مِنةُ اَلمنَان في الدفاع عن القرآن
تأليف : السيد الشهيد محمد محمد صادق الصدرقدس سره الشريف
الجزء السادس عشر

من كتاب منة المنان في الدفاع عن القرآن
للسيد الشهيد محمد الصدر رضوان الله عليه

ســـورة الزلزلة
وفي تسميتها عدة أطروحات : أولا : الزلزلة : وهو المشهور . فانه كان لفظ الزلزلة غير موجود , إلا إن مادتها موجودة .
ثانياً : الزلزال .كما في بعض المصادر (1) . هو لفظ موجود في السورة مع حذف المضاف .
ثالثاً : السورة التي ذكر فيها الزلزال . إذا سرنا على حسب ما ذكره الشريف الرضي في مجازات القرآن .
رابعاً : إِذَا زُلْزِلَتِ . يعني باللفظ الذي بدأت به السورة .
خامساً : برقمها في المصحف السائد , وهو :99 .
سؤال : ما هو معنى الأرض في قوله تعالى : إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا . وما المراد من زلزالها ؟
جوابه : إن هنا عدة أحتمالات . باعتبار انقسامات ثلاثة :
الانقسام الاول : ان الارض هل يراد بها الارض المادي أو المعهودة او الارض المعنوية , باعتبار ان النفس لها ارض وسماء . فارضها الشهوات وسماؤها العقل .
الانقسام الثالث : انه هل يتحرك بالزلزلة المجموع ام البعض ؟
فتكون الاحتمالات ثمانية ناتجة من ضرب الاثنين في نفسها ثلاث مرات2×2× 2 .
ونستعرض فيما يلي مجملها .
مقتضى قهم المشهور ان المراد من الارض : الكرة الأرضية . فيرد عليهم هنا سؤال :هو هل ان الزلزلة المذكورة تشمل كل الأرض أم بعضها ؟ فان كانت تشمل الأرض كلها , فيرد عليه اشكالان.
الأشكال الأول : عدم تحقق ذلك تأريخياً .
الأشكال الثاني : وهو الأهم أنهم قالوا في علم الفلك إن سبب عدم الإحساس بحركة الأرض حول نفسها ونحو ذلك , هو : إن الحركة فيها كلية وليست موضعية . أو قل :إنها حركة مجموعية لمجموع الأرض . وليست لجزئها . زمن جملة مصاديقها : ما إذا كان الأنسان راكباً في واسطة نقل , فانه لا يحس بحركتها ولا حركته , مع كونهما متحركين واقعاً .
فإذا عرفنا ذلك , فإن الزلزلة إذا أصابت كل الأرض , فستكون حركتها كلية , ولن يُحس بها مهما كانت سريعة .هذا مضافاً الى وجود الجاذبية , ووضح إن الأرض حينئذ تتحرك مع طبقاته الهوائية وليس وحدها. وهذا يدعم عدم الإحساس بالحركة .
ومعه يتعين على فهم المشهور إن تكون حركة الزلزلة في جزء الأرض لا في الجميع . في حين إنه يفهم الأرض كل الأرض لا الجزء . فبقع في تهافت واضح . فلابد من عرض الامر بشكل أخر .
الفهم الأول : عن المراد من الأرض مجموع الأرض , ومن الزلزلة حركتها حول نفسها طبيعياً .
إلا إنه لا يتم لامرين :
أحدهما : إن السياق سياق التهويل والتهديد , وهذه الحركة فاقدة لذلك .
ثانيهما : إن السياق سياق دال إن هذه الحركة لم تحدث لحد الآن وإن التنبؤ قائم على حصولها في المستقبل . كما هو المستفاد من قوله تعالى : إِذَا زُلْزِلَتِ . مع إن هذه الحركة متحققة فعلا ً.
الفهم الثاني : ان يكون المراد الزلازل الاعتيادية لجزء من الأرض .
ويرد عليه كلا الإشكالين السابقين , ومضافاً الى إمكان القول : بإن المراد من الأرض كلها لا جزأها , ولو باعتبار إن الأصل في الآلف واللام الجنسية لا العهدية . فتأمل .
الفهم الثالث : أن يراد تحرك الأرض كلها بشكل غير معهود كما لو كانت تهتز ونحو ذلك .وبهذا
تندفع الإشكالات الواردة على الفهمين السابقين . مع إمكان دعمه بان السياق يدل على حدوثه بالمعجزة, لا
.........................
(1)
أنظر الميزان :ج2 , ص 341 .
القانون الطبيعي . ويكون هذا الفهم مؤيداً للمشهور بحدوثه عند يوم القيامة .
الفهم الرابع :إن يراد تحرك بعض الأرض بشكل غير معهود .
ويرد عليه مضافاً إلى ما قلناه في الأشكال على الفهم الثاني , وجهان آخران :
الأول :إن قوله : زِلْزَالَهَا يشعر بإن الزلزال المشار اليه هو زلزال عظيم . بحيث تكون نسبة الباقي اليه كالعدم . وهذا كما يكون قرينة على عدم إرادة الزلازل الأعتيادية , يكون قرينة أيضاً على عدم كونه في جزء بسيط من الأرض , وإن لم يكن أعتيادياً , لانه على كلا التقديرين لا يتصف بتلك الصفة .
الثاني : قوله : وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا , مشعر بإن ذلك نتيجة الزلزال, والزلزال لا ينتج مثل ذلك , بل وجهاً للمناقشة عدد من الوجوه السابقة أيضاً .
الفهم الخامس :
أن يكون المراد بالأرض :الأرض المعنوية وهي أرض النفس .
فإن قلت : وما ربط ذلك بالزلزلة ؟
قلت : أن نفهم منها الزلزلة المعنوية , فإن النفس تتزلزل عند البلاء الدنيوي وعند الفرح والحزن والغضب والشكوك وغيرها . ولعل كل أفراد البشر قد مروا في ذلك .
ومعه فيكون المراد من قوله تعالى وَقَالَ الْأِنْسَانُ مَا لَهَا .يعني : صاحب تلك النفس وحاملها .
فإن قلت : إننا عرفنا إن المراد الإشارة الى زلزال رئيسي , عظيم الأهمية , فهل لدى النفس شيء من هذا القبيل ؟
قلت: نعم ولذلك عدة مصاديق أوضحها ما يحدث حالة الاحتضار , فتخرج الأرض أثقالها وهو البدن ويقول المحتضر مالها. ولماذا حصل الألم الى هذه الدرجة ؟
فإن قلت : فإن حمل اللفظ , وهو الأرض على الأرض المعنوية , مجاز , وهو مناف لاصالة الحقيقة .
قلنا : نعم , إلا إن أستعمال القواعد اللغوية العامة في الفهم المعنوي للقرآن , ليس في محله .
الفهم السادس : أن نفهم من الأرض : ما على الأرض لا الأرض نفسها , أي أن نفهم الجانب الاجتماعي والإنساني من الأرض . كما قال تعالى : وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ (يوسف:82) . أي أهل القرية بصفتهم متضمنين في معنى القرية نفسها , فالأرض متضمنة للمجتمع أيضاً .
وفي هذا الفهم , عن المراد تزلزل المجتمع بالبلاء الدنيوي , أو بأي شيء يشاؤه الله تعالى . وأخرجت الأرض أثقالها, وهو سقوط المهيمن في المجتمع , وقال الإنسان مالها , وهم أفراد المجتمع ز
ولكن لماذا يعبر بالزلزال هنا ؟
وذلك لاحد وجوه :
الأول : إن البلاء يوجب كثرة حركة الأفراد اما خوفاً أو لقضاء حاجاتهم الآنية , ونحو ذلك .
الثاني : إن كثرة الحركة هذه توجب حركة في القشرة الأرضية , وإن كانت قليلة , فهي تشبه الزلزلة من هذه الناحية .
