مِنةُ اَلمنَان في الدفاع عن القرآن

الجزء الحادي عشر

 

سورة الهمزة

في تسميتها أطروحات:
الأولى: الهمزة، وهو المشهور.
الثانية:الحُطَمِة، كما في بعض المصادر.
الثالثة:السورة التي ذكرت فيها الهمزة أو الحًطَمِة.
الرابعة: رقمها في تسلسل المصحف وهو: 104.
سؤال: قال الله سبحانه: وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ . فما هو الويل؟
قال الراغب(1):قال الأصمعي: ويل: قبح. وقد يستعمل على التحسِّر. وويس:استصغار.وويح ترحم. ومن قال: يراد بها جهنم. فانه لم يرد ان ويلا في اللغة هو موضوع لهذا.وانما أراد: من قال الله تعالى ذلك فيه، وقد استحق مقراً في النار وثبت ذلك له.
أقول: مرجع ذلك الى ان الكلمات غير موضوعة لمعان محددة في اللغة. وانما تستعمل لدى وجود عواطف نفسية معينة. فويل له. يستعمل لدى التقبيح. وهو التهديد بالقبح أو الشهادة بالشين. وقد تستعمل للتحسر لما فات من الأمر. وويس، وهو صوت أخر يستعمل لدى الاستصغار، وهو الاحتقار والإهانة. وويح وهو صوت أخر يستعمل للترحم وهو الشفقة والرافة. وهذا مضمون كلام الأصمعي.
غير ان هذا الأخير قابل للمناقشة، لان ويح للتهديد مثل ويل. كل مافي الأمر إننا قد نستعملها قبل حصول الحادث المفروض، فيكون تهديدا بحصوله. وقد نستعملها بعده،فيكون إشعارا على انه كان مستحقا لحصوله. كما قد يكون مقصود المتكلم إظهار المتكلم التألم عليه من الحادث الحاصل ، وان كان مستحقا له، أو بغض النظر عن استحقاقه له. وعلى أي حال، فالاستعمال القرآني هنا، للدلالة على التنبؤ والتهديد بحادث استقبالي. وهو العقاب الأخروي. أو الدلالة على استحقاق العقاب. قال تعالى: لكل هَمزةٍ لُمزة.
في هذين اللفظين عدة أسئلة :
سؤال: في صيغتهما من حيث كونهما مفردا أو جمعاً.
جوابه: ان كليهما محتمل. فان كان جمعا، فعلامة التأنيث التي فيه. باعتبار إن الجمع مناسب للتأنيث
باللغة العربية. إلا انه يدل على إفراده اسم الموصول الذي بعده، ويجعله كالنص في ذلك. واما الهاء، فباعتبار كونها صيغة مبالغة بمعنى اسم فاعل. والهاء زيادة في التأكيد كعلامة وافهامة .
سؤال ما هو الوجه في تأنيث الهمزة واللمزة. مع انه ليس المقصود بهما عودهما الى مؤنث.
جوابه: من عدة وجوه:
الوجه الأول: عودهما إلى مرجع كلي، والكلي بمنزلة الجمع. والجمع يناسب التأنيث.
الوجه الثاني: ما قلناه قبل قليل من ان المراد زيادة التأكيد.
الوجه الثالث: ما قاله العكبري(2): الهاء في الهمزة واللمزة للمبالغة.
أقول والتأكيد,والمبالغة,يرجع محصلهما إلى معنى عرفي واحد. إن قلت: ولكن الله تعالى: وصف نفسه بأنه) عَلَّامُ الْغُيُوبِ)(المائدة: من الآية116).فكيف صح وصف المخلوق بما هو اكثر تاكيداً من ذلك؟
قلت: إن علمه تعالى لا يقاس بالخلق ولا يحتاج إلي تأكيد ولذا بصفة((العلام)) بينما يحتاج الى زيادة التأكيد لكي يعرف بأنه وصل إلى غاية العلم المتصور له.وعلى هذا فان التأنيث في الهمزة واللمزة يراد بها انه وصل إلى غاية ما هو متصور من هاتين الصفتين.
الوجه الرابع: انه تالى لو ذكر اللفظين لكان على خلاف السياق القرآني والنسق القرآني. سؤال: ما هو الحاجة إلى الجمع بين الهمزة واللمزة؟ ولماذا لم يكتف بواحد منهما؟ جوابه: من عدة وجوه:
.....................................
(1)
مادة (ويل )
(2)
ج2 , ص 158 .
الوجه الأول: انهما ليسا بمعنى واحد,بل لكل منهما معناه المستقل,وكل منهما مراد في الآية,والتكرار فيها سيأتي في تفسيرهما.
الوجه الثاني: انه إن تنزلنا عن الوجه الأول,فستكونان بمعنى واحد,فيكون المراد باللمزة تشديد النكير على الهمزة واللمزة,واستقباحهما,فانه حتى لو فعل ذلك مرة واحدة,فهو عمل في غاية الشناعة,فضلاً عما إذا كان فعله مكرراً.وهذا اقرب إلى الفهم العرفي للقران.
الوجه الثالث: أن نقول إن اللمزة,تابع إلى الهمزة. والاتباع مستعمل في اللغات غير العربية بكثرة,ولكنه في العربية نادر,وهو ان يتكلم المتكلم بكلمة ثانية مشابهة للأولى,وليس لها معنى الكلمة الأولى ,وذلك بقصد الاستهزاء والاستظراف او التهديد أو التأكيد.أو غير ذلك,وهي كلمة يستفاد معناها من مدخولها. واللمزة في الآية الكريمة يمكن ان تكون صغرى لهذه الكبرى,والاحتمال مبطل للاستدلال.ولا تكون لغواً بل ذكرت بقصد الاستهزاء اوالتاكيد أو نحو ذلك.ان قلت: اللمزة لا يحتمل أن تكون للاتباع لان لازمة إنها لا معنى لها,لان الكلمة التابعة لا معنى لها.ولا يمكن ان تكون في القران الكريم كلمة لا معنى لها. قلت: جوابه من اكثر من وجه:
اولاً: الطعن في الكبرى,وهي ضرورة خلو القران الكريم,من أية كلمة لا معنى لها بل يمكن القول بإمكان ذلك,وذلك لقوله تعالى( مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ)(الأنعام: من الآية38) وهو يشمل حتى الكلمات الخالية من المعنى.
ثانياً: إنها وان كانت لا معنى لها,إلا إنها صحيحة لغة وفصيحة في الاستعمال,فجاز وجودها في القران.لوضوح ان كل اتباع فهو لا معنى له.فليكن هذا منه,وهذا لا يعني نفي المعنى اطلاقاً لأننا قلنا انه يعرف معناه من معنى تابعه,وهو الكلمة السابقة عليه,إذن فمحصل المعنى موجود دائماً .
