مِنةُ اَلمنَان في الدفاع عن القرآن
تأليف : السيد الشهيد محمد محمد صادق الصدر(قدس سرة الشريف)
الجزء الثاني عشر

من كتاب منة المنان في الدفاع عن القرآن
للسيد الشهيد محمد الصدر( رضوان الله عليه )

سورة التكاثر

لم أجد إسماً أخر في المصادر . فيكون لها ثلاثة أطروحات :
الأطروحة الأولي : التَّكَاثُرُ .
الأطروحة الثانية : السورة التي ذكر فيها التَّكَاثُرُ .
الأطروحة الثالثة : تسميتها بالكلمات التي بدأت بها : أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ , مضافاً الى أطروحة رقمها في المصحف وهو 102.
سؤال : من هو المخاطب بقوله تعالى : أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ .
جوابه فيه أطروحتين :
الأولى : ان يكون خطاباً لمن يتصف بهذه الصفة , وهو من الهاه التكاثر . فيكون المراد : يا من الهاكم التكاثر قد الهاكم التكاثر .
الثاني : أن يكون خطاباً لأهل الدنيا , وهو عامة البشر الذين جعلوا الدنيا أكبر همهم ومبلغ عملهم . فانهم على هذه الحال سيلهيهم التكاثر .
وهدف السورة هو التحذير من الدنيا والتقريب للآخرة والتركيز بالعقوبة: (لَتَرَوُنَّ الْجَحِيم..........َ) أي إذا الهاكم التكاثر .
سؤال : ما معنى اللهو ؟
جوابه : قال الراغب في المفردات (1) :اللهو ما يشغل الإنسان عما يعنيه ويهمه . يقال : لهوت بكذا ولهيت عن كذا . أشتغلت عنه بلهو . قال تعالى : إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ,,وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ...
وقال الراغب أيضاً : الهاه كذا أي شغله عما هو أهم اليه و قال تعالى : أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ .
أقول : الإنسان في حياته يواجه أموراً ومحتملات عديدة , يكون بعضها أهم من بعض أو قل : يكون بعضها اهم وبعضها مهم , اما دنيويا أو أخروياً ,وأما من كلا الجهتين .فإذا أخذ الفرد بالجانب الأقل أهمية وترك الجانب الأهم ,كان هذا لهواً . في حدود المعنى اللغوي الذي سمعناه . ونتيجة ذلك :انه يكون معابا أخلاقياً أولاً ودنيوياً ثانياً وأخروياً ثالثاً .
ومن مصاديق ذلك : اللّهو العرفي بالالتزام بما هوأدنى عرفاً وترك ما هو أعلى . ومن مصاديقه الرئيسية أيضاً : التلّهِي بأعمال الدنيا عن أعمال الآخرة .
ومن مصاديقه أيضا إن الإنسان ينصرف الى عمله الشخصي وينسى العمل لغيره ,فيكون عمله سبباً للغفلة من عمل الآخرين الأكثر أهمية , إن كان كذلك .
فمقاربة الدنيا تكون دائماً بهذه الطريقة , قال تعالى : ( وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ)(الروم: من الآية7) لأنهم يهتمون بالدنيا , وكأن الآخرة غير موجودة ,وإن كانوا يعتقدون بأصول الدين .
فقوله تعالى : أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ ,أي صار التكاثر سبب غفلتكم عن الآخرة .
سؤال : ما معنى التَّكَاثُرُ ؟
جوابه : قال في المفردات (2) :والتكاثر التباري :في كثر المال والعز , قال تعالى : أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ .
أقول : توجد اكثر من ملاحظة :
الأولى : التباري هو المفاعلة , كالتضارب والتناصل ونحوها , فلابد من وجود أثنين أو أكثر ليحصل ذلك . وهذا هو حال أهل الدنيا , كل منهم يحاول الزيادة على صاحبه , ليكون أكثر نفراً وأعز حالاً .
ولكن في الإمكان صدق هذه القضية , من دون لحاظ الآخرين . فالتكاثر هنا ليس إلا الاستزادة من المال . وهذا هو العمدة , وخاصة إن لاحظنا وجود الباطن السيء لدى هذا الفرد .
فالأول من باب المفاعلة , وهي المكاثرة , دون الثاني ,وهو التكاثر . فإنه أعم ز وكلاهما محتمل في الآية .
