مِنةُ اَلمنَان في الدفاع عن القرآن

الجزء الثالث عشر

 

سورة القارعة

نتكلم عن احتمالات تسميتها وهي عدة أطروحات :
الأطروحة الأولى : القَارَعةُ , كما هو المشهور .
الأطروحة الثانية : الموازين .
الأطروحة الثالثة : السورة التي ذكرت فيها الَقارَعةُ أو الموازين .
الأطروحة الرابعة : رقمها في الكتاب الكريم وهو :101 .
قوله تعالى : الْقَارِعَةُ مَا الْقَارِعَةُ :
قال العكبري (1) : الكلام في أولها مثل الكلام في أول الحاقة . وقال في الحاقة (2) : قوله تعالى :الحاقة . قيل : هو خبر مبتدأ محذوف . وقيل : مبتدأ وما بعده خبر , على ما ذكر في الواقعة . أقول : والقول الثاني هو الذي مال اليه والطباطبائي في الميزان (3) .
وعلى أي حال يتحصل في إعرابه عدة أطروحات .
الأطروحة الأولى : أن يكون لفظاً مفرداً لا محل له من الأعراب . أُتي به للتذكير بالمعنى .وبعده جملة مستقلة إعرابياً . وهذا أمر عرفي , وإن لم يعترف به النحويون .
الأطروحة الثانية : أن يكون خبر اَ لمبتدأ محذوف تقديره هي .
الأطروحة الثالثة : أن يكون خبراً لمبتدأ محذوف تقديره ما الاستفهامية , كالذي بعده , ويدل على نفسه بنحو القرينة المتصلة . أي : ما القارعة ما القارعة .
الأطروحة الرابعة : أن يكون خبراً لمبتدأ محذوف من لفظه , أي :القارعة القارعة ,والمراد : القارعة هي القارعة . إلا ان يخلو عن بُعد . لأنه يكون بمنزلة القضية التكرارية .
الأطروحة الخامسة : ان يكون مبتدأ وما الاستفهامية مبتدأ ثاني , وما بعده خبر .وهو مختار صاحب الميزان , ولعله أبعد الاحتمالات ,وخاصة لو تجاوزنا الأطروحة الرابعة .
قوله تعالى : وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ .
الاستفهام فيها للتهويل والتخويف .و" أدراك " صيغة تعجب على المشهور . وهذه الجملة قد تكون خبرية وقد تكون إنشائية .فإذا كانت خبرية تكون ما موصولة مبتدأ و (أَدْرَاكَ ) جملة فعلية خبر . والمعنى : ان شيئاً ما أدراك القارعة وفهمك عنها .
وأما إذا كانت إنشائية , فتكون ما إستفهامية مبتدأ . و(أَدْرَاكَ )خبره . والمعنى : كيف تستطيع أ تدرك القارعة .
وإذا كانت تعجبية كانت إنشائية أيضاً ,ويكون المعنى : ما أعظم إدراكك للقارعة .
وعلى كلا التقديرين الأولين , لا يصح استعمال ما , لأنها لما لا يعقل .ومن لا يعقل لا يكون سبباً للإدراك , وإنما يكون المناسب استعمال : من إلا إن المقصود هو امتناع الإدراك بأي سبب متصور أو منظور من الأسباب الدنيوية . فتكون ما نافية , والمعنى : أنت عجز عن الإدراك القارعة بالتسبيب المنظور . وحينئذ تكون ما الثانية أسم موصول مفعول به .
سؤال : ما المراد بالقارعة ؟
جوابه : مشهور المفسرين بما فيهم صاحب الميزان قدس سره (4) .إنها من أسماء يوم القيامة في القرآن الكريم . مع إنها عامة المضمون , لأن القارعة هو الضرب الشديد . قال : الراغب (5) : القرع ضرب الشيء على شيء , ومنه قرعت بالمقرعة . قال تعالى : كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ-الْقَارِعَة مَا الْقَارِعَةُ .
أقول : ولا يراد بها هنا الضرب جزماً , وإنما هو إستعمال مجازي عن التأثير النفسي المساوي لتأثير الضرب والله تعالى :يضرب في مختلف العوالم , مع إقتضاء الحكمة والعدل الإلهيين , فكل ضرب هو قارعة . كيوم
.............................
(1)
ج2 ص157 .
(2)
ج2 ص143 .
(3)
ج20 ص 348 .
(4)
المصدر والصفحة
(5)
المفردات مادة (قارعة )
القيامة وجهنم وبلاء الدنيا من مرض أو فقر أو عسر شديد وخاصة إذا كان مفاجئاً . فهو إذن تعبير شامل بكل بلاء من مصائب الدنيا والآخرة .
سؤال : إن الخطاب للنبي(ص) . مع إنه يدرك معنى القارعة . فما هو الوجه فيه ؟
جوابه : إن لذلك عدة وجوه :
الوجه الأول : إن هذا السؤال مبني على ان يكون المراد بما الأستفهامية أو النافية وأما إذا كانت تعجبية , فهي تفيد ثبوت العلم فينسد السؤال .
الوجه الثاني : إن الخطاب له (ص) والمقصود غيره من قبيل : إياك ِ أعني فأسمعني يا جارة .
الوجه الثالث : أن يكون الخطاب له (ص) والمراد الإحساس المباشر , وليس الصورة الذهنية , فهو لا يعلمها علم الإحساس إلا عند تحققها خارجاً .
الوجه الرابع : إن الخطاب للجميع , لأن القرآن نازل الى الناس أجمعين كما هو المستفاد من عدد من الآيات الكريمة , فينال كل واحد ما يناسبه .
الوجه الخامس : ان يكون للمضروب بالبلاء والقارعة .
سؤال : كيف نفهم من القارعة ما يشمل بلاء الدنيا في حين إن الآية الكريمة نص بيوم القيامة , بقرينة قوله تعالى : يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ . فإن ذلك لا يكون إلا في يوم القيامة .
جوابه : قال الطباطبائي في الميزان (1) : الفراش على ما نقل من الفراء , الجراد الذي ينفرش ويركب بعضه بعضاً , وهو غوغاء الجراد . قيل : شبه الناس عند البعث بالفراش , لأن الفراش إذا ثار لم يتجه الى جهة واحدة , كسائر الطير , وكذلك الناس إذا خرجوا من قبورهم أحاط بهم الفزع فتوجهوا جهات شتى أو توجهوا الى منازلهم المختلفة سعادة أو شقاء . والمبثوث من البث , وهو التفريق .
أقول : من الواضح من سياق كلام الطباطبائي قدس سره , إنه لا يتعهد بصحة شيء مما نقله . ونحن نجد إن الفراش جمع فراشة , وهي معروفة, وليس هو الجراد . ونستطيع إن شككنا باستعماله في زمن النزول , أن نستصحب بنحو الاستصحاب القهقرائي , استعماله الى زمان صدر الإسلام .
كما يمكن عرض أطروحة في هذا المجال , وهو إيجاد فهم عام يشملهما معاً وهو الحشرات الطائرة الكبيرة نسبياً وليست كالذباب والبعوض والقادرة على الاستمرار بالطيران ( وليست كالخنافس والنمل المجنح ) وليست ذات حمة لاسعة ( كالزنابير ) . وهذا الجراد والفراش معاً . فيكون من الممكن إطلاق لفظ الفراش , على مثل هذا المعنى الكلي . فهذه كلها مقدمات لبيان جواب السؤال الأخير . وسيأتي الحديث عن جوابه مضافاً إلى إنها في نفس الوقت توجب الإطلاع على تفاصيل السورة .