ثالثاً : ان نذكر بنحو الأطروحة ,فكرة الجمع بين كونه ذا معنى وكونه اتباعاً .إذ تكون الكلمة ذات معنى في نفسها بغض النظر عن الإتباع .وقد وعت إتباعاً .فتفيد كلا الأمرين .إذ لا يتعين سلب المعنى مطلقاً ,بل سلبه من حيث كونه اتباعا ًوهو لا ينافي وجود معنى أخر لنفس اللفظة في اللغة .
سؤال: عن معناهما وعن الفرق بينهما.
جوابه: اننا ننفي ـ اولاً ـ الأطروحة التي تقول بترادفهما,بل لهما معنيان مختلفان وهما من الألفاظ التي يقال فيها: انهما اذا اجتمعا افترقا واذا افترقا اجتمعا,كالفقير والمسكين,يعني اذا اجتمعا في اللفظ افترقا في المعنى,واذا افترقا في اللفظ اجتمعا في المعنى,أي كان من الممكن المراد منهما شيئاً واحداً. وهذه القاعدة ارتكازية ظهورية,لا يمكن التنازل عنها عرفاً,وكل من فسرها بالترادف,فقد فسرها بخلاف الظاهر. واما تفاصيل معنى هاتين الكلمتين اعني: الهمزة واللمزة فكما يلي:
قال الراغب في المفردات (1): الهَمْز. كالعصر,يقال:همزت الشيء في كفي,ومنه الهمز في الحرف وهمز الإنسان اغتيابه,قال تعالى: )هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ) (القلم:11)
يقال:رجل هامز وهماز وهمزة,قال تعالى: (وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ) (الهمزة:1)
.
وقال الشاعر: وان أغتب فأنت الهامز اللمزة ,وقال تعالى: (وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ) (المؤمنون:97)
أقول: فهم الراغب من الهماز: المغتاب,ونحن لو قارنا بين الصيغ الثلاث:هماز,وهامز,همزة,لوجدنا ان اشدها :همزة,لانه يكون كثير الهمز ومبتلى به الناس,وقوله تعالى: همزات الشياطين,لا يدل على الغيبة فقط,لان الشياطين لا يغتابون الناس,بل المراد مطلق الأذى.
وقال الراغب ايضاً في المفردات(2): اللمز الاغتياب وتتبع المعاب.(أي المعايب) يقال: للزة يلمزة ويلمزه.قال تعالى)وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ)(التوبة: من الآية58) ـ ا)الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ )(التوبة: من الآية79) ـوَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ )(الحجرات: من الآية11).
أقول: وقوله تعالى:, (وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ ) لها تفسيران:
الاول: ما ذكره الراغب(3): أي لا تلمزوا الناس فليمزونكم فتكونوا في حكم من لمز نفسه.
..............................
(1)
مادة (همز) .
(2)
مادة (لمز)
(3)
الصدر .
الثاني: لا يلمز بعضكم بعضاً,والمراد جميع المجتمع,والضمير للجمع,في الموضعين: ولا تلمزوا أنفسكم وهو القرينة المتصلة على كونه كذلك,وهذا الوجه اكثر وضوحاً مما قاله الراغب.
أضاف الراغب: ورجل لماز ولمزة كثير اللمز.قال تعالى: ويل لكل همزة لمزة.
أقول: اننا بعد ان اطلعنا على المعاني اللغوية لكل منهما يظهر ان كليهما بمعنى الاغتياب,او قل:مطلق الأذية,فيكونان كالمترادفين,وربما يرجع ان اللمزة اتباع ولا يراد بها معنى مستقل عن الهمزة. ولكن ـ مع ذلك ـ يمكن تقديم عدة أطروحات محتملة الاختلاف,وخاصة اذا قلنا ان الظهور بالاختلاف ثابت فيهما.حسب قاعدة:اذا اجتمعا افترقا.
الأطروحة الأولى: إن الهمز في الغياب واللمز في الحضور,كما تدل عليه بعض الآيات,قال تعالى: )الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ)(التوبة: من الآية79).وقال تعالى: وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ)(التوبة: من الآية58 وكلاهما واضح في الحضور.
الأطروحة الثانية: : ان الهمز مطلق الأذية والاغتياب,بأي سبب كان,واللمز الأذية في محل معين والطلب غير المناسب,وعلى خلاف الحكمة,كما أشارت اليه الآيتان الأخيرتان,بحيث يكون نوعاً من الإزعاج.ونلاحظ ان اللمز لم ينسب الى الشياطين,بخلاف الهمز,فانه نسب الى إليهم,وهو دليل الاختلاف.ولا يقال: انه تعالى اختار ذلك,فلا يكون دليلاً على الاختلاف. فانه يقال: ان الارتكاز المتشرعي والعرفي على صحة الاختلاف.
الأطروحة الثالثة: ان المعنى الإجمالي,لهما يذهب فيه الذهن كل مذهب,من حيث لا يحتمل الترادف.
وذكر الرازي في هامش العكبري(1),احتمالات ستة اخرى.
1-
انهما بمعنى واحد لافرق بينهما :,وانما الثاني تأكيد الأول.
2
ـ انهما مختلفان,فقيل: الهمزة المغتاب,واللمزة:العياب.
3
ـ وقيل:الهمزة:العياب في الوجه,واللمزة في القفا.
4
ـ وقيل: الهمزة الطعان في الناس,واللمزة:الطعان في انساب الناس.
5
ـ وقيل:الهمزة يكون بالعين واللمزة باللسان.
6
ـ وقيل:عكسه.
فهذه ستة أقوال .
سؤال:هل هما للجمع أم للمفرد ؟
جوابه:صيغة هذين اللفظين,تناسب المفرد,كما تناسب الجمع بدليل وجود ضمير في اخر السورة يعود الى الجمع:انها عليهم مؤصدة,وهذا لا ينافي دخول كل عليها حين قال سبحانه:ويل لكل همزة لمزة,فانه يراد بكل هنا,كل مجموعة او كل حصة,وليس كل هماز ولماز,ومعه فيراد بها اقل الجمع,على اقل تقدير,ولا يكون وجود كل دالاً على عدمه. واما قوله تعالى:الذين جمع مالاً وعدده.فيراد بالموصول المفرد فيدل على ان الهمزة واللمزة يراد بهما المفرد.
ان قلت: ان الضمير عائد على الجمع,كما عرفنا,في حين ان اسم الموصول دال على المفرد,فيحصل تهافت في القرائن المتصلة.
قلت:كلا فان الضمير,في الحقيقة,لا يدل على ان الهمزة واللمزة للجمع,وانما يراد بهما الجنس,أي الجميع,وليس همازاً معيناً,فناسب إرجاعه,جمعا ًولا ينافي كون اللفظ مفرداً لغوياً ونحوياً.ومن المعلوم ان اسم الموصول العائد الى اسم الجنس,دال على معنى اسم الجنس.
