مِنةُ اَلمنَان في الدفاع عن القرآن

تأليف : السيد الشهيد محمد محمد صادق الصدر(قدس سره الشريف)

الجزء الخامس عشر

من كتاب منة المنان في الدفاع عن القرآن

للسيد الشهيد محمد الصدر( رضوان الله عليه )

 

ســـورة البينة

في تسميتها عدة أطروحات :

أولاً : سورة البينة وهو المشهور .

ثانياً : سورة البريَِّة , كما سماها العكبري (1).

ثالثاً : سورة الذينً كَفرُا , كما في بعض الروايات (2) .

رابعاً : سورة لًمْ يَكُن .بتسميتها باللفظ الأول فيها .

خامساً : السورة التي ذكر فيها الَبرِيَّةُ أو الَبيَّنةُ أو الذَيِن كَفَرُوا .

سادساً : إعطاؤها رقمها من القرآن الكريم وهو :98 .

سؤال : ما هو معنى حرف الجر (من) في قوله تعالى :  مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ  ؟

جوابه : يحتمل أمرين :

الأمر الأول :أن تكون تبعيضية , وهو اختيار الميزان (3) .ويكون المعنى : بعضهم من أهل الكتاب وبعضهم من المشركين .

الأمر الثاني : أن تكون بيانية . فيكون المعنى : الكفار الذين  هم أهل الكتاب والمشركون .

وحسب الفهم الآتي , فإن المراد من الآية :إن الكفار والمشركين سوف لن يتغيروا ولن يتوبوا حتى تأتيهم البينة . ولن ينفكوا عن دينهم  إلا بإقامة الحجة كما سيأتي .وعلى هذا ,فإنه يترجح كون " من " للتبيين لا للتبعيض- كما رجح الميزان – لأن  المراد جنس الكفار لا بعضهم .

سؤال :إن أهل الكتاب اخذوا  في الآية في مقابل المشركين , مما يظهر  إنهم ليسوا  بمشركين : مع أننا نعلم انهم مشركون . فكيف صح ذلك  ؟

          جوابه : من وجهين :

الوجه الأول : إنه عطف العام على الخاص , حيث اقتضت المصلحة ذكر أهل الكتاب لكي يلتفوا ,ولكي يحصل جدل بينهم . ومعه لا يتعين من التعبير إن لا يكون أهل الكتاب من المشركين .

الوجه الثاني : إنه يمكن القول انهم ليسوا بمشركين , فإن كان ظهور الآية بذلك , فهو ليس أمراً مستنكراً . وتقريب ذلك من وجوه :

أولاً : انهم باعتبار دينهم الأصلي ليسوا بمشركين جزماً .

ثانياً : إننا نعدهم غير مشركين إحتراماً لأنبيائهم كما قربنا ذلك في ما وراء الفقه (4).

ثالثاً : إنهم عملياً ليسوا بمشركين بل موحدين .اما اليهود فإنهم وإن كانوا يملون الى التجسيم إلا إن التجسيم لا يتنافى مع التوحيد . وأما النصارى فلانهم وإن أمنوا بالثالوث المقدس إلا أنهم يعتبرون الأهم في الثلاثة هو الأب فهو الخالق حقيقة , والباقي مخلوقين . فعاد الأمر الى نحو من انحاء التوحيد .

رابعاً : إن المشركين أسم لعبدة الأصنام خاصة , أما مطلقاً أو من كان منهم في الجزيرة العربية لأن المعهود يومئذ هذان القسمان , فكان مقتضى قاعدة " كلم الناس على قدر عقولهم " هو الإشارة اليه . وإن يمكن التجريد عن الخصوصية من كل تل تلك النواحي .

خامساً : ما ذكره القاضي عبد الجبار قائلاً ( 5 ) : أنه في أصل اللغة المشرك هو الكافر المخصوص الذي

........................................

(1)  ج2 , ص156 .

(2)  انظر الوسائل ج4. ص 892  عن ثواب الأعمال .

(3)  ج20 , ص336 .

(4)  ج1 , ق1 , ص188 .

(5)  تنزيه القرآن عن المطاعن , ص472 .

يتخذ مع الله شريكاً لكن من جهة عرف الشرع أطلق ذلك على كل كافر كما عقل من قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ . ومن قوله :  فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ .فلا يمتنع ان يفضل بينهما في بعض المواضع فهذا كما يقال مثله  في المسكين والفقير .

اقول : إلا إن هذا الوجه بمجرده واضح الدفع , لانه لا يحتمل إن يكون بين الفقير والمسكين إلا نسبة التساوي أو التباين في حين إن الآية تجعل النسبة بين الكفار والمشركين العموم المطلق .

سؤال : إن قوله تعالى : الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ , دال على ان بعض الكفار يشركون لا جميعهم . في حين أننا ينبغي أن نعرف عن جميعهم مشركون . فكيف الحال من في ذلك  ؟

           جوابه من وجهين :

الوجه الأول : إن " من " ليست للتبعيض كما سبق . وإنما هي بيانية . ويكون المراد من السياق : التفصيل بعد الإجمال .

الوجه الثاني : إن الأمر يدور بين أن يكون ما قبل " من "  مقسماً  , الى ما بعد , كما هو المفهوم عادة ,وبين ان يكون ما بعدها مقسماً الى ما قبله . فلا يتعين المعنى المشهور الذي ابتنى عليه السؤال .

سؤال : ما المراد من قوله :منفكين  ؟

قال الراغب (1) : الفك التفريج , وفك الرهن تخليصه . وفك الرقبة عتقها .أقول :وكله بمعنى الفك والانفصال أما مادياً او معنوياً .

قال : وقوله : فك رقبة هو عتق المملوك . وقيل : بل هو عتق الأنسان نفسه من عذاب الله . وأضاف : والفك أنفراج المنكب عن مفصله ضعفاً . والفكان ملتقى الشدقين . أقول : بل هما نفس الشدقين , ألا لما صحت تثنيته , لأنه واحد لا يزيد .وإنما عبر عنه بالفك , لحصول الانفكاك والانفصال فيه بينهما .

والانفكاك يحتاج الى طرفين :منفك ومنفك عنه .وأحد الطرفين موجود في الآية وهو الفاعل في قوله منفكين . وأما الطرف الأخر فمحذوف .ومن هنا تحير المفسرون فيه .وهو يكون على وجوه :

الأول : ما فهمه الراغب (2) , وهو المشهور , من عن المراد أنهم منفكين عن بعضهم البعض .يعني إن المنفك هو عين المنفك عنه سنخاً وإن أختلف عنه فرداً .(  حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَة ُ).فإن أتت البينة أصبحوا مسلمين .

الثاني : ما فهمه صاحب الميزان (3) , من عدم انفكاك وأنفصال.الهداية عنهم . كأن السنة الالهية قد أخذتهم ولم تكن تتركهم حتى تاتيهم البينة . ولما اتتهم تركتهم وشأنهم.

  

                    وهذا غريب لوجوه :

1-    أن فاعل الانفكاك في الآية هم الكفار والمشركون وليس الهداية كما قال .

     .  ويمكن أن يجاب عليه  :إن الانفكاك بما إنه حاصل من طرفين  , فعدم أنفكاك أحدهما ملازم لعدم أنفكاك    .      الأخر . وهو كما ترى .

2-    لا وجود لذكر الهداية قبل ذكر البينة .

3-    مع التنزل , كيف تنفك عنه الهداية بعد البينة , لا هي هي .

الثالث : انهم منفكون عن صفتهم صفتهم المذكورة نفسها وهي الفر والشرك . وأنهم من أهل الكتاب , الى الهداية والإسلام . فلا يكون ذلك الا بالبينة .

    ولعل هذا هو واضح المحتملات , ولا يحتاج الى تأويل , كما ذكر في الميزان . لان الاعتماد في هذا الوجه .  على العناوين التفصيلية المكورة نفسها .

الرابع : يوجد في الآية ذكر لصفتين من الناس , كلاهما متعاضدان ضد الحق والإسلام . كانوا على ذلك ولا زالوا عليه هما أهل الكتاب والمشركون . فهذا التعاضد المنصوص لا ينفك ولا يتبدل حتى تأتيهم البينة .

 

...........................

 

(1)  المفردات مادة ." فك " .

(2)  المفردات مادة "فك"

(3)  ج20 . ص337 .

 

إعراب هذه الآيات :

قال العكبري (1) : والمشركون هو معطوف على أهل . ومنفكين خبر كان . و( من أهل ) حال من الفاعل في كفروا .

أقول :- للتوضيح – فان قلت : هذا تفصيل بعد الأجمال . ويكون المعنى إن الكفار متصفون بصفتين : كونهم مشركين وأهل الكتاب . والتفصيل بعد الأجمال لا يناسب معنى الحال الذي ذكره العكبري .

قلت : هذا وإن كان صحيحاً , إلا إنه لا ينافي معنى الحال , لان المراد كون حالهم كذلك .وأضاف العكبري 0

(2) : رَسَولّ هو بدل من الْبَيِّنَة ,أو خبر مبتدأ محذوف .

   أقول : حسب فهمي :إن الأفضل هو معنى البدلية . لآن الخبرية تستلزم التقدير .وهو خلاف السياق , وهو خلاف السياق , وكذلك إن الضمير لا يعود الى مرجع محدد في العبارة عندئذ .

فإن قلت : كيف يكون المذكور : رّسَولٌ , بدلاً من المؤنث : الْبَيِّنَة ؟

قلت : أولاً : إنه إبدال مجازي , وليس حقيقاً , لعدم صحة حمله عليه حقيقية . بل هو من أسبابه . لإقامة الحجة عليهم بالرسول . فناسب نسبة المعلول مع اسقاط لحاظ التانيث .

ثانياً : إن التأنيث في البينة لفظي .والتأنيث المجازي بمنزلة المذكر .

وأضاف العكبري (2) : مِنَ اللهِ, يجوزان يكون صفة . أقول :إنه موصوف بأنه من الله .

قال : أو متعلقا به . أقول : لأن رسول مشتق قابل لتعلق الجار والمجرور به .

قال : ويَتْلُو حال من الضمير في الجار والمجرور معاً ليس ضمير أيضاً . وكذلك متعلق الجار والمجرور وهو رسول . فأين وجد هذا الضمير ؟

قال: أو صفة لرسول .ويجوز أن يكون من الله  حالا من صحف أي يتلو صحفاً مطهرة منزلة من الله .أقول : صحف من الله . رسول من الله يتلو من الله . كله محتمل عقلا . إلا إن تعلقه بيتلوا لا يخلو من إشكال لانه متأخر لفظاً عن الجار والمجرور . وإنما يتعلق الجار والمجرور بما هو متقدم .

