مِنةُ اَلمنَان في الدفاع عن القرآن
تأليف
: السيد الشهيد محمد محمد صادق الصدر(قدس سرة الشريف)
الجزء
الرابع عشر
من
كتاب منة المنان في الدفاع عن القرآن
للسيد
الشهيد محمد الصدر رضوان الله عليه
سورة العاديات
في
تسميتها , كما في أغلب السور , عدة أطروحات
:
أولاً
: العَادِياَت . وهو المشهور
.
ثانياً : السورة التي ذكرت فيها العَادِياَت
.
ثالثاً : إعطاؤها رقمها في المصحف الشريف وهو : مئة
.
قوله
تعالى : وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحاً
.
الواو
للقسم , وقلنا - في سورة العصر -: إن الخلق يقسم بالله تعالى , والله تعالى يقسم
بماء يشاء من خلقه . فالمسالة هنا اختيارية من قبله سبحانه
.
فهو
قسم لاجل التوصل إلى نتيجة و (إِنَّ الْأِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ .وَإِنَّهُ
عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ) فالقسم لاجل التركيز والتأكيد على ذلك
.
سؤال
: ما هو معنى العاديات ؟
جوابه
: قال في المفردات (1) : العدو : التجاوز ومنافات الالتئام . فتارة يعتبر بالقلب
, فيقال : العداوة والمعاداة .وتارة بالمشي فيقال له : العدو . وتارة في الإخلال
بالعدالة في المعاملة , فيقال : العدوان والعدو.
أقول
: والعادي أسم فاعل من عدا وهو من الركض . وهو على معنيين . مادي ومعنوي
.
والمعنى الأول : له عدة تطبيقات
:
الأول
: الأفراس الراكضة نحو الحرب
.
الثاني : الإبل الذاهبة إلى منى يوم العيد
.
الثالث : الحجاج الذاهبين من موقف الى موقف
.
الرابع : المسافرين الذين يركبون ( الإبل ) في أي سفر
.
المعنى الثاني : أي العَدْو المعنوي وتطبيقه : شحذ الهمة للاستهداف لاجل نتيجة
معينة . وله مصاديق عديدة دنيوية وأخروية , كطلب العلم وطلب رضا الله وطلب الجنة
.
إذا
أخذنا من العدو وهو الركض
.
أما
إذا أخذنا من الاعتداء , وهو – حسب فهمي أعم من السوء والخير ,وإن كان عرفاً أقرب
الى السوء . وذلك يراد به تحمل المسؤولية تحملاً ضخماً ومهماً , سواء كان بالخير
أو بالسوء .
فيكون
له عدة مصاديق , ومصاديقه بالسوء : المعتدون أو الاعتداء . قال تعالى :غَيْرَ
بَاغٍ وَلا عَادٍ(البقرة:الآية173) وهو في الآيتين أسم فاعل , إلا إنه هنا جمع
وهنا مفرد .
وكذلك
من مصاديقها :بلاء الدنيا من حيث انتسابها الى الأسباب كالمرض والفقر وظروف
التقية .فانه نحو من تحمل المسؤولية – كما قلنا - . أما من حيث انتسابها الى الله
فهو خير , لأنها من أجل الامتحان واختبار والصبر
سؤال
: ما هو الحديث في قوله : ضَبْحَاً ؟
جوابه
: قال في الميزان (1) : الضبح صوت أنفاس الخيل حين عدوها . وهو المعهود المعروف
من الخيل .
وقال
الراغب (2) : قيل : الضبح صوت أنفاس الفرس تسبهاً بالضباح وهو صوت الثعلب . وقيل
: هو خفيف العدو . وقيل : الضبح كالضبع , وهو مدّ الضبع في العدو . وقيل : أصله
إحراق العود ,وشبه عَدْوَهُ به كتشبيهه بالنار في كثرة حركتها
.
..........................................
(1)
ج2 ,
ص 345 .
(2)
المفردات مادة " ضبح
"
(2)أقول
: من الواضح إن الراغب لم يجزم بشيء من هذه الآراء , وإنما عرضها كأطروحة مصححة
للمعنى .كما يمكن أن يكون الرطوبة الخارجية من فم الفرس عند الركض .وأستشكل
المشهور على هذا القول لأن الإبل والإنسان لا تخرج منه رطوبة , بل يجف فمه عند
العدو .فنع تعين هذا الوجه , يتعين ان يكون المراد بالعاديات الجياد
.
سؤال
: ما هو إعراب : ضَبْحَاً ؟
جوابه
لذلك عدة أطروحات
:
الأولى : ما قاله العكبري عنها (1) : مصدر في موضع الحال , أي والعاديات ضباحة
.
الثانية : منصوب على إنه مفعول مطلق لفعل غير لفظه ز
الثالثة :منصوب على إنه مفعول به لفعل محذوف تقديره أضبحي ضبحا ً.أي أركضي ركضاً
.وفرقها عن الثانية أنها هنا تصح لو كانت معرفة وهناك تصح لو كانت نكرة . كأنه
قال هنا :أركض الركض
.
وكلا
الأطروحتين قابلة للمناقشة
:
أما
الأولى , فلانه لايصح مفعولاً مطلقاً إلا بتقدير أمر قبله , أي أضبحي ضبحاً , وهو
هنا مما لا يصح لأنه يناف للقسم .فلو صدق للزم الغاء القسم . وإنما . وأنما يصح
إذا كان على نحو النداء , يعني يا أيها العَّاديات أضبحي ضبحاً
.