......................
(1)
المفردات " لهى " .
(2)
مادة " كثر " .
(2)
الثانية : ان التكاثر إما إثباتي أو ثبوتي . فالتكاثر الإثبات هو كل صورة ذهنية لهدف دنيوي , كأحلام اليقضة , أو التخطيط لتجارة معينة . فهو ليس تكاثراً حقيقياً أو خارجياً , لكنه تكاثر إثباتي . أو قل تكاثر بالحمل الأولي لا بالحمل الشايع .
ومن أنتهى الى هذه الأفكار ,فقد غفل عن الأخرة , والتلهي بالدنيا عنها . في حين ان التكاثر الثبوتي هو تطبيق تلك الأفكار عملياً وهو أشد في تسبيب اللّهو .
سؤال : ما معنى : الْمَقَابِرَ؟
جوابه : قال في المفردات (1) : الَمْقبَرَة والِمقبْرَة , موضوع القبور وجمعها مقابر .قال تعالى : حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ . كناية عن الموت .
أقول : المِقْبَرة هي الأرض كثيرة القبور . فلا تكون المقابر جمعاً لها . وحسب فهمي : أن المِقْبَرة مؤنث مِقبر. وهو أسم مكان قبره يقبره أذا أدخله القبر . فالمِقْبَر مكان القبر – بمعنى المصدر –وعملياً هو القبر – بمعنى الذات – والمؤنث وهو المقبرة مثله .فيكون المراد من المقابر لا محل أجتماعها , والا كان الجميع دالا على التعدد من محال الاجتماع , وهو أمر غير محتمل ز الا أن يراد بالجمع أسم الجنس , فيكفي , وجود الواحد , مصدقاً له وهو خلاف الظاهر .
بالتدقيق , فإن المقبرة بالفتح أسم مكان وبالكسر أسم آلة , وكلاهما يمكن التعبير به عن القبر . فقد يكون أسم آلة , أي آلة الانتقال من الدنيا الى الأخرة , أو آلة الإقبار وهو أن يغيب الجسد من أعين الناظرين وضرر الآخرين .
إن قلت : لماذا قال : المَقَابِرّ , ولم يقل : القبر ؟
قلت : ذلك أولا : لحفظ النسق القرآني في الآيات .
ثانياً : إن الخطاب للمجموع , وكل واحد مهم أنتهى ونزل الى قبره . فاتى به جميعاً لا مفرداً .
سؤال : ما المراد : زُرْتُم ؟
جوابه : قال في المفردات (2) الزَّوْرأ على الصدر , وزرت فلاناً تلقيته بزوري , أو قصدت زوره . نحو وجهته .ورجل زائر وقوم زَور نحو مسافر وسضفْر , وقد يقال : رجل زور : , فيكون مصدراً موصوفاً به نحو :ضيف .
..........................
(1)
مادة "قبر " .
(2)
الفردات مادة : " زور " .
أقول : هذا من ناحية اللفظ . أما من ناحية المعنى , فيمكن ان نتساءل :هل تؤخذ هذه الزيارة مؤقتة أو دائمية ؟
فأن كانت مؤقته كانت بمعنى الاعتبار بالمقابر حال الحياة , لاجل التقليل من التكاثر أو الامتناع عنه . لنه من قبيل ذكر الموت . وقد ورد : إذا ضاقت بكم الصدور فعليكم بزيارة القبور . وورد (1) : أحيي قلبك بالموعظة ....... وذلله بذكر الموت . من حيث إن ذلك يقلل من الاهتمام بالدنيا , أو يزيله كله .
وإن كانت هذهالزيارة دائمة , فستكون تعبيراً آخر عن الموت نفسه . يعني الهاكم التكاثر طول حـياتكم حتى متّم .إن قلت : فإن الزيارة لا تصدق على الميت ,لانها من مواجهة الزور . ولا يكون ذلك إلا للإنسان الحي . فلو زار بيتا خالياً أو صحراء لم يصدق ذلك . فكذلك نقل الميت الى القبر .
قلت : جواب ذلك من عدة وجوه :
الوجه الأول : إمكان التسليم بأنه استعمال مجازي . وبأس به .
