة مناقشة البقية الباقية من هذه المادة : يتبين مما مضى بوضوح الرأي الإسلامي : في أن يشترك المواطنون في سن القانون بأنفسهم أو بواسطة نوابهم، فإنه دين الله الحنيف الذي أنزله (عز وجل) لأجل مصلحة البشر وضماناً لسعادتهم ووصولهم إلى كمالهم، ليس بحاجة إلى مثل ذلك، لأن التصويت إ،ما يجري على أي قانون لأجل إحراز رضا الشعب عنه، لئلا يطبق على الشعب قانون خارج عن إرادته لأجل ان يثبت ان هذا القانون عادل، لأن العدالة هي إرادة أكثرية الشعب، كما ذهب إليه (روسو). ولكننا ما دمنا نعرف أن الشعب إنما يريد تمامية مصالحه وقضاء حوائجه وضمان رفاهه، وليس التصويت إلاّ مقدمة لذلك عن طريق إفتراض أن آراء الأكثرية إذا إنعقدت على قانون ما، فإ،ه حتاً يكون في صالح الشعب. ولكن الشعب المسلم ما دام يعلم أن القوانين الإلهية الإسلامية هي أبع دنظراً وأوسع أفقاً وأعمق تأثيراً في سعادته ورفاهه من أي قانون آخر، إذن فلا حاجة له إلى التصويت على أي قانون آخر.

 

وما دام الشعب المسلم يعلم أيضاً من هو إمامه وبأي صفات يتصف تلك الصفات الفاضلة التي عرفنا عنها شيئا فيما سبق. فلا حاجة له حتماً


 

أن ينتخب شخصاً آخر ليتولى إدارة شؤونه، لأنه على كل حال لن يرى شخصاً هو خير من الإمام المعصوم الذي اختاره الله (عز وجل) بحكمته البالغة ليكون حجة على البشر، وليطبق عليهم قوانين الإسلام العادلة.

بالإضافة إلى ما يمكن أن يقال، على طريقة أولئك المفكرين من أن الشخص المسلم، بصفته مسلماً، قد أوكل إرادته في التشريع والتنفيذ إلى الله (عز وجل) ومن ثم فإن الله (عز وجل)، نصب خير من يمكن أن ينصبه في هذا المحل السامي ليكون مضطلعاً بواجباته فيه. إلا أن هذا كلام جدلي لا معنى له في الدين الإسلامي بعد أن نعرف أن الإنسان مخلوق لله (عز وجل)، ولم يكن يملك في مقابل إرادة الله (عز وعلا) يوماً من الأيام إرادة أو حرية.

 

هذا بالإضافة إلى ما سبق أن قلناه من أن العدالة في القوانين ليست هي إرادة أكثرية الشعب لها، لأنه لم يمر في أية فترة من فترات التاريخ، في أي شعب من شعوب العالم، إ، أكثرية العشب واعية بحيث تتولى بنفسها وضع القوانين وتوافق عليها(1)، فكيف يمكن ضمان العدالة رغم ذلك، مع ما سبق أن قلناه من أن العدالة إنما هي مفهوم عقلي وغاية ما يمكن أن يفتحر به المشرع أو القانون هو إقترابه من هذا المهفوم إلى أكبر حد ممكن.

_______________________

(1) محاضرات في التاريخ الحديث للدكتور فاضل حسين في السنة الرابعة في كلية الفقه.   


 

اما قولهم بأن القانون واحد في حالتي الحماية وفرض العقوبات فهو بالضبط ما يذهب إليه الإسلام، وبشكل أكثر عدالة وعمقاً من مفهومهم البرجوازي الضيق، الذي يحمي البرجوازيين فقط، ويصب سوط عذابهم على العمال والفلاحين. فإن المواطنين سواسية أمام القانون الإسلامي سواء في حالتي العقاب والثواب. وهذا ما سبق أن فصلنا فيه القول في المادة الأولى.

 

ولكن هناك فرقاً صغيراً، ولكنه عميق الأثر في عين الوقت، بين القوانين الوضعية وبين قانون الإسلام، نعرف منه كيف أن الإسلام أكثر عمقاً في المساواة من هذه القوانين. فإن الحماية مفروضة في الإسلام على كل مواطن، ولكن بالشكل الذي لا يتعدى حدود التعاليم الإسلامية، بينما توجد في القوانين الوضعية الحديثة حالة يتمتع فيها لافرد بالحرية أكثر من سائر الأفراد في كثير من أعماله وأقواله، ولكن هذا الشيء غير موجود في الشريعة، فإنه من ناحية أولى لا يوجد في الدولة الإسلامية منصب يمكن أن ينعت بهذه الصفة وتضفي عليه مثل هذه القدسية، فإن الذين يتمتعون بالحصانة الدبلوماسية في الدولة الحديثة هم الملك، أو رئيس الجمهورية، ورئيس الوزراء، والوزراء ، والنواب وأعضاء مجلس الأعيان، والسفراء، والقائمين بالأعمال إلى مناصب أخرى غيرها، وكل


 

هذه المناصب غير موجودة في الدولة الإسلامية آنذاك، فإن الإمام ليس ملكاً لأن الملوكية لها أسس خاصة من أوضحها توارث العرش وإن الأبن الأكبر لا بد أن يستولي عليه مهما كان فاسد الأخلاق أو قليل العقل، أو ضعيف الإرادة، في حين أن منصب الإمامة منصب إلهي لا صلة له بالتوارث، وإنما صار أئمتنا (عليهم السلام) متوارثين لا لأجل خصوصية في التوارثن بل لأن الإمام لا بد أن يكون قد تلقى علمه من سلفه، وتلقى منه القواعد الأساسية للإمامة منه، وليس أقرب إلى الإمام من ابن الإمام (عليه السلام) الذي يتربى في ذلك البيت السامي تحت رعاية أبيه المعصوم وعنايته، ونتعقد نفسه ومواهبه، وهو أقرب الناس إليه لتلقي علومه منه وإرشاداته، وبذلك يكون الإمام قد توفرت لديه المؤهلات البيأية والوراثية لأجل هذا المنصب العظيم، وهما العاملان الأساسيان في تكوين نفس الفرد.

 

ومن الواضح بعد كل ما مضى أن لا يوجد في الدولة الإسلامية رئيس للجمهورية. كما أنه لا يوجد هناك رئيس للوزراء، ولا وزراء، وإنما يوجد موظفين يعينهم الإمام (عليه السلام) لأجل تصريف شؤون الدولة وتطبيق نظام الإسلام. كما إنه ليس في الدولة الإسلامية مجلس للنواب ولا مجلس للأعيان. كما إنه لا يوجد هناك سفراء ولا قائمين بالأعمال لأن المفروض أن الدولة الإسلامية دولة عالمية واحدة تحت سيطرة الحكم


 

الإلهي، وفي مثل هذه الدولة ينتفي معنى السفراء والقائمين بالأعمال، لأن ذلك إنما يكون بين دولتين ذواتي كيان مستقل. هذا فيما مضى، اما اليوم ففي المسألة إجتهاد آخر.

 

ومن الناحية الأخرى، فإن الحصانة الدبلوماسية غير متوفرة لأي موظف في الدولة الإسلامية، فإن كل فرد مسلم مهما كان عمله مسؤول عن سيئاته كما هو محمود على حسناته، وهو مراقب من جهات عديدة ذكرناها على نحو الإجمال فيما سق، وسيأتي تفصيل الكلام حولها عند مناقشة المادة الخامسة عشر من هذا الإعلان.

 

اما ما ذكره واضعو هذه المادة من تقديم المواطنين بحسب كفاءاتهم في المناصب والرتب والوظائف العامة، فهذا نفس ما يذهب إليه الإسلام. غاية الأمر إن ميزان الكفاءة يختلف في نظر الإسلام عنه في نظر هؤلاء البرجوازيين، فإن الفرد الكفؤ في الإسلام أجمع للفضائل الروحية من الفرد الذي يتوخاه البرجوازيون ليتولى حماية مصالحهم الخاصة، وذلك كما سبق أن أشرنا إلى تفصيله في مناقشة المادة الأولى من هذا الإعلان.


 

(12) 

 

المادة السابعة : لا يجوز إتهام أحد أو توقيفه أو حجزه إلاّ في الأحوال المبينة في القانون، وبحسب الإجراءات المحددة فيه. ويجب أن يعاقب جميع الذين يطلبون تنفيذ أوامر تعسفية أو يوافقون عليها أو ينفذونها أو يأمرون بتنفيذها. ولكن على كل مواطن يستدعى أو يوقف طبقاً للقانون أي نيطيع حالاً ويكون مذنباً إذا قاوم.

 

ومن الملاحظ في المقام بأن الإسلام لم يشرع السجن عقوبة إلا نادرا، فإن من يتصفح سجل العقوبات في الفقه الإسلامي لا يجد من عقوبة السجن إلا نادراً، كما في المرأة المرتدة عن الإسلام فإنها تحبس دائما وتضرب في أوقات الصلاة(1) . والواقع أن الإسلام قد رتب العقوبات بشكل فني وعادل بحيث لم يجعل هناك مالاً لعقوبة السجن. نعم، هناك في الفقة الإسلامي ما يمكن أن يسمى بالإصطلاح الحديث حجزاً أو توقيفاً، كأن يحبس الغريم في الدين لو أدعى الإعسار حتى يثبته(2) ، وكما إذا أبى المدعى أن يحلف بعد رد اليمين عليه من المنكر فإنه يحبس

_________________

(1)                        اللمعة الدمشقية، كتاب الحدود ص368 ج2

(2)                        اللمعة الدمشقية ص403 كتاب الدين ج1


 

إلى أن يحلف أو يقضى بنكوله(1). وبالطبع فإن الموقوف يجب أن لا يعامل معاملة سيئة إلاّ ما كان ضرورياً لبضائه رهن أمر السلطة، كما إنه لا يجوز أن يؤخذ  منه الإقرار بالتعذيب والتعسف، فإن ذلك كله، ظلم وإعتداء على الآخرين بما لا يستحقونه وهو محرم في الشريعة الإسلامية، ولأن لأخذ الإعتراف ولثبوت الحكم في صالح الشخص أو ضده، أصولاً خاصة مشروحة بشكل مفصل في كتب الفقه الإسلامي وليس منها التعذيب والتعسف. كما إنه لا يجوز حجز أحد أو توقيفه في غير الأحوال المنصوص عليها في الإسلام، وإلاّ كان بدعة وإدخالاً في الدين ما ليس فيه بالإضافة إلى ما فيه من الإعتداء على الآخرين وكلاهما من المحرمات الكبرى في الإسلام.

 

اما بالنسبة إلى عدم جواز إتهام أحد إلا في الأحوال المبينة في القانون، فهو أمر بديهي بالنسبة إلى الدين الإسلامي الحنيف، لأن المواطن المسلم لا يكون معرضاً للعقاب إلا في الحالات المعينة المبينة في القانون الإسلامي، ولا يجوز عقاب ا؛د في غير تلك المواضع وإلاّ كان ذلك بدعة في الدين وإعتداءاً على الآخرين. بالإضافة إلى أن الأصل في الإسلام براءة الذمة، كما سوف تأتي الإشارة إليه في المادة التاسعة من هذا الإعلان. إلا أن ذلك لا يعني أن لا ينظر في شأن الشخص الذي

_______________________

(1) اللمعة الدمشقية ص283 كتاب الفضاء ج1


 

ترجحت التهمة في حقه بتمرد على الدولة أو المجتمع أو الدين أو أشتكى عليه شخص آخر يدعي أنه قد اعتدى عليه وغمط حقه، فإن مثل هذا الشخص يجب أن ينظر ف يحاله فإن ثبت كونه مذنباً بحسب القواعد الإسلامية المتوفرة أدين بها ولقي جزاءه العادل، وإلا بقي حراً طليقاً.

 

اما بالنسبة إلى معاقبة الذين يطلبون تنفيذ أوامر تعسفية أو يأمرون بتنفيذها، فيجب أن نرجع إلى رأي الفقه الإسلامي في الموضوع، الذي هو المرآة الصادقة للقانون الإسلامي الخالد. فإن الفقهاء يفصلون بين ما إذا كان الفاعل المأمور كالآلة بالنسبة إلى الآمر، كأن يرسل صبياً غير مميز أو مجنوناً لإرتكاب الجريمة، فإن الآمر في هذه الحالة هو الذي يعاقب على الجريمة، حيث إن الفاعل لم يكن له وجود مستقل في مقابل وجود الآمر.

أما إذا كان الفاعل لم يكن له وجود مستقل في مقابل وجود الآمر. اما إذا كان الفاعل شخصاً مميزاً عاقلاً فيجب عليه عصيان الأمر بالجريمة مهما كلفه ذلك، ولو كلفه ذلك حياته إذا كان الأمر متوجهاً إليه بجريمة قتل، أما لو فعل فإن العقاب يترك عليه فقط، ولا يعتبر الآمر كالفاعل في العقاب .

 

أما الآمر نفسه، حينئذ فإنه لا إشكال بتوجه العقاب عليه ولكنه غير عقاب الجريمة نفسها، وإنما يعاقد لانطباق عنان آخر عليه كإرادة الإفساد في الأرض الذي هو من المحرمات الإسلامية الكبرى،وعلامة


 

ذلك أنه يعاقب سواء فعل المأمور الفعل المقصود أو لا، غاية الأمر أنه بعد تنفيذ الجريمة يزداد عقابه بلا شك. أما بالنسبة إلى الموافق على الجريمة، فإن كان له عمل إيجابي في الموضوع كأن يوقع ضمن تواقيع واضعي خطة الجريمة مثلاً، فهو يعد أحد الآمرين بالجريمة، وتجري علهي نفس الأحكام السابقة. وإن كانت موافقته بمعنى سكوته بعد علمه بصدور الجريمة وغض نظره عنها، فإن ذلك لا يعني مشاركته في الجريمة إذ لعل سكوته ناشء عن مبررات صحيحة كالخوف – مثلاً_  ولكنه يجب عليه – وعلى كل مواطن – أن يمنع وقوع الجريمة بما أوتي من قوة وطول، فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أولى الواجبات الإسلامية.