الثالث : إن أرض النفوس كلها تتزلزل من الناحية النفسية على العموم .
فإن قلت : فاننا أستفدنا من الآية الكريمة إن المراد الأشارة الى زلزال رئيسي للارض ,فلا ينطبق على هذا الفهم , وخاصة على الوجه الثاني حيث لا يحصل في قشرة الأرض إلا حركة قليلة .
قلت : نعم , لابد إن يكون المراد حصول بلاء رئيسي في المجتمع أو في المجتمعات أو في البشرية ولو باعتبار إشراط يوم القيامة .
وأما قصة القشرة الأرضية , فهي خارجة موضوعاً , بعد أن نقلنا – بناء على هذا الفهم – معنى الزلزال من الأرض الى المجتمع .
سؤال : ما هو معنى أخرجت , في قوله تعالى : وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا ؟
جوابه : احدى أطروحتين – على الأقل - :
الأولى : أنها تخلصت ورفضت ولفظت أثقالها . كأن شيئاً مزعجاً كان في داخلها فأخرجته .وهذا هو الأوفق بالفهم المشهوري .
الثانية : أنها أبرزت وبينت ذلك , لأجل مصلحة وحكمة الهية .وأوضح مصاديق ذلك هو أخراجها للكنوز والمعادن عند ظهور الإمام المنتظر سلام الله عليه (1).
..............................................
(1)
مسترك الصحيحين ج4 , ص514 .
فهو أظهار لطيف وليس مزعجاً .
سؤال : ما هي الأثقال التي تخرجها الأرض يومئذ ؟
جوابه : إن فيها تسعة أحتمالات :
الاحتمال الأول : الموتى . كما رجحه الطباطبائي في الميزان (1) .
ويرد عليه : إن الله تعالى هو الذي يبعث من في القبور . ولا دخل للأرض في ذلك , ونسبة الإخراج تكون للفاعل لا للمكان . وإلا كان مجازاً والأصل التمسك بالمعنى الحقيقي . هذا , مضافاً الى إننا نسأل : هل عن عودة الموتى تتوقف على زلزلة من هذا القبيل ؟
نقول : اولاً : إن قدرته سبحانه على ذلك لا تتوقف على ذلك .
ثانياُ : إن أكثر الموتى من البشرية ليس لهم جثث , بل قد أختلطن أجسامهم بالرمال . وحصول الزلزلة ليس سبباً لإعادة الرمل جسماً . إلا إذا قلنا إن ذلك مما يحدث بقدرة الله تعالى . فإذا أخذنا قدرة الله بنظر الاعتبار , فلا حاجة الى الزلزلة .
اللهم إلا أن يقال : إن المراد عن الأرض تفتقت عن جثث الموتى الى الحياة , فيعبر عن هذا التفتق أو التفتح بالزلزلة . ولكنه ليس هو المعنى الحقيقي للزلزلة على أي حال .
إلا أن يكون نظير قوله تعالى : اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ(الحج:5) لحصول أهتزاز التراب بخروج النبات من البذر . إلا إن معنى الزلزلة غير ذلك بالوضع الحقيقي .
الاحتمال الثاني :- للاثقال - : المعادن والكنوز .
وهذا المعنى مشهوري أيضا وله عدة تطبيقات :
1-
فمرة نحمله على أستخراج المعادن من الأرض من قبل البشر . وإنما نسب الى الارض باعتبارها مكاناً للتعدين . إلا إنه لا يناسب السياق العام , كما هو واضح وأوضح ذلك إنها غير مسبوقة بالزلزلة.
2-
ما ورد من إن الأرض تلقي بافلاذ أكبادها من الذهب والفضة عند ظهور المهدي (2) .
ويرد عليه ما أوردناه على الأول .مع إن كليهما غير مربوط بيوم القيامة .كما عليه المشهور من إن سياق السورة كله مربوط به .
3-
إن المشهور يقول : إن الزلزلة يوم القيامة تخرج المعادن من جوف الأرض وتطرحها على الأرض , كما فهموا من السياق .ولعل بعض التقريبات تدل على عدم الحكمة من ذلك وكونه لغواً ,واللغو لا يصدر من الحكيم لا إثباتاً ولا ثبوتاً .
مضافأ الى نكتة أخرى لا ينبغي اهمالها , وهي : إن سياق الآيات حسب فهم المشهور : إن كلاً من الموتى والمعادن تخرج بنفس الزلزلة
ونحن نلاحظ إن هذا يحتاج الى معجزتين ولا تكفي معجزة واحدة .فإذا أخرجت الأرض المعدة , فكيف سيكون إخراج الموتى ؟ وعندئذ لابد من مضاعفة المعجزة , ولا حاجة الى ذلك فيكون عبثاً أو لغواً .وإنما يومئذ المهم هو إخراج الموتى فقط .
أو نقول : إن المعادن نفسها متكونة من جثث الموتى . اما باعتبار التعبير مجازاً عن الجثث بكونها معادن أو إن بعض المعادن متكونة من الجثث , كما يقال في النفط كونه متكوناً من أجساد متحللة من الحيوانات والبشر من ملايين السنين , تحت الضغط والحرارة الباطنية العالية .
إلا إن ذلك , يقتضي تحول المعادن الى أجساد بشرية لدى الإخراج الى سطح الأرض .ومعه لن تجد معادن خارجة . وهذا ينافي الوجه الخاص بإخراج المعادن .
الاحتمال الثالث : للأثقال , إنها أخرجت ما على وجهها من سكان ونبات وحيوان . فإن الثقل عرفاً يكون على الشيء أو على سطح الأرض لا في الباطن .ويؤيده قوله تعالى : وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ (الانشقاق:4) . أي أصبحت خالية منها , إذا أعرضت عنها ولفظتها .
الاحتمال الرابع : أن يكون الثقل ثقل الذنوب والمسؤولية وثقل استحقاق العقوبة . ويؤيده قوله تعالى : يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ (إبراهيم:48) . أي أصبحت أرضاً لم يذنب عليها إنسان كما ورد (3).كأن الأرض هي السبب في التنظيف من الذنوب .
............................................
(1)
ج20 , ص 342.
(2)
مستدرك الصحيحين ج4 ,ص 514.
(3)
أنظر نحوه في الميزان .
الاحتمال الخامس : أن يكون المراد : الظلام المعنوي الناتج من الذنب أو المنتج له وهو القصور والتقصير .كما في قوله تعالى : وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا ( الزمر:69) فيتحول الظلام الى النور بعد إلقاء الثقل والتخلص منه .
الاحتمال السادس : التخلص من العيوب بحصول الكمال .
الاحتمال السابع : الأعمال .
فإن قلت : هل إنه نتيجة للزلزلة ؟ قلت نعم , فاننا نتحرك للعمل الرئيسي عند العاطفة الحقيقية .
فان قلنا : ان أخرجت بمعنى لفظت أو رفضت . فتكون الأعمال مرفوضة على أحد شكلين : أحدهما : أن نقول أن الإنسان قد يكون في حالة يأس من نفع الآخرين وافادتهم له وقضاء حاجاته , فيكون خاملاً لانشاط له .
ثانيهما : أن نقول : ان الانسان يكون في درجة من التكامل المعنوي . فلا يقدم طاعاته لله عز وجل , وانما يقدم ذنوبه فقط . ويحس انه في تقصير مستمر .
وان قلنا : ان أخرجت أي أبرزت . وكان المراد من الأثقال : الأعمال – كما عليه هذا الوجه – كان هذا على ضد الشكل السابق . وهو ان الفرد يشعر بطاعاته أمام الله سبحانه وأمام خلقه , وانه تحمل المصاعب والبلاء في سبيل ذلك , فهو يبرزها ويفتخر بها .
الاحتمال الثامن : ان يكون أخرجت بمعنى أبرزت , على معنى أنها أخرجت وهيئت خيراتها بعد الظهور . ويكون ذلك نتيجة لزلزلة البلاء السابق عليه .