ثم قال في الميزان الآية التي بعدها (2) :
العِهْنِ : الصوف ذو ألوان مختلفة . والمنفوش من النفش وهو نثر الصوف بنف ونحوه فالعهن المنفوش : الصوف المنتشر ذو ألوان مختلفة . أشار الى تلاشي الجبال على أختلاف ألوانها , بزلزلة الساعة .
أقول : الجبال فعلاً ذات ألوان مختلفة , أما بإختلاف ألوان الصخور , وأما باختلاف الجو المحيط بها . وأما باختلاف النبات النابت عليها .
إلا إنه يرد على فهمه هذا أمور :
أولاً : إن العهن – حسب فهمي – هو مطلق الصوف . ولا ينبغي أن يكون ألون مأخوذ قيداً في مفهومه .وإن كان كل صوف ملون تكوينياً .
ثانياً : لو قلنا به , فظاهر الآية هو وجود الألوان في طول الزلزلة , فانها عندئذ تكون ( كالعهن المنفوش ) .وليس قبل ذلك . مع إنه قال : تلاشي الجبال بمختلف ألوانها , يعني السابقة على الزلزلة . فهل تبقى بعد الزلزلة ذات ألوان ؟ !
بينما نحن نفسر الآية بالعكس تماماً و من حيث إن التلوين لاحق للزلزلة : بحسب ظهور الآية وليس سابقاً عليها .
ثالثا ً: أنه لا يراد من الآية : التلاشي المطلق . وإلا لا نمحت بالمرة . فلا عهن ولا ألوان في حين إنه نص على أنها تكون ( كالعهن المنفوش ) . وهذا يدل على إن التلاشي الذي فهمه السيد الطباطبائي , غير حاصل , وإلا لم يمكن تسميتها بالصوف .إذن , يبقى لها نحو وجود كما قال تعالى : يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْراً وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْراً) (الطور:10)
...................................................................................................................................................................................................................
(1)
ج 20 ص 349 .
(2)
المصدر والصفحة .
إذن , فكيف يكون الأمر هنا في الدنيا , كما يكون في الآخرة ؟
وجوابه : يكون على مستويين :
المستوى الأول : يحصل لدى البلاء الدنيوي , فيجد الفرد عن الناس كلهم غير ملتفتين اليه وغير مهتمين بامره ولا قادرين على ازلة ضرره وإنقاذه من ورطته . بل كل منهم مشغول بحاله حتى أفراد اسرته. وهو معنى الشعور بالغربة والاغتراب , الذي تحدثوا عنه في علم النفس الحديث . وهذا المعنى يتأكد كلما زاد البلاء .
ومن هنا يصدق إن الناس أصبحوا متفرقين (كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ) لأنهم تفرقوا عنه جميعاً .
كما يجد الفرد إن منكان يشعر بأهميتهم من أهل الاختصاص , لم ينقذوه , حتى الأطباء والأثرياء وغيرهم . وهو تعبير عن تلاشي الجبال , يعني لا يوجد منقذ من الأفراد العاديين ول من الاختصاصيين .
المستوى الثاني : يحصل لدى أهل الإيمان العالي , حيث يجد الفرد منهم : إن الناس لاهون عن مصالحهم الحقيقية ومستهدفون اهدافاً دنيوية وباطلة وظالمون لانفسهم . لا يختلفون عن الحشرات الطائرة بشيء .كما قال سبحانه : ( إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً)(الفرقان: من الآية44) , إذن فهم كالفراش المبثوث , والحشرات المنتشرة و كل منهم يتوجه الى مصلحته الذاتية .
(
وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ) بعدة أطروحات :
الأولى : إن نفس الجبال تزول , بما فيها من أهمية وعظمة في نظر أهل الدنيا . كما قال الله سبحانه وتعالى : أَوْ خَلْقاً مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ )(الإسراء: من الآية51) .
الثانية : الأشخاص المهمون في الدنيا . ومن أهل الاختصاص وأهل المال . تزول أهميتهم لعدة أسباب , منها: اليأس من خيرهم كما أشرنا . ومنها تلاشي أهميتهم في مراتب اليقين .
الثالثة : جبال الهموم الدنيوية , الناتجة من البلاء , تزول أما حقيقة إذا أُميط البلاء وذهب .واما إعتباراً وأهميتة , وذلك في درجات الإيمان . كما ورد :لا تفرح بما آتاك من الدنيا ولا تحزن على ما فاتك منها .
الرابعة : جبال البلاء الدنيوي , تزول بنفحة التسليم والرضا ونحو ذلك . وفرقه عن سابقه إن النظر هنا إلى نفس البلاء , وهناك إلى رد الفعل النفسي عليه . وكلا الأمرين يزولان بنفس الأسباب .
فإن قلت : هذا التسلسل الفكري في نفسه وإن كان جيداً ,لا إنه مخالف للقرائن المتصلة بالسورة , وذلك لن القارعة تحصل في الآخرة لا في الدنيا , فبوحدة السياق تكون متعينة في الآخرة .
وبالنسبة إلى المستوى الثاني , فإن الإنسان حينما يصل إلى درجات اليقين , فإنه لا يقرع في الدنيا ولا في الآخرة .مع العلم إن السورة تبدأ بالقارعة , فكيف يكون ذلك ؟
قلت : بل يجتمع , لأكثر من أمر واحد :
أولاً : عن البلاء الدنيوي من مقدمات التكامل . وهو معنى شامل لسائر المراتب .
ثانياً : إن البشر في الدنيا في بلاء حتى المعصومين سلام الله عليهم .غاية الأمر إن بعضهم له رضا وتسليم وبعضهم ليس له ذلك .ولم يؤخذ في مفهوم القارعة عدم التسليم بها . بل هي قارعة على كل حال .
نعم لو أخذ في مفهومها الإيذاء النفسي , لاختص بمن ليس له رضا وتسليم , غير أن القارعة هي السبب والمسبب معاً , بل كلاهما قارعة بانفراده . وأي منهما صدق كفى .والمشهور هو السبب, حتى لو فسرناه بيوم القيامة .وإلا فيوم القيامة فيه جهة نفسية صعبة أيضاً .
فإن قلت : فغن قوله : مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ : دل على ان ذلك يحدث في يوم القيامة , مضافاً الى ما سنسمع من أن هدف السورة هو التخويف من الآخرة لا من الدنيا .
قلت : هذا وإن كان مسلك إجماع المفسرين . إلا إنه مع ذلك يمكن القول بإن القارعة كما تكون في الآخرة تكون بالدنيا . وإن هذا الإيراد غير تام لعدة أمور :
الأمر الأول : ان قوله تعلى : فَأمَّاْ مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ , جملة مستأنفة , لا ربط لها بما سبق . ف تكون قرينة على الشكل المدعى في السؤال , نعم , ما يكون مرتبطاً بما قبله يكون قرينة , لان المتكلم أن يضيف علامه ما شاء من القرائن والحديث . إلا إن هذه العبارة القرآنية غير مربوطة بما قبلها .