وأما
الثاني : فلانه يلزم منه التكرار بالمعنى , لأن العاديات بمعنى الراكضات . فيكون
معنى الركض مأخوذاً في كلا اللفظين . العاديات وضبحاً . وهو خلاف الظاهر . فيكون
المفروض تعدد المعنى كما لو فهمنا من الضبح الرطوبة الخارجية من فم الفرس . فيكون
حالاً أو في موضع الحال , كما قال العكبري
.
إلا
إن هذه الكبرى غير تامة , لأن التكرار وإن كان غالباً سمجاً , ولكن مع ذلك قد
يكون صحيحاً , كما في المفعول المطلق . فيكون مفعولاً مطلقاً باقياً الى هذا الحد
من التفكير
.
ثم إن
معنى الآية الكريمة : العاديات تضبح ضبحاً . له نحو من الحث السياقي , وإن لم يكن
امراً مقدراً . فكأنه تشجيع على العدو الضبح , فله أفادة الآمر وإن لم يكن أمراً
.
إن
قلت : أمر العاديات بأن تعدو , هو تحصل الحاصل , وهو لغو أو مستحيل
.
قلت :
جوابه من عدة وجوه
:
الوجه
الأول : إن نفسر الضبح بغير العدو وهو الركض . بل نفسره بأنفاس الفرس أو برطوبة
فمها . فينسد السؤال
.
الوجه
الثاني : أن نقول أنه امر بزيادة العدو وسرعته , بحيث يكون العدو السابق عليه
منزلة العدم
.
الوجه
الثالث : أنه لو كان المنظور في عنوان العاديات , هي كونها متصفة فعلاً بذلك ,كان
أمرها محالاً , بعد التنزل عن الوجوه السابقة , إلا أنه يمكن القول إن النظر في
هذا العنوان الى الذات لا الى الصفة , يعني ذوات العاديات لا بصفتها عاديات .وهو
أستعمال عرفي أحياناً , باستعمال الإشارة الى الذات بالصفة الغالبة أو الأهم فيها
.
فإن
قلت : يمكن أن تكون ضَبْحَاً مفعولاً به للعاديات باعتبارها أسم فاعل , فهو يعمل
في نصب المفعول
.
قلت
هذا لا يتم لعدة وجوه
.
أولا
: إن عدا لازم . فإذا تعدى ينبغي أن يكون بحرف , لا بالمباشرة . تقول :عدا عليه .
والحرف غير موجود.
ثانياً : إن هذا مفعولا به , فما هو فاعله ؟ له أحد تقديرين كلاهما ردئ :1- ان
يكون ضميراً تقديره هي . 2- ان يكون أسم الفاعل مستغنياً بالمفعول به عن الفاعل .
وهو ردئ أيضاً , إذ يكون أهم من الفعل . وتلك صفة لا تكون للفعل , فكيف تكون له
.
ثالثاً : أنه بعد التنزل عن الوجهين السابقين , فإنه يكون فرض المفعول به معناه :
إن العدو أو الاعتداء على الضبح نفسه .وهو سخف في التفكير
.
سؤال
: عن معنى قوله تعالى : فَالْمُورِيَاتِ قَدْحاً ؟
جوابه
: قال العكبري (2) : قدحاً مصدر مؤكد , لان الموري : القادح
.
أقول
:أي يكون مفعولاً مطلقاً , كأنه قال : القادحات قدحاً . والأطروحات التي قيلت في
" ضبحاً " تقال هنا أيضاً
.
..............................................
(1)
ج2 ,
ص 157 . --- (2) ج2 , ص 157
.
أولا
ً : إنها مفعول به لفعل مقدر , كأنه قال :أقدحي قدحاً . والتقدير خلاف الأصل ,
ولا يتعين إلا مع الانحصار
.
ثانياً : إنها مفعول به للمواريات . ولا يرد الإشكال السابق , لأن أوري متعد
بنفسه . ولكن ترد عليه الاشكالات الأخرى
.
ثالثاً : إنها مصدر سد مسد الحال . أي الموريات أيراء أي حال كونهم كذلك
.
سؤال
: هل إن المُورِياَت والقادحات بمعنى واحد , كما سبق أن سمعنا من العكبري في قوله
: لأن المروي القادح . فأن المادتين إن كانتا بمعنى واحد , كان السياق بمنزلة
التكرار .
وهو
ردئ , لآن الكلمتين متتابعتان لا فاصل بينهما . فيتمكن أن يغني احدهما عن الآخر.
جوابه
: أنهما ليسا بمعنى واحد , بل بمعنيين لعدة وجوه
:
الوجه
الأول : أن أروى النار أي أشعلها فارتفع لهبها يعني :أججها . وأما القدح فهو
إيجادها بعد العدم عن طريق إيجاد الشرار . فقد ذكر العلة بعد المعلول
.
الوجه
الثاني : ان نحمل مادة الموريات على الاقتضاء ومادة القدح على الفعلية . كما لو
أمرنا شخصاً عمله الإشعال بالإشعال
.
الوجه
الثالث : أن نحمل الموريات على القليل من النار والقدح على الكثير منها عكس ما
قلناه في الوجه الأول .ولكن يمكن فهم ذلك كأطروحة بعد ضم مقدمتين
:
الأولى : إن القدح بمعنى مطلق النار لا خصوص الشرار
.