وهذا المعنى قابل للانطباق على الأيام الكبيرة عموماً , كظهور الإسلام المسبوق ببلاء الجاهلية وعبادة الأصنام , أو دخول المسبوق ببلاء يوم القيامة .
الاحتمال التاسع : أن تكون ارض النفس قد أبرزت كوامنها بالاختبار والتمحيص . وتلك الكوامن قد تكون هي الإيمان والطاعات , وقد تكون هي الفسق والنفاق .
فان قلت : ان كل هذه الأمور ليس لها ثقل حتى المادي منها , كالمعادن والموتى والسكان , لان الثقل العرفي هو المحسوس بالحمل أو الوزن ونحو ذلك . وليس هذا منه .
قلت : يكفي الصدق العرفي للثقل , ويظهر ذلك بتقدير الحمل أو حصول الوزن .
فان قلت : الذنوب والظلمة والمسؤولية ايضاً ليس لها ثقل . مع أن نص الآية على وجود الثقل . فتكون قرينة متصلة على نفي كل هذه المعاني وتبقى المعاني المادية المشهورة .
ويؤيد ذلك : إن بعض الأمور المادية ايضاً ليس لها وزن في حالة وجود الأصلي في الطبيعة , فكأن وزنها صفر .
قلت : عن هذا كله لايعني التنزل عن الإدراك المعنوي لثقل تلك الأمور المشار اليها . مهما كان ظهورها العرفي ضعيفاً .
سؤال : لماذا يقول الإنسان مالها ؟
جوابه : عن قوله : وَقَالَ الْأِنْسَانُ مَا لَهَا ,استفهام يراد به الاحتجاج أو يدل على حصول الدهشة , كما عليه المشهور. وهم يعنون الأمور غير المتوقعة أو الردئية وليس الحسنة
وهذا قابل للمناقشة من وجوه :
أولا : إن الأمور الحسنة أحياناً لا تكون متوقعة , فتثير الدهشة , وإن لم تثير الاحتجاج .
ثانياً : احتمال أن يراد الاستفهام عن استحقاق النفس لطلبها من الله سبحانه .
ثالثاً :إنه استفهام استنكاري للاستحقاق يراد به نفيه .
رابعاً : أن تكون ما نافية فهي لنفي الاستحقاق , يعني مالها شيء .
قلت : إن فهمنا من الأرض : الأرض العرفية , فان السؤال ياتي بعد الزلزلة , أو قل : نتيجة الزلزلة .
وإن فهمنا من الأرض :الأرض المعنوية , فان السؤال يمكن أن يكون خلال التزلزل ويمكن أن يكون بعده .
إن قلت : إن ما نافية وليست أستفهامية .
قلت : بل يتعين كونها أستفهامية , لان النافية :
أولاً ك خلاف السياق .
ثانياً : على خلاف أصالة عدم التقدير , لان التقدير : ما الذي لها . أو ما الذي يكون لها .فالجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر . والمبتدأ محذوف أيضاً , فنحتاج الى تقدير , بخلاف كونها استفهامية , بحيث تصلح بنفسها أن تكون مبتدأ .
فان قلت : فهي موصولة . أي وقال الإنسان : ما هو الذي لها .
وهذا خلاف مشهور اللغويين اضافة مقول القول , مع ان المفروض ثبوته . وكل هذه القرائن تدل على انها ليست نافية ولا موصولة .
سؤال : من هو المتسائل في قوله : مَالََهَا ؟
جوابه : الانسان . وينقسم الى أقسام :
أولاً : مطلق الانسان , او عمومه . وهو ما فهمه المشهور .
ثانياً : الانسان المطلق .
ثالثاً :المبتلى بالزلزلة .
رابعاً : المشاهد لها , وإن لم يكن مبتلى بها .
أما الانسان المطلق فهو المتكامل بعد أن طهرت نفسه وأخرجت اثقالها , فهو يتسأل عن استحقاق نفسه . فيجيبه الله سبحانه بمقدار استحقاقها . كما قال سبحانه : ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ (غافر: 60) . والله تعالى لا بخل في ساحته .
وأما مطلق الانسان فان فهمنا من الارض : الارض المادية فانه يسأل عن العلة المادية والسبب للزلزل . أو عن العلة الغائية لها , وانها بأي حكمة حصلت . أو انه يسأل عن الحكمة لصفته معترضاً على ذلك . والعياذ بالله .
وإذا فهمنا من الأرض : الارض المعنوية , وهي الفرد الاعتيادي دائمة التزلزل زكثرة الشكوك والفتن . كما قال في الدعاء (1) : فان الشكوك والظنون لواقح الفتن ومكدرة لصفو المنائح والمنن . فهو يتساءل عن سبب ذلك .إذا كان المبتلى بها .
اما إذا كان المتسائل هو الشاهد لها , فله عدة أمثلة :
منها : ان الانسان المطلق يتساءل عن سبب كفر الكافر آسفاً عليه . كما ورد إن الحسين عليه السلام , كان يبكي لحال أعدائه 02) .ومنها : إن مطلق الانسان يتساءل عن حال صاحبه( الانسان المطلق ) باعتبار إنه متخلف ورجعي ومتقوقع ولا يريد إلا مصلحة نفسه .
ومنها : قول الملائكة : مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (المدثر:42) . فهم مغترضون على الكفار والفجرة بوصولهم الى هذا الدرك و مع إن الله أهلهم بالخلقة للوجود في أعلى عليين زكما قال تعالى : أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ(فاطر: من الآية37) وقد يكون الانسان هو المتسائل , بدل الملائكة .
قوله تعالى : يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا .
حدث يتعدى بالباء الى المفعول الثاني لا بنفسه . والاخبار هنا بمنزلة المفعول الثاني .وأما الول فمحذوف , فاحتاجت الأخبار الى الباء .
فهي لا تحدث الأخبار نفسها , وأنما تحدث بأخبارها , فتكون هنا أكثر من أطروحة :
الأولى : إن " اخبارها " منصوب بنزع الخافض على اعتبار إن مقتضى الاصل وجوده .
الثانية :أن " تحدث " وإن كان ينصب مفعولاً واحداً حقيقة , إلا إنه جعل مجازاً ناصباً لمفعولين .ولا ضير في ذلك .
وارتباط هذه الآية بالآية السابقة عليها صريح . فيكون المراد رد الجواب على السؤال السابق نالها ؟
سؤال :ما المراد بالأخبار ؟
جوابه : إن في ذلك عدة أطروحات :
الأولى : أنها تحدثه عن سبب حصول ما يسأل عنه : وذلك إنه حصل بسبب الوحي " بأن ربك اوحى لها " أي بان تتزلزل .
الثانية :عن الارض تحدث الاخبار الحاصلة فيها من الحوادث الموجودة في الحال والماضي .
الثالثة : إنها تخبره إنه قد حصل لها الحي أجمالاً , بغض النظر عن مضمونه .
وأسلوب الأخبار منقسم الى تقسيمين :
التقسيم الأول : إنها تحدث بلسان المقال والنطق أو انها تتحدث بلسان الحال . وهذا احتمال ينفع المستوى الثقافي المادي الذي يستبعد حصول النطق له : أنها تنطق بلسان الحال , أي تعرف من علاماتها وأوصافها .
...........................
(1)
انظر :مفاتيح الجنان :ص 123 , مناجاة المطيعين لله .
(2)
أنظر الخصائص الحسينية للتستري ص78 .هذا نقلاً عن : أضواء على ثورة الإمام الحسين عليه السلام للمؤلف طبع :مؤسسة العارف –بيروت ص: 135 .
التقسيم الثاني : إن الحدث أو النطق أما ان يكون بشكل موضوعي , أي أنه مجرد شرح للحال : انه حصل كذا وكذا ! . واما ان يكون هذا الشرح مقترناً بلسان الإقرار والمذلة أمام سبحانه , وليس مجرد كونه شرحاً موضوعياً .