قال : فيها كتبٌ , الجملة نعت لصحف .

وقال الرازي في هامش العكبري (3) : المراد بالرسول هنا محمد (ص) بلا خلاف .فكيف قال تعالى : يَتْلُو صُحُفاً وظاهره يدل على قراءة المكتوب من الكتاب . وهو منتفٍ في حقه (ص) لأنه كان أمياً . ( قلنا ) المراد يتلو ما في الصحف عن ظهر قلب , لأنه هو المنقول عنه بتواتر .

أقول : بناء عليه يكون الإسناد أسناداً مجازياً . لان التلاوة  تكون بالمباشرة من المصحف , وهذا يكون قبل كتابة القرآن في الصحف  , أو المراد  بها التشريع أو الهداية لاصول الدين . فاذا كان كذلك  كانت التلاوة مجازاً أو هي تلاوة بالمقدار المناسب لها , أي الأعراب والافصاح عنها . وقد كان رسول الله (ص) كذلك .

وقال الرازي أيضاً (4) : فان قيل : ما الفرق بين الصحف والكتب , حتى قال :صحفاً مطهرة فيها كتب , قلنا :الصحف القراطيس , وقوله تعالى :مطهرة أي من الشرك والباطل .وقوله تعالى : فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ , أي مكتوبة ناطقة بالعدل والحق و يعني الآيات والحكام .

          أقول : الكتب يعني : الكتابات أو الكتاب نفسها  , كما ورد عنه (ص) : تعلم كتاب يهود . وكتاب مذكر كتابة , وهي تكون في القراطيس والصحف . وحملها على المعنوي أوضح  من السياق , لان القراطيس لا تكون مطهرة من الشرك والباطل . لانها كالسالبة بانتفاء الموضوع . والكتب قيمة أي مستقيمة بالعدل , كما قال بمضامينها ومعناها .  فالمراد هو المعنى عموماً .

    وعلى أي حال , فالتلاوة تكون بمقدار يناسب الصحف , فإن كانت القراطيس حقيقة فالتلاوة حقيقية , وإن كانت مجازية , فالتلاوة مجازية , كما هنا كذلك .

          فإن قلت  : فإنه في عالم المعنى  لا يبقى فرق بين الصحف والكتابة .

قلت جوابه من عدة وجوه .

......................................

 

(1)  الصدر والصفحة .

(2)  المصدر والصفحة .

(3)  ج20 , ص145 .

(4)  المصدر والصفحة .

أولاً : أن نقبل أنهما بمعنى واحد  . ويكون قوله : يتلو راجحاً الى كلا اللفظين . وقد وصف المجموع بكلا الوصفين : مطهرة  وقيمة . والتفريق بينهما أدبي لأجل تحسين السياق .

فإن تنزلنا عن هذا الوجه صرنا الى الوجوه التالية التي تلحظ الاختلاف في المعنى .

ثانياً : إن الصحف ناظرة الى مجموع ما يفيد البشر من الأمور المعنوية . والكتب ناظرة الى الاقسام والحصص , كأصول الدين وفروعه .

ثالثاً : إن الصحف ناظرة الى تعدد العوالم , وكل عالم منها ذو نظام كوني مستقل . والكتب ناظرة الى تفاصيل العالم الواحد منها .

رابعاً : إن الصحف ناظرة الى اللوح المحفوظ , حيث يكتب فيه القلم الأعلى . والكتب ناظرة الى تفاصيله .

فإن قلت : ولكن الصحف جمع واللوح مفرد .

قلت : إن اللوح المحفوظ وإن كان واحداً , إلا إنه يمكن لحاظه  متعدداً بالتحليل . وذلك باعتبار الجوانب التفصيلة فيه . أي التقسيم المكاني والزماني . وغيره .فأن لكل واحد منها لوحه الخاص به وكتابته الخاصة به . وبهذا اللحاظ يكون متعدداً .

فأن قلت  : فما معنى التلاوة في اللوح المحفوظ  ؟

قلت : إن قصد به القضاء والقدر , فيراد به التلاوة :التلاوة التكوينية لا القراءة بالمعنى العرفي , بل إنجاز الأمور تدريجياً وتطبيقاً مهما طال الزمن .والرسول (ص) كذلك يتلوه ويطبقه .

وإن قصد به التشريع فالتلاوة هي الأمر والنهي , أي إنشغال الذمم بالتكاليف .وتبلغه (ص) الناس بذلك . سواء كان ذلك من قبيل التلاوة  على ورقة أو من القرآن أو أي شيء أخر .

إن قلت : هذا لا ربط له بأهل الكتاب والمشركين .مع إن الآيات تذكرهم .

قلت : جوابه من عدة وجوه :

أولا : إن أوصاف النبي (ص) لا ضرورة إلى أرتباطها  بذلك السياق . وأنما هي أوصاف مستقلة لتعريف فضله وعلو شأنه .

ثانياً : إنها هداية لهم ولغيرهم .

ثالثاً : إن هداية وحصة تكوين . لأن من جملة الأمور التكوينية  وجود الرسالة المحمدية .

رابعاً : أن نعترف بالانفصال بتقدير  : هو رسول  .والارتباط كاف في السياق بمضمونين : إنهم سيكونون منفكين بفعل الرسول  (ص) .

والقوامة  على الأول  تشريعية وعلى الثاني تكوينية , وهي إنما هي ثابتة للرسول (ص) وليست للكتابة ولا للصحف بعنوانها  الاستقلالي .

سؤال : عن معنى الكتب في قوله تعالى : فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ  .

جوابه : إننا أخذنا بالمعنى المتعارف  فإنه يشمل الكتب السماوية الحقة كلها . ويؤيده ما قلناه من ان البينة  الثانية غنما هي بنحو ذلك .

إلا إنه مع ذلك لا يتم :لأن ظاهر الآية :ان الكتب في الصحف , لا في أن الصحف في الكتب .فإذا حملنا الكتب والصحف على المعنى المتعارف , كانت الصحف في الكتب  دون  العكس ,فيتعين بالسياق أن يراد بها الكتابة , كما سبق أن قلنا .

قال في الميزان (1) :وللقوم أختلاف عجيب في تفسير الآية  ومعاني مفرداتها , حتى قال بعضهم – على ما نقل - : إن الآية أصعب الآيات نظاماً وتفسيراً والذي أوردنا من المعنى هو الذي يلائم سياقها , من غير تناقض بين الآيات وتدافع بين الجمل والمفردات .

          أقول : لا توجد أي آية في القرآن الكريم لا يمكن التوصل الى معناها ,باستثناء الحروف المقطعة  . وذلك لعدة أسباب مفهومة , أهمها  إن القرآن إنما أُنزل إلى الناس لهدايتهم , ولا تحصل الهداية بغير التفهم .

وعلى أي حال , فإنه لايوجد كلام غير مفهوم , بل لا معنى لذلك البتة , ولكن الخطاب  إنما يوجد بمقدار فهم المُخاطب  , والله تعالى يعلم مقدار فهمه . وإذا عرضنا – كما سبق – عدة أطروحات للفهم , كفى أن تصح واحدة منها لفهم المعنى ,أياً كانت منها . وإنما هولاء قوم قاصرون  وقد أضافوا  صفتهم  الى غيرهم  .. الى كاب الله سبحانه .

سؤال : عن معنى القيمة في قوله تعالى : فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ  .

جوابه : فيها عدة أحتمالات أو أطروحات :

أولاً : غلاء الثمن  . يعني ثمن الكتب .

ثانياً علو المعنى  والأهمية .

ثالثاً : القيمومة . كما قال الله تعالى : (دِيناً قِيَماً)(الأنعام: من الآية161) أي قيماً  وقال : (وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ)(البينة: من الآية5) أي الدين القيم أو دين الجماعة القيمة  , كما سياتي . فيكون المضمون  والقانون  المسجل  في الكتب  هو القيم  على البشر  تكويناً أو تشريعاً .

سؤال : حول قوله تعالى : (َمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ) . من حيث إن السياق واضح بان السياق بان البينة هي السبب للتفريق . فكيف أصبحت كذلك  , مع أنها  ينبغي أن تكون سبباً لاجتماع الآراء  ؟

جوابه : إن " تفرق " فيها عدة أطروحات :

أولا: أن نفهم  الايةالثانية  على ضوء الأولى .فيكون بمعنى أنفك السابقة . فيكون  المعنى  هنا انهم أنفكوا عن دينهم  بالهداية  , سواء كانت هداية الأنبياء  السابقين أو الهداية الإسلامية .

إذ يحتمل في البينة هنا أمران :

الأمر الول :ان يكون المراد بها بينة الإسلام  . أي بعثة النبي (ص) فيكون المعنى إنهم تركوا اليهودية والنصرانية , فتفرقوا عن أمثالهم السابقين .

 الأمر الثاني : ان نفهم  منها  مطلق البينة  . يعني أية بينة تأتيهم  , سواء كان موسى (ع) أو عيسى (ع) أو سليمان (ع) , أو محمد (ص) .

 وجوابه : أعني هذا الاحتمال الأول : إن الظاهر  من السياق  هو أختلاف مورد الاحتمال  منفياً بظاهر السياق.

ثانياً : ما ذكره الرازي في هامش العكبري (1) ,من إنهم متفقين على نبوة نبينا قبل بعثته . ثم تفرقوا بعدها  ,فمنهم من آمن ومنهم من كفر والمراد بالبينة عندئذ الإسلام .

وجوابه : إن ظاهر الآية  تفرقهم  بما هم أهل الكتاب , لا بعد الإيمان . مضافاً الى إن الانفكاك منفي  لا مثبت . فتأمل .

ثالثاً : تفرق أهل الكتاب  في البلدان  لغرض الهداية  للبينة , والمراد  بها هنا دينهم حينما كان حقاً . فهم يحملون هذه البينة الى الناس بهدايتهم الى دينهم .

وجوابه : إن الظاهر تفرقهم بالر أي في الدين والمذهب , لا بالجسم , كما هو مقتضى هذا الاحتمال .

رابعاً :تفرقهم  فيما بينهم بالآراء والمذاهب , بحيث أصبحوا يكفر بعضهم بعضاً . وأنقسموا الى : كاثوليك أرثودكس ,وسريان وآثور وأرمن وغير ذلك . ومنهم من لا يعترف

......................