إلا إن هذا الوجه غير تام لمناقشتين :
الأولى : الطعن في الكبرى : ان الكلام المنفصل تاماً , لا يكون قرينة , على سابقه, كما لو كان بعد سكوت طويل . إلا إن ظاهر الآية إنها نزلت دفعة واحدة .
الثانية : الطعن في الصغرى : بوجود قرينة تدل على الارتباط وهو الفاء في قوله ( فأما ) فإنها تكون بمنزلة السببية , كأنه ذكر العلة ثم معلولها . أي النتائج المترتبة على السياق الأول .
الأمر الثاني : إنها ليست إشارة الى يوم القيامة , كما عليه مشهور المفسرين , بل هما إشارة الى ما بعد يوم القيامة . لأنه قال : فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ , أي في الجنة وقال : فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ . أي في النار .
ويمكن أن يجاب بمناقشتين :
الأولى : إن ما قيل في الأمر الثاني وإن كان صحيحاً ,ألا إنه سبحانه قال : (فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ - وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ ) وذلك يوم يكون في يوم القيامة , لا بعده .
الثانية : أنه يمكن أن يكون المراد به مطلق الآخرة , لا خصوص يوم القيامة .إلا إن هذا على خلاف المشهور . فأن السياق واحد ,والقارع هو يوم القيامة على المشهور .فيتعين أن يكون كله في يوم القيامة .
إلا ان يقال : إنه تعرض أولاً ليوم القيامة , ثم تعرض لمعلوماته ثانياً , وهو دخول الجنة ودخول النار .
الأمر الثالث : إن هذه المعلولات تنتج في الدنيا أيضاً .فقوله تعالى : فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ .....أي زات حسناته على سيئاته , في علم الله تعالى .( فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ ) أي مرضية . فإنه قد يستعمل أسم الفاعل بمعنى أسم المفعول .على معنى إنها مرضية لفاعلها أو مرضية لله سبحانه . أو نقول :إن راضية بمعنى أسم الفاعل مجازا . من حيث إنه نسب الرضا الى العيشة ومراد العائش أي ذو العيشة الراضية . وأما لكونه راضياً بعطاء الله كما قال تعالى : (وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى) (الضحى:5) أو كونه راضياً بقضاء الله وقدره , أي لديه تسليم بذلك , لتكون موازينه ثقيلة . وهذا كله يمكن أن يحدث في الدارين : الدنيا والآخرة .
(
وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ) أي في النار .حسب الفهم المشهور . وهذا ما يحصل في الدنيا أيضاً , بدليل قوله تعالى: (نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا )(الكهف: من الآية29) أي في الدنيا . وهذا فهم المشهور لهذه الآية لاستحقاقهم العذاب , فهم في جهنم وان لم يشعروا . وسيشعرون بذلك لعد يوم القيامة .
ونحوه قوله تعالى : (وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ )(الكهف: من الآية29) فإنه يمكن أن يحصل أيضاً . فإن الاستغاثة إنما هي من بلاء الدنيا . فيجاب دعاؤهم بمقدار ما يستحقون . فتكون أجابة ضعيفة لا تسمن ولا تغني من جوع أو قل أنها : (كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقاً)(الكهف: من الآية29)
سؤال : ما هو هدف السورة ؟
جوابه : هو تهويل يوم القيامة على العموم , ونحن وإن قلنا :إن من جملة مفاهيم السورة ما ينطبق على معلولات يوم القيامة , وهو ذهاب كل فرد الى مكانه الذي يستحقه . ولكن - مع ذلك – فأن فردها الأهم يوم القيامة . ومن جملة القرائن في السورة :
أولا :إن الناس على رشدهم وعقلهم, يكونون كالفراش المبثوث .
ثانياً : إن الجبال على ضخامتها تكون كالعهن المنفوش .
ثالثاً : إن التغير سوف يكون شاملا وعميقاً ومهلا .
إلا أنني – مع ذلك – أكرر : إن ذلك وإن حصل في يوم القيامة , إلا أن له مصاديق أخرى قابلة للحصول في الدنيا . ويكفينا أن نلتفت الى إن الجبال تسير الآن بدوران الأرض , وليس فقط في يوم القيامة .
سؤال : ما هو العامل في يوم . بقوله : يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ ؟
جوابه :ما ذكره العكبري قال (1) : العامل في القارعة او ما دلت عليه عليه ( أي مادة القارعة : قرع يقرع ) وقيل : التقدير أذكر , ( فيكون يوم مفعولاً به لا ظرفاً ) .
وقال في الميزان (2) : متعلق بفعل مقدر نحو : أذكر وتقرع وتأتى .
أقول كل ما ذكر ممكن . وإن كان التأويل على خلاف الأصل .وإنما ينبغي أن نرجع الظرف الى اللفظ نفسه .مع الإمكان . والأمر هنا ممكن لان القارعة اسم فاعل يمكن أن يتعلق بها الظرف , كما هو واضح , فيتعين .
سؤال : ما هو معنى ثقل الميزان , في قوله تعالى : فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ. ومعنى خفت الميزان في قوله تعالى واما من خفت موازينه
جوابه قال السيد الطباطبائي في الميزان (3) قوله تعالى : )فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ) إشارة الى وزن الأعمال . وإن من الأعمال منها ما هو ثقيل الميزان , وهو ماله قدر ومنزله عند الله ,وهو الإيمان وأنواع الطاعات . ومنا ما ليس كذلك وهو الكفر وأنواع المعاصي . ويختلف القسمان اثراً , فيستتبع الثقيل السعادة , ويستتبع الخفيف الشقاء .

أقول : الموازين لها قسط من الحديث في علم الفلسفة وعلم الكلام .وينبغي ان نحمل فكرة عنه , ثم نطبقه على القرآن الكريم .
..............................
(1)
ج20, ص157 .
(2)
ج20 , ص349 .
(3)
المصدر والصفحة .
قال المشهور : إن الصحيح هو البعث المادي لا المعنوي . وإن الإنسان يحيا في يوم القيامة كما يحيا في الدنيا. ونحو ذلك . ويستنتج من ذلك :إن وزن الأعمال التي صرحت به الشريعة موجود , وهو يناسب المعاد الجسماني او المادي .
ومن هنا قالوا : ميزاناً توزن به أمال الأفراد , فإذا رجحت الحسنات على السيئات دخل الجنة . وإذا رجحت السيئات دخل النار . ولعل هذا هو المراد من قوله :خفَّت موازينه وثقلت موازينه .
ولكن ينبغي أن نلتفت الى بعض الاشكالات التي ترد على الميزان المادي الذي عليه المتشرعة
لأن الذي في أذهانهم من الربط بين المعاد والوزن المادي ليس بصحيح . بل يمكن أن تقول بالمعاد الجسماني . ومع ذلك نقول : بأن الوزن ليس مادياً بل معنوياً . وهو قواعد العدل الكلية , عند الله . ولا دليل على الربط المزبور .
فإن قلت : فغن ما ورد في الكتاب , والسنة من ألفاظ : الميزان , ظاهره الميزان المادي , لانه تعالى خاطبنا باللغة العرفية , وهو كذلك عرفاً .
قلنا : إن ما يستحيل الأخذ به من الظواهر لا بد من المصير الى تأويله . كما هو الحال في كثير من آيات القرآن الحكيم , كقوله تعالى : ( يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ)(الفتح: من الآية10) وقوله تعالى (عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى)(طـه: من الآية5) وقوله تعالى : ( وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ)(البقرة: من الآية255).وغير ذلك.