 

ومما مضى يظهر الحكم الإسلامي بالنسبة إلى الذين ينفذون الأوامر التعسفية. فإن المنفذ اما أن لا يكون له إختيار ووجود مستقل في مقابل وجوده آمره كما مثلنا له بالطفل والمجنون، فليس عليه شيء ويكون العقاب كله منصباً على الآمر. وأما أن يكون مختاراً ومالكاً لشعوره وشخصيته في مقابل شعور الآمر وشخصيته، كما هو مقصود واضعي هذا الإعلان، فإنه – حتما – لا بد أن يترك عليه العقاب  المناسب لجريمته، وخاصة وقد كان مأمورا من قبل دينه بالعصيان ولم يعص.

اما آمره فيبوء بإثم للامر فقط، كما مضى تفصيله.


اما بالنسبة إلى وجوب إطاعة ا لإستدعاء أو الإيقاف، وإن الفرد يكون مذنباً إذا قاوم. فهو صادق بالنسبة إلى الحكومة الشرعية الإسلامية أيضاً، لأنها واجبة الإطاعة حسب القانون الإسلامي على كل فرد مسلم، وعليه فإن اي أمر تأمره الحكومة يجب ان يمتثل بما في ذلك الإستدعاء والتوقيف، ويكون العاصي للأمر مذنباً مستحقاً للعقاب. ولكن الحكومة الإسلامية لن تأمر إلا بما فيه صالح الفرد وصالح الأمة، بعد أن عرفنا مما سبق بشيء من التفصيل صفات الحاكم الشرعي الإسلامي : الإمام المعصوم (عليه السلام)، وعرفنا أن اوامره ليست إلا تنفيذا لقانون الإسلام الوارد في المورد الإلهي لسعادة البشرية وكماله.

 

(13)

 

المادة الثامنة : لا يجوز أن يفرض القانون من العقوبات إلى ما هو ضروري ضرورة جازمة وواضحة،ـ ولا يصح عقاب إنسان إلاّ بموجب القوانين الموضوعة والمذاعة قبل إرتكاب الجريمة، والمعمول بها شرعاً.

 

تحتوي هذه المادة – كما هو واضح – على فقرتين، ينبغي أن نناقش كلا منهما على حدة.


 

اما الفقرة الأولى فكأن مقصود واضعيها هو أن الأشياء التي يعاقب عليها لا بد أن يوافق عليها الحق العام، ولا يجوز أن تكون جميع القضايا محرمة ويعاقب عليها (1) ، أي أن الأصل في الاشياء هو الإباحة، وليست المحرمات إلا إستثناءات من هذا الأصل، لا أن الأصل هو الحضر والمنع وتكون الإباحة إستثناء منه.

 

اما بالنسبة إلى الإسلام فهو أيضاً يذهب إلى أصالة الإباحة بمعنى أن كل شيء مباح بحسب الأصل، وما المحرمات التي وردت في الشريعة إلا إستثناءات من هذا الأصل. ويمكن أن يستدل على ذلك بقوله عز من قائل ((لكم ما في الأرض جميعاً))(2) ، ومن هنا كانت الأشياء التي ليست تحت حيازة أحد مباحة للمسلمين يملكها أول حائز لها مثل الطير في الهواء والسمك في الماء وغير ذلك، ومعنى ذلك أن ما في الأرض قد خلق لخدمة البشرية وسهولة معاشها، ولم يلحظ فيها فرد دون فرد، فالبشر جميعاً متساوون بالنسبة إليها تخدمهم بمجموعهم دون تمييز وتفضيل، وإنما يأخذ الفرد منها ما يحتاجه لتيسير أموره فيدخل ما أخذه في ملكه.

 

_________________________

(1)                        محاضرات في التاريخ الحديث.

(2)                        البقرة آية (39).


 

هذا بالنسبة إلى الأموال وكذلك بالنسبة إلى أفعال الإنسان، فإن هناك قاعدة أصولية تذكر ويبرهن عليها في علم أصول الفقه هي (أصالة الإباحة)، بمعنى أن كل فعل من أفعال الإنسان مباح بالأصل، وليس محرماً كما إنه ليس بواجب، وإنما وردت المحرمات والواجبات كمستثنيات من هذه القاعدة، ومن ثم إذا شك شخص في وجوب أو حرمة فعل من أفعاله فإنه يدفع هذا الإحتمال بأصالة الإباحة تحت شروط معينة مذكورة في علم أصول الفقه.

 

أما قولهم : (( لا يجوز أن يفرض القانون ........))  فهم إنما يريدون بهذا أن يحددوا الأسلوب الذي يجب أن يتبع عند سن القوانين وفقاً لرأيهم، وذلك لئلا يخرج واضعو القوانين عن الأصول التي يراها واضعو هذا الإعلان، ولئلا يضعوا قوانين تعسفية، ومن ثم نراهم يفرضون آراءهم علىالقوانين، لأن هذا الإعلان بصفته الثورية مقدم على القوانين، أي أنه يضع القواعد التي يجب أن يسير عليها واضعو القوانين أنفسهم.

 

أما بالنسبة إلى الإسلام فقانونه قانون إلهي، ولا يحق لأحد أن يقترح عليه أو يغير منه شيئاً، وهو إنما يستمد جذوره من المصالح الحقيقية للبشر التي يراها الله (عز وعلا) بحكمته البالغة وعلمه اللانهائي.

 

ومن هنا يتضح انه لا يجوز أن يفرض على قانون الإسلام أن تكون عقوباته صادرة بمقتضى الحس العام، فإن هذا الحس ليس هو الحكم في تشخيص الأفعال التي يجب أن يعاقب عليها أو يثاب. وإنما الحكم في ذلك هي المصالح الحقيقية للفرد والمجتمع. والذي يدرك هذه المصالح على حقيقتها هو الله (عز وعلا) ومن ألهمه ذلك بطريق خاص.

 

بالإضافة إلى أنه يرد عليه نفس ما سبق أن أوردناه على نظرية الإرادة العامة ل (روسو)، لأن العقاب في الحقيقة راجع أيضاً إلى مفهومي العدالة والظلم، وقد قلنا هناك إنهما مقومان عقليان، وإعتبار الحس العام أو الإرادة العامة حكماً فصلاً  فيهما يؤدي إلى ضياعهما للإختلاف الذي يحدث في آراء الناس وإراداتهم وإحساسهم بين زمان وزمان.

 

أما بالنسبة إلى الفقرة الثانية من هذه المادة، وهي التي تنص على عدم جواز العقاب إلاّ بحسب القوانين الموضوعة والمذاعة قبل إرتكاب الجريمة والمعمول بها شرعاً. فإنها تعني أنه لا يجوز للقانون أن يكون ذا أثر رجعي Reiroactive  ، أي أنه يشمل ما قبله. وهذا هو الأسلوب الفرنسي في سن القوانين(1) . وهذا عين ما يذهب إليه الإسلام، فإنه وإن لم يكن من المعقول صدور قوانين جديدة في الإسلام. إلا أنه يمكن أن يستدل عليه ب(أصالة البراءة) التي تعني براءة الذمة من الأمر المشكوك الوجوب أو الحرمة، وهي قاعدة تذكر في علم أصول الفقه، ويفرق

__________________________

(1) محاضرات في التأريخ الحديث


 

هناك بينها وبين أصالة الإباحة السالفة الذكر، ومن هنا فإن الحكم الشرعي إن لم يصل إلى المكلف، بعد بذل الوسع في الفحص عنه، أو إنه لم يكن هناك حكم شرعي في الواقع،  فإنه ليس على المكلف أي تكليف. وهذا يشمل ما قبل صدور القوانين الجديدة – لو فرضت – فإن الفرد قبلها كان بريء الذمة من التكليف. كما إنه يمكن أن يستشهد لذلك، بإسلوب نبي الإسلام (صلى الله عليه وآله) في تبليغ الأحكام عندما كانت تترل متتابعة، فإن نزول الأمر لم يكن يعني تلافي ما فرط في السابق من أفعال تعد بحسب القانون الجديد ذنوبا، إلا بعض الأحكام الوضعية، أي الضمان ووجوب رد المسروق أو المصوب ونحوه، بالنسبة إلى الأموال، فإنه يجب الرد بمعنى أن الحكم الجديد يخبر السارق أن ذمته أشتغلت بما سرقه من حين سرقته، وإنه من الآن يجب عليه رده. وما هذا إلا لأن هذه الأمور إنسانية يدركها الضمير الإنساني قبل أن يحكم بها الشرع الإسلامي الحنيف. كما إن في القرآن ما يدل على ذلك بووضح، حيث إن الله (عز وجل) يذكر بعد تأكيده على الحكم أنه يجب أن يتبع من حين نزول الآية وليس على ما مضى عقاب، فمن ذلك أنه (عز وجل) قال بعد التشديد على حرمة الربا : (( .... فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى  الله، ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون))(1) ومن ذلك قوله (عز وجل) بعد تبليغه حرمة الصيد في حال الإحرام : (( ....عفا الله عما سلف ومن عاد فينتقم الله منه والله عزيز ذو انتقام))(2)  . كما أن الكافر إذا أسلم فإنه لا يأمر بتلافي ما  قد سلف منه من عصيان الأوامر الإسلامية، إلا الأحكام الوضعيةن رغم أن القانون موجود وساري المفعول على المسلمين : وذلك كما ورد عن الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم وآله : ((إن الإسلام يجب ما قبله))(3) أي بقطعه، فكأن الكافر يحيا حياة جديدة بعد إسلامه . ومن ذلك قوله (عز وعلا) : (( قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف))(4) . وهذا هو الموافق للمنطق، لكي يطلع الناس على واجباتهم ويكونوا آمنين ومطمئنين ضمن حدود القانون، كما قا ل(جون لوك) اما اسلوب سن القوانين ذوات الآثار الرجعية فهو يدع ف يحيرة من أمره، يحتمل انه سوف يصدر في المستقبل قانون يشمل بالتحريم أحد الأفعال التي قام بها، وهذا تهديد للأفراد لا يمكن التخلص منه إلاّ بالإستغناء عن هذا الإسلوب في سن القوانين.

 

 

__________________

(1)                        البقرة آية (275).

(2)                        المائدة آية (95)

(3)                        شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج18ص14

(4)                        الأنفال آية (38)


 

المادة التاسعة : يعد كل إنسان بريئاً ما لم تثبت إدانته. وإن إعتقد بضرورة توقيفه فالقانون يمنع تطبيق الإجراءات الشيديدة إلاّ ما كان منها ضروري لبضائه رهن أمر السلطة.

 

وهذه المادة كسابقتها مكونة من فقرتين، كما هو بين، فينبغي ان نناقش كل فقرة منها بشكل مستقل:

 

اما الفقرة الأولى وهي التي تنص على إعتبار كل إنسان بريء قانونا ما لم تثبت إدانته، وهذا عين ما يذهب إليه الإسلام، ومن ثم فهو لا يعامل المتهم معاملة المجرم ما لم يثبت جرمه عن طريق القواعد الشرعية الثابتة، ويكون في أثناء محاكمته في حماية الدولة الإسلامية، ويعد كل من ينفذ عليه عقاب المجرم المتهم به معتدياً عليه مستحقاً للعقاب، ثم أنه إن ثبت جرمه بتلك القواعد الشرعية أدين به، وعوقب بما ينص الإسلام عليه من العقاب، وإلا أطلق سالماً لم يمسه أي أذى أو مكروه.

 

ويمكن أن نلمس الرحمة العظمى التي يسبغها الإسلام على الإنسانية بقوانينه هذه وغير هذه، إذا قارنا هذا الأسلوب من التشريع بما يجري في بعض البلدان من هذا العالم المترامي الأطراف، كالبلدان الشيوعية والمستعمرات الغربية من إلقاء القبض على شخص بمجرد الظن والتهمة، وإعتباره بدون تحقيق أو محاكمة من أخطر المجرمين المتمردين على كيان الدولة، ومعاملته كمجرم على هذا الأساس، اما الإسلام فإنه وإن إعتبر الظن بعد ظهور حال الشخص ظهوراً كافياً في إثارة التهمة حوله، حافزاً كافياً لإلقاء القبض عليه، إلا أنه، بالإضافة إلى كونه لا يعاقب كمجرم، لا يجوز أن يرى من أي أحد من حراسه أو مديري شؤونه أي إهانة لكرامته، و لاجرح لعواطفه، فضلاً عن الضرب، أو ما هو أشد منه ، وإلا كان الفاعل مجرماً مستحقاً للعقاب.

 

ومن هذا يظهر أن الإسلام بقانونه الإلهي الرحيم  يؤيد الفقرة الثانية من هذا الإعلان أيضاً. اما الإجراءات التي تضممن بقاءه رهن أمر السلطة، فالإسلام يعترف بها، إلا أنها غير ملازمة على الإطلاق لإهانته أو ضربه، بل لا تعني أكثر من تشديد الحراسة عليه في أغلب الأحيان.

 

(15)

المادة العاشرة :  لا يجوز إزعاج أحد بسب آرائه، حتى الدينية منها، بشرط ان لا تكون المجاهرة بها مخلة بالأمن العام الذي قرره القانون.

 

وإنما أكد واضعو هذا الإعلان على حرية الرأي الديني، لأن ذلك ناتج من مسبقاتهم الذهنية الناشئة عن تأريهم القريب. فقد كانوا قد ذاقوا من الكنيسة أنواعاً من الجور والتعسف، وأنواعاً من الخرافات والمفاهيم الباطلة، هذه الخرافات وذلك الجور الذي تستعملها الكنيسة باسم الدين كعلى أساس أنه أمر إلهي مترل.  وذلك لأن الكنيسة – في عهود أوربا المظلمة – كانتم منظممة إقطاعية تملك مساحات من الأراضي واسعة النطاق وتستخدم فيها أولئك الفلاحين الأقنان الذين يباعون مع الأرض ويشترون معها، تماماً كأي سيد إقطاعي. كما إن رجال الكنيسة كانوا يكونون إحدى الطبقتين المتمتعتين بالإمتيازات دون الطبقة الثالثة، وهم عامة الشعب. كما إن الكنيسة كانت تناصر الإقطاع بما لها من قوة دينية ودنيوية، يقول (جورج جرداق) : أما رجال الدين، ويقصد رجال الكنيسة والدين منهم براء، فقد كانت لهم يد في تبرير نظام التبعية هذا وكانوا يلعنون كل تابع لا يخضع الخضوع المطلق لسيده، ولو كان شريداً دنيئاً، ويصبون اللعنات الكثيرة بلهجة مقدسة، على رؤوس ((المارقين)) الذين كانوا يدفعون التابعين إلى ترك الطاعة المطلقة للأسياد، او إلى التمرد على هذا الظلم القائم(1) . كما إنها كانت تبث بين أتباعها كمية ضخمة من الخرافات والتدجيل، هذه الخرافات التي غضب منها حتى المسيحيون أنفسهم ك (مارتن لوثر) الذي انشق عن الكاثوليكية، واخترع لنفسه مذهباً جديداً سماه البروتستانتية.