ج2,ص154.

بالبوية . ومنهم من لا يعترف ببعض أجزاء الكتاب , أعني التوراة والنجيل  المتعارفة بينما يؤمن الآخرون بها جميعاً .

وهذا الاختلاف لم يحصل الا بعد البينة .ويراد بها هنا بعثة انبيائهم .

وهذا المعنى موجود في عدد من أي الكتاب الكريم , كقوله تعالى : ( وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ)(آل عمران: من الآية19) . أو قوله سبحانه : (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ )(البقرة: من الآية213) .

لان هناك نحو ملازمة بين الهداية وحصول الأختلاف عملياً .

فأن قلت : كيف يكون أنزال الكتاب وتبليغ العلم سبباً للتفرق .

جوابه : أنه يقول في الآية :بغياً بينهم . فلا يكون العلم بمجرده سبباً للتفرق والأختلاف , وإنما مع أنضمامه الى المكر وهو البغي . أو قل : أن عندهم أخرةً مع دنيا , فاطماع الدنيا هي التي توجب البغي .

فإن قلت : إن الله تعالى يستطيع أن ينزل عليهم مقداراً من العلم بما يمنعهم من التفرق والاختلاف. فلماذا لم ينزل علماً غزيراً ( فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ)(الشعراء: من الآية4).؟

قلت : إن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها , ولا يكرههم على الأيمان . كما قال سبحانه : (لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ )(البقرة: من الآية256) .وإنما ينزل عليهم من العلم , بمقدار يتصف بصفتين عليا ودنيا :

الصفة العليا : كونه قابلا للهدايه  , إقتضاءاً لا علية .

والصفة الدنيا : ان يكون بمقدار أستحقاقهم وتحملهم وأحتياجهم , لا أكثر من ذلك .

فهو علم محدود بالرغم من تكامله , لا يمنع تكويناً من أستعمال النزوات والشهوات , لمن يريدها , فمن حده ذاك يتصرف أهل البغي والمنافقون .

خامساً : من أحتمالات التفرق :إنشعاب أهل الكتاب الى جماعات دنيوية مضافاً الى الجماعات الدينية , من حيث انقسامهم اقتصادياً وأجتماعياً, أو دولياً أو أيديولوجياً وغير ذلك وهذا . مما حصل فعلاً , وعلى نطاق واسع .

قال في الميزان (1) : كانت الآية الأولى : لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ..... الخ تشير الى كفرهم بالنبي (ص) ....وهذه الآية تسير الى أختلاف السابق على الـدَ ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟......ومجيء البينة لهم هو البيان النبوي الذي تبين لهم في كتابهم واوضحه لهم أنبياء ؟؟؟؟؟؟؟؟  .

أقول وهو كما ترى , إذا كان المراد بالبيان النبوي هو خصوص الإسلام , كما هو المنساق من عبارته . وإنما البينة  والعلم  هو تعاليم انبيائهم خاصة  . نعم  يمكن الحمل على المعاني المشتركة بين كل الآنبياء .

ننقل فيه لفظ الطباطائي حيث قال في الميزان ( 2): ما باله تعرض لاختلاف أهل الكتاب  وفرقهم في مذهبهم . ولم يتعرض الى تفرق المشركين وأعرض عن دين التوحيد , وإنكارهم لرسالة .

وجوابه : من أكثر من وجه :

أولاً : ما أجاب به في الميزان (3) : من إنه لا يبعد أن تكون الآية شاملة للمشركين , كما هي شاملة لهل الكتاب , يعني بالإطلاق .

أقول : وهذا غير محتمل لن الآية  مقيدة  بالذين أتوا الكتاب لفظاً.والمشركون ليسوا مصداقاً منهم . إلا أن يراد الأمة  المدعوة  لهم لا خصوص المة  المؤمنة منهم . وهو غير  مقصود للمؤلف  جزماً .

  مضافاً : الى عن عالمية الدعوة عندئذكانت أقتضائية ولم تكن فعلية . والجزيرة العربية ( وهي المحل الرئيس للمشركين يومئذ ) لم تكن معهودة بالدعوة المسيحية , في حياة المسيح ونحو ذلك .

   مضافاً : الى ان المشركين ما جاءتهم البينة ولا العلم  فاننا إذا فسرناها بالاديان  السابقة  , فهولاء ليس لهم دين  سابق .

ثانياً : من أجوبة السؤال : إن المشركين غير مهمين في نظر القرآن , في هذه المرحلة من التفكير ,بإزاء الكفار الكتابيين , لوجود الأنبياء لديهم

ثالثاً :إن المشركين لم يختلفوا لعدم حصول البينة لديهم .فمن هذه الناحية أصبحوا أفضل من أهل الكتاب .وليس المراد من البينة الرسالة المحمدية , ليكون وصفاً مشتركاً بين الفريقين .

إن قلت : ولكن المشركين أختلفوا أيضاً في أديانهم الى أقسام كثيرة .كالبوذية والهندوسية  والبراهمة والسيك والمعطلة وغيرهم .

قلت : هذا له أحد جوابين :

الجواب الأول : إنه لوحظ الكفر والشرك ملة واحدة  .فلم يختلفوا في عنوانه .

 ولكن قد يقال فيه :إن المسيحيين قد أختلفوا في دينهم ,فلم يلحظهم الآن ملة واحدة . مع أنهم كذلك بالعنوان  العام .

وجوابه : يمكن أن يكون الاختلاف المشار اليه ,هو الاختلاق بين أديانهم الرئيسة . كما هو بين الهيودية والمسيحية .

الجواب الثاني : ان الاختلاف بين المشركين , وان حصل , ولكنه لم يصل الى القتال الديني , وانما اختلفوا وقاتلوا في امور دينية محضة , ولم يسجل التاريخ أنهم تقاتلوا في الدين . في حين ان المسلمين والمسيحيين واليهود  تقاتلوا في دينهم . وهو مراد القرآن الكريم هنا .

رابعا: من الاجوبة على السؤال الرئيسي هنا :ان المشركين لوحظوا مشركي الجزيرة العربية .وهم لم يختلفوا عقائدياً , من ناحية اتفاقهم على عبادة الأصنام , وأهل الكتاب معروفون عند المجتمع وهو مختلفون  .

فإن قلت : فان وحدة السياق تعين الاسلام , في معنى البينة , لان المراد منها اولاً هو ذلك .بنص الآية , فذلك المراد من الثاني . فرجع اشكال الميزان

قلت : جوابه لاكثر من وجه :

.....................

(1)  ج20 , ص 338 .

(2)  المصدر والصفحة .          

(3)  المصدر والصفحة .      ملاحظة : علامة (؟؟؟؟؟؟؟؟) هي كلمات غير مقرؤة )

اولا : امكان الطعن بالمعنى الأول : إذ لا يتعين أن يكون المراد به هو بالإسلام .بل هو العلم الحق , من أي مصدر كان .

ثانيا: نفي وحدة السياق بينهما ,للفصل الكبير بين الآيتين , ويؤيده إن الآلف واللام في كلا لفظي البينة جنسية , وفي حين لو علمنا بوحدة السياق تعين كونها عهدية .

ولعل الآيتين لم تنزل سوية , فلم نحرز وحدة السياق فيكون التمسك بها في المورد ,, من باب التمسك بالعام في الشبهه المصداقية .

ثالثاً إنه ملازم بين القصدين , كما هو ظاهر , وإن كان مظنوناً بظن غير معتبر . ولا دليل عليه إلا أجماع المفسرين ,والأجماع في غير الشريعة ليس بحجة .

إذن ,فالمراد الإطلاق من كلا الجهتين لأن كلا من عيسى وموسى ومحمد صلوات الله عليهم هم : رسول من الله يتلوا صحفاً مطهرة فيها كتب قيمة .فكلا البنتيين يراد بها نفس المعنى , وهو الأعم من كل الهداة .

سؤال : حول قوله تعالى : وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ . من حيث أن امروا , مبني للمجهول . والفاعل الحقيقي له هو الله تعالى :لكن هذا بلسان من  ؟ هو بلسان نبي بلا شك , ولكن من هو ؟

جوابه فيه أطروحتان :

الأولى : الأطروحة المشهورة ,وهي الإسلام . كما حمل السياق السابق على الإسلام . ويكون المراد : إن الأوامر والتعاليم الاسلامية لا تختلف كثيراً عما عهدوه في أديانهم من المفاهيم والتعاليم . وهذا ترغيبي للدخول في الإسلام  , لأنهم سيبقون إذا أسلموا , على عاداتهم , لا تتغير حياتهم كثيراً , لكي يخشوا هذا التغير والاختلاف .وهذا معنى جيد للعوام .

الثانية : بلسان النياء جميعاً . فيكون أشارة الى الدعوة النبوية العامة للأنبياء , والمراد إن دعوة الاسلام وفروعه عين دعوة انبياهم الواقعية . يعني : وما امرهم الله  دائما إلا بذلك .

سؤال : عن معنى مخلصين , في قوله تعالى :مخلصين له الدين حنفاء .

جوابه : قال الراغب في المفردات (2 ) الخالص كالصافي , إلا أن الخالص هو ما زال عنه شوبه بعد أن كان فيه والصافي قد يقال لما لا شوب فيه . أقول : يعني : الأعم

وقال: وقوله تعالى :خلصوا نجيا : أي أنفردوا خالصين عن غيرهم . وقوله تعالى :وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُون - انَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ .فا خلاص المسلمين إنهم قد يتبرأوا مما يدعيه اليهود من التشبيه والنصارى من التثليث . قال تعالى :  مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ …. فحقيقة الإخلاص التبري من كل ما دون الله تعالى .

   أقول : والملاحظ ورده في القرآن  مكسوراً ومفتوحاً : مخلِصين ومخلَصين . وفي محل الكلام مكسور , وورد  بالفتح في بعض القراءات (3  ).

والفرق بينهما : إنه بالكسر يكون أسم فاعل وبالفتح يكون اسم مفعول . فإن كان هو سبب أخلاص نفسه , فهو مخلص بالكسر , وأما المخلص بالفتح , فالملاحظ فيه أنه جعل فيه الاخلاص كما في قوله تعالى :كُفِرْ (2)  أي جعل فيه الكفر  . والجاعل أحد امرين :

أولاً: بلحاظ الأسباب :أي أن الله تعالى اخلص , كما في المقربين أي قربهم الله تعالى .