والأدلة على تعذر فهم الميزان المادي عدة أمور :
الدليل الأول : ما ذكره القاضي عبد الجبار (1) حين قال : إنه ليس هناك ثقل في الحقيقة , لأن أعمال المكلف قد تقضت , وهي مع ذلك عرض لا ثقل فيه . وإنما أراد بذلك رجحان طاعته على معاصيه . فتشبه بما يوزن من الأشياء الثقيلة .
أقول : نقتصر في هذا الدليل على قوله : قد تقضت . أي دخلت في الماضي , ولا وجود لها في يوم القيامة .
وسيأتي الكلام عن بقية حديثي .
وهذا في واقعه من ضيق النظر , لأن الفاعل المختار سبحانه وتعالى له نظر الى مجموع الأزلية والأبدية . فهو يستوي عنده الماضي والحاضر , والمستقبل . وكله بالنسبة اليه حاضر , يراه ويحسه ويتفاعل معه . إذن , فليس هناك ما يكون متقضياً بالنسبة اليه , حتى أعمال العباد .
الدليل الثاني : إن الأعمال من جنس الأعراض , والميزان المادي لا يزن الاعراض بل يزن الأجسام والجواهر .
والصلاة مجموعة حركات واقوال , أي أعراض , إذن , فينبغي تحويلها الى جسم ليمكن جعلها في الميزان وتأثيرها به وهذا مستحيل لأكثر من أمر واحد :
الأمر الأول :إن الجوهر والعرض مقولتان مختلفتان متباينتان , فلا يمكن تحول احدهما الى الأخر .
الأمر الثاني :إننا لو تنزلنا وقبلنا إنه صار جسماً , إلا إنه يصدق عليه السلب لأن الجسم ليس صلاة بل جسماً جديداً في الميزان فلا ثواب ولا عقاب عليه . وليس من أعمال الفرد إطلاقاً . فإن صحت الحمل هنا للعرض لا للجوهر .
الدليل الثالث : إننا لو تنزلنا عن الدليلين السابقين . وقلنا بتجسم الصلاة , فنسأل عن حجم الجسم الذي يختاره الله تعالى له .
عن حجم الجسم لابد أن يختلف بأهمية الطاعت . فكم سوف يكون حجم الجسم , بحيث يكون موافقاً للعدل الإلهي .وهو مردد لا محاله بين القليل والكثير , وليس له تعين واقعي ثبوتاً . وكذلك الكلام في حجم الأجسام
...................................
(1)
تنزيه القرآن عن المطاعن , سورة القارعة .
المتحولة عن المعاصي . ويمكن القول بأن أي حجم أختاره الله لهذه الأجسام المفروضة , سيكون ظلماً للفرد الفاعل , لأنه لا يمثل عمله حقيقة , ولا تحديد له ثبوتاً . حتى بالعقل العملي . والظلم مستحيل عليه تعالى عقلا ونصاً . وهذا بخلاف قواعد العد الكلية , الموجودة في علم الله سبحانه .
سؤال : لماذا لاحظت الآية جانب الحسنات فقط ؟ فإننا إذا لاحظنا الآية , وجدناها لاحظت جانب الحسنات فقط .حيث قال : مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ يعني زادت حسناته . ومن خفت موازينه يعني قلت حسناته . ولم يقل من رجحت او ثقلت سيئاته . أو من قلت أو خفت سيئاته . فلماذا كان الأمر كذلك ؟
جوابه : إنه قد يقال : إن في العبارة تقديراً معنوياً , أي من ثقلت حسناته , على سيئاته , ومن خفت حسناته على سيئاته .
إلا إن هذا لا يتم وأن كان أوفق بالمذاق المشهوري :
أولاً : لنه خلاف الظاهر باعتباره متضمنا للتقدير . ونحن ينبغي أن نفهم الآية كما نزلت لا كما نرغب .
ثانياً : إن ما عليه فهم المتشرعة : إنه كلما زادت حسناته بالنسبة الى سيئاته دخل الجنة وكلما زادت سيئاته على حسناته دخل النار .
ولكن هذا بهذا المقدار ليس صحيحاً , فإن الحسنات عليها ثواب والسيئات عليها عقاب . ومقتضى لقاعدة إن الفرد ينبغي أن ينال ثواب حسناته وعقاب سيئاته ,لأن مجرد رجحان الحسنات موجب لسقوط العقاب كله أو إن رجحان السيئات موجب لسقوط الثواب كله .
فالذي ثقلت حسناته , عليه أن ينال عقاب سيئاته , ثم يدخل الجنة وكذلك من ثقلت سيئاته عليه ان يدخل يأخذ عقابها ليدخل الجنة على حسناته وهكذا
ثم قال سبحانه : وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ .
قال الراغب في المفردات (1): الوزن معرفة مقدار الشيء . قال تعالى : )وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ )
أي إن الموازين جمع ميزان . والمراد الموازين العادلة المقسطة .
.............................
(1)
مادة " وزن "
أقول :أنه حسب فهمي فأن جمع الميزان : ميازين وموازين .فأما أن يكونا بمعنى واحد وأما ان نفرق بينهما ببعض الفروق .
أولاً : ان نقول : إن الميازين جمع ميزان . والموازين ما يسمى عرفاً " عياراً " لأنه يوزن بها .
ثانياً : ان نقول الميازين هي المادية والموازين هي المعنوية . كقواعد العدل الكلية .
سؤال : لماذا أستعمل الجمع في الموازين ؟
جوابه : إن المراد من الجمع أحد أمور :
الأول : ان يكون المقصود ما في الميزان .أي الموزونات من الطاعات والمعاصي وهي كثيرة عادة , ولا يمكن تصورها مفرداً .
الثاني : ان نتصور – كأطروحة – إن لكل فعل ميزانه الخاص به , أي الفعل الكلي لا الجزئي , من الحسنات والسيئات . كالصلاة والصوم والزنا والسرقة , وغيرها .
الثالث : إن لكل فرد ميزانه الخاص به يوم القيامة , فتكون الموازين متعددة بعدد الأفراد : وهذا وإن وافق قوله تعالى : وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ . إلا إنه مخالف لقوله تعالى : فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ...وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ .. حيث أثبت لكل فرد الموازين جمعاً . فيسقط هذا الوجه .
الرابع : ما فيه إقتضاء الوزن , فإن الموزون على شكلين : إما فعلي وإما إقتضائي ويعبر عنه في الفقه بالمكيل والموزون , يعني ما فيه قابلية الوزن وإن لم يوزن فعلاً . فيصح الجمع , لأنه متعدد وليس واحداً .
الخامس : تعدد دفعات إستعمال الميزان .
السادس : قواعد العدل الكليلة , وهي كثيرة ولكل منها عقلها .
وبهذا الاعتبار نسميها موازين . لكل حقل ميزانه الخاص به .
سؤال : إنه نسب الثقل الى الميزان في الآية , مع إن المناسب ان ينسب إلى ما في الميزان . فما هو الوجه في ذلك ؟
جوابه : من عدة وجوه :
الأول : إن نسمي ما في الميزان ميزاناً مجازاً , بعلاقة المظروف بظرفه .
الثاني : أن نقصد بالميزان( الكفة ) باعتبار إطلاق أسم الكل على الجزء .