الثانية : إن القدح هو الشرار , ولكن زيادة النار تحتاج الى قدح جديد ( مجازاً أو
حقيقة ) .
فيحصل
معنى القدح على النار المتزايدة , يكون ترقيا من الأقل الى الأكثر, وليس
تــكراراً .
فإن
قلت : أنه بغض النظر عن ما قلناه في ثالثاً , لماذا تقدم ذكر المعلول على العلة ,
وكان الأنسب . العكس أي قدح فأورى
.
قلت
يجاب بأحد وجهين
:
أولا
: حفاظاً للنسق القرآني والسياق اللفظي معاً
.
ثانياً : أنه ليس فيها فاء دالة على الترتيب ليدل على تأخر العلة عن المعلول .
ولذا يكون باختباره تقدم أيا منهما شاء
.
بل ما
وقع أنسب , لأنه ابتداء بما هو أهم وهو النار العالية ثم يكرر بيان سببه وهو
القدح البسيط
.
سؤال
: عن معنى قوله تعالى : فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحاً ؟
جوابه
: المغيرات أسم فاعل من أغار وهو الهجوم بدون سابق إنذار .وكان معروفاً لدى العرب
وعليه قوت الغالب منهم . وهو ينتج القتل والسرقة . إلا أنه يمكن التجرد عن
الخصوصية للإخبار عن كل حرب ومنازلة , فإنها إغارة على أي حال , وهذا كما يتفق
بالسلاح القديم , قد يحصل بالسلاح الحديث أيضاً
.
والصبح له عدة احتمالات
:
أولا:
الفجر وهو الذي يفسر بقوله تعالى : وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ (المدثر:34) .أي
الفجر , مع احتمال كونه من أستعمال الخاص بالعام
.
ثانياً : طلوع الشمس
.
ثالثاً : انكشاف الحال قبل الطلوع عند استيقاظ العصافير والدجاج والذباب
.
رابعاً : أول النهار , كما سنسمع من الراغب
.
خامساً : طلوع الحمرة المشرقية , وهو ما يظهر من الراغب في المفردات . حيث قال
(1) : الصبح والصباح أول النهار .وهو وقت ما أحمر الأفق بحاجب الشمس . قال تعالى
: أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ - فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ
.
أقول
: وهو طلوع الحمرة المشرقية , وتكون في نصف الوقت بين طلوع الفجر وطلوع الشمس
تقريباً .
سؤال
: لماذا قيد الإغارة في الصباح ؟
جوابه
: لاكثر من وجه
:
الأول
: أنه قيد غالبي يمكن تجريده عن الخصوصية . وتركيز الأهمية عرفاً في هذه القضية
على الإغارة لا على وقتها
.
..........................................
(1)
المفردات مادة " صبح
"
الثاني : إن وقت الصبح مناسب للإغارة والحرب , من أكثر من ناحية
:
أولاً
: لغفلة العدو فيه ونوم أهله
.
ثانياً : إنه يبقى للجماعة المغيرة زمان كاف لتنفيذ الهدف , خلال نهار كامل , قبل
أن يحجز بينهما ظلام الليل
.
سؤال
: عن معنى قوله تعالى : فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً .فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً
.
جوابه
: النقع والقتير والعتْيرَ والقَتاَمَ , هو الغبار . والخيل حينما تضرب على الأرض
الرملية فإنها تثير غباراً كثيراً
.
قال
الشاعر في مدح أمير المؤمنين عليه السلام (1).
جبريل
نادى معـــــاناً والنقع ليس بمنجلي
والمسلمون قد أحدقوا حول النبــي المرسل
لا
سيف إلا ذو الفقـــــــار ولا فتـــــى إلا علــــــــي
والمراد بالفاعل في الآية : فاثرن – فوسطن – على المشهور : الخيل المهاجم للعدو .
ونون النسوة أما ان يعود على العاديات , وهي مؤنث مجازي , أو الى الذات المؤنثة
الحقيقية , ويراد بها الخيل
.
والضمير " به " وقد أعيد مرتين , ويوجد مرجعه احتمالان
:
أولاً
: الضبح , كما في الميزان (1) .وهو نحو من الإسناد المجازي
.
ثانياً : الصبح , فتكون الباء بمعنى في . ويرد عليه : إن الباء ظاهرها السببية لا
الظرفية , وصرفها خلاف الظاهر
.
فأن
قلت : ولكن استعمالها بمعنى في جائز , إما حقيقة أو مجازاً , كما هو مقرر في علم
الأصول .
قلت :
ولكن مع ذلك خلاف الظهور الولي للآية .ظهورها بالسببية أوضح . وعندئذ لا يكون
مرجع الضمير هو الصبح بل شيء أخر , كالعَدْو أو القتال . أي بسببه
.
وإن
قلت :إن فهم القتال من السياق , وإن كان ممكناً , الا يحتاج الى نحو من التقدير
.
قلت :
يمكن الاستغناء عن معنى القتال , الى معنى العدو وهو مذكور في الآية في مادة(
العاديات ) .والعدو يثير النقع , فيرتفع الإشكال مع حفظ الباء للسبيبية
.