الوجوه الإعرابية :

قال العكبري (1) : عمل في إذا جوابها ابها وهو قوله تعالى :تُحَدَّثُ , أو يَصْدُرَ .

أقول : وتعليقنا على ذلك بأمور :
اولاً : إن المشهور على إن إذا ظرف يحتاج الى متعلق أو عامل كما أشار العكبري ( 2) : إلا إن ذلك لا يخلو من إشكال لأن إذا حرف والحرف لا محل له من الأعراب فلا يحتاج إلى متعلق وإذا كانت أسماً لم تحتاج الى متعلق ايضاً بل تكون مبتدأ والجملة الشرطية خبرها أو نقول : انها لا محل لها من الإعراب لأن لها الصادرة في الكلام وكل ما لا محل له لا يحتج الى متعلق وإن كان أسماً .
ثانياً : أنه بعد التنزل عن الأمر الأول وقلنا ان إذا أسم أو ظرف . فان المتعلق – حسب فهمي – يبغي أن يكون اسبق رتبة من الظرف , وإذا تلقت بتحدث أو يصدر , كما قال العكبري , تكون متعلقة بمتأخر لفظاً ورتبة . لن كلا منهما جواب شرط. وجواب الشرط متأخر رتبة عن أداة الشرط لا محالة . وهو متأخر لفظاً .
بل إن هذين الفعلين المحتملين , متأخران عن " إذا" رتبتين " لا رتبة واحدة , لوقوعهما في جواب الشرط,, وهو متأخر عن فعله المتأخر عن الأداة . ولكن إذا دار الأمر بين الجملتين على انها جزاء الشرط تقدمت , لأنها أسبق رتبة من الأخرى .
فان قلت : إن هنا اشكالاً أخر , على تعليق " إذا " بهذين الفعلين . لانهما عملا في عدة معلولات كالمفعول به ولحال ز كما هو واضح لمن يقرأ الآية الكريمة ,ولا يمكن للفعل الواحدان تتعلق به عدة معلولات . إذن لا يمكن أن تتعلق إذا بأي منهما .
قلت : بل يمكن القول بالجواز . زإن الفعل قد يعمل عدة أمور دفعة واحدة ز ولا مانع من ذلك نحوياً , نعم و لو أخذنا ذلك من جانب فلسفي أمتنع , لقاعدة : ان الواحد لا يصدر غلا من الواحد .
سؤال : ما هو جواب الشرط لاذا ؟
جوابه : هو قوله تعالى : يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا
فان قلت : انها لا يمكن فيها ذلك , لان جواب الشرط مصدر بالفاء . في حين انها فاقدة له . وكان ينبغي أن يقول :فيومئذ تحدث أخبارها , لو كان جواباً .
قلت : أولا : لعالها موجودة في بعض القراءات . ولا يخل وجودها بالسياق القرآني وجماليته .
ثانياً : إن الوحي نزل بدون الفاء في جواب الشرط, فيكون حجة على العدم . لان الخذ بالنطق القرآني أولى من الأخذ بلسان العرب .
ثالثاً : إن هناك من الموارد ما لا يقع الفاء في جواب الشرط , ومنه الفعل المضارع الواقع في الآية , وهـو "تحدث " .
رابعاً : مع التنزل عن ذلك وفرض إصرار النحويين على وجود الفاء . نقول انها حذفت من أجل مصلحة المورد . وملخصها :انها لا يمكن ان تدخل على الكلمات كلها : يومئذ تحدث أخبارها .
اما الأخيرة فواضح . وأما يومئذ فلانها فضلة وليست جملة , واما تحدث فلان دخول الفاء فيهامضر بصحة السياق القرآني كما هو معلوم . كما عن تقديم تحدث قبيح في السياق أيضاً . فيتعين حذف الفاء .
خامساً : ان نقول : إن جواب الشرط غير هذه الآية المذكورة بل هو الآية الأسبق منها وهي قوله تعالى : وقال الإنسان مالها .
فان قلت : إنها أيضاً محذوفة الفاء , في جواب الشرط .
قلت : انها يأتي هنا بعض ما قلنا , هناك , مضافاً الى القول : إن الواو هنا زائدة أو أنها بمعنى الفاء .
.........................
(1)
ج20 , ص 157 .
(2)
المصدر والصفحة .
ثم أضاف العكبري قوله (1) : يومئذ بدل من إذا , وقيل التقدير أذكر إذا زلزلت . فعلى هذا يجوز أن يكون تحدث عاملاً فيومئذ, وإن يكون بدلاً .
أقول : إذا كانت ظرفاً متعلقاً بمحذوف وهو اذكر وغير متعلقة بتحدث . صح ان يتعلق يومئذ يتحدث .اما إذا كانت متعلقة .فلا يصح ان يكون يومئذ متعلقاً بها .لان الفعل الواحد لا ينصب ظرفين في رتبة واحدة , حسب وجهة نظر العكبري .
وجواب ذلك من وجهتين :
الوجهة الأولى : النقاش في الصغرى وذلك أصلا , أعتبر يومئذ بدلا من إذا. فيكون الظرف المتعلق واحداً , وهو إذا .
الوجهة الثانية : النقاش في الكبرى , وذلك :إننا قلنا فيما سبق ان مقتضى سياقات كلام النحويين ان الفعل يكون عاملاً لعدة معلولات دفعة واحدة و كرفعه للفاعل ونصبه للمفعول وكونه متعلقاً للجار والمجرور ونحو ذلك .
نعم و هو لا يعمل عملين من جنس واحد , وفي رتبة واحدة , كما لو رفع فاعلين أو نصب مفعولين أو تعدى الى جارين ومجرورين .
واذا تم ذلك , لم يكن يومئذ متعلقاً بتحدث , لان كلا من اذا ويومئذ ظرف بنوعية واحدة ورتبة واحدة ز بعد التنزل عن كونها بدلاً , كما في الوجه الأول .
وقال العكبري : يوئذء بدل من اذا ز يعني مرجعهما في معنى واحد ومحصل واحد . وكانهما بمنزلة ظرف واحد . لان يومئذ يحتوي على تنوين التعويض ومرجعه الى تكرار السابق يعني : يوم اذ زلزلت الارض زلزالها . فرجع اذ واذا الى معنى واحد . وهو مطلب وجهيه .
ثم قال العكبري (2) : بِأَنَّ رَبَّكَ , الباء تتعلق بتحدث , أي تحدث الارض بما أوحى . وقيل هي زائدة وان بدل من أخبارها , ولها بمعنى اليها . وقيل : أوحى يتعدى باللام تارة وبالى أخرى .
أقول : فيكون المعنى تحدث الأرض بما أوحى الله تعالى لها من الأمور . فينتج من ذلك : أنه يتعلق بتحدث سنخين من المتعلق : الظرف والجار والمجرور. وهذا لابأس به سواء كان الباء في " بان " زائدة أو سببية .
وقوله : وقيل هي زائدة يعني كون الباء بمنزلة العدم . بمعنى انها تحدث أن ربك أوحى لها .
وقوله : وان بدل من أخبارها . يعني : ان المصدر المؤول من ان ومدخولها هو البدل .
فان قلت : ان أوحى لها تتعدى بالى لا باللام كقوله تعالى : ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ (الاسراء: من الآية39) وقوله :فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى(لنجم:10) . وغير ذلك . في حين انها متعدية هنا باللام في لها .
قلت ذلك من وجوه
أولاً : ما ذكره العبكري (3) , من : لها بمعنى اليها .كما سبق .
ثانياُ : ما نقله العبكري بقوله : (4) :وقيل أوحى يتعدى باللام وبالى اخرى .
ثالثاً : أن اوحى تتعدى بالى أو ما يقوم مقامها حقيقة أو مجازاً . بناءاً .بناءعلى ما اختاره من امكان الاستعمال المجازي في الحرف .