الثالث : ان نقصد من الميزان الموزون , أعني نفس الإنسان .فإذا ثقل ميزانه زادت أهميته وإذا خفت قلت أهميته .بل يكون التعبير بالثقل والخفة باعتبار ذلك .وخاصة مع ملاحظة ما سبق من إن الملحوظ في الآية هو زيادة الحسنات وثقلها دون السيئات .
سؤال : الرجاء إعطاؤنا عن قواعد العدل الكلية ؟
جوابه : عن هذه القواعد يختص بعلمها الله سبحانه والراسخون في العلم من خلقه ,ولذا عَّبر عن قسيم الجنة والنار سلام الله عليه بميزان الأعمال * وإنما نعرف منها قليلاً مما يمكن استفادته من الكتاب والسنة ,مما يفيد إيجاد النسبة بين الأعمال وبعض .
فمن ذلك قوله تعالى : إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ )(هود: 114) وقوله سبحانه )وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ .إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ) (النحل:128) .
ونحوه ما ورد عن الصلاة (1) , غنها بمنزلة النهر قرب باب داره إذا أغتسل بالنهر خمس مرات ,هل يبقى في جسمه من درن. وغيرها .
سؤال : ما هي الحسنات المنتجة ؟
جوابه هناك عدة أطروحات لذلك , وهي غير متنافية بل يمكن صدقها جميعاً , بل لعله المتعين :
الأولى : عن الحسنات لا تكون منجية إلا بالولاية , واما مع عدمها فوجودها كعدمها .
الثانية : إن المراد هو العلم والجهل .فحسنات العالم حسنات . واما حسنات الجاهل فليست حسنات , لنه يعلم انها حسنات متدنية الى درجة كبيرة .
الثالثة : ان يكون الفرق بينهما في وجود قصد القربة وعدمه . فمع وجوده في الحسنات , فهي تثقل الميزان . وأما إذا لم تكن حسناته قربة الى الله , كما هو الأعم الأغلب , فهي لا تثقل الميزان .
الرابعة : عن المدار هو القصور والتقصير , فأن كان الفرد مقصراً رجحت سيئاته على حسناته .وإن كان قاصراً رجحت حسناته على سيئاته ومنه القول المشهور عن المجتهد المستنبط للأحكام : إنه إن أصاب فله كفلان من الثواب فأن أخطأ فله كفل واحد من الثواب .
قوله تعالى : فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ
...................................
·
مفاتيح الجنان ص 353 و ص 346 .
(1)
أنظر من لا يحضره الفقيه , ج1 , حديث640 .
سؤال: لِمَ لم توجد السين أو سوف التي تفيد الاستقبال .لانه حسب إرتكاز المتشرعة :إن من ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية أو سوف يكون كذلك . لأن ذلك لا يحدث إلا حين يدخل الجنة . وأما في الدنيا أو في يوم القيامة فلن يكون في عيشة راضية .
أو نقول :عن ظاهر قوله تعالى : فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ .إن الثقل والرضا متزامنان .مع إن الثقل في يوم القيامة والرضا في الجنة , وهو متأخر عنه فاحتاج الى حرف التسويف .فكيف صح حذفه ؟
جوابه :إن لذلك عدة وجوه :
الوجه الأول : إن هذا مما قد يحصل في الدنيا , حين يكثر إيمان الفرد ويزداد يقينه , ويجعل الله تعالى له من أمره فرجاً ومخرجاً ويسراً , فيكون في عيشة راضية .
الوجه الثاني : إنه قد يدخل الجنة بلا حساب , فلا يرى أهوال يوم القيامة ولا صعوبة الحساب . فيكون في عيشة راضية .
الوجه الثالث : إنه اختصار في التعبير باعتبار وضوح فوز الفرد وقرب دخوله الجنة , فيكون من قبيل المجاز , باعتبار مشارفة الحقيقة .
سؤال : ما المراد بالعيشة , هل ذلك في الدنيا أم الآخرة ؟
جوابه : إن الظاهر الأولى العرفي من العيشة هي معيشة الحياة الدنيا , إلا إن ذلك لا ينافي إرادة الراحة في الجنة خاصة أو الأعم منها .فأن الحياة في الآخرة هي الحياة الحقيقة . كما قال تعالى : وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ)(العنكبوت: 164) وقال أيضاً : أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ)(آل عمران: )169
وإنما كان ذلك الإنصراف العرفي , باعتبار تقيد محسوساتنا بالمكان والزمان والحياة الدنيا , وعادتنا عليها . وإلا فمن الواضح إن الأهم والأفضل هو الحياة الأخرى .ويمكن فهم ذلك على أحد مستويين :
المستوى الأول : لذة النفس , أو قل : لذة البطن والفرج , في الجنة , كما هو ظاهر القرآن . قال تعالى : وَحُورٌ عِينٌ (الواقعة:22) وقال :كَأَمْثَالِ الْلُؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (الواقعة:23) وقال : وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ) (الواقعة:20) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ) (الواقعة:21) .
المستوى الثاني : لذة الروح . قال تعالى : وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ ...... أي ان الحياة هي تلك , وليست هنا .بدليل فهم الحصر من الآية , كما هو معلوم . وقال تعالى : أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ)(آل عمران: من الآية169) .أي الرزق المعنوي المناسب لكونهم هناك لا لذة البطن والفرج .
سؤال : كيف قال :عيشة راضية ؟
جوابه : إن هذا تعبير مجازي حتماً .لن العيشة لا تتصف بالرضا , لأن الرضا جانب نفسي أكثر منه خارجي .فالمراد : عائش راضي أو عائش مرضي – بالفتح – قال تعالى : رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ(المائدة 119).أو المراد عيشة مرضية لصاحبها , من قبيل إستعمال أسم الفاعل بمعنى أسم المفعول مجازاً . وهو موجود في اللغة .
أو عيشة مرضية لله عز وجل : أما في الدنيا باعتبار أنه سبحانه يريد لنا الطاعات والقربات , واما في الجنة , باعتبار أنه سبحانه يريد لنا دخول الجنة . وفي القرآن الكريم ما يدل على الأمرين . قال تعالى : وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْأِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ . فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً (الحجرات: 8) وقال سبحانه : تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ (لأنفال: 67) أي لكم وليس لنفسه
سؤال : ما معنى قوله تعالى : فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ ؟
جوابه : إن المشهور ان أمه تعبير مجازي عن جهنم , باعتبار رجوعه اليها , كالمأوى , كما يأوى الطفل الى أمه . وكذلك الهاوية . قالوا انها إشارة الى جهنم باعتباره يُلقى فيها . ولكننا إذا اقتصرنا على هذا الفهم فأنه سيرد عليهم إشكال مفاده :ان المبتدأ والخبر واحد .وتكون القضية بمنزلة شرط المحمول , كأنه قال : فجهنم جهنم . وهو لغو عرفاً .
فان قلت : أن كلا اللفظين يراد به الإشارة الى جهنم من زاوية معينة , وبعنوان غير الآخر , فتندفع اللغوية . قلت : هذا انما يصح في صورة ما إذا لوحظ العنوان بما هو لا بما هو مشير الى المعنون . مع إن الفهم المشهور كون العنوان مشيراً محضاً الى المعنون , فرجعت اللغوية .
والأطروحات المحتملة لامه ثلاث :
أولا : الوالدة , وهي أقرب الأحتمالات الى المعنى الحقيقي .