وقوله
تعالى : فَوَسَطْنَ ,أي توسطن في داخل الجمع وخلاله وفي قلبه . والمراد به كتيبة
العدو , كما في الميزان (2) . وقال :أو المعنى فتوسطن جمعاً ملابسين للنقع . أقول
: على معنى أن تكون " به " قيداً لما بعدها , وهو الجمع لا لما قبلها .فتأمل
.
قال :
(3) وقبل المراد توسط الابال جمع منى . وأنت خبير بأن حمل الآيات الخمس بما
لمفرداتها من ظواهر المعاني على أبل الحجاج الذين يفيضون من جمع الى منى , خلاف
ظاهرها جداً . أقول : سيأتي عما قليل بعض الكلام عن ذلك , فأنتظر
.
ولآن
لابد من تطبيق معاني الآيات , على المعاني الخمسة للعاديات : بعد أن توضحت لنا
تفاصيل المعاني . وذلك كما يلي
:
المعنى الأول : وهو المشهور جداً بين المفسرين , بما فيهم صاحب الميزان حيث قال
(4) :وقيل والمعنى : فاقسم بالخيل الهاجمات على العدو بغتة في وقت الصبح
.
المعنى الثاني : الإبل الذاهبة الى منى , أو الى أي مكان . ويقترض إنها لا تمشي
الهوينا بل تؤمر بالركض وتحث عليه للوصول الى الهدف في أسرع وقت . فنطبق ذلك على
تفاصيل الآيات
:
(
ضَبْحَاً ) :والضبح كما عرفنا , صفة للخيل , ولكن يمكن أن يكون صفة للإبل مجازاً
.
(فَالْمُورِيَاتِ
قَدْحاً) : فأن الإبل ليس فيها نعل لتقدح الأرض . فلابد من حمله على المجاز .لأن
القدح بمعنى قدح العود الذي يدل على الحرارة , والسرعة أيضاً تنتج الحرارة .
فتكون قابلة للانطباق على الإبل والأفراس معاً
(فَالْمُغِيرَاتِ
صُبْحاً) يمكن تجريدها عن خصوصية الإغارة الحربية الى كل مجئ بهمة وبسرعة , فهو
بمنزلة
........................................
(1)
ج20 ,
ص345.
(2)
ج20,
ص346 .
(3)
المصدر والصفحة
.
(4)
المصدر والصفحة
.
الغارة .
(فَأَثَرْنَ
بِهِ نَقْعاً) ويكون المراد به الإبل .فرقها عن الفرس إن الفرس ترجع رجليها الى
الخلف , فتثير غباراً غليظاً . وهو غير موجود للإبل . غير إن الغبار موجود في
الجملة , على أي حال
.
(فَوَسَطْنَ
بِهِ جَمْعاً) ,يحتمل فيها جمع الناس , أذا حملناها على مطلق السفر , ويحتمل فيها
الأرض التي تسمى جمع . ولها ثلاثة أسماء :جمع والمزدلفة والمشعر
.
ومن
فسر العاديات بالإبل , فسر " فالمغيرات صبحاً " بالذهاب الى منى في صبح عيد
الأضحى . قل صاحب الميزان (1) : وقيل المراد بها الآبال ترتفع بركبانها يوم النحر
من جمع الى منى . والسنة إن لا ترتفع حتى تصبح . أقول :ولكن حسب تفسيرنا يكون ذلك
واضح الإشكال .لان جمع هو المشعر . فيكون المراد أنهم دخلوا المشعر لا نهم خرجوا
منه
فأن
قلت : فكيف يكون زمن الصبح ؟ قلت : إن دخول المشعر يكون في الصبح , من الفجر الى
طلوع الشمس
.
المعنى الثالث : الناس الحجاج . والنتيجة واحدة مع الوجه السابق . لان الحجاج لا
يكونون راجلين بل راكبي الإبل .فهنا نقصد الراكب , وهنا قصدنا المركوب ( وهو
الإبل ) .
المعنى الرابع : السالكون طريقة الهداية والرحمة . ونطبقه على تفاصيل الآيات
:
(
ضبَحْاً ) شدة التعب الذي يصيبهم في سبيل الله أو في تركهم الدنيا وتحمل بلاءها
وصعوباتها .
(فَالْمُورِيَاتِ
قَدْحاً) اما أن نقول إن القدح هو العطاء والنور الإلهي .وأما ان نقول :إنه
السرعة في السير ولتكامل
.
(فَالْمُغِيرَاتِ
صُبْحاً) يعني المقابلات صبحاً أي حين الفجر , وهو مصداق لقوله تعالى :
وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ)(آل عمران: من الآية17) ويمكن تفسير الصبح
بمن ترك ظلام المطامع الدنيوية , أو بإشراق شمس الهداية والكمال
.
(فَأَثَرْنَ
بِهِ نَقْعاً) فإن الغبار مما لا مناص منه , من أثر ضغط النفس والعقل والشبهات
ولآمال القصيرة
.
(فَوَسَطْنَ
بِهِ جَمْعاً) إن قلنا إن الجمع جمع الناس . فهو قد توسطهم قبل الوصول الى تلك
الدرجة من الكمال . وهو الملأ الأعلى أو نحوه . وأن قلنا إنه أسم لأرض المشعر .
فهي الأرض المقدسة أو الرتبة التي يصل اليها الإنسان
.