ومادة خلص أما ثلاثية , خلص واما رباعية (مزيدة ) :أخلص . والثلاثي لازم لا يتعدى الى مفعول . بخلاف الرباعي فانه متعدي . وقد يستعمل لازماً . كما تقول :أخلصت لله . أي أصبحت مخلصاً .

   ونقول بنحو الأطروحة : إن الرباعي متعد دائماً ولا يكون لازماً . وهذا ينتج إذا  لوحظ الفعل  لازماً كان من الثلاثي وأسم فاعله : مخلص بالكسر .فإذا لاحظنا جانب الفاعل قلناه بالكسر , وإذا لاحظنا جانب المفعول قلناه بالفتح .

 فيكون معنى : مخلص لك بالكسر , أي أنه جاعل فيك الاخلاص . كما لو سلك سلوكاً بحيث جعلك توده وتخلص له .فهو مخلص لك أي مخلّصك من الشوب  الذي كان موجوداً كان موجوداً عندك ثم تجاهه . ثم نقل بشكل مجازي . فبدلا ً من أن يكون لقباً للفاعل اصبح للمفعول به .

إن , فمعنى الاخلاص , إنما هو بالفتح دائماً , لان الملحوظ فيه جانب المفعول . وأما بالكسر صفة للمتصف بالاخلاص كما أصبح لازماً . مع انه في أصل  اللغة ينبغي أن يكون متعدياً . وهما  ليسا متردادفين  طبعاً . لان أحدهما أسم فاعل والأخر أسم مفعول . فيتحصل سؤال : إنه ما الفرق بينهما ؟

.........................

(1)  المفردات, مادة " خلص "                         (2) معجم القراءات القرآنية , ج8, ص 207 .

(2)  قال تعالى ((تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ) (القمر:14)

جوابه في ذلك عدة أطروحات :

الأولى : أن نقول : انه لا فرق بينهما , وغنما هما لغتان  لمعنى واحد .

الثانية : إن مخلص بالكسر لوحظ فيه التسبيب للإنسان , كما سبق . وبالفتح لوحظ أسناد السبب الى الله سبحانه.

الثالثة : أن المخلص بالكسر أقل درجة من الأخر  . باعتبار إن الفرد قد يشعر هو الذي يتكامل أو يجعل نفسه يتصف بالزهد والعبادة .فإن كان صادقاً في نيته فهو مخلص بالكسر  . وإن كان يشعر إن طاعته غنما هي بتوفيق الله سبحانه وفضله  , فهو مخلص بالفتح .والأول أقل درجة بطبيعة الحال , من الثاني .

إن قلت : أنه بناء على ذلك يحصل تنافٍ في الآية الكريمة :مخلصين له الدين , وذلك دين القيمة , بناء على تفسير المشهور . أي الجماعة القيمة . وهم القيمون على الدين وهم المعصومون عليهم السلام . فيحصل التنافي. لاننا عرفنا أن المخلصين بالكسر  تعبير عن المتدنين نسبياً ً . والقيمة تعبير عن العالمين . مع ان ظهور السياق القرآني هو كون المراد منها واحداً , فكيف نجمع بينهما  ؟

قلت يكون ذلك من عدة وجوه :

أولاً : يمكن التنزل عن تأويل الجماعة القيمة  الى الأمة القيمة , وهم سائر المسلمين , وهم مخلصين  بالكسر غالباً . فناسب صدر الآية ذيلها . وسقوط الأشكال .

ثانياً : إن الآية الكريمة ليس فيها مفهوم مخالفة نافٍ للزائد .

ونحتاج هن الى مقدمة وحاصلها : إن النسبة بين مخلص بالكسر ومخلص بالفتح هو العموم المطلق , وليس التباين ولا التساوي . فكل مخلص  بالفتح هو مخلص بالكسر , ولا عكس .

فالجماعة القيمة وهم المعصومون عليهم السلام , مخلصين بالكسر وهم أولى من غيرهم أن يكونوا كذلك,والآية لاحظت حالهم بالكسر ولم تلحظه بالفتح . ولا يجب ذكر الصفة الأفضل .

ثالثاً : أنه تعالى :يقول : وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ .فالجماعة القيمة  آمره والكفار  والمشركين وأهل الكتاب هم المأمورون .فمتعلق الآية  هو المر لمن هو أدنى  لكي يكونوا مخلصين بالكسرواما مخلصين بالفتح , فلا يتعلق به الأمر , لأنه من فعل الله لا من فعل العبد .

رابعاً : إن السياق يختلف بقوله تعالى : وذلك الدين القيمة كأنه بدأ سياق ثانٍ , فلا يتعين أن يكون مخلصين بالكسر وصفاً للقيمة , بل يمكن أن يكونوا مخلصين بالفتح .

فإن قلت : فإنه في متن العبارة يقول : وذلك .وهو أشارة الى أمور منها المخلصون بالكسر , المذكورون بالآية.

قلت: نعم إلاّ إن الظاهر إن الدين القيم هنا يراد به الدين الذي يدعوا له القيمة لا الدين الذي يستلزمونه بينهم  وبين الله . فإن ذاك مستوى أعلى من هذا .

سؤال : عن معنى قوله تعالى حنفاء   ؟ .

قال : الراغب في المفردات : الحنف( بفتحتين ) (1) هو ميل ( والافضل أن يقول هو الميل ) عن عن الضلال الى الاستقامة ( أي الهداية والعدل ). والجنف ميل عن الاستقامة الى الضلال ,والحنيف ( صفة مشبهة ) هو المائل الى ذلك .قال عز وجل :  قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً .... وقال : حَنِيفاً مُسلْماً .وجمعه حنفاء ( أي مجموعة من الناس كمل واحد منهم متصف بالحنف) قال عز وجل :  وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ.حُنَفَاءَ لِلَّهِ . وتحنف فلان أي تحرى طريق الاستقامة ( أي أهتدى ) . وسمّت العرب كل من حج واختتن حنيفاً . تنبيها على إنه على دين إبراهيم  على نبينا وعليه الصلاة والسلام .

والحنف ( بمعنى كلي ) من في رجله ميل . قيل سمي بذلك على التفاؤل .( يعني من تسمية الضد بأسم ضده , كما سميت الجميلة :قبيحة والقصيدة العصماء :البتراء . وكما قال الشاعر :

مضل الناس قد سميت هادي       كما قد سمي الأعمى بصيراً.......) 

 وقيل بل أستعمل لميل المجرد

اقول هنا عدة مستويات :

الأول : عن النبي (ص) ومن كاان قبله من الأنبياء والصالحين  , على دين إبراهيم عليه السلام .

الثاني : أن النبي (ص) والأئمة من ولده هم من أصلاب طاهرة وأرحام مطهرة كما ورد (2) فكيف ذلك  , وأباؤهم مشركون ؟

........................................

(1)  انظر المفردات مادة " حنف "  وما كان بين قوسين فهو من أيضاحاتنا .

(2)  أنظر مفاتيح الجنان ,ص 429 .

 

وجوابه : إنهم كانوا متدينين بدين الله في زمن الجاهلية  , وهو دين الحنيفية . كما روي عن عبد المطلب وأبي طالب وغيرهما , إنهم كانوا يقرأون كتب الأنبياء السابقين .

 الثالث :إن الجزء الرئيسي – حسب فهمي – من دين الحنيفية , هو ما نسميه بأصول الدين لا فروعه , والجزء الرئيسي من أصول الدين هو التوحيد . مع الغفلة عن الأربعة  الأخرى منها في ذلك الحين  أو عن غالبيتها .

وأما فروع الدين , فلم تكن ملغاة بالمرة , نعم لم تكن هناك أمور محددة , وإنما كان هناك نواة . كلا تزن لا تسرق لا تكذب  لا تشرب الخمر . وأمثال ذلك . وقد كان الحنفاء ملتزمين بهذه المور  مضافاً الى تركهم السجود للأصنام .

فإن قلت : كيف تكون الحنيفية مقبولة منهم , وقد كان الدين الحق يومئذ هو دين المسيح عليه السلام  ؟

قلنا : نعم , ولكن هناك عدة موانع من الالتزام بذلك  ,   منها :

1-  إن دين اليهودية والنصرانية , كان محرفاً عن العقيدة الأصلية لانبيائهم . ولم تكن العقيدة الأصلية معروفة بينهم ليتم الالتزام بها .

2-  إن اليهود والنصارى كان لهم وجود في جزيرة العرب . وهم معاشرون ومصاحبون للمجتمع . ويعرفهم الناس بانهم ذوو عقائد محددة غير محمودة , كالاعتقاد بالثالوث المقدس ونحوه .ويستطيع المفكرون من أهل الحنيفية استنتاج ذلك بكل تأكيد .

3-  إن هؤلاء الهود والنصارى , كما هم غير تامين في أصول دينهم ,فهم ناقصون أيضاً في فروع دينهم ,وملتزمون بكثير من المعاصي والفواحش واللاإنسانية ,الأمر الذي الفرد المنصف والطالب للحق عنهم .

ومن هنا كان لابد لهؤلاء الطالبين للحق , الالتزام بنبوة النبي السابق على اليهودية والنصرانية , وهو إبراهيم عليه السلام . وهو متصف بصفات مهمة في نظرهم وفي نظر الجميع :

1-    إنه جاء بعقيدة متكاملة في فهم التوحيد الإلهي .

2-    إنه كان واضح الإخلاص لله في سلوكه .

3-    إنه جاء الى الجزيرة العربية وخلف فيها ولده إسماعيل .

4-    أنه باني الكعبة المشرفة .

5-    إنه النبي الذي يعترف بقدسيته على كل الملل المتأخرة عنه .

والمهم بعد كل ذلك و إن الحنيفية الإخلاص في التوحيد ,وهي من قسم أصول الدين وليست من فروعه .

فإن قلت : إن العرب , كما سمعنا , كانت تسمي كل من حج واختتن حنيفياً ,وذلك من فروع الدين .

قلت : أهم تفسير لذلك أن نقول : إن ذلك العمل كان منهم قربة الى الله تعالى .فالالتزام به يدل على الالتزام بأصول الدين ويكون له كشف إثباتي عنه.وبتعبير أخر :أنهم لم يكونوا يعلمون تلك التطبيقات  :الحج والختان لمجردهما , بل بعنوان كونها لله عز وجل .والأعم الأغلب كانوا يفعلون ذلك كوظيفة دينية . فرجعنا الى الأصل في الحنيفية هو التوحيد .