ثانياً : النفس الأمارة بالسوء , فإن الأنسان يطيعها كما يطيع والديه , فيمكن التعبير عنها بانها : أمه .
ثالثاُ : جهنم . وهو ايضاً تعبير مجازي , لوضوح عدم إنطباقه حقيقة .
والأطروحات المحتملة لهاوية ثلاث أيضاً :
أولا : من ( الهوى ) أي الرغبة والشهوة وهذا مما لم يتعرض له المفسرون .
ثانياً : ما عليه مشهور المفسرين من إنه من الهُوى ّ وهو السقوط والانخفاض .
ثالثاً : محل السقوط ويسمى بالهاوية .
فيكون الاحتمال الثاني إشارة أي السقوط نفسه أو طريق السقوط ويكون الاحتمال الثالث هو نهاية السقوط . ومعه تكون الاحتمالات لقوله تعالى : فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ . تسعة , ناتجة من ضرب ثلاثة في ثلاثة . يتم توضيحها كما ياتي :
الاحتمال الأول : إن ( أمه هاوية ) بعني إن والدته تتبع الهوى والشهوة . فتكون سبب فساد أولادها . كما قال الشاعر (1) :
الأم مدرسة إذا أعددتها أعددت شعباً طيب الأعراقِ
وكما ورد في الحديث الشريف (2) : يولد الإنسان على الفطرة ولكن ابواه يهودانه وينصرانه .
ومن هنا يمكن ان نفهم إن قوله : فأمه هاوية إشارة الى العلة , لا الى المعلول , كما عليه المشهور , أعني علة حصول الفساد للفرد .
الأحتمال الثاني : أن والدته هاوية , وهي الضالة المضلة أو هي سبب الضلال فيكون هاويه بمعنى مهوية أي مسقطة لابنها من أستعمال الثلاثي محل الرباعي . وخاصة وان الرباعي من هذه المادة غير متعارف , فيمكن أستعمال الثلاثي لافادة معناه .
........................................
(1)
حافظ إبراهيم , أنظر ديوان حافظ إبراهيم ج1 ص282 .
(2)
البحار ج67, ص 133 وج54, ص282 .
الاحتمال الثالث : عن والدة هي محل السقوط ( المسْقطَ ) وهو مجاز يراد به نفس المعنى السابق .
الاحتمال الرابع : إن النفس الأمارة بالسوء ذات هوى .
وهو امر أكيد وواضح , ولا يكون من قبيل القضية بشرط المحمول . لان مفهوم الهوى لم يؤخذ في معنى النفس ليلزم ذلك .
الاحتمال الخامس :النفس الأمارة بالسوء هي ساقطة .
الاحتمال السابع : جهنم هاوية أي مريدة لإحراق وتعذيب الكافرين طاعة لرب العالمين . ولا يحتمل أن جهنم هاوية أنها مريدة للسوء .
الاحتمال الثامن : جهنم أي هاويه أي ساقطة . وهذا غير محتمل , فيكون مجاز من محل السقوط من تسمية الحال بأسم المحل .
الاحتمال التاسع : جهنم أي محل السقوط . ويراد بمحل السقوط أحد أمرين :
.
الأمر الأول : المسقط نفسه .وهذا يكون بالعمل . فالمسقط هو الدنيا , والخسران يكون فيها . فالدنيا . هاوية , بهذا المعنى وليس جهنم . الا أنه بسبب الدنيا يكون مستمر السقوطً في جهنم .
الأمر الثاني : ان يكون المسقط بمعنى نتيجة السقوط . فهو يصل بانتهاء السقوط الى جهنم , او الى . . أحد دركاتها. او قل يصل الى مستواه الردئ الذي وصل اليه ثبوتاً .
قال في الميزان (1) : وقيل :المراد بامه : أم رأسه . والمعنى فأم رأسه هاوية أي ساقطة . لأنهم يلقزن في النار على أم رؤسهم .
ثم قال : ويبعده بقاء الضمير في قوله :ماهية , مرجع ظاهر .
أقول : هذا ليس بصحيح , لاننا حتى لو قلنا بأن أمه بمعنى أم رأسه , إلا أن يصلح – مع ذلك – مرجعاً للضمير , وإن افترضنا امتناع إلى ( أمه ) فيرجع الى الهاوية .
مضافاً الى عن أصل الوجه المذكور غير تام , لنه يحتاج الى تقدير , بأن يقال :فأم رأسه , وهو خلاف الاصل وخلاف الظاهر .
...........................
(1)
ج20 , ص 349 .
سؤال : وهو ما ذكره الرازي في هامش العكبري (1) : من إنه قال تعالى : وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ . أي رجحت سيئاته على حسناته فأمه هاويه أي فمسكنه النار . وأكثر المؤمنين سيئاتهم راجحة على حسناتهم .
جوابه : من عدة وجوه :
الوجه الأول : ما أجاب به بقوله (2) : قوله تعالى : فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ لا يدل خلوده فيها .فيسكن المؤمن فيها بقدر ذنوبه ثم يخرج منها الى الجنة .
الوجه الثاني : ما ذكره أيضاً (3) : قيل بخفة الموازين خلوها من الحسنات بالكلية , وذلك موازين الكفار .
أقول : إنه يمكن القول إن كل الناس لهم شيء من الحسنات . غير إن الحسنات تكون حقيقية وثقيلة في الميزان بصحة الاعتقاد والولاية . فيمكن حمل الحسنات هنا على مطلق الحسنات ز فيكون المراد من : خفت موازينه أي قلّت حسناته أي ليست لها ثقل حقيقي وإن كانت موجودة .
أنما الذنوب فهي ذات ثقل حقيقي وكبير . لانها تكتسب مسؤولية أخلاقية لا متناهية . لانها تعبر عن عصيان الأمر اللامتناهي في الوجود وفي الفضل والرحمة .
ويمكن تقديم تفسيرين لفهم كلام المشهور إنه لا حسنات له .
الأول : ما قلناه من إن الآية أشارت الى الحسنات ولم تشر الى السيئات .
الثاني : التمسك بإطلاق الآية من قوله : خفت موازينه . أي خفت خفة مطلقة وكاملة , ووصلت الى درجة الصفر والعدم .
فأن قلت : إن مع الإنعدام لا يسمى خفة بإعتبار عن الخفة تدل على وجود شيء خفيف .
قلت : نعم , لا شك إن شيئاً ما موجود .لما قلناه من إن الشخص لا يخلو من الحسنات , الا إن هذا لا ينافي انعدام قيمتها الاخلاقية , كما ورد في مثل قوله ( 4) كم من قارئ للقرآن والقرآن يلعنه .
.................................................................
(1)
ج2 , ص155 . (2)+ (3) المصدر والصفحة (4) البحار , ج92 , ص 185 .
فأن قلت : فأن العكس أيضاً صحيح , بأن نفهم من الثقل : الثقل كبير جداً , بحيث لا يكون متناهياً . وعندئذ لا يدخل الجنة الا النوادر .
قلت فيه عدة تعليقات :
الأول : إن التمسك بإطلاق الى حد ما لا نهاية بلا موجب . بل بمقدار ما هو مستحقه .
الثاني : إننا نعترف إن من يدخل الجنة بدون حساب وعقاب قليل جداً .