_____________________

(1) علي والثورة الفرنسية ص 290


 

من هذا وغيره نستطيع أن نتميز بوضوح، لماذا صبت الثورة بمجرد انبثاقها جام غضبها على الكنيسة، ولماذا حاربتها محاربتها للإقطاع والجهل، لأنها – في الواقع -  تمثل الإقطاع وتمثل الجهل كما إنها حاربت فيها كلا من الجانب الديني والدنيوي، لأن الكنيسة إستغلت الجانب الديني في سبيل الجانب الدنيوي أبشع إستغلال. فكان أول شيء عملته الثورة الفرنسية أن صادرت أموال الكنيسة وجعلتها مؤسسة خاضعة للدولة. وجعلت الجمعية الوطنية أملاك الكنيسة رصيداً للعملة الجديدة التي أصدرتها. ثم أصدرت دستوراً مدنياً لرجال الدين، فجعلتهم موظفين عند الدولة وأزالت عنهم صفة رجال الدين كطبقة وأصحاب نفوذ. ثم طلبوا إلى رجال الدين أن يقسموا على القانون(1) . يضاف إلى ما مضى، بخصوص – أعال الكنيسة – أن العقائد الأساسية التي تقوم عليها باطلة لا تقوم على برهان صحيح، كإيمان المسيحيين بالثالوث المقدس الذي أثبت الإسلام عن طريق العقل الذي لا شك في استحالته، وهو موجود في مواضعه من الكتب الإسلامية، وهذا نفسه ما التفت إليه جماعة من أنصار الثورة الفرنسية فعرفوا سخفه وبطلانه وتمردوا عليه، ومن ثم فقد قال جماعة نحن نعبد الكائن الأعظم، وقال جماعة أخرى : نحن نعبد العقل واحتفلوا له بصورة رسمية

_________________

(1) محاضرات في التاريخ الحديث


 

في كنسية(1) . ومثل هذه الكنيسة ذات هذه الأعمال وهذه العقائد هي أهل لأن تحارب، وأهل لأن تقف الثورة منها كما تشاء. ولكن الغلط الفاحش الذي يقوم به دعاة الإلحاد المتأثرون بالفكر الحديث على أبشع صوره، وبالشكل الذي هم يفهمونه، وبالشكل الذي يمثل مصالحهم الخاصة، دون أن يعرفوا ما قصد إليه الفكر الحديث بالضبط. إن الغلط الفاحش الذي يرتكبه هؤلاء هو إطلاق القول في الإعتراض على جميع الأديان، والدعوة إلى التخلي عنها جميعاً، كأن شرذمة معينة تنسب نفسها إلى دين من الأديان إذا تعسفت وأجرمت بحق شعبها ودينها، فكأن دينها مسؤول عما تفعل أو أن الأديان كلها مسؤولة عن ذلك، وكأن ديناً من الأديان – ولو فرضاً – إذا كان باطلاً وقد ذاق منه معتنقوه الوبال، فشددوا الخناق على رجاله، وتملصوا من عقائده، كأن كل الأديان يجب أن يشدد عليها الخناق، وأن يتملص الناس من عقائدها. وكأنهم لا يعلمون بأو اوربا إنما تمردت على المسيحية، وإنما شددت الخناق على رجال الكنيسة، تلك المسيحية المحرفة عن واقعها الذي نزل على عيسى بن مريم، على نبينا وعليه السلام، وأولئك الرجال الذين أكثروا في البلاد  الفساد. وأنما عنت اوربا بالدين، ذلك الدين الذي تمردت عليه لأنه لم يكن بين ظهرانيها دين آخر حتى تستند

_____________

(1) محاضرات في التاريخ الحديث


 

عليه بعد خروجها عن المسيحية أو تستثنيه عن هجماتها، او حتى لتشركه في هجماتها وتمرداتها.

 

يا له من تقليد أعمى، حين ينظر دعاة الإلحاد إلى أوربا فيجدونها تتمرد على المسيحية، فيمتردون في بلادهم على الإسلام. ويرونها تخرج على تعاليم دينها، فيخرجون عن تعاليم دينهم. ويرونها تحتقر رجالها، فيحتقرون رجاله. كل ذلك عن طريق هذا التعميم الباطل الذي استعمل في إطلاق كلمية دين على المسيحية والإسلام، وهو وإن كان كذلك إلا انه لا يعني على الإطلاق من بطلان أحدهما بطلان الآخر، فلكل أسسه الفكرية وتعاليمه الخاصة، بل إن للإسلام أسسا فكرية راسخة رسوخ الخلود، وتعاليم عادلة واسعة سعة الفضاء وليس للمسيحية من التعاليم والأسس الفكرية ما يلصح لقيادة الإنسانية وللخلود.

 

الم يعلم دعاة الإلحاد بأن اوربا قد ذاقت من المسيحية تجربة قاسية بشعة، ومن ثم فقد تمردت عليها، ولم يكن لها إلا أن تفعل ذلك، لأنه ليس إلا الأذلان العير والوتد من يقيم على لاضيم المراد به. أما دعاة الإلحاد من أبناء شرقنا المسلم فلم يمروا بتجربة فعالة لدينهم القويم لتريهم العدالة الإنسانية، والرفاه الإجتماعي، والصفات الخلقية والروحية السامية التي تسود المجتمع تحت لواء الإسلام. بل إن هؤلاء لم  يعرفوا من أسس الإسلام وبراهنه وقواعده الرئيسية شيئاً، وذلك ناشئ من ضعف الدعوة الدينية التي يمارسها المسلمون المتمسكون بدينهم القويم، ولم ينظروا إلى الإسلام إلا من ناحية القشور السطحية التي يتمسك بها السواد الأعظم من المسلمين، والتي هي تحتاج إلى كثير من التصحيح والتعديل، وأنما انحرفت هذه العقائد العامية أيضاً وجمدت على هذا المستوى الضئيل، كأثر آخر لضعف الدعوة الدينية أيضاً.

 

ألم يعلم دعاة الإلحاد أن الدين يكمن في النفوس إيماناً ويقيناً وإطمئنان ضمير، وفي اليقين والإطمئنان لذة لا يجدهما الفاقد لهما، ويحميهم من كثير من العقد النفسية والأمراض العقلية، ويخلق بين الشعب تراحماً وتعاطفاً ومحبة، ويصعد بمستواهم الثقافي والعقلي والخلقي  إلى مرتبة سامية، ويحميهم   من الإنحدار في مستوى الرذيلة والفساد، وهذا كله مما لا يمكن وجودها بأي شكل من الأشكال مع وجود الإنحلال العقائدي، والفتسخ الخلقي وتشتت الآراء والأهواء. الذي ينبغي أن يقال، بالنسبة إلى واضعي هذا القانون، إن إعترافهم بعدم جواز إزعاج أحد بسبب آرائه حتى الدينية منها،  ليس فيه فسح للحرية الدينية. ولأننا إذا أمعنا النظر نجده يعني عكس ذلك تماماً من حيث إنه يعني أيضاً عدم جواز إزعاج الثورة في آرائها ضد الكنيسة أيضا، ونحن نعلم ما قد عملته الثورة من تنكيل بالكنيسية، كما أشرنا إليه فيما سبق، وليست الثورة إلاّ عبارة عن الجمعية الوطنية التي أصدرت هذا الإعلان بالذات. فمن المحال بلانسبة إلى وجهات نظرهم الخاصة أن يعطوا الحرية الدينية ويشجبوا أعمال الثورة ضد الكنيسة. إذن فلا تبقى هذه العبارة من الإعلان بالنسبة إلى الدين، أي المسيحية التي بين ظهرانيهم، إلا حبراً على ورق، وكلمة تقال للدعاية والتظليل.

 

وبالطبع لا معنى للتحدث عن رأي الإسلام في الحرية الدينية الإسلامية، بل ينبغي التحدث عن حرية الإعتقاد بغير الدين الإسلامي، في الدولة الإسلامية المفترضة.

 

إن هذا الشخص الذي يعتنق غير دين الإسلام، اما أن يكون كذلك من أصله أو مرتداً عن دين الله العزيز. فإن كان أصلياً فهو مدعو إلى إعتناق الدين الإسلامي ككل شخص غير مسلم فإن كل شخص رشيد مكلف عقلاً بالنظر في الأديان والتفحص عن الحق في خضم هذا الصراع العقائدي الرهيب في العلام، فإن الوصول إلى الحق لا شكك أنه أ:مل بكثير من الشك أو الركون إلى مبدأ باطل، وما دامت النفس التواقة بذاتها إلى الكمال، فعليها أن تفحص عن الرأي الصحيح لتعتنقه، ولا شك أنها سوف تصل بعد فحصها، إن أخلصت للحق من ناحية، وكانت سبل البحث متوفرة لديها من ناحية ثانية، وتجردت عن العوامل الإجتماعية المعيقة عن موضوعية البحث من ناحية ثالثة. فإنها حتما سوف تصل إلى الإسلام دين الله الخالد.

 

ومن ناحية أخرى فإن الإسلام قرن أوامره بالإثابة على إطاعتها ونواهيه بالعقاب على عصيانها، ومعنى ذلك تولد الإحتمال ولو ضعيفاً في نفس الفرد المفكر الرشيد بالضرر، وهو الوقوع بالعذاب الذي توعد به الإسلام.

أي انه تولد مثل هذه القضية الشرطية في فكره : لو كان الإسلام صادقاً فإني حتما سأعاقب، والعقاب الذي توعد به الإسلام ضرر بالغ، إذن يجب أن يدفع هذا الإحتمال عن نفسي. ومعنى ذلك وجوب البحث عن أدلته وبراهينه لإثبات صحته، فإن كان صحيحاً إعتنقه وأزال عن نفسه الضرر، وإن لم يوفق إلى الإعتقاد بذلك، فقد دفع إحتمال الضرر، وما ذلك إلا لأن قاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل، قاعدة فطرية في نفس الإنسان يتبعها في كل حركاته وأقواله، فلن تطرق طريقاً تحتمل أن فيه لصا يسرقك أو وحشاً يعتدي على حياتك. ولذا تراك إذا إضطررت إلى الذهاب في مثل هذه الأماكن الخطرة كالغابات والأدغال، فإنك لا بد أن تترس بالسلاح لكي تحمي نفسك، لكي تذهب إحتمال الضرر عن نفسك.

 

ومع صرف النظر عن الأدلة العقلية فإن قوانين الإسلام العادلة وأنظمته الرشيدة وتوجيهاته الإلهية القويمة، تلك الأنظمة والإرشادات التي قد تجد منها شيئاً في هذا البحث، فإن هذه القوانين لتحث الفرد على إعتناق الإسلام للفوز بالسعادة العظمى في الدنيا والآخرة، والإرتقاء في مراقي الكمال الروحي، والفوز برضا الله (عز وجل)، خالقه العظيم.

 

أما بالنسبة إلى وجود غير المسلم بالأصل في الأراضي الإسلامية المحكومة للدولة الشرعية الإسلامية، فاما ان يكون هذا الفرد قد جاء من بلاد قبلنا بشروط الذمة التي اشترطتها عليهم الحكومة الإسلامية فاكانوا تحت سيطرتها وفي حمايتها، تلك الشروط المذكورة في  محالها من كتب الفقه الإسلامي. فهذا الفرد يكون آمناً على نفسه وماله، محترماً بين المسلمين بالقدر الذي تسمح به قابليته الشخصية أن يحترم. واما أن يكون هذا الفرد قد هرب من بلاده لكي يأتي إلى بلاد الإسلام مستجيراً لاجئاً لمن يعلم في الإسلام من عدالة وإنصاف. فعلى الحكومة الإسلامية حماية هذا الفرد حتى تبلغه مأمنه، وذلك كما قال الله (عز وجل) لنبيه (صلى الله عليه وآله) : (( وإن أحد من المشركين استجارك فأجره، حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه، ذلك بأنهم قوم لا يعلمون))(1).

 

وغني عن التنويه لما في هذه الآية من الحكمة البالغة.  فإن الكفر والإشراك بالله تعالى وسائر المبادئ الفكرية غير الإسلام، إنما تنشأ عن

_____________________________

(1) التوبة آية (6)


 

جهل الفرد أو الجماعة بالحق وبالبرهان  الصحيح وقصورهم عن بلوغهم إلى مصالحهم الحقيقية. فإذا استجار  بالنبي (صلى الله عليه وآله) فرد منهم، فينبغي له أن يجبره، فإن الذمة مصونة في الإسلام، ولا يجوز نقض العهود ما لم ينقض الطرف الآخر، كما يقول الله (عز وعلا) : (( إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم إن الله يحب المتقين))(1). ومن ثم إن النبي (صلى الله عليه وآله) يستبقيه قبل أن يبلغه مأمنه ليسمع كلام الله تعالى، ولتهز أوقار قلبه تلك المعاني الروحانية المقدسة، ولتفتح أبواب عقله تلك الحكمة الإلهية البالغة، وليرى بأم عينيه ما عليه الإسلام من سعادة ورفاه، وخلق رفيع، ومجتمع نبيل، ونفوس متحابة متعاطفة، وما فيه من قوانين عادلة، ونظم حكيمة، وليتشبع هو بكل هذه الأمور، وليرجع إلى مأمنه فيتكلم عما رأى وسمع وليدعو غلى الإسلام في مجتمعه الكافر. اما إذا كان هذا الفرد، قد جاء من بلد معاد للإسلام، فإنه – حتماً – سوف يعرض نفسه للقتل، إ، لم يخرج هرباً من البلاد، ولم يكن للدولة الإسلامية إلا أن تقتله لئلا يكون فيها جاسوساً لبلاده، ويبث في مجتمعها العقائد الفاسدة أو يبذر بين الأفراد روح الضغينة والفساد أما بالنسبة إلى الشخص الذي خاه حظه وتسافلت به نفسه، فارتد عن دين الإسلام

____________________

(1) التوية آية (7)


 

الحنيف، ولا يمكن أن ينشأ إلا عن الجهل بأسس الإسلام الحقيقية.