الوجه الثاني : إمكان الالتزام بحصول نحو من أنحاء النقل اللغوي , وذلك بنقل الشرط المذكور , وهو التقابل بالزَور ,والتوسع الى مطلق الذهاب . وهذا النقل قد حصل قبل نزول القرآن . فيكون حجة .وقد نزل القرآن على أساسه .
الوجه الثالث : إن هذا يحصل للأموات , حين ينقل اليهم , وتكون جثته بين جثثهم .
الوجه الرابع : إن هذا يحصل للأموات في عالم البرزخ . حيث يجتمعون ويتحدثون .إلا هنا فرقاً من حيث حصول الزيارة . فإن الزائر الحي يكون مختاراً في حصول زيارته,بخلاف الميت فأنه غير مختار بالزيارة لا بجسده ولا بروحه
.............................................
(1)
من ووصية لأمير المؤمنين (ع) إلى أبنه الحسن (ع) عند انصرافه من صفين . نهج البلاغة , ج3 , ص 38 ,شرح محمد عبده
إلا إن هذا أيضاً مما لم يؤخذ في الوضع , وانما هو قيد غالبي .
ثم قال سبحانه وتعالى : (( كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ .......)) .
كلا لنفي ما سبقت الإشارة اليه والزجر عنه , وهو التلهي بالدنيا والغفلة عن الآخرة , بأي مستوى من مستوياتها .
وهي مكررة ثلاث , وهو نفي مؤكد ومشدد ز أو قل : هو أقصى درجات النفي . فقد قال :كلا سوف تعلمون مرتين . ثم قال كلا .وهي بمعنى تكرار العامل السابق , يعني : كلا سوف تعلمون .
وكلا الثالثة غير مربوطة بما بعدها لا لفظاً ولا معنى .فكاننا نضع بعدها نقطة ثم نقول : لو تعلمون علو اليقين لترون الجحيم .
وقد سبق ان قلنا في " سورة الكافرون " : أن الأمر قد يبلغ الضرورة والأهمية إلى حد يصل فيه التأكيد إلى أقصى مداه . والتأكيد في اللغة العربية ثلاث مرات كحد أقصى . وهنا مكرر مرتين لفظاً ومرة معنى .
سؤال : ما هو سبب التكرار ؟
جوابه : قال القاضي عبد الجبار (1) :إن المراد بهما مختلف . فالمراد بالأول ( كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ) ما ينزل بكم في الدنيا في حال الحياة والممات . والمراد بالثاني ( ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ) ما يكون لكم في الآخرة من ثواب وعقاب .وهذا بعث من الله على التمسك بطاعته .
أقول : ويمكن ان يُجعل قرينة على ذلك .العطف بثم التي تفيد التراخي . بمعنى في الآخرة .ولكن ينافي قوله : " سَوْفَ " في ( كَلاّ ) الأولى الدالة أيضاً على بعد الزمن .فيكون كلاهما للآخرة .
وقال صاحب الميزان (2) :وقيل أن المراد بالأول علمهم بها عند الموت وبالثاني علمهم عند البعث .وعليه فلا يرد عليه هذا الإشكال .
ولكننا قلنا : إن التكرار للتأكيد والتركيز على الأهمية . وثم هنا ليست للتراخي , بل للدلالة على عدم كفاية القول مرة واحدة . فتكون الأولى ثبوتية والثانية أثباتية .كأنه قال : ثم أقول كلا ......... لمدى أهميته بحيث لا يقوم بأداء المعنى إلا تكرار اللفظ .
سؤال : ما هو جواب " لو " في قوله تعالى : (كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ) ؟
جوابه : قال العكبري والطباطبائي : إن جواب لو محذوف والتقدير – كما في الميزان (3) - : لو تعلمون الأمر علم اليقين لشغلكم ما تعلمون عن التباهي والتفاخر بالكثرة .وقدره العكبري بقوله (4) : لو علمتم لرجعتم عن كفركم .
أقول : ولماذا لا يكون قوله :لترون الجحيم جواباً لها . ولا تكون أستئنافاً كما قال في الميزان ؟
وقال في الميزان ( 5) :واللام للقسم .أي في قوله: لترون , وحسب فهمي إنها ليست كذلك ,بل للتأكيد. وقلنا فيما سبق إن هذه اللام تدخل على السم فتسمى لام الابتداء , وتدخل على الفعل المضارع فتسمى لام القسم . باعتبار إنها تشبه لام القسم , وإلا فأنه لا يوجد قسم في السياق .