رابعاً : ان معنى اللام غير معنى الى . فمعنى أوحى اليها انها هي السامعة للوحي . واما أوحى لها فبمعنى : إوحي لاجل مصلحتها . ولكن الى من يكون الوحي ؟ فهذا مجمل في الآية .
وقوله تعالى : بِأَنَّ رَبَّكَ الباء يفيد التكلم ز أي ان الارض تحدث بوجود الوحي أو بسبب الوحي .أما امتثالا أو خشوعاً . فيكون نحو اعتذار عن التنزل .أو أنها يوحى لها وتحدث أخبارها بعد أن يتم التنزل . وهكذا .
قال الطباطبائي في الميزان (5) : وقد أشتد الخلاف بينهم في معنى تحديث الارض بالوحي .أهو باعطاء الحياة والشعور للأرض الميتة حتى تخبر بما حتى تخبر بما وقع فيها .
أقول : قال الفلاسفة :ان الجماد ليس ميتاً .بهذا المعنى . بل يمكن سماعه وجوابه .
وقالوا ايضاً : ان الصفات من العلم والقدرة والحياة , هي من لوازم الوجود . فهي تتحق بتحققه . وكلما كان الوجود اعلى , وأهم وأشرف , كانت هذه الصفات أوضحز وكلما كان أدنى كانت هذه الصفات اقل وأضعف ,
.............................
(1)
ج2, ص 157 .
(2)
المصدر والصفحة .
(3)
ج2 , ص 157 .
(4)
المصدر والصفحة .
(5)
ج20 , 343 .
حتى لا يكاد يكون مدركاً لنا , كما في الجمادات .أذن فالارض بصفته موجودة , يمكن أن تسمع وان تتحدث .
وأضاف الطباطبائي (1) : أو يخلق صوت عندها , وعًدٌ ذلك تكليماً منها .
أقول : هذا بعد التنزل عن الرأي الاول .واعتبار الارض ميتة , ولكن صوتاً ماّ يخلقه الله في أرجائها . ونوع هذا الصوت كالصوت الذي أوجده الله سبحانه في الشجرة لموسى عليه السلام . وهو قوله تعالى : يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ(القصص: 30).
وقول الطباطبائي : وعد ذلك تكليماً منه , يعني :أنها نحدث مجازاً لا حقيقة .
ويرد عليه : أنه من يسمع ذلك الصوت ؟ فانه حسب سلسلة تفكير المشهور: ان ذلك يحصل في اشراط الساعة , وان الارض تخرج أثقالها وكل الناس ميتون يومئذ , فمن يسمع ؟ والصوت بدون سامع لغو !!
قلت :ان المشهور يرى أنه بعد النفحة الاولى في الصور , فان جميع الخلق من الملائكة وبشر وجن يموتون"وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْأِكْرَامِ (الرحمن:27) , فهل الله هو المتحدَّث , وهو يعلم بالعلم الازلي . ولا حاجة له الى هذا الحديث ؟
اذا سرنا بهذا السير , فبالامكان القول , انه يحصل بعد النفخة الثانية من نوع الحياة . فحينئذ تخرج الارض اثقالها وتحدث اخبارها . وهم الذين يسمعون .
وأضاف الطباطبائي في الميزان الى عبارته السابقة (2) : أو دلالتها بلسان الحال . بما وقع فيها من الاعمال . الخ .
وحسب فهمي :ان السيد "قدس سره" : يدعم الاطروحة الاولى بروايات وردت في البحث الروائي وان لم يصرح بذلك . قال (3) : ولا محل لهذا الاختلاف بعد ما سمعت ولا أن الحجة تتم على أحد بهذا النوع من الشهادة , انتهى .
ان الايات القرآنية تنص على ان كثيراً من ظواهر الطبيعة , قابلة للإدراك كقوله تعالى : ( وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ)(النور: من الآية41) . وقوله سبحانه( وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ)(الإسراء: من الآية44)ز وقوله جل جلاله : (وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ) (النحل:68) .الى أخر الاية . وهذا كله يدعم الفكرة الفلسفية الآنفة الذكر .
واما عدم تمامية الحجة بهذا النوع من الشهادة , كما أشار الطباطبائي , فهو غير صحيح , لان المفروض أن الدلالة كاملة بحيث يحصل منها العلم أو الاطمئنان , فلماذا لا تكون حجة ؟
فان قلت : ان الوحي مختص بالنبوة , والأرض ليست كذلك .
قلت : ليس الوحي منحصراً بالأنبياء يقيناً . بدليل قوله تعالى : (وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ )(النحل: 68) (وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى)(القصص: 7) : . وفي الروايات المستفيضة :ان الوحي ينزل على أناس ليسوا رسلاً . كأمير المؤمنين والزهراء والحسنين والمهدي عليهم السلام (4) وهذا يكفي .
بل ان نزوله حاصل حتى على الحيوانات , كما صرح به القرآن الكريم . اذن فلا غرابة أن تكون الارض موحى لها .
ويدعمه قول أمير المؤمنين عليه السلام (5) : ما بعد فان الامر ينزل من السماء الى اللارض كقطر المطر الى كل نفس بما قسم لها .
فان قلت : الأوامر هنا بمعنى الحوادث .
قلنا : كلا , بل الأمر أكثر من ذلك . فكأنه يشبه قطرات المطر في الكثرة والانتشار . فكل قطرة هي وحي يوحى الى الطبيعة , والى المؤثرات والأسباب القهرية فيها .
قال تعالى : (يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا ....... يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتاً لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ .
سؤال : عن إعراب يومئذ الثانية ؟
....................................
(1)
المصدر والصفحة .
(2)
ج20زص343 .
(3)
المصدر والصفحة .
(4)
انظر موسوعة الإمام المهدي (ع) للمؤلف : تاريخ الغيبة الكبرى ص505 وتاريخ ما بعد الظهور ص 273 .
(5)
نهج البلاغة خطبة /23 . ج1 ص68 , شرح محمد عبده .
جوابه قال العكبري (1) : ويومئذ الثانية بدل , وعلى تقدير اذكر . أو ظرف ليصدر . أقول : الاولى كونه ظرفاً ليصدر , لموافقة للمعنى ومشابهته في الظرفية ليومئذ الاولى .
سؤال ك لماذا كرر يومئذ ؟
جوابه : انه بعد التجاوز عن الجانب الاختياري , من حيث ان للمتكلم ان يلحق بكلامه ما شاء . يمكن تقديم عدة وجوه للفرق بينهما :
الوجه الاول : ان الاول خاص بالإنسان المطلق والثاني عام لمطلق الانسان .
الوجه الثاني :ان الاول خاص بالارض والثاني عام لمن عليها .
الوجه الثالث :ان الاول خاص بالحوادث السابقة على يوم القيامة , والثاني عام لحوادث يوم القيامة .
ولا تنافي بين هذه الوجوه . ولكل منها قرائنه الخاص به . وتجمع على ان مناسبة الاولى أخص من مناسبة الثانية .
سؤال: ما هو المحذوف في يومئذ . لانهم قالوا :ان التنوين فيه دال على محذوف , ومعروض عنه فما هو ؟
جوابه : من وجهين :
الوجه الأول : ان المقدر في كل منهما غير المقدر في الاخرى . وكل منهما يؤخذ المقدر مما سبقه في الكلام .
الوجه الثاني : ان المقدر فيهما واحد , وانما كرر إيضاحاً . ووحدة السياق تدعم هذا المعنى
ولكن ينبغي ان نلاحظ انه ما هو العلة وما هو المعلول من هذين اليومين المذكورين في يومئذ ؟ طبعاً الاول منهما يكون بمنزلة العلة أو الشرط والثاني يكون بمنزلة المعلول أو المشروط . أو يكونان بمنزلة المعلولين لعلة واحدة , وهو الزلزال . فيحل منه امران مقترنان :
سؤال : عن معنى قوله أشتاتاً .