فإن هذا الشخص اما أن يكون مرتداً ملياً أو مرتداً فطريا، حسب ما يصطلح عليه الفقهاء المسلمون والمرتد الملي هو الذي  لم يكن مسلماً بالأصل ثم اسلم ثم ارتد على عقبه فكفر، واما الفطري فهو المرتد عن الإسلام الأصلي. اما المرتد الملي فيستتاب وينتظر به المدة التي يحتمل فيها رجوعه عن غيه إلى الصواب فإن رجع وإلا قتل. واما المرتد الفطري فإن كان رجلا، فإنه يكون كما قال الإمام الباقر (عليه السلام)، كما في صحيحه محم دبن مسلم : ((من رغب عن الإسلام وكفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وآله بعد إسلامه، فلا توبة له وقد وجب قتله، وبانت منه إمراته ويقسم ما ترك على ولده .واما المرأة فلا تقتل وإن كانت ردتهاعن فطرة بل تحبس دائما وتضرب في أوقات لاصلاة بحسب ما يراه الحاكم كافياً لارتداعها ،وتستعمل في الحبس بأسوء الأعمالن وتلبس أخش الثياب وتطعم أجشب الطعام إلى أن تتوب أو تموت))(1).

 

مما مضى يمكن أن نعرف رأي الإسلام بالفقرة الثانية من هذه المادة، وهو الذي ينص على ألا تكون المجاهرة بالآراء – التي اعتبرها الإعلان حرة – مخلة بالأمن العام الذي قرره القانون. فإن الأمن العام الذي

_______________________

(1)  اللمعة الدمشقية ، كتاب الحدود ص368 ج2


 

قرره القانون الإسلامي هو المحافظة على التعاليم الإسلامية، والدولة الإسلامية والأخلاق الإجتاعية الإسلامية، وملخص القول المحافظة على كل قانون من قوانين الإسلا م ونصائحه وإرشاداته. وقد قام الإسلام في سبيل ذلك يمنع بقاء أي شخص غير مسلم في بلاده إلاّ إذا كان الإسلام ذمة وعهداً معه، وإنما ينتظر مع هؤلاء ماداموا محتفظين هم بالعهد، فإن فكروا في يوم من الأيام بنقض العهد والتمرد على الإسلام وبذر الشقاق والعقائد الفاسدة بين المسلمين، فإنهم يعودون محاربين للإسلام.  والمحارب لا بد أن يقتل بإجماع المذاهب القانونية والإنسانية، دفاعاً عن النفس ودفاعاً عن الدين الإلهي الحنيف.

 

 

(16)

 المادة الحادية عشر : حرية نشر الأفكار. والأفكار أثمن حقوق الإنسان، فلكل مواطن أن يتكلم ويكتب بحرية، على أن يكون مسؤولاً عن إساءة إستعال هذه الحرية، في الأحوال التي يقررها القانون.

 

حق الحرية هو من أهم الحقوق التي أثبتها الفكر الحديث للإنسان الحديث، ومن هنا عبر عنه واضعو هذا الإعلان بأنه أثمن حقوق الإنسان، واكدوا علهي مراراً في إعلانهم. وانما أكد الفكر الحديث على هذا الحق وإنما أكد هذا الإعلان عليه، بسبب ما مر عليه في عصوره المظلمة من جور وتعسف، وكم للأفواه، وتقييد للحريات، لئلا ينبس أحدهم ببنت شفه ضد النظم الإقطاعية والملكية الفاسدة، فيكونوا خطراً ضد هذه الأنظمة الظالمة. وكان يذوق كل مفكر يحاول أن يقول أو يعترض أنواع التنكيل والعذاب حتى الموت بصورة تقشعر من تصورهم الأبدان.

 

ومن جراء هذا الضغط حصل الإنفجار مروعاً شديداً، بحيث إعتقد ان حق الحرية أثمن من حق الحياة، وأثمن من النظام، وأثمن من الأخلاق لو تعارض معها، ومن ثم فقد ذهبوا بالحرية كل مذهب، ونكلوا بأولئك تنكيل، حيث كان مجموع ما قتل في تكل الفترة نحو عشرين ألف شخص(1). وكان ذلك في سنة 1792 إلى سنة 1794. وكذلك ما زلنا نرى أثر هذه الحرية التي حصل عليها الأوروبيون، من تحلل خلقي وإجتماعي وتفشي العقائد الإلحادية والدعوات المتضاربة المتناقضة في المجتمعات الأوربية وغير الأوربية، بل إن كل مفكر يبرز إلى الوجود يكون له رأي جديد ووجهة نظر جديدة، وتفسير جديد للكون والحياة مما يجعل الناس ف يحيرة من امرهم بعد ان تتبعثر عقائدهم

__________________

(1) محاضرات في التأريخ الحديث


 

 

ويضيع معهم يقينهم واطمئنانهم. وكان من جملة تلك الدعوات الإلحادية، الدعوة الماركسية التي وجدت من الإنفجار الثوري الذي حصل في موسكو على أثر الضغط القيصري التعسفي على الشعب الروسي، مستنقعاً خصباً للتوالد والإنتشار. ومما ينبغي الإشارة إليه أن البرجوازية التي أصدرت هذاالإعلان لم تكن تقصد بالحرية إلاّ مصالحخها الشخصية وما تضمن به الدعوة إلى افكارها ومذاهبها في الحياة. فإذا وصلت هذه النظرية إلى الحد الذي تطبق فيه على من سواهم من الشعب الفرنسي، وقفوا منها موقفاً صلباً متعنتاً، فلم يكونوا بأي حال يقبلون الإعتراض على أساليبهم وأفكارهم الضارة بمصالح العمال والفلاحين من قبل هذه الجماعات أنفسها. ومن هنا نرى أن الحرية قد أصحبت بالنسبة إليهم أمراً يستغله البرجوازيون لمصالحهم الخاصة، ويحلم به الفلاحون والعمال كل لمصلحته الخاصة أيضاً.

 

وإثبات حق الحرية في كل دولة العالم أجمع، إنما هو بما لا ينافي مبادئها الأساسية وقوانينها الرئيسية ، ثم هي تعطي الحرية لما سوى ذلك. ومن ثم فإننا نرى أن الدول المؤسسة على أساس مذهب معين ووجهة نظر خاصة، كالدول الشيوعية، تفتقد فيها الحرية بالنسبة إلى مناقشة وجهة النظر التي تتبناها الدولة. ومن هنا نرى أن الدولة كلما قلت فيها المبادئ الأساسية ازدادت نسبة الحرية فيها، وصارت قوانينها عرضة للمناقشة والتغيير أكثر من غيرها. ولكن معنى ذلك في عين الوقت إلا تكون الدولة مهتمة بتطبيق القانون الحق، وإنما تطبق في بلادها كل قانون حصلت عليه إرادة أكثرية الشعب.

 

والواقع أن أطلاق العنان للحرية المطلقة في نشر الأفكار لا يعني إلا بلبلة الأذهان، وضياع الحق من الوسط الفكري، واختلاطه بأكوام نتنة من الباطل. وجعل الرجل العادي متحيراً لا يدري إلى أين يتجه لكثره الأصوات والدعوات التي يراها تنطلق حوله، لذا نراه يتوجه نحو الصوت الأقوى والدعاية الأوسع، ولا تعني الحرية أيضاً إلا هذا الصراع الدائم الرهيب بين المذاهب والأفكار المتضاربة، ذلك الصراع الذي لا يقف على مدى الزمان، ولن يمكن الحد من غلوائه ما دامت الحرية نافذة المفعول في البلاد. هذا الصراع الذي يترتب عليه كثير من المفاسد والأضرار الإجتماعية والنفسية والدينية والأخلاقية، والذي ربما سبب نشر مذهب باطل، واقتضى ظهور شرذمة فاسدة في حين يختفي الأناس الصالحون والمذهب الحق تحت الرماد.

 

ومن ثم فإننا نرى الحكومات الحديثة لم تستطع أن تحفظ الأمن والنظام وسيادة القانون في بلادها، ولم يمكنها الإحتفاظ بسيطرتها وهيبتها، إلا بعد أن جعلت على الحرية قيودا كثيرة مستمدة – في كل دولة- من قوانينها الرئيسية ومبادئها الأساسية. وحتى هذا الإعلان نفسه قد اشترط على الحرية أن يكون صاحب الرأي مسؤولاً عن إساءة إستعمال الحرية في الأحوال التي يقررها القانون، ولم يكن يستطيع واضعو هذا الإعلان، ولم تكن تستطيع الحكومات إلا أن تفعل ذلك بعد أن علمت ما في الحرية المطلقة من فساد وإنحلال.

بعد كل ما مضى نعرف أن الدولة الإسلامية لم تقيد الحرية إلا بحسب وجهة نظرها الخاصة، وفي ضمن نطاق عقليتها العامة، وقوانينها الإلهية، التي تستهدف نشر العدل والسعادة بين ربوع المجتمع. والاسلام قد أدرك بثاقب نظره وبالغ حكمته تعذر الحياة مع الحرية المطلقة، وتعذر الوصول إلى الحق مع حرية نشر الآراء، في حين أن الحياة والوصول إلى الحق أثمن ما لدى الإنسان من أهداف، إذن فلا بد من تقييد الحرية بشكل من الأشكال. وليس منالمنطقي حينئذ أن تقيد الحرية بقوانين ظالمة لأنه يكون قد نشر من الجور أكثر مما قصده من العدل. فلا بد إذن من تنظيم القيود على الحرية بشكل عادل يضمن سعادة المجتمع ورفاهه..

وهكذا كان، وهكذا صدرت القوانين عن الله (عز وجل) العالم بحقائق المصالح الإنسانية والمطلع على سرائر البشر وغرائزهم. لتنشر العدل والسلام بين بني الإنسان.

 

 

 

وما دمنا قد عرفنا أن العدل لا بد أن يسود في البلاد، وأن العدل لا يمكن إلا أن يكون واحدا، لأن الإنسانية واحدة ولأن غرائزها وميولها وأمالها وآلامها واحدة، وإن هذا المذهب العادل الواحد لا يمكن أن تدركه إلا الحكمة الإلهية الانهائية، وإن الله (عز وجل) قد تفضل علينا فعرفنا بنفسه وبتعاليمه، وما دمنا قد علمنا أن الحرية تنافي العدل، وتنافي سيادة هذا المبدأ الواحد العادل في ربوع الإنسانية، لما تسببه من إضطراب وبلبة وتستت في الآراء والأهواء. إذن فلا بد من سيادة العدل بدل سيادة الحرية، وإنما تبقى الحرية سارية المفعول في ضمن هذا المذهب العادل.

وهكذا فعلل الإسلام، وهكذا فعلت الدول ضمن نطاق قوانينها التي تراها عادلة وفي صالح شعبها، وهكذا عملت الدول المذهبية كالدول الشيوعية في ضمن نطاق مذهبها المعين.

والإسلام بعد هذا، أي بعد سيادة العدل الذي هو عبارة عنسيادة الأخلاق الفاضلة، والمبادئ النبيلة، والتعاطف، والتراحم، والإحترام المتبادلبين الناس، والمسامحات \، والإيثار، والضمان الإجتماعي، إلى غير هذه المبادئ التي نادى بها الإسلام، بعد هذا كله يجيز الإسلام نشر الآراء والتكلم بحرية تامةضمن نطاق المناقشة البناءة المخلصة التي تهدف إلىمصلحة المجتمع والدين الإسلامي.  ومنثم فقد ورد عن أبي الأئمة الهداة امير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال : ((سل تفقها ولا تسأل تعنتا))(1) أي سل لكي تفهم وجه الحق لا لأجل ان تهدم رأي غيرك

____________

(1)


 

وتحتقره وتظهر أنه باطل على كل حال. بالإضافة إلى ما قد أسلفناه في مناقشة المادة الثالثة من هذا الإعلان من ترحيب الإسلام بالمناقشة المخلصة البناءة التي ترمى إلى شد أزر الرأي الشخصي، ونصح الفرد وإنتشاله من وهدة المشاكل، ولذلك قال سيدنا وملانا أمير المؤمنين ( عليه السلام) :  ((من استبد برأيه هلك ومن شاور الرجال شاركها في عقولها))(1) .

 

(17)

المادة الثانية عشر : يستوجب ضمان حقوق الإنسان والمواطن قوة عامة، فهذه القوة تنشأ لمصلحة المجموع لا لمصلحة من توكل إليهم إدارتها.

يقول واضعو هذه المادة : إنه لا بد من ضمان حقوق الإنسان والمواطن، وهي الحقوقن التي سبق أن عددوها في المادة الثانية من هذا الإعلان، وهي الحرية، والتملك، والطمانينة، ومقاومة الظلم على الشكل الذي يفهمونه منها، والذي يمثل مصالحهم البرجوازية الخاصة، ولا بد من ضمان هذه المصالح الرجوازية من قوة تمارس الضغط على ا لعمال إذا هم خرجوا عن واجباتهم. والمقصود من هذه القوة هي السجون

_________________

(1)


 

والمحاكم والقوات المسلحة. وهذه القوة تنشأ لمصلحة المجموع أي لمصلحة الطبقة البرجوازية لا لمصلحة من توكل إليهم إدارتها كالقائد العام للجيش، والقاي ، ومدير السجن، فإن على هؤلاء أن يخضعوا لأوامر البرجوازيين وإلا ذاقوا وبال أمرهم. وهذا مما لا يمكن أن ينطبق على وجهة النظر الإسلامية تماماً، لأننا قد عرفنا أنه لم تشرع العقوبة بالسجن في الإسلام إلا نادراً. كما إنه هذه الأمور الأربعة التي يحرص على ضمانها البرجوازيون ليست هي المثل العليا في افسلام. فإنه قد سبق أن قررنا في المادة الثانية رأي الإسلام في هذه الحقوق. وإنما الذي ينبغي صيانته في نظر الإسلام، وتجنيد هذه القوى للدفاع عنه، هو العدل والنظام، وسيادة الأخلاق، والعقائد الإسلامية في ربوع المجتمع وبالتلخيص هي تعاليمه التي تضمن سعادة المجتمع ورفاه الإنسانية.