فإن قلنا : إن من جملة الموانع المحتملة لكون : لترون الجحيم جواباً للو : كونها فعلا مضارعاً ,في حين كونه يناسب كونه فعلا ماضياً . من قبيل قول العكبري :لرحعتم عن كفركم . ولم يقل لترجعن .
قلنا : هذا يتم فيما إذا فعل الشرط ماضياً , كما في تقدير العكبري :لو علمتم لرجعتم عن كفركم . واما لو كان فعل الشرط مضارعاً . كما في الآية . لأنه تعالى قال : كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ وبتعبير أخر : أنه لابأس بالتمثيل بين فعل الشرط وجوابه . اما بالفعل الماضي معاً أو المضارع معاً .
إن قلت : كما في الميزان ( 6 ) :ولا يجوز قوله لترون الجحيم . جواب لو الامتناعية : لأن الرؤية محققة الوقوع . وجوابها لا يكون كذلك .
أقول :إن رؤية الجحيم ليست ممتنعة الوقوع , بل ممتنعة وضرورية. كرؤية الجنة والقيامة .فلا يكون جواباً للو الامتناعية .لان ما يقع في جوابها هو الممتنع لا الممكن .
....................................
(1)
تنزيه القرآن عن المطاعن ,ص 477.
(2)
ج20 , ص351.
(3)
المصدر والصفحة .
(4)
ج2 , 158 .
(5)
ج20 , ص352 .
(6)
المصدر والصفحة .
وقد أجاب والطباطبائي (قد) على هذا الإشكال ,ولم يعتبره صحيحاً . كما سنذكر.ولكنه مع ذلك يرى إن قوله : لترون الجحيم استئناف كلام وقدر للو جواباً آخر . مع العلم إن الإشكال إذا لم يكن وارداً , فلماذا لا تكون بنفسها جواباً ولماذا تحتاج الى التقدير ؟
أما جواب على هذا الإشكال فيتم بوجوه . منها :
الوجه الأول : أن لو هنا ليست إمتناعية . بل هي شرطية بمعنى ان واذا .فإن كان وضعها الأصلي , فهي مستعملة هنا مجازاً في حال عدمه . وقد قلنا في درس الأصول بأن أستعمال الحروف مجازاً معقول . فتكون : لترون جواباً محققاً لأداة الشرط لو غير الامتناعية .
الوجه الثاني :ما أجاب به والطباطبائي يحين قال (1) : وهذا مبني على أن يكون المراد رؤية الجحيم يوم القيامة .. وهو غير مسلم . بل الظاهر أن المراد رؤيتها قبل يوم القيامة رؤية البصيرة , وهي رؤية القلب التي هي من أثار اليقين ..وهذه الرؤية قبل يوم القيامة غير محققة لهؤلاء الملتهين , بل ممتنعة في حقهم , لامتناع اليقين عليهم .
أقول : قوله : لامتناع اليقين عليهم , يعني بصفتهم ملتهين لا مطلقاً . يعني :ولن تعلموا علم اليقين فلن تروا الجحيم بعين البصيرة .وهذا غير محقق الوقوع بل محقق العدم .ويؤيد هذا الكلام : إن تعلمون وترون , أفعال مضارعة . والفعل المضارع يشمل الحال والاستقبال . ويمكن التمسك بإطلاقه من هذه الناحية . والحال يراد به الدنيا . والاستقبال يراد به الآخرة .
سؤال :لماذا فضّلت لو هنا على غيرها , وهل هناك مصلحة في ذلك ؟جوابه : من أكثر من وجه :
الوجه الأول : إن ذلك أمر اختياري للمتكلم , فيسند السؤال , لأنه من غير المنطقي عن تسأل المتكلم عن ألفاظه . كما قلنا في المقدمات .
الوجه الثاني : أنها تدل على الترغيب والترهيب من ناحية العلم المشار اليه بالآية : كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ فهو يرغب لناس في تحصيل هذا العلم , ويرهب الناس منه , حيث يذهب الذهن فيه كل مذهب .وهذا لا يكون في حروف الشرط الأخرى :ان واذا .
