|
شذرات من سيرة المولى المقدس ح1
الشيخ احمد المطيري
عندما اشتكى السيد حجة الإسلام محمد صادق الصدر
قده والد السيد الولي الى السيد الشهيد الاول قده عن تردي الحالة الصحية
لولده بسبب كثرة انشغاله بالعبادة وقسوته على نفسه فيها قال السيد الولي
لوالده على الرغم انه يقدسه كثيرا : لقد خرجت من طاعتك إلى طاعة الله .
فالسيد الولي كان يذوب في حب الله وهو منذ أيام مرجعيته الأولى أراد
للشعب العراقي ولعموم المسلمين أن يتبعوه في طاعة الله وقد اجتهد في
تربية تلامذته وطلبة الحوزة على طريق الجهاد والتفاني في سبيل الله حتى
لو أدى الأمر إلى القتل والسجون ومن هؤلاء الطلبة الشيخ الشهيد حسين
السويعدي والذي القي القبض عليه من قبل الهدام وحكم عليه بالإعدام وقد
تمكنا من الحصول على وصيته قبل الاستشهاد فوجدت انه يطلب مني تغسيله
وتكفينه بدشداشة السيد الصدر قبل الدفن فذهبت إلى السيد الولي فأطلعته
على الوصية وأخبرته أن الحكومة ستنفذ غدا في الشيخ المجاهد حكم الإعدام .
تألم السيد الصدر" قده " كثيرا للخبر وقال :
هذوله إلى متى يقتلوننا ويقتلون أبناءنا وما يدريك سبحان الله احنه أيضا
على الطريق .
وطلب مني أن أرافقه إلى البيت وهناك أعطاني ثوبه لأكفن بها الشيخ الشهيد
السويعدي وأخرى جديدة لازلت البسها في ذهابي إلى صلاة الجمعة .
كان الشيخ السويعدي رحمه الله مجاهدا في إقامة الحدود الشرعية ضد
المنحرفين ويأخذ الاذونات الخاصة في تنفيذ الأحكام من السيد الولي قده
وبعد استشهاده طلبت مجموعة الشيخ الشهيد مني أن آخذ لهم الاذونات فذكرت
الشيخ الشهيد أمام السيد الولي فقال : قدس الله نفسه ، أنا كثيرا ما اذكر
الشيخ السويعدي .
وأيضا كان من الشهداء في حياة السيد الصدر " قده " الشيخ قيصر الشويلي
وقد اعدم مع اخيه من قبل الطاغية واثر ذلك مرض والد الشهيدين مرضا شديدا
استلزم دخوله المستشفى لغسل الكليتين وكانت المسألة تحتاج إلى مبالغ
كبيرة فراجع الشيخ احمد المالكي - وهو استشهد أيضا بعد استشهاد السيد
الصدر - راجع الشيخ احمد المالكي السيد الولي حول هذا الموضوع فقال له كل
ما يأتيكم من حقوق شرعية اصرفوه على والد الشيخ الشهيد وأنا اصرف لكم
وصولات بذلك .
هذان موقفان صريحان يقفهما السيد الولي مع الشهداء من طلبة الحوزة رغم
انهما حكما بالإعدام من قبل الطاغية مما يشكل إشارة واضحة على تبنيه خط
البطولة والجهاد وعلى صراحة وقوفه ضد الحكومة آنذاك.
كما انه كان يتصف قده بالزهد الشديد واذكر انه يوم أردنا تصوير أول لقاء
فيديوي له ليأخذه معه الشيخ الشهيد محمد النعماني الى الخارج لينشر هذا
اللقاء وكنت أنا من جلب الكامير والمصور فلاحظت إن دشداشة السيد الولي
ممزقة عند الرقبة وبشكل واضح - كما هي في الصورة أعلاه - فقلت له : سيدنا
إن الدشداشة ممزقة لا يجوز أن تخرج هذه الصورة إلى الخارج !!
فقال على الفور : تريدون مرجع كشخة !! هذا حالي ، تردون ؟ تردون ، ما
تردون الى جهنم وساءت مصيرا .
كان " قده" يشكو من مظلوميته ومن ظلم الحوزة التقليدية له والتي وضعت
حواجز من التشكيك بشخصه وبعلميته فأراد أن يلقي الحجة على من هو خارج
البلاد فيكشف لهم الحقيقة لذا كان قد امرنا بعقد اللقاء ونشره عن طريق
الشيخ محمد النعماني في الخارج قال لي :
لا أريد صورا ثابتة " فوتوغراف " وانما متحركة ، أريد صوتي يطلع للناس
ليعرفوا من هو محمد الصدر ، أريد أن أوصل مظلوميتي إلى الناس في الخارج .
وكان جل اهتمامه قضاء حاجة المحتاجين وأتذكر أني سألته مرة شيئا ينقذني
في آخرتي فقال : عليك بقضاء حوائج الناس .
وفي إحدى المرات وعندما أذن المؤذن للصلاة نهض السيد كعادته فهو لا يتأخر
دقيقة بعد الآذان ليذهب إلى الصلاة ولكن في تلك المرة خاطبه رجل كبير في
السن فقال له : سيدنا عندي حاجة !!
فتفرس السيد في وجه الرجل وقال : ما دمت صاحب حاجة فأنها تستأهل أن نؤخر
الصلاة قليلا وجلس يجيبه الى حاجته .