جوابه : قال الراغب (2) : الست تفريق الشعب . يقال : شَتَّ جمعهم شتاً وشتاتاً , وجاءوا اشتاتاً . أي متفرقي النظام . قال تعالى : وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى أي هم بخلاف من وصفهم بقوله :ولكنَّ الله آلَّفَ بَيْنهُم .
وقال العكبري (3) : أشتاتاً حال . والواحد منه شت , الخ .
أقول : ومفرده مُشِتَّ .وأسم فاعله شات . ومشت رباعي ( او مزيد فيه ) من أُشت أي حمل غيرهِ على التفرق . فيكون معناه : مفرَِّق وليس متفرق . واما شات فهو من الثلاثي . من شئت اذا تفرق الجميع .
واشتات جمع تكسير لمشت أو شتَ .. ولكن شات ومشت يجمع جمعاص سالماً أيضاً :شاتين .
ويمكن طرح أطروحة أخرى , وهي أحتمال كون : أشتاتاً , مفرداً وليس جمعاً . وحسب فهمي أن تكون فيه عدة أطروحات :
أولاً : انه مفرد بمنزلة الصفة المشبهة .
ثانياً :انه بمنزلة أسم الفعل يعطي معنى التفرق .
ثالثاً : أنه مفرد لا جمع له .
رابعاً : أنه جمع لا مفرد له .
خامساً :انه مفرد يراد به الجمع , أو هو مفرد لفظاً جمع معنى , مثل ناس ونساء .ومن العجيب أنهم قالوا :ان له مفرد وهو جمع . لكننا لو لاحظنا الجمع فيها فينبغي ملاحظة عدة جماعات مشتتة . فيكون كل واحد منها جزءاً للاشتات . وليس من الصحيح ان تلاحظ جماعة واحدة , بحيث يكون كل فرد مفرداً لها , بل يكون جزاءاً من الشتات الواحد .
وأما إذا لاحظنا الاشتات لجماعة واحدة وليس كل واحد منها مفردا بل جزء . فيكون معنى شت انه متفرق عن صاحبه . فيكون معنى :شتّ أي شخص مبتعد .
فهذه نقطة قوة من هذه الجهة , وهو اننا حصلنا على مفرد أشتات .
ولكن نقطة ضعيفة :ان الاشتات عندئذ لا يكون بمعنى متفرقين , كما فسره أهل اللغة , بل يكون بمعنى متباعدين . وان كان المحصل العرفي فيهما واحد .
هذا وينبغي أن نلاحظ أن هذا الوصف لا يوصف به الذوات العقلة فقط . بل كل متفرق , حتى لو كان حيواناً أو نباتاً . قال تعالى : ( نَبَاتٍ شَتَّى)(طـه:53).
.....................................
(1)
ج2, ص157 .
(2)
المفردات مادة " شت"
(3)
ج2, ص 157 .
وانه أيضاً , لم يلحظ في أشتات :سبق الاجماع . أي أنهم كانوا مجموعين فتفرقوا وأصبحوا أشتاتاً . بل قد يكونوا متفرقين بالخلقة , كما في الجبال المتوزعة على سطح الأرض .فانها أيضاً أشتات . وكل واحد من هذين النحوين حصة منة .
فان قلت : ولكن هذه الآية تعطي ( صورة متحركة ) بانهم كانوا مجموعين ثم تفرقوا .
قلت : هذا صحيح ولكنه لم ينشأ من قوله تعالى : اشتاتاً .وغنما من قوله : يصدر , يعني يرجعون الى الحياة . كقوله تعالى : ( وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ)(الأنبياء: 96) .
فان قلت :أن أشتاتاً حال من يصدر . فيكون المعنى : انهم يصدرون متفرقين من حين صدورهم . لا بعد صدورهم تفرقوا واصبحوا أشتاتاً .
قلت : نعم , هو مستفاد من الآية الى حدٍ ما . ولكن يمكن القول : أنهم يصدرون فيتفرقون . واما إذا فهمنا انهم متفرقون من حين صدورهم , فينبغي أن نفهم من الأشتات تفرق الاتجاه لا تفرق الأفراد . بمعنى أنهم مجموعون في لحظة قيامهم. ولكن كل واحد منهم يتجه الى اتجاه مختلف عن الأخر : ( تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى .. أي اتجاههم متفرق .)(الحشر: 14) وقال تعالى : (إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى) (الليل:4) . أي متفرق . وهي أوضح من سابقاتها فيما نقوله .
سؤال :يبدو إن هناك تناقضاً ما بين آيتين من القرآن الكريم . أحدهما قوله تعلى : (يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتاً ) . وثانيهما :قوله تعالى : ( وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً)(الكهف: 47) . حيث دلت إحداهما على التفرق والأخرى على الجمع . فأي منهما نصدق ؟
جوابه : ان هذا له أثر من مبرر :
الأول : ما التفت اليه في الميزان حين قال (1) والمراد بصدور الناس متفرقون يومئذ أنصرافهم عن الموقف الى منازلهم في الجنة والنار . أقول : فيكون الجمع في الموقف والتفرق بعده .
ويرد عليه : ان أشتاتاً حال من يصدر , فيكون المعنى أنهم يصدرون حال كونهم أشتاتاً . في حين ان مقتضى هذا الوجه هو انهم يتفرقون بعد ذلك في منازلهم من الجنة والنار .
مضافاً الى نص الآية إنه : يصدر الناس أشتاتاً ليروا أعمالهم وذلك في يوم القيامة .فالصدور سابق على يوم القيامة فهذه الصفة ,أعني أشتاتاً , سابق عليها أيضاً .
وأما ذهابهم الى منازلهم , فيكون على معنى أنهم يرون نتائج أعمالهم , من الثواب والعقاب,وإفادة ذلك من الاية يحتاج الى تقدير وهو خلاف الأصل .
الثاني : ما في الميزان أيضاً حين قال (2) : وقيل : المراد خروجهم من قبورهم الى الوقف متفرقين متميزين بسواد الوجوه وبياضها , وبالفزع والأمن وغير ذلك , لا علامهم جزاء أعمالهم بالحساب .
ويرد عليه : ان الأشتات والتفرق صفة للصدور في الآية , وليس صفة للأوصاف والحالات . ويكون فهم ذلك متوقفاً على التقدير , وهو خلاف الأصل .
الثالث : أن أشتاتاً راجع الى ما قبل الحشر عند الخروج أو الصدور من قبورهم باعتبار تفرق قبورهم . او لانهم كانوا في الدنيا مشتتين . فيكون الحاصل : أنهم يجمعون بالرغم من تفرقهم .
وجوابه : ان الظاهر ان الأشتات الى الصدور .يعني بعد الصدور , لا قبله .
الرابع : انهم أشتات ما بين الصدور والحشر . فان الذي يحصل في يوم القيامة ثلاثة أمور : الأول : رجوع الموتى الى الحياة .الثاني : الذهاب الى عرصة المحشر . الثالث : الحساب في عرصة المحشر . وأشتاتاً يعود الى المر الثاني . وفي عرصة المحشر يجمعون بعد التفرق .
الخامس : أن نقول بالحشر التدريجي, وفكرته : ان كل جماعة أو عن كل جيل , أو كل دين يحشر لوحده ويحاسب . فيراد بالتفرق والأشتات أي أزمنة متعددة .
ويرد عليه : ان هنا وضوحاً في أذهان المتشرعة بحصول الحشر الدفعي . وان الحشر التدريجي باطل . وكذلك هو ظاهر قوله تعالى : (وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً)(الكهف:47).
ويمكن ان يجاب على ذلك بما ورد في عدد من الروايات (3) ان قبل أدمكم هذا ألف أدم ألف آدم عالم .فهل يحاسب هؤلاء كلهم دفعة واحدة ؟
...............................