ويمكن القول : ان لو وإن صرفت عن كونها أمتناعية , لكنها يمكن أن تطعم بمعناها الأصلي , من زاوية قبولها للجواب من جهة , ومن ناحية دلالتها على الترغيب والترهيب من جهة أخرى .
بل إذا تقدمنا خطوة أخرى , امكننا القول : بإن هذا التضمين الامتناعي للو , يعطينا هذه الفكرة الخيالة للانسان :كأن شيئاً ممتنعا ًهو في طريق الوجود .فهو مهم لدرجة اجتماع النقيضين في يوم ما . فهي تقع في الخيال كفكرة رهيبة وعظيمة , باعتبار هذا التضمين الامتناعي . وهذه الرهبة تشارك في الترغيب والترهيب المشار اليه .
وقوله : كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ .....للتهديد , لأن المخاطب به أهل الجهل والغفلة , بدليل : سوف تعلمون , يعني أنتم الآن غير عالمين .وهو يدل على حصول العلم للجميع . الا أن متعلق العلم مجهول . ينال كل واحد منهم حسب إستحقاقه ورتفع الغفلة بالموت . وقد حذفه المتكلم جل شأنه عمداً ليذهب به الذهن كل مذهب .وليذهب به الخيال كل مذهب .
و " سوف " تجعل المضارع نصباً بالمستقبل . وإنما كان الأمر استقبالياً باعتبار توقع حصول أسبابه . وهي تختلف ما بين الناس .
سؤال ما هو متعلق اليقين ؟
جوابه إن فيه عدة أطروحات . نذكر منها :
الأطروحة الأولى : اليقين بوجود جهنم . فيكون المعنى : كلا لو تعلمون بجهنم علم اليقين لترون الجحيم
لا إن هذا قابل للمناقشة , لأن القضية ستكون عندئذ بمنزلة القضية بشرط المحمول أو قضية تكرارية , يعني :إذا رأيتم جهنم فقد رأيتم جهنم . ولا يكون لها محصل .
الأطروحة الثانية : ما يقوله أهل المقامات من أن المراد اليقين بالله سبحانه اللازم مع انفتاح البصيرة القلبية . فتحصل بذلك الرؤية لكثير من الأشياء كجهنم والجنة وغيرها .
سؤال :إن العلم واليقين بمعنى واحد .فما هو وجه الحاجة الى هذه الإضافة في قوله تعالى : علم اليقين ؟
جوابه فيه عدة أطروحات :
...............................
(1)
المصدر والصفحة .
الوجه الأول : أن العلم يختلف عن اليقين . فإن العلم أعم من العقلي والعرفي . واليقين هو الدقّي أو العقلي . فيكون من إضافة الخاص الى العام , أو تقييده به كما نقول : الإنسان العراقي .
الوجه الثاني : أنهما بمعنى واحد , مع ذلك يكون تقييد أحدهما بالآخر مفيداً لنتيجة لم تكن قبل ذلك . ولو باعتبار التعمق في العلم أو اهميته فكان مقتضى الحكمة الحصول على هذه النتيجة , فهذا التقيد له فائدة , أعلى من كلا الآمرين منفرداً .
الوجه الثالث : إن المراد هو اصطلاح علم اليقين ,لانهم قالوا : يحصل أولا : علم اليقين ثم تحصل درجة : عين اليقين .
فأن قلت :أننا لم نسمع اصطلاحا موجودا في القرآن الكريم .وإنما هو دائما عرفي وعقلاني .
قلت :جوابه من أكثر من وجه :
أولا :أنه قد يكون من الفهم الباطني للقرآن الكريم .
ثانياً : إن القرآن هنا أراد ان يجعل باستعماله إصطلاحاً جديداً .فهو جعل أبتدائي لاصطلاح جديد , يعبر عن درجة من درجات العلم .
وأما الكلام عن ( عَيْنَ اليَقيِن ) .
فأنه عن كان إصطلاحاً أيضاً , فلا بد ان يكون أعلى من علم اليقين . وذلك لاننا تجد فرقا بين العلم والعيان .فالعلم صورة ذهنية ولأنها مشددة ومؤكدة . أما العيان فهي رؤية حسية مباشرة . فالإنسان يومئذ يرى يوم القيامة أو جهنم . كما يرى الأشياء في الدنيا . قال تعالى : (وَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ) (الذريات:23) .