سؤال: ان الموضوع في الاية الكريمة وهو مجموع الصفات المذكورة,والمحمول هو:لينبذن,فهل الموضوع هو مجموع الصفات او جميعها ؟.
جوابه: اننا لو نظرنا من زاوية أصولية,كان لابد من تقييد بعضها ببعض ,فهذا الناتج من مجموع هذا القيود,هو الذي ينبذ في الحطمة,او قل:انه الشخص الجامع لهذه المفاسد كلها.
وهنا نخسر معنى معتد به,وهو استحقاق الهماز فقط او اللماز فقط,للنبذ في الحطمة فهذا مما لا يبقى عليه دليل في الاية الكريمة.
ولكن ـ حسب فهمي ـ فان كل موضوع واحد,يراد بحياله واستقلاله,فالهمزة عليه نار موصدة,واللمزة عليه نار مؤصدة,وان لم يتصف بالصفات الأخرى.
سؤال:حول قوله تعالى:الذي جمع مالاً وعدده,وجمع المال ليس بحرام دائماً,فقد يكون حلالاً,فلماذا يكون الويل له؟
جوابه من عدة وجوه:
الأول: أننا نجعل تهديده بالعقوبة,بمنزلة القرينة المتصلة على كون المال المجموع بغير حقه وبشكل غير مشروع.
الثاني: ان نفهم ان التهديد منوط بالمجموع,أي المتصف بمجموع هذا الأوصاف وليس فقط بواحد منها فقط,وهي الهمزة واللمزة وجمع المال.
الثالث: من جهة أخلاقية,يكون جمع المال شيئاً من حب الدنيا,فجمع المال وان كان غير محرم في نفسه,لكنه يؤدي الى المحرم اقتضاءاً او عليةً,فان الشهوة ان اطيعت مرة اطيعت مرات,فيستحق صاحبها الويل والحطمة.
الرابع: ان نجعل ما بعدها قيداً لجامع المال,وهو قوله:يحسب إن ماله أخلده. فيكون المتصف بالقيد والمقيد هو المقصود. وفرقه عن الوجه السابق,انه هناك اعتبرنا كل القيود الأربعة,مقيد بعضها ببعض,أما هنا فيدخل النار بهذا القيد فقط. ومعه يكون محصل الآيتين انها ذكرت أمرين,وليس أربعة:
الأمر الأول: الهمزة واللمزة,فانهما وان كانا يختلفان,ولكنهما يرجعان الى محصل عرفي واحد.ويكون احدهما مقيداً بالأخر.
الأمر الثاني: مجموع ما بقي,وهو قوله:الذي جمع مالاً وعدده,يحسب إن ماله أخلده.ايضاً يكون بعضها مقيداً ببعض. ثم يأتي المحمول:كلا لينبذن في الحطمة؟!.
ولكن هل تكون الصفات أربعة او انهما صفتان مستقلتان او هي صفة واحدة,بعد تقييد الجميع ببعضها البعض؟
جوابه:حسب فهمي وذوقي انه يقتضي الاستقلالية,وكلها تقتضي النبذ في الحطمة.وبحسب القاعدة ان هذه الأمور متعاطفة بعضها على بعض,بتقدير تكرار العامل,فيكون المعنى:ويل لكل همزة وويل لكل لمزة وويل لكل من جمع مالاً وعده.وهكذا فلكل منها تهديد مستقل عن الأخر,وهذه أطروحة محتملة,وان كان بحسب الظاهر غير ذلك,لعدم وجود تعاطف ظاهر بل مقدر.
سؤال:ان قوله تعالى: جمع مالا وعدده، ظاهره البدوي على التقليل، لانه مقتضى التنكير، ومقتضى إمكان العد في(عدده) لان المال الكثير لايمكن عده عادة، فهل الذي يخرج ماله عن إمكانية العد يكون ناجيا ؟
جوابه: من عدة وجوه:
الوجه الأول: إن (عدده)، ليس بمعنى العد والحساب. وإنما هو بمعنى أعد من الإعداد . وقد أشار الى ذلك العكبري في كتابه (1) . بمعنى أعده لمستقبله ولمصاعب حياته , أو لشهواته . فلا يتعين ان يكون المال قليلاً , من هذه الناحية . ولكن يبقى الإشكال من ناحية أختلاف أشتقاق المادتين أعد وعدد . فعده أحصاه والأسم العدد والعديد . وأعده لأمر كذا هيأه له ز من الأعداد .
الثاني : أنه ليس ظاهراً بالقلة من ناحية التنوين , بل ظاهر بالكثرة , لأنه حال أسم الجنس دال على التعدد .
إن قلت : إن الكثير لا يكون قابلا عادة والآية نص بالعد . بعد التنزل عن الوجه السابق . فتكون هنا قرينة متصلة دالة على القلة .
قلت : العد أما عد فعلي وخارجي وأما عد أقتضائي وذهني . فهو يحافظ على المعدودات الذهنية , كما يحافظ على المعدودات الخارجية . وينبغي الالتفات الى إن المال غير منحصر بالدراهم والدنانير ليعدها أو بالغنم والبقر كذلك , بل قد يكون أرضاً أو نباتاً أو عِقاراً .
الثالث : إن الآية خاطبة الناس على قدر عقولهم في ذلك الحين . والله تعالى ناظر إلى طبقة غنية ليست عالية جداً في الثراء . كما كان المعهود في ذلك الحين . وامثالهم يكون مالهم قليلاً ويمكن عده , مهما كان في نفسه كثيرأ .واما الطبقة الا على من ذلك إقتصادياً , فهي تُفهم من الآية بالأولوية لا بالنص .
الرابع : إننا يمكن أن لا نفهم من التنكير التقليل بل مجرد كونه مجرد حصة من المال , بإصلاح علم المنطق وعلم الأصول .
الخامس : أن مال الغني أذا نسب الى مجموع أموال المجتمع أو الى الدخل القومي الكامل , كان قليلاً .
السادس : إن التنكير للاحتقار - كما في الميزان (2) – وليس للتقليل .
سؤال : ما هو إعراب " الذي " في قوله تعالى : (الَّذِي جَمَعَ مَالاً ُ) ؟
جوابه : قال العكبري (3) الذي , يحتمل الجر على البدل والنصب على إضمار أعني والرفع على هو .
أقول : جوابه لوجهين : أولاً : أن التقدير خلاف الأصل وكلا الأخيرين فيه تقدير . فالمصير الى الأول
................................
(1)
إملاء ما من به الرحمن ج2 , ص 158 .
(2)
ج20 , ص 359 .