فإن قلت : لذلك عدة أجوبة يجمعها معنى أهمية إبراهيم عليه السلام , وعظمته . فأن له صفتين ثبوتية وإثباتية :

أما الصفة الثبوتية فهي انه عليه السلام بلغ من صفات التوحيد ودقائقة أكثر ممن كان قبله , وقد وصلت البشرية في زمنه الى أعلى مرتبة سابقة في توحيد الباري سبحانه .

نعم , تطور الدين في زمن إبراهيم عليه السلام , ولكن تطوره كان في فروع الدين , لا في أصوله , واما الزيادة في زمن عيسى عليه السلام , فقد كانت التبشير بالمستقبل المقدس للبشرية .

إذن فالمبشر الرئيسي بالتوحيد هو إبراهيم , في عالم الثبوت والواقع .

وإذا تنزلنا عن ذلك , نقول أنه عليه السلام أحسن من بيّن ذلك اثباتاً , حتى نوح عليه السلام لم يستطع ذلك . لن مجتمعه أغلبه كان كفاراً ولم يؤمن به إلا القليل , حتى أخذه الطوفان . وأما أدم فقد كان عدد البشر في زمنه قليلاً جداً .

ومع التنزل عن كل ذلك  يكفي أن يكون اظلأمر ترغيباً لمتدينين . السابقين على الإسلام للدخول في الإسلام , وانهم إذا دخلوه كانوا حنفاء أيضاً , بل كانوا أيضاً , على دين الجماعة القيمة , وهم إبراهيم وموسى وعيسى ومحمد عليهم السلام .

الرابع : من مستويات الحديث عن لفظ الحنفاء :

أن ندعي كأطروحة , إن حنفاء بمعنى مخلصين , لاكثر من قرينة :

أولاً : إن حنفاء إن كان بمعنى الموحدين أو الملتزمين بدين إبراهيم (ع) , صار بمعنى واحد , كالمترادفين .ونحن نعلم وجداناً انهما ليسا كذلك . فلابد أن يكون في حنفاء  زيادة عن المعنى عن معنى الموحدين .فندعي إنه بمعنى المخلصين .

ثانياً :إن الراغب , كما سمعنا , قال : الحنف هو ميل عن الضلال الى الإستقامة .والذي يميل هذا الميل هو المخلص الناصح لنفسه . والمخلص لربه  .  وإلا كان فيه جنف لا حنف .

ولكن ليس كل إخلاص هو حنف , أي ليس المخلص لأي هدف هو حنيف بل حصته منه .فاما أن نقول : إن الحنف هو الإخلاص بدرجة عالية , بحيث يكن الفرد على استعداد بأن يفدي نفسه وأهله وماله , وأما أن نقول : انه الإخلاص للتوحيد أو للدين وليس للدنيا .

فإن قلت : إذا كان حُنَفاَء بمعنى مَخْلصيِنَ , ومخلصين واردة في الآية ايضاً فماذا يتحصل من مفهوم الآية ؟

قلت : إن هذا له عدة أجوبة :

 الأول : إنه تكرار بغير لفظه , فلا يكون قبيحاً , بل إنه مهم لزيادة الاهتمام والتوكيد .

الثاني : إن مَخْلصيِنَ معنى عام  , وحُنَفَاء : مخلصون لله – كما قربنا – فيختلفان .

إلا أن هذا لا يكون لان الإخلاص في الاية مقيد بالدين , فإن كان حنفاء مقيد بالدين أو بالتوحيد ( وهو الدين أيضاً ) حصل التكرار. فإن قبلنا به رجع الى الجواب الأول , ولكن تنزلنا عن ذلك , بطل هذا الوجه .

الثالث : أن نخص أحدهما بأصول الدين ونخص الأخر بفروعه .أو بالعكس . وكلاهما أطروحة معتمدة لدفع الأشكال . وكون مخلصين له الدين بالفروع وحنفاء بالتوحيد أو بالأصول أرجح لأكثر من قرينة .

منها : إن حنفاء أشارة الى دين إبراهيم عليه السلام , ومنها : أنه ترقٍمن الفروع الى الأصول , وهو ينتج زيادة في التفهم والتأكيد , لا يحصل مع العكس , وهذا الظهور واضح في الآية .

سؤال : عن إعراب مخلصين .

قال العكبري(1): مَخْلصيِنَ حال من الضمير في يَعْبُدوُا ( يعني : يعبدون الله حال كونهم مخلصين )وحُنَفَاءَ حال أخرى  من الضمير في مَخْلصيِنَ ( يعني مخلصين حال كونهم حنفاء ) وقوله تعالى :  دِينُ الْقَيِّمَةِ , أي المللة او الأمة القيمة .

سؤال : عن معنى القيمة . وما هو التقدير المناسب لها ؟

جوابه له عدة أطروحات :

الأولى : ما فهمه المشهور وسمعناه عن العكبري , ومن أن التقدير أو المللة . والفرق بينهما إن الأمة هي مجموعة من الناس كيفما هي الجماعة المتصفة بين معين أو أيدلوجية معينة . فتكون النسبة بينهما العموم المطلق , فكل أمة ولا عكس.

فالمللة حينما نطلقها , فاننا نشير الى دينها , فهي قيمة بصفتها متدينة . فيترجح اختبار المللة على الأمة , فيما إذا أخترنا هذا الوجه .

الثانية : حسب فهمي ,إن التقدير ينبغي أن يكون الجماعة , لا معنى القيم هو من لا قيم عليه, او قل هي القيم على الإطلاق الذي ليس فوقه قيم غير قيم الله عز وجل , فينصرف الى أعظم الآفراد , وهم المعصومون عليهم السلام .

الثالثة : أن نقول : لاحاجة الى التقدير , لآنه لا يصار إلا مع الضرورة , فيمكن القول بإن القَيَّمَة وحدها تكفي وهي بمعنى : القيمين .

وليس هذا غريباً في اللغة . أعني التعبير  بالمؤنث عن الجمع . فيكون المعنى  : القواّم أو القائمين , أي المشرف  والمدبر والمراقب . وهو مأخوذ من القيام وهو الوقوف . لآن الأغلب في  المشرف أن يكون واقفاً على ما يشرف عليه  . ثم أستعمل فيما كان فاقداً له مجازاً , ولكنه أصبح حقيقة منذ زمن قديم جداً .

والآية كما هو معلوم لم تشر إلا الى عنوان القيمتين , ولكن من هم وممن هم وعلى من هم . فقد أهملت الآية التعرض لذلك عمداً , لأن الحكمة  اقتضت الأختصار .

ولكننا نستطيع أن نستنتج من السياق  الجواب على أنهم : من قبل من هم ؟  وذلك لأن لله تعالى في القرآن يشهد بأنهم قيمون .فاخذهم بشكل مطلق وحق ولم يشر الى أنهم منصبون  من قبل ناس آخرين . فيكون واضح الدلالة أنهم منصبون من قبل الله سبحانه للقيمومة .

فإن قلت : إن القيم واحد.وهو الله سبحانه.وهو ينافي  معنى التأنيث , لانه يوحي بالجمع.

...............................

(1)  ج20 , ص 156.

قلت :ليس هو المالك , بل هو المنصوب من قبله , كما يقولون : وكيل مفوض , والله سبحانه لم يلاحظ قيماً لانه غير منصوب من قبل أحد .وإن كان قيماً بالذات . والعرف لا يسمى المالك قيماً بل المنصوب من قبله .وهنا نقصد المنصوب من قبل الغير , وهم المعصومون عليهم السلام , ولا يشمل الله سبحانه . فرجع المتعلق الى الجماعة , لا الى الفرد. فالتأنيث في محله .

إن قلت : أننا مخيرون بين تقدير الأمة وتقدير الجماعة . فإذا لم نقدر الجماعة قدرنا الأمة أو المللة وهم المسلمون . فلماذا لا نقدر المسلمين , مع إنه تعالى قال في آية أخرى :  لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ(البقرة: من الآية143) أي شاهدين وقائمين فيكون معنى الآيتين مشترك ؟

قلت : ينبغي أن نفرق بين مفهوم القيمة ومفهوم الشهادة ولم يثبت إن معنى هذا هو ذاك , والأمة الاسلامية شهيدة على الناس ولكنها ليست قيمة عليهم . وأوضح فرق بينهما : إن القيمومة تقع في علل التصرف والشهادة تقع في معلوماته وبعد إنجازه , فالقيمومة متقدمة رتبة على العمل والشهادة متاخرة عنه .فلا يجتمعان .

فإن قلت : ولكن الله تعالى في نفس الآية السابقة يقول :  لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً. فإن نفينا كون الأمة قيمة فلا يمكن ان ينفي كون الرسول قيماً ومعه يمكن فهم قيمومة الأمة من قيمومة الرسول وشهادتها باعتبار وحدة السياق . قلت : كلا : فأن الرسول له صفتان : الشهادة والقيمومة . فقد جعله الله في جانب العلة وفي جانب المعلول معاً . وهذه الآية السابقة تدل على وجود الشهادة في الأمة وفي الرسول ولا تدل على القيمومة  في الأمة ولا في الرسول وليس لها مفهوم مخالفة يدل على نفي القيمومة والولاية التي نتكلم عنها تدل القيمومة لا على الشهادة  فهذه الأطروحة الأولى للتفسير ( دين القيمة ) يعني دين الجماعة القيمة أو دين القيمين وهو الأرجح مما سنذكره . ولكن توجد أطروحة ثانية يمكن أن تعرض بهذا الصدد . وهو أن يكون الدين القيمة أي دين القيمومة فان القيم هو صفة مشبهة بمعنى أسم فاعل وبالتالي فهو أسم فاعل . والقيمومة مصدر , فتكون الآية قد أستعملت أسم الفاعل بمعنى المصدر . ولا ضير في ذلك مجازاص فالدين القيم بمعنى الدين القائم أو دين القيمومة .

ويمكننا ان نصف الدين بانه قيم , وذلك على ماورد من آيات اخرى من القرآن الكريم , قال تعالى : قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً (الأنعام: من الآية161)أي قيماً . بحسب أهم تفاسيره أو على قراءة أخرى غير المشهورة . وقال تعالى: (1) ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ .

فإن القيم هو الفرد المشرف والمدبر بالمباشرة ( الفاعل المختار الرشيد ) ولكن حين لا يكون معه فكر أو أيدلوجية صحيحة , فانه يسئ التصرف  . بل لعل جانب الفساد منه سيكون هو الأغلب ,لأنه سوف يطيع شهوات نفسه ومصالحه الشخصية . ولكن مع وجود الدين والفكر الحاكم على هذه القيم , ستكون القيمومة بعدل ومطابقة للواقع . ومعه أمكن أن نصف هذا الدين أو الفكر لأنه قيم الموجّه للقيم .

ومعه تكون لفظة : القيمة و بمنزلة  الصفة أو النعت للدين نفسه . كما ورد وصفه بانه قيم .بدون حاجة الى تقدير موصوف أعني : الجماعة القيمة .

غير إن ذلك يواجه اشكالان .

أحدهما : إنه من نعت النكرة بالمعرفة .لانه قال :دين القيمة , فكان الموصوف نكرة والصفة معرفة .

وجوابه : إن هذا الأستعمال عرفي , وإن لم يكن فصيحاً . ومقتضى أحتواء القرآن على كل شئ ( مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ) أن يحتوي على ذلك أيضاً . فإننا نقول عرفاً : صحن الشريف والكعبة المشرفة وسوق الكبير . وبالرغم من إننا نعربه مضاف اليه وليس نعتاً , إلا أن المقصود الحقيقي هو النعت وليس الاضافة .

ثانيهما : إنه من وصف المذكر بالمؤنث .لأنه قال : دين القيم . فكان المنعوت مذكراً ونعته مؤنثاً .

وجوابه من وجهين .

الوجه الأول : إن الدين كلي والكلي بمنزلة الجنس , والجنس بمنزلة الجمع . والجمع بمنزلة المؤنث في اللغة العربية .

الوجه الثاني : إننا قد نقول : إن تاء التأنيث لاتدل على تأنيث مدخولها دائماً . بل تناسب مع المذكر أحيانا, كتاء الوحدة والتنكير , كتمرة وجلسة . فيكون القيمة مذكراً .وأما ماهو ممنوع فهو وصف المذكر بالمؤنث الحقيقي , لنافيهما . وهذا ليس منه .

سؤال : ما هو هدف السورة  ؟

................................

(1) التوبة /26, ويوسف/40, والروم/30 .

 

جوابه : إن أفضل من التف الى ذلك ه السيد قطب في ظلال القرآن(1): فقد ذكر مجموعة من أمور كهدف للسورة .إلا إن هدف السورة ينبغي أن يكون واحداً.وقد جعلت هذه المفاهيم التفصيلة كمقدمات لتحصيله .

والهدف هو مجادلة الكفار من أهل الكتاب والمشركين , ومضادتهم أولا , وهدايتهم ثانياً .

فأقول: - بعرض منا بغض النظر عما قيل في ذلك المصدر -  :إن المهم في مجادلة الكفار من أهل الكتب  والمشركين . أربع نقاط : بيان عيوبهم وما يصلحهم  وبيان الرحمة والمنة النازلة عليهم وتقييمهم كما يلي :

أولاً : أما ذكر عيوبهم : فهي كونهم كفارأ ومشركين وأهل كتاب . وهذا العنوان في نفسه عيب . لآن الإسلام دين ناسخ لما قبله من الأديان  . ويترك ما هو أعلى وأفضل ويختار ما هو أدنى , فهو معيب لا محالة .

ثانياً : وأما ما يصلحهم فهو البينة والكتب المطهرة  .

ثالثاً : واما الرحمة والمنة النازلة عليهم فهي العلم . ولكنهم لم يستفيدوا من هذا العلم , وغنما أختلفوا فيه وتقاتلوا عليه .

رابعاً : وأما تقييمهم فهو شر البرية  . وهم كذلك في الدنيا والآخرة . أي أن القيمة الأخلاقية لهم متدينة في كلا الدارين .

وفي مقابلهم خير البرية , وقيمتهم الأخلاقية عالية في كلا الدارين . وجزاء خير البرية الجنة وجزاء شر البرية النار .

قد يقال : إن نسق  الآيات  يختلف في السورة , ابتداء من قوله تعالى : إن الذين كفروا , بعنوان الأشارة الى كونه هو النتيجة للمقدمات الموجودة في أول السورة .

وجوابه : إن هذه الاختلاف غير الواضح . والنسق هو نسق الهاء الساكنة في كل الآيات إطلاقاً .

وهنا يمكننا أن نلاحظ عدة أمور :

أولا ً : إن لفظ القيمة أستعمل مرتين بمعنيين : كتب قيمة ودين قيم , ولا أقل أنه بعد تقييده يصبح بمعنيين .

فإن قلت : إن القيمة  بمعنى واحد . لانكم ذكرتم إن معنى كتب قيمة هي الكتب التي لها القيمومة  . وكذل دين القيمة .فرجع الى معنى واحد .

قلت : جوابه من عدة وجوه :

1-    إننا ذكرنا ذلك كأطروحة . ولكن هنا يمكن أن نخرج عن الأشكال , بأن نختار أحدى الأطروحتين في أحد اللفظين . ونختار الأخرى في الآخر . لأجل أن يلزم التكرار .

2-    أنه مع التنزل فإن الفهوم التصوري حين يقيد بمفهوم تصوري أخر , يكون المجموع مفهوماً تصورياً واحداً , فإذا أختلفت الإضافة اختلف المفهوم . كقولنا :سرج الفرس وسرج زيد .

3-    لا بأس أن يكون كلا اللفظين بمعنى واحد .وتكون القيمومة للكتب المطهرة وللدين معاً . لأن محصلهما الحقيقي واحد .

ثانياً : من الأمور التي نلاحظها في الآية : أن النسق محفوظ في الهاء . والضمير في ربه جعل في نسق التاء المدورة , كالبينة والقيمة . وهذا واضح في لزوم تسكين نهايات الآيات ليصبح النسق ويتحقق .

وهذا يدعم الأخبار لواردة الدالة على الاستحباب الشرعي للوقوف في نهايات الآيات والنهي عن الدرج فيها . ومن هنا نستطيع أن نفهم من هذه السورة  نحواً من الأمر والطلب للوقوف في نهايات الآيات ليكون النسق واحداً. ولعل الأرجح فعلاً , إنها نزلت بالسكون .

سؤال : حول قوله خالدين فيها أولئك هم شر البرية . فقد يستشكل من ناحية كلامية في الخلود . أما من ناحية الخلود في النار  لكل أحد غير جائز . وأما الخلود لكل هؤلاء (أي الكفار ) غير جائز  لان فيهم قاصراً ومعذوراً ونحو ذلك .

جوابه : إنه يقع الكلام في ذلك في جهتين :

الجهة الأولى : في الخلود لأي إنسان . وجهة السؤال فيه :إننا لو فرضنا إن الإنسان قد أذنب طوال عمره , وهو محدود . فهل يبقى في العذاب مدة لا متناهية ؟ وهذا خلاف العدل , بأن تزيد العقوبة على الذنب .

وجوابه أحد أمرين :

الأمر الأول : نقيضاً :في جانب الجنة :فإن أهلها خالدين فيها خلوداً أبدياً .مع إنهم أطاعوا الله – على سبيل الفرض – طوال عمرهم ,وهو محدود. ونسبة المتناهي الى اللامتناهي صفر .فيأتي فيه نفس الكلام,وما يقال هنا يقال هناك

................................

(1) في ظلال القرآن / سورة البينة , ج30, ص 214 .

الأمر الثاني : حلاً وهو أحد أمرين :

الأول : ما ورد في السنة الشريفة من تفسيره(1) : بإن الإنسان لو بقي في الدنيا الى ما لانهاية لا ستمر على المعصية الى ما لا نهاية . فيعقبه على الذنوب التي يمكن أن تحصل منه .

           ويجاب عليه : إن العقاب على الذنوب  التقديرية الحاصلة في المستقبل ولم تحصل فعلاً .ظلم أيضاً ولكن يمكن أن يجاب عليه , بما , بما يلي :

الثاني : إن العقاب ليس على هذه الذنوب التي سوف تحصل . بل هو عقاب على سببه ومعدنه وعينه , وهي العين النابعة أو المنبعة للذنوب . وهو سوء السريرة والنفس الأمارة بالسوء . فمهما بقي الفرد على سطح هذه الأرض , فإنه يبقى في حالة ذنب وعصيان .

فإن قلت : بإن هذا الوصف غير اختياري ليصح العقاب عليه .

قلت : جوابه من وجهين :

الوجه الأول : إنه اختياري لأنه رباه ونماه بذنوبه السابقة . فاشتد مستواه التعصبي للكفر والفسق والفجور. بل اقتنع  بوجوده  ولعله أصبح مفتخراً به . فهو اختياري .

الوجه الثاني : ذكر ( دانتي ) في كتابه : الجحيم (2) . في وصف جهنم :إن بعض قاطنيها يزدادون عتواً ونفورا , ويشتمون الله ويعترضون عليه .

وحسب فهمي : إن هؤلاء دخلوا الى جهنم باستحقاقهم فإبقاؤهم فيها عدل وخلودهم فيها رحمة . ولا يجب على الله بحسب حكم العقل العملي إخراجهم منها , مع شتمه والاعتراض عليه . فهم يبقون فيها جوازاً على أقل تقدير .

إن قلت : ورد إنه في الآخرة حساب ولا عمل (3) . لعدم وجود الشريعة هناك .فكيف أصبح الشتم هناك سبباً للعقاب , وهو الخلود في النار ؟

قلت جوابه من وجهتين :

أولاً :إننا لم نقل إن العقوبة في النار عقوبة على الشتم , وإنما الشتم سبب وجهة تعليلية , لعدم وجوب أخراجهم من النار بحسب حكم العقل العملي . بحيث لا يكون بقاؤهم وخلودهم فيها ظلماً لهم , ماداموا على تلك الصفة.

ثانياً : إن هذا المضمون وإن ورد , وهو إنه في الآخرة حساب ولا عمل .إلا إنه لم يثبت على إطلاقه . إذ لا إشكال إن شتم الله ذنب وذكره والطمع في رحمته وحسن الظن به طاعة . سواء كان في الدنيا أو في الآخرة .فما كان في ذاته  ذنب بغض النظر عن الشريعة , قابل للثبوت هناك . وكذلك ما كان في ذاته طاعة . وإنما هو المفقود هنا هو الشريعة فقط .وهو المقصود بالأخبار المشار إليها .

الجهة الثانية : وهي أن الخلود غير جائز للقاصرين والمعذورين .