وبذلك يندفع الإشكال على هذا التركيب.فأن فيه أشكالاً من ناحيتين :
أحدهما : التنافي بين العلم واليقين , فلا يجوز تقييد أحدهما بالأخر . لانه يكون من تقييد المنافيين .
ثانيهما : إن أحدهما عين الأخر,فلا حاجة الى التقييد , لانهما متساويان .
وكلا التقديرين ليس بصحيح , والحق أن احدهما يختلف عن الأخر .
ونبدأ بالإشكال بالناحية الولى بإظهار كونهما متنافيين كما يلي :
إن قلت : عين القين غير مناسب . لآن العين إحساس واليقين وجدان , فهما متنافيان وليسا من باب واحد .
قلت : إن الإحساس طريق الوجدان والعين هنا لا يراد العين العضوية أكيداً , بل نتيجتها , وهو الإحساس البصري أو ماكان وأضحاً للفرد بمنزلته , كالإحساس بيوم القيامة ونحوه . إذن , فالإحساس منتج لليقين , فلا تنافي بينهما .
لا يقال : إن الإحساس مساوق دائماً للقين , فيكون من عطف المتساويين على بعضهما البعض .
جوابه : بالالتفات الى ما يصل الى الإحساس من الأوهام والمغالطات الحسية . كأن إنكسار الخشبة في الماء .فيراد بالإحساس في الآية : الإحساس غير القابل للغلط .
قال العكبري (1) : لترون مثل : لتبلون وقد ذكر : يقراء بضم التاء على ما لم يسم فاعله . وهو من رؤية العين بنقل الهمزة . فتعدا الى أثنين (أحدهما : نائب الفاعل . والثاني الجحيم ) . ولا يجوز همز الواو(لترؤن ) لأن ضمها لازم . وقد همزها يقوم كما همزوا أو أشتروا الضلالة ( اشترؤا الضلالة ) وقد ذكر .
أقول : وأقوله لآن ضمها غير لازم , يعني مادام ضمها غير لازم فهمزتها غير لازمة . فما كان الهمز منوط بالضم . وأما مع الفتح فيكون الهمز متعذراً . وعلى أي حال فتمون القراءات الثلاثة : بضم التاء مع الهمز وبدونه , وبفتحها . والضم على كلا التقديرين شاذ غير مروي عن المعصومين , فيسقط من الاعتبار .
ولكن أذا أصبح رأى مهموزاً , أصبح رباعياً ( أو مزيداً فيه ) فصار متعدياً الى مفعولين .
تقول : أرى فلان فلاناً النجوم . ومنه لترون بالضم . ولو لم يكن رأى مهموزاً تعدا الى مفعولين , مع قصد الرؤية القلبية لا بدونها على المشهور . كما سبق أن ما نقشناه .
وقوله : وهو من رؤية العين لنقل الهمزة يحتمل فيه أمران :
الأول : معناه : رؤي بالهمزة . فالمراد من النقل الرواية .
الثاني : أنه نقل من الثلاثي الى الرباعي لزيادة الهمزة . فا أصبح مدخوله مفعولين .
ولكن إذا كان هذا مقصوده , فهو على خلاف سياق كلامه , لانه ما قال بعد ذلك : لآن ضمها غير لازم . بمعنى إنها إذا قُرئت بفتح التاء فهمزة غير معقول . وأضاف : وقد همزها قوم . وسياق كلامه لا يناسب ذلك . قوله تعالى :ثًمَّ لَتُسْألُنَّ . وهي على وجهين : لفتح التاء وضمها وهو الأشهر . أما الأول فبمعنى : أنكم أنتم تسألون عن النعيم . والثاني بمعنى : يسألكم السائلون عن النعيم . والنعيم يراد به نعيم الآخرة .كما فهمه المشهور فيكون المراد :إن الإنسان يطالب الله تعالى بالدخول الى الجنة . فيجاب يومئذ حسب أستحقاقه . وقد يكون المقصود من النعيم ما هو أعم من نعيم الدنيا والآخرة .وكلا النعيمين يطالب به الفرد ربه .
وقوله تعالى يومئذ بحسب السياق اللفظي , يدل على أنه حينما ترون الجحيم وحين تعلمون علم اليقين , حينئذ تسألون عن النعيم .