(3)
الإملاء ج2 , ص 158 .

وهو البداية .
ثانياُ : أننا نضيف إحتمالاً أخر , وهو أن يكون نعتاً . باعتبار إن الفرد موصوف بكونه همز ولمزة وهو الذي جمع مالاً وعدده .
ومجموع الموصول وصلته يكون مركباً ناقصاً , لا تنطبق عليه قاعدة : الجمل بعد النكرات صفات وبعد المعارف أحوال . غير إن الموصوف هنا وهو كل لا ينطبق عليه عنوان النكرة , فيمكن أن يكون نعتاً , بدل أن يكون بدلاً .
وقلنا فيما سبق : إن " الذي " مفرد ولكنه كلي ينطبق على كثيرين . فهو بمنزلة أسم الجنس لأنه يعود على أسم جنس .
ثم إنه قد ذكر القاضي عبد الجبار سؤلاً(1) مع جوابه كما يلي :
سؤال : هل يدخل في قوله تعالى : (وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ) " غير الكافر " , أولا يدخل فيه إلا الكافر ؟
جوابه : ذلك محتمل , لاجل قوله تعالى : (يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ) . وذلك لا يليق إلا بالكفار الذين لا يعتقدون في أموالهم إنها من قبل الله تعالى . فذلك رجحنا قول من صرف ذلك الى الكفار .
أقول : وهذا من غرائبه . لأنه لا يوجد أحد من البشر يحسب أن ماله أخلده . لوضوح إن المال لا يدفع الموت الذي لبد منه . والمتكلم لا يقصده والسامع ينبغي أن لا يفهم ذلك . إذن فلا توجد قرينة على الاختصاص بالكفار .
وعلى أي حال , ينبغي أن نؤل الآية بعد سقوط الدلالة المطابقية . وستكون هذه الوجوه عامة للمسلمين والكفار .ونقول : أنه يمكن أن يراد بها أحد أمور :
الأول : الغفلة عن الموت , وترتيب الأثر على الخلود . وهذا حاصل للكفار وغيرهم . قال الإمام الصادق (ع) (2) : لم يخلق الله عز وجل يقيناً لاشك فيه أشبه بشك لا يقين فيه من الموت . فالناس غافلون عن الموت , حتى كأنهم لا يذوقونه . وكلما زاد المال والسيطرة والشهرة , زاد ابتعاد ذكر الموت عن ذهن الفرد .
الثاني : أنه يحسب أن ماله يطيل عمره ، كما يقال عادة بالتداوي والتقوي . وهذا أيضاً حاصل لكل أهل الدنيا .
الثالث : أنه يحسب أن ماله يكون سبباً لخلود ذكره في الدنيا بعد موته . بعمل معين أو كتاب أو مؤسسة أو تجارة وهذا الشعور أيضا شامل للمسلمين والكفار معاً.
فبالاختصاص بالكافر بلا موجب . والجمع بين الوجوه الثلاثة لا بأس به .
سؤال : لماذا : أخلدهُ , بصيغة الماضي , ولم يقل : يخلده بصيغة المستقبل , مع أنه القياس ؟
جوابه : لانها صيغة الماضي تدل على شدة التأكيد لآن ذلك حاصل . فكأنه حصل فعلا . فان وجود المعلول بوجود علته ، و فكأن الفرد قد خلد فعلا عند حصوله على المال و وطبقه الأثرياء كأنهم يضمنون الخلود بحصولهم على المال .
سؤال : قال تعالى : (كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ) . فما المراد من كلا ؟ ولماذا لم يقل لا , أو غيرها من حروف النفي ؟
جوابه : إن كلا يراد بها فائدتان : أحدهما : الهويل . وثانيهما النفي الشديد . وفي السياق يراد به نفي الخلود .
وظاهر عبارة صاحب الميزان (2) . إن كلا لمعنيين . في رتبة واحدة , وهما التهويل والتشديد في النفي . ولكن - حسب فهمي – ان تشديد النفي في المرتبة الأسبق ويستفاد منه التهويل في المرتبة اللاحقة . فيكون احدهما بالدلالة المطابقية , والأخر بالدلالة الالتزامية .
قوله تعالى : لَيُنْبَذَنَّ
قال صاحب الميزان (3) : اللام للقسم .
...........................
(1)
الخصال ص 14 , وانظر من لا يحضره الفقيه ج1 , حديث 516 .
(2)
الميزان ج20 , ص 359 .
(3)
المصدر والصفحة
(3)
(3)
أقول : إنما تكون اللام للقسم إذا كان القسم موجوداً , كقولنا : والله لتفعلن . واما إذا كان السياق خالياً منه , فلا تكون كذلك , بل هي للتأكيد . وهي لام تدخل على الأسماء فتسمى لام ابتداء . وتدخل على الأفعال فتسمى لام القسم , مجازاً , لا حقيقة ,لعدم الإشعار بالقسم , كما قلنا .
ونون التوكيد في : لَيُنْبَذَنَّ . لزيادة التأكيد . بل يمكن القول : إن دخول اللام على الفعل يصحبه دخول النون عليه , فهما متلازمان في القرآن الكريم : اّتَسمْعُنَّ (1) , ليَخْرُجُنَّ (2) . لَتُبْلَوُنَّ (3) . لَتُبَيّنُنُهُ (4) .
هذا من الجهة النحوية .
وأما من الجهة اللغوية : قال الراغب (5) : النبذ إلقاء الشيء وطرحه لقلة الاعتداد به . ولذلك يقال : نبذ النعل الخَلِقْ . وقال صاحب الميزان (6) : النبذ : القذف والطرح .
أقول : فيمكن المعنى : ليقذفن : في الحطمة . وفيه أشعار بالذلة والصَّغار .وهذا إنما يستفاد من التأكيدات في لَيُنْبَذَنَّ . أو من السياق العام . لنه تعالى قال : يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ .إذن فهذا الوهم وهو الخلود بالمال باطل وضلال ردئ جداً . واما ابدله بدل المعيشة المرفهة بالمعيشة الضنكة في جهنم . فليس ماله بمنجيه كلا .
فإن قرأنا : لينذن بالفتح أي للفرد و فضمير المفعول يعود على الهمزة واللمزة الذي جمع مالا . ولا أشكال لان السياق كله سيكون افرادياً .
وإنما الإشكال إذا قرئ بالضم .
سؤال : من المقصود بالجمع في قوله : لَيُنْبَذَنَّ ؟
قال العكبري (7) هو وماله . ويجوز أن يكون المعنى هو وامواله لأنها مختلفة . وربما قيل هو وماله وأهله . في كل ذلك جهة صحة .