(1)
ج20 , ص 343 .
(2)
المصدر والصفحة .

حسب فهمي : ان كل نسل يحاسب على حده ,والحساب ان لاحظناه دفعياً فهو صادق لكل نسل وحده . وان لاحظناه تدريجياً , فباعتبار تعدد النسل , كما نصت عليه الروايات , المشار اليها .
فان قلت : فما المقصود أذن , من الناس في قوله تعالى : يوم يصدر الناس اشتاتا ؟
قلت : ان المقصود بهم أحد أمرين :اما اولاد آدم , أي النسل الحالي على وجه الأرض .وهذا هو الأقرب الى الظهور الأولي للقرآن الكريم , فيثبت الحشر الدفعي لهذا النسل .
واما ان يراد بهم الذوات العاقلة المدركة القابلة للثواب والعقاب . وهذا المعنى شامل لكل ذاك النسل المشار اليه في الروايات . إلا ان هذا يعني ان لكل نسل منهم حشرأ دفعياً . وهو معنى وجيه , واما أن نقول ان ظاهر الناس اجتماع كل تلك النسول دفعة واحدة . فهذا مما لا يمكن المصير اليه . وكذلك في قوله تعالى :وحشرناهم جميعاً فلم نغادر منهم أحدا .
سؤال : عن قوله تعالى : لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ .
جوابه : قال العكبري (1) :ليروا يتعلق بيصدر .ويقرأ بتسمية الفاعل وبترك التسمية وهو من رؤية العين .أي جزاء أعمالهم .
أقول : ان قلت : ليروا ليس جاراً ومجروراً ليتعلق بشيء . قلت : إنهم يعتبرونها بتقدير أن المصدرية . فتكون لام الجر داخلة على المصدر المسبوك منها مع مدخولها . فيحتاج الى متعلق . ويكون المعنى بناء على القراءة المشهورة , مبنياً للمفعول , إن الفاعل المحذوف هو الله سبحانه أو الملائكة , ونحو ذلك , يعني : يريهم أعمالهم .
وان قرأنا على القراءة الاخرى مبنياً للمفعول . فهو بمعنى تعدية الى مفعولين , بأعتبار تحوله من الثلاثي الى الرباعي . فالثلاثي : رأى , والرباعي يُرى . إذا حُمل على الرؤية . وهذا قليل الاستعمال في العربية . ومثاله :خاط زيد الثوب . وأخاط زيد عمراً الثوب أي حمله على الخياطة . فيتعدى الى مفعولين ليس أصلهما مبتدأ وخبر . وكذلك الحال يُروا . بان يكون نائب الفاعل بمنزلة المفعول الأول . والمنصوب هو الثاني .
قوله تعالى : (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ .وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ) .
قال مشهور المفسرين : ان المراد ان الانسان يرى عمله يوم القيامة .
ويرد على ذلك عدة أشكالات .
الإشكال الاول :ما أشرنا اليه فيما سبق من ان المرئي حقيقة ان كان هو العمل , فلا وجود له يوم القيامة ليكون قابلا للرؤية .
ويجيب المشهور على ذلك بأحد وجهين :
الوجه الاول : انه يرى جزاء عمله من ثوابه وعقاب . . غير ان ذلك يستلزم التقدير وهو خلاف الاصل .
الوجه الثاني : انهم قالوا بتجسيد الاعمال . فهو يرى عمله على شكل جسم . وهو أيضاً يحتاج الى نحو من التقدير , لانه ليس رؤية للعمل نفسه بل للجسم النائب عنه او البديل له مضافاً الى ماسبق , ما ناقشنا به هذا المسلك عموماً .
الإشكال الثاني :انه هل يوجد عمل بمقدار ذرة ؟
وهو لإشكال على ظاهر الآية , مضافاً الى كونه موافقاً لفهم المشهور. وجوابه : انه ينبغي أن يقال أحد أمور:
الأمر الأول :ان جزء العمل عمل . فالصلاة عمل وجزؤها الركوع وجزؤه الذكر وجزؤه الحرف . وكلها أعمال يُجزى عليها . فاذا لوحظ العمل كمجموع , فانه لا يكون صغيراً , وأما اذا لاحظناه لحاظ تحليلياً فهو أعمال كثيرة وصغيرة . ويمكن أن تكون الآية قد لاحظت ذلك .
الأمر الثاني : اننا لو تنزلنا عن الأمر الأول , وقلنا بان الأعمال الجسدية واضحة وكبيرة . فان الاعمال ليست فقط تلك , بل هناك الاعمال الباطنية : النفسية والقلبية والعقلية . وهي ليست دائماً بذاك الوضوح . بل قد توجد في غاية الصغر والضآلة . كخطور في الذهن في لحظة . فهو بمقدار ذرة . ويشبه ما ورد :لو تكاشفتم لما تدافنتم . أي تكاشفتم بما في الخواطر والنفوس .
الإشكال الثالث :ان المراد بالرؤية في يوم القيامة ليس هو نفس الاعمال , وانما التقييمات الخلاقية لها , ولا أهمية لاي عمل بدون تقييم فهو العمدة في يوم القيامة . ويمكن ان تكون الآية واضحة من هذه الناحية . ومن الواضح ان التقييمات كبير وبعضها قليل مثل قيد شعرة أو مثقال ذرة .
..........................
(1)
الخصال , ص 652 , والتوحيد للصدوق , ص277 .
(2)
ج1 , ص 157 .
الإشكال الرابع :ان الأعمال انما هي اعراض وليست جواهر وما يمكن تعلق الرؤية به جواهر لا الأعراض .
جوابه : انه – عرفاً – يقال رأيته ويراد به العرض . فالاعراض من الناحية العرفة مرئية ومحسوسة في الدنيا والآخرة . والمشهور يقول : ان الأعمال نراها جوهراً , أي بعد تحولها الى جوهر . وهو القول بتجسيد الأعمال . إلا انه لا ضرورة الى ذلك في حدود الجواب على هذا الإشكال الأخير .
كما يمكن القول : بان الرؤية في الآخرة بمعنى التذكر لللاعمال الموجودة في الدنيا .
فان قلت : ان التذكر ليس رؤية .
قلت : ان التذكر قد يكون من الوضوح , بحيث يكون بمنزلة الرؤية , فكأنه يعيش في الدنيا ,وإن لم يكن كذلك.
سؤال : ما هو المرئي في هذه الرؤية ؟
جوابه : فيه عدة أحتمالات غير متنافية :
الاحتمال الأول : ان المراد هو العمل المنجز ويكون المرئي هو العمل المنجز نفسه . فمن يصلي يرى صلاته في الدنيا ويراها في الآخرة أيضاً .
الاحتمال الثاني : أن يكون المراد بالعمل العمل القلبي , والرؤية للعمل القلبي ايضاً , فمن يحب أهل البيت عليهم السلام , يرى ذلك في الدنيا والآخرة أيضاً .
الاحتمال الثالث : ان يكون المراد بالعمل العمل المنجز ويكون المرئي هو الباطن كما في مرتكزات النفس لدى ظهورها بعد التحميص والبلاء .
والضمير في ( يَرَهُ ) لا يرجع الى مادة ( يَعْمَلْ ) ولا الى هيئته .فان كليهما خلاف الظاهر , بل يرجع الى المثقال . وفيه نفس هذه الاحتمالات .
سؤال : يتحصل من سياق عبارة الطباطبائي في الميزان (1) , تخيل المنافات بين ما تدل عليه هاتان الايتان من عموم الرؤية للاعمال . وبين الآيات الدالة على حبط الأعمال أو الدالة على انتقال الأعمال الى الآخرين ونحو ذلك .
جوابه : من وجوه :
أولاً : ان الفرد الذي يرى عمله قبل التحول , يراه طرفة عين أو آناً ما . ثم يتحول أو يحبط . فلا تنافي بين الأمرين لانهما مختلفان رتبة .