ومن جملة أساليب الفهم للقرآن الكريم : ان نفهمه متفاصلاً وغير متعلق بسياق قبله . فيكون المعنى : أنكم تسألون عن النعيم عند الحاجة اليه وعند الشهور بالافتقار . وأما إذا كان النعيم حاصلا له , ويمكن القول : إن الإنسان حينما يرى جهنم عين اليقين , ويدخلها , فأنه سوف يطالب الله سبحانه وتعالى بالجنة. وهكذا الإنسان يطالب الله تعالى بالجنة سواء كان في الدنيا أو في القبر في يوم القيامة أوفي جهنم نفسها .
ولكن أنفصال السياق عن الدنيا واضح , وذلك : لان الأنسان فيها محجوب عن عين اليقين .فلذا يسأل في الدنيا عن نعيم الدنيا ونعيم الأخرة . والله تعالى لابخل في ساحة كرمه ز فيعطي مَا يَشَاء ُ لِمَنْ يُريِدْ وقال : ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ (غافر: من الآية60).
سؤال : من هو الساءل عن النعيم يومئذ . وما هو النعيم المسؤول عنه ( بناء على قراءة الضم ) ؟
جوابه : السائل هو جهة الله تعالى , سواء قلنا هو الله تعالى بالمباشرة , أو من قبيل الملائكة أو أمير المؤمنين أو الضمير الحي .
وأما فهم النعيم . ففيه عدة أطروحات :
الأطروحة الأولى : إن المراد نعيم الآخرة , باعتبار ان الإنسان معاتب يومئذ على النعيم , ومسؤول أنه لماذا دخل النار ولم يدخل الجنة .
فإن قلت : هذا صحيح من جانب دخوله النار , فما بال من يدخل الجنة , هل هو معاتب أيضاً ؟ فأن لم يكن معاتباً , كانت القضية خاصة غير عامة .
قلت : بل القضية عامة غير خاصة , لأن من يدخل الجنة معاتب أيضاَ , ومسؤول أنه لماذا لم يختار مقــامـاً أرفــع .لأن الكمال لا متناهي فالسؤال لا متناهي . فأينما وصل من الدرجات , فهو نادم , لأنه لم يصل الى المقامات العليا لسوء عمله وتقصيره .
الأطروحة الثانية : ما وردفي بعض الروايات عليهم السلام من أن النعيم يراد به ولاية أهل البيت عليهم السلام . كقوله (2) إنما يسألكم عما أنعم عليكم بمحمد وآل محمد .وفي خبر آخر (3) تُسأل هذه الأمة عما أنعم الله عليها برسوله ثم بأهل بيته .
الأطروحة الثالثة : ما ذكره صاحب الميزان قدس سره (4) قال : ظاهر السياق إن المراد بالنعيم مطلقه ,وهو كل ما يصدق عليه أنه نعمة .فالإنسان نعمة , مسؤول عن كل نعمة أنعم الله بها عليه .
أقول : ذلك باعتبار إن الآلف واللام للجنس في قوله : النعيم . وكل نعيم في الدنيا فلابد مسؤول عنه يوم القيامة . أو يراد به التنعم غير المشروع .وعلى أي حال يراد به السؤال وليس العقاب .فيكون عاماً, لن السؤال يكون حتى فيما لا عقاب عليه .
الأطروحة الرابعة : أن نفهم ان النعيم مترتب على السؤال , وإن السؤال بمنزلة العلة للنعيم والنعيم بمنزلة المعلول . أي تسألون وتدخلون الجنة .
أما بناء على قراءة الفتح في تسألون , فهو واضح , لأنه يكون بمنزلة الدعاء من العبد ,فيجاب . وأما بناء على الضم فلان من يحصل على درجات علم اليقين . وعين اليقين , وهي جوانب مختلفة وكثيرة ,فلا يقال له يومئذ: مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ , لأنه في جنة معنوية وليس في سقر , ولكن يسأل عن كل مقام من مقاماته المتوقعة وانه هل عمل له عمله المناسب له أم لا .
.............................
1.
ج2 , ص 158 .
2.
الميزان , ج20 , ص 354 .
3.
المصدر : ص 353.
4.
ج20 , 352 .
تمت هذه السورة والحمد لله