وإنما الأمر كما سبق من حيث الهمزة واللمزة لا يراد بها واحد بعينه بل يراد بها أسم الجنس وهو بمنزلة الجمع , لآنه كلي ينطبق على كثيرين , فيمكن أن يعود الضمير عليه جمعاً .وهذه الفكرة تنطبق على القراءتين : بالضم وبالفتح .
لاننا إن راعينا اللفظ ناسب الفتح ,وإن راعينا المعنى ناسب الضم .
مضافاً إلى وجه أخر للجميع , وحاصله ملاحظة " كل " الواردة في أول السورة . ويل لكل همزة لمزة . وهي تمثل جماعة من الناس لامحاله , فناسب إرجاع الضمير إليها جمعاً . إلا أنه لا يتعين لحاظ مدخولها مستقلاً .
سؤال :لماذا سميت جهنم بالحطمة ؟
جوابه : من وجهين :
الأول : أنه من الحَطْمِ وهو كسر الشيء مثل الهشم . فهي مبالغة في التكسير . وجهنم تزيد قاطنيها تحطيما وتكسيراً .
الثاني : من الأكل . يقال : حطَّمه أي أكله بأسنانه حين المضغ والحُطَمة الآكلة ز بل الشديد الأكل لسكانها , كأنهم يطبخون فيها .
ونحن حين نلاحظ تقابل هذين المرين في قوله تعالى : يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ .فيكون الإنسان بدل الرفاه والنعيم , تأكله النار وتحطمه وتذله اذلالاً . لا يشفع له مال ولا بنون, إلا من أتى الله بقلب سليم . وقلبه ليس بسليم بطبيعة الحال .
ولا يخفى عن صيغة حطمة جاءت على وزن همزة ولمزة ومن هنا نعرف سببين لهذا التعبير , ولم يقل حاطمة .أولاً : للدلالة على الشدة , كما عرفنا . وهو ما يخلو منه أسم الفاعل . وثانياً : حفظ النسق من الصيغ السابقة .
سؤال : ما المراد بقوله تعالى : وَمَا أَدْرَاكَ ؟
........................................
(1)
آل عمران/ 186 .
(2)
النور /53.
(3)
آل عمران /186.
(4)
آل عمران / 187 .
(5)
المفردات مادة " نبذ " .
(6)
ج20 , ص 359 .
(7)
الإملاء ج2 , ص 158 .
(7)
جوابه : أحد أمرين :
الأول : أن تكون نافية , ويكون المعنى : أنك لا تدرك ما الحطمة . وذلك للتهويل والتخويف .
الثاني : ان تكون للاستفهام ز ويمون المعنى : من الذي جعلك تدرك الحطمة ؟ فهو استفهام استنكاري يفيد نفي مدخوله . باعتبار إن الحطمة أعظم من إمكان إدراكها وفهم مراتب عذابها .
وكلا هذين الأمرين قابل للصحة , ومؤد للمعنى .
سؤال : ما معنى : أَدْرَاكَ , ومن هو الخاطب فيها ؟
جوابه : الإدراك هو بمعنى الإدراك الذهني وهو الدراية والمعرفة . والكاف للخطاب . وهو بحسب الظهور المباشر للنبي (ص) . ولكنه يعلم بالحطمة , فلماذا خاطبه سبحانه بذلك ؟
جوابه : من عدة وجوه :
أولاً : إن الخطاب ليس له بل لغيره , من باب إياك أعني وأسمعي يا جارة.
ثانياُ : أنه (ص) أعلى الخلق , فيكون إدراك جهنم بالنسبة اليه بسيطاً ولكن إذا تصورناه رجلاً مصلحاً , وأنه مجرد بشر يوحى إليه . إذن فهو لم ير الآخرة , ولا الجنة ولا النار , فليس عجباً أن يقول له سبحانه : وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ .
ثالثا : إن المراد بالإدراك المنفي في السياق , ليس العلم بل الإدراك البصري الحسي . أو قل :العليَّ لا الأقتضائي و وإن كان موجوداً , إلا إن العلي أو الفعلي غير موجود , ولا يوجد إلا لمن يدخلها , ويراها فعلاً .
سؤال : لماذا نسب الله تعالى النار إلى نفسه , في قوله : نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ ؟
جوابه : من عدة وجوه :
الوجه الأول : إن ذلك باعتبار إنها خلق من خلق الله سبحانه . وكل الخلق منسوب إليه تعالى . وأما الوجه الفلسفي لذلك فليس هنا محلها .
الوجه الثاني : نسبتها اليه تشريفاً وتعظيماً .كما نسب ذلك الى كثير من خلقه و في الكتاب والسنة معاً , كالروح والأمين والكليم : روح الله وأمين الله ونبي الله وكليم الله .وغير ذلك .
فهذه النسبة الى الله مجازية و بصفتها مطيعة الى الله تعالى : لنه تعالى أمرها بالأمر التكويني , وهي تؤدي وظيفتها على أحسن وجه بإحراق من فيها من العصاة والفسقة . فيكون تفخيمها في محله .
الوجه الثالث : ان الراد كونها في الآخرة , لأن كل من كان هناك فهو منسوب اليه .
لأنها مجردة عن المادة . واما في الدنيا فلا يمكن نسبتها اليه تعالى , لأنها مادة , وهي متدنية في سلسلة الوجود.
الوجه الرابع:إن المراد كونها عقوبة من الله سبحانه . لأنها حصلت بحكمته وعدله للمستحقين .
ويؤيد ذلك : أنه لم ينسب ألفاظاً أخرى الى نفسه , كجهنم والسعير ونحو ذلك . فهذا يقّرب : إن ما كان من أنواع العذاب في جهنم , منسوب اليه سبحانه . نعم, لا خصوصية للنار , أذ يقول تعالى : نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ , بل المهم هو نسبة العقاب اليه , وذلك بعد تجريد النار عن الخصوصية الى كل عقوبة .
وقد ورد (1)أن في جهنم عقوبات كثيرة حتى في كل درك من دركاتها السبعة ثلاثمائة آلف عقوبة أو نوع من العذاب . أو نوع من العذاب . فيتعين تجريد النار عن الخصوصية .
ثم إن قوله تعالى : الْمُوقَدَةُ .صفة تدل على فعلية نشاط النار وحيويتها وفعاليتها . وقد يدل ذلك على وجودها وإيقادها الآن .
فأن قلنا : إن جهنم موجودة , فهو المطلوب . وان قلنا إنها غير موجودة فانها سوف توجد عندها تقتضي الحكمة في يوم القيامة أو بعد النفخ في الصدور , أو في زمن النبذ فيها .
سؤال : لماذا وصفها بأنها موقدة , مع إن كل نار موقدة ,ولا يصح ان تكون النار غير موقدة .لانها عندئذ لا تكون موجودة إطلاقا .