الثالث :عن السياق ذكر الطرفين :الثقل والخفة .وترك الوسط .أي إن الكثرة وهم المحاسبون لم تذكرهم الآية الكريمة , وفي ذلك محذوران :
الأول : أنه يمكن القول إن من يدخل الجنة بدون حساب صنفان : أحدهما : من كذلك بإستحقاقه . وثانيهما : من كذلك باعفو الرحمة والشفاعة . وهي واسعة .
ومن يدخل النار أيضاً صنفان : أحدهما : من تكون أصول دينهم فاسدة والثاني : من تكون فروع دينهم فاسدة . وهم أيضاً كثيرون وخاصة مع الالتفات الى قوله تعالى : )هَلْ مِنْ مَزِيدٍ)(قّ: من الآية30) فيستجيب الله تعالى لها , فيدفع لها مزيداً من الطعام ! !
إذن , فيمكن القول عن الذين لا يحاسبون هم الثلث تقريباً من البشرية . إذن فالاية لم تهمل الأكثرية .
الثاني : إننا نتصور إن في الآية مفهوم مخالفة , باعتبار دلالتها على الحصر .والصحيح أنه لايوجد ما يدل على ذلك , ولم تذكر الآية : كم من ثقلت موازينه أو خفت من خفت .
الرابع : من التعليقات :- إن المتشرعة أخذهوها ساذج في الثقل والخفة , ولكننا ينبغي أن ندقق فيها كما يدقق فيها يوم الحساب . كما ورد (2) في تفسير قوله تعالى : وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ(الرعد: من الآية21)فإذا دققنا عرفنا إن المراد هو ذلك من نتيجة الحساب وبعد تطبيق قواعد العدل الكّلية , لا الخفة والثقل اللذان يطهران لاول مرة .
وبالتالي نستطيع ان نقول : إن الآية مستوعبة لكل البشر , وليس للبعض .
وترد هنا بعض الإشكالات :
الإشكال الأول : ان السياق دال على منع الخلو لإفادته الحصر . فيكون له مفهوم . وقد نفينا ذلك فما هو الوجه في ذلك ؟
..........................
.(2)
تفسير علي بن إبراهيم ج1 , ص 364.
جوابه : عن أستفادة منع الخلو من السياق ليس وجدانياً وإنما هو برهاني . وإلا سقط عن الإعتبار .
وما يمكن يدعي له أحد طريقين : أما ظهور " أما " في الآية الكريمة . وأما صيغة الخفة والثقل باعتبار ظهورها بالحدية . وكلا الطريقين نتيجته إلا يكون ثالث لهما .
إلا أن كلا الوجهين لا يتم .
أما الطريق الأول : فإن أما لا تدل على الحصر إلا مع نفي الثالث . فإذا كان هناك ثالث لم تدل على الحصر فقولنا : الإنسان أما عربي أو هندي . فهو لا يدل على الحصر , لوجود أقسام أخرى للإنسان .
أما الطريق الثاني : فلا يتم أيضاً , لأنه يوجد هناك ثالث لهما وهو التساوي . فلا يكون دال على منع الخلو .
الإشكال الثاني : إنه يمكن ترجيح ما عليه المشهور من كون ( امه ) يراد بها المعنى المجازي ونار حامية ,يراد بها المعنى الحقيقي .وذلك : باعتبار صيغة التعجب : وما أدراك ما هيء ؟
جوابه : أولاً : إننا لا نسلم للتعجب بل قد تكون للنفي أو للاستفهام على ما سيأتي .
ثانياُ : إن التعجب لا ينحصر أن يكون من الأمر الحقيقي , بل لعله من الأمر المجازي .
ثالثاً : لو سلمناهما , فلا يتعين أن يكون الأمر المتعجب منه هو ( أمه ) أم ( نار حامية ) .
إذن يبقى التردد بين الأمرين ولا يتعين الأمر المشهوري .
إن قلت : كيف فسرنا – في ما سبق - : أمه بالوالدة وبالنفس الامارة بالسوء مع إنها تدل على جهنم , بحسب القرينة المتصلة وهي قوله تعالى : نَارٌ حَامِيَةٌ .
قلت : يجاب ذلك بأمور منها :
اولاً :يمكن أن نسلم كما سلم المشهور بالمعنى كأطروحة .فتكون نار حامية بمنزلة الخبر لأمه , وتكون أمه بمنزلة المبتدأ , مستعمله مجازاً . ونار حامية مستعملة بالمعنى الحقيقي .
ثانياُ : أنه يمكن عكس المعنى . أي إن أمه مستعملة بالمعنى الحقيقي . و" نار حامية " مستعملة مجازاً . فالمعنى :والدته نار حامية باحد وجهين :
الوجه الأول : إن سلوكها بمنزلة النار الحامية , كأن تكون عصبية جداً ,أو مؤذية ونحو ذلك .
الوجه الثاني : إن والدته في جهنم , أي : ذات نار حامية . في تنزيل المظروف منزلة الظرف . وهي في جهنم حال كونها في الدنيا كما قال تعالى : أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا(الكهف: من الآية29) . فتكون سبباً لظلال أولادها .
فقد دار أمر الإستعمال بين أثنين : الحقيقي والمجازي . والخيارات في ذلك عديدة :
منها : أن نقدم المتقدم لفظاً .
ومنها : اجمال العبارة , بعد تعارض المقتضيين .
ومنها : أن نقدم اللفظين ( نار حامية ) على اللفظ الواحد , ( أمه ) باعتبارإن قرينة اللفظين أولى .
ويجاب ذلك : إن اللفظين هل هما قرينتان لتتقدم على الواحدة ؟ بل هما يشكلان مفهوماً واحداً مكونة من القيد والمقيد . فتكون قرينة واحدة . وكذلك (أمه ) قرينة واحدة , فيتعارضان ويسقط التفسير المشهوري .
سؤال : هل الخطاب في قوله تعالى : وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ . هي للنبي (ص) او لغيره ؟
جوابه : من اكثر من وجه :
أولا :انها من قبيل إياك اعني وأسمعي يا جارة . فهو بالمباشر خطاب للنبي (ص) وبالواسطة للمسلمين جميعاً .
ثانياً : أن يكون المخاطب بالمباشرة هم المسلمون جميعاً كما قال تعالى : وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً .......( الإنعام/114 ) وغيره .
فإن قلت : فان كان الخطاب للعموم , فينبغي أن يقول : ما أدراكم .
قلت :إن المجموع كمجموع هو مفهوم انتزاعي ذهني لا معنى لتحمله المسؤولية والتكليف . بل إن المكلف حقيقة هو الفرد . فيكون الخطاب انحلاليا الى كل فرد .فيصبح أستعمال المفرد في خطابه .
سؤال : ما المراد بما في قوله تعالى :ما أدراك ؟
جوابه :إن فيها احتمالات عديدة : التعجبية والاستفهامية والنافية . وعلى كل تقدير , يمكن ان تكون مستعملة حقيقة أو مجازاً . بناء على ما قلناه في إمكان أستعمال الحرف مجازاً . وبضرب تلك الثلاثة في هذين الاثنين تكون الاحتمالات ستة .
وعلى ذلك فالاحتمالات الرئيسية كما يلي :
أولاً : التعجب . وهو أردؤ الاحتمالات , لان التعجب سيكون من الإدراك لا من النار الحامية . كما هو مقتضى السياق . وعلى تقدير تسليمه , فيكون المراد وجود الإدراك لا نفيه .
ويكون التعجب من وجوه .