 

وهذه القوة العامة في الدولة الإسلامية إنما تنشأ لخدمة الإسلام ومصلحة المجتمع، وسيادة القانون والنظام فيه. لا لمصلحة من توكل إليهم إدارتها، فإن هؤلاء المشرفين عليها إنما هم – كسائر موظفي الدولة الإسلامية – مسؤولون عن أعمالهم ومراقبون عليها من قبل الله (عز وجل) والإمام، رئيس الدولة الإسلامية، ومن قبل الأمة الإسلامية وضمير الفرد الإسلامي، كما سوف نفصله في المادة الرابعة عشر من هذا الإعلان إنشاء الله تعالى. وهم مسؤولون عن كل زلة أو سوء إستعمال سلطة، أو ظلم يمكن أن يصدر منهم.

 

ومما ينبغي ملاحظته أن الشعب المتشبع بروح الإسلام هو القوة العامة الأساسية في الدول الإسلامية، فليست هذه القوة التي يعنيها واضعو هذا الإعلان بالنسبة إلىالمجتمع الإسلامي، إلا قوة إحتياطية تراقب ما يمكن أن يقع من الزلل والخطأ ، وإلا فان الفرد الذي ربي تربية إسلامية حتى امتزج دين الله القويم وتعاليمه الحكيمةبلحمه ودمه، وصارت جزءاً سامياً من نفسه، وصار أمتثال التعاليم الإسلامية عادة طيبة له، ولمس في نفسه اللذة الكبرى التي يجدها الفرد في الخشوع لله (عز وجل)، وفي التعاطف والتراحم والمحبة بين الناس. مثل هذا الفرد، هو عباة عن طميع المواطنين في المجتمع افسلامي، يستحتيل عادة صدور الذنوب والهفوات والمفاسد منه، إلا ما شذ وندر من الحالات .

 

(18)

المادة الثالثة عشر : لتأمين نفقات القوة العامة، ونفقات الإدارة، يجب جباية الضرائب العامة، ويجب توزيع هذه الضرائب على كل المواطنين بالسواء كل على حسب طاقته.


 

يقول وضعو هذه المادة : إنه يجب لأجل الصرف على القوة العامة  :  السجون، والمحاكم، والقوات المسلحة. ولأجل تأمين نفقات الإدارة في الدولة :  تجب جباية الضرائب العامة، ويحب ان تكون هذه الضرائب عامة وموزعة على كل المواطنين بالسوية، كل على حسب مقدار طاقته المالية، ودخله، فيوضع على كل دخل من الدخول نسبة معينة متساوية من الضريبة.

 

هكذا أراد واضعو هذا الإعلان أن يضمنوا العدالة في سن الضرائب، وحاولوا أ، لا يقع الإحجاف على أحد أو جماعة دون غيرهم ، ذلكالإجحاف الذي ذاقوا منه في عهودهم السابقة الأمر الشديد، وقد ارادوا من هذه العدالة بوجه خصا، ألا تؤثر الضرائب على مصالحهم التجارية والصناعية، لأنهم يعلمون أنه لا بد أن يكونوا مشمولين لقانون الضرائب، ولا يصح لهم أن يكونا كالطبقات السابقة صااحبة الإمتيازات التي ثاروا عليها وسحقوها، ومن ثم فلا بد أن يحتاطوا لأجل حفظ مصالحهم من أن تؤثر عليها الضرائب.

 

ولكن هذا التحديد الذي وضعوه على الضرائب بحقيقته، هو اقصر باعا، وأبسط تأثيرا ً من أن يؤثر على رؤوس الأموال الضخمة التي يحتكرها هولاء البرجوازيون، تلك الأموال التي يريد الإسلام بسنه لضرائبه أن يحد من غلوائها . وكيف يكون مؤثراً بعد أن كان هذا التحديد موضوعا بعناية تامة لكي لا يكون مؤثراً في مثل هذه المجالات. ومن ثم نعرف أن الإسلام كان في وضع ضرائبه أبعد نظرا، وأوسع أفقا، وأصلح للبشرية ، من هذه القواعد الضيقة التي يضعها هؤلاء البرجوازيون.

ففي كل من وضع الضرائب نفسها، ومن توزيعها مصالح ومصالح يهدف بها اسلام إلى رقي المجتمع ورفاهه.

 

فإن في وضع الضرائب تحديدا لرأس المال، وإشعاراً للفرد بالمسؤولية بالنسبة إلى أمواله أمام الله (عز وجل) كما هو مسؤول عن شؤونه الأخرى أمامه. وترويضاً للنفس على طاعة الله (عز وجل) حينما يشعر الفرد أنه يعطي هذه الأموال قربة لوجه الله الكريم، وطاعة لأمره العزيز عن طيب خاطر وراة ضميرن وحثا للفرد على معونة مجتمعه وإكرام الفقراء والمساهمة في أمال الدولة ، تلك الدولة التي لم تنبثق إلا لخدمة المجتمع والإسلام. وثواباً ضمنه الله تعالى للفرد الذي يعطي هذا القسط من أمواله، ذلك الثواب المتمثل في رضاء الله ( عز وجل) والقرب المعنوي منه (عز وعلا) من ناحية، والفوز بالجنية والنعيم المقيم في الدار الأخرى من ناحية ثانية.

وفي توزيع الضرائب مصالح كثيرة للمجتمع الإسلامي فهي إعانة للفقراء والمساكين والمنقطع بهم، وحرية للأرقاء يشترون بها من مواليهم ويعتقون وفك لدين المدينين، وتربية إسلامية صالحة لليتامى ، وتقريب لقلوب الكافرين إلى الإسلام حين يعطون من هذه الضرائب فيذكرونللإسلام فضله وعدله. ومن صارفها كل عمل يرضى به الله ( عز وجل) يكون في صالح الإسلام أو الامسلمين كبناء المساجد والمدارس والجسور والشوارع والمستشفيات ولامكتبات، وما إلى ذلك من المرافق العامة. فإن بقي بعد ذلك شيء، كان بيد الإمام المعصوم (عليه السلام) يتصرف به  ما يشاء، وهو بعصمته لن يتصرف إلا على حسب المصلحة الحقيقية للمسملمين وللإسلام.

 

ومن هنا نرى أن هذه الضرائب التي تجبى ليس للدولة منها إلا جزء يسير منها، لا كما حلم به  واضعو هذا الإعلان، من جبايتها لأجل أن تدخل في جيوبهم أثناء تسنمهم المناصب في البلاد.

بل إن هذا الجزء الصغير إنما يصرف أيضاً في صالح المجتمع الإسلامي من ضمان سير أمور الدولة على ما يرام وتطبيق قوانينها بصورة عادلة وصحيحة. 

 

وللضرائب الإسلامية نظام وضعه الإسلام، لكي يحد من التلاعب الذي قد يتدخل في جباية الضرائب أو توزيعها، وهوما يسمى بإصطلاح الفقهاء بالزكاة والخمس. وهو نظام دقيق مفصل مذكور في محله من الفقه الإسلامي . ويمكن أن نلاحظ – إذا تصفحنا النظام – أن من خصائصه جعل الضريبة على رأس المال بالإضافة إلىجعلها على الربح.


 

.وفي ذلك حد من تضحم الثروة اكثر من اقتصار الضريبة على الربح مع التحفظ على رأس المال، لأن هذا المال الذي يبقى عند صاحبه سوف ينتج أضعاف ما أخذ منه، اما لو وضعت الضريبة عليه مباشرة لكان في ذلك حداً حاسماً لتضخم الثروة.

كما يمكن أن نلاحظأن ليس في هذا النظام ضرائب تصاعدية تزيد نسبتها كلما زاد المال. بل الضرائب الإسلامية اما ثابتة النسبة عند زيادة المال، واما ان تكون (تنازلية)تقل نسبتها. بزيادةالمال. كما نلاحظ قلة الكمية المدفوعة في الضريبة على نحو العموم، فإن منها ما يكون جزءاً واحداً من أربعين جزء، كما في زكاة الذهب والفضة، ومنها ما يكون عشراً أو نصف العشر كما في زكاة الحنطة والشعير والتمر والزبيب. وأكبر نسبة مفروضة من الضريبة هي الخمس.

ولكن رغم هذه الضآلة في كمية الضرائب، فإنه يمكننا أن نلاحظ بأدنى تفكير، كميات ألموال التي يمكن أن تجبى بموجب هذه الضرائب، وكم سوف ينتفع منها المجتمع الإسلامي؟ تصور كم ستكون الأموال الناتجة إذا أخرج الخمس من أرباح التجار ومن المعادن والجواهر، وما أخرج من البح رعن طريق الغوص، وما أخرج من المناجم، ومن الأموال المختلطة بالحرام ، ومن الأموال التي اكتسبت عن طريق الربا والإحتكار، والقيام بالفعاليات المحرمة إسلاميا كاحتراف البغاء أو الغناء، وغير ذلك مما يجب فيه الخمس. وتصور ما إذا أخرج كل زارع زكاة زرعه، وكل راع زكاة أنعامه، وكل مصرف وتاجر زكاة ما يملك من مسكوك الذهب والفضة وغير ذلك مما تجب فيه الزكاة. كم من الأموال سوف تجتمع حينئذ، ثم توزع مجاناً  على مستحقيها من الفقراء والمساكين واليتامى والمحتاجن والعبيد الأرقاء، ممن قد عددنا بعضهم على نحو الإجمال فيما سبق، كما يوزع على المصالح العامة وتعمير المرافق العامة ثم يصرف باقيه على مصالح الدولة .

كما إننا نلاحظ، حول هذه الضرائب ، تلك اللفتات الرحيمة التي أوردها الإسلام في شروط وجوب دفع الضرائب، مما ميجعل دفعها سهلاً يسيراً من ناحية، وقليلاً من ناحية أخرى، وفي ذلك تيسير للمالك إلى أكبر حد ممكن. فقد اشترط الإسلام في زكاة الأنعام السوم والحول، فلا زكاة عليها إن أتعب مالكها نفسه على إطعامها وتربيتها، أو كانت في ملكه مدة أقل من العام الكامل. واشترط في دفع العشر من الغلات الأربع أن يكون الزرع قد سقي بطريقة طبيعية كالمطر أو من نهر مجاور فائض أو أنه امتص الماء بواسطة جذوره في الأرض. اما إذا كان المالك قد تكلف له السقاية وبذل عليها مالاً وجهداً فلا يجب أن يدفع إلا نصف العشر. واشترط في وجوب الخمس في مال التجارة أن يخرج  صاحب المال أولاً مقدار ما يصرفه على نفسه وعياله بحسب متوسط حاله وبالشكل الائق به عادة، على ألا يكون باذخا مبذرا والا وجب دفع الضريبة على المال الذي يذهب في هذا السبيل أيضاً.

من كل ما مضى نعرف كيف وبأية طريقة حكيمة ورحيمة، طبق الإسلام ما شرطه هذا الإعلان من أنه يجب ألا تكون الضريبة أكثر من طاقة الإنسان. كما نعرف أهداف الإسلام السامية العميقة في سن الضرائب، إنها ليست فقط، كما توصل إليه ذهن واضعي هذا الإعلان من الصرف على القوة العامة والإدارة، بل غنه ينبغي أخذ الضرائب لكثير من المصالح الإجتماعية والدينية، تلك المصالح التي أرجو أن قد لا حظتها فيما سبق، والتي من جملتها لاصرف على القوة العامة والإدارة.

 

(19)

 

المادة الرابعةعشر : لجميع المواطنين الحق في أن يثبتوا بأنفسهم أو بواسطة نوابهم، من ضرورة الضرائب العامة، وأن يقبلوا بها برضاهم، ويراقبوا إنفاقها، ويحددوا نسبتها ومقدارها، وكيفية جبايتها ومدتها.

وقد جاء واضعو هذا الإعلان بالشروط المذكورة في القسم الأخير من هذه المادة والتي تخص إطلاع الشعب على الضرائب التي تفرض عليه.


 

لما لديهم من مسبقات ذهنية مستقاة من تأريخهم السابق المباشر، الذي عاصروه والذي كان ممتدا في اوربا من قبلهم طوال قرون. فإن الضرائب في تلك العصور الأوربية المظلمة كانت لصالح الملك أو الإقطاعي، لا لصالح الصرف على الشعب وتمويل القوة العامة والإدارة . ومن ثم فإن الشعب لم يكن يأخذ له صوت فيها(1) تى يتثبتوا من ضرورتها أو يقبلوا بها برضاهم.

كما إنه لم تكن نسبتها ولا مقدارها ولا مدتها ولا كيفية جبايتها محددة. فربما طلب الملك في يوم من الأيام نسبة معينة من الضريبة، وربما طلب في يوم آخر مقداراً معيناً من المال لا بد أن يجمعوه من بينهم. كا إنها كانت تجبى في الفصل الزراعي أو تجبيها جماعة معينة(2) إلى آخر ما هنالك من أساليب الفوضى والفساد. ولهذا أراد واضعو هذا الإعلان أن يسدوا باب هذا الأضطراب لما يجلبه عليهم من وبال وخراب في حياتهم الإقتصادية.

والإسلام بصفته نظاماً إلهيا، فهو لا يعترف بالتمثيل البرلماني. لأنه يضع قوانينه حسب المصالح الحقيقية للإنسانية تلك المصالح التي يعلمها الله (عز وجل) بحكمته البالغة اللانهائية، والتي سبق أن أكدنا أن العقل البشري

__________________

(1)                       انظر ما قلناه في مبدأ هذا البحث منطريقة التصويت في مجلس الطبقات العامة.

(2)                       محاضرات في التاريخ الحديث، الدكتور فاضل حسين


 

قاصر عن إدراكها بخصوصيتها، لما فيها من ملابسان نفسية شعورية ولا شعورية وعواطف وإعتبارات لا يمكن أن يطلع عليها أي واضع بشري لقانون مهما كان محيطاً بأحوال المجتمع وسكانه.

والتمثيل البرلمماني إنما شرع لأجل التأكد من صحة وعدالةالقانون من ناحيةن ولكي يطبق على الشعب برضاهم فلا يكونوا محكومين بسلطة غاشمة. ولكن ما دام هذا القانون عادلاً في حين وضعه. وا دام المسلم، بصفته مسلماً راض بالأخذ بهذا القانون وتطبيقه لما يرى فيه من العدالة والخلود. إذن فلا حاجة تبقى لدى الشعب المسلم إلى التصويت على أي قانون من القوانين الإسلامية.