جوابه : من عدة وجوه :
أولاً : أن يكون المراد شدة توقدها , بحيث يكون غيرها إليها كضم الحجز إلى جنب الجدار . أو إنها ملحقة بالعدم .
ثانيا ً : إن يكون لمراد بيان الرهبة التي تكتنفها , والخوف الذي يتلبس من يراد نبذه فيها .
........................................
(1)
أنظر نحوه في تفسير علي بن إبراهيم , ج1 , ص376 .
ثالثاً : أن يكون المراد صدق لإيقاد عليها عرفاً . وهذا ثابت لها . في حين أن النار القليلة أو الصغيرة , لا يصدق عليها ذلك . وإن كانت عقلاً كذلك .
سؤال : عن ظاهر القرآن الكريم في عدد من آياته , وفي هذه السورة أيضاً أن جهنم مخلوقة . وظاهر القرآن حجة , فمثلاً قوله : الحطمة , يعني حاطمة فعلا ً . وقوله : الموقدة يعني هي كذلك فعلاً . ونحوه في قوله : الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ . فإن كانت كذلك فما الحكمة من وجودها الان ؟
جوابه : من عدة وجوه :
الوجه الأول : انها قد أوجدها لابراز قدرته سبحانه . وهذه إحدى النظريات العامة أيضاً في الحكمة من وجوه الخلق كله
ومعه فلا حاجة الى تأجيل إيجادها الى زمن لاحق , لأن الغرض منه ليس هو إحراق الظالمين فقط , بل إبراز القدرة .
الوجه الثاني : إن العقوبة والمثوبة غير خاصة بالبشر , بل هي عامة لكل الخلق المدرك . كما ورد (1) : عن الله سبحانه قد خلق قبل البشرية آلف آلف آدم ألف أتلف عالم .
وادم هو , وهي أي ذات مدركة وعاقلة . فيذهب المطيعون الى الجنان والعاصون الى النيران .
فإن قلت : إن يوم القيامة واحد , وليس بمتعدد , كما هو مقرر في علم الكلام , وعليه ظاهر القرآن .
قلت : نعم , هو كذلك , ولكن يراد بقوله : (َيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً)(الأنعام: من الآية22): الحشر لكل النسل الآدمي سويةً . ولا يراد به كل المخلوقات اللانهائية . ففي الإمكان القول – كأطروحة – إن لكل نسل قيامته الخاصة به .
فإن قلت : إن قوله : الموقدة , صفة نحوية وقيد أصولياً , والقيد ليس مفهوماً أستقلالياً في التصور . فلا يكون بمنزلة الأخبار عن إنها موقدة فعلاً .
.................................
(1)
أنظر الخصال ص 652 , والتوحيد للصدوق , ص 277 .
قلت جوابه من عدة وجوه :
الوجه الأول : ما قلناه في علم الأصول من إن القيد , وإن كان مندكاً في المقيد تصوراً وعقلاً , ‘لا إن له نحواً من الأستقلال العرفي , بحيث يعتبره كاذباً إذ لم يكن مطابقاً للواقع , مع كون هذا الاعتبار لاغياً حال إندكاكه في المقيد .
الوجه الثاني : إن الحكمة ليست منحصرة في جهنم من حيث كونها عقوبة , بل الحكمة من وجودها متعددة وليست واحدة , ومن ذلك كونها لإظهار قدرة الله تعالى . فيتعين وجودها الفعلي .
الوجه الثالث : إننا نستفيد ذلك من القرائن السياقية اللفظية في الآية الكريمة . وهي الإطلاق الازماني الشامل لكل الأزمان الثلاثة : الماضي والحاضر والمستقبل .
سؤال : كيف تطلع النار على الأفئدة ؟
جوابه : أنه يكون من عدة وجوه محتملة :
الوجه الأول : ما ورد عن النبي (ص) (1) من : إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم . وورد أيضاَ (2) : نية المؤمن خير من عمله ونية الكافر شر من عمله .
ويتحصل من ذلك إن العمل الحقيقي أمام الله سبحانه هو الأعمال القلبية أو النفسية وليست هي الأعمال الظاهرية , وعندئذ نقول : إن جهنم تكون عقوبة على القلوب المنحرفة والنوايا الباطلة والمظلة . فهي عقوبة الأفئدة والقلوب وليست الأجسام .
الوجه الثاني : ما ذكره السيد الشريف الرضي قدس سره في كتابه " تلخيص البيان " (3) من إن آلامها ونفثه يصل إلى القلوب .
أقول : وفيه :
أولاً : إن وصول الألم إلى الفؤاد غير منحصر في جهنم . بل إن كل الآلام , والأفراح تصل إلى الفؤاد باعتباره بيت العواطف , كما إن العقل بيت الإدراك :فبلاء لدنيا , أيضاً يطلع على الأفئدة .إذا قصدنا مجرد لوصول .
...................................
(1)
أنظر مستدرك الوسائل ج2 , ص299.
(2)
الوسائل ج1 , ص 35 .
(3)
أنظر الى صفحة 284.
ثانياً : إن ذهبنا الى القلب لا يعني الإطلاع على القلب بمعنى المعرفة . لن جهنم ليس لها علم , وغنما العلم عند الله سبحانه .

ومعه يفشل هذا الوجه ,إلا أن نجد له تفسيراً أخر , فنقول :
التفسير الأول : إن الإطلاع ليس بمعنى المعرفة بل معنى النظر . أي : وصول نظره أليه وإطلاع عليه.كما ينظر الإنسان من النافذة . وفي حديث (1) إن الله أطلع إطلاعه على البشر فاختارني منهم . أي نظر اليهم . فالنظر يصل المنظور اليه و وليس هو ملازم للفهم دائماً . فتأمل .
التفسير الثاني : أن نقول .كما قال الفلاسفة : إن الأشياء كلما صعدت في عالم الروح المجرد زاد فهمها وإدراكها . وكلما كانت أقرب الى المادة قل فيها ذلك .إذن , تكون الأشياء في عالم الروح الأخروي فاهمة ومدركة . وجهنم جزء من ذلك . لأن الإدراك مساوق للوجود . فكلما أرتفع الوجود زاد الإدراك وكلما تنزل قل . وبذلك تكون جهنم مطلعة على الأفئدة .

الوجه الثالث : ما ذكره الشريف الرضي أيضاً (2) من : ان شعب النار تدخل في أفواههم فتصل الى أجوافهم وقلوبهم , فيكون ذلك أبلغ في المضض وأعظم للألم .
أقول : وفرقه عن الوجه السابق :إن ذاك معنى إن الام لم يصل الى الفؤاد . ولكن هنا تصل نفس النار اليه . ونقطة القوة في هذا الوجه : أنه لا يحتاج الى تقدير , بل هي تطلع على الأفئدة , بغض النظر عما قلناه هناك .