المعنى الخامس : للعاديات إانها تنطبق على كل ذي هدف كطالب العلم وطالب الشهرة
وطالب المال وأضرابهم .يريد السرعة والهمة في الحصول على نتائجه . وعندما يصل
اليها يصدق قوله : فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً . اما قوله : فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً
.فهي الموانع والمعوقات عن الوصول الى الهدف كما قال الشاعر :تجري الرياح بما لا
تشتهي السفن . بل قد يكون بفعل الفرد نفسه من حيث لا يعلم , أو من نتائج عمله
.
و(
جَمْعاً ) يمكن أن نهف منه الهدف.وكانه يريد المال فاصبح من الأثرياء أو بينهم
.
الى
معانٍ أخرى محتملة للسياق , لا حاجة الى الدخول في تفاصيلها . ولابد أن نلتفت الى
إن هذه السورة قد حفظت سياقاً ونسقاً للقسم . وهو يتغير بعد ذلك مباشرة لحكمة
ندركها , وهو الإشعار والإشارة الى الاثنينية بين القسم والمقسم له . أو قل :
الإشارة إلى النتيجة بعد الانتهاء من المقدمة ثبوتاً أو إثباتاً
.
سؤال
: ما هو معنى كنود , في قوله تعالى : إِنَّ الْأِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ ؟
جوابه
: قال الراغب في المفردات (2) :قوله تعالى : إِنَّ الْأِنْسَانَ لِرَبِّهِ
لَكَنُودٌ .أي كفور لنعمته و لقولهم : أرض كنود إذا لم تنبت شيئاً . وأيده صاحب
الميزان قال (3) :الكنود الكفور
.
أقول
: وهو أستعمال مجازي لطيف .وأشكاله :إنه حينئذ ينبغي أن يقال : بربه لكنود .
لاننا نقول :كفر به لا كفر له
.
فإن
قلت : فإن أستعمال اللام بمعنى الباء مجازاً محتمل
.
قلت
:هو محتمل , ولكنه لا يتعين الا مع الانحصار , وسنبين إنه غير منحصر . فيتعين
المعنى الحقيقي للام
.
.............................
(1)
الصدر
والصفحة .
(2)
المصدر والصفحة
.
(3)
المفردات مادة " كند
" .
(4)
ج20 ,
ص 346 .
أذن
,ليس المراد بالكنود الكفور , نعم , هم فهموا ذلك من الأرض غير المنتجة . والكفار
بمنزلتها . ولكنه مع ذلك ,ليس هذا معنى منحصراً . فأن الإنسان غير المنتج له عدة
معاني :
الأول
: إن الإنسان غير نافع لربه كالأرض التي لا تنبت شيئاً . من حيث أن الله غني عن
العالمين . كما في الدعاء (1) : إلهي أنت الغني بذاتك أن يصل اليك النفع منك فكيف
لا تكون غنياً عني
.
الثاني : إن الإنسان قليل الطاعة . كما قال تعالى : وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ
الشَّكُورُ(سـبأ: من الآية13) . وَحَمَلَهَا الْأِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً
جَهُولاً(الأحزاب:72)
.
الثالث : إنه قليل الالتفات الى الآخرة وكثير الغفلة عنها . كما قال تعالى :
وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ(الروم:7 7)
.
الرابع : إن الآية لكريمة لم تتعرض لمتعلق القلّة , وإن الأنسان كنود من أي جهة .
بل تركت الباب مفتوحاً لأجل ان يملأ بأي شيء معقول يمكن أن يخطر على البال .
فيمكن أن يقال :إن المراد قلة الاهتمام بأمور الدنيا وقلة الأخذ بزبرجها وزخرفها
قربة الى الله تعالى.ومعنى القربة مفهوم من قوله تعالى : لربه
.
فأن
قلت : فإن هذا لا يحصل إلا للقليل , مع عن الآلف واللام جنسية , فيدل على أتصاف
نوع الأنسان بالصفة , لا حصة منه . فيدل على فساد المعنى الرابع
.
قلت
جوابه من عدة وجوه . منها
:
أولاً
:أن نقيد الأنسان بالأنسان المهتم بأخرته . وهو كنود من الدنيا من مصالحه الشخصية
. إلا أن هذه الوجه على خلاف الأصل
.
ثانياً : أن الأنسان له أطلاقان : أحدهما :مطلق الأنسان . وله حصص كثيرة ,
كالعربي والهندي والمؤمن والفاسق .وثانيهما :الأنسان المطلق , وهو صنف واحد .وهو
أولياء الله . وإن قسنا انسانيتهم الى مطلق الأنسان كانت بمنزلة قياس الوجود
للعدم . ومعه يمكن أن نفهم منها الإنسان المطلق لا مطلق الإنسان
.
فأن
قلت : ولكن الآلف واللام هنا جنسية فتشمل كل البشر
.
قلنا
: نعم جنسية ,والآلف واللام الجنسية تستوعب كل افراد الإنسان
.
فالإنسان المطلق صفته أنه لربه لكنود . وليس الكافر , كما عليه مشهور المفسرين
.فقد أراده المفسرون شراً أردناه خيراً
! !
وكذلك
على الوجهين على قوله تعالى : وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ
فأن
الخير يمكن فهمه على وجوه
:
الأول
: المال . وعليه المشهور . كما في قوله تعالى : إِنْ تَرَكَ خَيْراً ....... أي
ثروة .(البقرة: 180)
الثاني : مطلق الخير , كما أحتمله الطباطبائي قدس سره حيث قال (3) :ولا يبعد أن
يكون المراد بالخير مطلقه . ويكون المراد : حب الخير فطري للإنسان . ثم إنه يرى
عرض الدنيا وزينتها خيراً , فتنجذب اليه نفسه , وينسيه ذلك ربه أن يشكره
.