 

بالإضافة إلى ما سبق أن أكدناه أن إرادة الفرد المسلم وحريته بيد خالقه لا يملك منها شيءا، فالله (عز وعلا) هو الذي يوجهه ويقوده إلى الحق بقوانينه وتعاليمه. ولم تشرع الإنتخابات البرلمانية إلا على أساس الإعتراف بحق الفرد في أن يحكم نفسه، وهو منتف أساساً في الدولة الإسلامية ولدى الفرد المسلم.



 

المادة الخامسة عشر : للهيأة الإجتماعية أن تحاسب كل موظف عمومي، عن أعماله.

 

يقصد واضعو هذا الإعلان، ومن الموظف العمومي، ا لموظف في دوائر الدولة، في مقابل الموظف في شركة أو منظمة أو حزب. اما بالنسبة إلى رأي الإسلام في محتوى هذه المادة، فهو يوضع موضع التفصيل. لا ن هذا الموظف العمومي اما ان يقصد منه رئيس الدولة الإسلامية، الإمام المعصوم (عليه السلام) . واما ان يقصد من سواه من الموظفين في الدولة. اما الإمام ا لمعصوم (عليه افضل التحية والسلامن)، فهو بعصمته وطهارة نفسه وقربه من الله (عز وجل)، غني عن المراقبة والمحاسبة . فإن الذي ينبغي ان يحاسب هو الشخص الذي يحتمل في شأنه الخطأ والهفوة، اما الإمام المعصوم (عليه السلام)، الذي يستحيل عليه ذلك بما لديه من الملكة القدسية الروحانية،  والتي يبرهن علهيا في محلها من الأدلة الإسلامية، فإنه أجل قدراً وأعظم نفساً من ان يحاسب على أعماله ، فإن هذه العصمة هي التي جعلته أهلاً لتولي هذا المنصب العظيم. بالإضافة إلى إننا نتساءل عن الشخص أو عن الجماعة أو عن الشعب الذي يتولى  مراقبته مع أنه أفضل أهل عصره جميعا، وأدقهم نظراً، وأوسعهم ذهنا، وأبعدهم بالطرق الصالحة التي ينبغي أن تطبق بها القوانين الإلهية، التي فوض إليه تطبيقها. فإن الشعب لن يجد من هو خير منه رايا، ولا أصوب منه وجهة نظر، بعد أن أختاره الله (عز وعلا) ليكون حجة على عباده. ولن يكون ما يقترح عليه، من قبل ذوي العقول الأنانية القاصرة، إلا دون ما يرى من حيث العمق والرشد.

 

واما إذا كان المقصود من الموظف العمومي، سائر موظفي الدولة، غير رئيس الدولة الإسلامية. فإن أي موظف من هذه  الدولة تتوجه إليه الرقابة الشديدة من عدة جهات، ولكل جهة منها من السلطة والقوة في معاقبة الفرد، وبصورة فعالة وعميقة، الشيء الكثير. وعليه فهو مراقب:

 

1-  من قبل الله (عز وجل)، الذي خلقه وانعم عليه بالحياة والعقل والمال، وسهل له سبل المعيشة، ووضع في خدمته الأرض والحيوان والمزروعات وكل العوامل الطبيعية، وشرع له من التعالمي والأنظمة ما يسمو به إلى درجات الكمال، وعلمه من القيم والأخلاقية والروحية ما تيسر له صفاء نفسه وسمو روحه. فهو مراقب من قبله (عز وجل) في جميع حركاته وسكناته، ومسؤول عن جميع أخطائه وهفواته. يجزيه عليها بعدالته أو يغفرها له برحمته.


 

2- وهو مراقب من ضميره الإسلامي. فإن الإسلام يصهر نفس المسلم في بوتقته، ويجعل من عواطفه وملكاته النفسية مزاجاً إسلامياً رائعاً، ويوجهها في سبيل الدين والخير وخدمة المجموع. وخاصة وقد تربى مثل هذا الفرد في أحضان المجتمع الإسلامي الخاشع لله (عز وعلا) المطيع لأوامره الحكيمة، والصمير إنما يتكون عن طريق الشحن فيه من القيم والإعتبارات، عن طريق المجتمع الذي يتربى فيه الفرد، ويترعرع فيه عقله وتنضج فيه نفسه. ومن ثم فهو يكون مرآة للمجتمع الذي تكون فيه، يأمر صاحبه وينهاه عن مستلزمات ذلك المجتمع وآدابه، ومن ثم فكلما كان المجتمع مهذباً فاضلاً تسوده العادات الطيبة والقوانين العادلة، كان الضمير أهدى لصاحبة وأوصل به إلى طريق الخير.

 

ومن ثم كان الضمير الذي تربى بين أحضان المجتمع الإسلامي ضميراً إسلامياً، يهدي للحق ويرشد إلى السداد، كما يراه الإسلام بحكمته البالغة. والضمير هو أقوى وأقرب قوى الرقابة من الفرد، وأبعد أثراً من كل التأثيرات الخارجية علىنفس الفرد وتصرفاته.

 

3- وهو مراقب من قبل الإمام المعصوم (عليه السلام) رئيس الدولة الإسلامية، الذي جعله في هذا المنصب ليخدم مواطنيه ويقضي حوائجهم، ويسعى في سبيل مصالحهم، ويخلص أداء واجبه في سبيل شعبه وأمته. فإذا صدر منه أدنى تقصير أو إسفاف، يكون عرضه للوم  والتأنيب من قبل الإمام (عليه السلام). فإذا انصاع إلى الحق فقد اهتدى، وإلا عزل عن منصبه، وعوقب بما يستحقه، على حسب القوانين الإلهية العادلة. ويؤتى بدله بشخص آخر يحل محله، يكون أخدم لشعبه وأخلص لدينه ولواجباته. ونجد من تلك المواعظ والتوجيهات، التي يبعثها الإمام (عليه السلام)، إلى موظفيه وعماله ليحثهم لى الخير ويجزهم عن الشر، نجد من ذلك في نهج البلاغة الشيء الكثير. فقد كان إسلوب الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، في الحكم، إسلوباً إسلامياً مثالثاً، تجسدت فيه قوانين الإسلام وتعاليمه بما فيها من عدالة وإرشاد وصلابة في سبيل الحق.

 

فقد كان (عليه السلام)، يؤكد على إبداء النصيحة والتوجيه إلى عماله الذين يبعثهم ليحكموا الأقطار الإسلامية، ويشدد عليهم في التأنيب عند أدنى زلة أو موبقة ينحرف فيها عن الدين أو يخرج بها على حقوق الأمة، وذلك لما يعلمه في ثاقب بصيرته، من أن ذلك أقوم لعماله، وأجدى من توجيه أعمالهم حتى تكون مطابقة للحق وتعاليم الإسلام.

 

فمن النصائح والتوجيهات التي بعثها الإمام أمير المؤمنين ( عليه السلام)، هو عهده المشهور إلى الأشتر النخعي، عندما ولاه على مصر. ذلك العهد الجامع لصفات الحكم الصحيح وإسلوب القيادة العادل،


 

وخير الوجوه التي ينبغي أن يكون بها سلوك الحكام في معاملتهم مع الناس وتصريف شؤون الدولة. يبدأه عليه السلام قائلً : ((بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أمر به عبد الله ، علي ، امير المؤمنين مالك بن الحارث الأشتر في عهده إليه حين ولاه مصر، جباية خرااجها، وجهاد عدوها، واستصلاح أهلها، وعمارة بلادها. أمره بتقوى الله وإيثار طاعته، واتباع ما أمر به في كتابه من فرائضه وسننه، التي لا يسعد أحد إلا باتباعها، ولا يشقى إلا مع جحودها وإضاعتها، وأن ينصر الله سبحانه بقلبه ويده ولسانه، فإنه جل اسمه قد تكفل بنصر من نصره، وإعزاز من أعزه، وأمره أن يكسر نفسه من الشهوات، ويزعها عند الجمحات، فإن النفس أمارة بالسوء إلا ما رحم الله))(1).

 

ومما يندرج في المقام ذلك التأنيب العنيف الذي بعثه إلى عثمان بن حنيف) عامله على لابصرة، وقد بلغه أنه دعي إلى وليمة قوم من أهلها فمضى إليها، في حين أنه ينبغي للحاكم العادل أن يعف عن مثل هذه الأساليب المادية الدنيئة وألا يبيع قلبه لقاء وليمة أو نقود. قال (عليه السلام) : ((أما بعد يا ابن حنيف فقد بلغني أن رجلا من فتية أهل البصرة دعالك إلى مادبة فأسرعت اليها، تستطاب لك الألوان، وتنقل إليك

__________________________

(1) نهج البلاغة ص909 ج2


 

الجفان، وما ظننت أنك تتجيب إلى طعام قوم عائلهم مجفو، وغنيهم مدعو. فأنظر إلى ما تقضمه من هذا المقضم، فما أشتبه عليك علمه فالفظه، وما ايقنت بطيب وجوهه فنل منه))(1).

 

ومن ذلك، ما كتبه (عليه السلام) إلى (مصقلة بن هبيرة الشيباني) وهو عامله على (اردشير خره)، وهو من أعنف كتبه وأشدها تأنيباُ للحاكم المتجاوز على تعاليم دينه، والظالم لرعيته. قال (سلام الله عليه) : ((بلغني عنك أمر إن كنت فعلته فقد اسخطت الهك واغضبت إمامك أنك تقسم في المسلمين الذي حازته رماحهم وخيولهم واريقت عليه دماؤهم فيمن اعتامك(2) من أعراب قومك فو الذي فلق الحبة وبراً النسمة لئن كان ذلك حقاً لتجدن بك علي هوانا ولتخفن عندي ميزاناً فلا تستهن بحق ربك ولا تصلح دنياك بمحق دينك فتكون من الآخسرين أعمالا))(3).

4- والموظف في الدولة الإسلامية، مراقب أيضاً، من قبل أمته وشعبه الذي يتولى فيه بعض الأعمال والإدارات، فإن ذلك من البديهيات الإسلامية، وهذه الرقابة، هي الأسلوب الوحيد الذي التفت إليه واضعو

 

_________________________________

(1)                        نهج البلاغة ص92 ج2

(2)                        اعتامك : اختارك.

(3)                        نهج البلاغة ص89 ج2


 

هذا الإعلان، من أساليب الرقابة، وذلك لأنهم إنما يمثلون مصالحهم وواقعهم وتأريخهم الخاص، وكل ذلك أبعد ما يكون عن الأفق الواسع الذي أرتقى إليه الإسلام بتعاليمه الحكيمة.

 

فلكل مواطن ان يرفع ضد أي موظف، في الدولة الإسلامية، شكوى حول أي خروج على تعاليم الدين أو صلاح الأمة، وسوف تسمع دعواه برحابة صدر، طبقاً لما عهده أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى مالك الأشتر، حيث يأمره في عهده المشهور قائلا : (( واجعل لذوي الحاجات منك قسما تفرغ لهم فيه شخصك، وتجلس لهم مجلساً عاما، فتتواضع فيه لله الذي خلقك ، وتقعد(1) عنهم جندك وأعوانك من أحراسك وشرطك، حتى يكلمك متكلمهم غير متتعتع ، فإني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول في غير موطن : (لن تقدس أمة(2) لا يؤخد للضعيف فيها حقه من القوي غير متتعتع) ثم احتمل الخرق منه والعي، ونح عنهم الضيق والأنف، يبسطالله عليك بذلك رحمته، ويوجب لك ثواب طاعته))(3).

 

ثم إن الإمام (عليه السلام) ينظر في شكوى المشتكي، ويفحص عن حال الموظف بدقة، فإن ثبت أنه قام بمخالفة لتعاليم الإسلام أو ظلم لبعض

_______________________________

(1)                        أي تأمرهم بالقعود عنهم وعدم التعرض لهم.

(2)                        لن تقدس : لن تطهر

(3)                        النهج ص135 ج2


 

أفراد شعبه، أنبه أو أقصاه عن منصبه وعاقبه، إن كان ذنبه يستحق العقاب. وإلا رد المشتكي رداً جميلاً، وبقي الموظف في منصبه لخدمة مصلحة الإسلام العليا.

 

ولعلنا نستطيع أن نستشهد لهذه الرقابة الشعبية الإسلامية ببعض الحوادث التأريخية، كالذي كان يقوم به (ابو ذر) عليه الرحمة والرضوان) ، لما  أعطى (عثمان) (مروان بن الحكم) وغيره بيوت المال، واختص (زيد بن ثابت ) بشء منها. جعل ابو ذر يقول بين الناس وفي الطرقات ولاشوارع : بشر الكافرين بعذاب أليم، يرفع بذلك صوته ويتلو قوله تعالى : ((والذين يكنزون الذهب والفضة لا ينفقونها في سبيل الله، فبشرهم بعذاب أليم))(1).

 

(21)

 

المادة السادسة عشر : كل هيأة إجتماعية لا تكون الحقوق مصونة فيها، ولا تضمن فصل السلطات، تعتبر محرومة من الدستور. كان الفيلسوف السياسي (منتوسكيو) أول من توسع في شرح نظرية (فصل السلطات) والتنويه بأهميتها في كتابه (روح القوانين) ومن

__________________

(1) شرح النهج لأبن أبي الحديد ص256 ج8


 

رأي (منوسكيو) أنه يجب أن تفصل كل من السلطات الثلاث : التشريعية، والتفيذية، والقضائية، عن الأخرى فصلاً تاماً، وإلا حاولت إحداها التدخل في أعمال الأخرى او السيطرة عليها بأية وسيلة، وإلا انعدم كل ضمان للحرية الفردية.

 

ويشرح (منتوسيكو) رأيه على النحو الآتي : إذا اجتمعت السلطتان التشريعية والتنفيذية في نفس الشخص أو نفسص الهيأة فلا حرية. ذلك أنه يعرض عندئذ خطر قيام نفس الملك أو نفس المجلس بسن قوانين ظالمة وتنفيذها بطرق مجحفة. وكذلك لن تكون ثمة حرية إذا لم تكن السلطة القضائية منفصلة عن السلطتين التشريعية والتنفيذية. ولو إنها انضمت للسلطة التشريعية لغدت حياة الأفراد وحرياتهم تحت رحمة الأهواء.