الوجه الرابع : إنها تذيب الجسم حتى تصل الى القلب . كما قال تعالى : (كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا)(النساء: من الآية56) حتى تصل الى القلب مباشرة . وحيث عن الموت غير موجود في النار , فيعاد الجسد كرة بعد كرة .
..................................
(1)
صال , ص412, عيون أخبار الرضا, ج2 , ص66 , وانظر ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى ص 645.
(2)
انظر تلخيص البيان : ص 284 .
إن قلت : أن هناك فرقاً بين الآيتين . فنضجت : أنطبخت ورقت نتيجة للاحتراق , لكن الآية هنا – حسب هذا الوجه – تدل على ان الجسم كله يذوب ويتلاشى .
قلت : هذا من الفهم السطحي , لان نضج الجلود كما يناسب رقتها يناسب ذوبانها وتقطعها وتلاشيها . حتى تصل النار اللحم والعظم ثم الى القلب والفؤاد . فتتطابق المعنيان .
الوجه الخامس : ما نقله الشريف الرضي عن آخرين (1) من إن الإطلاع هو العلم , كقوله تعالى (َطَّلَعَ الْغَيْبَ )(مريم: من الآية78)
فالمراد : إن الله تعالى يخلق في النار علماً تطلع به على ضمائر الموجودين . فتوصل إليهم الآلام على قدر مراتبهم من الذنوب .
أقول : هذا الوجه في طول القرآن . ولاجل تصحيح الآية . في حين إننا نصحنا أن نأخذ بالفهم السابق على الآية , والذي يمكن أن تكون الآية قد نزلت على أساسه .
ولكن في هذا الوجه بعض نقاط القوة :
الأولى : أنه فهم مباشر من الآية . أي أن جهنم تعرف ما في الأفئدة , حسب الظهور العرفي للقرآن .
الثانية : ما ذكرناه سابقاً , من أن عالم المجردات كله مدرك وعارف , بواقعه الذي يعيش فيه .ومنها جهنم . فهي مطلعة على الأفئدة , وعلى غيرها , أي على كل ساكنيها . ولكن صاحب هذا الوجه لم يدرك ذلك بوضوح , بل زعم عن العلم يخلقه الله سبحانه في جهنم خصوصاً .
لكن فيه بعض المناقشات :
منها : عن جهنم ليست إسماً لشيء محدد ,بل هي مفهوم .كما إن الحال في ( الدنيا) كذلك , فإنها ليست أسماً لشيء محدد , بل لمجموع الحوادث والأعراض والعلل والمعلولات , والإضافات التي توجد في هذا العالم المنظور . ومن هنا نلاحظ انه لم يرد في القرآن الكريم لفظ الدنيا مفرد , بل يقول : الحياة الدنيا , إذن , فجهنم شئ من هذا القبيل . ونستنتج من ذلك : إنها لا تكون مصداقاً وتطبيقاً التي قلناها : من إن موجودات عالم الروح والمثل مدركة . فإن جواهرها الجزئية , مدركة ولكن مفهومها الأنتزاعي غير قابل للإدراك . وحيث إن جهنم من المفاهيم الانتزاعية , على ما هو المفروض في هذا الوجه ز فلا تكون صغرى لهذه الكبرى .
ولكن هذا , إذا لا غضضنا النظر عن القراءة الاخرى : تطلُعُ . وإلا سقط هذا الوجه .
لكننا حتى لو سلمنا بتلك القرءة , وإن جهنم مفهوم انتزاعي , ولكن مع ذلك نقول : إنها مدركة , لأن حقيقة الأشياء هي بحقائق الملائكة الموكلين بها . فجهنم ليست جهنم . وإنما هي عين خازنها , وهو " مالك " خازن النار . وهو مدرك وعاقل .
وعلى أي حال يتحصل من ذلك : إن المطلع على الأفئدة هو الملك الموكل بالنار , أو هو وأعوانه , وليست النار بذاتها , وإنما نسب اليها العلم مجازاً .
....................................
(1)
أنظر تلخيص البيان , ص 284 .
الوجوه الإعرابية في هذه الآيات :
الحطمة مجرورة بحرف الجر : في . والحطمة الثانية مرفوعة خبراً لما أو لضمير مقدر .
ويمكن – نظرياً - جر " نار " على غنها بدل الحطمة الأولى .ولا بأس به , وأن كان بعيداً . واما رفعها فله بابان :
الأول : ما أشار اليه العكبري (1) ) قال: (نَارُ اللَّهِ) أي هي نار الله . أقول :أي انها خبر لمبتدأ محذوف . وهو ممكن . لكن يمكن تقدير المبتدأ , بل جعله ظاهراً , وهو الحطمة , ليكون نار الله خبراً له . وتساعد على ذلك القرائن المتصلة .
الثاني :إن نار بدل من الحطمة الثانية المرفوعة . ونلاحظ في بعض المصادر : كسر الحطمة الثانية . كما في الميزان (2) وإعراب الكرباسي (3) . وهو خطاء . والصحيح رفعها بالضمة الظاهرة.
ثم إنه ذكر أبو البقاء العكبري (4) لإعراب أسم الموصول : الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ , ثلاث أطـــروحات أو وجوه :
أولاً : الرفع على النعت . يعني إن المنعوت هو : نَارُ الله .
ثانياً : أنه خبر لمبتدأ محذوف . يعني هي التي أو الحطمة التي .
ثالثاً : إنها في موضع نصب باعني. أعني التي .
ثن قال عز من قائل : (إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ) ل. بالهمزة بقراءة حفص وقرأ غيره بترك الهمز .والهمز أشهر , إلا إنه غير موجود في أصل المادة .
قال الراغب (5) : يقال : أوصدت الباب وآصدته : أي أطبقته وأحكمته بالتخفيف . أي( موصدة) مطبقة .
..................................
(1) "
الإملاء" ج2 , ص158.
(2)
ج20, ص 358 .
(3)
أنظر ملحمة الإعراب لمحمد جعفر الكرباسي , القسم الأول , ص237 .
(4)
الإملاء ج2 و ص 158 .
(5)
المفردات مادة " وصد
أقول : فلابد من فرض باب لجهنم أو أبواب , وإلا لم يصدق الإيصاد . وهو منصوص عليه في القرآن الكريم . قال تعالى : (لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ) (الحجر:44) كما وردت الإشارة اليه في بعض الأخبار أيضاً .(1) وليس المقصود من الجزء المقسوم : ان الباب منقسم الى قسمين . كما هو المتعارف .إذ لو كان كذلك لقال . منها ولم يقل منهم .فمراد الجزء منهم أي مستحقيها والمعاقبين فيها .كأنه يتصور جمع واقف أمام جهنم . فيقال لكل جماعة منهم :هذه الباب التي تدخلون منها .وهذا لا يستلزم الجبر لأنه بسوء اختبارهم وفشل تصرفاتهم .