فإنه تحصل من الجهة السابقة إن من يخلد في النار هم المعاندون وأضرابهم . وليس بهذه العناوين التفصيلية الثانوية . ودخول القاصر الى جهنم وخلودهم فيها , غير موافق للرحمة الآلهية . نعم قد يدخل ( إذا كان مستحقاً إجمالاً ) ولكنه لا يخلد .

سؤال: ما معنى البرية  ؟

جوابه : الباري أسم فاعل , وهو يطلق في لغة المتشرعة على الخالق سبحانه ة وتعالى .قال الله تعالى :  الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ(الحشر:24).وأسم المفعول منه بري أو برئ . وهو فعيل بمعنى مفعول . وبرية مؤنث بري . فالبريّ هو المخلوق , فيكون معنى البرية : المخلوقون .

قال الراغب في المفردات (4):البرية: الخلق . قيل أصله الهمزة . فترك ز وقيل ذلك من قولهم بريت العود ز وسميت برية لكونها مبرية عن البري أي التراب , بدلالة قوله تعالى :  خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ . وقوله تعالى : أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّة ِ . وقال : شَرُّ الْبَرِيَّةِ .

أقول : من المؤكد إن الفهم المشهوري من البرية : البشر أي أولاد أدم عليه السلام . ولا شك إن ذلك عليه أجماع المفسرين . وهو أسم مفعول أو صفة مشبهة . بمعنى مبرية أي مخلوقة , وأصله مبرؤة,إلا إن فهم خصوص البشر بلا موجب , لان لمراد مطلق الخلق . ولكن يوجد تقيد بأن المشار إليهم بأولئك هم المذكورون

................................

(1)  انظر نحوه في أصول الكافي ج1, ص 85 .

(2)  الكوميديا الإلهية , الجحيم ص 336.

(3)  نهج البلاغة خطبة / 42 , شرح محمد عبده .

(4)  المفردات مادة " برأ "

لا غيرهم : بدليل ثوابهم وعقابهم , سواء كانوا بشراَ أو خلقاً أخر .

  سؤال : عن صيغة : شَرُّ الْبَرِيَّةِ . خَيْرُ الْبَرِيَّة

إن فهم المشهور بأن فيه إشعار بافعل التفضيل .ولعلهم اخذوه مسلما  مع إنه مخالف للقواعد اللغة العربية وللظاهر أيضاً فإنه لم يقل : أشر وأخير . لكي نحمله على ذلك .بل أورد مجرد الصفة . فيكون حاله حال العمى في قوله تعالى : وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً (الاسراء:72) فلا يمكن انفهم منها إنه أكثر عمى َّ.

وبذلك ينتفي الفهم المشهوري والارتكاز المتشرعي .إلا أن نفهم  - كأطروحة محتملة – معنى موروث جيلاً بعد جيل من قبل الأئمة عليهم السلام , فيكون من قبيل السنة التي تفسر القرآن الكريم . ولم يثبت ذلك . فتبقى دعوى المشهور مفتقرة الى دليل .وسيأتي مزيد إيضاح لذلك .

سؤال : كيف وصفهم القرآن الكريم بذلك , ولعل في البرية من هم أكثر شراً منهم أو اكثر خيراً  ؟

جوابه : إن هذا مسند من قبل القرآن الكريم نفسه . لأنه يشهد بإنهم شر البرية وخير البرية ( وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً)(النساء:122) هذا مع متابعة الفهم المشهوري للتفضيل .

سؤال : إن الاشر يجب أن يكون واحداً لا جماعة , فكيف أصبح الجماعة أشر البرية ؟

جوابه : إن التفضيل مقول بالتشكيك  بوجود الفاضل والأفضل منه . " هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ (آل عمران: 163) . في الكمال والنقص  أي من ناحية الخير ومن ناحية الشر  . وكلاهما مراتب متعددة . وكلما زاد الكمال قلت الأفراد , وكلما قل زادت . فإذا لاحظ المتكلم  الكمال الأعلى , فإنه ينحصر بواحد . وأما إذا لاحظ الكمال المتوسط او الأدنى , فهو واسع في جماعة . فمن الممكن في الآية أن يكون قد لاحظ ذلك .

ثم غننا ينبغي أن نلتفت هنا الى أن الله تعالى قسم البشرية الى قسمين : قسم صالح وهم الذين آمنوا وعملوا الصالحات . وقسم طالح  وهم الكفار من أهل الكتاب والمشركين . ثم لاحظ المجموع مسماهم البرية . فخير البرية هم المؤمنون وشرها الكفار . ويمن أن نلاحظ هنا  ما سبق أن قلناه  من عدم أستفادة التفضيل باعتبار عن  المصود هو كون هذه الجماعة هي خير للبشر أجمعين وتلك هي شر لهم .

سؤال : ما هي الحاجة الى قوله :  أُولَئِكَ هُمْ . مع إنه يمكن الاكتفاء  بأحدهما ؟

جوابه من عدة وجوه :

أولا : أن أوضح مبرر لذلك هو التأكيد الذي ينتج من التكرار. وقلنا : عن أقصى التأكيد ثلاث مرات . وهو متحقق هنا  في الذين واولئك وهم . ويكون التأكيد لدفع كل الأوهام  المحتملة .

ثانياً : إنه بعد التنزل عن الجهة الأول  نقول: غنه لدلالة على الحصر . وهو نفي الزائد .

ثالثاً : الاحترام  .كما قال سبحانه : ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ  (البقرة:2) فهو يشير الى شيء معنوياً .أحتراماً له . كذلك يقول هنا :أولئك .ويشير الى من هم مرتفعون وعالون في المقام . ويمكن ان يعم ذلك لكلا البعدين المعنويين للخير والشر معاً.

رابعاً : إن حذف أحدهما يخل بالسياق القرآني , وهذا ما ندركه بالذوق .

خامساً:أشارة الى المجموعة كمجموعة , لان لفظ الخير مفرد , فاحتاج الى هذا التأكيد , لابراز جهة لمجموع , ليفهم السامع إن المراد بالخير : الكلي , وليس المفرد الحقيقي .

سادساً : لو كانت  الجملة بدون " هم " لبدت منفصلة عن سابقتها  . وهذا ما يدرك بالذوق أيضاً .

سؤال : لماذا وصف الجنات بانها :جَنَّاتُ عَدنٍ ؟

جوابه فيه أطروحتان :

الأولى : وهي المشهورة : إن عدن صفة لطبقة من الجنة . وهناك طبقات أخرى .كالفردوس والخلد والفردوس الأعلى  وغيرها .

الثانية : ما يستفاد  من كلام الراغب في المفردات حين قال (1) : جنات عدن أي أستقرار وثبات .وعَدَنَ بمكان كذا أستقر  . ومنه المعدن لمستقر الجواهر . وقال ع8ليه الصلاة والسلام  :المعدن جبار .

أقول : فهي جنات  أستقرار . ويلزمه أن تكون صفة لكل الجنات لا لبعضها أو لطبقة منه . فإن أي نوع منه و يبقى فيه صاحبه ويستمر ويعدن فيه  بتوفيق الله سبحانه . بل هي لا نهائية في الاستقرار .

ولدى  الجمع بين الوجهين  ينتج  أمران :

الأول : إن تلك الجنة وما فوقها , فسكانها خالدون فيها أبداً

الثاني : إنه لا يلزم من ذلك المراتب الأدنى من الجنة  خالدون فيها أبداً.

سؤال : لماذا قال:  جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ , ولم يقل من فوقها أو فيها أو عليها . وهذا وصف للجنة مكرر في القرآن الكريم  .

جوابه : من عدة وجوه :

الوجه الأول : الأول الشارة الى المياه الباطنية في الجنة .

وهو غير تام : لأن ظاهر السياق هو الترغيب وحصول البهجة برؤية الأنهار . مع كونها باطنية لا يسبب اللذة المطلوبة للمؤمن . باعتبارها باطنية وغير مرئية . فوجودها كعدمها .

الوجه الثاني : أن تجري من تحتها الأنهار , أي على وجه الأرض , كما تجري الأنهار في الدنيا , ولعل حوض الكوثر أحد مصاديقها  لو فسرناه بإنه نهر في الجنة . وكذلك ما ورد (1)من إن فيها نهراً من لبن ونهراً من عسل ونهراً من خمر .

إلا إن هذا لا يتم , لكونه خلاف الظاهر , من حيث إن هناك تنافياً جزئياً , بين كون الأنهار " من فتحتها " أو على وجه الأرض . ما لم يرجع الأمر الى الوجه الآتي :

الوجه الثالث :يمكن ان تشبه درجات الجنة ومراتبها المتعددة بالعمارات العالية أو ناطحات السحاب . فإن أعطي المؤمن عدة درجات أو طوابق , فإنه يملك  حينئذ ما تحتها . فالأنهار يرها تجري من تحته في الجنة, لأنه ينظر اليها من فوق العمارة . فيصدق عليها حقيقة ذلك , وإن كانت الأنهار جاري على سطح الأرض .

سؤال: ما هو وجه الجمع في الآية بين خَالدِينَ وأبَدَاً .إلا يكفي كونهم خالدين فيها فقط ؟

جوابه  : من وجهين :

الوجه الأول : ما ذكره في الميزان بقوله (2) تأكيد بما يدل عليه الأسم .الوجه الثاني : إن الخلود لا يفيد الأبد لأنه لا يفيد الأزلية .وإنما ستفاد من قوله :ابداً .

فإن الخلود يمكن أن يكون له معنيان في اللغة :

الول : بقاء شيء من شيء مدة طويلة , كبقاء الأهرام في مصر , والكعبة المشرفة في مكة , وهو لا يعني البقاء الأزلي . لان الفرع يفنى بفناء الأصل .

الثاني : ما ذكره الراغب حين قال (3) : الخلود هو تبرّي الشئ من أعتراض الفساد وبقاؤه على الحالة التي هو عليها . وكل ما يتباطؤ عنه التغير والفساد تصف العرب بالخلود , كقولهم لاثافي خوالد . وذلك لطول مكثها لا لدوام بقائها .. ومنه قيل : رجل مخلد  لمن أبطأ عنه الشيب , ودابة مخلدة هي التي تبقى ثنايها حتى  تخرج رباعيتها .ومنه يظهر بوضوح عدم التأبيد , بل يكفي لذلك عدة سنوات كعشر سنين , ونحوها !! ومنه يظهر بطلان اطلاقه على الله سبحانه  وتعالى  بكلا هذين المعنيين , كما هو موجود فعلا في ارتكاز المتشرعة ز

فلما لم يكن الخلود للتاييد , أحتاج الى القيد الدال عليه في الآية .