أقول
: وهذا معناه إن السياق غير مختص بالكافر والفاجر , لان كل الناس مجبولون على ذلك
.وكذلك الحال بناء على الوجه الأول .فيكون هناك تناف بين التفسير المشهور للآيتين
. ولا يبقى وجه للاشارة لحب الكافر بالخصوص للمال , مع حب الجميع له
.
الثالث : الخير المطلق . وهو الله سبحانه . فانه عين الكمال وحقيقته . حنى سمي
بالخير في قوله تعالى : فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً (يوسف: من الآية64) على مناقشة
سبقت في سورة الفلق
.
فيكون
المعنى : وأنه لحب الله لشديد .فيكون السياق دالا على الفضلاء لا على الفجور
.
سؤال
:ما هو معنى شهيد في قوله تعالى : وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ
.
جوابه
فيه عدة أطروحات
:
الأطروحة الأولى : ما عليه المشهور من أن الشهيد بمعنى الشاهد . قال في الميزان
(3 ):فالمعنى : وان الإنسان على كفرانه بربه شاهد محتمل . أقول : يعني : محتمل .
فالآية تكون في في معنى قوله تعالى : بَلِ الْأِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ
(القيامة:14)
........................
(1)
أنظر
مفاتيح الجنان :273
.
(2)ج20
, ص 347 .
الأطروحة الثانية : إنه بمعنى المقتول في سبيل الله . أما حقيقة : أي في حرب
جهادية صحيحة . أو لقتله الشهوات والنزوات من نفسه
.
فأن
قلت : فأن هذا المعنى لا يناسب قوله " على ذلك " . فيكون هذا قرينة على فهم
المشهور .باعتبار أنه يبصره ويراه
.
قلت :
يمكن أن يكون معنى : على ذلك : إضافة على ذلك .أو إلى ذلك . فكأنه معنى على معنى
, أو مضمون الى مضمون . فلا يكون الجار والمجرور متعلقاً بشهيد , كما يناسب فهم
المشهور . بل متعلقاً بمحذوف يعني كائناً على ذلك
.
الأطروحة الثالثة : أنه مشاهد لرحمة الله الخاصة مضافاً الى الرحمة العامة
.
الأطروحة الثالثة : أنه مشاهد لرحمة الله الخاصة مضافاً الى الرحمة العامة
.
الأطروحة الرابعة : أنه مشاهد لما ذكر في السورة من أفعاله وأفعال غيره ,
كالعاديات والمواريات وغيرها .إلا أنه يلزم على هذا الوجه أن تكون (على ) بمعنى
اللام .
الأطروحة الخامسة : أنه بمعنى أداء الشهادة يوم القيامة . لما رأى وسمع . فيكون
شاهداً على نفسه وعلى غيره.
فهنا
نرى أنه قد أنسجمت الآيات الثلاث , على بعض هذه الأطروحات , على أرادة الخير
.
فأن
قلت : أن هذا مناف مع القرائن الآتية وهي قوله تعالى : أَفَلا يَعْلَمُ إِذَا
بُعْثِرَ . وهو سياق التهديد . وهو ينافي ما قلناه من إرادة الخير , إذ لا حاجة
معه الى التهديد
.
جوابه
: أنه بناء على فهمنا يكون الأستفهام إثباتاً لا أستنكارياً . فلا يكون للتهديد
.
يعني
أنه يعلم ذلك كله , لآ أنه جاهل به أو بمنزلة الجاهل
.
سؤال
: عن معنى قوله تعالى : وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ
.
جوابه
: تقدم معنى الخير وحب الخير . وقد فسر المشهور , بأنه حب المال , وأنه شديد
البخل به لزيادة حبه له.
ويرد
عليه :
أولا
: إن حب الخير بالمال ,قد يقتضي العكس . وهو زيادة التصدق به وأنفاقه
.
ثانياً : بالإمكان القول بأن الشديد ليس صفة للحب . وإلا لكان الأنسب أستعمال
الباء أو " في " مع أنه أستعمل اللام . وأنما هو شديد لاجل حب الخير . وأما متعلق
الشديد فمحذوف , ومضمونه أنه لا تأخذه في الله لومه لائم يعني في الخير أيا كان
معناه .
سؤال
: ما هو الوجه في أستعمال : ما في القبور , بدل من في القبور . مع عن المهم هو
الحديث عن انبعاث الموتى , وهم : من يعقل ؟
جوابه
: لا كثر من وجه
:
أولاً
: إن الأنسان بما هو أنسان , هو ممن يعقل . ولكن المراد هنا جسمه أو أو جنازته أو
التراب الحاصل من ذلك . وكلها لا تعقل
.
ثانياً : أن خروج الموتى يتم ببعثرة التراب في القبور لاخراج من فيها . وهذا يفهم
من السياق بالأدلة التضمينة لا المطابقية . أي حفر القبور لاخراج الموتى منها
.
سؤال
: وهل تتوقف قدرة الباري عز وجل على إخراج الموتى ببعثرة القبور ؟
جوابه
: من وجوه :
أولا
: إنه كلام على مقتضى القانون الطبيعي والأسباب الاعتيادية . فيكون هنا بمنزلة
المجاز . إذ ليس المقصود بعثرة القبور حقيقة بل مجرد إخراج الموتى
.