والآية مشعرة بعدم الفتح مطلقاً , كأنه مؤصدة الى الأبد . وذلك بأكثر من تبرير :
الأول : عن من يفتح الباب لبد من ان يكون مسلطاً على الفتح وملكاً للمفتاح . وهم ليسوا كذلك فهم آيسون من التصرف بالباب مطلقاً , فمن زاوية يكون الإيصاد مؤيداً . وأما من بيده المفتاح فيستطيع أن يفتحها متى شاء وهما أثنان : ملك خازن النار وقسيم الجنة والنار (2) .
…………………………
(1)
أنظر الميزان 120 , ص157 . وغيره .
(2)
أنظر الصواعق المحرقة لابن حجر ص 75وكنز العمالج6ص402, نقلا عن فضائل الخمسة في الصحاح الستة , ج3 ص105
الثاني :إن الباب مغلقة من الخارج , فلا يكون من في الداخل متسلطا على فتحها . وحمل الباب على المجازية والمعنوية , وإن كان محتملاً , إلا إنه غير متعين , غاية الأمر إننا نعلم إن الباب من جنس ذلك الوجود .فإن بمادية جهنم ولو باعتبار القول بالمعاد الجسماني , لزم القول بمادية الأبواب . وإن لم نقل بذلك , باعتبار انها من عالم المثال ونحوه .
قلنا : بأن الأبواب مناسبة لها , وهكذا .
ثم قال غز من قائل : (فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ) بفتحتين وقرئ بضمتين .
وعلى قراءة الضم , فهي جمع عمد أو عماد . كما في تلخيص البيان (1) وعلى قراءة الفتح , يراد به المفرد , وهو اسم جنس . واسم جنس بمنزلة الجمع , لأنه يدل بدوره على الكثير .إذن , فلا تفرق هاتين القراءتين في تفسير الآية .
سؤال : ما المراد من أن جهنم في عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ ؟
جوابه : قال الشريف الرضي في تلخيص البيان (2) : والمراد بذلك انها وثابتة لهم . كما يطل الخباء المضروب بانتصابه , ويثبت بتمديد أعماده واطنابه .
أقول : أنه قدس سره فسر العمد ولم يفسر ممدة . كأنه أخذه مسلماً بأن قماش الخيمة ممد بالعمد أو على العمد .وهي نقطة ضعيفة .
وبناء على هذا الفهم يمكن ان نفهم الآية على أحد أشكال :
الأول : إن السرادق ممد على العمد .أي سقفه مبسوط على كثير من الأعمدة .وهذا الذي أخذه مسلماً
الثاني : إن السرادق أعمدته ممدة , أي ممتدة بخط طويل .
الثالث أن العُمُد ممدة , أي مرتفعة وطويلة جداً .
وكل هذه الأشكال بناء على كون (( ممدة )) صفة لعمد لا أنها خبر لجهنم , أو الضمير عائد أليها .
كما إن الشريف الرضي أهمل معنى (( في )) فأنه إذا كانت جهنم , كالفسطاط . أو السرادق , فينبغي أن يقول :على عمد ممدة . لأن جهنم ليست داخل السرادق بل هي السرادق – مجازاً - . وهذا تناقض عقلي بين أن نتصور جهنم داخل السرادق أو نتصورها هي السرادق .
وعليه , فينبغي أن نؤول المعنى , فإما أن نقول : إن((في )) هنا بمعنى الباء , ويراد بها السببية أي :بعمد ممدة يعني ان السرادق مشدود بالعمد وأما أن نقول : إنها بمعنى كاف التشبيه . أي كعمد ممددة . أو مثل العمد الممدوة . إلا أنه على ذلك لا يتغير المعنى . لأن الممدة تكون هي العمد لا القماش . فلابد من زيادة التقدير , بأن نقول : كخيام أو كسرادق ( هي ) في عمد ممددة .وأما الجهة النحوية لهذه الآية ,فهي موقوفة على أن (( ممددة )9 بالجر أو بالرفع وهذا يجرنا الى سؤال عما إذتا كان بالإمكان القول أن تكون نازلة في الوحي ساكنة . لأن مقتضى القاعدة هو التسكين والوقوف في نهايات الآيات , وهو مستحب شرعاً , وفي نهاية السورة انقطاع الوحي . إذن , بتقدير حرف العطف . والعطف بتكرار العامل . أما بتكرار الضمير أي : وهي في عمد ممددة . أو بتكرار الضمير ومدخوله أي : انها عليهم موصدة وأنها في عمد ممددة , ومقتضى التبادر الأرجح ان يكون الضمير وحده هو المكرر .
وممددة , بالجر على كونها نعتاً للعمد المجرور بفي . وبالرفع على احتمالين :
الأول : أن تكون خبرا ً لضمير تقدير هي .
الثاني : ان تكون جملة تقديرها : هي ممددة في عمد :فالضمير مبتدأ أول , وممددة مبتدأ ثانٍ , وخبره الجار والمجرور , والجملة خبر المبتدأ الأول .
ومقتضى إجماع المفسرين كون " هي " القدرة عائدة إلى جهنم أو الحطمة . ولكني أقول : أنه عائد الى سكنة جهنم أو المعذبين فيها !
فأن قلت : أنه لا يناسب ذلك .
قلت : بل يمكن ذلك , لأنه يقول أنها عليهم موصدة , فمرجع الضمير قريب .
فإن قلت : هذا مفرد مؤنث : (هي ) وذلك جمع مذكر (هم ) .
قلت : انتصاراً لهذه الأطروحة -: إن سكنة جهنم أعيد لهم الضمير على أشكال ثلاثة كما سنشير , ومعه فالمهم هو الواقع , أو تفهم النص , وليس شكل الضمير .
.....................................
(1)
ص 284.
(2)
ص 284 .
الشكل الأول : قال تعال : وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ . فالشخص المقصود هنا مفرد مذكر غائب .
الشكل الثاني : في قوله عَلَيْهِمْ , مذكر جمع .
فلا بأس أن يتحول الى التأنيث في المرة الثالثة ,كما تحول الى الجمع في الثانية .ويمكن أن يرجع الى أجسادهم او جثثهم وأن يكون ميتين . أو باعتبار عن معنى الجمع أقرب الى معنى المؤنث في اللغة العربية . وقد سبق أن قلنا إن التحويل من المفرد الى الجمع ليس أعتباطاً بل لحكمة , وهو كون المقصود من المفرد أسم الجنس , وهو بمنزلة الجمع , والجمع بمنزلة المؤنث .
ومعه يكون الممد . وهو أجسادهم , وليس جهنم نفسها .
تمت هذه السورة .والحمد لله رب العالمين