سؤال : إن قوله : خالدين فيها ابداً , ظاهر في التأييد , ولكنا مقيدة في آية أخرى وهي قوله تعالى : خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ (هود 107)فما هو الوجه في ذلك  ؟

جوابه من عدة وجوه : الأول : أن نقول أن نقول بعدم التابيد للسماوات والأرض , فيكون من قبيل التقييد , ويكون التابيد داخلاً في المستثنى من الآية  الثانية .

الثالث : أن نقول :إن المراد منها السماوات  والأرض الباطنية وهي خالدة حتماً ما دام  الفرد مستمراً .

سؤال : حول قوله تعالى : رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ . وأشكاله : انه ثبت في علم الكلام إن الله تعالى بسيط لاتدخله الحوادث والطبائع مثل الرضا والغضب , من إن ظاهر القرآن هو ذلك .

وجوابه  : مع تنزيه  الذات عن الحوادث .أحد شكلين :

الشكل الأول : إن هذه الحوادث  والطبائع , يضعها الله سبحانه في نفوس أوليائه الذين هم قادة الخلق . ومن هنا ورد (4) رضا الله  رضانا أهل البيت .

الشكل الثاني : إننا قلنا في علم الأصول :إن الله تعالى خاطبنا بصفتنا عرفيين وبصفته عرفياً . أي نزل نفسه إنساناً وتحدث معنا كأحدنا . فحصلت من ذلك  التنزيل  شخصية وهمية وتلك الشخصية تكون محطاً للعواطف المذكورة في القرآن الكريم  كالحب والبغض والرضا والغضب والنسيان ( نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ)(التوبة: 67)

.............................

(1)  أنظر تفسير لصافي ج2 , ص564.

(2)  ص340,صج20 .

(3)  المفردات مادة " خلد " .

(4)  البحار / ج44, 367.

وهذان الجوابان كافيان  .ولكن يمكن أن نقول أيضاً :إن رضا الله  ثوابه وغضبه عقابه .وهو فهم المشهور . ولكنه قابل للمناقشة :

أولا : أنه ليس بسعة الوجهين السابقين , لوضوح عدم تفسير النسيان ونحوه .

ثانياً ك عن ظاهر هذه الآية  التي نتكلم عنها  ( في سورة البينة ) عن الرضا غير الجنات بصراحة .

سؤال : ذكره القاضي عبد الجبار (1) . وقوله تعالى :إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّة الى قوله : ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّه . يدل على إن العلماء خير البرية  . لقول:إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ وانت إذا جمعت بين الآيتين ثبت ما ذكرناه .أقول : فهل الأمر كذلك ؟

جوابه : نعم , لظهور الآيتين معاً في الحصر . اما أحداهما : فبانما . وأما الاخرى فلأنه

قال : : ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّه .فكأنه قال : فقط لهم وليس لغيرهم . وإلا لما قال : ذلك .

بل يقتضي الأمر أكثر من ذلك . وهو عن كل العناوين السابقة لهم لا تتعداهم الى غيرهم : الذين امنوا وعملوا الصالحات  , لهم جنات  عدن خالدين فيها أبداً , رضي الله عنهم , ورضوا عنه . وليس فقط البرية . إذن , لا تبقى صفة معتد بها لغيرهم . وخاصة إذاً فهمنا من الجنان وفهمنا من عدن مطلق الاستقرار والثبوت .

إن قلت : ولكن أختصاص كل هذه المزيا  للعلماء غير ممفهوم متشرعاً من ظاهر الكتاب والسنة .  والمعروف أنه تعالى يجزي كل فرد على مستواه واستحقاقه . بل أكثر من أستحقاقه , باعتبار الرحمة الالهية , بلا فرق بين الجاهل والعالم . فكيف تكون هذه المزيا للعلماء ؟

قلت : إن ما أستنتجناه إنما ظاهر القرآن الكريم  , بعد ضم آيتين  كلتاهما تدل على الحصر , ولكن مع ذلك ,فهو قابل لعدة أجوبة :

الأول :أن نعمم  معنى العلماء . باعتبار أنهه يراد من العلم  مطلق العلم كالتفقه في الدين .فيشمل  المتشرعة والمتفقهة , فما زاد . واما من كان دونهم و فلا يكون كذلك .

وفيه : إن العلماء مقرونون بالحشية , وظاهر  الآية  يدل على نسبة التساوي  بينهما .وليس العموم المطلق , فكل من يخشى فهو يخشى  , ولا يمكن أن نوسع معنى الخشية , لآنها معنى وجداني , كما أمكن ان نوسع معنى العلم .

الثاني : أن ننفي ظهور  التقسيم الى قسمين  ونقول : ان هناك  طبقات وسطى كثيرة بين العالم والجاهل  او المؤمن  والكافر  . وحينئذ يصدق ما قيل  . واللهه تعالى يعطي الفرد  حسب استحقاقه . ومع ذلك فانهم لا يتميزون بالمميزات العليا  كالعلماء , بل لابد من وجود التفضيل بينهما .

الثالث : انه بعد التنزل  عن الوجهين الأولين , وأفتراض كون البشر قسمين فقط  , نقول : أنه يراد أن النسبة والفرق بين العلماء  وغيرهم  كثير . فنسبة ما يعطى من المميزات لهم بالنسبة الى غيرهم  كالفرق بين السماوات والأرض . بحيث يصدق مجازاٌ على المجموع الباقي أنهم شر البرية .

الرابع : أن الباقي فيه أشكال من الناس ومجموع خليط بما فيهم الكفار والمنافقون . فيكون هذا المجموع هو شر البرية . لا بلحاظ كل فرد منهم . لان النتيجة  تتبع أخس المقدمتين .

الخامس : وبلحاظ الطرف الأخر من  وهو العلماء نجد فيهم مراتب عديدة أيضاً . ويمكن القول غنه بالرحمة الواسعة تكون النتيجة تابعة لاحسن المقدمتين . فيكون هذا المجموع خير البرية .

سؤال : حول قوله تعالى : ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّه . ما هو معنى الخشية  بحيث يكون الأنسان عندها عالماً ؟

جوابه : ما ورد ( 2) من إن الخوف على أربعة أقسام :

أولاً : الخوف وهو لعامة الناس باعتبار ارتكابهم الذنوب .

ثانياً : الخشية وهي للعلماء .قال تعالى : إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ(فاطر28).

ثالثاً : الرهبة , وهي للمتقين  , قال تعالى :  وَفِي نُسْخَتِهَا هُدىً وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ(لأعراف154).

رابعاً : الهيبة , وهي للعظمة , ولم يذكرها القرآن بصراحة . ولكن أشار اليها بقوله :  وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ

 (آل عمران:30) .

اقول : إن جهات الخوف عديدة , منها الوجل والحذر . ومنها ما هو مذكور في القرآن الكريم غير تلك الأربعة.

...................................

(1)  أنظر نحوه في الخصال , ص281 .

         

ويحسن بنا استعراض المعاني اللغوية لكل منها :

قال الراغب في المفردات :

الخوف : توقع مكروه عن امارة مظنونة أو معلومة . كما إن الرجاء والطمع توقع محبوب  عن امارة مظنونةاو معلومة . ويضاد الخوف : الأمن . ويستعمل في الأمور الدنيوية والأخروية .

قال تعالى : وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ - وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ -  يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً . والخيفة :الحالة التي على الإنسان من الخوف  .

اقول : والخيفة في الآية الأخيرة , ليس هو الخوف  بل الهيبة والرهبة  , لأن الخوف  لا يكون إلإ من ذنب . والملائكة  ليس لهم ذنب .  ونستمر في نقل كلام الراغب في هذا المورد :

الوجل : استشعار  الخوف . يقال وَجلَ يوْجَلُ وجلاً فهو وَجلْ . قال تعالى : إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ . إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ , قَالُوا لا تَوْجَلْ ,  وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ .

الحذر : أحترز عن مخيف . قال تعالى :  يَحْذَرُ الْآخِرَةَ ,  وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ,  هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ ,  إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوّاً لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ ,وحِذرار أي  نحو مناع أي أمنع .

الخشية : خوف شديد يشوبه تعظيم . وأكثر ما يكون ذلك عن علم  بما يخشى منه . ولذلك خص العلماء  بها في قوله تعالى :  إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ . وقال : يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً .

اقول : فهو تهيّب , وجانب الخوف فيه أغلب .

الرهبة : والَرهَبَ , مخافة  وأضطراب . قال تعالى : لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً . وقال : رَغَباً وَرَهَباً . وقال : تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ . وقال : وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ .

الهيبة : ولم يذكرها الراغب , لنها لم تذكر بلفظها في القرآن الكريم . قال في مجمع البحرين للطريحي (1) وهاب  السيء إذا خافه وإذا  وقرّه وعظّمه . وتهيبت الشئ إذا خفته .

أقول:وحسب فهمي إن هذه الالفاظ على كثرتها تنقسم الى ثلاثة أقسام :

القسم الأول : ما فيه توجس بشر أو نقص , وحصول قلق من حصوله , وهي الخوف والمخافة والحذر والوجل.

ولكل منها انطباع خاص ومعين  يختلف عن الأخر  , بالرغم  من مادتها قد تكون واحدة لغة , ومعه لا يجوز تبديل بعضها ببعض . فلا تقول : على تخوف : على خيفة , ولا تقول : في  مخافة الله : التخوف من الله سبحانه .

ففي هذا القسم يكون خوف بلا تعظيم  ولا شعور  بالهيبة . واوضح مصاديقه , هي عبادة العبيد .

القسم الثاني :ما كان شعوراً بالعظيم بدون خوف فعلي . وهو معنى التعظيم والاحترام والهيبة والرهبة . على أختلاف ضمني بينها .

القسم الثالث : مركب بين الخوف والتعظيم , وهي الخيفة والخشية .

وهذا  التسلسل المعنوي يبدأ بخوف خال من التعظيم , ثم بما يشوبه تعظيم ثم يكون تعظيم بلا خوف . لان النفس في ذلك المقام  تكون طاهرة , والخشية من النوع الوسط الذي يجتمع فيه الخوف مع التعظيم وليس تعظيماً صرفاً . ومن هنا نعلم عدم أرتفاعها العالي .