ثانياً : أنه كلام مبني على الفهم العرفي العام , وإن لم يكن على القانون الطبيعي
.
ثالثاً : إنه مجاز إذا لم نقل بالبعث الجسماني , لانه لا حاجة الى البعثرة يوئذ
.
رابعاً : أنه مجاز من حيث إن أكثر البشر لا قبور لها . بل لا يوجد قبور يومئذ
إطلاقاً .وإنما يراد بها إمكان تواجد بقايا تلك الأجساد
.
سؤال
: لماذا تقدمت الهمزة على الفاء في قوله تعالى : أَفَلا يَعْلَمُ .......... ؟
جوابه
: أنه افصح في اللغة العربية . كقوله تعالى : أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ
إِلَهَهُ هَوَاهُ------ )(الجاثـية: من الآية23) أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ
(الواقعة:63) أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (الواقعة:58)
أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ(الانبياء: من الآية50) ولا فرق في ذلك بين الاثبات
والنفي .
فان
قلت: لمجرد التوضيح: ان الفاء متقدمة في قوله تعالى: فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ
إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ (مريم: من الآية23). فليكن هنا كذلك.
قلت:
ان الهمزة في المقيس عليه أصلية وليست استفهامية.والتقدم للاستفهامية للأصلية.
وهذا رباعي(مزيد فيه) من جاء. ومعناه قُهر على المجيء او حُمل عليه حملا باعتبار
ان المخاض يقهر المرأة ويزعجها
.
سؤال:
عن معنى الفاء في قوله تعالى: أَفَلا
.
جوابه: لها أطروحتان:
الأولى:انها للتفريع لاعطاء النتيجة من قوله : إِنَّ الْأِنْسَانَ لِرَبِّهِ
لَكَنُودٌ وهي نتيجة عقوبة وتهديد, على المشهور
.
الثانية : أنها فاء جواب الشرط متقدمة . كأنها داخلة على قوله تعالى : إن ربك .
أو إن جملة :ألا يعلم , جواب شرط متقدم
.
وهذا
واضح , لو قلنا بضرورة دخول الفاء , ولو باعتبار إنه أفصح , والقرآن يختار الأفصح
.
وأما
إذا لم نقل بضرورتها , وقلنا إن عدمها لا ينافي الفصاحة . أو قلنا إن القرآن أن
يختار بعض ما لا يتفق مع الفصاحة . من باب : مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ
شَيْءٍ (الأنعام: من الآية38) . يعني حتى ما ينافي الفصاحة , إذن يتعين أن تكون
الفاء تفريعية , لظهورها الأولي في ذلك , والشك في كونها شرطية
.
سؤال
: عن زمن العلم في قوله :أفلا يعلم ؟
جوابه
: فيه عدة أطروحات من حيث الزمان
!
الأولى :أنه يعلم بيوم القيامة في حينه . وهذا هو المناسب مع كونه كافراً به الان
,كما عليه المشهور
.
الثانية : إنه يعلم بها الآن لأنه يعلم بيوم القيامة
.
الثالثة : أنه خطاب لفساق المسلمين . يعني : كيف تذنب وأنت تعلم بيوم القيامة
.
وكل
هذه الأطروحات صحيحة , بمعنى من المعاني , لكنهم أجناس يختلفون في ذلك , فالكافر
تنطبق عليه الأطروحة الأولى والمؤمن تنطبق عليه الأطروحة الثانية والفاسق الثالثة
. لان العلم من الأمور المشككة التي قد يحصل التدرج فيها
.
سؤال
: ما المراد بقوله تعالى : وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ ؟
جوابه
: ما في الصدور هي النوايا والارتكازات والذكريات وغير ذلك , ما في باطن النفس
.
والمراد بالتحصيل أما ثبوتي . فما يحصل ثبوتاً هو بروز المرتكزات من القوة الى
الفعل . وذلك عن طريق أسبابها في الدنيا . وأما الإثباتي ,فهو بمعنى العرف عليه
والتذكير به في الآخرة
.
وأما
عن الصدور فهي كوامن النفس ومحتوياتها . وإنما عبر باعتبار تعدد الافراد
المقصودين .
وليس
الآن محل الكلام في التفريق بين لقلب والصدر في القرآن الكريم , بل له فرصة أخرى
إن شاء الله تعالى . وإنما لنا الآن أن نُعِدَّهُما بمعنى واحد , كما هو إحدى
الأطروحات . فيكون المراد بالصدور أحد المعنيين
:
أولاً
: كوامن النفس اللاشعورية
.
ثانياً : ما هو مخزون في الذاكرة
.
فهنا
مستويان من التفكير : المستوى الأول : إن الذاكرة من سنخ العقل , والعقل في الرأس
عرفاً وليس في الصدر . وإنما في الصدر العواطف والكوامن
.
المستوى الثاني : إن الذاكرة مناسبة مع تحصيل الآخرة وحسابها لانه يتذكر ما هو مر
عليه في الدنيا . وفي الحديث (1) :في الدنيا عمل ولا حساب وفي الآخرة حساب ولا
عمل . إذن , فمن الممكن جعل الصدور قرينة متصلة على كون المراد حصول التحصيل في
الدنيا .