ثانياً : النفي أو الاستفهام وعلى كلا التقديرين : أما أن يراد به التهويل او التحقيق .
فإذا كان المراد به التهويل , فقد ذكر الإدراك هنا بصفته طريقياً ( لأجل التوصل الى التهويل ) . فتقل أهمية الأستفهام أو النفي , لأنه سؤال عن شيء غير مهم , وإنما هو المهم هو مركز التهويل وهو النار الحامية .
وإن كان المراد به التحقيق , يعني الأستفهام الحقيقي أو النفي الحقيقي , فهو احتمال ضعيف بطبيعة الحال , وإن يكن عرضه كأطروحة ضعيفة .
ثالثاً : أن يكون نفيأ حقيقاً , طرفه الأفراد الاعتياديين , أي أنك في الدنيا لا تعلم ما في الآخرة .
أو إنه نفي حقيقي طرفه النبي (ص) . ولكن هذا غير مناسب معه (ص) لانه مدينة العلم , فتتعذر الدلالة المطابقية في حقه . بل المراد العلم الاستقلالي عم أرادة الله تعالى وتعليمه وهدايته . فيكون المراد الحقيقي للعلم الاستقلالي . وهو صحيح .
رابعاً : أن يكون استفهاما حقيقياً , ولكن مدخوله ليست النار الحامية , وإنما هو الإدراك .أي : كيف علمت ما هي ؟
جوابه : من وجهين :
أن يكون نار حامية بمنزلة الجواب على ذلك السؤال .
ثانيهما: ان ذلك دخيلاً في الأستفهام نفسه . ويكون المراد : الأستفهام عن سبب الإدراك لكونها ناراً حامية . بحيث يكون اللفظ المتأخر قيداً للمتقدم .
سؤال : ما هي الهاء الموجودة في نهاية قوله تعالى : وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ ؟
جوابه : قال أبو البقاء العكبري (1): والهاء في (هِيَهْ) هاء السكت . ومن أثبتها في الوصول أجرى الوصل مجرى الوقف لكي لا تختلف رؤوس الآي .
أقول : إننا لا نعلم إن الوحي كيف نزل على النبي (ص) فأنه بدوياً يحتمل فيه ثلاث أطروحات :
الأولى : وجودها , السكت .
الثانية : أنها بفتح الهاء بدون هاء .
الثالثة : انها بالوقف على الياء . ومقتضى القاعدة في الوقف على الحرف هو سكونها .
فإذا لم نعلم إن هاء السكت نزلت بالوحي , وإنما يحتمل إن الكتاب كتبوها هكذا في الصدر الأول . لإذن لا حاجة الى ان نورط أنفسنا في تفسيرها والحديث عنها .
ويمكن القول : أنهم ربما أثبتوها لحفظ رؤس الآي ( هاوية , حامية , ما هيه ) ليستقيم النسق . ولكن مع ذلك نقول : إن النسق بدونها متحقق في الجملة بين الهاء والفتحة . فأن الفتحة بمنزلة الهاء عرفاً , وإن لم تكن كذلك حقيقة .
وأبو البقاء أخذ الأمر مسلماً كأن الوحي نزل به , طبقاً لحجية القراءات . ونحن نعلم إننا إنما نحتاج الى هاء السكت عند الوقف لا عند الدرج بين الآيتين .
وقال أبو البقاء (2) : ومن اثبتها في الوصل اجرى الوصل مجرى الوقف . لإلا إنا قلنا : إن الفتحة بمنزلة الهاء , كما هو معلوم مع مد النَفَس بالفتحة .
وعلى أي حال : فيمكن القول – كأطروحة – إن نهايات الآيات في هذه السورة أسماء فاعل بمعنى أسماء المفعول ( مرضية – مهوية – محمية )
وقال العكبري أيضاً (3) : ونار حامية خبر مبتدأ محذوف أي : هي نار حامية .
سؤال : كل نار حامية , فما اختصاص نار جهنم . ولماذا وصفها بذلك , مع عموم الوصف ؟
جوابه : من وجوه :
الوجه الأول : إن يكون للتهويل , فإن العرف يدرك إن كل نار حامية , وإذا وصفت النار بانها حامية , فهم منها انها أكثر حرارة من سائر النيران . ولإلا كان وصفها بذلك لغواً .
الوجه الثاني : أنها حامية بنسبة عالية جداً عن سائر النيران , بحيث تكون سائر النيران تجاها كالعدم و كأنها باردة ! !
................................
(1)
ج2 , ص 157 .
(2)
المصدر والصفحة ,
(3)
المصدر والصفحة .
الوجه الثالث : يمكن حملها على الحرارة المعنوية , كحمي الوطيس في الحرب . ويكون المراد إنها معذّبة لساكنيها عذاباً شديداً , قال تعال : كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا (النساء: من الآية56) .
ولكننا ينبغي أن نلاحظ إن (حامية ) ليست من الحرارة , لأنه لا يوجد في اللغة , " حماوة " وإنما . . مادتها من الحماية من السوء والشر والضلال .
فإن قلت : كيف تكون النار حامية بهذا المعنى ؟
قلت : لذلك عدة أطروحات , نذكر منها :
أولاً : إذا كان المراد بنار جهنم نفسها , فيمكن القول إن الله تعالى قد يرحم الفرد المذنب , فيضعه في درك أقل من إستحقاقه . ومعه يكون هذا الدرك حامياً له عن الدرك الذي يستحقه .
ثانياً : إذا كان المراد بها وصف أمه أي والدته , في بعض الاحتمالات السابقة , فإن الأم قد تكون عصبية المزاج ومضرة بولدها أو بناتها , فيكون ذلك سبباً لتربيتهم الدينية والمعنوية .
اما لأنها عصبية الى طرف الحق . وأما لأنها عصبية على الطرف الباطل . ألا إن حال أولادها يكون في بلاء دنيوي . والبلاء الدنيوي سبب للتربية المعنوية في نفسه . أو قل : هو مقتضي للتربية ما لم يحصل المانع.
ثالثا ً : إن كان المراد من النار الحامية : البلاء الدنيوي , فهو سبب للتربية المعنوية , كما قلنا قبل لحظة . مما يوجب كونه حامياً عن عقوبة الآخرة .
رابعاً :إذا كان المراد بالنار الحامية , ما يراه الفرد في القبر والبرزخ والقيامة من مصاعب ونيران . فقد ورد (2): إن الله تعالى قد يوجد مثل هذه المصاعب الى عبده ليخفف عنه عذاب جهنم . أو قد لا يوجب دخوله لها إطلاقاً . ومن هنا تكون هذه النار حامية من جهنم .
ثم إن قوله : حامية , هو من إستعمال الثلاثي اللازم . بدلا من الرباعي المتعدي . ولو باعتبار إستعمال الثلاثي متعدياً مجازاً . والمراد إنها محميّة لغيرها . وأما كونها حامية لنفسها , فهذا معنى عاطل , لآنها ليست فاعلة لإحماء نفسها . ألا أن يكون أسم فاعل قد أستعمل بمعنى المفعول أي محماة بفعل الله سبحانه أو بفعل مالك خازن النار , أو بأمر قسيم الجنة والنار .
....................................
(1)
أنظر نحوه في البحار , ج6 , ص160 .
والحمد لله رب العالمين , تمت هذه السورة . والبقية تأتي بعونه تعالى