وكان في بعض الحالات يفاجئنا بإجابة حوائجنا دون أن نخبره بها أو كنا
نخجل من الضغط عليه وقد فاجأنا اكثر من مرة انه يعلم حاجتنا ونحن جنبه لا
نستطيع أن ننطق بها ففي إحدى المرات اتصل بنا السيد احمد الكويتي مدير
مكتب السيد الصدر في الأردن طالبا 300 دولار ليدفعه إيجارا للمكتب فأخذنا
موعدا لمقابلة السيد الشهيد لنتكلم حول هذا الموضوع وكان معي الشيخ عبد
الحسين الطائي الذي قال لي : كيف أفاتح السيد بهذا الموضوع فالمفروض أن
المكاتب الفرعية هي التي تجلب الأموال والحقوق للمكتب الرئيسي كما هو
متعارف ، إضافة أن الشيخ عبد الحسين الطائي نفسه كان قد باع كتبه بمبلغ
200 دولار لتغطية نفقات السفر وعندما جلسنا نتحدث مع السيد الولي حول
أمور عديدة خجلنا من ذكر حاجتنا إلا إن السيد الصدر " قده " بادر الشيخ
عبد الحسين بالقول : سأعطيك 500 دولار منها 300 للمكتب في الأردن و200
دولار لك !!
وقد فوجئنا من أين عرف بكل ذلك وهي ليست الحادثة الوحيدة كما لاحظ العديد
من طلبته ومراجعيه وفي إحدى المرات قال له الشيخ ناصر الساعدي وكان يبني
حسينية في الدورة وهو قد أخذ اذنا بالصرف عليها من الحقوق الشرعية قال
للسيد الولي : سيدنا أحد الأخوان جاء له سهم الإمام وصرفه ويريد اذنا
بذلك !
فأجابه السيد على الفور : بالعافية عليك حبيبي !!
ولم أفهم معنى كلام السيد ولما خرجنا فقال لي الشيخ ناصر قد علم السيد
أني قصدت نفسي بقولي أحد الأخوان !! لذا قال بالعافية عليك ولم يقل
بالعافية عليه !
كان "قده "يرى أن المال كثر أو قل هو وسيلة لقضاء حاجة المؤمنين أو
لتطهير صاحب المال وفي إحدى المرات كنا خارجين من الصلاة في الحرم العلوي
المطهر فخاطبته امرأة كبيرة بالسن وقالت له : سيدنا هذه نقود لك .
ولما مدت يدها بالنقود فإذا هي فقط 25 دينار أي اقل من سعر نصف صمونة في
وقتها فأخذها السيد منها وشكرها ووضعها في جيبه وقال : رزق ساقه الله
إليك .
وفي إحدى المرات جلبوا له سجادة هدية فقدمتها له وكان في نفسي رغبة بها
فنظر الي وقرأ أنني أريدها دون أن أتكلم فقال لي : حبيبي دعها لك فيدي
ويدك واحدة.
كان طيبا جدا معنا ومحبا وهو يعتذر لاعتذارنا منه فكم مرة اعتذرنا منه
لفعل فعلناه فتجده يبادر إلى مدحك والاعتذار منك وأتذكر أني في الذكرى
السنوية الأولى لصلاة الجمعة تجمهر الناس بشكل كبير جدا حول سيارة السيد
فأخذت ابعد الناس عن طريقه واضطررت للجلوس على غطاء المحرك وظهري باتجاه
السيد حتى خرج من الازدحام إلى بيته وفي المساء ذهبت لاعتذر منه لأني
أعطيته ظهري وهو مما لا يليق عرفا فقال لي : لا حبيبي السيارة تباركت بيك.
هذه الذكريات أسوقها لكي اشرح شيئا يسيرا من أخلاقه وحبه لنا وكان قده
صبورا معنا فقد جلسنا مرة نسأله لساعتين متواصلتين من الساعة 7مساءا إلى
التاسعة فلما انتهت أسئلتنا نهض وقد بان التعب الشديد عليه فاتكأ على
الحائط يريد إراحة ظهره المتعب فقلت له مازحا سيدي لقد أتعبناك ولذا أريد
أن اروي لك طريفة ولكن إن أضحكتك فاني أرجو شفاعتك لي في الآخرة قال هات
ما عندك :
قلت له : يقولون أن عزت الدوري كان عنده مزرعة وعدي عنده فيل وهذا الفيل
يعبث كثيرا بمزرعة عزت فيتلف محاصيلها دون أن يستطيع أن يتكلم بكلمة
واحدة بحق الفيل .
فقاطعني مبتسما :طبعا عزت ما يستطيع أن يتكلم .
قلت له : وعندما أصيب عدي بطلقات وكان يصارع الموت جاءوا بعزت الدوري
ليقرأ على رأسه للدعاء والشفاء فامسك عزت رأس عدي واخذ يقرأ " ألم تر كيف
فعل ربك بأصحاب الفيل "
فضحك السيد الولي كثيرا وانبسطت أساريره فقلت له : لا حرمنا الله شفاعتك.
وفي بيته عندما كنا ضيوفا عنده خرج ليجلب لنا الشاي فدخل علينا سلام الله
عليه والصينية في يديه فنهضت لآخذها منه وأقوم بتوزيع الشاي على الضيوف
فأجابني بحزم " لا يكرم المرء في داره .انتم ضيوفي .
كثيرة هي الذكريات مع السيد الولي وهي كلها جميلة ولها معان كبيرة فرحم
الله مولانا الصدر ولا حرمنا الله شفاعته.
|