 

ذلك لأن القاضي يغدو عندئذ مشرعاً. ولو أنضمت للسلطة التنفيذية لأصبح القاضي قوة الظالم المتعسف(1).

 

فكأن واضعي هذا الإعلان كانوا متأثرين بأفكار منتوسيكو(2) وقد نقد الاستاذ (محمد عبد الله عنان) هذه النظرية، على طريقة الفكر الحديث، بعد أن نقل ملخصاً عنها وهو الذي نقلناه فيما سبق، قال : (( وقد كان لهذه النظرية في القرن الثامن ع شر وقع عميق، وقد تأثرت بها دساتير

____________________________

 

(1) المذاهب الإجتماعية الحديثة ص39

(2) محاضرات في التاريخ الحديث .
الولايات الأمريكية منذ تحريرها. على أنها ما لبثت أن تضاءلت أمام تجارب القرن التاسع عشر، وتبدو اليوم أعرق النظم الديمقراطية ، وقد تشابكت فيها السلطات الثلاث، بأوضاع وحدود معينة. وليس أدل على ذلك مما هو ملحوظ في نظام الحكم الإنجليزي من أن السلطة التنفيذية، وهي الوزارة، تزاول سلطة الحكم وإعداد مشاريع القوانين. فإن الوزارة بأغلبيتها الحزبية البرلمانية، تستطيع أن تحصل على إقرار هذه القوانين على يد الهيأة التشريعية. وهنا تبدو نظرية فصل السلطات ضئيلة الأثر. ولا يمكن أن يقال إن الحريات قد أهدرت في ظل نظام برلماني يقوم على أساس الأغلبية الحزبية)). ولم يعلم الأستاذ أن ما ذكره لا يمكن أن يرد نظرية فصل السلطات أو يدحض ما قامت عليه من دليل، فإننا ,غن كنا لا نستطيع الآن أن نناقش بالتفصيل خصوصيات النظام البرلماني القائم على أساس الأغلبية الحزبية ، لان ذلك يحتاج إلى سعة في القول لا يتحمله المقام. ولكننا نقول بنحو الإيجاز : إن طريقة التصويت هذه تؤدي إلى نوع من الدكتاتورية أيضا. غاية الأمر أنها مغطاة بأغشية كثيرة براقة من الأسماء والصفات. فإن ما ذكروه من وضع الوزراء للقوانين، واخذ اغلبيتهم الحزبية البرلمانية عليها لا يعدو أن يكون أكثر من دكتاتورية حزبية ضيقة، وذلك لأن جماعة من الحزب هم الوزراء تضع القانون، وجماعة أخرى من الحزب نفسه وهم النواب، تصادق عليه ويطبق القانون على الشعب طبقاً لرأي أحد أحزابه.

 

اما الزعم بأن اكثرية البرلمان تمثل أكثرية الشعب، إذن فمن الحق أن يطبق القانون على الشعب بقرار أكثرية ممثليه، فباطل. لأنه حتى مع غض النظر عن التساؤل عن معنى كون كل فرد من البرلمان ممثلاً للعدد الذي أصبح نائباً عنه، وعلى أي أساس صحيح يبتني هذا التمثيل، فإن الأكثرية البرلمانية لا تحصل لحزب، حتى تحت النظم الديمقراطية المثاية، إلا تحت عوامل نفسية وعاطفية وإجتماعية كثيرة وكثيرة جداً تلامزم عملية التصويت وتؤثر فيها آثاراً مختلفة.

 

بالإضافةإلى ان نسبة معينة من الشعب هي التي يحق لها التصويت دون من سواهم ممن لم تجتمع فيهم مالشروط. ثم إنه هناك نسبة معينة ممن يحق لهم التصويت يعتبر إحرازها إحرازاً للأكثرية، ثم هناك نسبة معينة من النواب تنعقد بهم الجلسة الرسمية للبرلما، وهناك نسبة معينة من الحاضرين يخرج بها القانون إلى الوجود ويصبح نافد المفعول على الشعب. فلو فرضنا أن كل هذه النسب ا×ذت بأقل مقدار ممكن تصبح بها نسبة قانونية، فإنه حتى مع صحة التمثيل وضمان الديمقراطية . فإن القانون سوف يصدر بأصوات ممثلي شرذمة صغيرة من الشعب. في أقل  القليل أن يصادف أكثرية ساحقة في إحدى هذه النسب فضلاً عن جميعها.

 

ومن هنا نعرف أنه لا بد من فصل السلطات الثلاث في الدول الإعتيادية غير الإلهية، والتي يتولى فيها كلا من السلطات الثلاث أفراد عاديون، وإلا ذاق الشعب أنواعاً من الظلم والتعسف.

 

أما بالنسبة إلى الدول الإسلامية، فليس هناك سلطة تشريعية لأن كل الجهات في الدولة خاضعة لله (عز وعلا) ومؤتمرة بأمره، ومتمسكة بتعاليمه.

إذن فالقوانين في هذه الدولة منفصلة أساساً عن كل من السلطة التنفيذية والقضائية، ليس لأحد التحكم بها أو تغييرها فكل من القاضي الشرعي والحاكم الشرعي يقومان بتنفيذ القوانين الإلهية بأمانة وإخلاص.

 

أما بالنسبة إلى الفصل بين السلطتين التنفيذية والقضائية، فهو غير موجود في الإسلام. فإن الإمام العصوم (عليه السلام)، هو الذي من حقه أن يحكم بين الناس كقاض، وهو الذي ينفذ الأحكام، كما إنه هو الذي يدير شؤون الدولة . فإن كانت تمنعه أشغاله عن النظر فيها أو كان البلد بعيداً، أو في زمان الغيبة، كزماننا هذا، نصب الإمام من يختاره لأجل فض المرافعات بين الناس. ومن حق القاضي المنصوب أن ينفذ الأحكم التي يصدرها بحق المجرمين. ولكن ذلك لا يعني التعسف والظلم


 

في الدولة الإسلامية كما يمكن أن يعينه في الدول الأخرى، فإننا إذا عرفنا صفات الإمام المعصوم (عليه السلام) ، تلك الصفات التي سبق أن اشرنا إليها أكثر من مرة، وعرفنا من الذي يمكن أن ينصبه الإمام ليكون قاضياً بين المسلمين، وكيف أن هذا القاضي مراقب أيضاً من قبل الجهات التي عددناها في المادة الرابعة عشر من هذا الإعلان، تحاسبه على أي شطط أو خروج على تعاليم ا لإسلام في تحريه أو محاكمته أو في صدور حكمه أو في تنفيذه الحكم. فإذا بأن انه قد ظلم شخصا، أو تعسف بالحكم ضد أحد، أو خرج علىلاقواعد الإسلامية الموضوعة للقضاء، فإنه يعرض نفسه لغضب الله تعالى عليه وغضب إمامه وأمته. بالإضافة إلى ان للفرد المظلوم الحق أن يعرض الدعوى على محكمة ثانية لتقوم، اذا ثبت جرمه، بمعاقبته على جرمه. اما كون أن الهيأة الإجتماعية التي لا تكون الحقوق مصونة فيها، لا يضمن فيها الفصل بين سلطاتها الثلاث، تكون محرومة من الدستور، طبقاً لما اعتبره هذا الإعلان.

فكأن حرمانها من الدستور بمترلة العقاب، يريد أن يترله واضعو هذا الإعلان على مثل هذه البيأة التي تستهين بالحقوق الإنسانية، أي بإعلان حقوق الإنسان والمواطن الذي وضعه هؤلاء البرجوازيون على حسب مصالحهم الخاصة، والتي تستهين بفصل السلطات التي هي  جوهر الديمقراطية في رأي (منتوسيكو). والحرمان من الدستور أمر مرعب يعني أن يعامل واضعو هذا الإعلان تلك الهيأة الإجتماعية بالظلم والتعسف بالأمور الخارجة عن الدستور بحدة أن هذه الهيأة الإجتماعية غير مشمولة للدستور لأن الحقوق غير مصونةفيها و لا تضمن فصل السلطانت!  وكان الولى بواضعي هذه الإعلان أن يترفقوا مع هذه الهيأة الإجتماعية ويأخذوها بالإحسان، فإنها هيأة إجتماعية ((ضالة))! وكان خيراً لهم لو قرروا الإصرار على تطبيق الدستور في ربوعها، وإلزامها بحقوق الإنسان، حتى تهندي لرأيهم، وترجع إلى أوامرهم ومتطلباتهم.

 

اما بالنسبة إلى الإسلام فإن الهيأة الإجتماعية التي تتمرد على بعض تعاليمه فإنها في الواقع متمردة عليه نفسه، فإن تعاليم الإسلام وحدة متماسكة يشد بعضها بعضاً وتأزر أحدها الأخرى، وتؤتي ثمارها مجتمعة

كأحسن ما تكون الثمار، واما تطبيق بعض تعاليمه، فلا يمكن أن يثمر الثمر المرجو كما لو طبق في ضمن أخوانه من التعاليم الإسلامية، بل إنه إنما يثمر بالمقدار الذي تسمح له الظروف السائدة المنبثقة من غير الإسلام أن يثمر. ولكن مع ذلك يجب تطبيق حتى الأمر الواحد من أوامر الإسلام  فإن لكل امر ونهي ثواباً وعقاباً مستقلين، بالإضافة إلى ما يجرى من ذلك من تطبيق جميع التعاليم الإسلامية في يوم من الأيام لو اخلص المسلمون للأخذ بدينهم القويم وفهموه حق فهمه.


 

ولكن الإسلام لا يعاق هذه الهيأة المتمردة بحرمانها من الدستور، بل إنه يوجه إلى أفرادها المواعظ والإرشاد، والتفكير بالله ( عز وجل) ولاثواب والعقاب، والقيم الإسلامية المختلفة، والتعالمي الإلهية العادلة، حتى تفي إلى امر الهل تعالى . وهذه الهيأة الإجتماعية لا بد أن تتأثر بهذه الدعاية المتضمنة للدعوة إلى الله (عز وعلا) والوصول إلى الكمال الرفيع، ولو بعد مرور بعض الوقت مهما كانت موجة الإلحاد قوية ومستشرية.  وإن لم تجد هذه المواعظ البليغة نفعاً، وإن لم تهز منهم الضمائر والأفكار، فإن على الدولة الإسلامية أن تخضع هذه الهيأة الإجتماعية عن طريق القوة والسلاح، دفاعاً عن الحق الضائع والتعاليم الإلهية المهدرة . لكي ترغم هذه الهيأة الإجتماعية إلى أمر الله (عز وجل).

 

(22)

 

المادة السابعة عشر : الملكية الخاصة هي حق مقدس لا ينقض. فلا يجوز أن تنتزع من أ؛د، إلا عندما تقضي بذلك المصلحة العامة الثابتة شرعاً، وبشرط أن يمحنح مقدماً تعويضاً عادلاً.

 

وهذه المادة أهم مادة في إعلان حقوق الإنسان والمواطن هذا، بالنسبة إلى مصالح واضعيه، وذلك لأنها تمثل جوهر فلسفة البرجوازية. حيث  إنها تعترف بحق الملكية وتعتبره حقاً مقدساً لا ينقض. وإضفاء هذه الصفات على هذا الحق يعني أن واضعي هذا الحق يعني أن واضعي هذا الإعلان قد أعطوا حق التملك صفة إلهية دينية لأهميته، فلا يجوز أن تنتزع الملكية من أحد، إلا أن عندما تقضي بذلك المصلحة العامة أي المصلحة البرجوازية الثابتة شرعاً، أي في القوانين التي يضعونها بأنفسهم لتطبق في بلادهم، والتي تمثل مصلحتهم وفلسفتهم الخاصة. وبشرط ان يمنح مقدما أي قبل أن تأخذ منه الضرائب تعويضاً عادلاً (1).

 

اما كون أن الملكية حق مقدس لا ينقض ، فلا بد أن يوضع لمناقشته موضع التفصيل:  فإنه اما أن يقصد منه كون أن للانسان الحق في أن يملك شيئا ما، في مقابل أن لا يحق له أن يملك أي شيء. واما أن بقصد منه أن لا يقف دون تملك لأكبر كمية منالمال عائق، وأن يكون للفرد الحق بإمتلاك أية كمية منالمال مهما زادت وتضخمت، في مقابل ما يوضع من النظم والقوانين للحد من هذا الإستشراء البغيض.

 

اما بالنسبة إلى المعنى الأول، فهو وإن لم يكن مقصوداً لواضعي هذا القانون لأن المصالح البرجوازية إنما تقتضي المعنى الثاني، كما هو واضح، إلا اننا ينبغي أن نتناول كلا الوجهين بشيء من النقد. فإذا كان المقصود من حق الملكية في مقابلها سلبها سلبا تاماً، بحيث لا يحق للفرد

_______________________________________

(1) مقتبس عن محاضرات في التاريخ الحديث، الدكتور فاضل حسين


 

أن يملك أي شيء، فحقاً أن هذا الحق ثابت لا ينقض، كا تريد النظرية الشيوعية أن تقوله، فإن التملك غريزة فطرية في نفس نالإنسان، وواجهها منذ أن واجه وجوده، فإن كون هذا الشيء راجع إلى هذا الشخص أو ذاك هو أمر من البديهيات الإنسانية التي لا يمكن للإنسانية التخلي عنها.

وباستعمال هذا الحق يشعر الإنسان بالسعادة والإطمئنان والحرية، وإنه متحكم في شؤون نفسه وعائلته، مسيطر على ما لديه من متاع، حر في أن يبيع وأن يشتري ما يشاء . ولذا نص علم النفس على أ، من غرائز الإنسان الأساسية غريزة التملك أو الحيازة أوالسيطرة، حتى إن (أدلر) اعتبرها الحافز الرئيسي للسلوك الإنساني، ووضع على أساس هذه النظرية آراءه ونظرياته بعد أن انشق على استاذه (سيكموند فرويد) زعيم مدرسة التحليل النفسي.