فإن
قلت : فإن قوله تعالى : وبُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ .قرينة قطعية على إنه يحصل
في الآخرة . لأن بعثرة القبور تكون يومئذ
.
قلت :
يمكن المناقشة في ذلك بوجوه
:
أولاً
: إن الآية غير واضحة في إن البعثرة والتحصيل يكونان في زمان واحد . وإن كان لا
يبعد ان تكون الإشارة الى السابق قبل للاحق
.
ثانياً : أنه يمكن أن يكون للقبر معان أخرى , فإن حاصله : وجود ما هو مخفي فيه
وهو الميت وظهوره بعد الكمون . وكذلك كوامن النفس لا حركة فيها – كالميت – فتخرج
بالتمحيص . وكذلك الذاكرة فإن المنسي
.....................................
(1)
نهج
البلاغة ج1 , ص 93 , شرح محمد عبده
.
بمنزلة الميت فيظهر بالتذكر
.
وحيث
قلنا إن الأقرب تحصيل ما في الصدور في الدنيا . فبعثرة القبور أيضاً يكون بالمعنى
المناسب لها
.
ومن
الواضح إن البعثرة من قبيل إزالة المانع في طرف العلة , والتحصيل بمنزلة المعلول
. فيكون الأول متقدماً على الثاني . وقوله : يومئذ , يدل إن المراد كلا هذين
المعنيين , لأن يومهما واحد عرفاً
.
سؤال
:أثاره الرازي في هامش العكبري حيث قال (1 ) : كيف قال الله تعالى : إِنَّ
رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ ,. مع إنه أخبر بهم في كل زمان . فما هو
الوجه في تخصيص ذلك اليوم ؟
جوابه
: ما ذكره في جوابه قوله (2) : معناه إن ربهم سبحانه مجازيهم يومئذ عن أعمالهم
.فالعلم مجاز عن المجازات ونظيره قوله تعالى : أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ
اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ . معناه يجازيهم على فيها لن عمله شامل لما في قلوب
كل العباد . ويقرب منه قوله تعالى : يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لا يَخْفَى عَلَى
اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ
.
أقول
: أما السياق سياق المجاز , فنعم . ولكن هذا يتم على أشكال عديدة
:
أولا:
إنه يقال عرفاً : أني أعلم ماذا أفعل , أي في ذلك المورد . فأنه وإن كان يعلم
دائماً ماذا يفعل إلا أنه مادم بصدد حديث معين , فهو يكون قرينة على إن المراد
وجود التخصص بذلك
.
ثانياً : انه يقال عرفاً : أني أعلم ماذا افعل , أي في مقام العقوبة والتنكيل ,
وهذا واضح عرفاً , ومن الممكن حمل الآية عليه
.
ثالثاً : أن يكون بتقدير مضاف أو كلمة بين حرف الجر في قوله : بهم . هو استحقاقهم
من الثواب والعقاب أو بمستواهم من الإيمان أو الكفر . غير ان التقدير خلاف الأصل
ولا يصار اليه إلا مع الانحصار
.
رابعاً : أننا نقدر في المحل المشار اليه معنى : مستواهم , لأن مستواهم عين ذاتهم
ولا يحتاج الى تقدير .فإنه إذا علم بمستواهم علم بهم أنفسهم
.
خامساً : ما قاله الرازي – كما سمعنا – من إن العلم بمعنى المجازات , مجازاً
لفظياً . فتصل اليه النوبة بعد غض النظر عن الوجوه السابق . وهو وجه رديء لأكثر
من مناقشة :
الأولى : إن المستعمل ليس هو لفظ العلم ليكون مجازاً في المجازات بل : الخبير .
ولا ملازمة بين قصد المجازات في الآيات الأخرى وقصدها في هذه الآية لتعدد المادة
. والمعنى لا يكون مجازاً بل اللفظ
.
الثانية : إنه إذا كان خبير إذا كان معاقب , لزم إستعمال ( لهم ) لا ( بهم ) لأن
العقاب يتعدى باللام
.
اللهم
إلا أن يقال : باستعمال الحرف مجازاً أيضاً . فنبتلي بمجازين في حين يكفينا في
التقدير تجوز واحدة . بل لا حاجة الى التقدير , كما قلنا لأنه سبحانه يعلم بهم
أنفسم . وهنا نكتة كلامية يحسن مجرد الإشارة إليها , فإنه وإن كان خبيراً بهم
دائماً , إلا أن المراد هنا هو العلم المتجدد في عالم المحو الإثبات لا العلم
الأزلي .
وهذا
العلم التجدد يحصل بعد تحول ما بالقوة إلى ما بالفعل نتيجة للبلاء والتمحيص و
فيكون علماً معلول التمحيص كما في قوله تعالى : وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ
الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ(آل عمران: من الآية142)
فإذا أصبح صابراً كتب في الصابرين . وإذا أصبح مجاهداً كتب في المجاهدين , وإن
أصبح معانداً كتب في المعاندين . وهكذا , فالعلم ينطبق على ما هو موجود فعلا من
قيود الزمان والمكان . وهو المراد من :يومئذ أو عندئذ . أي إنتاج التمحيص لمعلوله
. فهو سبحانه خبير بمستواهم الذي هو نفس ذواتهم , كما قلنا وهذا كما ينطبق في
الآخرة بنطبق في الدنيا أيضاً
.
تمت
هذه السورة والحمد لله رب العالمين