ثانياً : ما ذكره صاحب الميزان (2) ., من أن الطائفة الثانية حاكمة على هاتين الآيتين , لأنه يكون بعد الانتقال لا عمل له , فلا يراه .
ثم انه قدس سره , أمر بالفهم : ( فافهم ) دللالة على قابليته للمناقشة . من حيث انه عند الانتقال والاحباط لا يتغير العامل بل يستحيل ذلك عقلا ً . وانما يقع التغير فقط على الثواب والعقاب .اذن , فبناء على هذا الوجه سوف نحتاج الى تقدير , وهو خلاف الأصل .
ثالثاً : ان هاتين الآيتين لن يذكر انه يراه كعمل له . بل لعله يراه كعمل لغيره . فتحصل الرؤية إجمالاً بعد الانتقال أو الإحباط .
سؤال : المثقال أكبر من الذرة التي نعرفها , ملايين المرات , فكيف تقاس , كما هو المفهوم من قوله تعالى :مثقال ذرة ؟
جوابه : هذا مبني على الفهم الحديث على ان الذرة هي الإلكترونات والبروتونات ونحوها , وكون المراد من المثقال هو أحد الأوزان القابلة للقسمة عرفاً .في حين لم يكن هذا ولا ذاك مفهوماً في الزمن الماضي , في صدر الإسلام , وفي عصر الصدور .
ولكن مع التنزل عن ذلك , يمكن ان نجيب بأجوبة أخرى :
أولا : ان مثقال ذرة تعبير عرفي يراد به التقليل للعظيم . مع الالتفات الى ان الفهم العرفي السابق للمثقال كونه أصغر من الفهم المعاصر
ثانياً : يمكن إلغاء معنى المثقال من الآية . لان المهم الآخذ بما يدل على الضآلة وهو الذرة دون المثقال . فيبقى هذا التعبير مجرد تعبير أدبي .
ثالثاً : ما ذكره الراغب حين قال (3) :والمثقال ما يوزن به . وهو الثقل . وذلك أسم لكل سنخ (عيار أو صخر)
........................................
(1)
ج20 , ص 343 .
(2)
المصدر والصفحة .
(3)
المفردات مادة" ثقل "
قال تعالى : وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ. وقال : فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ.
أقول : وهذا معناه احد أمرين .
1-
ان المثقال معنى عام حتى للاوزان الخفيفة جداً , بحيث لا مانع من مقايسته بالذرة .
2-
ان القرآن قد أستعمله في ذلك ولو مجازاً .
سؤال : قاله القاضي عبد الجبار (1): أليس ذلك يوجب ان الكافر والفاسق اذا فعلا طاعات يريان ثوابهما . وذلك على خلاف قولكم .
جوابه : انه اجاب عليه بقوله (2) : ان الخير المستحق على الطاعة هو الثواب . وانما يستحقه فاعل الخير اذا لم يكن معه معصية أعظم من الطاعة . فاما اذا كانت معاصيه من باب الكفر والفسق فلن يرى ذلك , لان الوعد والوعيد مشروط بما ذكرنا في الثواب والعقاب .
أقول : يعني اذا لم يكن معه معصية أعظم من الطاعة وأما اذا كان كذلك فلا يراه .
وهذا غير تام لاننا اذا افترضنا في مرحلة من التفكير ان الكفار والفاسقين لديهم طاعات إجمالاً- كما أقربه القاضي عبد الجبار – فليس من العدل الألهي ان لا يثابوا بها ولا يرونها .لان ذلك سوف يكون من الحجة على ربه .وحاشاه .
على أن العبارة على هذا التقدير , تحتاج الى تقدير , وهو خلاف الأصل . في حين لو زال التقدير , فيكون المرئي هو نفس العمل وهو مما يمكن حصوله , سواء أُثيب عليه أم لا .
على اننا يمكن ان نجيب على السؤال بأجوبة أخرى :
منها : ان هؤلاء الذين أشار اليهم القاضي عبد الجبار وهم الكفار والفسقة , ليس لهم طاعات أطلاقاً , فلا يرونها لانها غير موجودة . وذلك لاكثر من تقريب :
التقريب الأول : ان الطاعات أنما تقبل في ميزان العدل الألهي ويُجزى عليها بالخير , وذلك : مع درجة من صفاء النية وطيبة القلب . ولو كانت بدرجة ضئيلة جداً . وإلا لم يكن العمل مقبولاً , فلا يكون لديه طاعات حقيقية , وان تخيل ذلك لنفسه . ويؤيد ما ورد من (3) : ان الله لا ينظر الى صوركم وإنما ينظر الى قلوبكم .
التقريب الثاني : ما ورد من انه (4) لا تقبل طاعة عبد إلا بولايتنا أهل البيت . ومعه فان كانت الولاية موجودة فالطاعة موجودة أو ان العمل طاعة فعلاً . وإلا لم يكن طاعة , وان توهم ذلك . ومن تطبيقات ذلك قول الكافر يوم القيامة : يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَاباً(النبأ:40) .
هذا , ولو أخذنا بالفهم الذي رجحه القاضي عبد الجبار , وهو حصول النجاة بمجرد ان تثقل كفة الحسنات . فعندئذ يدخل الجنة بغير حساب . حينئذ أمكن أن نقيد الآية الكريمة بذلك بان نقول : انه يرى حسناته اذا لم تثقل سيئاته عليها ويرى سيئاته اذا لم تقل حسناته عليها , ومن الواضح ان التقيد لا ضير فيه عرفاً .
سؤال : ما هو محل خيراً وشراً من الإعراب ؟
جوابه : قال العكبري (5) : خيراً وشراً بدلاً من مثقال ذرة ويجوز أن يكون تميزاً . والله أعلم .
أقول : وهناك أحتمال ثالث قلما يُلتفت اليه , وبالرغم من عدم صحته لا بأس بطرحه هنا لتنمية الذهن .وهو أن يكونا مفعولين , وإن كان الفعل أساساً يأخذ مفعولاً واحداً .
وذلك : ان الفضلات لا تكرر عادة كحالين متتابعين أو تمييزين أو مضافين أو مفعولين لفعل متعد واحد .وكل ذلك عليه المنع في الغالب وبعضها المنع مطلقاً . ولكن حسب فهمي فانه ممكن أحياناً وأن كان خلاف العادة .
فمثلاً : يمكن ان نقول : سرج الفرسِِ ِ زيدٍ .بعنوان ان زيد مضاف ابتداءاً الى السرج , كما ان الفرس مضاف اليه نفسه أيضاً .
وليس هذا من قبيل الأضافات المتعددة , وهي الأضافة الى الأضافة , يعني المضاف اليه الى المضاف اليه . كقول الشاعر (6) :
................................
(1)
تنزيه القرآن عن المطاعن ص 474 .
(2)
المصدر والصفحة .
(3)
انظر : ص 173 .
(4)
البحار , ج27 , ص 169 .
(5)
ج2 , ص 157 .
(6)
انظر مختصر المعاني , للتفتازاني , ص11 .
حمامة جرعى حومة الجندل أسجعي فأنتِ بمرأى من سعاد ومسمع ِ
وهنا نقول : مثقال . مفعول به . وشراً وخيراً أيضاً مفعول به . أي يتكرر المفعول به لما يأخذ مفعول واحداً . فكاننا أسقطنا المفعول الأول وأتينا بالثاني , كانه الوحيد الموجود .
إلا ان هذا بمجرده لا يتم , إلا بعد دمج أحد المفعولين بالاخر , اما معنوياً " بافناء المثقال بالخير باعتبار ان الثاني هو المقصود الرئيسي " أو بتقييده به . فيتكون منها مفهوم واحد يكون هو المفعول به الواقعي معنوياً . وان لم يقبل النحويون بذلك .
تمت هذه السورة والحمد لله رب العالمين