 

وتخلف هذا لاحق من الإنسان يحدث عنده كثيراُ من العقد النفسية والإنفعالات العاطفية الحادة، وتجعله معرضاً لأنواع من الأمراض النفسية والعقلية، من حيث شعور الإنسان بأنه لا يملك أبسط حق ينبغي أن يكون لديه، بالإضافة إلى أنه دافع غريزي والدافع الغريزي، يتطلب الإشباع فإن بقي خاوياً فإنه يعرض صاحبه إلى أمراض نفسية وعقلية كثيرة،  تجعل الفرد بعد حدوثها، عالة على المجتمع لا يهتدي إلىوجه الصواب في أعماله. بالإضافة إلى شعرو الإنسان بأنه محكوم طول عمره  إلى سلطة قاهرة تملك علهي حتى طعامه وشرابه والأدوات الضرورية لأبسط أنواع الحياة. فهل يوجد تهديد للحياة الإجتماعية أعظم من هذا التهديد، إذا كان كل فرد معرضاً لمثل هذا الشعور لمثل هذه الأمراض النفسية والعقلية.

 

بالإضافة إلى ما يحدثه منع هذا الحق، الذي يعني تكدس الأموال عند الدولة ، من إستيلاء زمرة معينة علىجميع الثروة القومية دون أي فرد من الشعب، وتكون بذلك مسيطرة على أرواح الناس كما هي مسيطرة على أعمالهم، ويكفي لها في أن تجبر شخصها بالقيام بعمل ما، أن تهدده بمنع الطعام والشراب عنه فيقوم بالعمل طائعاً خاضعاً، وفي ذلك دكتاتورية ورأسمالية لم تشهدها حتى الدول الرأسمالية نفسها. بالإضافة إلى ما يحدثه منع هذا الحق، من هدر لنبوغ النوابغ، وعلم العلماء، وعمل العمال الماهرين، ومساواتهم بسار الشعب في الأجر، وتحديده بالحاجات الضرورية وهي متساوية بين الناس عادة.

 

وقد كان هذا هو العائق الرئيسي عن تطبيق الشيوعية المتطرفة، فإنه بدا واضحاً إستحالة ذلك بعد وجود هذه الغريزة في نفس الإنسان، وما يخلفه منعها من آثار سيئة، ومن انعدام وجود الداعي عند العامل الماهر أو النابغة لأن يعمل مهارته أو نبوغه بعد أن كان أجره مساوي لأجر الآخرين.


 

ولهذا السبب نفسه باءت الستالينية بالفشل، وهي التي تدعو إلى الجمود على التعاليم الشيوعية كما وضعها (ماركس) و (انجلر) ضمن افقهم وأوضعاهم الإجتماعية والنفسية والفكرية التي اتصفوا بها قبل قرن من الزمان. في حين بدت في الأفق دعوة جديدة إلى إخضاع التعاليم الشيوعية إلى الأوضاع المتطورة والمستلزمات البشرية الحالية. هذا في واقعة سقوط من البرج الشيوعي العاجي، وخروج على التعاليم الشيوعية، بعد الإصطدام العنيف مع الواقع البشري.

 

وكان من أثر هذه الدعوة الجديدة أن أعيد التفاضل بين الناس في حدود ضئيلة، وأعيد تشريع حق التملك لأكثر من ضروريات الحياة. مع بقاء جميع وسائل الإنتاج في يد الدولة تستخدم فيها العال، الذي لا يجدون من موارد الرزق غير ذلك، كما كان يستعمل الإقطاعي فلاحيه الأقنان.

 

وإما إذا كان المقصود من كون حق التملك مقدساً لا ينقض، أي يكون للفرد الحق في تملك أكبر كمية ممكنة منالمال، مهما كان ذلك تعسفاً وإعتداءاً على حقوق الآخرين. فقد اصبح الآن مثل هذا الحق أقرب إلى الفكاهة التي تثير السخرية من كونها قاعدة إنسانية متبعة في المجتماعات المتمدنة، بعد أن ذاقت البشرية بعد الثورة الصناعية إلى الآن، الكثير من كوارث وأهوال الراسمالية في وسائلها التعسفية السافلة من أجل حصولها على المال، وتوسيع تجارتها وصناعتها، كما عانت البشرية الويل من نتائجها الموجعة الوخيمة، من تكدس الثروة عند زمرة معينة من الناس، وبقاء أغلبية الشعب في حاجة شديدة، يضطرون معها إلى الخضوع إلى أوامر هؤلاء الرأسماليين والإنصياع لأوامرهم في إستخدامهم في مصالحهم التجارية والصناعية. ومن ثم نرى الحكومات بعد هذا الإصطدام المرير بالواقع، اضطرت إلى فرضها لاضرائب وجعلها تصاعدية، وفرض بعض القيود والشروط على انتاج والتوزيع في سبل كبح جماح تكدس الثروة.

اما الإسلام فهو أقرب إلى الواقع من كل هذين المذهبين المتطرفين، بل إنه هو الواقع نفسه بأفضل صوره. فهو يعترف بالملكية الخاصة، ويأمن عن هذا الطريق من مساوئ إلغائها، وهو يضع عليها ضرائب وشروطاً، تضمن وقوفها عند حد غير مجحف بالمجتمع، وهو في عين الوقت لا يضر صاحبه ولا يمنعه من التمتع الجميل الهادئ بالحياة. وبذلك يتخلص الإسلام من مساوئ تكدس الثروة بيد واحدة او جماعة. وهو أيضاً يعترف بملكية الدولة جزءاً معيناً منالمال مما يجبى إليها من الضرائب والخراج بعد أن يصرف باقيه في مصارفه الخاصة، ويوزع على مستحقيه من الفقراء واليتامى والارقاء وغيرهم . وبهذا يستفيد الإسلام من الملكية العامة أو التأميم الذي تنادي به الإشتراكية،


 

ولكن في حدود معينة ليس فيها سطو على أموال الآخرين، وإستيلاء على ممتلكاتهم تعسفاً. ولكنه في عين الوقت يعين كثيراً في بناء المشاريع العامة ولاصرف على القوة العامة وإدارة الدولة.

 

اما ما قاله واضعو هذه المادة من أن الملكية الخاصة لا يجوز أن تنتزع من أحد إلا عندما تقضي بذلك المصلحة العامة الثابتة شرعا، وبشرط أن يمنح مقدماُ تعويضاً عادلاً.  فهل يعني إنتزاع الملكية سلب هذا الحق عن الفرد بحيث يصبح محظوراً عليه أن يملك أي شيء، فإن هذا بالإضافة إلى أنه يسبب الشماكل والأمراض التي ناقشناها قبل قليل، فهو مما لا يمكن أن تقضي به المصلحة العامة ولا يمكن أن يقول به قانون منصف مراع لطبيعة الإنسان . كما إنه لا معنى حينئذ أن يمنح الفرد تعويضاً لأنه لا يمكنه أن يتملكه بعد فرض سل هذا الحق ((المقدس) عنه.

 

ام إن المقصود من ذلك سلب ملكية الشخص عن بعض ما يمتلكه من المال عن طريق سن الضرائب أو غيرها. وهذا وإن كان مما تقره المصلحة العامة ويقره الشرع في كل منالقانون الوضعي والقانون الإسلامي، إلا إنه لا معنى لأن يمنح مقدماً أو مؤخراً تعويضاً مهما كان نوعه، لإنتفاء فائدة أخذ الضريبة منه، فإن ما أخذ منه سوف يرجع إليه عن طريق هذا التعويض. ولعمري أن هذا الاشتراط غريب جداً، فإنه لم تفرض الضرائب إذا لم تكن مؤثرة على اتساع الثروة، لولا أننا نعرف مقدماً أن هؤلاء قوم برجوازينو يخشون على أموالهم، وعلى اتساع ثروتهم وتجارتهم وصناعتهم، ومن ثم يشترطون مثل هذا الشرط الغريب لئلا تمس أمورهم المالية بسوء.

 

اما بالنسبة إلى الإسلام فهو إلى جانب إعترافه بالملكية الفردية التي هي غريزة فطرية في الإنسان. لكي يتسنى للبر أن يعيشوا بأموالهم الخاصة عيشة مرفهة، وأن يملكوا حرياتهم، ولا يكونوا خاضعين لتعسف الآخرين. إلى جانب ذلك وضع العوائق المتعددة في سبيل تحديد الثروة، والوقوف أما تضخمها وإستشرائها لما يعلمه من الفساد الذي تجره الرأسمالية على المجتمع الإنساني . وليست الضرائب هي السبيل الوحيد الذي حارب بها الإسلام تضخم الثروات، بل هناك أحكام معينة ساعدت على ذلك فمنها: الكفارات التي يجب أن يعطيها مرتكبو أفعالاً معينة من المعاصي الإسلامية، وهناك الديات التي يعطيها مرتكبو أنواع أخرى من المحرمات في الإسلام، كما إن هناك في الإسلام تحريم للربا الذي يؤدي إلى الإثراء غير المشروع على حساب الآخرين، وهناك تحريم الإحتكار ، وتحريم الإكتساب بجملة من البضائع والأعمال، مما يضر بالأخلاق والآداب العامة وصفاء النفس ويعارض التعاليم الإسلامية.


 

كما إن هناك النداء الإسلامي العام لإعطاء الال إستحباباً في سبيل الله (عز وعلا)، للفقراء، والمحتاجين، واليتامى، والمرضى، وفي سبيل الصالح العام، وبناء المرافق العامة، ولاقيام بالشعائر الدينية، إلى غير ذلك من المناسبات الكثيرة التي يجدها من يريد أن يتقرب بماله إلى الله (عز وجل).

والله تعالى وعد هذا الفرد بالثواب الجزيل وبأن يهبه من رضاه، قربه المعنوي منه (عز وعلا) .

 

من كل هذا نرى أن الأموال التي يأخذها الإسلام من الفرد عن طريق الإيجاب او ا لإستحباب إنما يأخذها لصالح المجتمع برمته، وطبقاً للمصلحة العامة الحقيقية، بدون ملاحظة طبقة أو جنس دون جنس أو جماعة دون جماعة، فمن صالح الإغنياء أن يؤخذ منهم المال لئلا يكونوا ظلمة متعسفين، وليشعروا ولو بصورة بسيطة بالآم الفقراء وآمالهم، وليحصلوا على لاثواب الذي وعدهم الله تعالى به. ومن صالح الفقراء و المحتاجين أن يوزع عليهم فائض أموال الأغنياء لكي يستطيعوا أن يعيشوا برفاه وبكرامة من دون أن يكون لأحد منة عليهم سوى الله (عز وجل)، ومن صالح المجتمع أن يسعد فقراؤه وأن تسد حوائج محتاجيه ويعتق أرقاؤه ويربى يتاماه على أحسن إسلوب إسلامي مهذب.

 

كما إنه من صالح المجتمع أيضاً أن تبتنى فيه المساجد، والمدارس،  والمكتبات، والمستشفيات وغيرها. ومن صالح الدولة أن تحصل على ما تصرفه على موظفيها وعلى شؤونها وإداراتها.

 

وبالطبع فإن الإسلام أبعد نظراً من أن يعطي لقاء ما أخذ من الضرائب عوضاً، لأنه بذلك ينقض غرضه الأساسي من فرض الضرائب وهو محاربة تضخم الثروة، حيث إنه يعود المال إلى صاحبه عن طريق العوض، بل تنتقض جميع تلك الفوائد التي عددناها لفرض الضرائب، حيث لا يبقى من المال ما يوزع على الفقراء أو يصرف في شؤون الدولة بعد أن ينفق في تسديد الأعواض.

 

(23)

 

وختاما أرجو مخلصا، ان لا تكون قد سئمت من هذه الجولة التي تجشمت عنائها، ولك الشكر أثناء تجوالك في ربوع إعلان حقوق الإنسان والمواطن الفرنسي. لأني أعلم أنك صادفت في أثناء جولتك هذه  ما يهز القلن ويخاطب العقل، ويسيطر على الضمير، وينبع من الفطرة والوجدان، من تعاليم إسلامية حكيمة، وأحكام إليهة عادلة، وإطلعت على بعض صفات الفرد المسلم، وسمات الدولة الشرعية الإسلامية.

 

ورأيت وجهة النظر الإسلامية في حقوق الإنسان والمواطن، وما يبديه الإسلام في سبيل ذلك من توجيه وإرشاد يرقى بالإنسانية إلى السعادة والكمال. ورأيت بشء من التفصيل البون الشاسع بين هذا الإعلان الفرنسي ذي الصبغة البرجوازية الضيقة، وبين الدستور الإسلامي الخالد العادل، وما فيه، من سعة أفق وعمق تفكير وحكمة بالغة. كما إطلعت بوضوح على مدى السعادة التي تكتنف البشرية لو أتبعت أحكام الإسلام وطبقت تعاليمه وإرشاداته، وسارت الإنسانية في حل مشاكلها وتصريف شؤونها تحت ظل لوائه الوارف لكي ترقى في مدارج الكمال والسعادة والرفاه والخلود.

 

كما إطلعت على رأي الإسلام في جملة من الآراء التي يتبناها الفكر الحديث، كالحرية والديمقراطية والتمثيل البرلمان والعقد الإجتماعي، إلىغير هذه المفاهيم ، ووجهات النظر التي حاولت بإخلاص عرهضا عرضاً موضوعياً، ثم نقدها على أساس إسلامي صحيح، لكي يتبين الفرق بين الأفكار البشرية الضيقة وبين الدين الإلهي الخالد.

وغاية ما أوده هو أن أكون قد إستطعت في هذا البحث أن أطلعك على بعض مزايا هذا الدين لاقيم الذي جاء به سيد المرسلين ورسول رب العالمين، نبي الإسلام العظيم (صلى الله عليه وآله)، والذي نشره بكد يمينه وعرق جبينه، وضحى في سبيله بنفسه وبنفوس آله الكرام (عليهم أفضل التحية والسلام)، وبنفوس كثير من أتباعه المخلصين.

 

وهذا إنما يضحي في سبيل الله الذي خصه بالرسالة، وحباه بالكرامة في سبيل هذا البشر ليخرجهم من الظلمات إلى النور، ويهديهم إلى الصراط المستقيم.

 

أرجو من الله العلي العظيم أن ينظرني بعين رضاه ورحمته، وأن يوفق الإسلام والمسلمين بما يحب ويرضى، وأن يجعل هذا الجهد المتواضع قربه خالصة لوجهة الكريم، إنه على كل شيء قدير وبالإجابة جدير.

 

دعنا قبل الوداع نرتل معاً بخشوع، قوله عز من قائل : (( ربنا إننا سمعنا منادياً ينادي للإيمان أن آموا بربكم فآمنا . ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار. ربنا وءاتنا مام وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد))(1).

 

 

 

 

 

محمد الصدر

النجف الأشرف العراق

1/8/1382

21/12/1962